ولبها. ومن شاء المزيد من الوضوح فليرجع إلى ما بين أيدي الطلاب من مذكرات ليعرف مبلغ ما يحصِّلونه ونوعَه. أقول إني لا أريد أن يتشعب بي الكلام في هذه الشعبة (القديمة)، وأريد أن أحصر كلامي في الشعبة الأخرى (الحديثة) لأن البلية بها أكبر. فهي تُسقط من حسابها كل العلوم العربية نحوها وصرفها وبلاغتها ونصوصها الفصحى شعراً ونثراً، كأن ذلك كله ليس له وجود وليس له آثار، وليست لنا به حاجة منذ القرن التاسع عشر الذي حصرت الشعبة دراساتها فيه وفيما يليه، كما تشير إليه المذكرة التفسيرية. وأكتفي في هذا الموضع بأن أنبه القارئ إلى ما ذكرته من أمر المناهج التي تريد أن تفصل حاضرنا ومستقبلنا عن ماضينا، لأستأنف إكمال الصورة التي نحن في صددها بنقل ما جاء في المذكرة التفسيرية عن مواد الدراسة في هذه الشعبة بسنتيها:
في السنة الثالثة:
١ - تاريخ النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر.
٢ - الأدب العربي الحديث في مصر والبلاد العربية.
٣ - تاريخ النقد الأدبي الحديث، مع العناية بنواحي الاتصال بينه وبين لنقد الأدبي الأوربي.
٤ - التطور اللغوي العريي في العصر الحديث، مع العناية بمشكلة الفصحى والعامية.
٥ - تيارات الفكر الإِسلامي وحركات التجديد في العصر الحديث (١)
٦ - المذاهب الكبرى في الآداب الغربية وتأثيرها في الفكر العربي.
في السنة الرابعة:
١ - الحياة الثقافية والاجتماعية في البلاد العربية وصلتها بالأدب.
стр. 177
٢ - مدارس الشعر العربي الحديث.
٣ - مدارس القصة.
٤ - فنون الأدب الشعبي.
٥ - اللهجات العربية الحديثة.
٦ - ويقوم الطالب بدراسات لغوية حديثة، مع العناية بالنحو المقارن والأصوات اللغوية.
هذه هي مواد الدراسة في الشعبة (الحديثة)، منقولةً عن المذكرة التفسيرية الملحقة بالجداول حرفاً بحرف (ص ٩٧ من تقويم الكلية السابق ذكره). وهي تخلو خلواً تاماً - كما ترى - من درس واحد في النحو أو الصرف أو البلاغة أو القرآن أو الدراسات الإِسلامية أو الأدب العربي السابق على الحملة الفرنسية. ويترتب على هذه الظاهرة الخطيرة أمران خطيران: أولهما عدم صلاحية التخرج في هذه الشعبة لتدريس اللغة العربية التي يجهل نحوها وصرفها وأدبها وبلاغتها. ليس هذا فحسب، بل إنه سيكون حرباً على العربية ومِعْول هدمٍ يعمل فيها, لأنه إذا سئل عن شيء مما يجهده غطى جهله بالتهكم بالعربية وقواعدها وأساليبها. وسيكون من آثار ذلك أن ينشأ جيل من الناس لا يقيم العربية ولا يتذوقها. فإِذا نعق ناعق من بَعْدُ بأن إعراب أواخر الكلمات لا داعي له، وبأن عربية القرون الأولى لغة ميتة لا وجود لها في الحياة، فسوف يجد هذا الناعق لصوته صدًى في عقول ذلك الجيل من الضحايا الذين ألقاهم سوء حظهم بين أيدي هؤلاء المعلمين.
هذه واحدة، أما الأخرى فهي أن هذه البرامج تهدد الدراسات العربية التي يريد المنهج أن يسميها (كلاسيكية) , لأن بقاءها يصبح مرهوناً بأهواء الشباب، الذي قد تستهويه هذه البدعة، فينصرف عن دراسة لغة القرآن ولغة الآباء والأجداد ولغة العرب الجامعة لشتاتهم إلى هذه الدراسات، التي تحاول أن تربط حاضرنا ومستقبلنا الأدبي بالغرب، في الوقت الذي تقرن فيه تراثنا الأدبي الحيّ العريق بالآداب الساميَّة الميتة. آداب السريانية والعبرية. إذ تجعلها جميعاً في شعبة واحدة هي (شعبة الدراسات العربية والشرقية القديمة).
