← Фикх общий

Фикх общий · id 12134

أحكام الاضطباع والرمل في الطواف

عبد الله بن إبراهيم الزاحم

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لثبوت ذلك من فعله ﷺ ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في دليل المشروعية. قال السرخسي: “على هذا اتفق رواة نسك رسول الله” ١. وقال النووي: “ويفترق الرمل عن الاضطباع بشيء واحد، وهو أن الاضطباع مسنون في جمع الطوفات السبع. وأما الرمل فإنما يُسن في الثلاث الأول، ويمشي في الأربع الأواخر”٢. واتفقوا على أن مَن ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأول، أتى به في الاثنين الباقيين. وأن من تركه في اثنين، أتى به في الثالث ٣. وأن من تركه في الثلاثة، لم يقضه في الأربعة الباقية، لأنها هيئة فات موضعها، فسقطت، كالجهر في الركعتين الأوليين، ولأن المشي هيئة في الأربعة، كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة، كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه ٤.

стр. 37

لكنهم اختلفوا من ذلك في مسائل، منها: وقت الاضطباع في الطواف. هل هو في جميع أشواطه، أو في بعضها؟ وفي استدامته بعد الطواف حال الصلاة، وأثناء السعي ١.

стр. 38

ومن وقت الرمل، اختلفوا في حكمه في جميع الأشواط السبعة. وفي موضعه. هل الرمل في جميع الشوط، فيرمل من الحجر إلى أن يعود إليه، أو من الحجر إلى الركن اليماني؟ وسأتناول ذلك في الفروع التالية: الفرع الأول: وقت الاضطباع. اتفق العلماء ﵏ على أن الاضطباع يكون في الطواف الذي يُرمل فيه. قال النووي: “وكل طواف سُنَّ فيه الرمل، سُنِّ فيه الاضطباع، وما لا، فلا”١. وقال ابن جماعة: “وإنما يُضطبع في الطواف الذي يُرمل فيه”٢. لكنهم اختلفوا في وقت الاضطباع في الطواف. هل يكون في جميع أشواطه، أو يُقتصر فيه على الأشواط التي يُرمل فيها، وهي الأشواط الثلاثة الأول؟ اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: إن الاضطباع سنة في جميع الطواف.

стр. 39

وإلى هذا ذهب: جمهور العلماء، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة١. القول الثاني: إن الاضطباع إنما يُشرع في الأشواط الثلاثة الأول، التي يُرمل فيها، فإذا فرغ من الرمل، سوَّى رداءه. وإلى هذا القول ذهب: أحمد في رواية، وقاله الأثرم من الحنابلة ٢. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول، بما يلي: بحديث يَعلَى بن أمية ﵁: “أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً” ٣. قالوا: فدلّ ذلك على اضطباعه ﷺ أثناء طوافه، فينصرف إلى جميع الطواف ٤. واحتج أصحاب القول الثاني، فقالوا: إن الاضطباع إنما هو معونة على الرمل، وإنما فُعِل تبعاً له، فإذا لم يرمل، لم يضطبع ٥. الرأي المختار: ما ذهب إليه الجمهور، من أن الاضطباع يكون في جميع الطواف، هو الرأي المختار، لما يلي:

стр. 40

إن حديث يعلى ﵁ ظاهر فيما ذهب إليه أصحاب هذا القول، إذ يشمل جميع أشواط الطواف. لو ثبت أن النبي ﷺ اقتصر في اضطباعه على بعض الطواف، لنُقِل كما نُقل اقتصاره في الرمل على الأشواط الثلاثة الأول. والله أعلم. الفرع الثاني: الاضطباع في الصلاة. اختلف العلماء ﵏ القائلون بمشروعية الاضطباع في جميع الطواف، في استدامته بعد الطواف، والصلاة على تلك الهيئة. اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: إن الاضطباع خاص بالطواف. فلا يُستحب استدامته في ركعتي الطواف. بل إن الصلاة على هذه الهيئة مكروهة. فإذا فرغ من طوافه ستر عاتقيه. وإلى هذا ذهب: جمهور العلماء، منهم: الحنفية١، والأصح عند الشافعية٢، والحنابلة.

стр. 41

ولذلك نبّه العلماء على ستر المنكب عند صلاة ركعتي الطواف، لكثرة ما يقع من الإخلال بذلك. قال الموفق ابن قدامة: “ وإذا فرغ من الطواف سوَّى رِداءه، لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة”١. بل حكى غير واحد كراهة الصلاة في تلك الحال. قال ابن تيمية: “ فإذا قضى طوافه سوّى ثيابه، ولم يضطبع في ركعتي الطواف، لأن الاضطباع في الصلاة مكروه. هكذا قال القاضي، وابن عقيل وغيرهما” ٢. القول الثاني: يستحب استدامة الاضطباع بعد الفراغ من الطواف، فيصلي الركعتين على تلك الهيئة. وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في وجه ٣. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول، بما يلي: بقول يعلى بن أمية ﵁: “إن النبي ﷺ طاف مضطبعا” ٤. وظاهره أن

