حُصُوُننا مهدَّدة من دَاخِلِهَا
بقلم الدكتور محمّد محمّد حسين
مؤسسة الرسالة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
حصوننا مهددة
من داخلها
стр. 4
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى: ١٣٨٧ هـ -١٩٦٧ م.
الطبعة الثانية: ١٣٨٨ هـ -١٩٦٨ م.
الطبعة الثالثة: ١٣٩١ هـ -١٩٧١ م.
الطبعة الرابعة: ١٣٩٧ هـ -١٩٧٧ م.
الطبعه الخامسة: ١٣٩٨ هـ -١٩٧٨ م
الطبعة السادسة: ١٤٠١ هـ -١٩٨١ م.
الطبعة السابعة: ١٤٠٢ هـ -١٩٨٢ م.
الطبعة الثامنة: ١٤٠٤ هـ -١٩٨٣ م.
مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة
هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٢٤١٦٩٢ ص. ب:٧٤٦٠ برقياً: بيوشران
стр. 5
مقدمة الطبعة الرابعة
الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين.
وبعد
هذه هي الطبعة الرابعة من كتاب "حصوننا مهددة من داخلها"، حبسها عن الظهور سنتين ظروف طارئة قاهرة، وقد رأيت أن أحدث فيها بعض التعديل، فأسقطت منها الفصول الثلاثة الأخيرة التي يضمها باب (في الدراسات الِإسلامية) , لأني فضلت أن أضيفها إلى أبواب كتابي "الإِسلام والحضارة الغربية" ورأيتها أليق به، وألصق بموضوعه، وأضفت إلى هذه الطبعة صورة مذكرة كتبتها في تطوير الدراسات العربية والاسلامية، فيها فضل بيان لبعض زوايا لم أمسها فيما كتبته في هذا الموضوع من قبل.
أسأل الله التوفيق والسداد في الفكر والعمل، والعفو والمغفرة فيما يزل فيه الفكر والقلم.
стр. 6
مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والصلاة والسلام على نعمة الله المهداة إلى البشر، الذي ختم به رسالاته وأتم كلماته، سيدنا مُحَمَّدْ. اللهم صل وسلم وبارك عليه، عَدَد الداخلين بسببه في رحمتك إلى يوم الدين.
وبعد
هذه كلمات كنت قد نشرتها منذ أكثر من عشر سنوات في مجلة الأزهر بمصر، تدور حول نقد مطبوعات واتجاهات ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وتقييمها. وهي من هذه الناحية تعتبر امتداداً لكتابي (الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي المعاصر)، الذي وقف الجزء الثاني منه عند قيام جامعة الدول العربية. وبعضُ الذين تناولتهم هذه المقالات ممن ربطتني بهم صداقة أو صلة قديمة، وبعضهم ممن لم أكن قد عرفته ثم التقيت به من بعد وعرفت فيه نواحي من العلم والفضل. ومع ذلك فالله يشهد أن ما كان في هذه المقالات من حب أو بغض كان خالصاً لوجه الله، لم تشُبْهُ شائبة من شهوة أو هوى. وقد رأيت أن أترك كل شيء في هذه الطبعة كما كتبته أول مرة دون تغيير أو تبديل, لأنه صورة من صراع الآراء الذي جرى ولا يزال يجري في بلاد المسلمين، فهو من هذه الناحية قطعة من التاريخ الفكري لهذه الحقبة، لم يعد من حقي أن أبدل فيه أو أغير.
стр. 7
وقد نشر بعض هذه المقالات لأول مرة مجموعاً في كتاب تحت عنوان "في أوكار الهدامين" حين استأذنني الشيخ عبد المهيمن أبو السمح إمام الحرم المكي في نشرها فأذنت له. ولكن الكتاب صدر لسوء الحظ مليئاً بالأخطاء، ثم استؤذنت مرة أخرى في طبع هذه المقالات جميعاً حين زرت الكويت سنة ١٣٨٥ هـ -١٩٦٦ م بدعوة من وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية في موسمها الثقافي الأول، فأذنت في ذلك، وطبع منها خمسة الآف نسخة سنة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م. وأُعِرتُ بعد ذلك من جامعة الاسكندرية إلى جامعة بيروت العربية سنة ١٣٨٨ هـ (١٩٦٨ م) فتبين لي أن الكتاب قد طبع في بيروت، وراجعته فوجدت فيه أخطاء كثيرة نبهت إليها صاحب الدار التي أصدرته ورجوته أن يتلافاها في الطبعة التالية. ولكن الكتاب نشر كما هو في طبعته الثانية (١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م) مصوراً عن الطبعة الأولى بكل أخطائها, لذلك رأيت أن لا يطبع الكتاب بعد ذلك إلّا بإِذن كتابي مني. وقد أذنت للأستاذ مُحَمَّدْ عادل العاقل صاحب دار الإرشاد ببيروت في أن يطبع الطبعة الثالثة منه في خمسة الآف نسخة، بعد أنَ أصلحت ما فيه من أخطاء وبعد شيء يسير من التعديل. فقد رأيت أن أبدأ الكتاب بالمقالات التي نُشِرت في مجلة الأزهر لأول مرة تحت عنوان (حصوننا مهددة من داخلها)، وهو العنوان الذي اتخذته من بعدُ للكتاب. ثم رأيت أن أضم إلى مقال (الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة) مقالين آخرين في الموضوع نفسه، لتكون جميعاً تحت عنوان (في الدراسات الإِسلامية). وأحد هذين المقالين في دراسة مؤتمر آخر من نوع مؤتمر (الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة)، نُشرت البحوث التي ألقيت فيه ثم ترجمت إلى العربية تحت عنوان (الشرق الأدنى: مجتمعه وثقافته). والمقال الآخر في كتاب للمستشرق سْمِثْ (w. c . smith) عن: الإِسلام في العصر الحديث islam in) (modern History صدر عن جامعة برنستون - وهي الجامعة التي دعت للمؤتمرين السابقين- سنة ١٩٥٧. ثم إني أضفت إلى القسم المنشور تحت عنوان (في مناهج اللغة والدين) كلمة عن بحث ملحد منحرف في قراءات القرآن، قُدّم لجامعة الإِسكندرية سنة ١٣٨٥ هـ -١٩٦٥ م للحصول على درجة الماجستير، ذهبت فيه صاحبته إلى أن القرآن غيرُ متواتر بلفظه، وأنه قد حدث فيه تغيير وتبديل، وزعمت أن الرسول قد غَيرَّ فيه، وسمح لأصحابه
стр. 8
بالتغيير وأقرهم عليه. ومع هذه الافتراءات الظالمة التي لا تستند إلى أي دليل، ولا تقوم إلّا على الرغبة في الهدم، فقد قررت اللجنة التي ناقشته وقتذاك منحه درجة الماجستير. ثم امتنعت الجامعة عن توثيق هذا القرار بعد معركة طويلة خاضها من جانب واحد أنصارُ الباطل، أفراداً وجماعات وصُحُفاً. ورأيت يومذاك أن أحصر القضية من جانبي بين جدران الجامعة، فلم أرُدّ على من جندته الصحف لتزيين ذلك الإِلحاد وتزوير صورته. ثم رأيت الآن أن أثبت ما كان، بعد أن هدأت الزوبعة، للتاريخ وللحق، وليعرف من اطلع على القضية وقتذاك من جانبٍ واحدٍ حقيقةَ الأمر. ثم إني حذفت القسم الأخير من الكتاب المنشور تحتَ عنوان (في شؤون الروح). وهو جزء عن بحث كنت أُعده لجلة الأزهر، ثم انقطعت عن نشر بقيته بعد أن نُحّيَ الأُستاذ محب الدين الخطيب ﵀ عن رياسة تحرير المجلة، وحل محله أحمد حسن الزيات. وقد نشرتُ البحث بعد ذلك كاملاً في الاسكندرية سنة ١٣٨٠ هـ -١٩٦٠ م ثم أعيد نشره في دار الإِرشاد ببيروت سنة ١٣٨٨ هـ -١٩٦٩ م تحت عنوان (الروحية الحديثة دعوة هدامة).
أسأل الله أن يتقبل مني هذا الجهد الذي لا يفي بنعمه علي، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ضعفي وعجزي وتقصيري.
بيروت في صباح الإِثنين ١٠ من جمادي الآخرة ١٣٩١ هـ
(٢/ ٨/ ١٩٧١ م).
محمّد محمّد حسين
стр. 9
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله
وسلام على عباده الذين اصطفى
الحمد لله وحده، هو الحميد المجيد، منه العون وبه التوفيق. اللهم اهدنا سبلنا، وألهمنا رشدنا، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
وبعد
فهذه كلمات كنت قد نشرتها في مجلة "الأزهر" خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة (١٣٧٦، ٧٧، ٧٨). وكان أكثرها تحت عنوان "حصوننا مهددة من داخلها"، جمعتها في هذه الصفحات مرتبة بحسب تاريخ نشرها. ولم أتناولها بتغيير أو تبديل، إلّا ما يكون مما لا بد أن يعنَّ لكل كاتب إذا أعاد النظر فيما كتب، وهو من أمارات نقص الإِنسان وعجزه وقصور فكره.
وقد كان الذي دعاني إلى كتابة هذه السلسلة من المقالات أني رأيت الِإلحاد والانحلال في هذه الأيام يشتعل ويسري سريان النار في يابس الحطب، ورأيت دعاته يستفحل أمرهم في كل مكان، ورأيت الناس مشغولين بالجدل والنقاش حول ما يثيرونه من موضوعات يسترون مآربهم الهدَّامة من ورائها تحت أسماء خلاَّبة برَّاقة، كالنهضة، والتحرر، والتطور، ومتابعة ركب الحياة، وهي موضوعات منوعة تشمل الحياة في شتى نواحيها، يخترعونها ثم يهولون من شأنها ويكثرون من الأخذ والرد حولها حتى يلفتوا إليها أنظار الناس، وحتى ينشأ جيل جديد مرنت أذنه منذ وعى على سماع المناقشات حول هذه الموضوعات, فيتوهم أنها مشكلات حقيقية لا بد لها من حل،
стр. 10
ويتجه في أغلب الأحيان - كما جرت عادة الناس - إلى أنصاف الحلول التي ترضي الطرفين المتخاصمين حسب وهمه. والخاسر في حقيقة الأمر هو صاحب الحق. والربح كله للباطل وأصحابه.
