← Общие книги

Общие книги · id 121375

حصوننا مهددة من داخلها

محمد محمد حسين

Полный текст (228 стр.). Показаны 211–228 · переход к 216.

стр. 211

- ٥ - حول بحث جامعي في قراءات القرآن هاك نموذجاً للدراسات الإِسلامية كما أراد لها طه حسين أن تكون حين اقترح في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) إنشاء معهد للدراسات الإِسلامية بكلية الآداب. وذلك هو البحث الذي تقدمت به إحدى المتخرجات في قسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية للحصول على درجة الماجستير سنة ١٣٨٥ (١٩٦٥ م)، وموضوعه (دراسة في أصوات المد في التجويد القرآني). وهو بحث يقوم على مجازفات تجمع بين الانحراف والجهل، يريد أن يشكك في سلامة النص القرآني. تقدمت السيدة تغريد عنبر بهذا البحث الذي أعدته تحت إشراف الدكتور حسن عون الأستاذ في قسم اللغة العربية بالكلية، وكتب الأستاذ المشرف تقريراً يؤكد فيه سلامة البحث وصلاحيته للمناقشة، وناقشته لجنة مكونة منه ومن الشيخ أمين الخولي الأستاذ في كلية الآداب بجامعة القاهرة والدكتور إبراهيم أنيس الأستاذ في دار العلوم، وكلاهما عضو في مجمع اللغة العربية (١). وأعلن عن موعد المناقشة، وشهدها جمع كبير

стр. 212

لم أكن بينهم، ولكني عرفت من بعض الحاضرين أن الشيخ أمين الخولي بدأ مناقشته برد الطالبة عن الكتابة في الموضوع أصلاً لأنها تجهل أوَّلياته، وندد بما تضمنه بحثها من أحكام تستخف بعقائد المسلمين ومقدَّساتهم. ثم كانت المفاجأة في ما انتهت إليه اللجنة آخر الأمر وأعلنته على الناس حين قررت منح الطالبة درجة الماجستير بمرتبة جيد جداً. واشترطت اللجنة في قرارها هذا أن لا يطبع البحث إلا بعد تعديل بعض أجزائه. واستناداً إلى هذا الشرط تقدم أحد أساتذة الكلية ممن شهد المناقشة بطلبٍ إلى مجلس الكلية يدعوه إلى التمهل في الموافقة على قرار اللجنة حتى يراجع البحث ويعرف ما فيه من وجوه الخلل التي نصَّت اللجنة على وجوب تعديلها وإصلاحها قبل نشره مطبوعاً على الناس. ودعاني ذلك الزميل لأن أنظر في البحث لأرى فيه رأيي. وقرأت البحث فهالني ما فيه. وتقدمت بمذكرة إلى مدير الجامعة وإلى عميد الكلية أطلب التوقف عن منح الدرجة، واستجابت الجامعة للطلب فتوقفت عن توثيق قرار لجنة المناقشة. وعند ذلك ظهر أعوان الشر ودعاة الهدم يشنِّعون بي ويهاجمونني ويغرون الدولة بي في السِّر والعَلَن، بين مهاجمات صحفية ظاهرة ورسائل إلى الجهات المسؤولة مجهولة الكاتب، يتهمونني عندها بالرجعية وبعداوة الثورية والتقدمية وبما شئت من أمثال هذه التهم التي لا يمكن تمثُّل حقيقتها أو تحديدُ حدودها أو إدراكُ ماهيّاتها. وتبين أن وراء هذه القضية أعواناً وأنصاراً لم يَدُرْ في الحسبان أن يقفوا وراء قضية خاسرة مثلها. فيهم من يرأس جماعة إسلامية كبرى، وفيهم من هو على رأس هيئة إسلامية ضخمة، وفيهم من يشغل مناصب رفيعة. واستكتب الدكتور حسين سعيد (وزير التعليم العالي وقتذاك، ومحافظ الرُّويْتَري في المنطقة، والأستاذ السابق بكلية العلوم) الأستاذ عبد السلام هارون الأستاذ بكلية دار العلوم تقريراً يدافع فيه عن البحث دفاعاً حاراً أعير على أثره إلى كلية الآداب بجامعة الكويت عند إنشائها رئيساً لقسم اللغة العربية فيها. وخاضت صحف كثيرة في القضية، تندب حرية البحث، وتتباكى على كرامة العلم والعلماء. وتزعمت السيدة