стр. 42

ذلك مختص بالطواف، دون الصلاة. لا يُشرع الاضطباع قبل الطواف، فكذلك لا يُشرع بعد الفراغ منه ١. إن الصلاة على هذه الهيئة، وهي كونه مضطبعاً، لبسة اشتمال الصماء٢، التي جاء النهي عنها في عدة أحاديث ٣. أما أصحاب القول الثاني، فلم أقف لهم على دليل أو تعليل. ويمكن أن يُستدل لهم بما يلي: بحديث ابن عباس ﵁ مرفوعاً: “الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير” ٤. فدل ذلك على أنه يُشرع في الصلاة ما يُشرع في الطواف. إن الصلاة تابعة للطواف وملحقة به، فأخذت حكمه في اللباس والهيئة. إن الاضطباع يُشرع في الطواف وكذا في السعي٥، والصلاة بينهما، فيستمر مضطبعاً من حين ابتداء المشروعية إلى انتهائها.

стр. 43

الرأي المختار: إن ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن على من فرغ من طوافه أن يستر منكبيه، وأن لا يصلي مضطبعاً، هو الرأي المختار، وذلك لما يلي: لم يثبت أن النبي ﷺ صلى مضطبعاً في عُمَرِه، أو حجته، ولو فعل ذلك لتوفرت الدواعي لنقله، وخاصة في حجته، كما نُقِل غير ذلك من أفعاله ﷺ في مناسكه. إن الواصفين لطوافه ﷺ ذكروا الاضطباع والرمل فيه. وخصوا الرمل بأنه في الأشواط الثلاثة الأول. فدلّ ذلك على أن الاضطباع كان في جميع الأشواط. إن الاضطباع في الصلاة هيئة جاء النهي عنها، فتكره مطلقاً، سواء أكانت بعد طواف، أم في غيره. ولم يرد دليل بالتخصيص. والله أعلم. الفرع الثالث: موضع الرمل من البيت. اختلف العلماء ﵏ في موضع الرمل من البيت. هل هو من الْحَجَر الأسود إلى أن يعود إليه، أو من الحجر إلى الركن اليماني؟ اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: إن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول كلها. فيرمل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء من ذلك. وإلى هذا القول ذهب: الجمهور، ومنهم: أصحاب المذاهب الأربعة١.

стр. 44

قال الكاساني: “ وهذا قول عامة العلماء” ١. وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: “ الرمل في الطواف، ثلاثة أشواط، من الحجر الأسود، إلى الحجر الأسود، ويمشي أربعة أشواط. وكذلك قال أهل المدينة. وقالوا: وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا” ٢. القول الثاني: إن الرمل إنما هو من الحجر الأسود، إلى الركن اليماني. فيمشي ما بين الركنين. وهذا القول مروي عن: طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله ٣.

стр. 45

وبه قال الشافعية في قول أو وجه١، وجعله ابن حزم لمن شاء ٢. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول، وهم الجمهور، بما يلي: بحديث ابن عمر ﵁ قال: “ رمل رسول الله ﷺ من الحجر، إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً” ٣. وعنه ﵁ أنه كان يرمل من الحجر، إلى الحج. ثم يقول: “هكذا فعل رسول الله ﷺ “٤. وعن جابر ﵁ قال: “ رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه، ثلاثة أطواف”. وعنه ﵁: “أن رسول الله ﷺ رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحج” رواهن جميعاً مسلم ٥. قال “ حديث جابر حديث حسن صحيح،

стр. 46

والعمل على هذا” ١. وعن عطاء: “أن رسول الله ﷺ رمل من سبعة أشواط ثلاثة أطواف خبباً، ليس بينهن مشي” ٢. واستدل أصحاب القول الثاني، بما يلي: بحديث ابن عبا س ﵁ قال: “قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمّى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم وهنتهم الحمى، فلقوا منها شدّة. فجلسوا مما يلي الْحِجْر. وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه من أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم” ٣. إن الرمل في الأصل كان لإظهار الجلادة للمشركين، والمشركون إنما كانوا يطلعون على المسلمين من ذلك الجانب، فإذا صاروا إلى الركن اليماني، لم يطلعوا عليهم، لصيرورة البيت حائلاً بينهم وبين المسلمين ٤. الرأي المختار: ما ذهب إليه الجمهور، من استيعاب الرمل من الحجر الأسود، إلى أن

стр. 47

يعود إليه، في الأشواط الثلاثة الأول، هو الرأي المختار، لما يلي: إن الروايتين باستيعاب الرمل بالبيت، وعدم استيعابه صحيحتان، فيتعين الجمع بينهما، وطريق الجمع: أن يُحمل حديث ابن عباس بأنه كان في عمرة القضية، سَنة سبع من الهجرة، قبل فتح مكة، وكان أهلها مشركين حينئذ. وأمّا حديث ابن عمر، وجابر فقد كان في حجة الوداع، سَنة عشر، فيكون متأخراً، فيتعيّن الأخذ به ١. لو قيل: بالتعارض بينهما، فإن رواية ابن عباس فيها نفي الرمل بين الركنين، ورواية ابن عمر، وجابر تُثبت الرمل بينهما، والْمُثبت مقدّم على النافي ٢. لو اقتضى الأمر الترجيح بين الروايين، فإن ابن عباس كان في تلك الحال صغيراً، لا يضبط مثل جابر، وابن عمر، فإنهما كانا رجلين يتتبعان أفعال النبي ﷺ ويحرصان على حفظها، فهما أعلم، وروايتهما تُقدّم ٣. إن جُلّ الصحابة ﵃ كانوا يرملون من الحجر إلى الحجر، فلو علموا من النبي ﷺ ما قال ابن عباس، ما عدلوا عنه إلى غيره ٤. يُحتمل أن يكون ما رواه ابن عباس قضية عين اختصّ بها الذين كانوا في عمرة القضية، لضعفهم، والإبقاء عليهم. وما رواه ابن عمر، وجابر سُنّة لجميع الناس ٥. الجواب عن قولهم: إن الرمل كان لإظهار القوة والجلادة..: إن الرمل في

