← Общие книги

Общие книги · id 121375

حصوننا مهددة من داخلها

محمد محمد حسين

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا إلى أن عجز الحواس البشرية أصبح شيئاً محسوساً ملموساً تؤيده التجربة العلمية الآن. فالعين البشرية مثلاً ينحصر مدى إدراكها فيما بين الوجات الضوئية التي طولها ٠.٠٠٠٠٧ والموجات الضوئية التي طولها ٠.٠٠٠٠٤ من السنتيمتر، وهي الموجات المحصورة بين اللون الأحمر واللون البنفسجي، وهي لا تدرك بعد ذلك شيئاً مما فوق البنفسجي، ولا تدرك شيئاً مما تحت الأحمر. وقُلْ مثل ذلك في حاسة السمع وفي سائر الحواس. وإذا ثبت قصور الحواس فقد ثبت قصور التفكير البشري المبني على مشاهدات هذه الحواس. فالتجارب والإِحصاءات إذن ليست هي الوسيلة الصحيحة لتقرير الحقيقة في مذاهب الناس وسلوكهم, لأنها محدودة بحدود الزمان والمكان والحواس. ولذلك لم يكن هناك مندوحة من الاستناد في التنظيم الاجتماعي والتقنين التربوي الخلقي إلى الشرائع السماوية, لأن موضوعها هو هذا التنظيم وجمع الناس عليه. أما العقل فميدانه المسائل المادية الخالصة كالهندسة والكيمياء، وكل ما اصطلح الغربيون في هذا العصر على تسميته بالـ (Science) ـ (١) لذلك لم تنزل الشرائع والأديان السماوية إلّا بما يدخل في عالم الغيب مما يتصل بالسلوك الذي يترتب على إدراك الخير المطلق والشر المطلق، لأن العقل البشري عاجز بطبيعة تكوينه عن إدراكه، ولو أخذ فيه لخبط في أودية من الظن والوهم الذي لا يستند إلى دليل، ولاختلف الناس فيما بينهم اختلافاً شديداً لا يجتمعون معه على رأي ولا يلتقون عند غاية. وقد ترك الدين بعد ذلك للعقل أن يسرح ويمرح كيف شاء فيما هو صالح له من ميادين البحث والمعرفة. فلم ينزل نبي من أنبياء الله بنظريات في الهندسة أو في الطبيعة أو الكيمياء - إلّا ما يكون من ذلك على سبيل إظهار العجزة - لأن ذلك من شأن العقل، وهو مهيأ له.

стр. 37

أما ما وراء ذلك من عالم الغيب الذي لا يخضع لمشاهدته وحسه فهو خارج عن حدود طاقته وقدرته بحكم فطرته التي فطره الله عليها. وذلك هو معنى قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، لأن الله حين علم عجز العقل وقصوره أرشدنا فيما هو خارج عن حدوده إلى ما فيه صالحنا رحمةً بنا. وذلك أيضاً هو السبب في جعل التسليم لحكمة الله والانقياد لأوامره ولزوم حدوده هو الأصل في التدين وهو الخطوة الأولى فيه: (إن الدِّينَ عندَ اللهِ الإِسلام). والمثل المضروب لذلك في القرآن هو قصة أبينا إبراهيم، إذ أُمر أن يذبح ابنه فانقاد للأمر هو وابنه دون أن يعرفا وجه الحكمة فيه أو يسألا عنه، فحققا بذلك ما أراد الله سبحانه من اختبارهما: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الصافات ١٠٣ - ١٠٥. جمع الدين الناس على قِيَم الخير ومُثُله، وهي قِيَم موحدة متفق عليها، ثم جاء هؤلاء الباحثون باسم علم النفس والاجتماع ففرقوا الناس ومزقوا وحدتهم وشكّكوهم في قِيَمهم، ثم لم يستطع واحد منهم أن يجمعهم على مذهبه بعد أن فرّقهم في الدين، ولم يستطيع واحد منهم أن يقدم البرهان الحاسم على صدق مذهبه، فماج بعض الناس في بعض، وبغى بعضهم على بعض، وأصبح العلم والمعرفة عامل فرقة وفساد وإنحلال بدل أن يكون عامل سعادة ووئام، وأصبح كل مجرم لا يعدم سنداً له في تبرير دوافعه إلى الإِجرام من قواعد علم النفس المزعوم، الذي يتعقب كل ما أجمعت الأديان والأخلاق على أنه فضيلة بالنقض والتسفيه، وكأن وظيفته هي تسفيه الفضائل وتبرير الجرائم. وليس يُفهم من ذلك كله أننا ندعو إلى مصادرة البحوث النفسية والاجتماعية والأخلاقية، فذلك ما لا يدعو إليه عاقل يؤمن بنعمة العقل والتفكير، ولكن الذي ندعو إليه أن ندرك حق الإِدراك مدى طاقتنا العقلية والفكرية، فنقيِّد أنفسنا في هذه البحوث وأمثالها مما يتصل بعالم الغيب - والتقنين الخلقي جزء منه - بقيود الدين، نلتزم حدوده ولا نعتسف الطريق حتى لا نتعرض للضلال والهلاك. فنحن إذن لا نعطل العقل، ولكننا نحفظه

стр. 38

من الضلال، ونلزمه أصولاً وقواعد هي كالسور الذي يعصم السالك في الظلام من التردي في الهاوية، وهي مثل قوانين المنطق التي لا يعتبر التزامها حداً للتفكير ولكنه عصمة له، وهي مثل الدستور الذي لا يعتبر تقيد المشرِّعين به في كل ما يشرِّعون حداً من سلطتهم ولكنه ضمان لهذه السلطة أن لا تزيغ عن القصد عن علم أو عن غير علم. ونحن إن احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سبباً في مجده وسيادته، فمن المؤكد أننا في غير حاجة إلى استيراد قواعد السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الأمارات والبوادر على أنها ستؤدي إلى تدمير حضارته والقضاء عليها قضاء تاماً في القريب العاجل. إننا نحتاج إلى مواد البناء, لأن لدينا من عوامل الضعف والهدم ما يكفي. ومع ذلك كله تجد فينا من لا يُصيخون السمع إلى صوت الدين، وهم يلحدون في آيات الله فيميلون بها عن وجهها حيناً ويجادلون فيها أشد المجادلة حيناً آخر، ولكنهم يخضعون لهذه المزاعم الداعرة ويرونها فوق النقاش واِلمراء. هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام. فإِذا عارضتهم بالثابت من قول الله وهم يزعمون أنهم مسلمون - لَوَّوا رؤوسهم وقالوا: نحدثك في العلم فتحدثنا في الدين؟ كأن هذه الأوهام أثبت عندهم من القرآن، أترى فرقاً بين هؤلاء، وبين أمم قد خِلت من الضالين كانوا يقولون إذا ذكّروا بآيات الله: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾

стр. 39

في الفَنّ والثقَاقة

стр. 40

حُصُوننَا مُهَدَّدة مِن دَاخِلهَا* تعددت مصادر الثقافة في عصرنا وتنوعت ألوانها، فلم تعد المدرسة وحدها هي المصنع الذي يُصنَع فيه الرجال وتصاغ الأجيال. فقد أصبح ينافسها في هذا الميدان كثير من القوى الجديدة التي ولدتها المدينة الحديثة، ينافسها في ذلك المطبعة بما تخرجه من كتب ومن صحف ومن نشرات، وتنافسها فيه الإِذاعة بما توجهه من كلمات وألحان في مختلف الصور والألوان، وتنافسها فيه السينما بما تجسمه لوحتها الخداعة من حكايات وما تَعْرِضه من فنون وشؤون، وتنافسها ألوان أُخرى أقل أهمية، مثل المحاضرات والندوات والمسامرات والمؤتمرات، التي تعقد في الأندية وفي المواسم بمختلف صورها وفي الجماعات، ومثل شركات تسجيل الأغاني، ودور اللهو والتمثيل. كل هذه الألوان من مصادر الثقافة في عصرنا تبين أن وزارة التربية والتعليم لم تعد وحدها في هذا الميدان، وأنها لا تستطيع أن تنهض بعبئها ما لم تجد عوناً يشد أزرها من كل هذه الأدوات الضخمة. ومن العبث الساخر والجهد الضائع أن تنفق هذه الوزارة ما تنفقه من جهد ومن مال بينما الأدوات الأُخرى تتعقب جهودها وآثارها، تنقض ما أبرمته، وتشكك فيما قررته، وتدعو إلى ما حذرت منه وحرّمته، وتقيم للناس مُثُلاً وتبتدع لهم طرائق وعادات مما تقترحه أو تختلقه، هي على نقيض ما تريد المدارس أن تزرعه وأن تؤسسه في أخلاق النشء، وتصرف القراء عن الجد من القول إلى الهزل،

стр. 41

وعن النافع المثمر إلى التافه الغث، فتخلق أمزجة فاسدة باردة لا تجد لذة ومتاعاً إلّا في الساقط من القول واللهو من الحديث. من الواضح أن الدولة التي تنفق أموالها وتستهلك جهودها وقواها في إنشاء المدارس وفي إعداد القائمين عليها وفي إحكام نظمها وبرامجها وألوان النشاط فيها، ثم تسهو بعد ذلك عن هذه القوى الخطيرة التي تشاركها في هذا الميدان، فتترك سبلها ومنافذها مفتوحة لشهوات المأجورين والمخدوعين ومطايا الشياطين من الفاسدين والفسدين، تفعل ذلك تقديساً للوهم الذي أقامته الثورة الفرنسية اليهودية وزخرفت له اسمًا خداعاً خلاباً فسمته "حرية الرأي" أو "حرية النشر" أو "حرية الفرد"، وما هو في حقيقة الأمر إلّا وسيلة اليهودية العالمية لإِفساد الجماعات وهدم كل الأديان، حتى يتمكنوا من السيطرة عليها جميعاً بعد أن يقضوا عليها قضاء مبرماً (١). إن الدولة التي تفعل هذا هي كالنافخ في قِرْبةٍ مقطوعة، أو الجابي في حوضٍ مثقوب. وقد أُنشئت وفي مصر وزارة للإِرشاد القومي نرجو أن يكتب لها التوفيق فيما تنهض به من عبء ليس بالهين ولا بالقليل. وواضح من اسم الوزارة أن

