ال مقدمة
الحمد لله الذي وعد المحسنين بجزيل الإنعام، والصلاة والسلام على أفضل من صلى وقام، وحج وصام، وطاف بالبيت الحرام. أما بعد:
فقد كتبت ـ بفضل الله وتوفيقه ـ بحوثاً عدّة حول الطواف، نُشرت ـ بحمد الله وتوفيقه ـ في مجلة البحوث الإسلامية، التابعة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء. فرأيت من المناسب أن أستكمل جوانب الموضوع، فأتناول السنن والمستحبات. ولم أر ما يمنع تجزئة الكتابة فيها، ليكون أيسر للإنجاز، وأدعى لمواصلة العمل حسب الطاقة والجهد.
وابتدأت ذلك بالاضطباع، لأنه أول السنن التي يقوم بها من أراد الشروع في الطواف. قال ابن الهمام: ((وينبغي أن يضطبع قبل الشروع في الطواف بقليل)) (١) . وقَرَنْت معه الرمل، لاشتراكهما في كثير من الأحكام.
والله أسأل أن يُعين على الإتمام، وأن يُهيأ الأسباب لبحث بقية الجوانب الأخرى المتعلقة بالطواف. وقد سميته بـ: (أحكام الاضطباع والرمل في الطواف)
* خطة البحث:
قسمت البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وسبعة مطالب، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد ضمنتها: الافتتاحية، وأهمية الموضوع، وخطته، ومنهجه.
وأما التمهيد: فأوضحت فيه علاقة الرمل بالاضطباع، وما بينهما من ارتباط في الأحكام.
وأما المطالب: فهي على النحو التالي:
стр. 2
المطلب الأول: تعريف الاضطباع والرمل.
المطلب الثاني: دليل مشروعية الاضطباع والرمل.
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعية الاضطباع والرمل.
المطلب الرابع: حكم الاضطباع والرمل.
المطلب الخامس: وقت الاضطباع والرمل.
المطلب السادس: الطواف الذي يُشرع فيه الاضطباع والرمل ,
المطلب السابع: من يُشرع له الاضطباع والرمل.
وأما الخاتمة: فضمنتها خلاصة البحث، وما توصلت إليه من نتائج.
* منهج البحث:
سلكت في كتابة هذا البحث، وجمع مادته العلمية، المنهج التالي:
١. جمعت المادة العلمية من مصادرها المعتمدة، سواء أكانت من الفقه العام، أم من فقه المناسك.
٢. رقّمت الآيات القرآنية الواردة، وعزوتها إلى سورها.
٣. خرّجت الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة (.فإن كانت في الصحيحين، أو أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما، وإن كان في غيرهما، اجتهدت في تخريجه من كتب السنة المعتمدة، وبيان درجته صحة، أو ضعفاً، مستعيناً في ذلك - بعد الله - بأقوال علماء الحديث قديماً وحديثاً.
عند تخريج الحديث أشير إلى اسم الكتاب والباب، وإلى ما يُحدد ذلك من أرقام. فأقول مثلاً: ((أخرجه البخاري في اللباس، باب اشتمال الصماء (٢٠) (٧/٤٢) وأعني بذلك: أن البخاري أخرجه في كتابه الجامع الصحيح. في كتاب اللباس، باب اشتمال الصماء. ورقم الباب عشرون. وإذا كان الرقم بعد الجزء والصفحة، فهو لبيان رقم الحديث. وأكتفي أحياناً بذكر رقم الحديث، كما في الإشارة إلى سنن ابن ماجة، أو ما أورده
стр. 3
١. الألباني في كتبه. وأكتفي حيناً آخر، بذكر رقم الجزء والصفحة، كما في الإشارة إلى مستدرك الحاكم على الصحيحين، والسنن الكبرى للبيهقي. وهذا الاختلاف في الإحالات يرجع إلى مناسبة ذلك للكتاب الحال إليه.
٢. رجعت إلى ((مسند الإمام أحمد)) الموسوعة الحديثية، لبيان درجة الحديث صحة، أو ضعفاً، ونبّهت على ذلك بقولي: ((في التعليق على المسند)) .
٣. وثّقت الأقوال من مصادرها الأصلية. وذلك بالرجوع في كل مذهب إلى كتبه المعتمدة. وأنقل من مصدر واحد، أو أكثر في كل مذهب ما يؤكد صحة ما عزوته لتلك المذاهب. وإن كان في هذا الصنيع نوع تطويل، أو إثقالٍ للحواشي، إلا أن الذي دفعني إليه ما رأيته من وقوع كثير من الباحثين في أخطاء، وأوهام في العزو والنسبة، أو النقل والتوثيق.
٤. نبّهت على الرواية المشهورة، أو المعتمدة في المذهب، بالرجوع إلى المصادر المعنية في ذلك من كل مذهب.
٥. شرحت الكلمات الغريبة، والمصطلحات العلمية، إذا اقتضى الأمر ذلك. ولم أتكلف شرح الواضحات لذوي الاختصاص.
٦. أغفلت الترجمة للأعلام، مراعاة للاختصار.
وأسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يوفقني إلى السداد، ويلهمني الرشد والصواب.
وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله ذُخراً لي يوم الدين. وأن يغفر لي ولوالدي، ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين. إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4
التمهيد: علاقة الرمل بالاضطباع
الاضطباع والرمل في الطواف فعلان مترابطان، يُشرعان معاً، وأحكامهما، وأدلتهما متقاربة. ولذا فإن كثيراً من العلماء يصرِّحون بهذا التلازم، والترابط بينهما.
قال النووي: ((قال أصحابنا: الاضطباع ملازم للرمل (١) . فحيث استحببنا الرمل بلا خلاف، فكذا الاضطباع، وحيث لم نستحبه بلا خلاف، فكذا الاضطباع، وحيث جرى خلاف، جرى في الرمل والاضطباع جميعاً. وهذا لا خلاف فيه)) (٢) .
وقال البهوتي: ((ومن لا يُشرع له الرمل، لا يُشرع له الاضطباع)) (٣) .
ومن هنا كانت مناسبة الحديث عنهما، والتعرف على أحكامها في آن واحد، لاتحاد أدلتهما غالباً، واشتراكهما في كثير من الأحكام والمسائل. ولا يعني هذا التلازم والترابط بينهما أنه إذا تُرك أحدهما لعذر أو غيره، تُرك الآخر. قال الإمام الشافعي: ((فإذا طاف الرجل ماشياً، لا علة به تمنعه الرمل، لم أُحِب أن يدع الاضطباع مع دخوله الطواف)) (٤) . وقال الماوردي: ((فإن ترك الرمل لعلة، اضطبع. وإن ترك الاضطباع لجرح به، رمل)) (٥) .
стр. 5
المطلب الأول: تعريف الاضطباع والرمل .
قبل الشروع في بيان أدلة مشروعية الاضطباع والرمل، ومعرفة الحكمة من مشروعيتهما، وأحكامهما. يحسن البدء بتعريفهما، والتعرف على حقيقتهما. وسأعرض لتعريف كلٍ منهما في فرع مستقل.
* الفرع الأول: تعريف الاضطباع (١) .
الاضطباع، افتعال من الضَّبْع بإسكان الباء، وهو العَضُد. وقيل: النِّصف الأعلى من العضد. وقيل: منتصف العضد. وقيل: الإبط. قال ابن فارس: اشتقاقها من ضَبْع اليد، وهو المد. والجمع أضْبَاع، كفرخ وأفراخ. والْمَضْبَعَة: اللحمة تحت الإبط من قُدُم. وقال الجوهري: يقال للإبط: الضَّبْع، للمجاورة.
والضَّبْع والضِّبَاع: رفع اليدين في الدعاء.
والضَّبُع: بضم الباء الموحدة، وسكونها، أخبث السِّباع. ويُجمع الضَّبُع على ضِبَاع، والضَّبْع على أَضْبُع. والضَّبُع: السَّنَة الْمُجْدِبَة. ومنه قول عباس بن مرداس:
با خُرَاشَةَ أَمَّا أنت ذا نَفَرٍ ... أفإنَّ قَومي لم تأكُلْهُمُ الضَّبُعُ
وضَبَعَت الناقة تَضْبَع ضَبْعاً وضَبَعَةً: إذا أرادت الفحل.
قال ابن فارس: ((الضاد، والباء، والعين، أصل صحيح، يدل على معان ثلاثة: أحدها: جنس الحيوان. والآخر: عضو من أعضاء الإنسان. والثالث
стр. 6
صفة من صفة النُّوق)) (١) .
واضطبع الشيء: أدخله تحت ضَبْعَيه. ويُقال للاضطباع أيضاً: التَّأبُّط، والتَّوشُّح. ويُقال له أيضاً: اليابطة، لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط، ويُبدي ضبعه الأيمن.
وأصله: اضتباع. وإنما قُلِبت التاء طاء، لمجاورة حرف الاستعلاء، كما يُقال: اضطباع، واصطياد، واضطرار، واضطهاد.
والاضطباع في الصلاة: اشتمال الصماء. وقد جاء ذلك مفسراً في حديث أبي سعيد (: ((نهى رسول الله (عن لبْستين، وعن بيعتين)) الحديث. وفيه: ((واللبستين: اشتمال الصماء، والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شِقيَّيْه ليس عليه ثوب..)) (٢) .
والاضطباع في الطواف: أن يجعل وسط ردائه من تحت إبطه الأيمن، ويُغطي به عاتقه الأيسر. ويكون المنكب الأيمن مكشوفاً. سُمِّي به لإبداء أحد الضَّبْعَيْن.
قال الإمام الشافعي: ((الاضطباع أن يشتمل بردائه على منكبه الأيسر، ومن تحت منكبه الأيمن، حتى يكون منكبه الأيمن بارزاً)) (٣) . وقال في إرشاد الساري: ((أي: على هيئة أرباب الشَّجَاعة، إظهاراً للجلادة في ميدان العبادة)) (٤) .
стр. 7
* الفرع الثاني: تعريف الرَّمَل (١) .
الرَّمَل، بفتح الراء والميم، سُرْعة المشي. قال ابن الأثير: ((يُقال: رَمَل يَرْمُل ـ بضم الميم ـ رَمَلاً ورَمَلاناً، إذا أسرع في المشي وهزَّ منكبيه)) (٢) .