стр. 178
فإِذا تركنا برامج الشعبة (الحديثة) إلى السنتين التمهيديتين اللتين يشترك
فيهما طلبة الشعبتين، وتزعم البرامج أنها تزوِّد الطالب فيهما بأركان الدراسات
العربية (في مرحلتها الكلاسيكية)، وجدنا أن الدراسات العربية لا تظفر فيهما بأكثر من نصف الوقت المحدد للدراسة، وهو وقت قصير لا يتجاوز مجموعه أربع عشرة ساعة في الأسبوع، نصيب الدراسات العربية منها سبع ساعات أسبوعياً في السنة الأولى وتسع ساعات أسبوعياً في السنة الثانية. مع ملاحظة أن بعض هذه الساعات التي ضممتها في إحصائي إلى الدراسات العربية يمكن إسقاطها من الحساب, لأن مراجعة المذكرة التفسيرية تبين أن ما يدرس فيها ليس من صميم العلوم العربية، بل هو في بعض الأحيان بعيد عنها. فبين ساعات السنة الأولى السبع مثلاً ثلاث ساعات باسم (اللغة العربية) تنص المذكرة التفسيرية على أنها دروس عامة يشترك فيها طلبة قسم اللغة العربية مع طلبة الأقسام الأخرى في دراسةٍ سطحية تلائم غير المتخصصين. وبين ساعات السنة الثانية التسع ثلاث ساعات تحت اسم (دراسات لغوية) وضحت المذكرة التفسيرية ما يدرس فيها بقولها: "ويبدأ هنا كذلك دراسة علم اللغة العام (General Linguistics) في تطوراته الحديثة مع الإِلمام بالمناهج الحديثة في دراسة الظواهر اللغوية - ص ٩٦".
ذلك هو ما تتضمنه دراسة الطالب الذي تمنحه الدولة في نهاية هذه السنوات الأربع شهادة تسمى اليسانس اللغة العربية وآدابها)، تجعل لحاملها الحق في مباشرة تعليم اللغة العربية للناشئة من أشبال العرب. فهل ترى أن هذه الدراسة تُعِدّه للقيام بهذه الوظيفة وحمل هذه الأمانة؟
بقي بعد ذلك أن أعود لما بدأت به حديثي حين قلت إن فكرة هذه الشعبة (الحديثة) قد بدأت في بِرْنستون، فأشير إشارة موجزة إلى مرحلتين سبقتا هذه البرامج تصوران نشأة هذا التوجيه وتطوره. أما المرحلة الأولى فهي تتمثل في الكلمة التي ألقاها مقترح هذه البرامج في مؤتمر الثقافة الإِسلامية المعاصرة الذي انعقد بجامعة بِرْنستون الأمريكية في صيف ١٩٥٣، وقد جاءت في كتاب (الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة) تحت عنوان (القيم الإِسلامية والحياة الأدبية في مصر الحديثة) بين صفحتي ٥٢٧، ٥٤٩ وهي كلمة
стр. 179
لم يتضمنها نقدي لذلك الكتاب الذي نشر في عددي شعبان ورمضان سنة ١٣٧٦ (*).