стр. 213

أمينة السعيد هذه الحملة، فنشرف في صحيفة (المصور) سلسلة من المقالات في ست حلقات متتالية، بدأت بالعدد ٢١٧٢ الصادر في ٧ صفر ١٣٨٦ (٢٧ - ٥ - ١٩٦٦ م) تحت عنوان "كرامة العلم والعلماء تضيع في جامعة الإِسكندرية"، واستمرت على التوالي تحت عنوان (حول كرامة البحث العلمي) و (حول كرامة العلم والعلماء الضائعة في جامعة الاسكندرية) حتى انتهت في العدد ٢١٧٧ الصادر في ١٢ ربجع الأول ١٣٨٦ (١ - ٧ - ١٩٦٦ م). وحشدت الكاتبة في هذه السلسلة فتاوى من استكتبتهم من أساتذة الجامعات وعلماء الدين. وأنا أسرد للتاريخ أسماء الذين اشتركوا في الدفاع عن هذا البحث منهم، وأترك للقارىء أن يحكم عليهم بعد أن يقرأ نماذج مما جاء في البحث، في نص المذكرتين اللتين كتبتهما في الموضوع. وأنا أورد أسماءهم حسب ترتيب ظهورها في هذه الحملة الصحفية: الدكتور عبد الصبور شاهين المدرس بدار العلوم - الشيخ عبد اللطيف دراز وكيل الأزهر السابق - الدكتور مصطفى زيد الأستاذ بدار العلوم - الأستاذ عبد السلام هارون الأستاذ بدار العلوم - الدكتور مُحَمَّدْ طه الحاجري الأستاذ بآداب الاسكندرية - الدكتور محمود حافظ الأستاذ بحقوق القاهرة - الشيخ عبد الحميد السايح رئيس محكمة الاستئناف الشرعية بالأردن (١) - الشيخ علي الخفيف الأستاذ السابق بحقوق القاهرة - الشيخ فرج السنهوري الأستاذ السابق بحقوق القاهرة ورئيس لجنة تعديل قوانين الأحوال الشخصية ووزير الأوقاف السابق - الدكتور محمود محمود مصطفى الأستاذ بحقوق القاهرة - الدكتور عبد العزيز الأهواني الأستاذ بآداب القاهرة - الدكتور عبد القادر القط الأستاذ بآداب عين شمس - الأستاذ عبد الحميد الدواخلي الأستاذ بآداب القاهرة. بعض هؤلاء من المتأثرين بالتحررية الغربية (اللِّبرالية) في الدفاع عن

стр. 214

حرية الرأي. وبعضهم من طالبي الظهور الذين يحبون أن يروا أسماءهم وصورهم في الصحف. وبعضهم ممن تورطوا فيما لا عِلْمَ لهم به. وبعضهم ممن صُوّر له الأمر على أنه توريط لصاحبة البحث في تهمة الإِلحاد بقصد إيذائها، مع أن هذه التهمة لا تؤذي أحداً في أيامنا هذه لسوء الحظ. وبعضهم ممن تربطه صلة بصاحبة البحث أو بالمشرف عليه أو بعضوي لجنة المناقشة الآخرين. وأيًّا ما كان الأمر فقد دعتني الظروف التي أحاطت بهذا الموضوع وقتذاك إلى أن أكتفي بالمذكرة التي تقدمت بها إلى الجامعة، والتي ضمَّنتها نصوصاً من البحث تثبت انحرافه وفساده. ثم أردفتُ هذه المذكرة بمذكرة أخرى تقدمت بها إلى الجامعة أيضاً، ورددت فيها على بعض ما جاء في آراء من استكتبتهم صحيفة (المصور) في حملتها، ومن حاولوا التهوين من خطورة ما جاء في بحث الطالبة المرفوض. وفيما يلي نص المذكرتين: المذكرة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقدمت الطالبة تغريد السيد عنبر إلى كلية الآداب بجامعة الإِسكندرية ببحث موضوعه: "دراسة في أصوات المدّ في التجويد القرآني" للحصول على درجة الماجستير من قسم اللغة العربية. وقد نوقش البحث في ٧ - ١٠ - ١٩٦٥ واقترحت اللجنة التي ناقشته أن يمنح درجة الماجستير. ولكن مجلس الكلية والجامعة لم يوافقا بعد على هذا الاقتراح. والبحث المذكور يقوم عليه اعتراضان أساسيان يمنعان من إقراره أو إجازته: أولهما: هو أن قسم اللغة العربية ليس مختصاً بإِعداد بحوث تتصل بالقرآن جملة، وبالتجويد القرآني على وجه أخص, لأن تلاميذ القسم وأساتذته على السواء غير مزودين بالأدوات التي تسمح بتوجيه البحث أو تناوله على هذا

