← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12136

إجابة السؤال في زكاة الأموال

محمد بن عبد العزيز السديس

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيهَا الذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِه وَلا تَمُوتنَّ إِلا وَأنْتمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ اتقُوا رَبَّكمْ الَّذِي خَلَقَكمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحدَة وَخَلَقَ مِنهَا زوجَهَا وبَث مِنهمَا رِجَالاً كثِيراً وَنسَاءً واتقُوا اللهَ الَّذي تَساءَلُون بِه وَالأرحَام إِنَّ اللهَ كان علِيْكم رقِيباً﴾ ٢ ﴿يَا أَيهَا الذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدايُصْلِحْ لكمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لكمْ ذُنُوبَكُم وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فقَدْ فَازَ فُوْزا عَظِيْماً﴾ ٣٤ أما بعد: فقد بذل علماء الأمة منذ القرون الأولى جهوداً متواصلة في تدوين أحكام الفقه، وذلك لحاجة الناس إليها ومعرفة الأحكام في كل زمان ومكان، وقد أوصى النبي ﷺ بتبليغ العلم بقوله ﷺ : “فرب مبلغ أوعى من سامع”٥.

стр. 2

ومعنى ذلك رب مبلغ عني أوعى أي أفهم لما أقول من سامع مني، وأن الفهم ليس شرطا في الأداء، وقد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه لكن بقلة١. وقال ﷺ أيضاً: “فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه” ٢ وفي هذا دليل على كراهية اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط على من بعده ممن هو أفقه منه، ويتضمن هذا الحديث وجوب التفقه والحث على استنباط معنى الحديث واستخرج المكنون من سره ٣. وقد فرض الله الزكاة وقرنها بالصلاة في مواضع كثيرة فهي فرض من فرائض الإسلام وركن من أركانه وهي مما علم من الدين بالضرورة. وكم خفيت في هذا الزمان مسائل الزكاة على كثير من الناس فأحببت الكتابة في هذه المسائل وعلى الرغم مما جمعته من شتاتها إلا أنني أعترف بالتقصير فالكمال لله وحده، وإنما هو جهد المقل، وحسبي في ذلك إجتهادي قدر المستطاع في بيان ما نقله علماء الأمة في هذا الموضوع وقد أسميته (إجابة السؤال في زكاة الأموال) حيث إن الزكاة تنقسم قسمين زكاة أبدان وزكاة أموال، وقد صدرت أكثر المسائل بصيغة السؤال موثقاً ذلك من أمهات كتب مذاهب الأئمة الأربعة المشهورة لعل القارىء الكريم يجد جواباً على كثير من مسائل الزكاة وجعلته في مقدمة وثلاث فصول.

стр. 3

الفصل الأول: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريفها في اللغة والشرع. المطلب الثاني: والحكمة من مشروعيتها. المطلب الثالث: بيان أدلتها. المطلب الرابع: أحوال مانع الزكاة. الفصل الثاني: شروط أداء الزكاة وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: الإسلام. المطلب الثاني: التكليف. المطلب الثالث: النية. المطلب الرابع: الحرية. المطلب الخامس: الحول. المطلب السادس: النصاب. المطلب السابع: تمام الملك. الفصل الثالث: الأموال التي تجب فيها الزكاة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: النقدين الذهب والفضة. المطلب الثاني: بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم. المطلب الثالث: الخارج من الأرض. المطلب الرابع: عروض التجارة. وقد اتبعت في ذلك المنهج العلمي المتعارف عليه موثقا للأقوال، ومخرجا للأحاديث والآثار، ومناقشا للأدلة، ومفسرا للغريب، ومرجحا في المسائل حسب ما يظهر لي أسأل الله الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4

باب: الفصل الأول المطلب الأول: الزكاة في اللغة والشرع ... الفصل الأول: المطلب الأول: الزكاة في اللغة والشرع الزكاة في اللغة: مأخوذة من الزكاء والنماء والزيادة، يقال زكا الزرع إذا زاد ونما وكثر ريعه، وزكت النفقة إذا زادت وكثرت وبورك فيها، وزكت الأرض إذا زادت ونمت. سميت بذلك لأنها تنمي المال وتطهره. ومن معانيها في اللغة الطهارة أوالطهر والتطهير والصلاح وهو الزيادة في الخير ولهذا سمي المقدار المخرج من المال زكاة، لأنه سبب يرجى به الزكاء والطهارة والصلاح، ومنه أخذ المعنى الشرعي فالزكاة طهرة للأموال، وزكاة الفطر طهرة للأبدان١. الزكاة في الشرع: اختلفت عبارات الفقهاء وتنوعت أساليبهم في تعريفها ومن أحسن ما قيل في تعريفها: (أنها حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص) ٢. - بيان محترزات هذا التعريف. ١- قوله حق واجب: معناه المقدار الواجب إخراجه من المال أو الزكاة كقولنا على سبيل المثال: “في كل خمس من الإبل شاة” فالحق الواجب أو المقدار الواجب هو الشاة.

стр. 5

مثال آخر: إذا بلغ الذهب أو الفضة نصاباً نقول فيه ربع العشر فربع العشر هذا هو المقدار الواجب أو الحق الواجب. ٢- قوله: في مال مخصوص: معناه الأموال التي تجب فيها الزكاة وهي على سبيل المثال النقدين، عروض التجارة، بهيمة الأنعام، الزروع والثمار وغيرها. ٣- قوله: لطائفة مخصوصة: المراد أهل الزكاة الثمانية الَّذِين ذكرهم الله في سورة التوبة ١. وهم الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. فلا يجوز صرف الزكاة لأحد غير هؤلاء الثمانية. ٤- قوله: في وقت مخصوص: والمعنى اشتراط حولان الحول وهو مرور سنة كاملة على هذا المال وذلك فيما يشترط فيه الحول، والأموال في ذلك تنقسم قسمين: أموال يشترط فيها الحول كعروض التجارة، والنقدين، وبهيمة الأنعام. وأموال لا يشترط فيها الحول كالزروع والثمار.