ذكر مُحَمَّدْ خلف الله في مقاله ذاك حين عرض لذكر الدراسات النقدية في قسم اللغة العربية بالاسكندرية أنها قد "أثارت - فيما أثارته - معضلة لها نواحيها التطبيقية والتعليمية: تلك هي صلة علوم البلاغة العربية بالنقد الأدبي، وهل تلك العلوم دراسات لزمنٍ قد انقضى ويجب أن تخليِّ المكان للنقد الحديث - ص ٥٤٤". ثم عرض في ذلك المقال لما سماه (مشكلات اللغة العربية)، فذكر منها "الصلة بين الفصحى والعامية، وأثر هذا الازدواج في إضعاف المجهود الفكري للأمة. وهل من المصلحة أن تعمَّم العامية بعد صقلها وترقيتها، أو يحدث تقارب بين اللغتين؟ وهل لطريقة الكتابة العربية التي تعبِّر عن مادةِ الكلمة لا صورتها أثر في صعوبة اللغة نفسها على متعلميها؟ وإذا كان، فكيف السبيل إلى إصلاحها؟ - ص ٥٤٦". وقال بعد ذلك في صدد ما سماه مشكلة الخط العربي: "ويبدو من المحتمل أن يقبل الرأي العام اقتراحاً للإِصلاح يقوم على الاحتفاظ بالطريقة العربية في الكتابة مع إضافة أحرف جديدة للحركات القصيرة، تدخل بها الحركات في صلب الكلمة على نظام الكتابة الغربية - ص ٥٤٧". ووصف هذه المعضلة الموهومة بأنها مشكلة عالمية (؟!) , لأن حلها في نظره "يهم العالم كله. ومن الخير أن يتولى بحثها مؤتمر إسلامي عام يشترك فيه الأخصائيون من علماء الغرب - ص ٥٤٧". أما ما سماه (مشكلة العامية والفصحى) فقد وصفها تارة بأنها (ازدواج - ص ٥٤٦) ووصفها تارة أخرى بأنها (ثنائية لغوية - ص ٥٤٩). وزعم أنها ظاهرة لها مضارها في سير الفكر والتعبير - ص ٥٤٩". وكان من مضارها عنده صعوبة الاتصال المباشر بين الغربيين وشعوب العربية (وذلك لَمِا اضطُّر إليه الغربيون من الاقتصار على تعلم الفصحى واستمداد أساليبها من الكتب - ص٥٤٩). ومن عجيب أن يراقب صاحب المقال الغرب في كل مقاله حتى يجعل لهذه المراقبة اعتباراً في لغتنا التي هي أخص خصائصنا. ويحاول الكاتب في ختام مقاله أن يلقي ستاراً على رأيه الذي يبدو واضحاً في هذه المشاكل
стр. 180
المزعومة، فيقول إنه قد اقتنع منذ مدة "أن الوسيلة انوحيدة للبلاد العربية والإِسلامية هي الحرص على اللغة الفصيحة وتعميمها - ص ٥٤٩". ولكن حقيقة أمره لا تلبث أن تتضح حين يتبين للقارىء أن اللغة الفصيحة التي يعنيها هي لغة أخرى معدَّلة متطورة في رسمها وفي مادتها، إذ يدعو إلى "استعمالها في شؤون الحياة والفكر، وإصلاح رسمها بما يسهل الاستعمال، وإغنائها بكثير من عناصر الحياة التي تفيض بها اللغة العامية، وإخضاعها لما لا يضيع خصائصها الجوهرية من أساليب التطور والتجديد - ص ٥٤٩).
فهذا المقال يصور مولد الفكرة في برنستون، وهو المرحلة الأولى في برامج قسم اللغة العربية. أما المرحلة الثانية التي توسطت بين نشأة الفكرة في صيف سنة ١٩٥٣ وبين تنفيذها في البرامج الجديدة بقسم اللغة العربية في العام الدراسي (٥٥ - ٥٦) فهي مسجَّلة في مقال لمحمد خلف الله نشره في (مجلة اتحاد كلية الآداب) عن العام الدراسي (٥٤ - ٥٥)، وهو يصور اختمار الفكرة، وقد جاء هذا المقال تحت عنوان (ثقافة الاسكندرية الحديثة - ص١٢ إلى ١٤)، وفيه يقول بعد أن أشار إلى عناية جامعة؟ الإسكندرية بدراسة الفكر العربي الحديث: "وستشهد السنوات القليلة المقبلة مزيد عناية بهذه الدراسة وتوسعاً في ميادينها، حتى تشمل ظواهر التطور اللغوي والأدبي وتفرع اللهجات في وادي النيل والبلاد العربية. وسيزداد الاهتمام في هذه الدراسة بالجانب التجريبي من بحوث اللغة، فينشأ معمل لتسجيل الأصوات وقياسها - ص ١٤" (١). وقد قسم كاتب المقال الفكر الإِسلامي والعربي في ختام مقاله هذا إلى (فكر عربي وإسلامي كلاسيكي) و (فكر عربي حديث) ودعا إلى "المحاضرة عنه في المعاهد الأوربية والأمريكية التي تعنى الآن بدراسة هذا الفكر وتعرف اتجاهاته"، ولست أدري إن كان قد سأل نفسه حين كتب هذا الكلام، ما هو سبب هذه العناية الجديدة من جانب أمريكا بتعرف اتجاهات الفكر الإِسلامي الحديث ومحاولة توجيهه في اتجاهات معينة؟!