стр. 215

المستوى العالي. فالطالب يفقد أدني شروط اللياقة، وهي الإلمام بالقرآن وتصوره، فضلاً عن حفظه، وتصحيح تلاوته في القراءة المتداولة المروية عن (حفص)، فضلاً عن معرفة الوجوه المختلفة لقراءته. وذلك كله إلى فقدان ما ينبغي توافره من أدوات البحث الأساسية، كالعلم بالحديث والسنن وأخبار الصدر الأول من وجوهها المختلفة، والتمييز بين صحيحها وضعيفها وفاسدها، سنداً ومَتْناً، والإِحاطة التامة بذلك، إحاطة تعصم صاحبها من الوقوع تحت تأثير السخيف الضعيف من الروايات, لأنه لا يعرف ما ورد في نقضه من روايات أخرى. ووجود هذه المواد القرآنية في برامج الدراسة بالكلية لا يبرر السماح بإِعداد الدراسات العليا فيها. فهي موجودة بوصفها مادة مساعدة على كمال تصور الدراسات الأدبية واللغوية. لا على أنها مادة تخصص. شأنها في ذلك شأن مادتي التاريخ الإِسلامي والفلسفة الإِسلامية، يدرسهما الطالب في قسم اللغة العربية، ولكن هذه الدراسة لا تبيح له أن يتقدم فيهما بدراسات عليا. والاعتراض الثاني - وهو نتيجة للاعتراض الأول ومترتب عليه - هو أن الطالبة قد وقعت في أخطاء فادحة نتيجة للجهل ونتيجة للتعرض لما لا تعرفه، وهي أخطاء تمس العقيدة، بل تهدم الأساس الأصيل الذي يقوم عليه الإِسلام، وتؤذي إيمان المؤمنين في أعز ما يعتزّون به وهو القرآن. وذلك بما زعمته الطالبة وأكدته في أكثر من موضع من أن القرآن الذي يتعبد به المسلمون ليس منزّلاً من عند الله، أو هو منزّل من عند الله بمعناه لا بلفظه، وهو ما لم يجرؤ أحد من المسلمين على القول به، بل ما لم يجرؤ الملاحدة على الجهر به في وطن إسلامي. زعمت الطالبة أن رسول الله ﷺ كان يغيِّر ويبدّل في النص القرآني. فجاء في ص ٨ س ٨، بعد كلام عن استخدام الرسول ﵊ للهجات العرب المختلفة في أحاديثه العامة: (ولما كان الرسول يفعل ذلك في أحاديثه العامة معهم، فمن الأولى أن يفعله في الأمر الأهم الذي أتوه من أجله. من الطبيعي أن يستبدل في النص

стр. 216

القرآني لفظة بأخرى يعلم أنها أكثر شيوعاً في تلك البيئة. أو يرى أنها تحمل شحنات من المعاني تفهم الفكرة أكثر، أوأن يفير في نظام الجملة ليجعلها أكثر وضوحاً، أو ليكسبها بلاغة أكثر في نظر القوم الذين يقرأ أمامهم). بل لقد زعمت الطالبة أن النص القرآني لم يتعرّض للتغيير والتبديل على يد رسول الله ﷺ وحده، بل تعرض لهذا التغيير والتبديل على أيدي المسلمين الأولين من الصحابة, لأن القرآن في زعمها ليس منزّلًا من عند الله بلفظه، ولكنه منزّل بمعناه. فجاء في صفحة ١٠ سطر ٤: (ويبدو لي الأمر على النحو التالي: حين نزل القرآن في أول عهده، كان الهدف الأول للمسلمين نشر الدعوة الإِسلامية. وطبيعي أن يتركز الاهتمام على الفكرة وأن ينشغل بها الجميع. فكان الرسول يقرأ النص ويغير فيه حسب الظروف، ويسمح لمن يقرأ عليه بقدر من المخالفة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأداء). وأكدت الطالبة هذا الزعم الفاسد في مواضع أخرى من بحثها حين قالت (ص ١١ س ٧): (على أن الرسول ﵇ كان يبيح الاختلاف ولا يعمد إلى التخطىء. كان يتسامح ﵇ في النص بعض الشيء. وطبيعي أن يكون التسامح أيضاً في الجانب الأدائي إن لم يكن على نطاق أوسع). وقالت (ص ١١ س ١١): (كان كل ما يهم الرسول ﵇ هو المحافظة على الفكرة. هذا بالاضافة إلى أن الرسول ﵇ لم يضع في اعتباره فكرة التخطىء لمجرد اختلاف لفظين يؤديان معنى واحداً). وقالت (ص ١١ س ١٦): (ولكن الرسول ﵇ كان حريصاً على الاعتدال وإباحة الاختلاف، ما دامت الفكرة لم تتغير، والعبارة لم تخرج عن حدود العربية السليمة).

стр. 217

وواضح من الكلمة الأخيرة في هذه العبارة أن كل ما اشترطته الطالبة في العبارة القرآنية هو مجرد السلامة. والسلامة أدق مرتبةً من البلاغة. والبلاغة أدق مرتبةً من الاعجاز والقرآن قد وصف نفسه بأنه معجز في أكثر من موضع. فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣] وتكرر هذا المعنى نفسه في سورة يونس (١٠ - ٣٨) وفي سورة هود (١١ - ١٣) وفي سورة الطور (٣٢ - ٣٤). بل زاد على ذلك فجعله معجزاً للإِنس والجن. فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] وتصر الطالبة على ما زعمته من النزول بالعبارة القرآنية إلى مرتبة السلامة والصحة وحسب، حين تقول بعد ذلك (ص ١٢ س ٢): (وكان الرسول ﵇ إذ يفعل ذلك مطمئناً على النص القرآني، لأنه باللغة العربية بين أصحاب تلك اللغة. فالخلافات بينهم لن تكون خلافاً بين خطأ وصواب. ولكنها كلها خلافات في داخل إطار الصواب، يسبِّب وجودَها العواملُ التي لا بد منها، من لَهْجية وشخصية واجتماعية). وزعمت الطالبة أن المسلمين لم يتفقوا على نص موحَّد للقرآن. وكل ما وصلوا إليه في زعمها هو شيء يشبه النص الموحد. فكانوا حين يرددون القرآن يحرصون - حسب تعبيرها -. (على الاتفاق على ما يشبه النص الموحّد. وقَبِل منهم الرسول ﵇ ذلك, لأنه كان مطمئناً إلى أن التحريف لن يدخل القرآن. فلغته هي