стр. 6

المطلب الثاني: الحكمة من مشروعية الزكاة قد تظهر لنا الحكمة من الأمر أو النهي وقد تخفى، والَّذِي لا شك فيه أن الله إذا أمر بأمر أو نهى عنه إن ذلك لحكم عظيمة ومن ذلك مشروعية الزكاة وقد ذكر أهل العلم طرفاً من ذلك١: ١- أن الزكاة قربة لله وطاعة له وخضوعاً لأمره جل وعلا فهي عبادة من العبادات، في هذه العبادة تعويداً للنفس على العطاء والبذل والسخاء والإنفاق في وجوه الخير وفيها أيضاً إبعاداً للنفس عن البخل والشح الَّذِي نهى الله عنه. ٢- أن الزكاة قد تكون سبباً مانعاً ورادعاً وزاجراً من إرتكاب الجريمة كالسرقات وقطع الطريق والغش في المعاملات والرشوة والنهب والاغتصاب والخداع وغيرها فهذه الجرائم وما شابهها قد يكون سببها الفقر والحاجة فإذا أعطى الأغنياء جزءاً من أموالهم إلى الفقراء فإنه يقلل من وقوع مثل هذه الجرائم في المجتمع. ٣- أن الزكاة تخفف من الطبقية في المجتمع فالمجتمعات تتكون في الغالب من الأغنياء والفقراء ومستوري الحال ففيها يظهر التكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى فإذا أعطى الأغنياء الفقراء من أموالهم قد يكون هذا تقليلاً من هذه الفروق الموجودة في المجتمعات فالله لا ينظر إلى الأموال وإلى الأجسام وإنما ينظر إلى الأعمال والميزان عنده جل وعلا هو التقوى قَال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.

стр. 7

المطلب الثالث: حكم الزكاة الزكاة أصل من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده دل على هذا الأصل الكتاب والسنة والإجماع والمعقول: - النوع الأول: الأدلة من كتاب الله كثيرة في فرض الزكاة: وقد جاءت قرينة الصلاة في أكثر من ثمانين موضعاً منها قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢. ومن الأدلّة في فرض الزكاة قوله تعالى في صفات أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٣. قَال ابن كثير: “الأكثرون على أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة قَال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٤ وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاة النفس من الشرك والدنس كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٥ على أحد

стр. 8

القولين، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس والمؤمن الكامل هو الَّذِي يفصل هذا وهذا والله أعلم”١. - النوع الثاني من الأدلة: السنة: جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغير هما على فرضية الزكاة ومنها: ١- حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قَال: “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان” ٢. ٢- حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور أن جبريل ﵇ جاء وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ “تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان” ٣ الحديث. ٣- ومن الأحاديث المشهورة في الزكاة حديث معاذ حينما بعثه ﷺ إلى اليمن وجاء فيه “فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم” ٤ الحديث.

стр. 9

- النوع الثالث من الأدلة: وهو الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة وفرضيتها وأن من جحدها كفر. قَال ابن قدامة: “وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها” ١. - النوع الرابع من الأدلة: وهو المعقول وذلك من وجوه: ١- أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف وإغاثة اللهيف وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله عليه من التوحيد والعبادات والوسيلة إلى أداء المفروض مفروض. ٢- أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضَّن٢ إذ الأنفس مجبولة على الضَّن بالمال، فتعود السماحة وترتاض لأداء الأمانات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها. ٣- إن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية وخصهم بها فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش، وشكر النعمة فرض عقلاً وشرعاً وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة فكان فرضاً.٣

стр. 10

المطلب الرابع: أحوال مانع الزكاة لا يخلو مانع الزكاة من حالين: الحالة الأولى: إما أن يكون منكراً لها أصلاً غير معترف بها أنها ركن من أركان الإسلام فهذا إن كان جاهلاً وممن يقبل منه الجهل كحديث عهد بالإسلام أو ممن نشأ بعيداً عن الأمصار فهذا معذور يعرّف بحكمها، أما إذا كان غير ذلك فهو مرتد عن الإسلام وتجري عليه أحكام المرتدين ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل لأن الزكاة معلومة من الدين بالضرورة ولا يخفى حكمها، وأدلة وجوبها ظاهرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.١ الحالة الثانية: المقرّ بوجوبها ومعترف بأنها ركن من أركان الإسلام ولكنه ممتنع عن أدائها لايدفعها إلى مستحقيها فهذا يأخذها منه الإمام أو نائبه بالقوة، فإن امتنع عن دفعها قاتله على ذلك٢ كما فعل الصديق ﵁ حيث قال: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً٣ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها”. قَال عمر ﵁: “فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق” ٤ قَال ابن قدامة: واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها.٥

стр. 11

وقال ابن عبد البر: مقاتلهم على ذلك في جهود الصحابة واراق دمائهم لمنع الزكاة.١ وقال الماوردي: فأجمعت الصحابة معه على وجوبها بعد مخالفتهم له وأطاعوه على قتال مانعيها بعد إنكارهم عليه.٢