ولأكتف من المقال بهذا القدر، ولأتجاوز عما جاء به من اقتراح إنشاء (معهد لدراسات البحر الأبيض) يصبح "كعبة للطلاب الغربيين الذين يفدون
стр. 181
من أوروبا وأمريكا", لأن لذلك المعهد المقترح قصةً أخرى غيرَ ما نحن فيه. ولأكتف هنا بأن أقول إن كل حديث عن رابطة البحر الأبيض وحضارة البحر الأبيض، وشعوب البحر الأبيض لا يراد به إلا صرف الناس عن رابطة العروبة ورابطة الإِسلام. وعند حكومة تونس الراهنة وحكومة لبنان الغابرة الخبر اليقين.
وبعد، فلست أحب أن أختم مقالي هذا قبل أن أنبه القارئ إلى أن الخطر الذي تنطوي عليه كل هذه الاتجاهات المنحرفة خطر مزدوج. فهو يهدد بقطع ما بين العرب بعضهم والبعض الآخر فيتناكر المتعاصرون منهم، ثم إنه يهدد من ناحية أخرى بقطع ما بين العرب - جملة وأفراداً، في حاضرهم ومستقبلهم - وبين قديمهم، وبينهم وبين مصادر إسلامهم. والخطران كلاهما ماثلان في برامج هذه الشعبة الحديثة في الدراسات العربية والإِسلامية.
وفي الوقت الذي أنشئت فيه هذه الدراسة في إحدى كليات الآداب كان أنيس فريحة المدرس بالجامعة الأمريكية في بيروت يلقي محاضرات في الدعوة إلى دراسة اللهجات السوقية وآدابها والدفاع عنها من فوق منبر جامعة الدول العربية (١). وكان مجمع اللغة العربية في القاهرة مشغولاً بدراسة هذه اللهجات. وكان دعاة العامية وأعداء العروبة يتجمعون وينشطون في الترويج لدعوتهم ويملأون بها الصحف مستغلين اسم الثورة على ما هو معهود من أساليبهم في التضليل وانتهاز الفرص، لابسين ثوب الشعبية والدفاع عن لغة الشعب. وكان بعض الأعضاء الذين شهدوا مؤتمر مجامع اللغة العربية الأول في دمشق يدعو إلى وضع معجم لغوي مستقل لكل إقليم عربي، وإلى تبديل قواعد اللغة العربية وتغيير رسمها وإملائها. وكانت هذه الاقتراحات في الوقت نفسه تتخذ طريقها إلى التنفيذ في كتب الطالعة والنحو التي يتداولها تلاميذ المرحلة الابتدائية والمرحلة الإِعدادية في مصر.