ولا يزال أصحاب الباطل ماضين في اتخاذ هذا الأسلوب نفسه جيلًا من بعد جيل، يزحفون ويزحفون، حتى يسدّوا على الناس كل سبيل للحق، أو يفتح الله باباً من أبواب رحمته فيبعث عليهم من ينكّل بهم ويقطع دابر ما يثيرونه من فتن. ولكن الجديد في أمر هؤلاء الدعاة أن شرهم لم يعد مقصوراً في هذه الأيام على الكلام، فقد انتقلوا من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل بعد أن نجحوا في التسرب إلى الحصون التي تحمي قيمنا، وأصبح كثير منهم في مناصب تمكّنهم من أن يدسّوا برامجهم وخططهم على المسؤولين من رؤسائهم وينفذوها في صمت، ودون أن يثيروا ضجة تلفت إليهم المعارضين.
ولهؤلاء المفسدين عصابة تشد أزرهم وتُشِيد بهم وتنوَّه بذكرهم وتحميهم من خصومهم وتقطع ما يهاجمون به مما ينبه الناس إلى شرهم عن كل وسائل النشر، فلا يصل إلى آذان الناس أو عيونهم شيء منه. وأنا حين أزعم أن هؤلاء الدعاة ينتمون إلى عصابة ذات خطر إنما أعني بالعصابة كل مدلولها وكل حرف من حروفها وكل مفهوم من مفاهيمها.
هذه العصابة قليلة العدد. ولا ترجع قوتها إلى كثرة عددها. ولكنها ترجع إلى تماسك أفرادها وتضامنهم، يساعد بعضهم بعضاً، ويحمىِ كبيرهم الصغير، ويمهد السابق منهم للاحق، ويهيىء له فرص الظهور والترقي، بينما يتخلصون بمختلف الوسائل من الخصوم الذين يعارضونهم والذين يقفون في وجه خططهم. يحدث ذلك كله في الظلام وفي صمت. وقد لا يكون هناك تنظيم واحد معروف بعينه يضم الهدامين ودعاة الشر كلهم جميعاً، ولكن المهم في الأمر أنهم جميعاً، على اختلاف نزعاتهم وعلى تباين ساداتهم وشياطينهم، متعارفون متضامنون. والمتدبر لخططهم وتحركاتهم في إحكامها، وفي تناسقها، وفي وحدة أهدافها، وتشابه أساليبها في كثير من الأحيان، وفيما تستند إليه من
стр. 11
نفوذ واسع، لا بد أن ينتهىِ إلى أن هناك هيئات منظمة تنظيمًا دقيقاً من وراء هذه الحركات، وأن بين هذه الهيئات قدراً كبيراً من التفاهم واتفاق المصالح. وعصابة الهدَّامين تستمد قوتها وخطورتها من هذا التنظيم من ناحية، ومن أنها مجهولة الرأس والحدود والأطراف والأساليب والأعوان من ناحية أُخرى. وهذا التنظيم وهذه السريَّة هما مصدر قوة هذه العصابة التي لا تفترق عن عصابات السطو والِإرهاب في شيء. فهي لا تعتمد في تنفيذ خططها على الإِقناع شأنَ أصحاب الرأي، ولا على الكثرة شأن أصحاب (الديموقراطية) المزعومة، ولكنها تعتمد على العمل في الظلام وعلى البطش بالخصوم والتخلص من المعارضين ومؤازرة الأولياء والأصدقاء وتمكينهم من مقاليد السلطة. وهم يسلكون لذلك كل سبيل، ويستغلون فيه كل وسيلة، وعلى رأس هذه الوسائل الصحافة والإِذاعة والمنابر ودور النشر وشراء الذمم والتهديد بالفضائح.
ومن هذه الأساليب التي لا تحصى أسلوب مشهور معروف لم يعد يخفى على بَصير، يُلقي أعضاء هذه العصابة شباكهم حول أصحاب النفوذ والسلطان ويدخلون إليهم من أقرب الأبواب إلى قلوبهم وأضعف الثغرات في نفوسهم، ثم يتظاهرون بالتفاني في حبهم والِإخلاص في خدمتهم، فيلازمونهم ملازمة الظل، لا يغادرونهم طرفة عين، ويراقبون منهم الِإشارة والبادرة، مراقبة الكلب الأمين لصاحبه، حتى يصبح التابع منهم لازمة من لوازم سيده ووهماً مسلطاً عليه لا يتخيل إمكان الاستغناء عنه، وبمرور الأيام تتحول هذه البطانة إلى سور ضخم شاهق يحجب عن بصر صاحب النفوذ كل شيء عداه، فحيثما وجّه البصر لا يرى إلّا هذا السور، وتصبح هذه الدائرة الضيقة هي دنياه، لا يعرف شيئاً مما يجري وراءها في دنيا الناس. وعند ذلك يصبح صاحب النفوذ في حقيقة أمره سجيناً من حيث لا يدري, لأنه لا يرى إلّا ما يسمحون له برؤيته، ولايسمع إلا مايسمحون له بسماعه وحسبك بهذا سجناً، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يصبح صنمًا. معبوداً كعجل الكفار من الفراعنة، يحبس في الظلام، ولا يَنْتفِع بعبادته وتقديسه إلّا سدنتُه.
وأخطر ما في أمر هذه العصابة أن أفرادها يتمتعون بكل ما في حرب
стр. 12
العصابات من مزايا. ومن أخطر هذه الزايا أن الجهاز الحكومي - وهو يشبه الجيش النظامي - لا يستطيع توجيه الضربة القاضية إليهم. لذلك كان من أنجح الأساليب في مكافحتهم أن تدرس خططهم وأساليبهم في الكيد والدس وينبه الناس إليها. عند ذلك ينكشف الستر عن الذين يستمدون قوتهم من العمل في الظلام، ويجدون أنفسهم وقد غمرتهم الأضواء وكشفت أوكارهم وسراديبهم، ولا يجدون بداً من اللجوء إلى سلاحهم القديم الذي بدءوا به وهو سلاح الدعاية. وقد فشلوا فيه من قبل، وسيكون فشلهم في هذه المرة ساحقاً ماحقاً بعد افتضاح أمرهم, لأنهم يسبحون اليوم ضد تيار قوي غلَّاب، ترعاه عناية الله سبحانه، ويحفه توفيقه، ويمده مدده الذي لا ينفد وجنوده التي لا يعلمها إلّا هو. ذلك هو تيار النهضة العربية واليقظة الإِسلامية.
من أجل ذلك كتبت هذه الكلمات لجلة الأزهر، ثَم أعدت نشرها مجموعة وهذه الصفحات. كتبتها لألقي الأضواء على الذين يعملون في الظلام، وأكشف الستر عما يدبرون في الخفاء، ولأفضح دسائسهم التي يلقون عليها حجباً كثيفة من الرياء والنفاق، حين يندسون بين صفوف العاملين على بعث معالم شخصيتنا وإحياء شعائرنا وأشعرتنا، يتظاهرون بالغيرة على إسلامنا وعلى عروبتنا، حين تنطوي ضمائرهم على فساد العقيدة وحين يعملون لحساب العدو الذي يستعبدنا ولحساب الصهيونية الهدامة التي لا تريد أن تبقى على بناء قديم. هؤلاء هم أخطر الأعداء، وهم أول ما ينبغي البدء به في تطهير الحصون وتنظيف الدار, لأن الأعداء والمارقين ظاهر أمرهم لا يخفون، وهم خليقون أن ينفِّروا الناس، فهم كالمريض الظاهر يتحاشاه الناس ولا يقتربون منه. أما هؤلاء فهم كالريض الذي لا يظهر المرض على بدنه، فالمخالطون لا يحتاطون لأنفسهم في مخالطته. وأكثر ما تتعرض الشعوب للخطر من هذا الفريق في أطوار ثورتها ونهضتها, لأنها في هذا الطور تمر في دور انسلاخ تحاول أن تطهير نفسها فيه من الأوضار ومن النقائص، فيُلبِّس هذا الفريق من المنافقين والضالين والمضللين عليها أمرها، ويزينون لها الباطل زاعمين لها أنه هو سبيل النهضة، ويوهمونها أن كثيراً من عاداتها الصحيحة الأصيلة هي من
стр. 13
أسباب تخلفها وضعفها، ويزجون بها فيما رسمته عصابتهم من قبل وما قدَّرته من طرق ومسالك.
كتبت هذه الصفحات حين كتبتها لكي أفضح هذا النفر من المفسدين وأنبه إلى ما انكشف لي من أهدافهم وأساليبهم التي خُدعت بها أنا نفسي حيناً من الزمان مع المخدوعين، أسأل الله أن يغفر لي فيه ما سبق به اللسان والقلم. وإن مد الله في عمري رجوت أن أصلح بعض ما أفسدت مما أصبح الآن في أيدي القراء. وأكثره في بحث حصلت به على درجة (دكتور في الآداب) من جامعة القاهرة (فؤاد الأول وقتذاك)، ثم نشرته تحت اسم "الهجاء والهجاءون" (*).
وقد كان مصابي هذا في نفسي وفي تفكيري مما جعلني أقوى الناس إحساساً بالكارثة التي يتردى فيها ضحايا هؤلاء المفسدين، وأشدهم رغبة في إنقاذهم منها، بالكشف عما خفي من أساليب الهدَّامين وشراكهم.
ومن الواضح أن هذه الصفحات لا تستقصي نشاط الهدامين ولا تستوعب كل ميادينهم ولا تحصيها عدداً، ولكنها تقدم نماذج منها تكشف عن أساليبهم في الدس والتزييف والهدم والتخريب، وهي أساليب لا يقتصر شرها على بلد دون بلد، فهي تعم بلاد العرب، بل بلاد المسلمين، بل الشرق كله، يسقونه السم على حين نهضته حتى لا تصح له نهضة، وليقودوه إلى الهاوية التي يوشك الغرب كله - شرقيه وغربيه - أن يتردى فيها. وسيعلم القارئ من بعد أن اصبع الصهيونية العالمية الهدامة التي تطمع في أن ترث الأرض وتستعبد كل من عليها لليهود من وراء هذه الدعايات والدعوات.