стр. 218

العربية بين قوم يتكلمون بها. وفي الغالب لم يكن الفرد من الصحابة ليغير النص في كل مرة يقرأ بها - ص ١٣ س ١٤). وتعود الطالبة إلى تأكيد تلك المزاعم الفاسدة فتقول (ص ٣٧ س ٧): (وعرض الأمر على هذا النحو يساعد على هدم فكرة التوقيف في قراءة القرآن، تلك الفكرة التي لا يقرّها الدرس اللغوي أو الواقع التاريخي). ثم قالت بعد استطراد أكدت فيه أن اختلاف الأداء وقع من الرسول نفسه ﵊، ثم من أصحابه عليهم رضوان الله، ثم من المسلمين عند تدوين المصحف على عهد سيدنا عثمان (ص ٣٧ - س ١٦): (وهكذا تتضافر العوامل المختلفة على رفض فكرة التوقيف. كلُّ ما يمكن أن يقال إن قراءة القرآن اتفقت أصولها مع أصول الأداء العربي. ثم بعد ذلك تلونت بلون الظروف المختلفة) (هذه القراءات التي بين أيدينا يصعب جداً الادعاء بأنها كانت القراءات الملتزمة على عهد الرسول ﵇، بسبب تدخل عوامل التطور واللهجات، ثم عامل الاختيار، التي جعلت القارئ ينتخب قراءة من عدة قراءات تعلمها). * * * ومن الواضح أن نفي فكرة التوقيف هو نفي لتواتر القرآن، ونفي أن يكون النص القرآني الذي يتعبد به المسلمون ويحيطونه بكل أسباب الرعاية ويحرصون على صورته الكتابية إلى حد الاحتفاظ بالرسم العثماني الأول، مع مخالفته في بعض الأحيان لقواعد الإِملاء العصرية، هذا النص القرآني الذي كان الحفاظ عليه هو سبب تمسك المسلمين من غير العرب بالحروف العربية في باكستان وفي أفغانستان وفي إيران حتى الآن، وفي بلاد التركمان إلى ما قبل الانقلاب البلشفي، وفي تركيا إلى ما قبل الانقلاب الكمالي، وفي أندونيسيا إلى سنوات قليلة مضت، هذا النص بكل ما حَفَّه من أسباب العناية ليس هو النصَّ الذي أنزل على رسول الله ﷺ ، والذي وعد الله بحفظه حين قال - جلّ من قال - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]

стр. 219

ذلك إلى أن التعديل الذي طرأ على النص القرآني - كما زعمته الطالبة - بوضع كلمة مكان كلمة أو بالتقديم والتأخير هو تعديل في الصياغة. والتعديل في الصياغة تعديل في المعنى وفي المضمون، يترتب عليه تعديل في التشريع وتعديل في العقيدة نفسها. وهو في الوقت نفسه تعديل في الصفة البلاغية للكلام. لأن البلاغة تقوم في المكان الأول على اختيار الكلمات وعلى ترتيبها، وهو ما يسميه أهل ذلك الفن بالنَّظْم أو الأسلوب. بحيث يمكن أن تنتفي صفة البلاغة عن الكلام البليغ إذا حدث تغيير وتبديل في كلماته أو في ترتيب هذه الكلمات. والقرآن هو مصدر العقيدة ومصدر التشريع الأول في الإِسلام. ومدار ذلك كله على النص. وهو معجز لا شك بإِجماع علماء المسلمين. وهو بقراءاته جميعاً منزَّل بلفظه من عند الله. ومن فضول القول والإِسراف في تبديد الوقت والجهد أن نتكلم في ذلك أو نقيم الحجة عليه. فإِجماع المسلمين منعقد على أن القرآن يُعتَمد فيه على السماع والنقل المتواتر عن رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ في كل كلمة من كلماته. هذا شيء ثابت ثبوتاً قطعياً، عقيدةً، وتاريخاً، وعقلاً. والنصوص فيه والأدلة متواترة متراكمة من كل وجه من هذه الوجوه. وشهادة القرآن بذلك صريحة. وتكفىِ فيها مراجعة الآيات ١٦/ ١٠٢، ١٨/ ٢٧، ٢٦/ ١٩٢، ٢٧/ ٦، ٥٦/ ٧٧، ٧٥/ ١٨، ٨٠/ ١٢، ٨٥/ ١٢ من سور: النحل، الكهف، الشعراء، النمل، الواقعة، القيامة، عبس، البروج. ومع ذلك كله فالبحث يقوم على المجازفة المنافية للمنهج العلمي، وهي مجازفة لا تحُمَل إلا على الجهل أو سوء القصد. فالقضايا العلمية لا تقوم على برد التوهم والتخيل، ولا سيما إذا كانت تتصل بدين الدولة وبمقدَّسات الأمة، كما جاء في (ص ٣٦) حين عرضت الطالبة لجمع (أبي بكر بن مجاهد) للقراءات السبع فقالت: (ويبدو لي، كفروض عقلية، ساعد على استنتاجها التعرف عام ملابسات الجو وتفحص عمل ابن مجاهد ..) والاستنتاج العلمي لا يقوم، حين يعجز الطالب عن فهم النصوص والتمييز ما بين كلمة وكلمة. فالطالبة تروي عن خالويه أنه قال: (وقرأ أعرابي: "شرًّا يَرَهْ، وخيراً يَرَه" قدَّم وللدين وللدين تهمةً تهمةً