أيُّ صدفةٍ عجيبة تلك التي ألَّفت بين هذه الجهود وأصدرت إليها أمراً بالزحف العام في وقت واحد؟ يا لها من صدفة حكيمة عاقلة!؟
стр. 182
- ٣ -
حَول تطوير الدرَاسَات اللغويَّة
الدعوات المفسدة الهدامة كلها على اختلافها كالعداوة التي شبهها شاعرنا العربي القديم - الأخطل - بالجَرَب (يَكْمِنُ حِيناً ثم ينتشرُ). والدعوة إلى دراسة اللهجات العامية وما كتب فيها من الآثار والآداب مما يسمون (الأدب الشعبي) واحدة من هذه الدعوات التي تريد أن تهدم العربية الفصحى الجامعة لشمل العرب والمسلمين. والداعون إلى هذه الدعوة يتسللون إلى غرضهم في هذه الأيام من باب الدعوة إلى تطوير الدراسات اللغوية - والمقصود بها في العربية هو النحو والصرف - لكي تتمشى جمع المتقدم العلمي الحديث في الدراسات اللغوية عند الغرب. فيدعون إلى إدخال علم اللغة العام الذي يسميه الغربيون (General Linguistics) في برامج الدراسة في أقسام اللغة العربية بكليات الآداب وفي كلية دار العلوم وفي كلية اللغة العربية بالأزهر. كما يدعون إلى إدخال الدراسات الصوتية التي يسميها الغربيون (Phonetics) وهي فرع من دراسات علم اللغة العام عند الغربيين. واللغة في هذه الدراسات أصوات تؤدي وظيفة اجتماعية. وهي في عرفهم ما يتكلمه الناس بالفعل لا ما يجب أن يتكلموه. وهم من أجل ذلك لا يفرقون بين فصيح وعامي. والدراسات التي يشتمل عليها علم اللغة العام بكل فروعه. ومنها الدراسات الصوتية، دراسات ناشئة عند الغرب لم تستقر بعد، ومصطلحاتها الأساسية غير متفق عليها بين المشتغلين بها ولاتزال مفاهيم هذه المصطلحات ومعانيها مختلفة بين بلد وآخر. والمدارس الأوربية والأمريكية لا تزال قانعة باتباع النظم التقليدية في تعلم
стр. 183
اللغات، لا تُلقي بالاً إلى ما يقوله المشتغلون بهذه الدراسات وما يدعون إليه من مفاهيم وأساليب جديدة في دراسة اللغات. ولا تزال اللغة الأدبية الفصيحة عندهم هي الخصوصة بالدراسة، لا يلتفتون إلى ما يدعو إليه المشتغلون بعلم اللغة العام من التسوية بين اللغات واللهجات.
يحاول علم اللغة أن يجد طرقاً لدراسة (اللغة) باعتبارها ظاهرة إنسانية عامة، تصلح لدراسة جغ الأشكال الكلامية التي تصطنعها الجماعات البشرية على اختلافها. وقد يكون لهذه المحاولة ما يبررها في اللغات الأوربية التي تشترك في طبيعتها اللغوية وتتقارب في ظروفها الاجتماعية، والتي تتغير معاجمها بين الحين والحين، فلا يمر قرن واحد على لغة من لغاتها دون أن يصيبها تغيير أساسي في كثير من مفرداتها وقواعدها. ولكن إقحام هذه الدراسة التي تنبع اهتماماتها وقواعدها من طبيعة اللغات الأوربية على لغة كالعربية، تختلف في طبيعتها وفي ظروفها التاريخية والاجتماعية اختلافاً أساسياً عن هذه اللغات، بِدْعٌ شاذ قليل الجدوى، بل هو إفساد مضر وقلب للأوضاع, لأنه يحاول أن يفرض قواعد نابعة من خارج اللغة العربية على طبيعتها اللغوية، بدل أن يستنبط من واقعها اللغوي وطبيعتها المستقرة قواعد تعين على فهمها وضبطها واستخدامها في التعبير. واللغة العربية - بحمد الله - غنية بهذه الدراسات عريقة فيها. وقياسها على اللغات الأوربية التي ليس لها مثل هذا التراث العريق الممعن في العراقة طولاً وعرضاً خطأ فادح لا يكون إلَّا عن جهل أو سوء قصد.