стр. 48

عمرة القضية كان لذلك السبب، وقد زال، وبقي حكمه، أو صار الرمل بعد ذلك سنة مبتدأة، لا لِمَا شُرِع له أولاً. بل لمعنىً آخر لا نعقله١. والله أعلم. الفرع الرابع: قَدْر الرمل من الطواف. اختلف العلماء ﵏ القائلون بمشروعية الرمل، في قدره. هل يُقتصر فيه على الأشواط الثلاثة الأول منه، أو يُشرع في جميع الطوفات السبع؟ اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: إن الرمل إنما يُشرع ويُسن في الأشواط الثلاثة الأول من الطواف. وأن السُّنَّة في الأربعة الأُخر إنما هو المشي المعتاد. بل من ترك الرمل في الثلاثة الأول، لم يُشرع له قضاؤها في الأربعة الأخر. وإلى هذا ذهب: جمهور العلماء ٢. القول الثاني: إن الرمل يُسن في جميع الطوفات السبع. وإلى هذا ذهب: عبد الله بن الزبير ﵁ ٣. وذهب ابن حزم ٤، وبعض الحنفية إلى جوازه ٥.

стр. 49

الرأي المختار: لم أقف على حجة لما ذهب إليه ابن الزبير ﵁ ومن معه. غاية ما ذكره العلماء عن ابن الزبير: أنه فعل ذلك. فعن مجاهد قال: خرج ابن الزبير، وابن عمر ﵃ فاعتمروا من الجعرانة، وفيه: “.. فلما دخل ابن الزبير، ناداه ابن عمر: أرمل الثلاث الأول. فرمل ابن الزبير السبع كله” ١. وعنه أنه كان يُسرع المشي في الطواف، وربما كان يرمل السبع كله ٢. وقال النووي: “ قال عبد الله بن الزبير: يُسن ـ أي: الرمل ـ في الطوفات السبع” ٣. ولا ريب أن مثل ذلك لا تُعارض به السُّنَّة الثابتة عن النبي ﷺ في اقتصار الرمل على الأشواط الثلاثة الأول٤. والأقرب في تأويل فعل ابن الزبير ما جاء من أنه كان يُسرع المشي في الطواف، فكان الناظر إليه يحسبه يرمل الأشواط كلها. فعن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن الزبير يطوف بالبيت، فيُسرع المشي، ما رأيت أسرع مشياً منه ٥.

стр. 50

ويؤيد ذلك ويعضده، أنه رُوي عنه خلاف ذلك. فقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، أنه رأى عبد الله بن الزبير أحرم بعمرة من التنعيم. قال: ثم رأيته يسعى حول البيت الأشواط الثلاثة. وروى أيضاً عن هشام بن عروة أن أباه كان إذا طاف بالبيت يسعى الأشواط الثلاثة، يقول: اللهم لا إله إلا أنتا ... وأنت تُحي بعد ما أمتَّا يخفض صوته بذلك” ١. ولذا ذهب بعض العلماء إلى حكاية الإجماع على قول الجمهور. فقال النووي: “ وأما قوله ثلاثة، وأربعة. فمُجْمَع عليه. وهو أن الرمل لا يكون إلا في الثلاثة الأول من السبع” ٢. وحكى بعضهم عدم العلم بخلافه. فقال ابن قدامة: “ وهو ـ أي: الرمل ـ سُنَّة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم. ولا نعلم فيه بين أهل العلم خلافاً” ٣. وحذّر بعضهم من خلافه. فقال خليل في منسكه: “وليحذر مما يفعله

стр. 51

بعضهم..، من الجري في جميع السبعة الأشواط” ١. وبهذا يتبيّن أن ما ذهب إليه جمهور العلماء، من القول: إن الرمل إنما يُسن ويُشرع في الأشواط الثلاثة الأول، وأن السنة في الأربعة الأخر إنما هو المشي. هو الرأي المختار. والله أعلم.