ورَمَل الحصير يَرْمُلُه رَمْلاً، ورَمَّلَه، وأَرْمَلَه، إذا سَخَّف نَسْجَه. والرُّمَال ما رُمِل. أي: نُسِج. قال الزمخشري: ((ونظيره الْحُطَام، والرُّكَام، لما حُطِم ورُكِم)) (٣) .
والرَّمَل: القليل الضعيف من المطر، وجمعه أرمال. وترمَّل القتيل بدمه، إذا تلطَّخ.
والرَّمَل من الشَّعْر، كل شَعْر مهزول غير مؤْتَلِف البناء.
والمُرْمِل: الذي لا زاد معه، سُمِّي بذلك لأحد شيئين: إما لرِقَّة حاله، وإمِّا لِلُصوقه بالرَّمْل من فقره. كما يُقال: للفقير: التَّرِب. وأرمَل القوم، نَفِد زادهم.
وأَرْمَلَت المرأة: إذا مات زوجها. فهي أرْمَلَة. سُمِّيت بذلك لذهاب زادها، وفقد كاسبها.
ورجل أرمل، وامرأة أرْمَلَة: محتاجة. والأرامل يقع على الذكور
стр. 8
والنساء. قال ابن منظور: ولا يُقال للمرأة التي لا زوج لها، وهي موسرة، أرملة. قال جرير:
هذي الأرامل قد قضَّيْت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
والأرْمَل من الشاء: الذي اسودَّت قوائمه كلها.
والرَّمْل: نوع من التراب. وجمعه رِمَال. قال الجوهري: ((الرَّمْل واحد الرِّمَال، والرَّمْلَة أخص منه)) (١) . ورمَّل الطعام: جعل فيه الرَّمْل.
وقال ابن فارس: ((الراء، والميم، واللام، أصل يدل على رِقَّة في شيء يتضام بعضه إلى بعض)) (٢) .
والرَّمَل في الطواف: الإسْرَاع في المشي مع تقارب الْخُطى (٣) ، من غير
стр. 9
وثْبٍ ولا عَدْوٍ (١) , ويهز الكتفين في مشيه، كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين. وهو: الْخَبَب (٢) . قال ابن عبد البر: ((وأما الرَّمَل، فهو المشي خبباً، يشتد فيه، دون الهرولة (٣) .
стр. 10
وهيأته أن يُحرك منكبيه لشدة الحركة في مشيه)) (١) . قال صديق خان: ((ومعنى الرمل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى. وهو دون العدو، وفوق المشي المعتاد. ولا يعدو، كما يفعل العوام)) (٢) .
стр. 11
المطلب الثاني: دليل مشروعية الاضطباع والرمل .
دلّ على مشروعية الاضطباع والرمل في الطواف أحاديث كثيرة، منها:
١- عن ابن عباس (: ((أن رسول الله (وأصحابه اعتمروا من جِعْرَانَة (١) ، فاضطبعوا، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم، ثم رملوا)) وفي لفظ: ((وقذفوها على عواتقهم اليسرى)) (٢) .
٢- وعن يَعْلَى بن أمية (: ((أن النبي (طاف بالبيت مضطبعاً وعليه بُرْد)) (٣) .
стр. 12
١- وعن ابن عمر (: ((أن رسول الله (كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثاً، ومشى أربعاً..وكان ابن عمر يفعل ذلك)) (١) .
٢- وعن جابر (في وصف حجة النبي (وفيه: ((.. حتى إذا أتينا البيت معه استلم الرُّكن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم)) الحديث (٢) .
٣- وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب (قال: سمعت عمر (يقول: ((فيمَ الرَّمَلان (٣) الآن، والكشف عن المناكب، وقد أطَّأ الله (٤) الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ()) (٥) .
стр. 13
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعية الاضطباع والرمل .
الأصل في مشروعية الاضطباع والرمل: أن المشركين قالوا ـ قبل دخول النبي (وأصحابه (مكة في عمرة القضية سنة سبع ـ: إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وَهَنَتْهُم الْحُمَّى، ولقوا منها شدّة، فجلسوا مما يلي الحِجْر. وأمر النبي (أصحابه (أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم. هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس (: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبْقَاء عليهم)) (١) .
فرملوا واضطبعوا ليرى المشركون قُوَّتهم بالرمل، وصحة أبدانهم بالاضطباع. قال ابن عباس (: ((إنما سعى رسول الله (ورمل بالبيت، ليُرِي المشركين قوَّته)) (٢) .
وعنه (قال: قال النبي (لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته
стр. 14
بعد الحديبية: ((ثم إن قومكم غداً سيرونكم، فليروكم جُلْداً)) . فلما دخلوا المسجد استلموا الركن ثم رملوا، والنبي (معهم حتى إذا بلغوا إلى الركن اليماني مشوا إلى الركن الأسود، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم مشى الأربع)) (١) . وفي لفظ ((أن النبي (اضطبع فاستلم وكبّر، ثم رمل ثلاثة أطواف، وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيّبوا من قريش مشوا، ثم يطلعون عليهم يرملون. تقول قريش: كأنهم الغزلان. قال ابن عباس: فكانت سنة)) (٢) . قال الشوكاني: ((والحكمة في فعله ـ أي: الاضطباع ـ أنه يُعين على إسراع المشي)) (٣) .