стр. 42

مهمتها هي الإِرشاد، أىِ الهداية التي تنقذ من الغَيِّ والضلال، وتهذب الطبائع والخصال. فليس من عملها أن تستجيب لأهواء الناس وتتبعهم فيما يشتهون, لأنها تقود ولا تقاد، ولأن مهمتها - كما يدل عليها اسمها - هو الإِرشاد، وليس التسرية ولا التلهية والترفيه، وإن كان بعض ذلك قد يُتخَذ وسيلهَ للإِرشاد، فلا يكون مقصوداً لنفسه، ولكنه وسيلة لما انتدبت له هذه الوزارة الخطيرة من أمر. ثم إن هذا الإِرشاد محدود بحدود، مقيد بقيود، فهو إرشاد قومي، أي أنه يخدم هدفاً معيناً هو خدمة قوم بعينهم، لهم دين معروف ولهم قيم خلقية واجتماعية محددة مقررة، ولهم سياسة ومصالح رسمتها الدولة في دستورها وفي قوانينها. فإِرشاد هذه الوزارة إذن هو في حدود واضحة بينة المعالم والمناهج، وليس متروكاً لشطحات الشاطحين ونزغات النازغين من كل ذي هوى يزعم أن ضلاله هو عين الرشاد، ويضع للهداية وللإِرشاد مقاييس لا يدري أحد من أين جاء بها، ويعّرف الخير والجمال تعريفات ينكرها ديننا وخلقنا، ويسوق القول في مضايق ومآزق تعارض ما رسمت الدولة لنفسها من سياسة وما رضيت الأمة لنفسها من دستور. ومع ما يدل عليه اسم الوزارة من معنى محدَّد يرسم منهجها بما لا يكاد يحتمل لبساً أو غموضاً فالمتأمل فيما يخضع لها من مصالح وأقسام وإدارات يجد عجباً فيما يمر به من متناقضات، يخيل إليه معها في كثير من الأحيان أن مخالفة المنهاج أمر مقصود من فاعليه، لم يتورطوا فيه عن خطأ أو نسيان. خذ لذلك مثلاً من الإِذاعة. فالسياسة التي تجري عليها هي إشباع الشهوات لا الإِرشاد، وهي في كثير مما تهز به أجواء الأرض من كلمات أو أصوات تُفسد ولا تصلح، وتغوي ولا تهدي، وتحتاج للمرشد مع أن مهمتها هي الإِرشاد. فقصصها المسلسلة مثار للفزع الذي يقلق النفوس ويسقم الناشئة ويجنح بطبائعهم إلى الانحراف، بما يدور حوله سياقها من جرائم تظهر عتاة الأشقياء في مظهر الأبطال، وبما تعرضه من نماذج لنفوس فظة مريضة، وبما توحي إلى أبنائنا وبناتنا من سلوك منحط سافل يتحدى خلقنا الإِسلامي بما تزوره وتزيفه من مبتكرات الوهم الكبير الذي يسمى "علم النفس"، وبما تقدمه هم من نماذح لأساليب الكتابة والخطاب في أحاديث

стр. 43

الغرام ورسائله وتأوهات المغرمين والمغرمات، وتماوت المتهالكين والمتهالكات من الممثلين والممثلات، وبما تحدث من تفكك هدَّام في كيان الأسر، حين تنزل ضيفاً ثقيلًا على كل بيت، وتفرض نفسها سلطة ثانية إلى جانب سلطة الوالدين، بل تفرض نفسها رقيباً عليهما، إذ تصحح تصرفاتهما، تمحو منها ما تشاء وتثبت ما تشاء، وتصورهم أمام أبنائهم وكانهم ينتمون إلى جيل رجعي لا بد أن يعدل عن آرائه الجامدة أو يتحطم أمام سيل التطور الجارف. وذلك في الوقت الذي تغذِّي فيه سخط الأبناء وتمردهم المتزايد الذي ينمو يوماً بعد يوم. وقد يكون تأثير مثل هذه الحكايات الملفقة والحوادث المصنوعة ضعيفاً على كبار النفوس وناضجي العقول من ذوي التجربة والمثقفين, لأنهم لا يندمجون فيما يسمعون، فهم دائما على ذكر من أن الذي يسمعونه هو مجرد أوهام لا تمت للواقع بصلة. ولكن الشباب والأطفال وضعاف العقول لا يفرقون بين ما يسمعون في الإِذاعة وبين ما يشاهدونه في الحياة، ولا يميزون بين القصة التي يشاهدونها على لوحة الخيالة وبين واقع الأمر في الحياة. فهم يندمجون اندماجاً كاملًا فيما يرون وما يسمعون من ذلك كله، فتجذبهم الأحداث إلى الهياج تارة وإلى البكاء تارة أُخرى, وتنطبع آثارها في نفوسهم فتصبح جزءاً أصيلاً من مشاهداتهم وتجاربهم، بل إنها تصبح آصل من كل ما شاهدوا وما جربوا لا يحيطها من عوامل الإِغراء والإِقناع والتأثير التي افتن فيها مخرجوها وبلغوا في ذلك أقصى الطاقة والجهد. فإِذا انتقلنا من القصص إلى البرامج على اختلاف أسمائها سمعنا أسئلة توجه إلى الريفية الساذجة وإلى "بنت البلد" الحافظة عن العشق والغرام تطمئننا إجاباتها إلى تقدم المرأة المصرية بعد أن زالت عنها أعراض (داء) الحياء القديم. كما نسمع نصائح من المخمورين والحشاشين وعُتقَاء السجون، ونسمع خلال ذلك أبغض الأغاني إلى أصحاب الطبائع السليمة المستقيمة مما يطلبه هذا الحشد الذي لا أدري أهو مصنوع، أم أن الصدفة وحدها هي التي ألفت بينه وجمعته. وإذا أرادت الإِذاعة أن تسري عن سامعيها وتذهب عنهم ما ألم بهم من

стр. 44

الملل، من آثار ذلك (الجدّ) الذي عرضنا بعض نماذجه، أسمعونا في "ساعة لقلبك" - وما أظن أن القلوب المقصودة بالخطاب إلّا قلوب الفارغين والغافلين - سيلاً من الشتائم النابية، والمهارشات الفظّة الهابطة، التي لا ترعى حرمة ولا تعف عن لفظ، ورأينا تسفلاً إلى أحط المستويات الخلقية والاجتماعية، تقدمه هيئة كان يُظَن أن مهمتها هي الارتفاع بالمتخلفين إلى مستويات فكرية أرقي، وليست هي النزول بالمستمعين إلى مستواهم. وأعجب ما يحتج به القائمون على هذه البرامج وعلى غيرها من ضروب التلهية شيء جديد من مبتكرات هذا العصر، أفتتن به القرود المقلدون أيما افتتان، ورصدت له مصلحة الفنون ومجلس الآداب شطراً كبيراً من جهودهما، اسمه "الفولكلور". والفلكلور (Folklore) اصطلاح ظهر في أوروبا في منتصف القرن الميلادي الماضي ليدل على الدراسات التاريخية التي تتصل بعادات الشعوب وتقاليدهم وطقوسهم وخرافاتهم وأساطيرهم ومعتقداتهم وفنونهم وما يجري على ألسنتهم من أغان أو أمثال أو شتائم أو مَرَاثٍ أو أهازيج. يُدْرسُ ذلك كله من خلال الآثار والعاديات، كما تُستقصَى آثارُه الباقية في الجماعات البشرية المعاصرة. وقد انصرفت هذه الدراسة في أكثر الأحيان إلى المجتمعات المتخلفة وإلى المستعمرات، بقصد التعمق في تحليل نفوس أصحابها وإدراك دوافعها ونوازعها، وفهم ما ينتظم عواطفها وتفكيرها من منطق، بغية الوصول إلى أمثل الطرق وأحذق الخطط للتمكن منهم واستغلالهم واستدامة عبوديتهم (١). ولما استولى علينا حب التقليد للأجنبي في الشر والخير، كان من بين ما ابتُلِينا به أننا أصبحنا لا نُعجَب بأثر من آثارنا أو عادة من عاداتنا حتى نسمع تقريظ الأجنبي لها فنقرظها تبعاً له، أو نرى اهتمامه بها وعنايته بدراستها فندرسها اقتداء به. وقد ظلت "ألف ليلة وليلة" دهوراً لا يكترث لها إلّا السوقة والفارغون وأصحاب المجنون، حتى رأينا الأجانب يترجمونها ويوهمون الناس أن حياة الشرقيين ليست إلّا صورة مما تسوقه أقاصيصها، فتنبه باحثونا عند ذلك

стр. 45

لها، وتناولتها أقلامهم بالدراسة والتنقيح والتهذيب والاقتباس. وكذلك كان شأننا مع دراسات "الفولكلور". ولما كنا نجهل أهدافها الحقيقية الأولى ظننا أن المقصود هو الإِشادة بهذه الألوان الشاذة حيناً، والبذيئة حيناً آخر, والمتخلفة تارة أُخرى، فاتجه همنا إلى الدفاع عنها وتمجيدها، والمحافظة عليها وتجميدها، بزعم أنها طابعنا القومي المميز الذي لا ينفك عنا ولا ننفك عنه. وكثر خلط المخلِّطين وتهريج المهرِّجين باسم الشعب والشعبية. وأصبح الداعي إلى الترفع عن الشناعات والبذاءات وقبيح العادات وساقط الأساليب والفنون يُتهم عند سفهائهم بعداوة الشعب وبالترفع عن عامة الناس وبأنه من بقايا الإِقطاعيين والأمراء والباشوات أو من خدامهم في العهد البائد. وأصبح قصارى ما ينضح به أحدُ هؤلاء عن نفسه وما يتخذه من حجة إذا عارضك فيما تبينه من الحرام والحلال، وما تضعه من الحدود بين المحظور والمباح، أن يسوق إليك جملًا من عادات بعض الجهال أو مذاهب الفراعنة. يعارضون بذلك الإِسلام، كأن الفرعونية دين أو مذهب خلقي، وليست مجرد عصر تاريخي يجوز عليه الفساد والضلال. وكأن عرف الجاهلين والدهماء تنزيل يُعارَض به التنزيل، ومثَل أعلى يحُمل عليه ناشئةُ هذا الجيل. وأكثر ما كان هذا الشطط في مذاهب دعاة العزلة والانفصال الذين كانوا يعارضون الإِسلام والعروبة بالفرعونية في الفترة التي تلت إلغاء الخلافة الإِسلامية بعد الحرب العالمية الأولى. فقد كان يزعم هؤلاء الغلاة من الانفصاليين والهدامين أن تغير الدين في مصر من الوثنية إلى المسيحية ثم الإِسلام، وتغيير الكتابة واللغة فيها من الهيروغليفية إلى العربية لم يقطع ما بين مصر الحديثة وبين مصر القديمة من صلات. وكانوا يحتالون لرد حياتنا المعاصرة في مختلف مظاهرها إلى أصل فرعوني قديم، ويَدْعون إلى أن تقوم نهضتنا على بعث المجد الفرعوني القديم مثلما قامت النهضة الأوروبية الحديثة على بعث التراث اليوناني والروماني في عصور الوثنية السابقة على المسيحية. ومن هنا كان اتصال هذه الجماعة من المارقين الموكلين بتفريق شمل جماعة العرب والمسلمين بما يسمون "الدراسات الشعبية" أو "الفولكلور"، إذ دعوا الأدباء والكتاب إلى البحث عن مواضع الاتصال بين مصر القديمة ومصر

