أنّ آدم ﵇ لما احتضر اشتهى قطفا من قطوف [١] الجنة، فانطلق بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة فقالوا: إلى أين تريدون يا بنى آدم؟ فقالوا: إنّ أبانا اشتهى قطفا من قطوف [١] الجنة. فقالوا: ارجعوا فقد كفيتموه. فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسّلوه وحنّطوه وكفنوه، وصلى عليه جبريل، والملائكة خلف جبريل، وبنوه خلف الملائكة، ودفنوه. وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم يا بنى آدم.
قال وهب بن منبّه:
وحفر له في جبل أبى قبيس «١» ، في موضع يقال له: غار الكنز. فلم يزل آدم في ذلك الغار حتى كان زمن الغرق، فاستخرجه نوح وجعله معه في تابوت في السّفينة. فلما نضب الماء، وبدت الأرض لأهل السفينة، ردّه نوح إلى مكانه.
قال أبو محمد:
ووجدت في التوراة «٢» أنّ جميع ما عاش آدم تسعمائة وثلاثون سنة.
وقال وهب:
عاش آدم ألف سنة.
стр. 142
شيث بن آدم
قال وهب:
وكان شيث بن آدم أجمل [١] ولد آدم وأفضلهم، وأشبههم به، وأحبّهم إليه.
وكان وصيّ أبيه [٢] وولىّ عهده، وهو الّذي ولد البشر كلّهم، وإليه انتهت أنساب الناس. وهو الّذي بنى الكعبة بالطين والحجارة، وكانت هناك خيمة لآدم، [٣] وضعها الله له من الجنة. وأنزل الله على شيث بن آدم خمسين صحيفة. وعاش شيث تسعمائة [٤] سنة واثنتي عشرة سنة.
/ ١١/ وولد لشيث: أنوش، وبنون وبنات. وولد لأنوش: قينان.
وولد لقينان: مهلاييل. وولد لمهلائيل: اليارد. وولد لليارد: أخنوخ، وهو إدريس- ﵇.
إدريس ﷺ
قال وهب بن منبه:
إنّ إدريس النبيّ- ﵇ كان رجلا طويلا، ضخم البطن، عريض الصدر، قليل شعر الجسد، كثير شعر الرّأس، وكانت إحدى أذنيه أعظم من الأخرى، وكانت في جسده نكتة بيضاء من غير برص، وكان رقيق الصوت رقيق المنطق، قريب الخطى إذا مشى. وإنما سمى إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتاب الله تعالى وسنن [٥] الإسلام. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين
стр. 143
صحيفة. وهو أوّل من خط بالقلم، وأوّل من حاك الثّياب ولبسها. وكانوا من قبله يلبسون الجلود. واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوهم. فلما رفعه الله اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح. وهو أبو جدّ نوح. ورفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة.
وفي التوراة:
إنّ أخنوخ أحسن خدّام [١] الله، فرفعه الله إليه.
وولد لإدريس النبي ﵇: متّوشلخ، على ثلاثمائة سنة من عمره. وولد لمتّوشلخ «١» : لمك. وولد للمك غلام، فسماه نوحا.
نوح ﷺ
قال وهب:
إنّ نوحا أوّل نبيّ نبّأه [٢] الله بعد إدريس. وكان نجّارا، إلى الأدمة ما هو، دقيق الوجه في رأسه طول، عظيم العينين، غليظ العضدين، دقيق الساقين، كثير لحم الفخذين، دقيق الساعدين، ضخم السّرة، طويل اللّحية عريضها، طويلا جسيما. وكان في غضبه وانتهاره شدّة. فبعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف عام إلا خمسين سنة: ثلاثة قرون في قومه عايشهم وعمّر فيهم، فلا يحيبونه، ولم يتبعه إلا القليل، كما قال الله . «٢»
стр. 144
وفي التوراة: «١» إنّ الله أوحى إليه أن اصنع الفلك، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع.
وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، وليكن بابها في عرضها، وادخل الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن كل شيء من اللحم اثنين اثنين ذكورا وإناثا، فإنّي منزل المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض./ ١٢/ وأن تعمل تابوتا تجعل [١] فيه جسد آدم، وتصنع التابوت من خشب الشمشار «٢» ، وتجعل [١] معك زاد سنة.
ففعل نوح.
فأرسل الله الطوفان على الأرض في سنة ستمائة [٢] من عمر نوح، في سبعة عشر يوما من الشهر الثاني. ولبث [٣] الفلك «٣» في الماء مائة وخمسين يوما. ثم أرسل الله ريحا فغشيت الأرض، فنشفت الأرض الماء، وانسدّت [٤] ينابيع الأرض وميازيب السماء، واستقرت في الشهر السادس على جبل قردى، «٤» [٥] وفي الشهر العاشر بانت رءوس الجبال. فلما كان في سنة ستمائة سنة وسنة [٦] ، في أوّل يوم من الشهر الأوّل،
стр. 145
نضب الماء عن الأرض، فكشف نوح غطاء الفلك فرأى وجه الأرض.
وفي سبعة وعشرين يوما [١] من الشهر الثاني جفّت الأرض.
فهذا ما في التوراة.
قال وهب بن منبه:
ذكر لنا أن السفينة استقلّت في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء مائة وخمسين يوما، ثم استقرّت على الجودىّ- وهو جبل بأرض الجزيرة- شهرا.
وخرج نوح إلى الأرض في عشر خلون من المحرّم.
وفي التوراة: «١» إن الله أمر نوحا أن يخرج من الفلك هو ومن معه. فخرجوا: وابتنى [٢] نوح مذبحا للَّه. وقرّب قربانا على المذبح. فأنشأ الله على القربان ريح الراحة، وبرك [٣] نوحا وبنيه، وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض. لتكن هيبتكم على دواب الأرض وكل طير السماء، وحيتان البحار، ولكن لا تأكلوا لحما فيه نفسه، [٤] ومن يهريق دم البشر ففي البشر [٥] يهراق دمه، من أجل أن آدم خلق على صورة الله . [٦] وقال لنوح: إن آية ميثاقي، الّذي أوثقكم به، ألّا أفسد الأرض بالطوفان، قوسى الّذي جعلت في الغمام، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا ميثاقي.