ثم استمر النبي (يرمل بعد ذلك في عُمَرِه وحجته، فرمل في طوافه أول قدومه مكة في حجة الوداع من الْحَجَر إلى الْحَجَر ثلاثاً، ومشى أربعاً. فاستقرّت سُنَّة الرمل والاضطباع. فعن ابن عمر (: ((أن رسول الله (كان إذا طاف في الحج أو العمرة أوّل ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة)) (٤) . وعنه (قال: ((رمل رسول الله (من الْحَجَر إلى الْحَجَر ثلاثاً، ومشى أربعاً)) (٥) . وقال عمر (: ((مالنا والرمل
стр. 15
إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله؟ ثم قال: شيء صنعه النبي (فلا نُحب أن نتركه)) (١) .
قال ابن تيمية: ((إن العبادة قد تُشرع أولاً لسبب ثم يزول ذلك ويجعلها الله سبحانه عبادة وقربة، كما قد رُوي في: الرمل والاضطباع، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار)) (٢) .
وقال بعض العلماء: إن الحكمة في بقاء مشروعيته بعد زوال العلة، تَذَكُّر ما أنعم الله تعالى به على المسلمين من العِزِّ والكثرة بعد القلة، والقوة بعد الضعف، فيكون ذلك باعثاً على الانقياد، ويحصل به تعظيم الأولين، لما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة عليه، وبذل الأنفس فيه (٣) .
стр. 16
المطلب الرابع: حكم الاضطباع والرمل .
اتفق العلماء – ﵏ – على أنّه (اضطبع ورمل في طوافه، إلا أنهم اختلفوا في بقاء مشروعيتهما بعد زوال سببهما، بتمكن الإسلام وظهوره، وذهاب الشرك وأهله من مكة.
واختلف القائلون بمشروعيتهما في حكمهما، هل هما من شروط الطواف وواجباته، أم من سننه ومندوباته؟ وسأعرض لذلك في الفروع التالية:
* الفرع الأول: مشروعية الاضطباع.
اختلف العلماء ﵏ في بقاء مشروعية الاضطباع في الطواف، على قولين:
القول الأول: إن الاضطباع مشروع، وهو سنة باقية.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء، ومنهم: أصحاب المذاهب الثلاثة: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١) .
القول الثاني: لا يُشرع الاضطباع، وأنه ليس بسنة بعد ذهاب سببه، بظهور الإسلام.
وإلى هذا القول ذهب: المالكية (٢) . وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال:
стр. 17
لا يَعرف الاضطباع، ولا رأيت أحداً يفعله (١) .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، وهم الجمهور، بما يلي:
١- بما سبق ذِكْرُه من الأدلة الثابتة عن النبي (وأصحابه (، وأنهم طافوا مضطبعين. فدل ذلك على مشروعية الاضطباع.
ولم يأت ما يدل على نسخه (٢) .
٢- وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: سمعت عمر (يقول: ((فيمَ الرَّمَلان الآن، والكشف عن المناكب، وقد أطّأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ()) (٣) . فدلّ ذلك على بقاء حكم الاضطباع، وفِعْلِه من لدن الصحابة (بعد وفاة النبي (.
стр. 18
واستدل أصحاب القول الثاني، القائلون بعدم استحبابه، بما يلي:
١- إن رسول الله (إنما فعله وأمر به في عمرة القضية، حين قالت قريش: أما ترون إلى أصحاب محمد قد وعكتهم حمى يثرب. فقال لأصحابه: ((ارملوا)) . كفعل أهل النشاط والْجَلَد، ليغيظ قريشاً. قال مالك: وهذا السبب قد زال، فيجب أن يزول حكمه (١) .
٢- وبما يُشبه الإجماع على عدم مشروعيته. فقال مالك: ((لم أسمع أحداً من أهل العلم ببلدنا يذكر أن الاضطباع سنة)) (٢) .
* الرأي المختار:
لا ريب أن ما ذهب إليه جمهور العلماء في هذه المسألة، وهو أن الاضطباع سنة باقية، ومن مستحبات الطواف، وهو الرأي المختار، لما يلي:
١. إن الأدلة على أن النبي (كان يضطبع في عُمَرِه، بل وفي حجته أيضاً (٣) ، نصوص صريحة صحيحة. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) , وقال (في حجته: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (٥) .
стр. 19
١. ثبت أن الصحابة (اضطبعوا بعد وفاة النبي (، كما دلّ على ذلك أثر عمر (.
٢. إن قول ابن عباس (أكثر ما فيه أن سبب الاضطباع والرمل ما ذكره، ولكنهما صارا سنة بذلك السبب، فيبقى بعد زواله، كرمي الجمار سببه رمي الخليل ﵇ الشيطان، ثم بقي بعد زوال ذلك السبب (١) .
٣. ينتقض قول الإمام مالك بعدم مشروعية الاضطباع لزوال سببه، بالرمل، فإنه يقول ببقاء مشروعيته مع زوال سببه (٢) .