لذلك لم يكن من قصدي في هذه الصفحات أن أقنع الذين أنبه إلى خطورتهم، فأكثر هؤلاء دعاة وليسوا طلاب حق، لا يخرجهم من ضلالهم إلَّا أن يرزقهم الله الهداية، ويشرح صدورهم للِإيمان، ولا حرج عن فضل الله ولا يأس من رحمته. ولكن أكثر قصدي في هذه الكلمات كان إلى الشباب
стр. 14
خاصة، أنبههم إلى ما قد يخفى عليهم من حيل الهدامين وأساليبهم. وشيء آخر كان بين عيني أيضاً حين كتبت هذه الكلمات، وهو أن أقوم بواجب في عنقي نحو ولاة أمورنا، وأن أعينهم بالنصح فيما أعلم ابتغاء لثواب الله، وإبراءً للذمة من عهدة لا تبرئنى منها إلَّا هذه الكلمات.
ولست أبالي أن يكون المنتفعون بهذه الكلمات والذين يعونها حق الوعي قلة من الناس، بل إني لا أطمع في أكثر من ذلك. ولكني أعلم أن الله سبحانه قد يْجُري خيراً كثيراً على يد نفر قليل إن أعان ووفق وبارك، وأنا أسأل الله العون والتوفيق، وأن يبارك جهود المخلصين ممن يبتغون بعملهم وجهه الكريم.
وصلى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيراً.
في ٩ رجب ١٣٧٨ هـ
(١٨/ ١/ ١٩٥٩ م)
محمّد محمّد حسين
стр. 15
في الدراسات النفسية والاجتماعية
стр. 16
حُصُوننَا مُهَدَّدة مِن دَاخِلهَا*
يظن بعض الناس أن الدول القوية هي التي تملك عدداً ضخمًا من عدد القتال وآلاته، وتنتج مقادير هائلة من الصناعات التي تغمر أسواق العالم. وحقيقة الأمر أن هذه الدول لا تتاح لها القوة حتى يكون من وراء كل هذه العدة الهائلة وذلك الإِنتاج الضخم خلق متين يجمع أهلها ويشد بعضهم إلى بعض، ويعطف كل واحد منهم على أخيه، ويمنع عناصر الفساد وأسباب الفرقة والخلاف أن تتسرب إلى صفوفهم وتنخر عظامهم. إن الدول لا تسود ولا تعلو بالحديد والنار ولا بالمال، ولكنها تسود وتعلو بالخلق المتماسك. وأعلى مصادر الخلق المتماسك وأعمقها جذوراً وأدومها أثراً هو الدين، فهو الذي يجمع الناس على التواد والتراحم ويقيهم ما طبعت عليه النفس البشرية من الشح، ويكف بعضهم عن بعض. وهذه هي دول الغرب، يستطيع كل ذي بصر أن يرى - كما رأى المؤرخ الإِنجليزي توينبي من قبل، منذ الحرب العالمية الأولى - مظاهر تدهورها وإنحلالها وهي في كامل مجدها الصناعي والآلي، لم يعوزها المال ولم تنقصها الآلات ولا المعارف الفنية ولا العلوم العقلية، ولكن أعوزها الخلق والدين، فسرى الفساد في جسدها ودب الخلاف في صفوفها. إن مظهر هذه الدول الضخم قد يخدع كثيراً من الناس فيظنون أن نهايتها بعيدة، والحقيقة أن الدول الكبيرة لا تضمر ولا تذوي ولا تنكمش، ولكنها تنهار كما ينهار عمود الخشب الضخم الذي نخر السوس لبه.
стр. 17
كذلك انتهت كل الدول الكبرى من قبل، في أثينا وفي روما وفي بغداد وفي الأندلس وفي الأستانة. انتهت حين كانت ضخامتها ومظاهر الترف فيها تخدع الناظر عن السوس الذين ينخر عظامها.
وما ينبغي لنا أن نغفل عن هذا الدرس الماثل أمام أعيننا إن غفلنا عما حفظه التاريخ من دروس ومن عظات. يجب أن نعرف معرفة اليقين أن المتقدم الصناعي لا يغني عنا شيئاً إذا دبّ فينا دبيبُ الخلاف، فتفرقت بنا السبل وتوزعتنا الأهواء والآراء، ومزقتنا الدعوات المتنافرة التي ينقض بعضها بعضاً. والدين واللغة هما أهم دواعي الألفة والتماسك في كل مجتمع إنساني. فالدين هو الذي يوحّد العادات والأمزجة، فيجتمع الناس فيما يحبون وفيما يكرهون، وفيما يألفون وفيما يعافون، وفيما يستحسنونه وفيما ينفرون منه، على ألوان معينة من غذاء الأبدان والنفوس. واللغة هي الوعاء الذي يشتمل على ذلك كله، وهي أداة التفاهم التي لا يتم بدونها تواصل. ثم إنها بعد ذلك تجمع أمزجة الناس وأذواقهم على ألوان معينة من الأساليب البيانية في الجمال الفني. لذلك كانت المعاهد والمؤسسات التي تقوم على صيانة الدين واللغة هي بمثابة الحصون والمعاقل التي تسهر على حمايتنا وسلامتنا، وكانت العناية بأمرها خليقة أن تنال من اهتمامنا مثل ما تناله العناية بإِعداد العدة الحربية والصناعية بل أشد. وشر ما يطرأ على هذه المعاقل من الوهن أن تؤتىَ من بعض الذين وُكِلَ إليهم حمايتُها والدفاع عنها حين يخونون الأمانة، فيتسللون متلصصين إلى الأبواب يفتحونها للأعداء المهاجمين بِلَيْلٍ، والحماة الساهرون في غفلة لا يشعرون. من أجل ذلك سوف أتناول في هذه السلسلة بعض معاقل الدين واللغة، منبهاً إلى ما طرأ عليها من انحراف بعض حراسها.
ولا شك أن وزارات التربية والتعليم هي أهم هذه المعاقل والحصون الساهرة على أمن الشعوب وكيانها, لأنها هي المؤتمنة على أثمن ما تملكه الأمة من كنوز، وهى الثروة البشرية بما تنطوي عليه من قوى مادية ومن ملكات عقلية وخلقية، ممثلة في رجال الغد الذين تشرف على تربيتهم، وهي ثروة تتضاءل إلى جانبها كل كنوز الأرض، لأن كنوز الأرض لا تساوي شيئاً بدونها.
стр. 18
فالعقل هو الذي يستخرجها من مكامنها ويحيلها من مادة صماء جامدة إلى قوة حية منتجة، والخلق المديني هو الذي يدفع الناس إلى إعمال هذا العقل في الطريق الصحيح، وإلى بذل الجهد فيما وكل إليهم من أمور، أداءًا للأمانة، وابتغاءاً للعزة والسيادة وإعلاء الحق.
وقد أصبحت مطامع أمريكا في هذه المنطقة وعداوتُها لحماتها الذين يتصدون لحراستها ويتزعمون نهضتها مشهورة لا تخفى ولا تحتاج إلى تنبيه. فاتصال القائمين على شؤون التربية والتعليم في هذه الأمة العربية بالؤسسات الأمريكية، والتعاوُن معها في ترويج مبادئ وأساليب يقال إن المقصود بها هو رفع مستوى التعليم وإصلاح شؤون الجيل الجديد، أمر لا يصدّقه العقل ولا يتفق مع ما يبذلون من محاولات ظاهرة وخفية لابتلاع هذه الأمة والكيد لها. فالذين يشتركون في المؤتمرات الأمريكية، والذين يتعاونون مع دور النشر الأمريكية، وكلها يموَّل من مصادر مريبة، يَسْخرون من عقولنا، ويخدعون أنفسهم إن زعموا أنهم يخدمون أمتهم بالاشتراك في هذه المؤسسات, لأن الأموال الأمريكية التي تنفق بسخاء يبلغ حد السّفه على هذه المؤتمرات وعلى هذه الدور لا يمكن أن تستهدف خير هذه الأمة ونفع أهلها.
وقد وقع بين يدي في هذه الأيام كتاب أصدرته الجامعة الأمريكية ببيروت في العام الماضي (يوليو ١٩٥٦)، يحتوي على محاضرات في نظم التربية، هي سجل لما دار في مؤتمر دعت إليه هذه الجامعة، واشترك فيه جماعة من كبار المسؤولين عن التربية في مصر وفي سوريا والعراق والاردن ولبنان. وقد مُثِّلت ثلاثة من هذه البلاد في ذلك المؤتمر الأمريكي بثلاثة وزراء سابقين للتربية والتعليم. فمثلت مصر باسماعيل القباني، ومثلت العراق بعبد الحميد كاظم، ومثلت الأردن بأحمد طوقان، والأخيران من تلاميذ الجامعة الأمريكية الداعية لعقد هذا المؤتمر، وقد كان العضو الأردني يشغل عند عقد هذا المؤتمر منصب مستشار لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في منظمة الإِغاثة الدولية. أما البلدان الباقيان - سوريا ولبنان - فقد مثلهما رجلان من كبار المسؤولين عن التعليم وهما جميل صليبا عميد كلية التربية في الجامعة السورية، ونجيب صدقة المدير العام لوزارة التربية الوطنية والفنون في لبنان. وقد اشترك مع إسماعيل القباني
стр. 19
في هذا المؤتمر عضو مصري آخر هو حامد عمار الأستاذ في معهد التربية العالي بجامعة عين شمس ورئيس قسم التدريب في المركز الدولي للتربية الأساسية في العالم العربي بسرس الليان.