وقد نجح أصحاب هذه الدعوات بوسائلهم المختلفة في إدخال دراسة ما يسمونه (الأدب الشعبي) في كل أقسام اللغة العربية بكليات الآداب (١)، وفي كلية دار العلوم وفي كلية اللغة العربية بالأزهر. بل نجحوا في إنشاء كرسي لأستاذية هذه المادة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة. وأصبحت (دار العلوم) مركز الثقل في هذه الدعوة، بعد أن اجتمع فيها أكبر عدد من المتخصصين في هذه الدراسة، منذ بدأ إبراهيم مصطفى بإِيفاد مبعوثين من
стр. 184
المتخرجين إلى إنجلترا للتخصص في هذه الدراسات حين كان عميداً لدار العلوم. ومن سوء الحظ أن كثيراً من المتخرجين في هذا المعهد وفي المعاهد ذات الطابع الديني على وجه العموم، لضعف شخصياتهم وفقدانهم الاعتزاز بصفتهم العربية والإِسلامية، يحكم تصرفاتهم شعور عميق بالنقص يمكن أن نسميه "عقدة الخواجة"، فيبدون في تفكيرهم وفي تصرفاتهم وفي مبالغتهم في الإِشارة إلى المراجع الأجنبية والإِشادة بها والاستناد إليها والاستشهاد بها واستعمال مصطلحاتها كأنهم يريدون أن ينسلخوا من ماضيهم - الوضيع في وهمهم - انسلاخاً كاملاً، وأن يثبتوا لأنفسهم في دنيا المتفرنجين مكاناً أثبت من مكان الذين نشؤوا في هذا التفرنج. والذين يتصرفون على هذا النحو هم الذين ثاروا في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من هذا القرن على العمامة حين كانوا طلاباً في (دار العلوم) مطالبين بلبس (الطربوش). كانوا في ذلك الوقت يريدون أن ينسلخوا من صفتهم الدينية وأن يباعدوا بين أشخاصهم وبين كل ما يربطهم بهذه الصفة. كانوا يريدون أن يخلطوا أنفسهم بطلاب المدارس المدنية العلمانية وأن يقطعوا صلتهم بطلاب (الأزهر) الذي نشأ أكثرهم فيه في المرحلتين الابتدائية والثانوية. والذين سافروا من هؤلاء ومن خلفائهم في بعثات تعليمية إلى أوروبا - أكثرها إلى إنجلترا - عاد كثير منهم تصحبه زوجة أوربية. هؤلاء همِ الذين يتصدرون الدعوة إلى دراسة اللهجات العامية في هذه الأيام، تمشياً - في زعمهم - مع التطور الغربي الحديث للدراسات اللغوية، وهم بذلك يسيرون في آثار الذين يستخدمهم الاستعمار في هدم اللغة العربية كيداً للعرب وللمسلمين من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
تَكمِن هذه الدعوة وأشباهها من الدعوات الهدامة حين تصدمها المقاومة القوية وتجبرها على الاختفاء، ثم تظهر وتحاول الانتشار عند كل فرصة ملائمة. والفرصة الملائمهَ في هذه الأيام هي تطوير البرامج والمناهج الجامعية. والمقصود بالتطوير في الحقيقة هو اللحاق بالذين سبقونا بآماد بعيدة في ميادين الدراسات التي تتصل بالتقدم الصناعي بكل ما ترتب عليه من تفوق حربي واقتصادي. ينتهز أصحاب هذه الدعوة الفرصة عند كل اجتماع للتطوير
стр. 185
فيكررون الدعوة إلى تطوير دراسة النحو والصرف، وإقامتها على أساس دراسات الغربيين لعلم اللغة العام أو ما يسمونه (General Linguistics). وقد اجتمع القائمون على تدريس اللغات العربية والإِنجليزية والفرنسية في واحد من هذه المؤتمرات الجامعية التي تُعقد للتطوير، فسمعنا أعجب ما سمعه العرب على امتداد التاريخ في الدراسات اللغوية والأدبية. سمعنا كلاماً كثيراً في مهاجمة ما سموه الأساليب العتيقة في دراسة النحو والصرف، وفي الدعوة إلى توسيع دائرة الدراسات الأدبية لتخرج عما سموه (أدب القصور) أو (الأدب الرسمي) وتشمل ما زعموه (أدب الشعب). والمقصود به هو الحكايات والأسمار المكتوبة بغير العربية الفصيحة أو السليمة. وبلغ من حماقة بعض المناصرين لهذه الدعوة من أساتذة اللغة العربية وآدابها أن كشف الستار عن الهدف الحقيقي لهذه الدعوة، فصرح بأن