стр. 46

الحديثة في ميادين الأدب وكتب العقائد وطقوس العبادة وموروث التقاليد والعادات في شتى نواحي الحياة، كما دعوا إلى إنشاء أدب خاص وفن مستقل في التصوير والنحت والموسيقى، يتميز بطابعه المصري المحلّي. وقد وصف أحدُ دعاة هذا المذهب وقتذاك الأدب الذي يعنيه بأنه (مستقل عن آداب الشعوب الشرقية الأخرى الناطقة بالضاد) لأن (اللغة العربية ليست لغة شعب فحسب، بل هي لغة شعوب وأمم عدة تنطق وتكتب بها. فنحن في حاجة إذن إلى تقريب هذه اللغة إلى أذهاننا لتعبر عن خواطرنا, وليس أدل على ذلك من ضرورة خلق أدب قومي تكون لنا غيرة عليه، ويكون في استقلاله بعيداً عن كل المؤثرات التي تجعله اشتراكياً محضاً). ولم يكن هؤلاء يخفون أنهم متأثرون بالأوروبيين شرقيهم وغربيهم في دعوتهم هذه، ولم يكونوا يتحفظون في دعوة أنصارهم إلى الاستفادة بكل ما جمعه الأوروبيون وما ألفوه في هذا الباب. وكانوا يجاهرون باتخاذ القدوة من اللغات الأوروبية الحديثة التي نشأت على أنقاض اللغة اللاتينية، حين كانت هي اللغة التي يكتب بها الشعر والنثر والقصة والأدب في أوروبا كلها (ولكن شعور كل شعب بقوميته واعتزازه بوطنيته واعتداده بنفسه، حدا به إلى أن يتحرر من إسار اللغة اللاتينية وإلى أن يكون مستقلاً في آدابه عنها، موحداً جهوده في سبيل تهذيب لغته وطبعها بطابع قومي خاص له روعته وجماله). وفي سبيل تحقيق هذا المثال كان هؤلاء يقولون: (إن واجبنا هو أن نبث في الشعب روح القومية وروح الإِنتاج المحلي) وأن (أول ما نولي وجوهنا، فليكن شطر الأدب الفرعوني قبل كل شيء فهو تراث الآباء والأجداد ... فإِن لم يكن للكاتب ملكة ينميها أو وجدان يستمده من الأدب الفرعوني فليول وجهه شطر الأدب الريفي). وكان دعاتهم لا يملون من تأكيد أن (الأدب المصري الذي نعنيه هو أدب محلي يصور الحياة المصرية والقومية المصرية وحدهما، فلا نعني به أدباً شرقياً، كما أبهم على بعض الكتاب الأفاضل، يتناول حياة الشرق العربي أو البلاد الشقيقة المجاورة). وكانت هذه الجماعة التي تتخذ (السياسة الأسبوعية) لساناً لها تريد أن تكون (جماعةً تقتصر على الكتّاب الناشئين، تُعنى بتهذيب ملكاتهم وجعلهم

стр. 47

أكثر إنتاجاً وأكثر استقلالاً في الفكر واعتماداً على أنفسهم وعلى مصريتهم). وكانوا يتخذون الدكتور هيكل رئيس تحرير تلك الصحيفة قدوة لهم، ويشيدون بقصة له ظهرت وقتذاك تحكي عن الريف ويجري الحوار فيها بالعامية، وهي قصة "زينب" التي كانت أول ما ظهر على لوحة الخيالة من الإِنتاج المصري حين كانت صورها صامتة، وكان من بين ما يقترحونه من الوسائل إلى خلق هذه الروح المصرية في النشء (توجيه المسرح المصري إلى الناحية القومية وجعله مسرحاً مصرياً روحاً وقوة وإنتاجاً، والعناية بالأناشيد القومية وجعلها تصور على قدر الإِمكان أماني المصريين وآمالهم، والعناية بالأدب الفكه والأدب الريفي) (١). ولعل هذا القدر الذي قدَّمته كاف في توضيح خصائص هذه الدعوة والكشف عن خطورة أهدافها، التي لا تخدم إلَّا مطامع الاستعمار، الذي يتوسل إليها في البلاد العربية وفي العالم الإِسلامي بتقطيع أوصالها وبث روح التنافر والتدابر والتقاطع بين أفرادها وجماعاتها، استدامةً للوضع الراهن الذليل الذي كانت فيه، وتحاشياً لاتحادها الذي يؤدي إلى قوتها وتمردها على هذا الوضع. وقد أشرت في مقال سابق إلى أهداف الأوروبيين والأمريكيين من الدعوة إلى إحياء الحضارات السابقة علي الإِسلام، تلك الدعوة التي ظهرت في وقت واحد في كل من تركيا ومصر والشام والعراق وشمال أفريقية وفارس والهند وأندونيسيا. وكان مظهرها في كل هذه البلاد واحداً وكانت أساليبها متشابهة (٢).

стр. 48

ومن الواضح أن ألاعيب الاستعمار في هذا الباب قد انكشف أمرها ولم تعد تخفى على ذي بصر. فقد تنبهنا إلى ما يراد من تفريق شمل العرب والمسلمين، كما بصّرتنا التجارب الأخيرة بما يمكن أن يعود على ذلك المجموع العربي والإِسلامي من خير نتيجة لتضامنه واتحاده. فكل ما يقصد إلى زيادة هذا الاتحاد قوة فهو صادر عن باعثٍ خيرِّ يستهدف صالح ذلك المجموع. وكل ما قصد إلى توهين هذا الاتحاد وبثّ روح الفرقة والعصبية القبلية والشعوبية الجاهلية بين أفراده فهو لا يخدم إلَّا أهداف العدو ولا يورثنا إلَّا الضعف. ومن الواضح البينّ أن هذه الدعوات الشعوبية قد أصبحت تخالف دستورنا مخالفة صريحة تُوقِع أصحابها تحت طائلة العقاب. فلم يعد هناك مجال للكلام عن الفرعونية التي تَعتبِر العرب دخلاء بعد أن قررت المادة الأولى من الدستور أن (مصر دولة عربية) وأن (الشعب المصري جزء من الأمة العربية)، ولم يعد هناك مجال للكلام عن (الفولكلور) المصري القديم أو الحديث والدعوة إلى إقامة حياتنا وفنوننا على أساسه، بعد أن نصت المادة الثالثة من الدستور على أن (الإِسلام دين الدولة) تم نصت المادة الخامسة على أن (الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية). فنظام مجتمعنا لا يستمد مقوِّماته إذن من ذلك (الفولكلور) قديمه أو حديثه، ولكنه يستمدها من ديننا الِإسلامي ومن أخلاقنا الإِسلامية ومن وطنيتنا العربية. ولكن العجب الذي لا يشبهه عجيب أن هذه الدعوة التي قَتَلَ الدستورُ جراثيمها واستأصل سرطانها الفتاك قد أطلت برأسها من جديد تلتمس الحياة في صحيفة "المجلة". ويكفي أن تراجع العدد الأول من هذه الصحيفة لكي تتبين أن العصبية الشعوبية والفرعونية الجاهلية تسيطر عليها سيطرة كاملة، وأنها تتجاهل تجاهلًا كاملًا أنها في بلد عربي أو إسلامي. فهي تكاد تخلو من المواضيع الِإسلامية أو العربية، وهي مطبوعة بطابع شعوبي انفصالي يتحدى دستور الدولة, لأنه يتحدث عن العرب بوصفهم غزاة دخلاء في بلد تنص

стр. 49

المادة الأولى من دستوره على أنه عربي (١)، وهي تقدس الفرعونية إلى حد الغُلوّ الذي يخرج بها إلى الوثنية والكفر والتهكم بقيم الإِسلام وأبطاله وتشويه سيرتهم. فإِذا خرجت "المجلة" عن هذا الطابع الانفصالي الذي هو خليق أن يدعم مزاعم الدعايات الأجنبية التي تريد أن تصور سياسة مصر الحالية سياسةً إمبراطوريةً استعمارية، إذا خرجت "المجلة" عن هذا الطابع لم تتحدث إلَّا عن أدب الغرب وموسيقى الغرب ورقص الغرب وفنون الغرب، ذلك الغرب الذي وصفه أحد كتابها بأنه (العالم المتحضر)، حين تحدث عن الاحتفال ببرنارد شو، فقال في صدر مقاله: "احتفل العالم المتحضر بالعيد المئوي لميلاد برنارد شو"، وكأن من عدا هؤلاء المحتفلين ببرنارد شو - ممن يزعم الكاتب أنهم هم المتمدنون - رعاع وهمج. يتحدث المقال الأول في هذا العدد عن (قناة السويس بين التأميم والتدويل)، فيزعم أن (تقاطيع رئيس جمهورية مصر الشاب تشبه تقاطيع الشخصيات والرجال الذين خُلّدت صورهم على جدران المعابد والهياكل الفرعونية منذ آلاف السنين). وجمال عبد الناصر - مثله في ذلك مثل ملايين عديدة من المصريين - عربي الأصل من بني مر. فمن أين يجيئه العِرْق الفرعوني؟ وأي فخر في أن يكون جَدّه أحدَ هؤلاء الكفار الجبابرة الذين قطع الإِسلام ما بيننا وبينهم؟ ويمضي الدكتور حسين فوزي كاتب المقال على هذا النمط في سائر مقاله، تقوده نزعة فرعونية غالية، فيتحدث عن (عودة التاريخ الفرعوني فجأة ودبيب الحياة فيه، وتحرك الحضارة المصرية القديمة وسيرها على الأقدام وزحفها في العربات السريعة الرشيقة التي نرى صورها في الكتب ونعجب منها ومن راكبها وفارسها). والحضارة كما هو معلوم دين وتفكير وأسلوب في الحياة، فهل هناك نية للانسلاخ من حضارتنا الإِسلامية والارتداد إلى الوثنية الفرعونية؟ أم ماذا تكون الحضارة الفرعونية؟ وكيف يكون تحركها وزحفها وبعثها؟ ويتحدث