وذكر وهب بن منبه:
أن نوحا دخل الفلك وولده [٧] الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، وأربعون رجلا، وأربعون امرأة من المسلمين. فلما خرجوا بنوا قرية سمّوها:
стр. 146
ثمانين «١» ، لأنه كان فيها ثمانون بيتا، لكل نفس ممن آمن معه بيت- فهي اليوم تسمى: سوق ثمانين- وقرّب قربانا. وصام شهر رمضان، وهو أوّل من صامه.
قال: وإنما سمى الماء طوفانا،/ ١٣/ لأنه طفا فوق كل شيء.
قال: وكان بين موت آدم ﵇ إلى أن غرقت الأرض ألفا سنة ومائتا سنة واثنتا وأربعون سنة.
وفي التوراة:
إن نوحا عاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، فكان عمر نوح تسعمائة سنة وخمسين سنة.
وقال وهب:
كان عمر نوح ألف سنة، لأنه بعث إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، ولبث فيهم يدعوهم إلى أن مات بعد تسعمائة وخمسين سنة.
ولد نوح ﵇
قال أبو محمد:
وفي التوراة «٢» : إنه ولد لنوح: سام، وحام، ويافث. بعد خمسمائة سنة من عمره.
وأما المختلف عنه- الّذي قال له: يا بنى اركب معنا- فهو يام، وهو الّذي قال له:
يا بنى، اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. ولم أر له في التوراة ذكرا. فالناس جميعا من أولاد هؤلاء الثلاثة.
стр. 147
قال: حدّثنى سهل بن محمد، عن الأصمعيّ، عن مسلمة [١] بن علقمة المازني:
أن عمر بن الخطاب قال لكعب: «١» لأيّ ابني آدم كان النّسل؟ فقال: ليس لواحد منهما نسل. أما المقتول فدرج «٢» ، وأما القاتل فهلك نسله في الطوفان، والناس من بنى نوح، ونوح من بنى شيث، وشيث: ابن آدم.
وفي التوراة: «٣» إن نوحا لما خرج من السفينة غرس كرما، ثمّ عصر من ثمره خمرا، فشرب وانتشى وتعرّى في جوف قبته. فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، فأطلع على ذلك أخويه، فأخذ سام ويافت رداء فألقياه على عواتقهما، ومشيا على أعقابهما فواريا عورة أبيهما وهما مدبران. فاستيقظ نوح من نشوته وعلم ما فعل به ابنه الأصغر، فقال: ملعون أبو كنعان، عبد عبيد يكون لأخويه. وقال: مبارك سام، ويكثر الله أولاد يافث، ويحل في مسكن سام، ويكون أبو كنعان عبدا لهما.
стр. 148
حام بن نوح
قال وهب بن منبه:
إن حام بن نوح كان رجلا أبيض، حسن الوجه والصّورة، فغيّر الله لونه وألوان ذرّيته من أجل دعوة أبيه، وإنه انطلق وتبعه [١] ولده فنزلوا على ساحل البحر، فكثّرهم الله وأنماهم، وهم السّودان. وكان طعامهم السمك، فحدّدوا أسنانهم حتى تركوها مثل الإبر، لأن السمك كان يلصق/ ١٤/ بها. ونزل بعض ولده المغرب. فولد حام: كوش بن حام، وكنعان بن حام، وقوط [٢] بن حام.
فأما قوط بن حام، فسار فنزل أرض الهند والسّند، فأهلها من ولده.
وأما كوش وكنعان، فأجناس السودان والنّوبة والزّنج والقزّان [٣] والزّغاوة والحبشة والقبط والبربر من أولادهما.
يافث بن نوح
وأمّا يافث، فمن ولده: الصّقالب، وبرجان، والأشبان [٤] ، وكانت منازلهم أرض الرّوم قبل الرّوم. ومن ولده: التّرك، والخزر، ويأجوج، ومأجوج.
سام بن نوح
وأما سام بن نوح، فسكن وسط الأرض: الحرم وما حوله، واليمن إلى حضرموت إلى عمان إلى البحرين إلى عالج «١» ويبرين ووبار والدّو والدّهناء.
стр. 149
فمن ولده إرم بن سام بن نوح، وأرفخشذ بن سام بن نوح.
ومن ولد أرفخشذ بن سام: قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وابنه يعرب بن قحطان أوّل من تكلم بالعربية، ونزل أرض اليمن، وهو أبو اليمن كلهم. وهو أوّل من حيّاه ولده بتحيّة الملوك: أنعم صباحا، وأبيت اللعن.
ومن ولد أرفخشذ: يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
ويقطن: هو أبو جرهم، وجرهم هو ابن عمّ يعرب [١] . وكانت جرهم ممن تسكن اليمن وتتكلم بالعربيّة، ثم نزلوا مكة فكانوا بها- وقطورا، بنو عمّ لهم- ثم أسكنها الله إسماعيل ﵇، فنكح في جرهم، فهم أخوال ولده.
ومن ولد إرم بن سام بن نوح: عاد بن عوص [٢] بن إرم بن سام بن نوح. وكانوا ينزلون الأحقاف من الرّمل، فأرسل الله إليهم أخاهم هودا.
ومن ولد إرم بن سام بن نوح: ثمود بن عابر- ويقال: ثمود بن جاثر بن إرم ابن سام بن نوح- وهو ابن عمّ عاد بن إرم، وكانوا ينزلون الحجر، فأرسل الله إليهم أخاهم صالحا، ﵇.
ومن ولد إرم بن سام: طسم وجديس، ابنا لاوذ بن إرم بن سام بن نوح.
ونزلوا اليمامة. وأخوهما عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. نزل بعضهم الحرم، وبعضهم الشام، فمنهم العماليق، أمم تفرقوا في البلاد، ومنهم فراعنة مصر والجبابرة، ومنهم ملوك فارس وأهل خراسان.
وأخوهم أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح،/ ١٥/ نزل أرض فارس.
فأجناس الفرس كلهم من ولده:
стр. 150
ومن ولد سام: ماش بن إرم بن سام بن نوح، نزل بابل، فولد: نمرود بن ماش، وهو الّذي بنى الصّرح ببابل، وملك خمسمائة سنة. وفي زمانه فرّق الله الألسنة، فجعل في ولد سام تسعة عشر لسانا، وفي ولد حام سبعة عشر لسانا، وفي ولد يافث ستة وثلاثين لسانا [١] .
ويقال: إنّ النّبط من ولد ماش، سمّوا: نبطا «١» [٢] ، لإنباطهم المياه.
ويقال أيضا: النّبط: من ولد شاروخ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ ابن أرفحشذ بن سام بن نوح، وإنّ النمروذ، هو أخو شاروخ بن أرغوا.