٤. إن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم، كالبيع والنكاح وغيرهما (٣) .
٥. إن القول بزوال السبب ممنوع، لأن الحكم يجوز أن يثبت بعلل متعددة. فذهاب بعضها لا يستلزم زوال الحكم، وكون النبي (اضطبع في حجة الوداع بعد ذهاب غلبة المشركين، دليل على بقاء علة أخرى للحكم، كتذكر نعمة الأمن بعد الخوف، ليُشكر الله عليها (٤) .
стр. 20
١. إن مَن عَلِم حجة على من لم يعلم، وليس العكس. فخفاء هذه السنة على الإمام مالك لا يكون سبباً في إبطالها، وعدم العمل بها. ولذا نقول نحو ما قال ابن عبد البر، فيمن أنكر سنة الرمل: قد ثبت أن النبي (اضطبع بعد عمرة القضية، فصارت سنة معمولاً بها، لا يضرها من جهلها وأنكرها (١) . وقال صديق خان: ((ولا يُشرع عند المالكية: الاضطباع في الطواف، ولا في غيره. والحديث يرد عليهم، وكأنه لم يبلغهم)) (٢) . والله أعلم.
* الفرع الثاني: مشروعية الرمل.
اختلف العلماء ﵏ كذلك في بقاء مشروعية الرمل في الطواف بعد زوال سببه، وذهاب وقت الحاجة إليه، بظهور الإسلام وتمكنه، واضمحلال الشرك وأهله من مكة. على قولين:
القول الأول: إن الرمل سنة باقية، وشعيرة ثابتة، وإنْ زال سببها، وذهب وقت الحاجة إليها، شأنها شأن كثير من السنن والشعائر في مناسك الحج والعمرة الباقية وإن ذهب سببها، كالسعي، ورمي الجمار ونحو ذلك.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (٣) .
стр. 21
القول الثاني: إن الرمل ليس بمشروع، ولا يُستحب في الطواف. وإنما فعله النبي (لسبب وقد زال بظهور الإسلام. فإن شاء رمل، وإن شاء لم يرمل.
وهذا القول مروي عن جماعة من التابعين، منهم: عطاء، ومجاهد، وطاوس، والحسن، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جُبير، وعلي بن الحسين (١) .
وهو الأشهر عن ابن عباس ((٢) ، وبه قال
стр. 22
بعض الحنفية (١) .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، بالأحاديث الدالة على أن النبي (رمل في طوافه. ومن ذلك:
١- عن ابن عمر (: ((أن رسول الله (كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، خبَّ ثلاثاً، ومشى أربعاً)) .
٢- وعن جابر (في وصف حجة النبي (وفيه: ((.. حتى إذا أتينا البيت معه استلم الرُّكن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم)) .
٣- وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب (قال: سمعت عمر (يقول: ((فيمَ الرَّمَلان الآن، والكشف عن المناكب، وقد أطَّأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئاً كن نفعله على عهد رسول الله ()) (٢) .
وعن ابن عباس (: ((أن رسول الله (وأصحابه اعتمروا من الجعرانة،
стр. 23
فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعاً)) (١) .
٢- وعنه (أنه قال: ((رمل رسول الله (في حجته، وفي عُمَرِه كلها، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والخلفاء)) (٢) .
فدلّت هذه الأحاديث والآثار على: أن الرمل سنة باقية، لأن النبي (رمل في حجته، ولم يبق بمكة يومئذ أحد من المشركين. كما رمل الصحابة (بعده اتباعاً لسنته.
واستدل أصحاب القول الثاني، بما يلي:
عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس (: زعم قومك أن رسول الله (قد رمل بالبيت، وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا، وكذبوا. قلت: ما صدقوا، وما كذبوا؟ قال: صدقوا، رمل رسول الله (بالبيت, وكذبوا، ليست بسنة (٣) . إن قريشاً قالت زمن الحديبية: دعوا محمداً وأصحابه حتى يموتوا موت النَّغَف (٤) . فلما صالحوه على أن يجيء في العام المقبل فيُقيم ثلاثة أيام
стр. 24
١- بمكة، فقدم رسول الله (وأصحابه، والمشركون على جبل قُعَيْقِعَان، فقال رسول الله (لأصحابه: ((ارملوا بالبيت ثلاثاً)) وليست بسنة (١) .
٢- وعنه (قال: ((قدم رسول الله (وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمّى، ولَقُوا منها شدة. فجلسوا مما يلي الحِجْر، وأمرهم النبي (أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس (: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط الأربعة إلا الإبقاء عليهم)) (٢) .
٣- وعنه (قال: ((إنما سعى رسول الله (ورمل بالبيت ليُريَ المشركين قُوَّته)) (٣) . قالوا: إن أمر النبي (لأصحابه (أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، دليل على أن الرمل إنما كان ليرى المشركون أن بهم قوة، وأنهم ليسوا بضعفاء، لا لأن ذلك سنة (٤) . ومما يدل على ذلك، أنه لم يفعل ذلك لما حج (٥) . كما دلّ عليه الحديثان التاليان:
стр. 25
١- روى الحجاج بن أرطاة عن أبي جعفر وعكرمة عن ابن عباس (قال: لما اعتمر رسول الله (بلغ أهل مكة أن بأصحابه هزلاً، فلما قدم مكة قال لأصحابه: ((شُدوا ميازركم، وارملوا حتى يرى قومكم أن بكم قوة)) ثم حج رسول الله (فلم يرمل (١) .