стр. 52

المطلب السادس: الطواف الذي يُشرع فيه الاضطباع والرمل اتفق العلماء ﵏ على أن الاضطباع والرمل يُشرعان في طواف القادم إلى مكة معتمراً، أو حاجاً. سواء أكان هذا الطواف طواف عمرة، للمعتمر أو المتمتع، أم طواف قدوم للمفرد أو القارن، إذا سعى بعده ١. قال النووي: “واعلم أن طواف القدوم إنما هو في حق مفرد الحج، وفي حق القارن، إذا كانا قد أحرما من غير مكة، ودخلاها قبل الوقوف ٢. فأما المكي فلا يُتصور في حقه قُدُوم، إذ لا قدوم له. وأما من أحرم بالعمرة فلا يُتصور في حقه طواف قدوم. بل إذا طاف عن العمرة، أجزأه عنها، وعن طواف القدوم، كما تُجزيء الفريضة عن تحية المسجد. حتى لو طاف المعتمر بنيّة القدوم، وقع عن طواف العمرة” ٣. واختلفوا هل يُشرع الاضطباع والرمل في طواف القادم، إن لم يسع عقبه، بأن أخّر السعي إلى طواف الإفاضة؟ أو هما خاصان بكل طواف يعقبه سعي، سواء أكان طواف قدوم، أم طواف عمرة، أم طواف زيارة؟ وهل يُشرعان في طواف الإفاضة إن تحلل قبله؟ وكيف يكون اضطباعه فيه؟ وهل يقضي الرمل في الأشواط الأخيرة إن نسيه قبل ذلك؟ هذا ما سأتناوله في الفروع التالية: الفرع الأول: هل الاضطباع والرمل خاصان بالطواف الأول؟ اختلف العلماء ﵏ في ذلك على قولين:

стр. 53

القول الأول: إن الاضطباع والرمل لا يُشرعان إلا في طواف القدوم، أو طواف العمرة، سواء سعى بعده، أم لم يسع، لأن الاضطباع والرمل إنما يكونان في الطواف الأول حين يقدم إلى مكة. وإلى هذا القول ذهب: الحنابلة في المذهب، والشافعية في قول ١. قال الزركشي: “ لا يرمل في طواف الزيارة، ولا طواف الوداع ولا غيرهما، إلا في الطواف أول ما يقدم مكة، وهو طواف القدوم، أو طواف العمرة”٢. القول الثاني: إن الاضطباع والرمل يُشرعان في كل طواف يعقبه سعي. سواء أكان طواف قدوم، أم طواف عمرة، أم طواف زيارة ـ على تقدير تأخير السعي. وإلى هذا القول ذهب: الحنفية ٣، والمشهور عند المالكية ٤، والشافعية

стр. 54

في الأصح ١، وبعض الحنابلة ٢.

стр. 55

قال النووي: “ فعلى هذا القول، إذا طاف للقدوم وفي نيّته أنه يسعى بعده، استُحِب الرمل فيه. وإن لم يكن هذا في نيّته، لم يرمل فيه. بل يرمل في طواف الإفاضة” ١. وقال الشاشي: “ فإن طاف للقدوم ورمل واضطبع، ولم يسع عقيبه، فإنه يسعى عقيب طواف الإفاضة ويرمل ويضطبع” ٢. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول، بما يلي: بحديث يعلى بن أمية ﵁: “أن النبي ﷺ لما قدم، طاف بالبيت، وهو مضطبع ببُرد له حضرمي” ٣. وعن ابن عمر ﵁: “أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج، أو العمرة، أوّل ما يقدم، سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم سجد

стр. 56

سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة” ١. وعن ابن عمر ﵁: “أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت، الطواف الأول، خبَّ ثلاثاً، ومشى أربعاً..، وكان ابن عمر يفعل ذلك” ٢. وعن جابر ﵁ في وصف حجة النبي ﷺ وفيه: “.. حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم” الحديث ٣. وعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعاً” ٤. فهذه الأحاديث جميعها دالة على أن اضطباعه ﷺ كان في طواف القدوم. أمّا حديث يعلى، وابن عمر، وجابر، فصريحة في ذلك، فقد نصّ في حديث يعلى على أن طوافه ﷺ كان حين قدومه. وكذا جاء وصف هذا الطواف بأنه الأول في حديث ابن عمر٥. وكان وصف جابر لحجه ﷺ مفصلاً وبيّن أن هذا الطواف كان حين وصولهم إلى البيت. وأما حديث ابن عباس في طواف العمرة، فظاهرٌ فيه أيضاً، لأن طواف النبي ﷺ إنما كان حين دخل مكة. فطواف العمرة يقوم مقام طواف القدوم ٦.

стр. 57

واستدل أصحاب القول الثاني، بما يلي: بحديثي يعلى، وابن عباس ﵃ المتقدمين ـ ووجه استدلالهم منهما: أن اضطباعه ﷺ في ذلك الطواف، لأنه سعى بعدهما. فدلّ ذلك على مشروعية الاضطباع في كل طواف يعقبه سعي. وبحديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ . وكونه ﷺ لم يرمل في طواف الإفاضة، وطواف الوداع، لأنه لم يسع بعدهما. فدلّ ذلك على أن الاضطباع إنما يكون في طواف يعقبه سعي. إن مَن ترك الاضطباع والرمل في طواف القدوم، أتى بهما في طواف الإفاضة، لأنهما سُنة أمكن قضاؤها، فتُقضى، كسنن الصلاة ١. إن السعي تبع للطواف، فلو أخّر السعي إلى طواف الإفاضة، وقلنا لا يرمل في الطواف، لكونه رمل في طواف القدوم، أفضى إلى أن يكون التابع أكمل من المتبوع، وهذا لا يصح ٢. الرأي المختار: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، القائلون: إن الاضطباع والرمل لا يُشرعان إلا في طواف القدوم، أو طواف العمرة، سواء سعى بعده، أم لم يسع. هو الأرجح والمختار. وذلك لما يلي: ظاهر هذه المسألة أنها متنازعة الأطراف، إذ أن ما استدل به الفريقان مشترك بينهما، فلم يقم دليل صريح ـ من السنة ـ لأحد الفريقين. وجه