والأنبياء، كلهم: عجميّهم وعربيّهم، والعرب كلها: يمنيها ونزاريّها، من ولد سام بن نوح.
هود ﵇
هو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال وهب:
هو هود بن عبد الله بن رياح بن حارث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام ابن نوح. وكان أشبه ولد إرم بإرم، خلا يوسف. وكان رجلا آدم كثير الشعر حسن الوجه. وكانت «عاد» ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرّمل، وبلادهم أخصب [٣] البلاد، وكثرتهم وديارهم بالدّو «٢» والدّهناء وعالج ويبرين ووبار، إلى عمان، إلى حضرموت، إلى اليمن. فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز وغيطانا.
ولمّا أهلك الله قومه لحق هود ومن آمن معه بمكة وأقاموا بها، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. وكان هود رجلا تاجرا.
стр. 151
صالح ﵇
قال وهب بن منبه:
إنّ الله بعث صالحا إلى قومه حين راهق الحلم، وكان رجلا أحمر إلى البياض، سبط الشعر، وكان يمشى حافيا ولا يتخذ حذاء، كما يمشى المسيح، ولا يتخذ مسكنا ولا بيتا، ولا يزال مع ناقة ربّه حيث توجّهت.
وهو صالح بن عبيد بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وكانت منازل قومه بالحجر، وبين الحجر وبين قرح ثمانية عشر ميلا، وقرح: هي وادي القرى.
ولما قال له قومه: ائتنا بآية. أتى بهم هضبة، فلما رأته تمخّضت كما تمخّض الحامل، وانشقّت عن الناقة.
وعاقر الناقة: هو أحمر ثمود، الّذي يضرب به المثل في الشؤم، واسمه: قدار ابن سالف/ ١٦/ وكان أحمر أشقر أزرق سناطا «١» قصيرا. والعاقر الآخر: مصدع ابن مهرج. وكان رجلا نحيفا طويلا أهوج مضطربا. ولما عقرت الناقة صعد فصيلها جبلا ثم رغا، فأصابهم العذاب.
وقال غير وهب:
فلذلك تقول العرب: «رغا فوقهم سقب «٢» السماء» ، إذا هلكوا.
قال وهب بن منبه:
فلما أهلكهم الله، قال صالح لمن آمن معه: يا قوم، إن هذه دار قد سخط الله على أهلها، فاظعنوا عنها والحقوا بحرم الله وأمنه. فأهلّوا «٣» من ساعتهم بالحج
стр. 152
وأحرموا في العباء، وارتحلوا قلائص حمراء مخطّمة بحبال من ليف، ثم انطلقوا يلبون حتى وردوا مكة. فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فقبورهم في غربىّ الكعبة، بين دار النّدوة والحجر.
وكان صالح رجلا تاجرا.
إبراهيم الخليل ﵇
هو إبراهيم بن تارخ [١] بن ناحور بن أشرغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال أبو محمد:
هكذا قال وهب، وقابلت بهذه النسبة ما في التوراة فوجدتها موافقة، إلا أنى وجدت مكان «أشرغ» شاروغ.
قال وهب:
وإبراهيم أوّل «١» من ضاف الضّيف، وأوّل من ثرد الثريد وأطعمه المساكين، وهو أوّل من قصّ شاربه واستحدّ «٢» واختتن، وقلّم أظفاره واستاك وفرق شعره وتمضمض واستنثر «٣» [٢] واستنجى بالماء، وهو أوّل من شاب وهو ابن مائة وخمسين سنة، وذلك أن سارة لما ولدت إسحاق قال الكنعانيون: أما تعجبون لهذا
стр. 153
الشيخ والعجوز، وجدا [١] غلاما لقيطا فتبنّياه. فصوّر الله إسحاق على صورة إبراهيم، فلم يكن يفصل بينهما، فوسم الله إبراهيم بالمشيب.
ووجدت في التوراة «١» أنه ولد «لتارخ» أبى إبراهيم: ناحور، وهاران [٢] ، فولد لهاران: لوط، وسارة، وملكا. ومات «هاران» في حياة أبيه «تارخ» في أرضه التي ولد بها، فنكح إبراهيم «سارة» ابنة «هاران» ، ونكح «ناحور» «ملكا» بنت «هاران» ، وكانت «سارة» عقيما، فساق «تارخ» ابنه إبراهيم، ولوطا، ابن ابنه، وخرج معهم إلى أرض حرّان، فحلوا بها. ثم مات «تارخ» في أرض حرّان.
قال وهب:
إن أوّل من/ ١٧/ «بنى حرّان» أخوان لإبراهيم، يقال لهما: هاران- وبه سميت «حران» - وناهر، وهو أبو «رفقا» ، امرأة إسحاق.
قال وهب:
وكان بين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائتا سنة وأربعون سنة. والّذي حاجّ إبراهيم في ربّه هو: نمرود بن كنعان، وهو أوّل من تجبّر وقهر وغصب وسنّ [٣] سنن السّوء، وأوّل من لبس التاج، ووضع أمر النجوم ونظر فيه وعمل به. وأهلكه الله ببعوضة دخلت في خياشيمه، فعذب بها أربعين سنة ثم مات.
стр. 154
قال وهب بن منبه.
ملك الأرض مؤمنان وكافران، فأما المؤمنان: فسليمان بن داود، وذو القرنين، وأما الكافران: فنمرود، وبخت نصّر. وسيملكها من هذه الأمة خامس.
قال: ولما نجّى الله إبراهيم من النار خرج من أرض بابل- وكان بكوثى- «١» [١] إلى الأرض المقدّسة. وخرج بسارة وابن أخيه لوط، وكان آمن له في رهط معه من قومه واتبعوه. حتى وردوا حرّان، فأقاموا بها زمانا، ثم خرجوا إلى الأردن، فدفعوا إلى مدينة فيها جبّار من الجبابرة، من القبط- يقال له: صادوف [٢]- وهو الّذي عرض له في سارة حتى منعها الله منه، ومتّع سارة ب «هاجر» أمّ إسماعيل، وكانت قبطيّة.
قال وهب:
وخرج ذلك الجبّار من تلك المدينة وورّثها الله إبراهيم، فأثرى بها، وأنمى الله بها ماله، فقاسم لوطا فأعطاه نصفها، وأنزل الله على إبراهيم عشرين صحيفة.
قال أبو محمد:
وفي التوراة «٢» : إنّ «سارة» زوّجت «إبراهيم» هاجر، وقالت: إنّ الله قد حرمني الولد، فادخل بأمتي لعلّنا أن نتعزّى [٣] منها بولد.