стр. 50

المقال كذلك عن واجب مصر الأول نحو الناس.، وهو نشر الحضارة بينهم، فيخيل للقارىء أن الكاتب يتحدث بلسان الإِمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر. أبمثل هذا تدعّم القومية العربية وتحارَب أكاذيب المفسدين والدساسين الذين ينفثون سموم الفرقة بين العرب، حين يزعمون لإِخواننا أن مصر دولة ذات مطامع استعمارية تتذرع إلى مطامعها بين العرب والمسلمين باسم العروبة والإِسلام؟ وإذا شئت المزيد من هذه العصبية ومن هذا التهور فاقرأ نص خطاب كاتب هذا المقال في الاحتفال بافتتاح البرنامج الثاني (العدد ٦ ص ١٢٣ - ١٢٧)، حيث يردُّ إلى الفراعنة مظاهر الحضارة الِإنسانية بكل ألوانها وبكل فروعها وصورها، وينسب إليهم (صنع فكرة الإِيمان بالله) على حد تعبيره، ؤحيث يقول: "إن مصر الآن لا يُشَك في أنها تلعب دوراً رسالياً، دوراً ذا رسالة. ونحن لا نستطيع أن نضطلع بهذا الدور إلَّا إذا شَحَنّا بطاريتنا, لأن بطاريتنا فارغة". ثم يروي قصة القبطان الذي نفد ما في سفينته من الماء الحلو، فأخذ يلح في طلبه، ثم تبين له أن الماء الحلو تحته وهو لا يدري، بعد أن قطعت سفينته المحيط ودخلت في مصب أحد الأنهار. ويشبه حالنا في مصر بحال ذلك القبطان "الماء الحلو عندنا، الماء الحلو في ثقافتنا .. في بعض هذه الهياكل والمعابد التي نستطيع أن نشاهدها، فنرى كيف صنع أجدادنا من هذه الأرض وبهذه الأدوات". ثم يقول: "وأرجو أن يكون البرنامج الثاني إحدى هذه الوسائل في أعماق حياتنا التي امتدت ستة آلاف سنة بل أكثر. ونستطيع أن نخرج منها ماءً حلواً لا لنشرب منه فقط، وإنما نشرب ونوزّع منه على العالم". فهل هذا هو الدور الرسالي الذي ستقوم به مصر بين العرب؟ هل رسالتها في إحياء الفرعونية وفرعنة العرب جميعاً؟ وماذا يحدث لو أراد إخواننا المغاربة بالمثل أن يُبّرْبِرُوا العرب، ونازعهم في ذلك كل من العراقيين والشاميين واليمنيين، كل واحد منهم يباهي بجاهليته ويزعم أنها أحق بالسيادة؟ هلِ هذا هو السبيل الصحيح لجمع العرب، وهم بحمد الله وفضله مجتمعون فعلاً على الإِسلام، لم تفرقهم إلَّا أمثال هذه الدعوات؟!. وتجد مثل هذا الانحراف المنفر في التعليق على العصر الفرعوني في مقال

стр. 51

(تي - سيدة من الشعب وجهت أحداث عصرها - العدد الثاني ص ٢٥ - ٤٢)، حيث يتكلم الكاتب عن تقوية النفوذ المصري خارج الحدود، وعن منافسة الأشوريين والبابليين والحيثيين لمصر في ذلك، وعن أساليب مصر الفرعونية في نشر نفوذها عن طريق نشر التعليم المصري. وكل ذلك لا يعين على تدعيم الثقة بين العرب ولا يلد إلَّا الشر, لأنه يدعم مزاعم الذين يعيثون بالتفريق بينهم ويشكك في أهداف مصر من وراء مساعدة إخوانها العرب ومدّهم بالمدرسين. ولا سيما إذا كان الذي ينشر هذا الكلام صحيفة تصدرها وزارة الإِرشاد القومي. ومن أمثلة هذه المقالات المنحرفة مقال عنوانه (صراع القومية الصرية من غزو الاسكندر حتى الفتح الإِسلامي - العدد الأول ص ٣٠ - ٤٣). وهو مقال طويل كله تقديس جنوني للفرعونية وحط من قدر العرب والإِسلام، ونزول بدوافع الفتح الإِسلامي الأول في عهد الخلفاء الراشدين الذين أنقذنا الله بهم. من النار وهدى آباءنا وأجدادنا، إلى مرتبة السطو والقرصنة واللصوصية، انظر إليه كيف يتحدث عن ذي النورين، عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، حين يضعه بين جبابرة الرومان والماليك، حيث يقول: (فالخليفة يعزل عاملاً من أعدل عماله على مصر، ثم يعرّض بسياسته المعتدلة في فرض الضرائب، قائلاً: لقد دَرَّت اللِقْحَةُ بعدك يا عَمْرو. فيجيبه أعدلُ مَنْ وَلِيَ مصر بما يُفيد أنها أضرَّت بوليدها - العدد الأول ص ٣١) ويردف ذلك بحديث مثله عن أباطرة الرومان وبكوات الماليك، يصوّر أن همهم كله كان مصروفاً لاستغلال الشعب المستعبَد والتمتع على حساب كدِّه وشقائه. والمقال كله يشف عن عداوة عميقة لكل فكرة إسلامية أو عربية. فهو يرفع ذلك العهد الفرعوني الإِقطاعي إلى مرتبة من القداسة تكاد ترد الناس إلى ضرب من الوثنية. وهو لا يوقر صحابة رسول الله الذين كان فتحهم لمصر خيراً وبركة على المصريين، إذ أنقذهم من الضلال وأدخلهم في رحمة الله بدخولهم في الإِسلام، فهو حين يتحدث عن أولئك المجاهدين في نشر كلمة الله وهداية خَلْقه، الذين عاشوا زاهدين، ثم خرجوا من الدنيا لا يملكون من حطامها شيئاً، يقرنهم بالوثنيين من الرومان واليونان، وبالفسقة

стр. 52

والجبابرة من الطغاة، كلهم عنده سواء. تجد ذلك في مثل قوله: "ولم تكن بيزنطة أرحم بالشعب المغلوب، ولا كان الولاةُ العرب- ص ٣١". وفي قوله: "لم يكن المصري يملكِ شيئاً من أرضه ولا من غير أرضه. كلها إقطاعات للفرعون وأسرته، وللمعبد وسدنته، ثم للبطليموس فالإِمبراطور في رومة وبيزنطة، ثم للخلفاء في شبه جزيرة العرب جنوباً وشمالاً (١). ولمن جاء بعدهم من حكام مصر الأجانب - ص ٣١". وفي قوله: "وأنت تجد أمثلة لهذه الاضطرابات والثورات على طول التاريخ المصري في العهد القديم، وبعد استتباب الأمر للبطالسة وإبان الحكم الروماني والبيزنطي والعربي والعثماني والفرنسي والأرنؤودي والاحتلال البريطاني - ص ٣٣". وقوله: "حدث هذا بعد احتلال الرومان وبعد الفتح الإِسلامي والغزو العثماني - ص ٣٥". وقوله: "وكل همه إرضاء الملك البعيد إمبراطوراً أو خليفة أو سلطاناً - ص ٣٥". ولقد بلغ بالكاتب تقديسه للوطنية المصرية بهذا المعنى الشعوبي المتطرف حدَّاً يقرب من الشرك، فكان من سوء اختياره للألفاظ أن وصفها بما اختاره الله جل وعلا لنفسه فقال: إنها لا تدركها سِنَّةٌ ولا نوم (ص ٢٦)، وأنزل الدين منزلة تلي في قداستها وسلطانها على النفوس هذه الوطنية، إذ جعل اعتناق المصريين للمسيحية مظهراً من مظاهر المقاومة الوطنية للاحتلال الروماني، وأظهر عجبه لتحول المصري عن الوثنية إلى المسيحية متسائلاً: "كيف لم يحرص المصري على ديانته العتيقة وهي آخر صلة له بمجده الغابر؟ - ص ٢٦". وفي "المجلة" بعد ذلك صور كثيرة من هذه الشعوبية البغيضة، في مثل مقال "فن التصوير المصري - العدد الأول ص ٤٤ - ٤٦" الذي يقدس فن الفراعنة الوثني وما اتخذوه لأنفسهم من آلهة بزعمهم، وفي مثل مقال "الفن المصري - إدراك القانون - العدد الرابع ٢٩ - ٣٣"، بما يتخلله من مجازفات مارقة في تعريف الدين والتدين والخلط بينهما وبين فنون الوثنية.

стр. 53

وفي مثل مقال "الرقص الشعبي في الاتحاد السوفيتي - العدد الرابع ٧٢ - ٧٧"، الذي يدور حول حديث لراقص روسي عن "خلق رقص مصري ذي طابع مميز". بل إن الموضوعات الِإسلامية التي تتناولها "المجلة" تنحو بها نحو هذه الغاية، فلا تتحدث عن الإِسلام وأبطاله إن تحدثت - وقليلًا ما تفعل - إلَّا من هذه الزاوية الشعوبية المنافية لروح الإِسلام منافاة صريحة. تجد ذلك في مثل مقال "الخلافة المصرية الأولى - العدد السادس ٨١ - ٨٤"، الذي يدور حول تمجيد ثورة دِحْية بن المعصَّب في مصر على الخلافة العباسية سنة ١٦٧ هـ فيسميها كاتب المقال (الخلافة المصرية الأولى)، كأن خلافة المسلمين التي هي خلافة عن رسول الله ﷺ تجمع شملهم على اختلاف أجناسهم، مُلْكٌ ينسَب إلى البلاد لا إلى الإِسلام نفسه، ويمجّد فيه المارقون المفتونون ممن يشعبون كلمة المسلمين ويبثون الفرقة بين صفوفهم. وتجد في "المجلة" مع ذلك كله حفاوة شديدة بتفاهات هابطة وبألوان من العبث الساذج "الفنون الشعبية". تريد المجلة أن ترفع من قدر هذه التفاهات وتنادي بدراستها وتسجيلها باسم الفن وباسم الشعبية. وبطلانُ مثل هذه الدعوات ظاهر. فمن المعروف أن الفن يتعلق دائمًا بمقاييس رفيعة. وهو يهدف إلى ترقية الذوق الساذج التخلف وتثقيفه، لا الهبوط بالذوق إلى مستوى الأذواق الفجة التي لم يهذبها التثقيف باسم الشعبية. وأوضح ما يبدو ذلك في مقال (الفنون الشعبية في مصر - العدد الرابع ٤٦ - ٤٩)، الذي يدعو إلى إحياء الشخصية المصرية، ولا يعتبر الوثنية والسيحية والإِسلام إلَّا أعراضاً لا تغير من جوهر الشخصية المصرية بزعمه. فهي وثنية حيناً وهي مسيحية حيناً آخر وهي مسلمة تارة أُخرى ولكنها في كل هذه الأحوال مصرية دائمًا. وهذا هو ما أسميه جنون (الفولكلور) والانحراف في فهمه وتوجيهه. وذلك الغرض المسموم المريض هو الحافز الحقيقي لكل ما نسمعه عن الدعوات التي تصدر عن الجامعات حيناً ومن مصلحة الفنون حيناً ومن مجلس الآداب تارة أُخرى، وكلها تدعو إلى الاهتمام بأدب العوامِّ وأغانيهم وعاداتهم والاستعانة على تسجيل ذلك بكل ما أخرج العلم الحديث من وسائل وأدوات، كما تدعو إلى تكريم من عُرِفوا بإِبراز هذه النزعة من الفنانين الذين سايروا هذه الدعوة