стр. 12

باب: الفصل الثاني المطلب الأول: وهو الشرط الأول: الإسلام ... الفصل الثاني: شروط أداء الزكاة لأداء الزكاة شروط هي في الجملة: الإسلام، التكليف، الحرية، تمام الملك، النصاب، الحول، النية. المطلب الأول وهو الشرط الأول: الإسلام لا زكاة على الكافر الأصلي سواء كان حربياً أو ذمياً مستأمناً لأن الزكاة عبادة والكافر ليس من أهل العبادة لعدم شرط الأهلية وهو الإسلام فلا يكون من أهل وجوبها حتى لا يطالب بالأداء بعد الإسلام كالصوم والصلاة والحج وغيرها من فروع الإسلام ١. وهذا ليس مخالفة لقول جماهير أهل العلم أن الكفار يخاطبون بفروع الشريعة فهذه مسألة أصولية ٢. قَال الإمام النووي: لأن المراد هنا غير المراد هناك فهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ٣. أما المرتد فقد وقع فيه خلاف هل تجب الزكاة في ماله أم لا؟ جمهور أهل العلم لا زكاة في مال المرتد خلافاً للشافعية إن وجبت عليه زكاة قبل ردته لم تسقط عنه بالردة كما وجبت عليه في حال الإسلام فهذا مال اكتسبه حال كونه مسلماً فوجبت فيه الزكاة أما المال الَّذِي اكتسبه حال كونه مرتداً فهذا على وجهين:

стр. 13

الأول: القطع بوجوب الزكاة وبه قَال ابن سريج١. الثاني: وهو قول جمهور الشافعية أن الأمر في ذلك مبني على بقاء ملكه لهذا المال وزواله. والصحيح عندهم أنه موقوف فإن رجع إلى الإسلام تبينا بقاءه فتجب وإلا فلا ٢.

стр. 14

المطلب الثاني وهو الشرط الثاني: التكليف هل يشترط البلوغ والعقل لأداء الزكاة، وهل تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون وما شابههما؟ اختلف الفقهاء في ذلك: القول الأول: أكثر أهل العلم يجب الزكاة في مالهما ويخرج عنهما وليهما روي ذلك عن جمع من الصحابة كعمر وعائشة وجابر وابن عمر ﵃ ومن الأئمة: الثلاثة مالك والشافعي وأحمد. القول الثاني: تجب الزكاة ويخرجها الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق قَال به من الصحابة ابن مسعود وهو قول الأوزاعي والثوري. القول الثالث: لا تجب الزكاة في أموالهما أصلاً قَال به الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم. القول الرابع: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا زكاة عليهما إلا في الخارج من الأرض من الزروع والثمار وما عدا ذلك فلا زكاة عليهما في النقدين وعروض التجارة وبهيمة الأنعام ١. هذه أربعة أقوال في حكم زكاة مال الصبي والمجنون ويمكن اختصارها إلى قولين قول بالوجوب وقول بعدم الوجوب. أدلة الوجوب: استدلوا بمجموعة من الأدلة: أولاً: بعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة من الآيات والأحاديث حيث لم تفرق بين الصغير والكبير وبين العاقل وغير العاقل كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ

стр. 15

وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ وغيرها وحديث معاذ السابق٢ قَال البغوي عنه: دليل على أن الطفل الغني تلزمه الزكاة لقوله: (من أغنيائهم) ٣. ثانياً: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: “ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة”. رواه الترمذي وغيره ٤. ثالثاً: بقول الصحابة ﵃ ومن ذلك: قَال عمر بن الخطاب: اتجروا بأموال اليتامى وأعطوا صدقتها. وفي رواية قَال: ابتغوا في أموال اليتامى قبل أن تأكلها الزكاة. وفي رواية: أن عمر كان يزكي مال اليتيم. وفي رواية قَال: ابتغوا لليتامى في أموالهم. ما جاء عن القاسم بن محمد قَال: كنا يتامى في حجر عائشة فكانت تزكي أموالنا. وفي رواية قال: كان مالنا عند عائشة فكانت تزكيه ونحن يتامى. وقال جابر بن عبد الله في الرجل يلي مال اليتيم “يعطي زكاته” ٥. فهؤلاء جمع من الصحابة كانوا يزكون أموال اليتامى وقول الصحابي حجة عند الجمهور. رابعاً: قياس الزكاة باعتبارها حقاً مالياً على سائر الحقوق المالية الأخرى كالنفقات وقيم المتلفات وأرش الجنايات فهذه الحقوق واجبة على الصبي

стр. 16

والمجنون فكذلك الزكاة. أدلة أصحاب القول الثاني: أولاً: بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١ الآية. ووجه الدلالة من الآية: أن المراد من الزكاة تطهير النفس من الذنوب والصبي والمجنون لا ذنوب عليهما لأنهما ليسا من أهل التطهير فهما غير مكلفين والزكاة لا تجب إلا على المكلف. ثانياً: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قوله ﷺ : “رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل”، قَال الترمذي: وفي الباب عن عائشة. حديث علي حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي وذكر بعضهم (وعن الغلام حتى يحتلم) ، ولا نعرف للحسن سماعاً من علي بن أبي طالب ﵁.٢. ووجه الدلالة: دل الحديث على رفع القلم عن المذكورين كناية عن عدم التكليف والصبي والمجنون ليسا من أهل التكليف والزكاة لا تجب إلا على المكلفين كغيرها من العبادات كالصلاة والصيام والحج وهذه العبادات تحتاج إلى نية وهما لا نية لهما.٣. والقول الأول هو الراجح إن شاء الله لأنه يتفق مع مقصود الشارع

стр. 17

الحكيم وهو سد حاجة الفقراء والمحتاجين وهذه العلة يشترك فيها البالغ وغير البالغ والعاقل وغير العاقل فلا فرق بين الأموال من حيث وجوب الزكاة. وقد أجاب الجمهور عن أدلة أصحاب القول الثاني بما يلي: أولاً: أجابوا عن وجه الدلالة من الآية بجوابين: ١- ليست العلة من الزكاة التطهير فقط، وإنما هناك علل وحكم أخرى من أجلها: سد حاجة الفقراء وهذه لا فرق فيها بين مال الصغير والكبير فهما على حد سواء. ٢- ليس التطهير خاص بإزالة الذنوب وإنما يشتمل على أمور أخرى كتربية النفس على الفضائل والخلق الحسن وتعويدها على البذل والسخاء والإنفاق وغير ذلك. ثانيا: وأما قوله ﷺ في الحديث “رفع القلم عن ثلاثة “ المراد رفع الإثم والوجوب ونحن نقول لا إثم عليهما ولا تجب الزكاة عليهما بل تجب في مالهما ويطالب بإخراجها وليهما كما يجب في مالهما قيمة ما أتلفاه ويجب على الولي دفعها١. ثالثا: وقياس الزكاة على العبادات الأخرى قياس مع الفارق فتلك عبادات بدنية تحتاج إلى جهد ومشقة والزكاة من العبادات المالية التي لا تحتاج إلى جهد ومشقة فلا فرق فيها بين الصغير والكبير. رابعا: أن نية الصبي والمجنون لا تتحقق في الزكاة فنيتهما ضعيفة والزكاة من الحقوق المالية فأشبه نفقة الأقارب والزوجات وأرش الجنايات وقيم المتلفات والولي يقوم مقامهما في ذلك٢.