стр. 58

ذلك: أن اضطباع النبي ﷺ ورمله إنما كان في طوافه الأول، طواف القدوم. ولم يثبت أنه ﷺ اضطبع ورمل في طواف بعده. فصح أن يُقال: باختصاص الاضطباع والرمل فيه. وصح أن يُقال أيضاً: إن اضطباعه ﷺ ورمله إنما كان في طواف أعقبه سعي. وكان الدليل صريحاً في المسألة لو ثبت أنه ﷺ أخّر السعي عن طواف القدوم ١. لم يبق بعد ذلك للفريق الثاني إلا الحجتان العقليتان، وهما: إن التابع لا ينبغي أن يكون أكمل من المتبوع ٢. وإثبات سنة وعبادة بمثل هذه الحجة الضعيفة غير سديد، إذ الأصل في العبادات الحظر والمنع. قياس قضائهما عند تركهما على سنن الصلاة. وهو قياس لا يصح، لأن من تركهما في الثلاثة الأول، لا يقضيهما في الأربعة الأخر اتفاقاً، ومن ترك الجهر في صلاة الفجر، لا يقضيه في صلاة الظهر ٣. يؤكد هذا ويعضده ما سيأتي من ترجيح عدم مشروعية الاضطباع والرمل للمكي، إذ لم يثبت أنه ﷺ أمر أحداً من أهل مكة بهما في طواف الإفاضة،

стр. 59

وهو الطواف الذي يختص به المكي، مع عدم اضطباعه ورمله ﷺ في هذا الطواف ١. لم يثبت أن النبي ﷺ أمر من جاء مراهقاً، فلم يدخل مكة إلا بعد الوقوف بعرفة بالاضطباع والرمل في طوافه ٢، فدلّ ذلك على ذهاب وقته.

стр. 60

يعضد ذلك ما ثبت من حال ابن عمر ﵁ أنه كان لا يرمل إذا أهَلّ من مكة ١. وبهذا يتبيّن: أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، هو أرجح الأقوال، وهو الرأي الذي أختاره. والله أعلم. الفرع الثاني: هل يُشرع تكرار الاضطباع والرمل في الحج؟ اختلف القائلون بمشروعية الاضطباع والرمل في كل طواف يعقبه سعي، هل يُشرع تكرارهما في الحج أم لا؟ اختلفوا على قولين: القول الأول: يُشرع تكراره في الحج لمن أحرم متمتعاً، أو قارناً. وإلى هذا ذهب الحنفية ٢. لأنهم طردوا قاعدتهم المشار إليها: “ إن الاضطباع والرمل يُشرعان في كل طواف يعقبه سعى” ٣.

стр. 61

والمتمتع يطوف ويسعى لعمرته، ثم يطوف ويسعى لحجه، فعليه طوافان وسعيان، فكل طواف أعقبه بسعي يُشرع له الاضطباع والرمل فيه. والقارن عند الحنفية كالمتمتع عليه طوافان وسعيان، فيُشرع له ما يُشرع للمتمتع من تكرار الاضطباع والرمل ١. القول الثاني: لا يُشرع الاضطباع والرمل إلا في طواف واحد في الحج. وإلى هذا ذهب الشافعية ٢. ومن الحجة لهم في ذلك ما يلي: حديث ابن عمر ﵁: “أن النبي ﷺ كان إذا طاف الطواف الأول، خبّ ثلاثاً، ومشى أربعاً” ٣.

стр. 62

قالوا: فدلّ ذلك على أنه لم يعد في غيره ١. إن الثابت عن النبي ﷺ أنه لم يرمل في عُمَرِه وحجته إلا مرة واحدة، فدلّ ذلك على أن الاضطباع والرمل إنما يُشرعان مرة واحدة في النسك من حج أو عمرة. لم يثبت أن الصحابة ﵁ رملوا في طواف الإفاضة حين حجوا مع النبي ﷺ ، وقد سعوا عقبه، لأنهم كانوا متمتعين. فدلّ ذلك على أن الاضطباع والرمل، وإن شُرِعا في كل طواف يعقبه سعي، إلا أنهما لا يُشرعان إلا مرة واحدة في الحج. الرأي المختار: يظهر أن الرأي الأول هو أقوى هذين الرأيين، إلا أنه سبق اختيار أن الاضطباع والرمل إنما يُشرعان في طواف القدوم. والله أعلم. الفرع الثالث: الاضطباع والرمل من غير إحرام. إذا لم يطف الحاج للقدوم قبل الوقوف بعرفة، أو لم يضطبع في طواف القدوم لكونه لم يسع بعده، ودخل مكة لطواف الإفاضة بعد التحلل الأصغر، وقد خلع ملابس الإحرام. فهل يُشرع له الاضطباع والرمل في هذه الحال، أم لا؟ لم تنصّ أكثر المصادر التي وقفتُ عليها على هذه المسألة، ويمكن القول بأن العلماء اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: لا يُشرع الاضطباع والرمل في غير ملابس الإحرام. القول الثاني: يُشرع الاضطباع والرمل وإن لم يكن الطائف لابساً ملابس الإحرام.