٢- وروى العلاء بن المسيب عن الحكم عن مجاهد عن ابن عمر (: ((أن النبي (رمل في العمرة، ومشى في الحج)) (٢) .
* الرأي المختار:
إن ما ذهب إليه الجمهور من القول: بمشروعية الرمل، وبقاء استحبابه، هو الرأي المختار، لما يلي:
١. إن ما رواه ابن عباس (من رمل النبي (وأصحابه (في الأشواط الثلاثة الأول من الْحَجَر إلى الركن، ومشيهم ما بين الركنين، حكاية عما كان في عمرة القضية، وأن سبب مشروعية الرمل إنما كان ليرى المشركون أن بهم قوة، وأنهم ليسوا بضعفاء..، أكثر ما فيه أن سببه ما ذكره ابن عباس (، ولكنه صار سنة بذلك السبب، فبقي بعد زواله، كرمي الجمار، سببه رمي إبراهيم الخليل ﵇، الشيطان، ثم بقي بعد زوال ذلك السبب سنة ثابتة (٣) .
стр. 26
١. إن ما روي عن ابن عباس (من إنكار سنية الرمل، لأنه إنما كان لإظهار القوة للمشركين، لعله رجع عن ذلك، إذ أنه ممن روى الرمل عن النبي (بعد عمرة القضية، وذهاب المشركين، وذلك في عمرة الجعرانة، وفي حجة الوداع، وروى ذلك عن الخلفاء بعده (. قال البيهقي: ((قد مضى في الحديث الثابت عن جابر بن عبد الله في صفة حج النبي (، حجة الوداع أنه حين أتى البيت، استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، وفيما روينا عن ابن عباس في عمرة الجعرانة، وذلك بعد عمرة القضية، أنهم رملوا ثلاثاً واضطبعوا)) (١) .
٢. إن رواية الحجاج بن أرطاة عن ابن عباس (لا يُعارض بها ما رواه الثقات. فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: ((صدوق، كثير الخطأ والتدليس)) (٢) . وقال ابن عبد البر: ((فهذا يدلّك على ضعف رواية الحجاج، وأن ما قال أهل الحديث فيه: أنه ضعيف، مدلس، لا يُحتج بحديثه، لضعفه، وسوء نقله عندهم، حقٌ. وقد ثبت عن النبي (أنه رمل في حجته، فبطل ما خالفه. ولو كان ما حكاه الحجاج في روايته عن ابن عباس (صحيحاً لم يكن فيه حجة، لأنه ناف، والذي حكى أن رسول الله (رمل، وأخبر أنه عاينه يصنع ذلك مثبت، والمثبت أولى من النافي في وجه الشهادات والأخبار)) (٣) .
стр. 27
إن ما رواه العلاء بن المسيب عن ابن عمر (أنه (رمل في عمرته، ومشى في حجه. قيل: بأنه حديث لا يثبت، لأنه رواه الحفاظ موقوفا على ابن عمر (١) ، ولو كان مرفوعا، كان قد عارضه ما هو أثبت منه (٢) ، كحديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر (: ((أن رسول الله (كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، خبَّ ثلاثاً، ومشى أربعاً..، وكان ابن عمر يفعل ذلك)) (٣) . وحديث عقبة عن نافع عن ابن عمر (: ((أن رسول الله (كان إذا طاف في الحج والعمرة أوّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت (٤) ، ثم يمشي أربعة، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة)) ، وعن عبيد الله بن عمر عن نافع: ((أن ابن عمر (رمل من الحجر إلى الحجر. وذكر أن رسول الله (فعله)) (٥) . فهذه الآثار كلها عن ابن عمر (تدفع حديث العلاء بن المسيب (٦) . وقد ذكر حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر (: ((أنه كان إذا قدم مكة طاف بالبيت ورمل، ثم طاف بين الصفا والمروة. وإذا لبّى بها من مكة، لم يرمل بالبيت، وأخّر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر)) (٧) . وروى مالك عن نافع عن ابن
стр. 28
١. عمر نحوه (١) . وفي هذا الأثر عن ابن عمر أنه كان يرمل في الحجة إذا كان إحرامه بها من غير مكة، وكان لا يرمل في حجته إذا أحرم بها من مكة. قال ابن عبد البر: ((وهذا إجماع. من أحرم بالحج من مكة لا رمل عليه، إن طاف بالبيت قبل خروجه إلى منى. وعلى هذا يصح حديث مجاهد إن كان موقوفاً، وكانت حجة ابن عمر فيه مكية. وأما مرفوعاً، فلا يصح، لدفع الآثار الصحاح له في أن رسول الله (رمل في حجته، ولم تكن له حجة غيرها ()) (٢) . وقال الطحاوي: ((فلا يخلو ما رواه مجاهد من أحد وجهين: إما أن يكون منسوخاً، فما نسخه فهو أولى منه. أو يكون غير صحيح عنه، فهو أحرى أن لا يُعمل به، وأن يجب العمل بخلافه)) (٣) .