стр. 18

المطلب الثالث: وهو الشرط الثالث: الحرية اختلف العلماء في وجوب الزكاة على الرقيق على أقوال ثلاثة: القول الأول: لا زكاة في ماله أصلاً قَال به من الصحابة ابن عمر وجابر ﵄ وغير هما وهو قول مالك وأحمد من الفقهاء. القول الثاني: تجب الزكاة في مال الرقيق على سيده وهو قول للشافعية والحنفية. القول الثالث: تجب الزكاة في ماله وبه قَال عطاء وأبو ثور وأهل الظاهر. وسبب اختلافهم في زكاة مال الرقيق هو اختلافهم في هل يملك المال أم لا؟ فمن رأى أنه لا يملك المال وأن السيد هو المالك قَال الزكاة على السيد ومن رأى أنه يملك المال لأنه آدمي يملك النكاح فيملك المال كالحر قَال الزكاة في ماله. ومن رأى أن ملكه ناقص قَال لا زكاة عليه أصلاً لأن الزكاة إنما تجب في تمام الملك. أما المكاتب فهل تجب الزكاة في ماله؟ جمهور العلماء من السلف والخلف لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق وقال أبو ثور: تجب في ماله كالحر وحكي ذلك عن داود وقال أبو حنيفة يجب العشر في زرعه ولا تجب الزكاة في باقي أمواله. واستدل الجمهور بحديث “لا زكاة في مال المكاتب” أخرجه البيهقي.١. ولأن ملكه ضعيف بخلاف الحر، ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة وليس هو من أهلها.

стр. 19

واحتج أبو ثور بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ والمكاتب والرقيق يدخلان في الخطاب على الصحيح عند الأصوليين كما احتج أيضاً بأن الحجر من السيد لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على الصبي والمجنون. واحتج أبو حنيفة بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قَال: “فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر” الحديث.٢. والصحيح والله أعلم هو قول جمهور العلماء لأن الآية والحديث محمولان على الأحرار أما القياس على الصبي والمجنون فهو قياس مع الفارق فالمنع فيهما لنقص تصرفهما لا لنقص ملكهما٣.

стр. 20

المطلب الرابع وهو الشرط الرابع: اشتراط الحول أموال الزكاة تنقسم إلى قسمين: قسم يشترط له الحول وهو ما أعد للنماء وهذا كالماشية فهي مرصدة للدر والنسل، وعروض التجارة والأثمان فهي مظنة النماء فهذه الثلاثة: ١- السائمة من بهيمة الإنعام. ٢- الأثمان وهي الذهب والفضة. ٣- قيم عروض التجارة. يعتبر حولان الحول وهو مرور سنة كاملة على هذا المال لأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال الثلاثة فلا بد لها من ضابط كيلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، قَال ابن رشد: وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار.١. القسم الآخر: لا يشترط له الحول وهذا هو الزروع والثمار فهي نماء في نفسها تتكامل عند إخراج الزكاة منها، فلا تجب فيها الزكاة مرة ثانية لعدم إرصادها للنماء ويتكامل نماؤها قبل الحول فسقط اعتبار الحول فيها.٢. وكذا الركاز وهو دفين الجاهلية في جميع الأشياء اتفقوا على أنه لا يعتبر فيه الحول.٣.

стр. 21

المطلب الخامس: وهو الشرط الخامس: النصاب وهو عبارة عن المقدار الَّذِي تتعلق به الفريضة. والنصاب معتبر فيما تجب فيه الزكاة من الزروع والثمار خمسة أوسق خلافاً لأبي حنيفة يجب العشر في قليله وكثيره ١. وأجمع المسلمون على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه ولا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر، وكذا لا زكاة فيما دون الأربعين من الغنم. وأجمعوا على أن أول النصاب في النقدين الذهب والفضة عشرون ديناراً ذهباً ومائتا درهم فضة ٢. ونصاب عروض التجارة هو نصاب الذهب والفضة وسيأتي مزيد بحث عن هذين الشرطين وهما النصاب والحول أثناء الكلام في الفصل الثالث عن الأموال التي تجب فيها الزكاة إن شاء الله تعالى.

стр. 22

المطلب السادس وهو الشرط السادس: تمام الملك ومعنى هذا الشرط من كان عنده مال تتعلق به حقوق للآخرين فهل تجب عليه الزكاة في هذا المال بمعنى أنه لا يملك المال ملكاً تاماً وقد أدرج العلماء مسائل كثيرة تحت هذا الشرط ومنها: *المسألة الأولى: هل على المدين زكاة: من كان عليه دين لا يخلو من أحوال ثلاثة: ١- عنده مال يستغرق جميع الدين. ٢- عنده مال لا يفي بدينه. ٣- عنده مال يفي بالدين. فإن كان عنده مال يفي بالدين ثم يبقى بعد ذلك مال ففي المال المتبقي زكاة ولا خلاف في ذلك بين العلماء متى ما توفرت في هذا المال المتبقي شروط الزكاة. وإنما محل الخلاف إذا كان عنده مال لا يفي بدينه أو عنده مال استغرق جميع الدين وقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: تجب الزكاة على المدين مطلقاً فالدين لا يمنع من أداء وجوب الزكاة في الأموال على الإطلاق وهذا مذهب الظاهرية وهو قول عند الشافعية. القول الثاني: لا زكاة على المدين مطلقاً حتى يفي بدينه فالدين مانع من أداء الزكاة وهذا قول الحنابلة وقول عند الشافعية أيضاً. القول الثالث: تجب الزكاة على المدين في الخارج من الأرض فقط وهو مذهب الحنفية. القول الرابع: التفريق بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة تجب الزكاة