стр. 220

وأخَّر .. وقرأ آخر "لأجلسنّ لهم" بدلاً من "لأقعدَنّ لهم". وتروي عن سيبويه أنه قال: ربما قرأ الجفاة من الأعراب في سورة الإِخلاص "ولم يكن أحدٌ كفؤا". وكذلك "ما هذا بشرٌ" بدلاً من "ما هذا بشراً" في سورة يوسف. ثم تعتبر هذه الأخطاء قراءات قرآنية يرجع السبب فيها إلى (إحساس أولئك الأعراب بأن اللغة لغتهم، وبأن هذا النص جاء بتلك اللغة التي يتكلمونها. فعاملوه كأي نص لغوي آخر يسمحون لأنفسهم فيه ببعض التصرف ما دام المعنى لن يتغير والبناء لن يفسد - ص ١٨). وفساد هذا الاستنتاج مبنيٌّ على فساد فهم النصوص. فالقراءات المروية مجهَّلة غير منسوبة لقائل، وهو ما يسمى في مصطلح الحديث بالتدليس. فهي مروية عن (أعرابي) أو عن (آخر) أو عن (الجفاة من الأعراب). والرواية الأخيرة مضعفة بقول الراوي (وربما). هذا إلى أن نسبة هذه الروايات للأعراب يدل على أن المقصود هو تصوير جهلهم وجفائهم. وقد كان الأعراب في كتب الأدب والفقه على السواء رمزاً لجفاء الطبع والإِغراق في الجهل. كالذي يحدث الآن حين نروي بعض النوادر والطرائف وننسبها لأهل الريف أو الصعيد. والأعراب موصوفون بذلك في كتاب الله : ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٧] ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] * * * وبعد، فهذه نماذج مما جاء في بحث الطالبة. وهي مؤذية ومفسدة للعلم وللدين، وللجامعة وللمجتمع. والبحث مطبوع على آلة (الجستتنر). وهو بذلك يعتبر منشوراً ومتداولًا. وقد توافرت فيه شروط العلنية ولم يعد محصوراً بين جدران الجامعة بعد مناقشته مناقشة علنية. ولا بد للجامعة من أن

стр. 221

تبرىء نفسها منه ومن تبعاته. ولا بد لها من أن تدفع عن نفسها عند الذين شهدوا مناقشته أو قرأوه تهمةً لا يصح أن تعلق بها، وهي الاستخفاف بالدين وإذاعة ما يزعزع يقين الناس به، ومكافأة الذين يفعلون ذلك بمنحهم درجاتها العلمية. إن الجامعة يجب أن ترتفع عند الناس عن مظانّ الشبهة، بتيسير السبل لمثل هذه الآراء الهدامة أو إباحة ساحتها ومنبرها لإِذاعتها، أو استخدام درجاتها العلمية في الدعاية لها. ولا سبيل إلى ذلك إلا بردّ البحث واعتباره كأن لم يكن، أو بإِحالته على الأقل إلى لجنة من المتخصصين في جامعة الأزهر التي هي وحدها جهة الاختصاص. إن القضية ليست قضية (حرية البحث) كما يزعمه الذين يحتمون بهذا الاسم. فحرية البحث مكفولة في الحدود التي لا يتعرض معها المجتمع للخطر بإِثارة الفتن والتشكيك في الدين ومصادره، وفي الحدود التي لا تتحول عندها إلى عدوان على حقوق المؤمنين وإيذاء لمشاعرهم وضمائرهم. ولكن القضية في حقيقتها هي قضية عدم اختصاص وانتهاك لحرمات الجامعة التي يراد لها أن تسمح لغير متخصص بالبحث في موضوع لا يعرفه، وأن تمنح درجات جامعية ليس من شأنها أن تمنحها، وأن تُيسِّر الأسباب وتسهل السبل لمن يوجه باسم البحث العلمي إهانات لجماعة المسلمين تمسهم في أعز ما يعتزون به، وهي إهانات لا تستند إلى منطق أو علم، ولكنها تقوم على الجهل والمجازفة. ٢٠ من رجب ١٣٨٥. (١٤ - ١١ - ١٩٦٥ م). المذكرة الثانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السيد الأستاذ الجليل مدير جامعة الاسكندرية. نشرف صحيفة (المصور) في أعدادها الأربعة الأخيرة (العدد ٢١٧٢، ٢١٧٣، ٢١٧٤, ٢١٧٥) كلاماً كثيراً في الدفاع عن الطالبة تغريد السيد عنبر وعن بحثها (دراسة في أصوات المد في التجويد القرآني) الذي رفض مجلس الكلية إجازته.