стр. 63

قال البكري: “ ويُسن أن يضطبع الذَّكَر في طواف يرمل فيه، وهو الذي يعقبه السعي، ولو كان لابساً” ١. وقال ابن عابدين: “ من لبس المخيط لعذر هل يُسن له التشبه به، لم يتعرض له أصحابنا. وقال بعض الشافعية يتعذر في حقه، أي: على وجه الكمال فلا ينافي ما ذكره بعضهم أنه قد يُقال يُشرع له، وإن كان المنكب مستوراً بالمخيط للعذر. قلت: والأظهر فعله” ٢. وقال في إرشاد الساري: “ وبفرض أنه لم يكن لابساً، فلا يُنافي ما قال في البحر من أنه لا يُسن في طواف الإفاضة، لأنه قد تحلل من إحرامه، ولبس المخيط، والاضطباع في حال بقاء الإحرام. وهذا ظاهر ـ ثم نبه على مسألة نحوها، فقال: ـ ولكن من لبس المخيط لعذر، هل يُسن في حقه التشبه به؟ ولم يتعرض له أصحابنا. وذكر بعض الشافعية: أن الاضطباع إنما يُسن لمن لم يلبس المخيط، أما من لبسه من الرجال، فيُتعذر في حقه الإتيان بالسنة ـ أي: على وجه الكمال ـ فلا يُنافي ما ذكره بعضهم من أنه قد يُقال: يُشرع له جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه إلى الأيسر، وإن كان المنكب مستوراً بالمخيط للعذر. قال في عمدة المناسك: وهذا لا يبعد لما فيه من التشبه بالمضطبع عند العجز عن الاضطباع، وإن كان غير مخاطب فيما يظهر. قلت: الأظهر، فعله. فإن ما لا يُدرك كله، لا يُترك كله. ومن تشبّه بقوم فهو منهم”. الرأي المختار: ليس في هذه المسألة من النصوص والأدلة ما يمكن الاعتماد عليه في

стр. 64

الترجيح والاختيار، إلا ما قد مضى تقريره، وترجيحه في مسائل أخرى. والذي أختاره في هذه المسألة، بناءً على ما تقدم، هو القول: بعدم مشروعية الرمل والاضطباع في غير ملابس الإحرام، وذلك لما يلي: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه اضطبع، أو رمل وهو غير محرم، أو أنه أمر أحداً بذلك. لم يثبت عن الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك. لا ريب أن النبي ﷺ إنما اضطبع هو وأصحابه بأرديتهم، وهم مُحْرِمون، فالاضطباع بغير تلك الحال، ليس فيه اقتداء واتباع، بل إحداث وابتداع. مضى تقرير ارتباط كلٍ من الاضطباع والرمل بالآخر ١، فحيث لا يُشرع الاضطباع في حال عدم الإحرام، فكذا لا يُشرع الرمل في تلك الحال. مضى في المسألة السابقة، تقرير اختصاص مشروعية الاضطباع والرمل بطواف القدوم، وترجيح عدم مشروعية طواف القدوم للمراهق ٢، الذي لم يدخل قبل الوقوف بعرفة، وبذلك يتبيّن عدم مشروعية الاضطباع والرمل بغير ملابس الإحرام لمن دخل مكة بعد التحلل الأصغر. سيأتي في المسألة التالية، تقرير عدم مشروعية قضاء الاضطباع والرمل في غير وقتهما، وعدم صحة القياس في ذلك. إن القول بأن ما لا يُدرك كله، لا يُترك كله. ومن تشبه بقوم فهو منهم. إنما يصح في حق العاجز عن الفعل، إمّا لمرض، أو ضرر، أو فقد ونحو ذلك. ولا ريب أن من تحلل لا يُقال بأنه عاجز عن لبس إزار ورداء، والاضطباع به. وإنما يُقال: قد فات وقت المشروعية. ففرق بين الحالين. والله أعلم بالصواب.

стр. 65

الفرع الرابع: كيف يصنع من زُحِم في الطواف؟ من لم يتمكن من الرمل بسبب الزحام. فهل يُشرع له الوقوف، ليتمكن من الرمل؟ وهل يكون البُعْد عن البيت أولى من القُرْب منه إذا تمكّن من الرمل معه؟ اتفق العلماء ﵏ على أن القرب من البيت مع الرمل أولى، ليجمع بين الرمل والقرب ١، حتى ولو كان عند البيت زحام يسير يتمكن من الوقوف ٢ أثناء طوافه

стр. 66

دون إيذاء، أو ضرر يلحقه، أو يُلْحِقه بالآخرين١.قال النووي: “ القُرب من البيت مستحب للطائف، ولو تعذر الرمل مع الزحمة، فإن رجا فُرجة، ولا يتأذى أحد بوقوفه، ولا يضيق على الناس، وقف، ليرمل” ٢. واتفقوا أيضاً: على أن البُعد من البيت مع الرمل، أولى من القرب منه مع عدمه ٣. قال النووي: “ لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى. والله أعلم” ٤.