стр. 23

على المدين في الأموال الظاهرة كالزروع والثمار والمواشي وغيرها ولا تجب عليه في الأموال الباطنة كالذهب والفضة وهذا قول المالكية ١. أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب الزكاة مطلقاً من غير تفريق بين مال وآخر وإن هذه الأدلة لم تفرق بين المدين وغير المدين كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية٢. وما بيده ماله يجوز فيه تصرفه فوجب أن يستحق الأخذ منه٣. أدلة أصحاب القول الثاني: ١- بحديث معاذ ﵁ السابق٤ قوله ﷺ : ”تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم”. ووجه الدلالة: أن هذا الحديث نص على أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء والمدين ليس منهم. ٢- بما رواه أبي عبيد القاسم بن سلام قَال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قَال سمعت عثمان بن عفان يقول: “هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم” ٥.

стр. 24

ووجه الدلالة: أن عثمان ﵁ قدم قضاء الدين على إخراج الزكاة وقد قَال ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه١. أدلة أصحاب القول الثالث: بأن الخارج من الأرض مؤنة مالية سببها الأرض كالنفقة سببها القرابة وهذه قاعدة عندهم وأصل من أصولهم في كثير من مسائل الزكاة٢. أدلة أصحاب القول الرابع: ١- إن الأموال الظاهرة تنمو بنفسها أما الأموال الباطنة فإنها تنمو بالتصرف. ٢- إن الأموال الظاهرة لا تخفى على الفقراء والمساكين فتتعلق بها بخلاف الأموال الباطنة. ٣- أن السعاة في عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء من بعده كانوا يأخذون زكاة ما ظهر من الأموال ولا يسألون عما خفي منها٣. والقول الثاني هو الراجح إن شاء الله تعالى وقد رجح هذا القول ابن رشد حيث قَال: والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المدين لقوله ﷺ : ”تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم” والمدين ليس بغني٤. *المسألة الثانية: هل على الدائن زكاة أم لا؟ والمراد صاحب المال وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة: الأول: لا زكاة عليه مطلقاً لأنه لا يملك المال ملكاً حقيقياً فالمال ليس بيده وهو وإن ملك المال فملكه ناقص غير تام. وهو مذهب الظاهرية.

стр. 25

الثاني: قول أكثر أهل العلم تجب الزكاة عليه إذا قبض الدين لأن الزكاة من باب المواساة والعدل وليس من العدل إلزامه بزكاة ما لم يقبضه فلربما هلك المال بيد المدين. الثالث: التفريق إذا كان المال بيد مماطل تجب الزكاة بعد القبض وهذا قول للشافعية والحنابلة١. والراجح والله أعلم هو قول الجمهور تجب الزكاة عليه إذا قبضه لما عللوا به فلربما هلك المال. *المسألة الثالثة: الثمار والزروع الموقوفة هل تجب فيها الزكاة؟ معنى الوقف: هو حبس العين وصرف منفعتها إلى الموقوف عليه فهو يفيد ملك المنفعة لا ملك العين يقال أوقفه، وحبسه وسبله كله بمعنى واحد وهو مما اختص به المسلمون ٢. وقد اختلف الفقهاء في الزروع والثمار الموقوفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب الزكاة فيها مطلقاً سواء كانت موقوفة لمعين كزيد أو موقوفة لغير معين كالفقراء والمساكين وهو قول المالكية وقول للشافعية. القول الثاني: لا زكاة مطلقاً في الزروع والثمار قَال به بعض التابعين كطاووس ومكحول وغيرهما. القول الثالث: التفريق إن كانت موقوفة لمعين تجب الزكاة وإن كانت لغير معين فلا زكاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم٣.

стр. 26

أدلة أصحاب القول الأول: بعموم الأدلة من الكتاب والسنة الموجبة للزكاة في الخارج من الأرض كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١ وكقوله ﷺ في الحديث السابق٢: “فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر” الحديث. ووجه الدلالة: أن هذه النصوص دلت على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض مطلقاً من غير تفريق بين موقوف وغيره. أما أصحاب القول الثاني: عللوا بأن ملك الزروع والثمار الموقوفة ملكاً ناقصاً غير تام ومن شروط الزكاة تمام الملك فلا زكاة في هذه الزروع والثمار. أما أصحاب القول الثالث: إن كانت لمعين فهي داخلة في ملكه وتحت تصرفه فهي كبقية أمواله تجب فيها الزكاة. وغير المعين فلا زكاة فيها لأنه لا يعرف لها مالك معين وهم الفقراء والمساكين الذين تجب لهم الزكاة ولا تجب عليهم. *المسألة الرابعة: الأرض المستأجرة: على من تجب زكاة ما تخرجه هذه الأرض هل تجب على المؤجر صاحب الأرض أو على المستأجر صاحب الزروع والثمار محل خلاف على قولين للفقهاء في ذلك: القول الأول: تجب الزكاة على المستأجر وبه قَال أكثر أهل العلم مالك والشافعي وأحمد. القول الثاني: تجب الزكاة على المؤجر وبه قَال الحنفية.