стр. 155
وقال وهب:
وهبتها له.
وفي التوراة «١» : إنّ «هاجر» ولدت إسماعيل، وإبراهيم ابن ست وثمانين سنة.
وولدت سارة: إسحاق، وإبراهيم ابن مائة سنة. وإنّ إبراهيم اختتن وهو ابن تسع وتسعين سنة، وختن إسماعيل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن معه من أولاد الغرباء. وإنّ سارة عاشت مائة سنة وسبعا وعشرين سنة، وماتت في حبرون «٢» : قرية الجبابرة في أرض كنعان.
قال وهب:
وتزوّج إبراهيم امرأة من الكنعانيين، يقال لها: قطورا، فولدت له أربعة نفر [١] . وتزوّج أخرى يقال لها: حجورا، فولدت له سبعة نفر./ ١٨/ فكان جميع ولد إبراهيم ثلاثة عشر رجلا. وعاش إبراهيم مائة وخمسا وسبعين سنة [٢] .
قال وهب:
عاش مائتي سنة، وقبر في مزرعة حبرون، وكان اشتراها، وفيها قبرت سارة.
стр. 156
إسماعيل بن إبراهيم ﷺ
قال: وأمر الله إبراهيم بالمسير إلى مكة بإسماعيل وأمّه، وأخبره أنه قد بوّأه البيت الحرام، وأنه يقضى على يديه عمارته، وينبط لإسماعيل سقايته فسار به وبأمه وتركهما هناك. وجاءت رفقة من جرهم فنزلوا شعاب مكة، وأعطوا إسماعيل سبعة أعنز، فكانت أصل ماله.
فنشأ إسماعيل مع أولادهم وتعلّم الرّمى، ونطق بلسانهم، ثم خطب إليهم، فزوّجوه امرأة منهم.
قال ابن إسحاق: «١» هي بنت مضاض بن عمرو الجرهميّ.
فولدت لإسماعيل اثنى عشر بطنا. منهم: قيدار [١] ، ونبت. والنّساب يختلفون في نسب معدّ بن عدنان، فبعضهم يقول: هو من ولد «قيدار» [١] ، وبعضهم يقول:
هو من ولد «نبت» .
وكان «نبت» بكر إسماعيل، وهو ولىّ البيت بعد أبيه ثم وليه بعد «نبت» مضاض بن عمرو الجرهميّ، جدّ «نبت» لأمّه.
ولما كثر ولد إسماعيل ضاقت عليهم مكة، فانتشروا في البلاد، فكانوا لا يدخلون بلدا إلا أظهرهم الله على أهله، وهم نفوا [٢] العماليق.
وعاش إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة، ودفن في الحجر، وفيه دفنت أمه هاجر.
стр. 157
إسحاق بن إبراهيم ﷺ
قال: وإسحاق هو الذّبيح، على ذلك أكثر أهل العلم، ووجدته في التوراة: الذبيح.
قال: حدّثنى محمد بن خالد بن خداش، قال: حدّثنا سلم [١] بن قتيبة، قال:
حدّثنا عليّ بن المبارك [٢] ، قال: حدّثنا الحسن، عن الأحنف «١» ، عن العبّاس بن عبد المطلب، قال:
الذّبيح: إسحاق.
قال: حدثنا أبو الخطّاب، قال: حدّثنا أبو داود، عن شعبة [٣] ، عن أبى إسحاق، عن عبد الله «٢» ، قال:
الذّبيح: إسحاق.
стр. 158
قال: وحدّثنا أبو الخطاب، قال: حدّثنا أبو داود، عن يزيد بن عطاء، عن سماك بن حرب. عن محمد بن المنتشر، عن مسروق «١» ، قال:
الذبيح: إسحاق.
وروى عمرو بن حمّاد، عن أسباط، عن السّدّى، عن أبى مالك. «٢» وعن أبى صالح، عن/ ١٩/ ابن عبّاس. «٣» وعن مرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود. «٤» وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قصة إبراهيم بطولها وتمامها:
стр. 159
أنّ الذبيح: إسحاق.
وبلغنا عن عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزّهرى، عن عمرو بن أبى سفيان «١» ، قال: سمعت كعبا يحدّث أبا هريرة:
أنّ الذبيح إسحاق.
ويقول قوم: إن الذبيح: إسماعيل.
قال: حدّثنى إسحاق بن إبراهيم الشّهيديّ، قال: حدّثنا يحيى بن يمان، عن إسرائيل، عن ثوير [١] ، عن مجاهد، عن ابن عمر «٢» ، قال:
الذبيح إسماعيل.
وحدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، عن القاسم ابن الفضل «٣» [٢] ، عن الحجاج بن الحجاج، عن الفرزدق الشاعر، قال:
стр. 160
سمعت أبا هريرة على منبر رسول الله ﷺ يقول:
إنّ الذبيح إسماعيل.
وفي التوراة: «١» إنّ إسحاق تزوّج: «رفقا» [١] بنت ناحور بن تارخ، وهي ابنة عمه.
قال وهب:
هي رفقا، ابنة باهر بن أزرا، بنت عمّه.
فولدت له: عيصو، ويعقوب. توأمين في بطن واحد. خرج «عيصو» ثم «يعقوب» بعده، ويده عالقة بعقبه، فسمى: يعقوب.
وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة «٢» . فلما مات قبره ابناه في المزرعة التي اشتراها إبراهيم، عند قبر إبراهيم، ﷺ .
عيصو بن إسحاق بن إبراهيم
قال: وكان «عيصو» رجلا أحمر شعر الجسد. عليه خواتيم من شعر، صاحب صيد. وهو أبو الرّوم.
وكان الرّوم رجلا جلدا أحمر، أصفر في بياض، شديد الصّفرة، فمن أجل ذلك سميت الرّوم: بنى الأصفر.
وتزوّج «عيصو» ابنة عمه إسماعيل بن إبراهيم، فولدت: الرّوم بن عيصو.
وخمسة آخرين.
стр. 161
فكل من بأرض الرّوم اليوم فهم من نسل هؤلاء الرّهط. وبعض الناس [١] يزعمون أنّ الإسبان من ولده.
وعمر «عيصو» مائة وسبعة وأربعين سنة، وكذلك عمر يعقوب، ودفنا في المزرعة عند قبر إبراهيم، ﵇.