стр. 54

حين طغى مَدّها بعد الحرب العالمية الأولى، عن وعيٍ منهم أو عن غير وعي، مثل حافظ إبراهيم الشاعر، ومختار المثّال، وسيد درويش المغَنّي. ولهذه الدعوة بعد ذلك جانب آخر هدَّام هو الجانب اللغوي. فأصحاب هذه الدعوة من غلاة الشعوبية الموكلين بالتفريق والتشتيت، يدعون دائمًا إلى اتخاذ اللهجات السوقية (١) التي يطلق عليها "العامية", لأنها بزعمهم أصدق تعبيراً عن روح الشعب - وكأن الشعبية عندهم مرادف للجهل - ولأن (تراث الأدب العربي) كما يقولُ أحدهم: "ليس ولا يمكن أن يكون تراث لهجةٍ بعينها من اللهجات، وأن التفنن الأدبي لا شأن له إطلاقاً بالقواعد النحوية المصطلح عليها، وأن الإِعراب ليس شرطاً أساسياً لازماً للتفنن الأدبي. فللبدو شعرهم وسمرهم الذي يصدر عنهم عفو الخاطر، والذي يفهمونه بعضهم عن بعض. وللعوام في المدن شعرهم ونثرهم الذي يتفاعلون هم وهو ولا يتفاعلون هم وغيره - العدد الأول تحت عنوان (الملحمة المصرية) ص ٥٥". ومن الواضح أن هذا الكلام وأمثاله فاسد من الناحية الفنية الخالصة التي يحمّلها الداعون بهذه الدعوة أوزار دعوتهم في أغلب الأحيان. فالفن في صورته الكاملة وسيلة من وسائل السمو فوق الواقع اُلمسِفّ. والفن الذي يستحق أن يجهد النقاد أنفسهم في تذوقه ونقده، هو الأثر الذي أجهد الفنان نفسه في إنتاجه. فالنقاد غيُر مكلّفين بعَفْوِ خواطر البدو والعوام, لأن عَفْوَ خواطرِ العوامِّ لا يصلح إلَّا للهو أمثالهم من العوام. أما عقول المثقفين، فهي لا تجد في مثل هذا الإِنتاج لذة ولا متاعاً. فالفن الراقي دائمًا، في كل عصر وفي كل مكان وفي كل لغة، مقصور على الخواص, لأن الأثر الذي يستحق الاعتبار والبقاء لا يصدر إلَّا عن قِلَّةٍ موهوبة. ومن المسلّم به أن الموهبة

стр. 55

والاستعداد الحسن لا تنمو وتنضج وتُخْصِب إلَّا على اِلمرَانِ والتثقيف والعكوف على الدرس والتجويد. أما الجانب الأشد خطورة في هذه الدعوة، فهو أن ضررَها لا يقف عند تمييز كل جماعة بطابع خاص تتعصب له مما لا يعين على تدعيم الوحدة العربية المرجوة، ولكنه يتجاوز ذلك إلى أن يقطِّع ما بينهم من الوشائج تقطعياً، فيصبحون ولا يفهم بعضهم عن بعض. ومن المؤكد أن العرب في مختلف البلدان لا يجتمعون على فهم شيء من الإِذاعة المصرية إلَّا فيما يذيعه "صوت العرب" بالفصحى. ومن المؤكد أيضاً أنهم لا يفهمون من بعض صحفنا ما تحرص على تسجيله بالعامية مما يدور في مجلس الأمة أو في قاعات المحاكم. والعجيب في الأمر أن جرأة الإِذاعة وجرأة الصحف على الإِلقاء بالسوقية والكتابة بها شيء جديد لم يجرؤ عليه أحد حين كانت القومية العربية حلمًا يتمناه المخلصون ويعارضه كثير من المفسدين والمخدوعين، ولكنهم تجرأوا عليه بعد أن أصبح هذا الحُلْمُ حقيقةً واقعة مسجلة في المادة الأولى من مواد الدستور. أليس ذلك مما يدعو حقاً إلى العجب؟ وأعجب منه أن البرنامج الذي ابتدعته الِإذاعة حديثاً وسمّته "البرنامج الثاني" وزعمت أنه برنامج الخاصة من هواة الفكر الرفيع يخاطب مستمعيه بهذه السوقية التي تسمى بالعامية. فإِذا كانت العربية الفصحى لا تصلح لخطاب عامة الناس في البرامج العامة ولا تصلح لخطاب خاصتهم في البرامج الخاصة، فأين ومتى تتعامل الشعوب العربية بلغتها العربية الصحيحة التي هي عنوان قوميتها، ووعاء أمجادها، والتي هي وسيلتها الوحيدة للتفاهم؟ يبدو أن القائمين على هذا البرنامج مشغولون عن ترويج اللغة العربية بموسيقى (السمفونيات) القديمة التي يُكْرِهون المصريين على سماعها، ويتهمون الزاهدين فيها بالتخلف وبلادة الذوق، لاهُونَ عن تدعيم عروبتنا وثقافتنا القومية بأدباء الغرب وفنّانيه وبما يثيرون من غبار حول مقومات فنوننا وآدابنا. فهل نسي هؤلاء أنهم يتبعون وزارة الإِرشاد القومي في بلد عربي؟

стр. 56

في التنظيم الإجتماعي

стр. 57

المجْتع المختَلط* كثر كلام الناس في هذه الأيام - في الصحف وفي دور العلم، وأقسام الفلسفة ومعاهد تخريج المدرسين والاخصائيين الاجتماعيين منها خاصة - عن الكبت الجنسي ومضاره. وشاع بين كثير ممن ينتحلون الدراسات النفسية - والفرويدية منها خاصة- أن السبيل إلى تلافي الأضرار المتولدة عن هذا الكبت هي اختلاط المذكور بالإِناث وتخفّف النساء من الحجاب ومن الثياب، وهو تخفف لا يعرف الداعون إليه مدى ينتهي عنده. ولعله ينتهي إلى ما انتهى إليه الأمر في مدن العراة التي نُكِست فيها المدنية فارتدت إلى الهمجية الأولى. ذلك هو "المجتمع المختلط" الذي يَدْعون إلى تعميمه في المدارس وفي الادارات الحكومية وفي المصانع وفي الشركات وفي الأندية والمجتمعات. وقد أخذت هذه الدعوة سبيلها إلى التنفيذ في بعض هذه الميادين. والواقع أن هذا الاتجاه هو جزء من اتجاه أكبر وأعم يراد به فرنجة المرأة الشرقية وحملها على أساليب الغرب في شتى شؤونها: في الزواج وفي الطلاق وفي المشاركة في العمل والإِنتاج في شتى الميادين وفي الزي وفي المحافل والمراقص، إلى آخر ما هنالك. وهذا الاتجاه هو بدوره جزء من اتجاه أكبر يراد به سلخنا من أدب إسلامنا وتشريعه، وإلحاقنا بالغرب في التشريع والأدب والموسيقى والرسم وفي فنون الحياة بين جد ولهو. والموضوع ذو جوانب

стр. 58

متعددة. ولكن أبرز جوانبه ناحيتان: اختلاط النساء بالرجال، واشتغال النساء بأعمال الرجال. وسأعالج الناحية الأولى منه في هذا المقال، مرجئاً الشق الثاني إلى مقال تالٍ إن شاء الله. وأخطر ما في هذه الدعوات الجديدة أن أصحابها يلجؤون إلى تدعيمها وتثبيت جذورها الغريبة في أرضنا بأسانيد من الدين بعد أن يحرفوا الكلم عن مواضعه في نصوصه الشريفة من قرآن أو حديث أو خبر. لذلك رأيت أن أبدأ هذه الكلمة بتقديم طائفة من الآيات القرآنية تبين بشكل قاطع حكم الإِسلام الصريح في هذه الأمور. ١ - يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩] تأمر هذه الآية المسلمات بإِطالة الثياب وبإِدناء بعض أطرافها من البعض الآخر، حتى تستر الصدور والظهور والأذرع والسوق. وتصرح بالحكمة في ذلك، وهو تمييز الأحرار من النساء وتكريمهن بصونهن عن أذى الذين يتعرضون للبغايا وللخليعات, لأن التبرج والتبذل يسلكهن في مسالك الرِيَب ويُطمع الفسّاق في التعرض لهن وإيذائهن في حيائهن وفي أعراضهن بالأقوال أو الأفعال. ٢ - ويقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى

стр. 59

﴿جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ (النور ٣٠ - ٣١) تأمر هاتان الآيتان الرجل والمرأة كليهما بغضّ البصر عند رؤية أحدهما للآخر. وتردف الأمر بالمحافظة على العفاف مع الأمر بغض البصر، كأن النظر هو سبيل التفريط في العفة, ثم هي تأمر المرأة بأن تحرص على ستر مواضع الفتنة والأنوثة منها وعدم إفشائها بأدوات الزينة والتجميل المختلفة أو الثياب الضيقة أو الشفافة أو الحركات الخليعة التي تذيع صوت ما تتحلى به من حلي، كما تأمرها أن تغطي رأسها بالخمار وأن تضرب بفضوله على صدرها ليستر فتحة ثوبها. ولا تبيح الآيتان للمرأة أن تتخلى عن هذا الحجاب إلا في حضرة الذين لا تثيرهم مفاتنها من المحارم أو الأطفال الذين لم يبلغوا الُحلُم أو ناقصي الذكورة من التَبَع والخدَم الذين لا أَرَبَ لهم في النساء. وتكشف الآية الأولى عن الحكمة فيما تطلب إلى المؤمنين من غض الأبصار، فتقول إنه ادعَى إلى تزكية النفس وتطهيرها، والسمو بها عن مواطن الدنس. وتقول للمرتابين في صدق هذا الأمر وحكمته: إن الله أخبرُ بطبائع خلقه وبمذاهبهم فيما يصنعون من أنفسهم. وتختم الآيتان هذه الحدود المرسومة بدعوة المؤمنين جميعاً إلى أن يعودوا إلى طريق الله بعد أن نأت بهم عنه الشهوات ودعوات المضللين, لأن التزام طريق الله هو سبيل الفلاح والنجاح.