стр. 27

أدلة جمهور العلماء: استدلوا بعموم الأدلة على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ ١. والزرع مخرج للمستأجر فوجب أن يتوجه حق الإنفاق عليه. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية ٢. أمر بإيتاء الحق من أباح له الأكل، والأكل مباح للمستأجر فوجب أن يكون الحق واجباً عليه دون المؤجر٣. وكقوله ﷺ في الحديث السابق٤: “فيما سقت السماء”. دل على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض والخارج منها ملك للمستأجر دون المؤجر. وجهة نظر أصحاب القول الثاني: أن الخارج من الأرض مؤنة مالية سببها الأرض فوجبت الزكاة على صاحب الأرض كالخراج يجب على صاحب الأرض ومعنى ذلك قياس الأرض المستأجرة على الأرض الخراجية. والراجح والله أعلم هو القول الأول لأن قياس الأرض المستأجرة على الأرض الخراجية قياس مع الفارق لعدة أسباب: ١- لو كان القياس صحيحاً لأوجبنا الزكاة في الأرض المستأجرة على

стр. 28

أهل الذمة وأهل الذمة ليس عليهم زكاة. ٢- لو كان صحيحاً لصرفت الأرض المستأجرة مصارف الفيء ولم يقل أحد من العلماء إن الأرض المستأجرة تصرف مصارف الفيء وإنما تصرف مصارف الزكاة. ٣- لو كان صحيحاً لوجبت في هذه الأرض المستأجرة الزكاة ولو لم تزرع كالخراج لأن الخراج أجرة يفرضها الحاكم على الأرض زرعت أو لم تزرع١. *المسالة الخامسة: هل يجتمع العشر والخراج؟ لا خلاف بين أهل العلم بأن المسلم إذا ملك أرضاً عشرية تجب فيها الزكاة وكذا إذا ملك الذمي أرضاً خراجية يجب فيها الخراج. وإنما الخلاف، المسلم إذا ملك أرضاً خراجية والذمي إذا ملك أرضاً عشرية. وتكون الأرض خراجية في صورتين: أحدهما: أن يفتح الإمام بلدة قهراً ويقسمها بين الغانمين ثم يعوضهم عنها ثم يوقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجاً كما فعل عمر ﵁ بسواد العراق. الثانية: أن يفتح بلدة صلحاً على أن الأرض للمسلمين ويسكنها الكفار بخراج معلوم٢. فهل يجتمع العشر والخراج إذا انتقلت الأرض الخراجية إلى ملك المسلم؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد يجب في هذه الأرض العشر والخراج.

стр. 29

القول الثاني: يجب في هذه الأرض الخراج فقط، قَال به الحنفية. أدلة الجمهور: ١- بعموم النصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ . كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١، وكقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ ٢ وكقوله ﷺ في الحديث السابق٣: “فيما سقت السماء” فهذه النصوص أوجبت الزكاة في الخارج من الأرض من غير تفريق بين الأرض الخراجية والأرض العشرية فيجب فيها الزكاة كما يجب فيها الخراج. ٢- أن الزكاة والخراج حقان واجبان بسببين مختلفين فوجوب أحدهما لا يمنع من وجوب الآخر فوجوب الزكاة لا يمنع من وجوب الخراج، ووجوب الخراج لا يمنع من وجوب الزكاة. سبق تخريج الحديث (ص ٢٧١) من هذا البحث. فالزكاة والخراج حقان اختلفا من عدة وجوه: أ- من حيث الدليل فالزكاة وجبت بالنص، والخراج بالاجتهاد. ب- من حيث المصرف فالزكاة في مصارفها الثمانية والخراج للمقاتلة. جـ - من حيث الصفة فالزكاة عبادة، والخراج مؤنة. د- من حيث المحل فالزكاة عشر العين، والخراج دراهم في الذمة. ?- من حيث السبب فالزكاة الخارج من الأرض، والخراج الأرض نفسها٤. أدلة أصحاب القول الثاني: ١- ما يروى عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً “لا يجتمع عشر وخراج

стр. 30

في أرض مسلم” ١ فالواجب الخراج دون العشر لأنها أرض خراجية. وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث: بأنه ضعيف وهو من رواية يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة. قال ابن حبان: “ليس هذا الحديث من كلام رسول الله ﷺ ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث وهو كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول الله ﷺ “. وقال ابن عدي: “لم يصل هذا الحديث غير يحيى وهو مكشوف الأمر ورواياته عن الثقات الموضوعات”. وقال البيهقي: “حديث باطل وصله ورفعه يحيى بن عنبسة متهم بالوضع ولو صح الحديث لم يكن منع اجتماعهما دالاً على إسقاط العشر بأولى من أن يكون دالاً على إسقاط الخراج”٢. ٢- عن أبي هريرة ﵁ قَال رسول الله ﷺ : “منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مديها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم ثلاثاً” ٣. فالدرهم الخراج والقفيز العشر، والقفيز والمدي والأردب مكاييل معروفة لأهل تلك البلاد المذكورة. فهذا الحديث إخبار من النبي ﷺ بما سيقع من أهل تلك الأمصار حيث يخرجون عن طاعة الإمام ويمنعون ما أوجبه عليهم وهو الخراج. وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث.

стр. 31

بأن معناه أن أهل هذه الأمصار سيدخلون في الإسلام فتسقط عنهم الجزية يقول الإمام البغوي: وفيه مستدل لمن ذهب إلى أن وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر لأنه جمع بين القفيز والنقد، والعشر يؤخذ بالقفيز، والخراج يؤخذ بالنقد١. ٣- ما جاء عن عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك أسلمت فكتب أن ادفعوا إليها أرضها تؤدي عنها الخراج. وكذا ما جاء عن علي ﵁ في دهقان٢ أسلم فقال له علي ﵁: إن قمت في أرضك رفعنا عنك جزية رأسك وإن تحولت عنها فنحن أحق بها. قَال أبو عبيد: فتأول قوم لهذه الأحاديث: أن لا عشر على المسلمين في أرض الخراج يقولون: لأن عمر وعلياً ﵄ لم يشترطاه على الَّذِين أسلموا من الدهاقين. قَال أبو عبيد في الجواب عن هذه الآثار: وليس في ترك عمر وعلي ذكر العشر دليل على سقوطه عنهم لأن العشر حق واجب على المسلمين في أرضهم لأهل الصدقة لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم في الأرض٣. فأمر الزكاة معلوم من الدين بالضرورة لا يخفى على أحد وإنما ذكرا الخراج حتى لا يتوهم أن الخراج يسقط بالإسلام كالجزية ٤.