وهذا المركز الدولي للتربية الأساسية في العالم العربي لا عمل له إلا (سلخ) الريف العربي من دينه وخلقه وعروبته، و (طبعه) بالطابع الأمريكي، وهو يتولى هذه المهمة إتماماً لما بذله الغرب من جهود في فرنجة هذه المنطقة، بعد أن تبين المستشرقون الذين يبحثون في شؤون هذا الشرق الإِسلامي والعربي أن تأثير الفرنجة أو ما يسمون (westernization) لم يتجاوز المدن, لأن كل الوسائل والأساليب التي يستخدمها الغربيون في هذا الصدد من صحافة ودعاية ومؤسسات علمية أو اجتماعية وسينما وشراء للأقلام وللذمم وللرجال إلى آخر ما هنالك، كل ذلك لا يصل إلى الريف، ولا يتجاوز حدود المدن. فما الذي صنعته امريكا لتلافي هذا النقص، والاحتيال لدخول الريف الذي عجز التبشير وعجزت الأساليب الاستعمارية العتيقة عن اقتحامه إلى ما قبل الحرب العالمية الأخيرة؟ اخترعت أمريكا تحت ستار (الدولية) وعن طريق (الأمم المتحدة) شيئاً اسمه "التربية الأساسية". وما هي التربية الأساسية؟ يقول الدكتور حامد عمار في بحثه الذي ألقاه في هذا المؤتمر الأمريكي: "التربية الأساسية منهج من مناهج الإِصلاح الاجتماعي لرفع مستوى المعيشة يؤكد قيمة العملية التربوية وتغيير الأفكار والنزعات إلى جانب تغيير الأوضاع المادية - ص ٩٢ محاضرات في نظم التربية". ويقول في موضع آخر: "تسعى التربية الأساسية إلى محاولة تغيير الأفكار والنزعات والاتجاهات، كما تسعى إلى تغيير في الأوضاع المادية في الدائرة التي تلتزمها. ويؤمن دعاة التربية الأساسية أن كل عمل أو مشروع مادي لا بد أن يسبقه ويصاحبه ويتبعه تغيير في تفكير الناسِ، وفي الاتجاهات الفكرية والنفسية، حتى يمكن أن يكون العمل منتجاً إنتاجاً كاملًا - ص ٨٥".
وواضح أن تغيير الأفكار والنزعات والاتجاهات الذي أشار إليه الباحث يقوم على أسس غريبة خالصة، تروَّج باسم العلم - علم مزعوم لا يستقر له قرار ولا يقطع في ظاهرة برأيٍ يتفق عليه أصحابُ الرأي، يسمونه "علم
стр. 20
النفس" - وواضح أيضاً أن هذا (التغيير) - تغيير الأفكار والنزعات والاتجاهات - لا يبالي أن يخالف الإِسلام وتعاليمه في الريف المسلم, لأن القائم على هذا (التغيير) ليس هو مشيخة الأزهر، ولكن القائم عليه هم مجموعة من الخواجات) يختفون خلف الشخوص العربية التي تبدو للناظر وكأنها تتحرك بإرادتها، وواقع الأمر أنها لا إرادة لها، وأنها تسير في خطوط مرسومة، وحسب خطط مدبرة قدرها أناس أقل ما يوصفون به أنهم لا يبالون بإِلاسلام وتعاليمه، دائماً يكونوا معادين لها يعملون على محوها واستئصالها من نفوس الناس. ولهم في ذلك أساليب خبيثة يتسللون عن طريقها إلى قلوب أهل الريف السذج الغافلين. وسوف لا أصف لك أنا هذه الأساليب ولكني سأدع العضو العربي المحترم في هذا المؤتمر الأمريكي يقدم لك صوراً منها بألفاظه كما جاءت في الكتاب الذي بين يدي.
فأول مراحل العمل في الريف هي "مرحلة التعرف"، (وهدفها أن يتحسس العامل الاجتماعي طريقه في القرية بصورة عامة وأن يألفه الناس ويألفهم ... ومن المستحسن أن تكون هذه المرحلة من العمل مرحلة فيها شىِء من الاسترخاء وأخذ الأمور بمأخذ غير محدد، إذ أن هذا الهدوء والاسترخاء ضروريان لتأسيس العلاقات الاجتماعية وتنميتها، وبخاصة إذا تذكرنا أن الفلاح سريعاً ما تأخذه الريبة ويتولاه الشك إذا تعيين إلحاحاً من غريب عليه في أمر من الأمور ... ثم إنه لا بد من التعرف على قادة القرية الطبيعيين الذين يعتبرون عناصر فعالة في تكوين الرأي العام والتأثير فيه ... وليس من المهم أن يكون هؤلاء القادة من النوع الذي يرغب فيه المصلح، لكنه لا بد من الاعتراف بهم واستغلالهم).
(وإذا كان التعرف يتطلب الاتصال والزيارة ومبادلة الحديث فإِن هذا شرط لازم، وليس بكاف في كثير من الأحيان. وربما كان القيام بعمل إنشائي سريع من أنجح الوسائل لكسب الثقة وتأسيس علاقة طيبة مع الأهلين ... وقد تبين بالتجربة أن دق طلمبة مياه بالقرية، أو إصلاح خزان المياه بالجامع، أو مقاومة الآفات الحشرية في الزراعة، كان من أقوى العوامل التي وثَّقت الصلة بين أهل القرية ويبن المشرفين على مختلف جوانب الخدمة الاجتماعية
стр. 21
فيها. وأذكر أن زجاجات قطرة العيون كانت من أهم الوسائل التي اكتسبت بها آنسات المركز الدولي للتربية الأساسية ثقة نساء القرية - ص ٩٨ إلى ١٠٠).
ويتكلم الدكتور حامد عمار بعد ذلك عن المرحلة الثانية وهي "مرحلة الدراسة والبحث" التي "يقوم فيها المشتغل بميدان التربية الأساسية أو الخدمة الاجتماعية بجمع المعلومات والبيانات اللازمة جمعاً منظمًا، بحيث تكون معرفته لظروف القرية معرفة لا تقوم على مجرد الإِحساس، بل على الاستقصاء للحقائق وتنظيمها، حتى يستعين بها في رسم خطته وتنفيذ برنامجه ... ومن البحوث المفيدة أيضاً تشكيل مختلف العادات والطقوس التقليدية التي تشكل حياة الريفيين وتعالج كثيراً من نواحي نشاطهم ... ومن الأمور العملية المفيدة في هذه البحوث الكيفية الاحتفاظ بمذكرات أو يوميات يسجل فيها الباحث ملاحظاته ومجريات الحوادث وظروف العمل أثناء إقامته في الريف. ولا شك أن مثل هذه المذكرات هي المادة الخام التي تستطيع أن تعتمد عليها في فهم ظروف الحياة الريفية فهمًا ديناميكياً يتميز بغنى الواقع وتفاصيل الحياة اليومية - ص ١٠٠ إلى ١٠١".
من الذي يشرف على إدارة هذا الجهاز، وعلى جمع كل هذه المعلومات والدقائق؟ هيئة أجنبية، وليكن إسمها ما يكون. لتكن هي "التربية الأساسية" أو "النقطة الرابعة" أو ما شئت من هذه العناوين المختلفة.
هل هناك وسيلة للجاسوسية أضمن وأرخص وآمن من هذه؟ تجمع الهيئة وسماسرتها، الخبيث منهم والغفل، ما شاءت من المعلومات في هدوء واطمئنان، دون أن يثير عملها ريبة أحد. بل إنها تلقى المساعدة الكاملة من الجهاز الحكومي، وتيسر لها سبل توثيق الصلات بالناس، وتترك لها الفرص لتعمل في بطء وفي مهل وفي غير عجلة. فهم جواسيس في ثياب أطباء، يؤتمنون على كل أسرار المريض الذي لا يخفي منها شيئاً طلباً للشفاء؛ فإِذا هذه الأسرار تُستغل في الغدر به. وإذا هي تدرس لاختيار أفعل الوسائل لقتله وأمثل السبل لامتصاص ما بقي في عروقه من دم.
أتريد بعد ذلك أن أحدثك عن هدف آخر مهم من أهداف هذه
стр. 22
المؤسسات الأجنبية المريبة؟ إن هذه المؤسسات تريد إفساد المرأة الريفية وفرنجتها. إنها تقوم باستئصال (حياء) المرأة الريفية المسلمة في النهار المبصر، وعلى مسمع من كل ذي أذنين. هل تريد دليلاً على ذلك؟ إذن فاقرأ بحث الدكتور هارولد ألن مدير التربية بمؤسسة الشرق الأوسط الذي ألقاه في مؤتمر أمريكي آخر تحدثت عنه من قبل وهو مؤتمر (الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة (١)، وقد تولت نشره مؤسسة فرانكلين الأمريكية. راجع في هذا الكتاب مقال الدكتور ألن عن (العامل الريفي في الحضارة الإِسلامية - ص ٢٦١ إلى ٢٨٨). وسوف تتبين بعد قراءته أن الأساليب التي وصفها هذا الامريكي مما اتُّبع في سوريا هي الأساليب نفسها التي وصفها الدكتور حامد عمار مما أتُّبع في مصر. وهذا الأسلوب الواحد الذي يذكرنا بأساليب الجواسيس والمبشرين يؤكد ما أسلفته من أن هذه الشخوص التي تبدو للناظر وكأنها تتحرك بإِرادتها لا تتحرك إلا حسب خطة واحدة قدرها الذين فضلوا أن يجذبوا الخيوط من خلف ستار. ولنقف قليلاً عند صفحتي ٢٦٧، ٢٦٨ من هذا المقال، حيث يقدم الكاتب صورة من بعوث أمريكا - أو البعوث الدولية إن شئت - التي تتغلغل إلى صميم البيئات الإِسلامية في الريف باسم الخدمات الاقتصادية والخدمات الفنية، أو الخدمات الاجتماعية، وسوف تدرك بسهولة أن الهدف الكبير لهذه المؤسسات - إلى جانب ما تنتفع به من معلومات تفيد الجاسوسية السياسية والحربية هو (أمركة الريف)، والاهتمام فيه بالمرأة خاصة وبتوجيه الحركة النسوية. سترى في هذا المقال أن هذه المؤسسة تختار موظفيها الذين يتعاملون مباشرة مع القرويين من الوطنيين ليكونوا أقرب إلى قلوب الناس. وسيروي لك الكاتب ما حدث في (قبر الست) وهي إحدى قرى سوريا. ذهب مبعوث المؤسسة الدولية - أو الأمريكية إن شئت - وهو شاب عربي أسمه "فؤاد فرج" إلى القرية ليعيش فيها، واستطاع أن يقيم في حجرة من الحجرات المخصصة لِإقامة زوار ضريح الست (والمقصود بها هي السيدة زينب ﵂ حفيدة النبي ﷺ ، وأخذ يتلمس طريقه لممارسة نشاطه بعد أن وثق به أهل المنطقة واطمأنوا إليه،
стр. 23
فنجح في إدخال بعض التحسينات الزراعية، وقدَّم ألواناً مختلفة من الخدمات الصحية بمعاونة السكان وتنظيمهم. رش المدينة كلها بمسحوق د. د. ت. للقضاء على الذباب والبعوض، وجفف الشوارع، وأنشأ نادياً للشبان: كما أنشأ دراسات مسائية في القراءة والكتابة للبالغين من الأميين، وكوَّن جمعية تعاونية. وبعد أن سرد الدكتور هارولد ألن ضروب النشاط التي قامت بها هذه المؤسسة الأجنبية ختم وصفه لهذه التجربة بالسطور التالية، التي تدل على الهدف الحقيقي لهذه البعثات. قال: "وفي السنة الماضية بدأ الرجال الذين يعيشون في محيط هذا الرائد - بعد أن تحسن اقتصادهم وصحتهم تحسناً كبيراً نتيجة لجهوده العلمية - يفكرون في حاجات نسائهم، وهذا هو ما ظل فؤاد فرج ينتظره زماناً. وقد أحيل الاقتراحِ إلى قسم رعاية المنزل بالمؤسسة المسؤولة عن هذا العمل. فأعدَّ برنامجاً للنساء والأطفال يدار من مكاتب قدمتها القرية بلا إيجار (١) ". ثم يعقب على ذلك بقوله: "إن المشروع الذي وصفناه هو جزء من تجربة تشمل اثنين وستين قرية، يبلغ مجموع سكانها ستة وعشرين ألفاً. وهو مثال لعشرات غيره من الجهود الفعالة المماثلة التي يمكن القيام بها -
ص ٢٦٨".