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇
قال: ويعقوب هو إسرائيل، الّذي ولد الأسباط كلهم. وكان رجلا أزعر «١» [٢] نحيفا رزينا، لا يكاد يبرح/ ٢٠/ القبة. وكذلك قيل في التوراة. «٢» وكان إسحاق أمره ألّا ينكح امرأة من الكنعانيين، وأن ينكح امرأة من بنات خاله: لابان بن ناهر بن آزر. وكان مسكنه الفرات. فتوجه إليه يعقوب، فأدركه الليل في بعض الطريق، فبات متوسّدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم «٣» أنّ سلّما منصوب إلى باب من أبواب السماء عند رأسه، والملائكة تنزل منه وتعرج فيه، فأوحى الله إليه: (إنّني أنا الله لا إله إلّا أنا إلهك وإله آبائك) ، وقد ورّثتك هذه الأرض المقدّسة لك ولذرّيتك ولبنيك من بعدك، وباركت فيهم وفيك، وجعلت فيكم الكتاب [٣] والحكمة والنبوّة. ثم أنا معك أحفظك حتى أردّك إلى هذا المكان، وأجعله بيتا تعبدني فيه وذرّيتك. فهو بيت المقدس.
стр. 162
فسار إلى خاله، فخطب إليه ابنته «راحيل» - وكان له ابنتان: لايا، وهي الكبرى وراحيل، وهي الصغرى- فقال له: هل لك مال أزوّجك عليه؟ فقال يعقوب:
لا، إلا أنى أخدمك أجيرا حتى تستوفي صداق ابنتك. قال: صداقها أن تخدمنى سبع حجج. قال يعقوب: تزوّجنى [١] «راحيل» وهي شرطي ولها أخدمك. قال له خاله: ذلك بيني وبينك. فرعى له يعقوب سبع سنين. فلما وفاه شرطه دفع إليه ابنته الكبرى «لايا» ، وأدخلها عليه ليلا. فلما أصبح وجدها غير ما شرط. فجاء وهو في نادى قومه فقال: غررتنى وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين، ودلّست عليّ غير امرأتي. فقال له: يا بن أختى، أردت أن تدخل على خالك العار والشين والسّبّة، وهو خالك ووالدك، ومتى رأيت الناس يزوّجون الصّغرى قبل الكبرى؟
فهلم واخدمنى سبع حجج أخرى وأزوّجك أختها- وكان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين، إلى أن بعث الله موسى وأنزل عليه التوراة- فرعى له سبع سنين، فدفع إليه «راحيل» ، فدخل براحيل.
فولدت له «لايا» أربعة من الأسباط: روبيل، ويهوذا، وشمعون [٢] ، ولاوى.
وولدت له «راحيل» : يوسف، وأخاه، بنيامين، وأخوات لهما.
وكان «لابان» دفع إلى بنتيه، حين جهزهما إلى يعقوب، أمتين، فوهبتا الأمتين ليعقوب، فولدت منه كل واحدة منهما ثلاثة رهط من الأسباط.
ثمّ فارق «يعقوب» خاله، وعاد حتى نازل/ ٢١/ أخاه «عيصو» .
وعاش يعثوب في أرض مصر سبع عشرة سنة [٣] ، وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة. ودفن عند قبر إبراهيم، صلوات الله عليهما.
стр. 163
يوسف بن يعقوب ﵉
وكان بين دخول «يوسف» مصر إلى أن دخلها موسى بن عمران أربعمائة سنة. وعاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثا وعشرين سنة.
وفي التوراة «١» : إنه عاش مائة وعشر سنين.
وولد ليوسف ابنان: افرائم، وهو جد يوشع بن نون بن افرائم والآخر: ميشا.
فولد لميشا ابن يقال له: موسى، فتنبأ قبل موسى بن عمران. وزعم أهل التوراة أنه هو الّذي طلب الخضر.
شعيب وبلعم والخضر ﵈
ذكر وهب بن منبه:
أنّ «شعيبا» و «بلعم» كانا من ولد رهط آمنوا لإبراهيم يوم أحرق، وهاجروا معه إلى الشام. فزوّجهم بنات لوط. فكل نبيّ كان قبل بنى إسرائيل، وبعد إبراهيم، من أولئك الرهط.
وجدّة «شعيب» هي بنت لوط.
[وإنما قيل له: شعيب لأنه كان يدعو: اللَّهمّ بارك لي في شعبى ويقال: شعيب، خطيب الأنبياء] [١] .
стр. 164
[وكان مسكن بلعم: أريحا، والشام، وكان يعلم اسم الله الأعظم. فلما دعي على موسى- ﵇ وعلى بنى إسرائيل، أنساه الله تعالى الاسم] [١] .
قال وهب:
ولم تكن «مدين» قبيلة شعيب [من أصحاب الأيكة [٢]] ولكنها أمّة بعث إليهم.
ولما أصاب قوم شعيب ما أصابهم لحق شعيب والذين آمنوا معه من أصحاب الأيكة إلى مكة. فلم يزالوا بها حتى ماتوا.
واسم الخضر «١» : بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وكان أبوه ملكا عظيما جدا.
أيوب ﵇
قال وهب:
هو أيوب «٢» بن موص بن رعويل. وكان أبوه ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق.
وكان أيوب في زمن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان صهره، وكانت تحته بنت ليعقوب يقال لها: إليا [٣] بنت يعقوب، وهي التي ضربها بالضّغث. «٣» وكانت أمّ أيوب ابنة لوط النبي ﷺ ، وكانت له البثنيّة [٤] ، وهي مدينة بالشام.
стр. 165
موسى وهارون ﵉
قال وهب بن منبه:
هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
ولم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبيّ، حتى كان موسى.
وكان موسى ﵇ آدم جعدا طوالا، كأنه من رجال شنوءة. «١» وكان هارون أطول من موسى وأكنز [١] لحما، وأبيض جسما، وأغلظ/ ٢٢/ ألواحا [٢] ، وأسنّ من موسى بثلاث سنين.
وكانت في جبهة هارون شامة، وفي أرنبة أنف موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، ولا يعرف أحد، قبله ولا بعده، كانت [٣] على طرف لسانه شامة غيره، وهي العقدة التي ذكرها الله [٤] .
وكانت مريم أختهما أسنّ منهما، وكانت تحت «كالب بن يوفنا بن قارض ابن يهوذا بن يعقوب» .
قال: وفرعون موسى، هو فرعون يوسف، عمّر أكثر من أربعمائة سنة، واسمه: الوليد بن مصعب.