٢. ثبت أنه (رمل في حجته، وكان ذلك بعد ظهور الإٍسلام بمكة، وخلّوها من الشرك وأهله، وعدم الحاجة لإظهار القوة للمشركين، من حديث ابن عمر، وجابر ((٤) . قال الطحاوي: ((فلما ثبت عن رسول الله (أنه رمل في حجة الوداع ولا عدوّ، ثبت أنه لم يفعله إذ كان العدوّ، من أجل العدو. ولو كان فعله إذ كانوا من أجلهم، لما فعله في وقت عدمهم. فثبت بذلك أن الرمل في الطواف من سنن الحج المفعولة فيه، التي لا ينبغي تركها. وقد فعل ذلك أيضاً أصحاب رسول الله (من بعده)) (٥) .
стр. 29
١. ثبت أن عمر، وابن مسعود، وابن عمر (رملوا في طوافهم (١) . فإما أن يُقال: بعدم التعارض بينهما، وأن سبب المشروعية لا يمنع بقاء الحكم بعد ذهاب سببه، لثبوت النصوص الدالة على ذلك. وإما أن يُقال: بالنسخ عند التعارض، للعلم بالمتأخر. والله أعلم.
* الفرع الثالث: حكم الاضطباع والرمل.
اتفق العلماء ﵏ القائلون بمشروعية الاضطباع على أنه مستحب، وسنة من سنن الطواف (٢) . فمن تركه، صح طوافه، ولا شيء عليه. وإنما فاته
стр. 30
أجر فضيلة المتابعة. قال الشافعي: ((وإن لم يضطبع بحالٍ، كرهته له، كما أكره له ترك الرمل في الأطواف الثلاثة، ولا فدية عليه، ولا إعادة)) (١) .
واختلف العلماء ﵏ القائلون ببقاء مشروعية الرمل، هل هو من شروط الطواف وواجباته، أم من سننه ومستحباته؟ اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: إنه مستحب في الطواف. فمن تركه، صح طوافه، ولا شيء عليه. وإنما فاته أجر فضيلة المتابعة. قال الترمذي: ((قال الشافعي: إذا ترك الرمل عمداً، فقد أساء، ولا شيء عليه)) (٢) .
وإلى هذا القول ذهب: جمهور العلماء، ومنهم: أصحاب المذاهب الأربعة (٣) .
стр. 31
القول الثاني: إنه واجب في الطواف. فمن تركه، فعليه دم. فإن كان محمولاً، رمل به حامله.
وإلى هذا القول ذهب: إبراهيم النخعي (١) ، والحسن البصري، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون (٢) ،
وابن حزم (٣) ، واختلفت الرواية فيه عن مالك (٤) .
стр. 32
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، بما يلي:
١- عن ابن عباس أنه قال فيمن ترك الرمل: ((لا شيء عليه)) (١) .
٢- وبالبراءة الأصلية. إذ أن الرمل شيء مختلف فيه، هل هو سنة ومشروع، أم لا؟ فإيجاب الدم على من تركه، وإخراج مالٍ من يد صاحبه، إنما يكون في شيء واجب بيقين، لا شك فيه. والأصل براءة الذمم (٢) .
٣- إن ترك الرمل ليس إسقاطاً لنفس العمل، وإنما هو سقوط لهيئة العمل، والهيئات لا تُجبر (٣) .
стр. 33
١- إن تارك طواف القدوم لا يلزمه جبران أصلاً، فتارك هيأته، أولى بعدم الوجوب (١) .
٢- إن ترك الاضطباع في الطواف لا يجب به شيء، فكذلك ترك الرمل فيه (٢) .
استدل أصحاب القول الثاني، بما يلي:
١- بحديث ابن عباس (وفيه: ((.. وأمر النبي (أصحابه (أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين)) (٣) . قالوا: فهذا أمر من النبي (بالرمل، فدلّ ذلك على وجوبه (٤) .
٢- إن الرمل نُسك. فمن تركه، فعليه دم، لقول ابن عباس (: ((مَن نسي مِن نسكه شيئاً، أو تركه، فليُهْرِق دماً)) (٥) . قال ابن عبد البر: ((ومن جعله نسكاً، حكم فيه بذلك)) (٦) .
* الرأي المختار:
الذي يظهر ـ والله أعلم ـ هو رجحان القول الأول، القائل: إنه ليس على
стр. 34
تارك الرمل شيء، لوجاهة ما ذكروه من حجج من حيث الجملة، ولما يلي:
١. إن غاية ما استدل به أصحاب القول الثاني، أثر ابن عباس (، وهذا بالاتفاق لا يلزم في كل فِعْل من أفعال النسك. إذ من النسك ما هو من باب السنن والمندوبات، بل منها ما يكون من باب المباحات. فالمراد بالنسك الذي يجب بتركه دم، ما كان من باب الواجبات (١) .
٢. روي عن ابن عباس (فيمن ترك الرمل: ((أنه لا شيء عليه)) فدلّ ذلك على أن ترك الرمل ليس من النسك الموجب للدم.