وهدف ثالث من أهداف مؤسسات "التربية الأساسية" ربما كان أخطر من الهدفين السابقين وأعمق أثراً، هو تخريج جيل من الخبراء الاجتماعيين.
стр. 24
المصبوبين في قوالب أمريكية، أو قوالب صهيونية على الأصح، يلبس ثياب الغرب والمسلمين، ويتسمى بأسماء العرب والمسلمين، ويعمل في حكومات العرب والمسلمين لغير أهداف العرب والمسلمين. ولا يمضي وقت طويل حتى يصبح المشتغلون بشؤون الخدمة الاجتماعية وتنظيم الحياة العربية والاسلامية في شتى مناحيها من هؤلاء المتأمركين الذين يفسدون حين يزعمون أنهم يصلحون، ويهدمون حين يظنون ويظن المخدوعون بهم أنهم يبنون ويشيدون.
والآن بعد أن طال الحديث عن المركز الدولي للتربية الأساسية أنتقل إلى مقالات الأعضاء الذين تحدثوا عن شؤون التربية والتعليم في البلاد العربية، وهي الأساس في عقد هذا المؤتمر. والهدف من هذه البحوث التي دعي أصحابها لِإلقائها لا يخرج عن الهدفين السابقين اللذين أشرت إليهما من قبل: الجاسوسية، والسيطرة على توجيه المجتمع. ففي مثل هذه المؤتمرات يتيسر استقاء معلومات دقيقة من مصادر موثوق بها، كما يمكن معرفة الاتجاهات الفكرية لقادة الرأي والمسؤولين في هذه البلاد. وهذه المؤتمرات - مثل المؤسسات الأمريكية والدولية التي أشرت إليها من قبل - هي أضمن الوسائل وأرخصها وأوثقها لجمع المعلوماث الصحيحة الدقيقة التي تخدم الذين يرسمون الخطط السياسية والحربية لهذه المنطقة.
ثم إن هذه المؤتمرات هي - من ناحية أخرى - وسيلة، للاتصال القريب المباشر بالمسؤولين، يَعْجِمون عودهم، ويدرسونهم عن قرب، ويختبرون مدى مناعتهم ومدى استعدادهم للتجاوب مع الأهداف الخفية للسياسة الاستعمارية، كما يختبرون مواطن القوة ومواطن الضعف في كل واحد منهم لمعرفة أنجح الوسائل للاتصال بهم والتأثير عليهم. هذا إلى أن الكلام الذي يلقى في هذه المؤتمرات - وهو مجامل لا شك لوجهة نظر الداعي إلى المؤتمر - لا بد أن يلقى صدى في نفوس كثير من هؤلاء المسؤولين من المدعوين.
أما خدمة هذا المؤتمر لأغراض الجاسوسية الأمريكية التي ترسم الخطط السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المنطقة، فهي واضحة في كلمة الدكتور عبد الحميد كاظم وزير معارف العراق السابق، التي ألقاها في هذا المؤتمر، حيث أشار إلى ما طُلب منه إعداده حين وجهت إليه الدعوة، فقال: "إن
стр. 25
خطاب الزميل الدكتور حبيب كوراني يشير إلى الرغبة في أن أتكلم عن تطور التربية في المملكة العراقية خلال السنوات العشر الأخيرة (١) مشيراً إلى أهم الاتجاهات الحديثة من حيث: التنظيم، والمنهج، وإعداد المدرسين، والتفتيش، والامتحان، وكذلك المشكلات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، التي تجابه التعليم في العراق، مع بعض الحلول التي اتخذت أو يجب أن تُتخذ لمعالجتها، على أن تأتي هذه في محاضرتين. هذا هو المطلوب مني حسبما جاء في الدعوة الموجهة إلى- ص ١٢٥ إلى ١٢٦".
والذي يراجع ما ألقي في هذا المؤتمر من بحوث يتبين دقة المدعوين في التزام الوفاء بما طلب إليهم التحدث فيه على أكمل ما يطلبه الأمريكيون ويريدونه. فبحوثهم مدعمة بجداول إحصائية لا حصر لها في كل جانب من جوانب التعليم، مما يقدم صورة دقيقة للحياة الاجتماعية والاقتصادية في بلادهم، إلى جانب النظم التعليمية. والواقع أن أعضاء المؤتمر لم يقدموا هذه الجداول الإِحصائية تبرعاً من عند أنفسهم، ولكنهم قدموها استجابة لطلب الذين دَعَوا إلى هذا المؤتمر ونظموه. فالدكتور حبيب أمين كوراني رئيس دائرة التربية في الجامعة الأميركية ببيروت - وهو الذي وجّه الدعوة لهذا المؤتمر - يقول في تقديم الكتاب الذي ضم ما أُلقي فيه من بحوث: " ... فدعونا لذلك نخبة من قادة الفكر وكبار رجال التربية في مختلف الأقطار العربية للمساهمة في هذه الدراسة، وذلك بتقديم محاضرات تتناول أهم الأبحاث الحديثة في التربية في أقطارهم من حيث الأسس الفلسفية والاجتماعية والنفسية التي ترتكز عليها التربية، ومن حيث التنظيم والمنهج وإعداد المعلمين والتفتيش والامتحان بالاستناد إلى بعض الإِحصائيات التربوية الهامة، ويتناول أيضاً عرض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجابه التعليم، مع بعض الحلول التي اتخذت والتي يجب أن تتخذ".
стр. 26
أما الهدف التوجيهي من هذا المؤتمر فهو واضح في هذه المقدمة أيضاً وفي سائر البحوث. يقول رئيس دائرة التربية في الجامعة الأميركية ببيروت في مقدمته: "لقد بدأ قادة التربية في البلدان العربية يتحسسون بالحاجة إلى تربية فعالة كوسيلة لمعالجة الوضع الخطير الذي أحدثته عوامل التطور في هذه البلدان". ثم يقول بعد أن يعرض هذه العوامل باختصار: "فنتج عن هذه تبديلات عديدة هي تبديلات جوهرية لا يمكن أن تحدث في مجتمع ما دون أن تحدث فيه تضارباً بالأفكار والمثل والقيم، ودون أن تتطلب تعديلًا في مفاهيم ذلك المجتمع وآرائه ومعتقداته وطرق تنظيم معيشته. لذلك نجد أنفسنا في هذا الوضع مرغمين على إعادة النظر في مؤسساتنا التي تكونت ضمن الوضع القديم، وفي المبادىء والافتراضات والأهداف التي بنيت عليها تلك المؤسسات وتعديلها على ضوء الوضع العلمي والحضاري الحديث، والوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم في مختلف مجتمعاتنا، كي نتمكن من إعادة بناء حياتنا على أساس مبادئ وآراء ومثُلُ بنّاءة منسجمة تتماشى مع الحضارة الإِنسانية الراقية (١)، وتمكننا من المساهمة الفعلية في تقدم ركب المدَنية البشرية ورقيه".
ولست أريد بعد ذلك أن أقدم صوراً مما ألقي في هذا المؤتمر من بحوث، فقد يطول بي الحديث إن أخذت فيه. هذا إلى أنه حديث بغيض يملأ النفس مرارة وضيقاً بالواقع الراهن للتعليم في هذه البلاد، بما فيه من كلام كثير عن فضل أمريكا في إنشاء مؤسسات التعليم المختلفة ومعاهده المتباينة في شرق الأردن وفي لبنان خاصة، وبما فيه من استخفاف بآدابنا ومواريثنا يَلَبس في أوهام المتكلمين ثوب العلم حين يؤكدون أهمية الدراسة الفنية في معاهد التربية لمن يباشرون وظيفة التدريس، ليُخفوا الهدف الحقيقي من ذلك، وهو إفساد التعليم بإِقامته على أساس من الآراء الفاسدة والنظم الهدامة، التي تروجها الصهيونية العالمية في غلاف أمريكي، عن طريق المتأمركين الذين يسيطرون الآن على هذه المعاهد في كل البلاد العربية،
стр. 27
يروجون هذه السموم ويزعمون أنها علوم. وكأن أحلام ما يسمونه علم النفس ودعاواه المتغيرة المتناقضة التي لا تكاد تستقر قد أصبحت شيئاً مقطوعاً بصحته. فباسمه يدعو المخدوعون إلى (تحطيم) ما توارثناه في آدابنا من توقير الصغير للكبير، غير مكتفين بما حاق بنظم التعليم وخلق المتعلمين من خسران بعد أن فسدت صلات التلاميذ بمدرسيهم نتيجة للتقليد الأعمى وللنقل الَجهُول. وباسمه يتخطون أوامر ديننا ويتجاهلون آدابه الصالحة الرشيدة حين يدعون إلى خلط الذكور بإِلاناث، وإلى إخراج المرأة للأسواق وامتهانها بين الرجال، مما يعرضها ويعرض المجتمع الإِنساني كله للفساد والانحلال ثم الانهيار، ومما يحقق أحلام الداعين لهذا المؤتمر في هجر تعاليم ديننا والتمرد على الصالح من تقاليدنا، إقتداءاً بالخلق الأمريكي المنحل، وسيراً في أعقاب تجاريب أثبت الواقع فشلها في حل مشاكل الناس في مَواطنها الأصلية التي ننقل عنها، بل لقد عَقّدت مشاكلهم وزادتها كما تدل عليه جداولهم الإِحصائية التي أثبتت اطراد الزيادة في النسب المئوية للانحراف والشذوذ وللجرائم على اختلاف ألوانها، وكما يصوره الواقع الملموس في انحلال أخلاق شبابهم، واستهلاكهم قواهم وملكاتهم في العكوف على الشهوات، وضعفهم عن حمل الأمانات والنهوض بالواجبات.