وغيره ينكر هذا، ويذكر أنّ ذاك غيره.
واسم امرأة فرعون: آسية بنت مزاحم.
стр. 166
وقارون، هو ابن صافر بن قاهث بن لاوى، وهو ابن عمّ: موسى بن عمران، ﵇.
والسامرىّ، هو: موسى بن ظفر- ويقال: إنه من أهل باجرمى «١» [١]- وكان من بنى إسرائيل، من بنى عم: موسى بن عمران.
قال: وقبض هارون، وهو ابن مائة سنة وسبع عشرة سنة. وعمّر موسى بعده ثلاث سنين، ومات وهو في سنه يوم مات. وخلفه يوشع بن نون، وهو: يوشع بن نون بن افرائم [٢] بن يوسف بن يعقوب، ﵈.
اشماويل بن هلقانا [٣] ﵇
وهو بالعربية إسماعيل. واسم أمّه حنّه. وهو من بنى إسرائيل، ولم يكن بينه وبين يوشع بن نون نبيّ، وهو الّذي ذكره الله جل ذكره في القرآن: وَقال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ٢: ٢٤٧ «٢» .
стр. 167
طالوت
قال وهب:
هو من سبط بنيامين بن يعقوب [١] . والأسباط من أولاد يعقوب بمنزلة القبائل من أولاد إسماعيل. وكان مسكينا، راعى حمير. وخرج من قريته يطلب حمارين له. فنزل بإشماويل، وأعلمهم [٢] أنه ملكهم، وأنه من سبط بنيامين.
فقالوا: قد علمت أنه لم يكن من هذا [٣] السبط ملك، ولا فيه نبوّة. فقال لهم إشماويل: أو أنتم أعلم أم الله؟ ألم تعلموا أن الله حين بعثه عليكم قد عرف نسبه.
داود وسليمان وولده ﵈
قال وهب بن منبه:
ثم استخلف الله بعد «إشماويل» داود بن إيشا [٤] ، وكان سابع سبعة إخوة/ ٢٣/ له، هو أصغرهم. وكان يرعى على أبيه. وكان فيه قصر وزرق «١» [٥] ، وقرع في ناحية من رأسه. وكان تزوّج ابنة طالوت- وكان شرط ذلك على طالوت إن قتل جالوت- فولدت له: أبشالوم [٦] ، وهو بكرة، وهو الّذي خرج على أبيه
стр. 168
وأراد نزعه من الملك. ثم تزوّج امرأة «أوريا بن حنان» بعد أن قتل، فولدت له «سليمان بن داود» .
ولم يزل الملك والنبوّة بعد «سليمان» في ولده وأولادهم، إلى «الأعرج» ، من ولد ولده. وكان عرجه من عرق النسا. فطمعت الملوك في بيت المقدس لزمانته «١» وضعفه، وأنه لم يكن نبيّا فسار إليه ملك الجزيرة- وكان يقال له:
ليّقر [١] . ويسكن برية الثّرثار، وهي برية سنجار، في مدينة يقال لها: الحضر، مبنية من حجارة، وكان يعبد الزّهرة- فنذر لئن ظفر ببيت المقدس ليذبحنّ ابنه للزّهرة، وكان «بخت نصّر» يومئذ كاتبه، فأرسل الله عليه ريحا فأهلكت جيشه، وأفلت هو وكاتبه حتى ورد الحضر، فقتله ابنه، وغضب له «بخت نصّر» فاغترّه فقتله، وملك بعده، فكان ذلك أوّل ملك «بخت نصّر» . وسار إليهم ملك الهند، فأهلكه الله تعالى، وانقرض ولد سليمان ونظراؤهم.
سنحاريب وبخت نصّر وأرميا
وسار «سنحاريب» ملك الموصل، وكان يسكن نينوى، وملك أذربيجان إليهم، وكان اسمه: سلما عاشر [٢]- وهو بالعربية: سلمان الأعشر [٣]- فاختلفا ووقعت الحرب بينهما حتى تفانوا، وغنم بنو إسرائيل ما كان معهما.
стр. 169
وسار إليهم ملك الروم ومعه الأشبان [١] والصقالب وملك الأندلس، فتشاجروا أيضا واقتتلوا، فأهلك الله بعضهم ببعض.
ثم أحدثوا وغيّروا، ورغب بعضهم عن بيت المقدس، وضارعه بمسجد ضرارا «١» ، فزلزل بهم ذلك المسجد، وشدخوا بخشبة.
ثم غزاهم بعد ذلك «بخت نصّر» ، فرغبوا إلى الله وتابوا، فردّه الله عنهم بعد أن فتحوا المدينة وجالوا في أسواقها.
فهذه المرّة الأولى التي ذكرها الله فقال: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ١٧: ٥- ٦. «٢» ثم أحدثوا بعد ذلك أيضا، فبعث الله «أرميا» النبيّ ليخبرهم بغضب/ ٢٤/ الله عليهم، فقام فيهم بوحي الله، فضربوه وقيّدوه وسجنوه. فبعث الله عند ذلك «بخت نصّر» ، وهي الكرة الأخرى التي ذكرها الله ، فقال: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ١٧: ٧. «٣» فقتل منهم وصلب وأحرق وجدع، وباع ذراريهم ونساءهم، ومثّل بهم كل مثلة. وصارت طائفة منهم إلى مصر ولجئوا إلى ملكها. فسار «بخت نصّر»
стр. 170
إلى ملك مصر فاقتتلا، فظفر به «بخت نصّر» فأسره، وأسر بنى إسرائيل، وقتل جنوده، ثم لحق بأرض بابل.
وأقام «أرميا» بأرض مصر واتخذ جنينة، وزرع فيها بقلا يعيش منه [١] ، فأوحى الله إليه: إن لك همّا وشغلا عن الزرع والمقام بأرض مصر [٢] ، وكيف تسعك أرض [٣] أو تحملك، مع ما تعلم من سخطى على بنى إسرائيل، فليحزنك هذا القضاء [٤] الّذي قضيته على «إيليا» «١» وأهلها، وأنه ليس زمن العمران. ولكنه زمن الخراب، فاعمد إلى جنينتك هذه فاهدم جدارها، وانتف بقلها، وغوّر نهرها، والحق بإيليا، ولتكن بلادك حتى يبلغ كتابي أجله.
فخرج «أرميا» مذعورا خائفا- وذلك في زمان الثمار- فركب أتانا له.