стр. 32

٤- دعوى الإجماع حيث لم ينقل عن أحد من الخلفاء أنه جمع في أرض واحدة بين العشر والخراج فهذا دليل وجوب الخراج فقط. وقد أجاب الجمهور عن هذه الدعوى: أن هذه الدعوى غير صحيحة فهي دعوى منتقضة بفعل عمر بن عبد العزيز قَال يحيى بن آدم: وسألت شريكاً عن المسلم يكون له أرض خراج فيؤدي خراجها أعليه أن يزكي ما حصل له من الثمرة بعد الخراج، قَال نعم إذا بلغ خمسة أوسق. ثم قَال حدثني عمرو بن ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أنه قَال ذلك أو أمر به قَال شريك لعل عمر لا يكون قَال ذلك حتى سأل عنه أو بلغه فيه، فإنه كان ممن يقتدى به ١. الترجيح في المسألة: تبين لنا مما سبق رجحان مذهب جمهور العلماء في إمكان اجتماع العشر والخراج حتى لا تسقط الزكاة عن الأرض العشرية في البلاد الإسلامية يقول أحد علماء الأزهر: ومن العجيب أن كثيراً من المسلمين في مصر الآن لا يخرجون زكاة زرعهم استناداً إلى مذهب أبي حنيفة في أن أرض الخراج لا عشر عليها٢. والله المستعان. *المسألة السادسة: إذا ملك الذمي أرضاً عشرية فما الحكم؟ محل خلاف بين أهل العلم على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجب في هذه الأرض شيء لا عشر ولا خراج وهذا مذهب أكثر أهل العلم.

стр. 33

القول الثاني: قَال أبو حنيفة يجب في هذه الأرض الخراج فقط. القول الثالث: قَال أبو يوسف يجب في هذه الأرض مضاعفة العشر. القول الرابع: قَال محمد بن الحسن يجب في هذه الأرض الزكاة فقط١. والصحيح والله أعلم هو القول الأول فلا زكاة في هذه الأرض لأن الزكاة لا تجب على أهل الذمة ولا خراج على هذه لأن الأرض ليست خراجية والخراج واجب على الأرض الخراجية فقط دون غيرها. *المسألة السابعة: هل تسقط الزكاة بالموت أم لا؟ إذا وجبت الزكاة وقبل أدائها مات صاحب المال فما الحكم؟ أربعة أقوال للفقهاء في ذلك. القول الأول: لا تسقط الزكاة بالموت مطلقاً فتجب الزكاة في هذا المال وتؤخذ من رأس المال أوصى بذلك أو لم يوص وهذا مذهب أكثر أهل العلم. القول الثاني: لا تسقط بالموت ولكن ليس ذلك على الاطلاق وإنما نخرج الزكاة من الثلث قَال به بعض التابعين كالليث والأوزاعي. القول الثالث: تسقط الزكاة بالموت ولا يلزم الورثة إخراج الزكاة إلا إذا أوصى بها، نخرجها من الثلث وهو قول الحنفية. القول الرابع: بالتفصيل لا تسقط الزكاة بالموت إذا كانت زكاة حاضرة لهذه السنة وتسقط بالموت إذا كانت زكاة ماضية وهو قول المالكية ٢. أدلة الجمهور:

стр. 34

الدليل الأول: قوله تعالى في آية المواريث ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية ١. ووجه الدلالة: أن الآية قدمت الدين على قسمة التركة والإجماع قائم على تقديم الدين حتى على الوصية، قَال ابن كثير: أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية٢. وأعلم أن الدين مؤخر في اللفظ، مقدم في المعنى، لأن الدين حق عليه والوصية حق له، وهما جميعاً مقدمان على حق الورثة٣، ومعلوم أن الزكاة دين في ذمة المسلم للفقراء والمساكين فوجب تقديمها وإخراجها قبل قسمة التركة والوصية. الدليل الثاني: حديث ابن عباس ﵄ قَال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها قَال: “نعم، فدين الله أحق أن يقضى” وفي رواية قالت امرأة للنبي ﷺ إن أختي ماتت، وفي رواية قَال “فدين الله أحق بالقضاء” ٤. ووجه الدلالة: أثبت الحديث أن الصيام دين فكذلك الزكاة بل الزكاة أولى بالقضاء لأنها تتعلق بحقوق الآخرين وهم الفقراء والمساكين. الدليل الثالث: القياس على دين الآدمي فهو لا يسقط بالموت فكذلك الزكاة بجامع أن كلا منهما حقٌّ ماليٌّ ثابتٌ في الذمة، فهي حق واجب تصح

стр. 35

الوصية بها فلم تسقط بالموت كدين الآدمي١. حجة أصحاب القول الثاني: إن المال أصبح للورثة فنخرج الزكاة من الثلث الَّذِي تجوز فيه الوصية مراعاة لحال الورثة ولا نتجاوز الثلث لأن الزكاة ربما استغرقت جميع التركة فيتضرر الورثة استدلالاً بقوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص: “الثلث والثلث كثير” ٢، وبقوله ﷺ : “لا ضرر ولا أضرار”، وفي رواية: “لا ضرر ولا ضرار” ٣. حجة أصحاب القول الثالث: أن الزكاة عبادة محضة فتسقط بالموت كالصلاة والصيام كسائر الواجبات التي تسقط بالموت فالزكاة كذلك. وقد أجاب الجمهور عن هذا: أن قياس الزكاة على الصيام والصلاة هنا قياس مع الفارق لأن الزكاة حق مالي واجب فلم يسقط بالموت كالدين ويفارق الصوم والصلاة، فإنهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما ولا النيابة فيهما ٤. حجة أصحاب القول الرابع: هو اتهام الميت فلربما قصد من التأخير حرمان الورثة. والراجح والله أعلم هو قول الجمهور وذلك لقوة أدلتهم.