стр. 67

قال الشافعي: “ فإذا كان زحام لا يمكن معه أن يَخُبَّ، فكان إن وقف، وجد فرجة، وقف. فإذا وجد الفرجة رمل. وإن كان لا يطمع بفرجة، لكثرة الزحام، أحببت أن يصير حاشية في الطواف، فيمكنه أن يرمل، فإنه إذا صار حاشية، أمكنه أن يرمل، ولا أحب ترك الرمل” ١. وقالوا: المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة، أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها، أو زمانها٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ قال أصحابنا يُستحب للطائف الدنو من البيت في الطواف إلا أن يُؤذي غيره، أو يتأذى بنفسه، فيخرج إلى حيث أمكنه. وكلما كان أقرب، فهو أفضل، وإن كان الأبعد أوسع مطافاً وأكثر خطىً، فإن لم يمكنه الرمل مع القرب، لقوة الازدحام، فإن رجا أن تخف الزحمة، ولم يتأذ أحد بوقوفه، انتظر ذلك، ليجمع بين قربه من البيت، وبين الرمل، فإن ذلك مقدم على مبادرته إلى تمام الطواف. وإن كان الوقوف لا يُشرع في الطواف. قال أحمد: فإن لم تقدر أن ترمل، فقم حتى تجد مسلكاً ثم ترمل. فإن لم يمكنه الجمع بين القرب والرمل. فقال القاضي وغيره: يخرج إلى حاشية المطاف، لأن الرمل أفضل من القرب، لأنه هيئة في نفس العبادة، بخلاف القرب، فإنه هيئة في مكانها” ٣.

стр. 68

وأشار بعض الحنابلة إلى أنه إن كان يتمكن من الرمل، أو الدنو من البيت بتأخير الطواف، دون تضرر به، أو برفقته، فهو أولى. ولم يخل من تعقب ١. فإن كان لا يتمكن من الرمل مع البُعْد، أو كان في حاشية المطاف نساء، ويخشى أن يتضرر، أو يتضررن من ذلك، كان الدنو من البيت، أولى ٢.

стр. 69

وهل يسقط عنه الرمل في مثل هذه الحال التي لم يتمكن من الرمل فيها على الصفة المشروعة حسب السنة، أو يرمل حسب قدرته وطاقته؟ وهل يتحرك في مشيه إن زُحِم عن الرمل، ويُرِي من نفسه أنه لو أمكنه الرمل لرمل؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنه إن لم يتمكن من الرمل على الصفة المشروعة، كما جاءت بها السنة، ترك الرمل، ومشى على عادته. وإلى هذا القول ذهب: الحنفية ١. القول الثاني: إنه يرمل حسب قدرته وطاقته، فإن تعذّر ذلك، مشى مشياً معتاداً على سجيته. وإلى هذا القول ذهب: المالكية، والحنابلة ٢.

стр. 70

القول الثالث: إنه إن لم يتمكن من الرمل، تحرك في مشيه، ليُري من نفسه أنه لو أمكنه الرمل، لرمل. وإلى هذا القول ذهب: الشافعية ١. قال الماوردي: “ الرمل مسنون، والدنو من البيت مستحب. فإذا أمكنه الرمل والدنو من البيت، فعلهما معاً، وإن لم يمكنه الرمل مع دنوه من البيت، فله حالان: أحدهما: أن يعلم أنه إذا وقف يسيراً، وجد فرجة، وأمكنه الرمل من غير أن يستضر بوقوفه الطُّوَّاف، فالأولى، أن يقف، ولا يثب من الأرض في وقوفه، لأنه لم يفعله أحد يُقتدى به. والثاني: أن يعلم أنه إن وقف، لم يجد فرجة، أو علم أنه يجد فرجة، لكن إن وقف، استضر بوقوفه الطواف، فهذا يبعد من البيت، ويصير في حاشية الطواف، ليرمل، لأن الرمل أوكد من الدنو من البيت”٢. الرأي المختار: بتأمل هذه الأقوال والنظر فيها، نجد أن أصحاب القول الأول، رأوا أن الرمل هيئة مستحبة في الطواف، إن تعذر الإتيان بها على الصفة المشروعة التي جاءت بها السنة، سقطت، ولا حاجة إلى الإتيان ببديل عنها، لأنها صفة لم تأت السنة بها.

стр. 71

وأن من قال بالرمل حسب طاقته وقدرته، فإنهم يتفقون مع هذا القول بأنه إن تعذّر الرمل، مشى على سجيّته، ولم يقولوا بالتحرك أثناء المشي. وإنما قيّدوا الرمل بقدر الاستطاعة، مستأنسين بالعمومات في هذا الباب، نحو قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١وقوله ﷺ : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ٢. وقوله ﷺ : “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” ٣. وأن هذا نحو ما ذكره العلماء من استحباب إمرار الموسى على رأس من لا شعر له ٤. أمّا ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث، من التحرك حال المشي، فالذي يظهر: ضعف هذا القول، لأن فيه تكلفاً لم تأت السنة به. وهل غير المستطيع للرمل في حاجة ـ وهو في هذه الحال ـ لأن يُري نفسه، أو غيره عدم قدرته على الرمل؟! وإن كان النووي وغيره من علماء الشافعية قد نصوا على أن هذا القول قد نص عليه الشافعي. فقد نصّ على خلافه. فقال: “ رمل إذا أمكنه الرمل، ومشى إذا لم يمكنه الرمل، سجية مشيه. ولم أحب أن يثب من الأرض وثوب الرمل، وإنما يمشي مشياً”٥. فهذا القول فيه موافقة لظاهر السنة، ويتفق مع أقوال المذاهب الأخرى. وهو الأحرى بالأخذ والاعتبار. والله أعلم بالصواب.