стр. 222

ولا يعنيني هنا أن أردّ على كل ما جاء في هذه السلسلة، فأكثره سباب أو دعاية أو تهويل. ولكني أكتفي هنا ببيان خطورة ما ذهبت إليه الطالبة من نفي التوقيف في النص القرآني وفي الأداء القرآني، وهو ما حاولت بعضُ الآراء المنشورة أن تهوّن من شأنه. ما هو التوقيف أولاً؟ ... التوقيف هو الاعتماد على الاتصال الشخصي وعلى السماع في حفظ القرآن وتجويده، ذلك بسماع الطالب من شيخه، ثم حفظه اعتماداً على هذا السماع وترديده على الشيخ، ثم إقرار الشيخ لما حفظه وإجازته بقراءته. فالطالب يسمع من شيخه أولاً، فإِذا حفظ سمع الشيخ منه، وذلك كله اعتماداً على المصاحف المدوَّنة، التي ظك حتى الآن بالرسم العثماني الذي كُتبت به في خلافة سيدنا عثمان بن عفان ﵁. وهو رسم يختلف في صورته الكتابية أحياناً عن القواعد العصرية للإِملاء، ولكن المسلمين تمسكوا به سدَّاً للذرائع، وقطعاً لكل سبيل يمكن أن يتسلل منها مفسد يشكك في سلامة النص القرآني من كل تحريف. وقد كان هذا التوقيف هو نفسه الوسيلة لانتقال النص القرآني بوحي من الله إلى نبيه ﷺ ، فكان سيدنا جبريل ﵇ يقرأ القرآن على سيدنا رسول الله ﷺ ، فيحفظه الرسول بأمر الله ووعده له في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩) ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ (الأعلى: ٦ - ٧) فإِذا كان شهرُ رمضان منٍ كل عام عرض رسول الله ﷺ على جبريل ﵇ ما أُنزل عليه من القرآن. فلما كان شهر رمضان من عام

стр. 223

وفاته ﷺ عَرَض القرآنَ كلَّه على جبريل مرتين. ومن المعروف أن قراءة القرآن وتجويدَه لا تزال تعتمد حتى الآن على التوقيف، الذي هو نقل التلميذ عن أستاذه، وإقرارُ الأستاذ قراءة تلميذه وإجازته بها. تقول الطالبة في السطر الأول من خاتمة البحث (ص ٢٨٨): "أول نتيجة توصل إليها البحث هي رفض فكرة التوقيف في قراءة القرآن" فإِذا أضفنا إلى ذلك ما جاء في الفصلين الأول والثاني من نصوص أوردتُ نماذج منها في المذكرة المقدمة إلى سيادتكم وإلى السيد الأستاذ عميد الكلية في ١٤/ ١١/ ١٩٦٥، تبين بوضوح أن القول برفض التوقيف شائع في البحث كله من أوله إلى آخره, لأن الفصلين الأول والثاني يمهدان للبحث، والخاتمة تلخص نتائجه. والطالبة تعتبر هذه النتيجة أول النتائج وأهمها، ومعنى ذلك بداهةً أن فصول البحث تدور حول تأكيد هذه النتيجة، وتُساق للوصول إليها وإثباتها. فما هي النتائج التي تترتب على هذا الزعم، الذي وصفه الشيخ علي الخفيف في العدد ٢١٧٥ من (المصور) بقوله: "ولا شك أن هذه شبهة لا يؤيدها دليل، وهي فيها مخطئة قطعاً. لكن ذلك لا يترتب عليه اتهامُها بأي زيغ، ولا يستتبع إلا نسبة الخطأ إليها، وتهاونها في الحكم بلا سند، بناءً على مجرد ظن واستنتاج شخصي". والذي وصفه الشيخ فرج السنهوري في العدد نفسه بقوله: (ما سبق أن كُتِبَ ومِحُيَ ليس من شأنه لو بقي أن يمس عقيدة الكاتبة، فإِنه لم يكتب إلا عن خطأ وعدم فهم لحقيقة ما كتب فيه." عقيدة الطالبة لا تعنينا، والله وحدَه، هو الذي يعلم حقيقتها ويحاسبها عليها. ولكن الذي يعنينا هو ما يفهم الناس مما كتبته، والنتائج التي تترتب على ما جازفت بادعائه من القول (برفض فكرة التوقيف في قراءة القرآن). معنى هذا القول هو أن حفظ القرآن وأداءه قد اعتمد على القراءة في المصاحف - في بعض الفترات على الأقل - لا على التلقين، تلميذاً عن