وتزوّد سلّة فيها عنب وتين، واتخذ سقاء جديدا [٥] فملأه ماء. ثم فتل حبلا جديدا فرسن به أتانه، ثم انطلق حتى إذا رفع له شخص بيت المقدس رأى خرابا عظيما لا يوصف، فقال: أنّى يحيى هذه الله بعد موتها «٢» . فأماته الله مائة عام.
ثم ابتعث ملكا من ملوك فارس، يقال له: كوش [٦] ، فعمرها، وأحياه الله.
وقيل له: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ٢: ٢٥٩ «٣» [٧] .
стр. 171
عزير ودانيال
قال: وكان في الأسارى الذين في يد «بخت نصّر» «١» : عزير، ودانيال.
فأما «دانيال» فهو الّذي عبّر له رؤياه «٢» ، ونزل منه بأفضل المنازل. وكان قبره بناحية «السّوس» «٣» . ووجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفّنه، وصلّى أبو موسى عليه، ثم قبره.
[وكان قد عمل البلى في ناحية من لحيته. وكان في بيت في جرن من حجارة، وتحت الجرن ثلاثون جرّة من نحاس مرصصة الرءوس، وتحت الجرار سفط في جرن من حجارة. فلم يدر أبو موسى ما هو؟ فسأل عنه، فقالوا: لا ندري ما هذا، غير أنه كلما أظلنا عدوّ، وحبس عنا القطر، كشفنا عند رأس الجرن وكشفنا وجهه. فكتب أبو موسى إلى عمر- رضى الله عنهما- بذلك. فكتب إليه عمر: إن الرجل هو دانيال، فادفنه حيث لا تمسه أيدي الخاطئين. فكفنه، وقطع نهر تستر «٤» ، ثم جعله في جرن حجارة ودفنه في النهر، ثم أجرى عليه الماء [١]] .
стр. 172
وأما «عزير» فأقام لبني إسرائيل التوراة، بعد أن أحرقت، يعرفونها [١] ، حين عاد إلى الشام. وقالت طائفة من اليهود: هو ابن الله «١» [٢] ، وهو الّذي أكثر/ ٢٥/ المناجاة في القدر، فمحا الله اسمه من الأنبياء [٣] ، فلا يذكر فيهم، وهو رسول.
شعيا ﵇
قال: ومكثت بنو إسرائيل زمانا يطيعون الله، وابتعث الله إليهم «شعيا ابن أموص» [٤] نبيّا.
ثم كثرت فيهم الأحداث والبدع. فابتعث الله «سنحاريب» ملك «بابل» .
فأقبل حتى نزل بساحتهم. فتابوا إلى الله وأنابوا. فقبل الله توبتهم، وسلط على عدوّهم الطاعون، فأصبحوا موتى، فغنّمهم الله عسكرهم بجميع ما فيه. ولم يفلت منهم إلا «سنحاريب» ملكهم، وخمسة نفر معه. ثم أحدثوا بعد ذلك أحداثا، ونبذوا كتاب الله وتنافسوا الملك، فأمر الله «شعيا» أن يقوم فيهم مقاما بوحيه. فلما فعل قتلوه، فسلّط الله عليهم عدوّهم، فشرد بهم وأفناهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، ونزع منهم الملك والنبوّة، فليسوا في أمة من الأمم إلا وعليهم ذل وصغار إلى يوم القيامة.
و «شعيا» هو الّذي بشر بالنبيّ- ﵇ ووصفه، وبشّر بعيسى.
стр. 173
حزقيل ﵇
هو حزقيل بن بوذى. وهو الّذي أصاب قومه الطاعون، فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. فقال لهم الله: موتوا. ثم أحياهم.
«١» الياس ﵇
هو من سبط يوشع بن نون. بعثه الله إلى أهل بعلبكّ، وكانوا يعبدون صنما يقال له: بعل «٢» . وملكهم «أحب» [١] . وامرأته «أزبيل» [٢] . وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب، فتحكم بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء، قد قتلت منهم بشرا كثيرا [٣] ، وهي بنت ملك صيداء «٣» [٤] ، وعمّرت عمرا طويلا، وتزوّجها سبعة من ملوك بنى إسرائيل.
وهي التي قتلت يحيى بن زكريا. وقال الله- لإلياس: سلني أعطك. فقال: ترفعني إليك وتؤخر عنى مذاقة [٥] الموت. فرفعه الله إليه بعد أن كساه الرّيش [٦] ، وجعله أرضيّا سماويّا ملكيّا يطير مع الملائكة.
стр. 174
اليسع ﵇
وكان اليسع تلميذ الياس. فدعا له الياس. فنبأه الله بعده، وأيّده بمثل روح الياس.
يونس بن متى ﵇
وبعث الله تبارك/ ٢٦/ وتعالى من بعد «اليسع» [١] : يونس بن متى، إلى أهل نينوى «١» ، من بلاد الموصل.
زكريا و [عمران] [٢] ﵉
قال: هو زكريا بن آذن [٣] . وكان زكريا بن آذن، وعمران بن ماثان [٤] بن اليعاقيم [٥] ، من ولد داود النبي- ﵇ من سبط يهوذا بن يعقوب، وكانا في زمان واحد. فتزوّج زكريا أشياع [٦] بنت عمران، أخت مريم بنت عمران. واسم أم مريم «حنة» ، وكان يحيى وعيسى ابني خالة، وكان زكريا نجارا، وأشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة، وقتلوه في جوف شجرة، قطعوها وقطعوه معها.
[قال وهب:
لما هرب دخل في جوف شجرة فوضعوا له المنشار على الشجرة للقطع، فلما أن بلغ المنشار إلى بدنه أنّ، فأوحى الله : إما أن تكف عن أنينك أو أقلب الأرض. فسكت ولم يئنّ حتى قطع اثنين [٧]] .
стр. 175
عيسى ويحيى [١] ﵉
قال: أما يحيى [٢] فإن «أحب» قتله بحيلة امرأته «أزبيل» [٣] في قتله [٤] .
وأما «عيسى» فإن أمه لما ولدته هربت به من «أحب» صاحب «أزبيل» إلى مصر، وحمله وأمّه إلى هنالك يوسف النجار. وكان يوسف هذا خطب مريم [دونه [٥]] وتزوّجها، فيما يذكر في الإنجيل. فلما صارت إليه وجدها حبلى قبل أن يباشرها، وكان رجلا صالحا. فكره أن يفشي [٦] عليها، وأضمر [٧] أن يسرحها خفية. فتراءى له ملك في النوم، فقال: يا يوسف بن داود، إن امرأتك «مريم» سوف تلد ابنا [٨] يسمى: عيسى، وهو ينجى أمته من خطاياهم.