стр. 60

٣ - يقول تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ [النور: ٦٠] أما هذه الآية فهي لا تبيح التخفُّف من بعض الثياب (كالجلباب والرداء والقناع فوق الِخمار) إلا للطاعنات في السنن ممن ذهب رونقهن وفارقن سن الزواج، ولم يعد مثل هذا الصنيع منهن يثير الناظر إليهن. ومع ذلك فهن مأمورات بأن يلزمن جانب الحشمة فلا يبرزن ما يتكلفن من زينة، وتحثهنَّ الآية على التزام القصد فيما أباحت لهن، وتصف الاحتشام أمام الغرباء بالعفة حيث تقول: (وأن يستعففن خير لهن). ٤ - يقول تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (الاحزاب: ٣٢ - ٣٣) الحديث في هاتين الآيتين موجه إلى نساء النبي ﷺ ، وهو يتضمن أمرهن بأن يلزمن بيوتهن ولا يصنعن صنيع الجاهليات في التبرج، وبأن يقصدن في محادثة الرجال إذا دعت إليه ضرورة فيذهبن به مذهب الجد والحزم والإِيجاز، وبأن يقمن شعائر الدين من صلاة وزكاة

стр. 61

ويلزمن حدود الله. وتعلل الآية ذلك كله بأنه سبيل الطهارة والبعد عن مظان الريبة وإطماع مرضى القلوب. وقد يظن بعض الناس أن توجيه الحديث في هاتين الآيتين إلى نساء الرسول ﷺ يعني أنهن قد خُصِصْن به دون سائر المسلمات، وأن حكمه لا يتعداهن إلى غيرهن، وهو خطأ ظاهر. فرسول الله ﷺ هو قدوة المسلمين ومثلهم الأعلى، ونساؤه قدوة السلمات ومثلهن الأعلى، فالله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١] فإِذا كان هذا هو الأحوط وهو الأطهر وهو الأدعى إلى إذهاب الرجس عن بيت سيدنا رسول الله وعن نسائه الطاهرات رضوان الله عليهن، فلا شك أن عامة المسلمات - وهن أبعد عن العصمة جداً - أحوج إلى الأخذ به والتزامه. وإذا كانت إلانة القول وإطالته في غير موجب من جانب نساء الرسول - وهن أمهات المؤمنين - مَظِنَّةُ إطماع مرضى القلوب، فكيف يكون الحال بالقياس إلى سائر المسلمات اللاتي لا يحيطهن من أسباب العصمة وَذوْدِ الشر ودفع الإِطماع والإِغراء ما كان يحيط بنساء الرسول ﷺ ؟ ٥ - يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ

стр. 62

حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ (الأحزاب: ٥٣) هذه الآية خاصة بنساء النبي ﷺ أيضاً، وهي تنبه المسلمين إلى أن يخففوا عند زيارته والإِلمام ببيته، وأن لا يثقلوا بإِطالة الحديث بعد قضاء حاجاتهم أو تناول ما دُعُوا إليه من طعام. كما تأمرهم إن احتاجوا إلى طلب شيء من نساء الرسول أن يكون حديثهم إليهن من خلف سنتار يحجب كلًا منهم عن الآخر. وتعلل الآية الكريمة ذلك بأنه أدعى إلى طهارة الطرفين وأحوط في تجنب أسباب الفتنة. وليت شعري إذا كان نساء النبي - وهن مَنْ هن - وصحابة رسول الله - وهم من هم - مأمورين بذلك، فكيف لا نكون نحن مأمورين به؟ ٦ - يقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ

стр. 63

يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء:٢٥ - ٢٨) المخاطبون بهذه الآيات هم الذين لا تساعدهم ظروفهم المالية على الزواج ودفع مهور الحرائر من النساء. والآيات تبيح لمن لا يستطيع الصبر من هؤلاء أن يتزوج من الإِماء بعد أن يدفع مهورهن إلى مواليهن. وتنهي عن أن يكون سبيل التنفيس عن شهوات الذين لا يجدون إلى ضبطها سبيلاً هو الزنا بهؤلاء الإِماء أو عقدَ الصلات معهن في السر واتخاذهن عشيقات أو صديقات - على ما يحلو لبعض الناس في هذه الأيام أن يسميهن تقليداً لمذهب الفرنجة في تسميتهن (Girl Friends) ولكنها تنصح لهم بالصبر حتى لا يجنوا على أولادهم من هؤلاء الإِماء بجعلهم أرِقَّاء. ويقول الله ﵎ إن (الصبر خير)، بينما يسمي الفُروْيدِيّون الصبر وضبط النفس والتحكم في الرغائب والشهوات كبتاً. ويرتِّبون على هذا الكبت ما شاءت لهم شياطينهم من الأمراض النفسية. فليختر المسلمون لأنفسهم بين الكفر والإِيمان، وبين ما أوحى الله إلى نبيه وما أوحت شياطين الجن إلى شياطين الإِنس. وتختم الآيات هذا الحديث بأن الله عليم يعرف حقائق شؤونكم ودقائقها، حكيم يضع الأشياء في مواضعها. فهو يرشدكم إلى سبيل الطهارة والتوبة ويبين لكم طريق الرشاد والصلاح، ويخفف عن الضعفاء منكم فيرسم لهم ما يحتملون ولا يكلفهم ما لا يطيقون. يريد الله أن يعود بكم إلى طريقه الموصلة للخير والمنقذة من الضلال، بينما يريد الذين يتبعون الشهوات أن يميلوا بكم عن طريق الهداية والنجاة ميلاً عظيمًا. هذه جملة من الآيات صرعِة الدلالة فيما تأخذ به المسلمين والمسلمات. فهي تأمرهم:

стр. 64

١ - بستر جسم المرأة كله - ومنه شعر الرأس - وتجنب إبداء المفاتن والتزين أمام الغرباء من غير المحارم. ٢ - بتجنب التسكع في الطرقات واستعراضها في غير حاجة، وبالاستقرار والاكتنان في البيوت. ٣ - بتجنب التحدث إلى الرجال. فإِذا دعت إلى ذلك ضرورة فليكن بين الرجل والمرأة ستار، وليكن الحديث أميل إلى القصد، وعلى قدر ما تقضي به الضرورة. ٤ - بغض البصر عند التقائه بالرجال. والرجال مأمورون بمثل ذلك عند التقاء نظرهم بالنساء. ٥ - بالزواج لمن إستطاعه، وبالصبر وضبط النفس لمن أطاقه، وبالزواج من الإِماء لمن لا يطيق الصبر ولا يجد مهر الحرائر. أما اتخاذ الخليلات ومقارفة البغايا فهو محرم يحذر منه الدين. ولا أظنني محتاجاً بعد ذلك كله إلى إطالة القول في أن التزام هذه القواعد التي يأمر بها الشرع أمر قاطع لا يدع مجالاً للتوفيق بين إسلام المسلمين، وبين مذاهب دعاة المجتمعات المختلطة في شتى صورها وأشكالها. هذا هو حكم الدين لمن أراد أن يقيمه. وتلك هي حدود الله لمن أراد أن يلتزمها. وذلك هو الخير كل الخير لمن أسلم وجهه لله وآمن بالكتاب كله، لا يحكِّم هواه أو أهواء الذين يضلون بغير علم ممن يتبعون الظن، فيأخذ ببعض ويدع بعضاً، ولا يطلب دليلاً على ما أُمر به، ولكنه ينقاد إليه سواء ظهر له وجه الخير فيه أو خفي عنه. لأن الدين يقوم على مجموعة من المسلَّمات يلتقي عندها الناس على اختلاف أفكارهم وأمزجتهم وبيئاتهم، فيصبحون في اتحادهم أمة واحدة، ويصبحون مع تعددهم كالفرد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ويصبحون في توادّهم وتراحمهم كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسمر، وذلك هو أقصى ما يطمح إليه التفكير السياسي من التماسك والتآلف والاستقرار والاطمئنان.

стр. 65

أما الذين لا يُلزمون أنفسهم حدود الله، ولا ينقادون لما أمر به فلنا معهم حديث آخر. وإلى هؤلاء نقول: قد اقتضت حكمة الله أن يكون جميع خلقه من ذكر وأنثى. تجد ذلك في الحيوان وفي النبات وفي الظواهر الطبيعية كالكهرباء والمغناطيس، وتجده في الكرة الأرضية نفسها، فأحد قطبيها سالب والآخر موجب، وتجده في أدق دقائق الخلق وألطف وحداته، وهي الذرة. وسُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس: ٣٦] ومن طبيعة الأزواج في كل هذا الخلق أن تتجاذب. فالذكر والأنثى في النوع الواحد يتجاذبان حتمًا حسب ما بَنىَ الله عليه طبيعة كل منهما وحسب ما هدى إليه من فطرة، وسبحان الذي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠] فميل الرجل للمرأة وميل المرأة للرجل إذن هو جزء من قانون عام اقتضته حكمة الله سبحانه، لا سببل إلى تجنبه أو إنكاره. وليس من المطلوب ولا هو مما يُرغَب فيه وُيسْعَى إليه أن يخفَّف هذا الميل أو يُعمَل على إضعاف حِدَّته. ثم إن إطلاق الأمر في تجاور الرجل والمرأة واختلاطهما لا يخلو من أحد أمرين: فهو إما أن يؤدي إلى إثارة الشهوة في الجنسين وزيادة حدتها، أو يؤدي إلي إضعافها وكسر حدتها. فإِذا كان الاختلاط مؤدياً إلى تجاذب الذكر والأنثى على ما رُكِّب في طبيعة كل منهما ولم تكن هناك حدود لهذا الاختلاط أو نظام مرسوم تحوَّل الأمر إلى فوضى لا ضابط لها. وعند ذلك يشيع الأذى بين الناس بشيوع الأمراض التي قدَّر الله سبحانه أن يَضرِب بها الذين يقارفون الفاحشة من الزناة، ويفسد المجتمع ويضطرب نظامه ويتمزق شمل جماعته ويموج بعض الناس في بعض، بتكاثر الأحقاد والضغائن بين الآباء الذين أوذوا في بناتهم، والأزواج الذين أوذوا في نسائهم، والأولاد الذين أوذوا

стр. 66

في أمهاتهم، وبين المتنازعين والمتنازعات والمتنافسين والمتنافسات على العشيق الواحد والعشيقة الواحدة. وذلك كله مما لا خير فيه، ومما لا تسعى إليه جماعة من الناس تنشد الوحدة والطمأنينة والسلام، وتتجنب السبل التي تظن أنها لا تؤدي إليهما. ذلك هو أحد الفرضين. أما الفرض الآخر فهو أن التجاور بين الرجال والنساء وكثرة اللقاء بينهم وبينهن أفراداً وجماعات موجِبٌ لِإضعاف التجاذب بِخُفُوت صوت الشهوة الجنسية وإضعاف حِدَّتها أو تحويلها عن وجهها وأسلوبها، على ما يزعمه الزاعمون من بعض الباحثين في الدراسات النفسية، الداعين إلى تهذيب الغريزة الجنسية أو التنفيس عنها، ومعنى هذا أن يجد كل من الذكور والإِناث لذتهم في مجرد الاستمتاع بالحديث والنظر، وأن طول التجاور والتقارب يولِّد في نفوسهم ونفوسهن شيئاً من الإِلف لا تثور معه الرغبة في استمتاع جسد كلٍّ منهم بجسد الجنس الآخر عند رؤيته، بل مع قربه منه وملاصقته له. وذلك كله أمر معقول ومحسوس يؤيده المنطق والتجربة, لأن إلْفَ النفس للشيء وتكرار اعتيادها إياه يُضعِف أثره فيها، فالذي يطيل المكث في مكان عفن نتن يفقد الإِحساس بعفنه ونتنه على مر الزمان، والذي يُدْمِن ثم رائحة زكية يفقد الِإحساس بطيبها بعد وقت قصير أو طويل، والذي يتعود لمس الأجسام الساخنة أو الشديدة البرودة يفقد الإِحساس بحرارتها أو ببرودتها مما لا يطيقه غيره من الذين لم يُدمنوا ممارسة ذلك. وكذلك الشأن في الرجال والنساء. فالذين يسكنون المدن من الرجال لا يثير غرائَزهم الجنسية رؤية أذرع النساء وسوقهن وصدورهن، بل إن بعضهم لا يثيره رؤية الجسد عارياً معروضاً في أكثر الأوضاع إغراء على شواطىء البحر في الصيف أو في مراسم الرسامين من هواة رسم الأجساد البشرية العارية. وفي هؤلاء الرجال من كان يعيش في الريف من قبل، وكان يثير شهوتَه مجردُ الاستماع إلى صوت المرأة أو مجردُ النظر إلى وجهها أو يدها أو رجلها، فضلاً عن مجالستها أو مصافحتها. ذلك أمر صحيح تثبته التجربة ويؤكده الواقع، والذي يذهب إليه دعاة تهذيب الشهوة صحيح من بعض نواحيه، وإن كان كثيرٌ من الشهوات الجامحة الجارفة يستعصي على الترويض وينطلق إلى الفتك