стр. 72

الفرع الخامس: قضاء الاضطباع والرمل. سبق بيان حكم الاضطباع والرمل في الطواف، فعلى قول الجمهور بمشروعيتهما واستحبابهما، فلا يترتب على تركهما فدية، ولا محذور. بل ترك للفضيلة. قال النووي: ” ولو ترك الاضطباع والرمل..، في الطواف، فطوافه صحيح، ولا إثم عليه، ولا دم عليه. ولكن فاتته الفضيلة. قال الشافعي والأصحاب: هو مسيء. يعنون إساءة لا إثم فيها” ١. فهل يُشرع لمن تركهما في موضعهما، تدارك ذلك وقضاؤهما فيما بعد؟ ومتى يكون ذلك؟ هذا ما سأتناوله في المسألتين التاليتين: المسألة الأولى: قضاء الاضطباع. مضت الإشارة إلى اختلاف العلماء ﵏ في وقت الاضطباع. وهل هو في جميع الطواف، أو في الأشواط التي يُرمل فيها ٢؟ ومضت الإشارة أيضاً إلى أن الاضطباع ملازم للرمل ومرتبط به، وأنه لا يعني عدم فعل أحدهما في موضعه لترك الآخر لعذر أو غيره ٣. وعلى ذلك: فمن ترك الاضطباع في بعض الأشواط لعذر، أو غيره، فإنه يُشرع له تداركه فيما بقي من الأشواط. قال الشافعي: “ فإن ترك الاضطباع في بعض السبع، اضطبع فيما بقي منه، وإن لم يضطبع بحال، كرهته له، كما أكره له ترك الرمل في الأطواف الثلاثة، ولا فدية عليه، ولا إعادة” ٤. وأما القائلون: إن الاضطباع ملازم للرمل في الأشواط الثلاثة، فيكون

стр. 73

تدارك الاضطباع، كتدارك الرمل. وأما من ترك الاضطباع والرمل في طواف القدوم، فسيأتي بيان ذلك في المسألة التالية. المسألة الثانية: قضاء الرمل. اتفق العلماء ﵏ القائلون بمشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأول، على أن من ترك الرمل في الشوط الأول أو الثاني، لا يدعه في باقي الأشواط الثلاثة الأول. وأن من تركه في الأشواط الثلاثة الأول، أو بعضها، لم يقضه في الأربعة الأخيرة، لأنه هيئة في محل، فلا يُقضى في غيره، كمن ترك الجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العشاء، لا يقضيه في الأخيرتين ولأن السنة في الأشواط الأربعة الأخيرة المشي، فإذا قضى الرمل في الأربعة أخلّ بالسنة في جميع الطواف، وكان تاركاً للسُّنّتين ١، فإخلاله بسنة أيسر من إخلاله بسنتين ٢. قال السرخسي: “ وإن مشى في الثلاثة الأول، أو في بعضها، ثم ذكر ذلك، لم يرمل فيما بقي، لأن الرمل في الأشواط الثلاثة سُنَّة، فإذا فاتت من موضعها، لا تقضى. والمشي على هينته ٣ في الأربعة الأخر، من آداب

стр. 74

الطواف، أو من السنن، فإن ترك في الثلاثة الأول ما هو سنتها، لا يترك في الأربعة الأخر ما هو سنتها”١. واختلف العلماء ﵏ إن ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم، وقد سعى عقبه ٢. فهل يُشرع له قضاؤهما في طواف غيره أو لا؟ اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: إنه لا يُشرع له قضاؤهما. وإلى هذا القول ذهب: الحنفية ٣، والشافعية في المذهب ٤، والحنابلة في المشهور ٥. القول الثاني: إنه يُشرع له قضاؤهما. وإلى هذا القول ذهب: الشافعية في وجه ٦، وبعض الحنابلة ٧.

стр. 75

القول الثالث: إنه يُشرع له قضاء الرمل إذا لم يطف للقدوم قبل الوقوف بعرفة ١، سواء أكان تركه لطواف القدوم بعذر، أم لا. ولا يُشرع له قضاء الرمل إذا طاف للقدوم وترك الرمل، سواء أكان تركه للرمل بعذر، أم لا. وإلى هذا القول ذهب: المالكية ٢. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول، بما يلي: من فاته الرمل في الطواف، لم يقضه فيما بعده، كمن تركه في الثلاثة الأول، لا يقضيه في الأربعة الأخيرة ٣. من فاته الرمل والاضطباع، لم يقضه في طواف غيره، كمن فاته الجهر في الصبح، لم يقضه في الظهر ٤. لا يقتضي القياس أن تُقْضى هيئة عبادة في عبادة أخرى ٥.
следующие страницы →