لا أريد أن أخوض في تفاصيل ما ألقاه المؤتمرون في هذا المؤتمر لأقدم صوراً دقيقة مؤلمة مما ألقي فيه من بحوث، ولكني لا أستطيع أن أختم الكلام عنه دون الإِشارة إلى أن هؤلاء المدعوين الكبار من الوزراء ومن في مستواهم قد ظلوا في ضيافة المؤتمر أربعة شهور كاملة، بدأت بمحاضرة العضو اللبناني الأولى في نادي وست هول بالجامعة الأمريكية في ٢٦ كانون الثاني (يناير) ١٩٥٥ وانتهت بمحاضرة العضو العراقي في ٢٦ أيار (مايو) ١٩٥٥. وسيعجب القارئ للسخاء الذي أُنفقت به الأموال على هذا المؤتمر وأمثاله. ولست أدري أيزول عجبه أم يزداد حين يعلم أن مؤسسة روكفلر هي التي قامت بكل النفقات. ولكي يطمئن القارئ إلى صدق ما أقوله أنقل له السطرين الأخيرين من مقدمة حبيب كوراني رئيس دائرة التربية في الجامعة الأمريكية ببيروت حيث يقول: "إننا مدينون بالشكر أيضاً إلى مؤسسة روكفلر
стр. 28
(Rockfeller Brother's Fund) التي قدّمت جميع نفقات هذا المشروع". ولقد كان يكفي أن أقول منذ البداية: إن الجامعة الأمريكية في بيروت هي التي دعت إلى هذا المؤتمر، وأن جلساته عقدت في مقرها، وأن مؤسسة روكفلر هي التي تكفلت بكل نفقاته، لكي يغنيني ذلك عن كل تفصيل (١).
وننتقل الآن من مؤسسة روكفلر إلى مؤسسة أمريكية أخرى سبق أن قدَّمتُ كتاباً من الكتب التي أخرجتها دولاراتها (٢) وهي مؤسسة فرانكلين. أصدرت هذه المؤسسة فيما أصدرته من مطبوعات (٣) سلسلة عنوانها (كيف نفهم الأطفال - سلسلة دراسات سيكولوجية). وأشرف على هذه السلسلة وقدم لكل كتاب من كتبها الدكتور عبد العزيز القوصي المستشار الفني لوزارة التربية والتعليم في مصر. والحديث في هذه السلسلة موجه إلى الآباء والمدرسين حسب ما هو مبين على غلاف كل عدد من أعداد هذه السلسلة، إذ رُسِم في أعلى الجانب الأيسر كتاب مفتوح، في إحدى صفحتيه "الطريق إلى حياة أفضل" وفي الصفحة الأخرى "علم النفس للآباء والمدرّسين". ويؤكد الدكتور القوصي هذا الهدف، إذ يقول في تقديم العدد الأول من أعداد هذه السلسلة الذي صدر في مارس ١٩٥٤، وأعيد طبعه في أكتوبر ١٩٥٥، مما يدل على الرواج الذي تلقاه هذه السموم الأمريكية، يقول في هذه المقدمة: "هذا هو الكتاب الأول في مجموعة من الكتب تهدف إلى توجيه الآباء والمدرسين إلى
стр. 29
حياة أحسن من تلك التي يعيشونها. ولا نقصد بالحياة الأحسن أن تكون كذلك من الناحية المادية، وإنما هي حياة أحسن من حيث الأداء لرسالة الأبوة ورسالة التربية". فالمشرف على هذه السلسلة - وهو من كبار رجال التربية في مصر - يعرف أن هذه المؤسسة الأمريكية تهدف إلى توجيه الآباء والمدرسين. وهو يقر هذا الهدف وترضى نفسه أن يعين الأموال الأمريكية عليه، وهو يعرف - كما يعرف كل عاقل - أن الناس لا يصدرون فيما يأتون من أعمال إلا عن دوافع تدفعهم إلى العمل، وأن هذه الدوافع مهما تختلف وتتنوع فهي تشترك في أنها تحقق نفع الفرد أو الجماعة التي تنتمي إليها. فمن الواضح أن الفرد أو الجماعة لا تبذل الجهد والمال إلا فيما يعود عليها بالمنفعة. فليت شعري ألم يَرِدْ على خاطر الأذكياء الذين يشاركون في هذه الأعمال - كتباً كانت أو مقالات أو مؤتمرات - هذا السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال: ما هو النفع الذي يعود على هذه المؤسسة، والذي يدفعها إلى بذل ما تبذله من جهد ومن مال؟ إذا لم يكن هذا السؤال قد ورد على أذهان هؤلاء الأذكياء فقد ورد على ذهني، وأظنه قد ورد على أذهان الكثير من الأذكياء وغير الأذكياء. وقد تكون الإِجابة على هذا السؤال طويلة، وقد لا تكون واضحة في أذهان الذين يتساءلون. ولكن من الأهداف الواضحة التي لا تخفي أن مثل هذه المشروعات تحقق أول ما تحققه توثيق الصلات بنفر من ذوي النفوذ وكسب ودهم وولائهم بالبذل السخي الذي يقدم في صورة مهذبة مؤدبة جداً. فهو لا يعدو أن يكون أجراً على مجهود قد بذل، وقد لا يكون هناك مجهود، وقد يكون المجهود تافهاً وصورياً. وقد يكون الأجر مضاعفاً أضعافاً كثيرة. ولكن المأجور لا يقول عادة إن الأجر كبير. وصاحب العمل مهذب رقيق يقدم عطاءه السخي في أدب جم وفي حياء (كأنك تعطيه الذي أنت سائله) - كما يقول شاعرنا العربي القديم زهير.
وهدف آخر من هذه الأهداف الواضحة هو السيطرة على توجيه المجتمع، عن طريق هؤلاء الأصدقاء من أصحاب النفوذ وعن طريق المخدوعين بأسمائهم ممن يقرءون ما ينشرون، والذي ينشرونه ليس باطلاً كله، بل إن فيه حقا كثيراً، بل إن الباطل فيه يلبس ثوب الحق فيصعب على
стр. 30
غير الخبير الاهتداء إلى موضع الخطر فيه. ولكن بعض الأباطيل عارية لا تخفى ولاتلبس غير أثوابها، فمن هذه الأباطيل العارية ما جاء في العدد ١٢ من هذه السلسلة. وعنوان هذا العدد هو (الطفل والأمور الجنسية). وسأنقل في السطور التالية صوراً من هذه الأباطيل مكتفياً بهذا النقل عن التعليق.
قدّم الكتاب في صفحتي ٢٢، ٢٣ مجموعة من الأسئلة في صورة اختبار يساعد الآباء - فيما يزعمه المؤلف - على تبين اتجاه الأبناء الخاص في وضوح وفي جلاء، وعلى تقدير ما تنطوي عليه تصرفاتهم من خطأ وصواب، وأثبت المؤلف الإِجابة الصحيحة المزعومة على كل سؤال من هذه الأسئلة في ذيل صفحة ٢٣. ومن بين هذه الأسئلة السؤال رقم ٦ ونصه وهو: "هل ترى في التعبير السافر عن المحبة ما ينبىء عن ذوق رديء أو ما يثير الحرج؟ ". والجواب الصحيح فيما يزعمه الكتاب الامريكي هو "لا". والسؤال التالي هو: "هل تعتقد أن المواقف التي تتضمن ناحية جنسية تثير الضحك؟ " والجواب الصحيح الذي أثبته الكتاب هو "نعم".
وجاء في ص ٤٦: "إن الكثير من الآباء اليوم لا يكترثون للظهور مجردين من الثياب أمام أطفالهم الصغار. وهذا أمر لم يكن يحدث في الماضي إلا نادراً، كذلك أصبحت أبواب الحمامات وغرفِ النوم تترك مفتوحة أحياناً فيرى الصغار أبويهم وهم يخلعون ملابسهم أو يرتدونها، فإِذا كان في وسع الآباء أن يفعلوا ذلك بصورةٍ طبيعيةٍ ودون شعور بالحرج أو الاضطراب فإِن ذلك يكون مراناً طبيعياً, لأنه يعوّد الطفل على الشعور بأن الجنس ليس أمراً مَشيناً، كما يساعد على إشباع فضوله فيما يتعلق بأجسام الكبار (١).
وجاء في صفحة ٦٠: "إذا حدث التجريب في النواحي الجنسية في الفترة الواقعة بين سن ٨، ١٢ فمن المحتمل أن يقع بين أفراد الجنس الواحد، إذ نجد الصبية مثلاً يعرضون أعضاءهم التناسلية بعضهم على بعض، ويعتبر ذلك محاولة من الطفل لتحديد مدى مشابهته أقرانه. كذلك قد
стр. 31
يلجأ البعض إلى ممارسة العادة السرية - كمحاولة لتخفيف ما يشعرون به من توتر جسمي وانفعالي - ومرة أخرى نقول: إن هذا السلوك لا يعتبر غير طبيعي، ولا يدمغ الطفل بالشذوذ أو الإِجرام أو الانحراف، كما أنه لا يستدعي عقابه أو تهديده بأنه سيصاب بأمراض خبيثة، ولا يتطلب محاضرات خلقية تلقى عليه، كما لا يبرر نبذه وتحقيره".