стр. 67

والافتراس ويُفِلت زمامه من المروِّضين. وأغلب الظن أن إدمان الخضوع للتجربة على تعاقب الأيام قد ينتهي إلى ما يريده المروِّضون من دعاة التهذيب. ولكن أي شيء يمكن أن يُسمَى هذا الذي يسعون إليه ويبذلون الجهود لتحقيقه؟ أليس هذا هو البرود الجنسي عينُه؟ أذا رأى الرجل المرأة فلم يُثر فيه هذا اللقاء ما يثور عادة في الرجال عند رؤية النساء، وإذا رآها بعد ذلك عارية الأذرع والسوق والصدور والظهور، بارزة النهود والأوراك، فكان قصارى ما يلتذ به هو الحديث والنظر، ولم يستتبع هذا الحديث والنظر أي اندفاع أو رغبة في ممارسة الصلة الجسدية، وإذا تشابكت الأذرع بالأذرع والتفَّت السوق بالسوق ولامست الأجسادُ الأجسادَ صدراً لصدر وبطناً لبطن ثم لم يطرأ على الرجل أي تغيير جنسي جسدي، وكان قصارى ما يستتبعه ذلك كله هو أن تسري في جسده نشوة لا تدفع به إلى الحالة الإِيجابية العضوية، أليس يكون قد بلغ عند ذلك ما يسمى بالبرود الجنسي؟ وهو عند ذلك برود مزدوج يشمل الطرفين كليهما: الرجل والمرأة, ثم، أليس البرود الجنسي مرضاً يسعى المصابون به إلى الأطباء، يلتمسون عندهم البُرْءَ والشفاء من أعراضه؟ فكيف إذن نجعل هذا المرض غاية من الغايات نسعى إليها باسم التنفيس عن الكَبْت أو تهذيب الغريزة الجنسية؟ وكيف يكون الحال لو تصورنا هذا الناموس - ناموس تجاذب الذكور والإِناث - وقد "تهذب" في سائر خلق الله، فبطل تجاذب السالب للموجب، أو فَترَ، فأصبح من غير المؤكد أن يترتب على التقائهما التَّوْقُ الشديد والميل العنيف الذي لا يقاوم إلى الاندماج الكامل؟ أليس يفسد الكون كله؟ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ [المؤمنون: ٧١] ثم إن هذا البرود الجنسي متفاوت الدرجات، يختلف قوة وضعفاً باختلاف درجات المجتمعات في الأخذ بمبدأ المجتمع المختلط ورفع الحواجز بين الذكران والإِناث، ولكنه - في غير الحالات المَرَضِيّة الشديدة التي تُعرِّض النوعَ البشري للفناء بانقطاع النسل - يستتبع نتيجتين خطرتين: ضعفَ النسل

стр. 68

وتخلفه وانحطاط خصائصه، وانتشارَ الشذوذ الجنسي واستفحال دائه. أما النتيجة الأولى فهىِ ترجع إلى أن حدة الشهوة وقوتها سبيلٌ إلى تحسين النسل وداعيةٌ إلى إبراز أحسن خصائصه وأفضل صفاته، كما أن فتور الشهوة وبرودها سبيل إلى ضعف النسل وداعية إلى تدهور خصائصه وانحطاط صفاته. ومما يتفق مع هذا الذهب في النتيجة - وإن اختلف معه في التعليل - ما يذهب إليه علماء الوراثة من التنبيه إلى خطر زواج الأقارب ومضاره (١). ويؤيده تأييداً قوياً تحريم الشريعة الِإسلامية زواج أخوات الرضاعة، فمن الواضح أنه مبني على اعتبار الغرباء الذين لا تربطهم قرابة الدم ممن تجاوروا حتى ازداد إلْفُ أحدهما للآخر في حكم أقرباء الدم. هذه حقيقة معروفة تقطع بها المشاهدة وتجارب الأجيال المتعاقبة، وتؤيدها الشرائع الثابتة، وهي تشمل الإِنسان والحيوان على السواء. ومن مظاهر تطبيقها على الحيوان إبعادُ الذكور عن الإِناث وعدم السماح باختلاطهما إلا عند اللقاح. ومن علامات صحتها فيما أزعمه انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج من العراة الذين لا يزالون يعيشون في المتاهات والأدغال على حالٍ تقرب من البهيمية،

стр. 69

فإِنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا. ويستطيع الراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادت مساحة الأعضاء الكاسية من أجسادهم. كما يستطيع أن يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقري درجةً درجةً حتى تنتهي إلى العري الكامل في مدن العراة، التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة. وقد أدرك قدماء العرب ذلك بالتجربة والملاحظة، فوصف أبو كبير الهذلي فارساً عربياً مشهوراً من صعاليك العرب - وهو تأبط شراً - بأن أمه قد حملت به وهي أشهى ما تكون إلى زوجها، حين لم تكن مرضعاً ولم تكن في أعقاب حيض، حتى لقد صور أباه في هياج شهوته وكأنه قد اغتصب أمه اغتصاباً وأخذها غِلَاباً، وذلك حيث يقول (١): مِمَّنْ حَمَلْنَ به وهُن عَواقِدٌ ... حُبُكَ النِطاق فجاء غير مُهَبَّلِ ومبرَّإ من كل غُبَّرِ حَيْضةٍ ... وفسادِ مرضِعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ حملت به في ليلةٍ مَزْءُودةٍ ... كَرْهاً وَعَقْدُ نطاقها لم يُحْلَلِ فأتَتْ به حُوشَ الفؤاد مُبطَّناً ... سَهِداً إذا ما نام ليلُ الهَوْجَلِ وأدرك ذلك أيضاً الإِمام الجليل أبو حامد الغزالي، فجاء في كتابه "إحياء علوم الدين" من بين ما سرده في الخصال المطِّيبة لعيش الزوجين قوله (٢): "ثامناً: أن لا تكون من القرابة القريبة. فإِن ذلك يقلل الشهوة. قال ﷺ (لا تنكحوا القرابة القريبة فإِن الولد يخلق ضاوياً). وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة. فإِن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإِحساس بالنظر واللمس، وإنما يقوي الإِحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدة فإِنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به، ولا تنبعث به الشهوة". إهـ.

стр. 70

أما النتيجة الثانية الخطيرة لشيوع البرود الجنسي وهي انتشار الشذوذ واستفحال دائه فهي راجعة إلا أن الرجل الذي ألف أن يقع نظره على مفاتن المرأة فلا يثور، يحتاج لكي يثور إلى مناظر وأوضاع تخالف ما ألِف. ثم إن إصابته بالبرود تحرمه لذةً من أكبر اللذائذ، ومتعةً من أعظم ما ينطوي عليه الناموس من المتع، وهي متعة تسكن عندها النفس ويطمئن القلب ويستقر الاضطراب. ومصيبته هذه بالبرود الجنسي تحرمه من الإِحساس بذكورته فيعاني أشد الألم مما يحسه في أعماق نفسه من الذلة والمهانة. ويدفعه ذلك إلى أن يحاول تحقيق متعة الاتصال الجنسي وإثباتها من كل الوجوه، عن طريق التقلب بين الخليلات وبائعات الهوى والتماس الشاذ الغريب من الأساليب والأوضاع، رجاء انبعاث ما ركد من ذكورته. وقد تدفعه مع ذلك إلى إغراق نفسه في المخدرات تعويضاً لما فقده من لذة، أو إلى الإِجرام أو المغامرة إثباتاً لذكورته من وجه آخر. ومثل هذا الشذوذ يشمل المرأة والرجل على السواء, لأن البرود الجنسي الذي يؤدي إليه هذا الاختلاط - بل الذي يسعى إليه دعاة الاختلاط - برود ذو شقين، لا يحقق ما يزعمونه من أهداف إلَّا إذا شمل الذكر والأنثى، فانتفت الرغبة الجنسية الجسدية في الطرفين كليهما عند اللقاء وعند اللعب وعند الممازحة والمراقصة. ويستطيع القارئ أن يتتبع هذه الظاهرة في المجتمع الغربي ليتبين آثارها المدمرة فيه، وهي آثار لا مفر معها من مثل مصير الذين خلوا من البائدين ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. وأنا أعلم أن كثيراً من الناس لا يقع منهم الدليل موقع الإِقناع إلَّا إذا نُسِب إلى الغرب. وإلى هؤلاء أسوق بعض ما نقلته صحف لا تتهم عندهم بالرجعية عن علماء الغرب وهيئاته. فمن ذلك ما نقله المصور (العدد ١٦٨٩ ص ٤) عن الأستاذ بيتريم ساروكين مدير مركز الأبحاث بجامعة هارفارد في كتاب له صدر أخيراً بعنوان (الثورة الجنسية)، حيث يقرر أن أمريكا سائرة بسرعة إلى كارثة في الفوضوية الجنسية، كما يقرر أنها متجهة إلى الاتجاه نفسه

стр. 71

الذي أدى إلى سقوط الإِمبراطورية الإِغريقية ثم الإِمبراطورية الرومانية في الزمان القديم. ويقول في ذلك الصدد (إننا محاصرون من جميع الجهات بتيار مطرد من الجنس يغرق كل غرفة من بناء ثقافتنا وكل قطاع من حياتنا العامة. وهذه الثورة التي تعبر بنا آخذة في تغيير حياة كل رجل وكل امرأة في أمريكا أكثر من أي ثورة أُخرى في هذا العصر). ومن ذلك ما جاء في صحيفة "الأخبار" (عدد ٢٦ محرم ١٣٧٧ ص ٢ تحت عنوان: عالم أمريكي يقول إن المرأة الأمريكية باردة) حيث نقلت ما صرح به الدكتور جون كيشلر أحد علماء النفس الأمريكيين في شيكاغو، حين قال: (إن ٩٠ في المائة من الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي، وأن ٤٠ في المائة من الرجال مصابون بالعقم. وقال الدكتور: إن الإِعلانات التي تعتمد على صور الفتيات العارية هي السبب في هبوط المستوى الجنسي للشعب الأمريكي). ومن شاء المزيد فليرجع إلى تقرير لجنة الكونغرس الأمريكية لتحقيق الأحداث في أمريكا، الذي نقلته مجلة "التحرير" (العدد ٢٣٤ تحت عنوان: أخلاق المجتمع الأمريكي منهارة). وهو يشير إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات بين الأحداث، وانتشار الحانات التي تقدم الخمور وكتب الجنس وقصص الجنس وأفلام الجنس وانتشار نوادي العراة بكثرة مخيفة على الشواطىء الشرقية خاصة. ومن شاء فليرجع كذلك إلى تقرير اللجنة التي شكلها مجلس العموم البريطاني للتحقيق في مشكلة الشذوذ الجنسي، فانتهت من بحثها إلى اقتراح إباحته بعد الواحدة والعشرين، وقد نشرته صحيفة "الأخبار" أخيراً. وأحب أن أشير إشارة موجزة إلى بعض مزاعم يؤيد بها دعاة الاختلاط مذهبهم الهدام. من ذلك ما يزعمه بعضهم من أن الريف العربي كله - ومنه قرى مصر - يمارس الاختلاط. والواقع أنه ليس هناك اختلاط بين الرجال والنساء في أيهما, ولم يوجد هذا الاختلاط في أي عصر من العصور. فسفور