стр. 224

أستاذ، قراءةً من المصاحف. وهذا الادعاء الفاسد يفتح باباً واسعاً للكلام في سلامة النص القرآني. لأنه يعني أن رواية هذا النص قد اعتمدت أحياناً على المكتوب وحده دون المسموع. فإِذا اتفق مثلاً أن دُسَّ على المسلمين مصحفٌ محرَّف في فترة من فترات الاضطراب والفتنة، أو في إحدى الأطراف النائية من بلاد المسلمين، كالذي حدث في هذه الأيام حين نشرت إسرائيل مصحفاً مُحرفاً بين المسلمين في بعض البلاد الإِفريقية، فمن الجائز - إذا لم يكن حفظ القرآن معتمداً على السماع والقراءة معاً - أن تنتشر هذه القراءة المحرفة بين المسلمين. ومعنى هذا أن رواية النص القرآني كانت تعتمد على ما يسميه علماء مصطلح الحديث (بالوِجَادَة)، أي الإعتماد على المكتوب دون الرواية, بأن يروي الراوي نقلاً عما وجده في كُتب مَنْ ينقل عنه. و (الوِجَادة) عند علماء مصطلح الحديث من أضعف مراتب التَحمُّل. وهي عندهم غيُر معدودة في باب الرواية, لا يحق للراوي أن يروي بها عن أصحابها، بل يقول (وجدتُ بخط فلان). ومعنى هذا أنه لا يحق للذي يعتمد على قراءة الصحف دون توقيف أن يروي القرآن عن رسول الله ﷺ ، ولا يحق له إلا أن يقول (وجَدتُ في المصحف بخط فلان). إن الاعتذار عن هذا الخطأ الجسيم الخطير بجهل قضية التوقيف وعدم فهمها ... كما جاء في العدد ٢١٧٢ من صحيفة (المصوَّر) - يبرر عدم إجازة البحث ولا يبرر إجازته, لأنه يدل على أن الطالبة لم تعرف الموضوعات الأساسية المتصلة بموضوعها. وقد قررت أن أهم ما توصل إليه بحثها من نتائج هو رفض فكرة التوقيف. وإذا جاز أن تمنح الجامعة درجاتها مع فساد العقيدة، فمما لا شك فيه أنه لا يجوز أن تمنحها مع الجهل. أما أن الأخطاء قد جاءت على هامش البحث في المقدمة والخاتمة، كما جاء في هذا العدد نفسه من صحيفة (المصوَّر) فغيرُ صحيح. فالتوقيف مسئلة أساسية في الأداء القرآني الذي هو موضوع البحث, لأنه يتعلق بتواتر هذا الأداء واتصاله برسول الله ﷺ أو بعدم اتصاله. والذي انتهت إليه الطالبة هو أنه غير متواتر، وغير متصل برسول الله ﷺ .

стр. 225

أما أن الطالبة قد أساءت فهم التوقيف بحسن نية، ففي الرسالة نصوص كثيرة تثبت أنها فهمت التوقيف فهمًا صحيحاً، وأنها مصرة على أن النص القرآني والأداء القرآني كليهما غيرُ متصلين برسول الله ﷺ . وفي النصوص التي قدمتُها في مذكرتي السابقة ما يكفي. بل إن الطالبة لتذهب إلى نهاية المدى في مخالفة ما أجمع عليه علماء المسلمين في شأن الأداء القرآني، فتجازف برفضه دون دليل، في عبارة ملؤها الاستخفاف، حين تقول: (وسواءٌ اعترف العلماء أو لم يعترفوا بتأثر الأداء القرآني بالعامل الفني وغيره من العوامل الشخصية التي تؤثر في أي منطوق، فإِن الدرس اللغوي يأبى غير هذه الحقيقة - ص ٢٧٤). ومن العجيب أن يقول الشيخ علي الخفيف بعد هذا كله، في صنيع الطالبة: (فليس من الإِنصاف إلا أن يُرى أنها قد بحثت فأخطأت البحث، واجتهدت فأخطأت الاجتهاد - العدد ٢١٧٥ من المصوّر). وإذا سلمنا جَدَلاً أن نفي التوقيف - في قراءة القرآن مما يصح الاجتهاد فيه، فهل يصح الاجتهاد فيه ممن يجهل معنى التوقيف، فضلاً عن غيره من الأوليات التي ينبغي توافرها لراوي العلوم الإِسلامية، لا المجتهد فيها؟! وليت الأشرطة التي حفظت ما قيل في المناقشة قد بقيت لنسمع منها ما جاء في كلام أحد أعضاء اللجنة (*)، من الدفع بردها عن النظر في الموضوع وعدم سماع أقوالها فيه لجهلها به. ولكن هذه الأشرطة قد أُفسدت ومُحي ما عليها من تسجيل، في ظروف مُريبة، يشهد بها محضر اللجنة التي تولت فتح معمل الصوتيات للحصول على هذه الأشرطة وسماعها. ويمكن طلب هذا المحضر والاطلاعُ عليه. * * *