اللهجة العامية أصلح للتعبير عن حاجات المجتمعات الحديثة وأكثر طواعية في الإِفصاح عن حاجاتنا العقلية والعاطفية لأنها لغة حية، بينما اللغة التي نسميها العربية الفصحى لغة ميتة. وشارك في مناصرة إلدعوة عدد من أعضاء هيئة التدريس في أقسام اللغات الأجنبية. وتندَّر بعضهم بمجمع اللغة العربية في مصر، فذكر - من باب السخرية بأعماله وإنتاجه - ما أطلقه على (الساندويتش) حين سماه (شاطر ومشطور وبينهما طازج). وحقيقة الأمر في ذلك أن المجمع سماه (شَطِيرة) وجمعها (شطائر). ولم يشفع لهذا المجمع عندهم أن أحد أعضائه كان يدعو في الأربعينيات من هذا القرن إلى الكتابة بالحروف اللاتينية (١). ولم يشفع له عندهم أن رئيساً سابقاً له دعا في فجر حياته إلى تمصير اللغة العربية (٢). ولم يشفع له عندهم أنه قاد في المؤتمر الأول للمجامع اللغوية العربية في دمشق سنة ١٩٥٦ دعوة إلى تطوير اللغة العربية ومزجها باللهجات العامية (٣) هذا المجمع بكل ما ابتلى به من انحراف لم يبلغ عند هؤلاء الدعاة
стр. 186
مبلغ الرضى، وظل يمثل في تفكيرهم صورة الرجعية. وقد كان بعض أعضاء المجمع يشهد هذا الهجوم فلم يتكلف الرد على ما فيه من كذب وافتراء. وقد تقدمت في هذا المؤتمر بمذكرة في الرد على ما أثير فيه، وضعتها في صورة نقاط شديدة الِإيجاز. وفيما يلي نص هذه المذكرة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مذكرة
في الرد على اقتراح
إدخال الدراسات الصوتية والأدب الشعبي
في برامج أقسام اللغة العربية بكليات الآداب
• اللغة العربية التي يحمل القسم المختص بدراساتها اسمها لها مدلول واضح محدد وهو: اللغة التي كتب بها العرب تراثهم ولا يزالون. فكل آداب مكتوبة بغير هذه اللغة ليس من شأن القسم أن يدرسها. وقد تكون من شأن أقسام أو معاهد أُخرى كأقسام الاجتماع أو معاهده, لأن قيمة هذه الآثار في مضمونها لا في لغتها أو أسلوبها. وقسم اللغة العربية لا يدرس من هذه المضامين إلَّا ما كتب بهذه اللغة.
• كثرة كبيرة من الذين يتولون تدريس اللغة العربية في مراحل التعليم الإِعدادي والثانوي في مصر وفي البلاد العربية من المتخرجين في أقسام اللغة العربية. وهناك إجماع من المعنيين بشأن اللغة العربية من أساتذة الجامعة ومفتشي الوزارة على ضعف مستوى هؤلاء المدرسين. والمقصود بهذا الضعف هو النقص في قدرتهم على إقامة الإِعراب في النصوص العربية حين يقرءونها والعجز عن التعبير بلغة عربية سليمة يقوم فيها الإِعراب والنَّظْم (الأسلوب) والقياس اللغوي على نحو عربي سليم. وقد اجتمعنا هنا لنعالج فيما نعالجه هذا الضعف. فبماذا نريد أن نعالجه؟
من المعروف أن التمرس بالنصوص الصحيحة البليغة وإدمان قراءتها وطَرْقِها للآذان ودورانها على الألسن وحفظ طائفة صالحة منها هي من أول الوسائل وأهمها في تكوين الشاعر والناثر والناقد. وكثير من الشعراء والناثرين
стр. 187
كونوا أنفسهم بهذه الطريقة وحدها. ووضعُ نصوص لا تستقيم على قواعد العربية نحواً وصرفاً ونظمًا وأسلوباً بين يدي هذا الطالب الذي نُعِده لكي يكون مدرساً للغة العربية ليس علاجاً للضعف الذي نشكو منه، بل هو يزيده ضعفاً لا شك. لأن الذي يقرأ نصوصاً صحيحة عربية ونصوصاً غير صحيحة عربية وهو في طور التنشئة والتكوين يختلط عليه الأمر، فلا يميز بين الصحيح والسقيم من الأبنية والأساليب والمفردات. وما نسميه (الأدب الشعبي) هو في كثير من الأحيان آثار مكتوبة بلغة عربية ركيكة ملحونة وليس بلهجة عامية، مثل قصة ألف ليلة وقصة أبي زيد الهلالي وغيرهما. والقليل المعاصر منه هو المكتوب باللهجات العامية التي تختلف باختلاف البلاد، فلا تفهم في خارج محيطها.