وجاء في صفحتي ٦٢ و٦٣: "فبدلاً من فصل البنين عن البنات يجب علينا أن نعمل على إشراكهم معاً في الأعمال المتعة ومواقف اللعب، وأن نحاول مساعدتهم على تكوين مشاعر طبيعية مريحة نحو أفراد الجنس الآخر. وعلى الآباء تشجيع أطفالهم على المساهمة في نواحي النشاط المشتركة بين البنين والبنات مما تشرف عليه المدرسة والجمعيات الرياضية أو المراكز الاجتماعية. فهذا النشاط المشترك ليس "مواعيد غرامية" بل هو فرص لاشتراك البنين مع البنات في متع الرياضة وركوب الخيل أو الدراجات والسباحة وغير ذلك. وإذا حدث "استلطاف" بين بعض البنين والبنات فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة وليس "غراماً" أو "عشقاً". والمعاكسات البريئة التي من نوع "مراد وسهير صديقان حميمان" قد تبعث في صداقتهما دفئاً كانا يفتقران إليه، وقد تولّد فيهما الشعور بأننا نتوقع منهما أن يسلكا مسلك الكبار".
وجاء في صفحة ٧٨: "إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها - في الوقت المناسب على أي حال - باعتبارها جانباً من جوانب النمو الجسمي للمراهق".
وجاء في صفحتي ٨٧، ٨٨: "في كل علاقة تقوم بين فتى وفتاة يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه إلى التعبير عن حبه وتقديره للآخر بلمسة أو ضغطة على اليد أو قبلة، والرغبة في الكشف عن المشاعر بهذه الطريقة والاستجابة لها أمر طبيعي".
وأخيراً يقترح مؤلف الكتاب برامج للدراسة في مراحل التعليم المختلفة ويضع تحت كل برنامج من هذه البرامج ما يرى أنه خليق بالدراسة، ومن بين ما يراه خليقاً بالدراسة في برنامج "المواد الاجتماعية" (ص ١٠٤): "المعايير
стр. 32
الخلقية والأخلاق الحديثة، وأساليب المجتمع في تقرير الخطأ والصواب (١) " و"المركز الاقتصادي والقانوني للمرأة وكيف تأثر بتغير الظروف الاقتصادية في المجتمع وآثار هذا التغير على حياة الأسرة والزواج". ومن بين ما يقترحه المؤلف في برنامج (العلاقات العائلية) ص ١٠٥ - ١٠٦ "كيف تعرف أن ما تشعر به هو الحب؟ - كيف تختار رفيق حياتك؟ - فترة الخطوبة - العلاقات السابقة على الزواج ... الخ". ومن بين ما ذكره تحت عنوان: "النشاط غير المنهجي" ص ١٠٦ - ١٠٧ في بيان أهداف هذا البرنامج وأساليبه: "والغرض منها مساعدة الطلاب والطالبات على تنمية علاقات طيبة، يشرف على توجيهها المدرسون بصورة بعيدة عن الرسميات، وهي تتضمن: أندية الشباب - صحيفة المدرسة - جمعيات الهوايات والميول - التمثيليات - مجالس إدارة الطلبة - حفلات السمر والرقص". وجاء فيه أيضاً: "فمن حق الآباء أن يهتموا بمدى كفاءة الذين يقومون على تعليم أبنائهم وبناتهم الأمور الجنسية، فهم يريدون مدرّساً يستطيع تزويد التلاميذ بنظرة عامة عن الزواج والتكيف الجنسي، وقد يشعر البعض منهم أن خير من يستطيع ذلك هم المتزوجون والمتزوجات، ولكن ليس هناك ما يدل على أن هذا شرط ضروري، وإن كان له بعض المزايا".
فإِذا لم تنفعك كل هذه النماذج فهاك نموذجاً من كتاب آخر أصدرته مؤسسة فرانكلين نفسها وأشرف على إخراجه وقدَّم له الدكتور القوصي أيضاً حين كان عميداً لمعهد التربية العالي للمعلمين بجامعة عين شمس، واسم الكتاب هو (كيف تتكامل الشخصية).
جاء في صفحة ٦٥ من هذا الكتاب: "إن جميع الحاجات الإِنسانية سواء كانت عضوية ينبغي إشباعها للِإبقاء على الحياة، أم اجتماعية يقتضي إشباعها أيضاً لتضمن عيشة راضية، أو جنسية تشتمل على الحاجتين الاجتماعية والعضوية - كلها ما هي إلا قوى دافعة إلى النشاط، تحض على
стр. 33
العمل بدلاً من مجرد التطلع أو التفكير فيه. وكلنا نعرف أنه عندما تستيقظ حاجة ما، سواء أكان نشاطها شعورياً أم لا شعورياً، فإِننا نحسّ بحالة من التوتر، وأن هذا الشعور يُفقدنا الهدوء والراحة، ويستفزنا للعمل على الحد من شدة هذا التوتر أو التخلص منه كلية، وعندئذٍ نعود إلى الهدوء مرة أخرى، أي إنه متى تم إشباع حاجة من حاجاتنا زال التوتر، وهذا القول يصدق على جميع الحاجات البشرية".
وجاء في صفحة ٧٢ تحت عنوان (المشاعر الجنسية مشاعر طبيعية): "ولنصور المسألة الآن تصويراً واضحاً، إن الطبيعة الجنسية ليست بالشيء الشاذ أو المشوّه، بل إنها الحياة الجنسية التي تقوم عليها الأسرة، تلك الأسرة التي تعتمد عليها ثقافتنا. والشيء الطبيعي الصائب أن يحب الفتيان الفتيات وأن تحب الفتيات الفتيان. والواقع أن أغلب المشكلات التي هي مصدر لشقاء شباب العقد الثاني من العمر ومن يكبرهم من إخوة وأخوات يمكن ردّها إلى الثقافة والمدنية التي نعيش فيها، أو على الأقل يمكن أن نقتفي أثرها في الاتجاهات السائدة في هذه الثقافة أو المدنية، وإنها لحقيقة على جانب عظيم من الأهمية أن الثقافات التي يتعلم النشء في ظلها الحقائق الجنسية في سن مبكرة وبطريق عرضي بحيث لا يكتنفها إبهام أو غموض لا يتعرض الأطفال ولا الشباب فيها لتلك المشكلات المألوفة في حياتنا وحياة أصدقائنا". ثم يقول بعد ذلك في صفحة ٧٥: "فالشوق إلى القبلة أو بعض الغزل الرقيق أو الإِنصات إلى قصة فيها تلميحات جنسية - كل هذه ليست أموراً شائنة، فليهدأ الشباب بالاً، فليس كل ما يدور حول الجنس يدخل في باب المحرَّمات، ولعل كثيراً مما نكتبه كان ضحية سوء التوجيه".
هذه نماذج من الآراء التي يشرف المستشار الفني لوزارة التربية والتعليم على ترويجها، فهل تجد فيها الكفاية لتعليل بعض ما يجري من حولنا في هذه الأيام؟
وبعد: فهذه الدعوات وأمثالها مما ننزعج له لأنه ينافي الدين والخلق القويم، وبما نسميه نحن بذاء أو فجوراً، ويسميه أصحابه (علمًا) ويضعونه تحت عنوان جميل اسمه (علم النفس)، ويُغْوون الناس باسم العلم فيما فشل
стр. 34
فيه التبشير والدعوات الهدامة طوال قرن من الزمان. نعم، هذا البذاء وهذه الدعوة السافرة إلى هدم الخلق ونقضه، والقضاء على الحياء الذي لا يقوم بغيره مجتمع ولا خلق ولا دين، وإشاعة الفاحشة بين خلق الله، تسمى عند الأمريكيين وسماسرتهم (علمًا). فقد كتب بالخط الفارسي الجميل على غلاف هذا الكتاب وعلى غلاف كل كتاب من كتب هذه المجموعة - وهي على اختلافها تشترك في الكلام عن الجنس والاهتمام به - "سلسلة دراسات سيكولوجية". والسيكولوجيا هي ما يترجمه الذين رزئت بهم هذه الأمة بـ "علم النفس".
وعلماء النفس هؤلاء يبنون قواعدهم وقوانينهم على تجارب مهما يظنوا بها لدقة فهي معرضة للخطأ من نواح كثيرة، ومهما يظن الناس بها الأمانة فهي معرضة للتحيز، ولأن تكون أداة في يد أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية والدينية (١). إذ من الواضح أن هذه التجارب - مهما ادعى أصحابها شمولها - هي غير شاملة لأفراد الجنس الذي تُجرَي عليه. ثم إن نجاحها بعد ذلك يتوقف في كثير من الأحيان على صراحة الأفراد المستجوبين وصدقهم، وعلى أمانة الباحثين وبعدهم عن التحيز، وصحة إدراكهم لدلالات ما يشاهدون وما يحسون، وعلى توافر كل ما يستلزمه الحكم الصحيح من شروط، ومهما يحرص صاحب التجارب النفسية والاجتماعية على التنوع وعلى الشمول في اختيار الذين يُجري عليهم تجاربه، فليس هناك وسيلة للقطع بأن الأفراد الذين جرت عليهم التجارب أو الِإحصاءات يمثلون الجنس الذي ينتمون إليه تمثيلًا صحيحاً. ثم إن هذه التجارب محدودة بحدود الزمان والمكان. فهي تمثل جيلاً من الجنس الذي تجري عليه التجارب وليس هناك ضمان لصحة الحكم المستنبط بالقياس إلى الأجيال السابقة أو اللاحقة, لأن الحكم الذي يصلون إليه هو في أكثر الأحيان خاضع لظروف معينة مرتبطة بالمكان والزمان والملابسات. ومن الأهمية بمكان في مثل هذه البحوث أن نتأكد من نزاهة
стр. 35
الباحث وأنه غير مسخّر لخدمة مذهب معين من المذاهب السياسية أو الدينية. فإِذا استوثقنا من ذلك كله بقي أن نستوثق من أنه غير واقع تحت تأثير آراء معينة تحيد به في تجاربه وفي استنباطه عن الحق، وأنه قد التزم الدقة والأمانة واعتصم بالصبر والأناة في هذه التجارب.
من أجل ذلك كثرت مذاهب النفسيين والاجتماعيين وتعدّدت آراؤهم، وأصبح كل فريق منهم ينكر آراء الآخرين أشد الإِنكار ويسفهها أشد التسفيه. فما أكثر ما نشاهد بين النفسيين والاجتماعيين من خلاف، وما أعظم ما نجد بين مذاهبهم من تفاوت يبلغ حد الطرفين المتناقضين في كثير من الأحيان. والواقع أن بحوث النفس والاجتماع ليست علوماً بالمعنى الدقيق كما يتوهم كثير من المخدوعين بها، وجل ما توصف به أنها فروض علمية يحاول مفترضوها أن يعللوا بها بعض الظواهر النفسية والاجتماعية. ولو عرف هؤلاء المخدوعون ما تتعرض له من تغير دائم لا يستقر لعلموا أن من المجازفة الخطرة الهدامة أن نترك نصوص الدين الثابتة المسلَّمة إلى هذه الفروض المتغيرة التي ينقص بعضها بعضاً، وأن كل سند أصحاب هذه الدعاوى النفسية والاجتماعية الشاردة هو الظن الذي أضل مَنْ قبلهم من الكافرين، والذي وصفه الله في القرآن الكريم بأنه لا يغني من الحق شيئاً.