وفي الإنجيل: إن الملك الّذي خافته مريم على عيسى هو هرادس [٩] ، وكان عيسى ولد في بيت لحم «١» يهوذا-[وهو بيت بالشام] [١٠]- فلما مات هرادس [٩] رأى يوسف في النوم أن يذهب به وبأمه إلى أرض الخليل «٢» -[وهو موضع بالشام [١٠]]- فانطلق فسكن في قرية تدعى: ناصرة، فلذلك قيل: نصارى [١١] .
стр. 176
أصحاب الكهف
قال وهب:
هم فتية من الروم دخلوا الكهف قبل المسيح، وضرب الله سبحانه على آذانهم فيه، فلما بعث المسيح- ﵇ أخبر بخبرهم. ثم بعثهم الله بعد «المسيح» في الفترة بينه وبين «النبيّ» ﷺ .
ذو القرنين
[١] قال وهب:
وهو رجل من الإسكندرية، اسمه الإسكندروس [٢] ، وكان حلم حلما رأى فيه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقص رؤياه على قومه، فسموه: ذا القرنين. وكان في الفترة بعد عيسى- ﵇.
/ ٢٧/
جرجيس ﵇
[٣] قال: وجرجيس هو من أهل فلسطين، وكان قد أدرك بعض الحواريّين، وبعث إلى ملك الموصل، وهو بعد المسيح- ﵇.
стр. 177
لقمان الحكيم
[١] وكان لقمان عبدا حبشيّا لرجل من بنى إسرائيل، فأعتقه وأعطاه مالا. وكان في زمن داود النبيّ- ﵇ واسم أبيه: [٢] ثاران [٣] ، ولم يكن نبيّا، في قول أكثر الناس.
وروى يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، «١» عن سعيد بن المسيّب، أنه قال:
كان لقمان النبيّ خيّاطا.
قال وهب:
قرأت من [٤] حكمته نحوا من عشرة آلاف باب، لم يسمع الناس كلاما أحسن منه، ثم نظرت فرأيت الناس قد أدخلوه في كلامهم، واستعانوا به في خطبهم ورسائلهم، ووصلوا به بلاغاتهم.
ذو الكفل ﵇
وأمّا ذو الكفل فلم أجد له- فيما نقله وهب- ذكرا، وهو [٥] من بنى إسرائيل، بعث إلى ملك كان فيهم، يقال له: كنعان، فدعاه إلى الإيمان وتكفل [٦] له بالجنة، وكتب له كتاب ذكر حق على الله- فآمن ذلك الملك. وسمى ذا الكفل، بالكفالة [٧] .
стр. 178
عدد الرّسل
[١] ذكر وهب، عن ابن عباس، قال:
أوّل المرسلين آدم، وآخرهم محمد- ﷺ وعليهم أجمعين [٢]- وكانت الأنبياء مائة ألف، وأربعة وعشرين ألف نبيّ، الرّسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا [٣] ويقال: ثلاثة عشر رسولا [٤] . منهم: خمسة عبرانيون، وهم: آدم، وشيث، وإدريس، ونوح، وإبراهيم وخمسة من العرب، وهم: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد. وأوّل أنبياء بنى إسرائيل: موسى. وآخرهم: عيسى، ﵉.
قال: والكتب التي أنزلت [٥] على الأنبياء مائة كتاب وأربعة كتب نزل على «شيث» : خمسون صحيفة، وعلى إدريس: ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم: عشرون صحيفة، وعلى موسى: التوراة، وعلى داود: الزبور، وعلى عيسى: الإنجيل، وعلى محمد- عليه وعليهم السلام-: الفرقان.
٢٨/ التاريخ
عاش آدم ألف سنة.
وفي التوراة «١» : إنه عاش ألف سنة إلا سبعين عاما [٦] . وكان بين موت آدم وبين الطوفان ألفا [٧] سنة ومائتا سنة وأربعون سنة، وبين الطوفان وبين موت نوح
стр. 179
ثلاثمائة سنة وخمسون سنة واثنتان، وبين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائتا سنة وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعمائة عام، وبين موسى وداود خمسمائة عام، وبين داود وعيسى ألف عام ومائتا عام، وبين عيسى ومحمد- عليهما الصلاة والسلام- ستمائة عام وعشرون عاما.
فهذا التاريخ «١» على بعض الرّوايات [١] .
وقال وهب بن منبه:
كان بين نوح وآدم عشرة آباء، وبين إبراهيم ونوح عشرة آباء.
وقال عكرمة:
كان بين آدم ونوح عشرة قرون. كلهم على الإسلام.
قال أبو محمد:
وقرأت في الإنجيل أنّ عدّة القرون [٢] من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرنا، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرنا، ومن جالية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرنا.
قال أبو محمد:
وجدت في كتب سير العجم أنّ بين الإسكندر وبين أردشير مدّة ملوك الطوائف، وهي أربعمائة وخمس وستون سنة، ثم ملك أردشير ومن بعده من ملوكهم [٣] إلى «يزدجرد» المقتول في خلافة عمر بن الخطاب [٤]- رضى الله عنه- وكانت مدّتهم أربعمائة سنة ونيفا وثلاثين سنة. وكان بين الإسكندر وبين نبيّنا [٥] ﷺ نحو من تسعمائة سنة.
стр. 180
والإسكندر- فيما ذكر وهب- بعد المسيح. وفي هذا مخالفة لقوله:
إنّ بين عيسى ومحمد ستمائة وعشرين عاما.
وغيره يذكر أنّ الإسكندر قبل المسيح.
والخبر في الإنجيل عن جالية بابل أنها كانت بعد داود بأربعة عشر قرنا، وقبل المسيح بأربعة عشر قرنا.
والنّساب يذكرون أنها كانت قبل إبراهيم. وفي هذا من الاختلاف والتفاوت ما ترى. والله أعلم.
ذكر من كان على دين قبل مبعث النبي ﷺ [١]
رئاب بن البراء
[٢] وهو من عبد القيس، من شنّ، كان على دين المسيح. وسمعوا قبيل مبعث النبي- ﷺ مناديا ينادى: خير أهل الأرض ثلاثة: رئاب/ ٢٩/ الشّنّى، وبحيرى الراهب، وآخر لم يأت- يعنى: النبي، ﷺ وكان لا يموت أحد من ولد «رئاب» فيدفن إلا رأوا طشّا «١» على قبره.