стр. 226

وبعد أن وَضَحَتْ خطورة القول بنفي التوقيف، يصبح الكلامُ فيما عدا ذلك لغواً. فلا محل للكلام في التقاليد الجامعية, لأن الحرص على الدين أوْلىَ أن يُراعى ويحُافظ عليه، ما دامت الدولة تعتبره مقوماً من مقوماتها، وما دامت الدولة تحرص على أن لا تمكِّن للذين ينشرون الإِلحاد. على أن الذين تكلموا في هذه الناحية جعلوا لمجلس الكلية حق الرقابة العامة. ومخالفةُ البحث لنظم الدّولة العامة يدخل في هذه الرقابة العامة بغير شك. ومناقضة ما دار في المناقشة العلنية لنتيجتها يدخل في هذه الرقابة كذلك. ويكفي في هذه المناقضة أن يُعلن عضو اللجنة، الذي تولى من بعد إصلاح الرسالة، ردَّ الطالبة عن النظر في الموضوع لجلهلها به، ثم يشترك بعد ذلك في الإِجماع الذي تقرر فيه منحها درجة الماجستير بمرتبة "جيد جداً". ولا محل للنقل عن فلان وفلان من القدماء أو المحدثين. فالكتب - قديمها وحديثها - مملوءة بنقول فاسدة، يشير القدماء إلى فسادها حيناً، ويعتمدون على معرفة القارئ بوجوه نقلها وطرق روايتها حيناً آخر. ومن المعروف أن أعداء الدين والمفسدين فيه يعتمدون فيما يذيعونه من شبهاتهم على هذه النصوص، يأخذون منها ما يؤيد دعواهم بعد أن يبتروه من سياقه، ويتجاهلون ما يبطل هذه الدعاوي وينقضها. والاستشهادُ بالنصوص الشرعية والاستنباط منها أمر دقيق ليس بالهين. وهو يخضع لقواعد فقهية وأصولية كثيرة لا محل لبسطها هنا. وللجامعة - إن شاءت - أن تحيل الأمر إلى مشيخة الأزَهر، لتضعه بين أيدي المتخصصين، وليتبين للناس وجهُ الحق في الأمر كله. أما أن يُعتمَد في ذلك على أفرادٍ بأعيانهم، يكفي أن يقال فيهم إن اختيارهم مبني على اعتبار معين، هو الدفاع عن الطالبة، ولا يدري أحد كيف صُوِّر الأمر لهم وقد سمعوه من طرف واحد، فأمر غير جائز, لأن الحيدة تنقصه. فصحيفة (المصور) لم تنشر رأياً واحداً في غير مصلحة الطالبة. وبعض الذين نشرت آراؤهم تربطهم بالمشرف على البحث أو الذين اشتركوا في مناقشته وفي إعداده صلاتٌ تميل بهم إلى محاولة إنقاذهم من ورطتهم، ومدِّ يد

стр. 227

العون لهم في محنتهم. وبعضهم من السذج الذين غُرِّر بهم وصُوِّر لهم الأمر على أنه اتهام بالزيغ والإِلحاد يراد توريط الطالبة فيه، فتكلموا بدائع من العطف عليها، يعترفون بخطئها وجهلها, ولكنهم يهونون من صنيعها ويعتذرون بحسن نيتها .. وبعضهم من المفتونين بالتقاليد الجامعية وبحرية الرأي - كما يفهمها اللبراليون من الغربيين Liberals - لا يرون بعدهما قداسةً لشيء. وهؤلاء لا أقول لهم إلا كلمات: إن الزمن قد تغير، ولم يعد لهذه الكلمات التي ظل الناس حيناً من الدهر يخرِّبون باسمها مكانٌ في مجتمعنا الراهن. فمجتمعنا الراهن مجتمع ملتزم، لا يُسمح فيه للهيئات ولا للأفراد بممارسة الحرية خارج عقائد الدولة. والدولة مسلمة متدينة. وإذا كانت فرنسا - وهي دولة لا دينية من الناحية الرسمية - قد أعدمت شريطاً سينمائياً لشبهة المساس بكرامة الرهبان ورجال الأديرة، فكيف يطلب من إحدى جامعاتنا - ونحن دولة مسلمة متدينة - أن تجيز رسالة تفتح باباً واسعاً للفتنة، وللتشكيك في صحة النص القرآني وسلامته من كل تحريف؟ ويكفي لتصوير فساد الأسس التي يقوم عليها تفكير هؤلاء أن أنقل بعض ما جاء في كلمة الدكتور محمود محمود مصطفى أستاذ القانون الجنائي بحقوق القاهرة والعميد السابق لها (المصوَّر عدد ٢١٧٥). يقول الأستاذ الدكتور محمود مصطفى في ختام كلمته: (وخلاصة الرأي أنه لا شبهة في أن مجلس الكلية لا يستطيع رفض قرار لجنة التحكيم، بحجة أن الرسالة قد تضمنت عبارات غير مناسبة، ولو كانت مخالفة للنظام العام). فلتسمح الدولة إذن في الرسائل الجامعية، باسم حرية البحث العلمي، وباسم المحافظة على التقاليد الجامعية المقدسة، كلاماً لا أول له ولا آخر، في تفضيل النظام الملكي على النظام الجمهوري. وفي بيان سلامة النظام الرأسمالي وفساد النظام الاشتراكي، وفي غير هذا وذاك مما يخالف النظام العام.

стр. 228

ذلك لون من التفكير الفاسد الذي لا ينبغي أن يقام له وزن أو يحسب له حساب. وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام الثلاثاء ٢ ربيع الأول ١٣٨٦ (٢١/ ٦/ ١٩٦٦ م)