وحقيقة الأمر في ذلك كله أن العقل ليس هو الأداة الصحيحة لبحث المسائل النفسية كلها, لأن النفس تدخل في عالم الغيب الذي لا يخضع لحاسة من الحواس، ولأن تقرير الخطأ والصواب في علم الأخلاق يحتاج لمعرفة العلة الأولى والهدف الأخير، ونحن لا نعرفهما في هذه الحياة الدنيا أو فيما وراءها. من أين جئنا وإلى أين نصير؟ وهل ذلك الذي يبدو ضاراً في اللحظة الراهنة يمكن أن يكون نافعاً في مستقبل الزمان قريبة أو بعيدة - والقرب والبعد في الزمان مسألة نسبية؟ وهل يمكن أن ندرك وجهاً من وجوه النفع فيه لو أتيح لنا معرفة ما غاب عن علمنا من بعض الظروف الملابسة له في الماضي أو الحاضر أو المستقبل؟ (وقصة العبد الصالح مع موسى ﵉ في سورة الكهف من أروع الأمثلة لتصوير هذا القصور البشري في إدراك الخير والشر).
стр. 36
هذا إلى أن عجز الحواس البشرية أصبح شيئاً محسوساً ملموساً تؤيده التجربة العلمية الآن. فالعين البشرية مثلاً ينحصر مدى إدراكها فيما بين الوجات الضوئية التي طولها ٠.٠٠٠٠٧ والموجات الضوئية التي طولها ٠.٠٠٠٠٤ من السنتيمتر، وهي الموجات المحصورة بين اللون الأحمر واللون البنفسجي، وهي لا تدرك بعد ذلك شيئاً مما فوق البنفسجي، ولا تدرك شيئاً مما تحت الأحمر. وقُلْ مثل ذلك في حاسة السمع وفي سائر الحواس. وإذا ثبت قصور الحواس فقد ثبت قصور التفكير البشري المبني على مشاهدات هذه الحواس.
فالتجارب والإِحصاءات إذن ليست هي الوسيلة الصحيحة لتقرير الحقيقة في مذاهب الناس وسلوكهم, لأنها محدودة بحدود الزمان والمكان والحواس. ولذلك لم يكن هناك مندوحة من الاستناد في التنظيم الاجتماعي والتقنين التربوي الخلقي إلى الشرائع السماوية, لأن موضوعها هو هذا التنظيم وجمع الناس عليه. أما العقل فميدانه المسائل المادية الخالصة كالهندسة والكيمياء، وكل ما اصطلح الغربيون في هذا العصر على تسميته بالـ (Science) ـ (١) لذلك لم تنزل الشرائع والأديان السماوية إلّا بما يدخل في عالم الغيب مما يتصل بالسلوك الذي يترتب على إدراك الخير المطلق والشر المطلق، لأن العقل البشري عاجز بطبيعة تكوينه عن إدراكه، ولو أخذ فيه لخبط في أودية من الظن والوهم الذي لا يستند إلى دليل، ولاختلف الناس فيما بينهم اختلافاً شديداً لا يجتمعون معه على رأي ولا يلتقون عند غاية. وقد ترك الدين بعد ذلك للعقل أن يسرح ويمرح كيف شاء فيما هو صالح له من ميادين البحث والمعرفة. فلم ينزل نبي من أنبياء الله بنظريات في الهندسة أو في الطبيعة أو الكيمياء - إلّا ما يكون من ذلك على سبيل إظهار العجزة - لأن ذلك من شأن العقل، وهو مهيأ له.
стр. 37
أما ما وراء ذلك من عالم الغيب الذي لا يخضع لمشاهدته وحسه فهو خارج عن حدود طاقته وقدرته بحكم فطرته التي فطره الله عليها. وذلك هو معنى قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، لأن الله حين علم عجز العقل وقصوره أرشدنا فيما هو خارج عن حدوده إلى ما فيه صالحنا رحمةً بنا. وذلك أيضاً هو السبب في جعل التسليم لحكمة الله والانقياد لأوامره ولزوم حدوده هو الأصل في التدين وهو الخطوة الأولى فيه: (إن الدِّينَ عندَ اللهِ الإِسلام). والمثل المضروب لذلك في القرآن هو قصة أبينا إبراهيم، إذ أُمر أن يذبح ابنه فانقاد للأمر هو وابنه دون أن يعرفا وجه الحكمة فيه أو يسألا عنه، فحققا بذلك ما أراد الله سبحانه من اختبارهما: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الصافات ١٠٣ - ١٠٥.
جمع الدين الناس على قِيَم الخير ومُثُله، وهي قِيَم موحدة متفق عليها، ثم جاء هؤلاء الباحثون باسم علم النفس والاجتماع ففرقوا الناس ومزقوا وحدتهم وشكّكوهم في قِيَمهم، ثم لم يستطع واحد منهم أن يجمعهم على مذهبه بعد أن فرّقهم في الدين، ولم يستطيع واحد منهم أن يقدم البرهان الحاسم على صدق مذهبه، فماج بعض الناس في بعض، وبغى بعضهم على بعض، وأصبح العلم والمعرفة عامل فرقة وفساد وإنحلال بدل أن يكون عامل سعادة ووئام، وأصبح كل مجرم لا يعدم سنداً له في تبرير دوافعه إلى الإِجرام من قواعد علم النفس المزعوم، الذي يتعقب كل ما أجمعت الأديان والأخلاق على أنه فضيلة بالنقض والتسفيه، وكأن وظيفته هي تسفيه الفضائل وتبرير الجرائم.
وليس يُفهم من ذلك كله أننا ندعو إلى مصادرة البحوث النفسية والاجتماعية والأخلاقية، فذلك ما لا يدعو إليه عاقل يؤمن بنعمة العقل والتفكير، ولكن الذي ندعو إليه أن ندرك حق الإِدراك مدى طاقتنا العقلية والفكرية، فنقيِّد أنفسنا في هذه البحوث وأمثالها مما يتصل بعالم الغيب - والتقنين الخلقي جزء منه - بقيود الدين، نلتزم حدوده ولا نعتسف الطريق حتى لا نتعرض للضلال والهلاك. فنحن إذن لا نعطل العقل، ولكننا نحفظه
стр. 38
من الضلال، ونلزمه أصولاً وقواعد هي كالسور الذي يعصم السالك في الظلام من التردي في الهاوية، وهي مثل قوانين المنطق التي لا يعتبر التزامها حداً للتفكير ولكنه عصمة له، وهي مثل الدستور الذي لا يعتبر تقيد المشرِّعين به في كل ما يشرِّعون حداً من سلطتهم ولكنه ضمان لهذه السلطة أن لا تزيغ عن القصد عن علم أو عن غير علم.
ونحن إن احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سبباً في مجده وسيادته، فمن المؤكد أننا في غير حاجة إلى استيراد قواعد السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الأمارات والبوادر على أنها ستؤدي إلى تدمير حضارته والقضاء عليها قضاء تاماً في القريب العاجل. إننا نحتاج إلى مواد البناء, لأن لدينا من عوامل الضعف والهدم ما يكفي.
ومع ذلك كله تجد فينا من لا يُصيخون السمع إلى صوت الدين، وهم يلحدون في آيات الله فيميلون بها عن وجهها حيناً ويجادلون فيها أشد المجادلة حيناً آخر، ولكنهم يخضعون لهذه المزاعم الداعرة ويرونها فوق النقاش واِلمراء. هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام. فإِذا عارضتهم بالثابت من قول الله وهم يزعمون أنهم مسلمون - لَوَّوا رؤوسهم وقالوا: نحدثك في العلم فتحدثنا في الدين؟ كأن هذه الأوهام أثبت عندهم من القرآن، أترى فرقاً بين هؤلاء، وبين أمم قد خِلت من الضالين كانوا يقولون إذا ذكّروا بآيات الله: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
стр. 39
في الفَنّ والثقَاقة
стр. 40
حُصُوننَا مُهَدَّدة مِن دَاخِلهَا*
تعددت مصادر الثقافة في عصرنا وتنوعت ألوانها، فلم تعد المدرسة وحدها هي المصنع الذي يُصنَع فيه الرجال وتصاغ الأجيال. فقد أصبح ينافسها في هذا الميدان كثير من القوى الجديدة التي ولدتها المدينة الحديثة، ينافسها في ذلك المطبعة بما تخرجه من كتب ومن صحف ومن نشرات، وتنافسها فيه الإِذاعة بما توجهه من كلمات وألحان في مختلف الصور والألوان، وتنافسها فيه السينما بما تجسمه لوحتها الخداعة من حكايات وما تَعْرِضه من فنون وشؤون، وتنافسها ألوان أُخرى أقل أهمية، مثل المحاضرات والندوات والمسامرات والمؤتمرات، التي تعقد في الأندية وفي المواسم بمختلف صورها وفي الجماعات، ومثل شركات تسجيل الأغاني، ودور اللهو والتمثيل.
كل هذه الألوان من مصادر الثقافة في عصرنا تبين أن وزارة التربية والتعليم لم تعد وحدها في هذا الميدان، وأنها لا تستطيع أن تنهض بعبئها ما لم تجد عوناً يشد أزرها من كل هذه الأدوات الضخمة. ومن العبث الساخر والجهد الضائع أن تنفق هذه الوزارة ما تنفقه من جهد ومن مال بينما الأدوات الأُخرى تتعقب جهودها وآثارها، تنقض ما أبرمته، وتشكك فيما قررته، وتدعو إلى ما حذرت منه وحرّمته، وتقيم للناس مُثُلاً وتبتدع لهم طرائق وعادات مما تقترحه أو تختلقه، هي على نقيض ما تريد المدارس أن تزرعه وأن تؤسسه في أخلاق النشء، وتصرف القراء عن الجد من القول إلى الهزل،