стр. 72

القروية أو البدوية شيء والمجتمع المختلط شيء آخر. وكل الناس يعرفون أن الزي الذي رسمه الإِسلام للنساء من إطالة الثياب وتوسيعها، إلى تغطية الرأس بالخمار. والضرب بفضوله على الصدر، لا يتوافر في امرأة كما يتوافر في القروية والبدوية. ومن المعروف كذلك أن السفور في هذه البيئات لا يتجاوز معاونة المرأة لزوجها في بعض الأعمال، وهي معاونة محدودة فيما تستطيعه، مثل نقل الحطب أو جني الثمار أو القيام على الدواب أو نقل بعض المتاع والغذاء. على أنها لا تفعل شيئاً من ذلك إلَّا بدافع الفقر والحاجة. أما السَّراة فنساؤهن مصونات في البيوت. لذلك كان الشاعر العربي إذا وصف المرأة الكريمة قال إنها (نَؤُوم الضُّحى). على أن التي يلجئها الفقر إلى الخروج لا تخاطب الغرباء إلَّا بقدر ما تدعو إليه الحاجة الماسة الضرورية. وهي تضع طرف خمارها بين يدها وبين يد الرجل أذا سلمت عليه. ومن المؤكد على كل حال أنها لا تجالس الرجال في أسمارهم أو عقودهم، بل ولا تشارك أهل بيتها من الرجال على المائدة في بعض الأحيان. فأين ذلك كله من المجتمع المختلط؟ ومن هذه المزاعم كذلك ما يروِّجونه من أن الأخطاء التي نشاهدها الآن من آثار الاختلاط سوف تزول كما زالت في الغرب حسب زعمهم. وواقع الأمر أن الأخطاء لم تزل في الغرب، ولكن حياء الغربيين والغربيات هو الذي زال. ونحن ناس خلق ديننا الحياء، والحياء خيرٌ كلُّه كما قال سيدنا رسول الله. إن الذي يدمن الحياة بين نَتَنِ الِجيَف وَعفَنِ الأقذار يفقد الإِحساس بالنتن والعفن، ولكن هذا لا يعني أن النتن قد زال. ومن أعجب ما يلجأ إليه دعاة الاختلاط في بعض دعاياتهم أنهم يعارضون الإِسلام بما جرى عليه العُرْف عند بعض البائدين كالفراعنة، أو بمذاهب بعض الدراسات الاجتماعية والنفسية الحديثة. ومعارضةُ الإِسلام بهذه أو بتلك لا تصدر إلَّا من جاحد بالله ورسالاته وكتبه, لأن الفرعونية ليست ديناً وليست مذهباً خلقياً، ولكنها عصر تاريخي قد يكون فاسداً وقد يكون ضالًا وقد يكون كافراً بالله. وقد قطع الإِسلام ما بين إبراهيم ﵊ وبين أبيه، وقطع ما بين نوح ﵇ وبين ابنه، وبين

стр. 73

لوط ﵇ وبين زوجته، فكيف لا يقطع الإِسلام ما بيننا وبين الكفار من الفراعنة، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: ٢٣] أما الدراسات النفسية والاجتماعية فهي الآن دراسات موجَّهة تخضع لمذاهب الدارسين وأهوائهم. ولذلك فهي متشعبة إلى مذاهب ومدارس متباينة، تتعرض لتغير دائم لا يكاد يستقر. فترك نصوص الدين الثابتة إلى هذه الفروض المتغيرة التي ينقض بعضها بعضاً هو اتباع للظن المفرِّق للوحدة، والباعث على التنازع المؤدي للفوضى والانحلال. ومن غير الجائز بوجهٍ عام، وفي أي حال من الأحوال، أن يحُتَكَم في مثل هذه الشؤون إلى بعض مذاهب الناس قديماً أو حديثاً. فهذه المذاهب والآراء إن صلحت لدارس فنون الشعوب وعاداتها (الفولكلور) لكي يتصور منها صورة للمجتمع في بيئاته المختلفة وفي عصوره المتتالية، فهي لا تصلح في كل الأحوال لأن تكون قدوة صالحة، ولا يصح أن تكون مذهباً خلقياً أو أجتماعياً يُعارَض به مذهب الإِسلام. فما اختلفنا فيه من شىِء فَمَرَدُّه إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا إلى الفراعنة، ولا إلى ما اعتاده الناس وما جري عليه العرف هنا أو هناك. ومَنْ اعتراه أدنى شك في أن مصالح الناس ومصلحة الوطن لا تتعارض مع الدين فقد أخرج نفسه من عِداد المسلمين. ثم إني أحب في آخر الأمر أن أضع بين يدي القارئ مقتطفات من خطة الصهيونية الكبرى للسيطرة على العالم عن طريق هدم كل ما فيه من قوى، التي اكتُشِفَت مخطوطاتها وذاع سرها للمرة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الخطة المشهورة باسم "بروتوكولات حكماء صهيون" فقد تُعين على تدبر بعض ما ذكرته. جاء في البروتوكول الأول: (يجب أن ننظر إلى أولئك السكارى الذين تبلدت أذهانهم بفعل الخمر. إن الحرية أتاحت لهم هذا الإِفراط والإِدمان ...

стр. 74

إن الشعب لدى المسيحيين أضحى متبلداً تحت تأثير الخمر، كما أن الشباب قد انتابه العَتَه لانغماسه في الفسق المبكر الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والربيات اللاتي يعملن في بيوت الأثرياء، والموظفين والنساء اللاتي تعملن في أماكن اللهو، ونساء المجتمع الزعومات اللواتي يقلدنهن في الفسق والترف). وجاء فيه أيضاً: (لقد كنا أول من صاح في الشعب فيما مضى "بالحرية والإِخاء والمساواة"، تلك الكلمات التي راح الجهلة في أنحاء المعمورة يرددونها بعد ذلك دون تفكير أو وعي ... إن نداءنا "بالحرية والمساواة والإِخاء" اجتذب إلى صفوفنا من كافة أركان العالم، وبفضل أعواننا، أفواجاً بأكملها لم تلبث أن حملت لواءنا في حماسة وغيرة. وكانت هذه الكلمات - في ذلك الوقت- تسيء إلى الرخاء السائد لدى المسيحيين وتحطم سلمهم وعزيمتهم ووحدتهم، عاملة بذلك على تقويض دعائم الدولة. وأدى ذلك العمل إلى انتصارنا). وجاء في البروتوكول الثاني: (.. أما غير اليهود فإِنهم لا يستفيدون من تجارب التاريخ التي تمر بهم، ولكنهم يتمسكون. بنظريات روتينية دون تفكير في النتائج التي قد يسفر عنها هذا المسلك، لذلك فنحن لا نعير غير اليهود آية أهمية، فليلهوا ما طاب لهم اللهو حتى ينقضي الوقت، وليعيشوا على أمل ملذات جديدة أو في ذكرى متع سالفة، وليعتقدوا أن هذه القوانين النظرية التي أوحينا بها إليهم ذات أهمية قصوى، فبهذا الاعتقاد الذي تؤكده صحافتنا نزيد من ثقتهم العمياء في هذه القوانين ... يجب أن لا يكون هناك اعتقاد في أن مناهجنا كلمات جوفاء. فنحن الذين هيأنا لنجاح دارْوِنْ وماركس ونِيتْشَه (١)، ولم يَفُتنا تقدير الآثار السيئة التي تركتها هذه النظريات في أذهان غير اليهود).

стр. 75

وجاء في البروتوكول الرابع: (إن لفظة الحرية تجعل المجتمع في صراع مع جميع القوى، بل مع قوة الطبيعة وقوة الله نفسها ... على أن الحرية قد لا تنطوي على أي ضرر، وقد توجد في الحكومات وفي البلاد دون أن تسيء إلى رخاء الشعب، وذلك إذا قامت على الدين والخوف من الله والإِخاء بين الناس المجرد من فكرة المساواة التي تتعارض تماماً مع قوانين الخليقة، تلك القوانين التي نصَّت على الخضوع. والشعب باعتناقه هذه العقيدة سوف يخضع لوصاية رجال الدين ويعيش في سلام ويسلِّم للعناية الإِلهية السائدة على الأرض، ومن ثَمَّ يتحتم علينا أن ننتزع من أذهان المسيحيين فكرة الله والاستعاضة عنها بالأرقام الحسابية والمطالب المادية). وجاء في البروتوكول الخامس: (ولكي نطمئن إلى الرأي العام يجب باذىء ذي بدىء أن نربكه تماماً فنسمعه من كل جانب وبشتى الوسائل آراء متناقضة لدرجة يضل معها غيُر اليهود الطريق في تِيهِهم، فيدركون حينئذ أنّ أقْومَ سبيل هو أن لا يكون لهم أي رأي في الشؤون السياسية ... والسر الثاني الملازم لنجاح حكومتنا يقوم على مضاعفة الأخطاء التي ترتكب والعادات والعواطف والقوانين الوضعية في البلاد لدرجةٍ يتعذر معها التفكير تفكيراً سليمًا وسط تلك الفوضى ... وسوف تساعدنا تلك السياسة كذلك على بث الفرقة بين جميع الأحزاب وعلى حل الجماعات القوية وعلى تثبيط عزيمة كل عمل فردي يمكن أن يعرقل مشروعاتنا). وجاء في البروتوكول الثامن: (لا يتيسر إسناد المناصب الرئيسية في الحكومة إلى إخواننا اليهود. لذلك فإِننا سنسند المناصب المهمة إلى أناس من ذوي السمعة السيئة حتى تنشأ بينهم وبين الشعب هوة سحيقة، أو إلى أناس يمكن محاكمتهم والزج بهم في السجون إذا ما حالوا دون تنفيذ أوامرنا. والغرض من هذا هو إرغامهم على الدفاع عن مصالحنا حتى النفس الأخير). وجاء في البروتوكول التاسع: (ولكي نحطم التنظيمات التي أقامها غير اليهود عاجلاً، فإِننا قد دعمناها بخبرتنا وأمسكنا بأطراف أجهزتها، فقد كانت الأجهزة تسير في الماضي بنظام صارم ولكن عادل، فأحللنا محله نظاماً متحرراً
следующие страницы →