стр. 35
المطلب الخامس: وقت الاضطباع والرمل .
الاضطباع والرمل من أعمال الطواف، فيكون فعلهما، وَقْت ابتداء الشروع في الطواف، ولا بأس من الاستعداد بالاضطباع قبل الشروع فيه بوقت يسير١. قال ابن تيمية: “ وأول ما يضطبع، إذا أراد أن يستلم الحجر، قبل أن يستلم، فيما ذكره كثير من أصحابنا..، وهو ظاهر حديث ابن عباس. وقال أحمد في رواية المروذي: يضطبع بعد أن يستلم الحجر”٢. وقال الشافعي: “ وإن تهيأ بالاضطباع قبل دخوله الطواف، فلا بأس” ٣.
أما ما يفعله كثير من العوام، من ملازمة الاضطباع من حين الإحرام، فهو من الأخطاء. وقد نبّه على ذلك بعض العلماء. قال في إرشاد الساري: “وليس كما يتوهمه العوام من أن الاضطباع سنة جميع أحوال الإحرام. بل الاضطباع سنة مع دخوله في الطواف”٤.
واتفقوا على أن وقت الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من الطواف٥،
стр. 36
لثبوت ذلك من فعله ﷺ ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في دليل المشروعية. قال السرخسي: “على هذا اتفق رواة نسك رسول الله” ١. وقال النووي: “ويفترق الرمل عن الاضطباع بشيء واحد، وهو أن الاضطباع مسنون في جمع الطوفات السبع. وأما الرمل فإنما يُسن في الثلاث الأول، ويمشي في الأربع الأواخر”٢.
واتفقوا على أن مَن ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأول، أتى به في الاثنين الباقيين. وأن من تركه في اثنين، أتى به في الثالث ٣. وأن من تركه في الثلاثة، لم يقضه في الأربعة الباقية، لأنها هيئة فات موضعها، فسقطت، كالجهر في الركعتين الأوليين، ولأن المشي هيئة في الأربعة، كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة، كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه ٤.
стр. 37
لكنهم اختلفوا من ذلك في مسائل، منها:
وقت الاضطباع في الطواف. هل هو في جميع أشواطه، أو في بعضها؟ وفي استدامته بعد الطواف حال الصلاة، وأثناء السعي ١.
стр. 38
ومن وقت الرمل، اختلفوا في حكمه في جميع الأشواط السبعة. وفي موضعه. هل الرمل في جميع الشوط، فيرمل من الحجر إلى أن يعود إليه، أو من الحجر إلى الركن اليماني؟
وسأتناول ذلك في الفروع التالية:
الفرع الأول: وقت الاضطباع.
اتفق العلماء ﵏ على أن الاضطباع يكون في الطواف الذي يُرمل فيه. قال النووي: “وكل طواف سُنَّ فيه الرمل، سُنِّ فيه الاضطباع، وما لا، فلا”١. وقال ابن جماعة: “وإنما يُضطبع في الطواف الذي يُرمل فيه”٢.
لكنهم اختلفوا في وقت الاضطباع في الطواف. هل يكون في جميع أشواطه، أو يُقتصر فيه على الأشواط التي يُرمل فيها، وهي الأشواط الثلاثة الأول؟ اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: إن الاضطباع سنة في جميع الطواف.
стр. 39
وإلى هذا ذهب: جمهور العلماء، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة١.
القول الثاني: إن الاضطباع إنما يُشرع في الأشواط الثلاثة الأول، التي يُرمل فيها، فإذا فرغ من الرمل، سوَّى رداءه.
وإلى هذا القول ذهب: أحمد في رواية، وقاله الأثرم من الحنابلة ٢.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول، بما يلي:
بحديث يَعلَى بن أمية ﵁: “أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً” ٣. قالوا: فدلّ ذلك على اضطباعه ﷺ أثناء طوافه، فينصرف إلى جميع الطواف ٤.
واحتج أصحاب القول الثاني، فقالوا:
إن الاضطباع إنما هو معونة على الرمل، وإنما فُعِل تبعاً له، فإذا لم يرمل، لم يضطبع ٥.
الرأي المختار:
ما ذهب إليه الجمهور، من أن الاضطباع يكون في جميع الطواف، هو الرأي المختار، لما يلي:
стр. 40
إن حديث يعلى ﵁ ظاهر فيما ذهب إليه أصحاب هذا القول، إذ يشمل جميع أشواط الطواف.
لو ثبت أن النبي ﷺ اقتصر في اضطباعه على بعض الطواف، لنُقِل كما نُقل اقتصاره في الرمل على الأشواط الثلاثة الأول. والله أعلم.
الفرع الثاني: الاضطباع في الصلاة.
اختلف العلماء ﵏ القائلون بمشروعية الاضطباع في جميع الطواف، في استدامته بعد الطواف، والصلاة على تلك الهيئة. اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: إن الاضطباع خاص بالطواف. فلا يُستحب استدامته في ركعتي الطواف. بل إن الصلاة على هذه الهيئة مكروهة. فإذا فرغ من طوافه ستر عاتقيه.
وإلى هذا ذهب: جمهور العلماء، منهم: الحنفية١، والأصح عند الشافعية٢، والحنابلة.