стр. 36

*المسألة الثامنة: هل تسقط الزكاة بهلاك المال أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال. القول الأول: تسقط الزكاة بهلاك المال أو ضياعه أو تلفه أو موته. وهذا قول الحنفية وحجتهم فوات المحل وهو النصاب. القول الثاني: لا تسقط الزكاة بذلك بل تبقى في ذمته فهي لا تسقط بأي حال من الأحوال. وهو قول الحنابلة والظاهرية قياساً على دين الآدمي. القول الثالث: التفصيل وهو قول المالكية والشافعية إن فرط فهو ضامن ولا تسقط عنه الزكاة فهي باقية في ذمته وإن لم يفرط فليس بضامن وتسقط عنه الزكاة. والراجح والله أعلم هو القول بالتفصيل أن الزكاة تسقط بتلف المال إذا لم يفرط في الأداء، لأنها تجب على سبيل المواساة، فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال، وفقر من تجب عليه. ومعنى التفريط أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها، وإن لم يتمكن من إخراجها فليس بمفرط سواء كان ذلك لعدم المستحق أو لبعد المال عنه، أو لكون الغرض لا يوجد في المال ويحتاج إلى شرائه فلم يجد ما يشتريه أو كان في طلب الشراء أو نحو ذلك ١. *المسألة التاسعة: هل تسقط الزكاة ببيع المال أم لا؟ وما حكم هذا البيع؟ اختلف الفقهاء في صحة بيع المال الَّذِي وجبت فيه الزكاة على قولين: مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم إلى

стр. 37

صحة البيع. واستدلوا بحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري. وحديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل وما تزهي قَال: “حتى تحمر” رواه البخاري ومسلم.١. قَال البغوي: ويحتج بهذا الحديث من يجوّزُ بيع المال بعد وجوب الزكاة فيه ثم يؤدي الزكاة من موضع آخر، لأن النبي ﷺ أجاز بيع الثمار بعد بدو الصلاح من غير أن يخص من لم تجب عليه الزكاة ممن وجبت عليه. وللشافعي فيه أقاويل أحدها: إن البيع باطل والثاني: صحيح وللمشتري الخيار، والثالث: في قدر الزكاة باطل والمشتري بالخيار إن شاء أجاز في الباقي بحصته من الثمر، وإن شاء فسخ البيع ٢. وعلل الشافعية البطلان: إن قلنا أن الزكاة تتعلق بالعين فقد باع ما لا يملكه وهو نصيب الفقراء والمساكين وإن قلنا إن الزكاة تتعلق بالذمة فقد باع شيئاً مرهوناً في ذمته وبيع الرهن لا يصح. والراجح والله أعلم هو قول جمهور أهل العلم وعلى هذا القول على من تجب الزكاة: قَال أبو حنيفة: المشتري بالخيار ويؤخذ منه العشر ويرجع هو على البائع. وقال مالك: العشر على البائع إلا أن يشترطه على المشتري.

стр. 38

وقال أحمد: العشر على البائع مطلقاً وهو قول الثوري والأوزاعي ١. فإن فعل البائع هذا فراراً من الزكاة لم تسقط عنه. وهذا هو قول جمهور أهل العلم استدلالاً بقوله تعالى في سورة القلم ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم﴾ الآية ٢. فعاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة، ولأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط كما لو طلق امرأته في مرض موته، ولأنه لما قصد قصداً فاسداً اقتضت الحكمة معاقبته بنقيض قصده كمن قتل مورثه لاستعجال ميراثه ٣.

стр. 39

المطلب السابع: وهو الشرط السابع: النية إخراج الزكاة لا يصح إلا بنية، فإن أخرجها بغير نية لم يجزه، وبه قَال عامة الفقهاء إلا ما حكي عن الأوزاعي. وقد استدل على أن إخراج الزكاة لا يفتقر إلى نية بما يلي: أ- أن الزكاة إذا وجبت صارت ديناً في الذمة كسائر الديون التي لا تفتقر نية. ب- إخراج ولي الصبي والمجنون عنهما فلا نية لهما. جـ- أخذ السلطان الزكاة من الممتنع كرهاً، والمكره لا نية له ١. واستدل الجمهور على اشتراط النية بما يلي: ١- قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢. فجعل الإخلاص وهو النية شرطاً في صحة العبادة. وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنِي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٣ وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الَّذِي يراد به وجه الله تعالى لا غيره ٤. ٢- قوله ﷺ وهو أول حديث استفتح به الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر قَال سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إنما الأعمال بالنيات” الحديث٥. وعند الإمام مسلم “إنما الأعمال

стр. 40

بالنية “ ١ فدل على أن ليس له مالم ينوه لأن أداؤها عمل. ٣- ولأنها عبادة تنوع فرضاً وهو الزكاة ونفلاً وهو التطوع، فوجب أن تفتقر إلى النية كالصلاة والصيام ومحلهما القلب، لأن محل الاعتقادات كلها القلب. فأما الجواب عما استدل به الإمام الأوزاعي: ١- إن قضاء الدين ليس بعبادة وإنما هو حق لآدمي فلم تلزم فيه النية بخلاف الزكاة فإنها عبادة لله تعالى فوجبت فيها النية وحق الآدمي يسقط بإسقاط مستحقه فلا يحتاج إلى نية. ٢- إن ولي اليتيم هو المخاطب بالإخراج فأجزأت نيته فهو ينوب عند الحاجة. ٣- إن السلطان العادل لا يأخذ من المال إلا ما وجب أخذه ٢.
следующие страницы →