• قيل في المؤتمر كلام كثير لا يصح أن يقال في اجتماع لأساتذة متخصصين في تخريج مدرس اللغة العربية. فقد افتتح أستاذ للأدب العربي كلمته بأن اللغة العامية تسعفه في التعبير عن آرائه بأكثر مما تسعفه اللغة العربية، وهو كلام لا يصح أن يقال. فليس مفروضاً في أستاذ للأدب العربي بالجامعة أن يكون كذلك. ولو صح ما يقول لكان العيب فيه لا في اللغة العربية. وضربُ الأمثلة بمثل (شاطر ومشطور وبينهما طازج) على قصور اللغة العربية يدخل في باب النكت والطرائف، ولكنه لا يدخل في باب البحث الجاد, لأن اللغة التي نطالب بالحفاظ عليها وتدريس أدبها ونصوصها ليست هي لغة (شاطر ومشطور وبينهما طازج). و (شاطر ومشطور وبينهما طازج) ليست - إن صحت نسبتها لمجمع اللغة العربية، وما أظنها صحيحة - من عيوب اللغة العربية، ولكنها من عيوب مجمع اللغة العربية في مصر. وغيري من أعضاء هذا المؤتمر أحق وأولى بالدفاع عن مجمع اللغة العربية. على أن مجمع اللغة العربية ليس عليه من بأس، ولا على غيره من المجامع والمحافل والمؤسسات من حرج، في أن يقترحوا ما شاءوا من مسميات ومصطلحات لمواجهة متطلبات الحياة. يُقبل بعضها فيكتب له الذيوع والسيرورة، وتُعرِض الألسنة والأقلام والآذان عن بعض آخر فيموت حتى تظهر الكلمة الملائمة على لسان كاتب أو شاعر أو عالم أو مترجم. والكلمة
стр. 188
الأخيرة في هذه المسميات والصطلحات للذوق العربي العام وحده، الذي قبل السيارة والدراجة والإذاعة والشطائر (التي زعمها المشنعون بالمجمع شاطر ومشطور وبينهما طازج). وغيرها كثير.
• قواعد كل لغة تنبع من واقعها ومن طبيعتها. واللغة العربية لها واقع خاص ربما كانت تنفرد به بين سائر اللغات. ولها طبيعة خاصة صُنِعت قواعدها لضبطها. وهذه القواعد صلحت منذ ألف عام أو يزيد لضبط ألسنة المتكلمين بالعربية والمؤلفين فيها من العرب والمسلمين، وهي لا تزال صالحة. وقيام تجارب حديثة خاصة عند الغربيين ليس مبرراً لنقلها إلى الدراسات اللغوية العربية. فهذه الدراسات الغربية تنبع من واقع اللغات الأوربية أو الأمريكية التي تختلف عن واقعنا كل الاختلاف. على أن هذه الدراسات لا تزال عند الغربيين في طور التكوين لم تستقر بعد، ولم يصل فيها أصحابها إلى اتفاق على الأصول أو المصطلحات كما هو واضح من عرض أحد المتخصصين (الدكتور محمود السعران) لتاريخ هذه الدراسة في كتابه (علم اللغة). بل هي غير مسلَّمة كذلك عند علماء القواعد اللغوية في الغرب. ومن العجيب أن بعض أقسام اللغة العربية قد أدخلت هذه الدراسة الغريبة الطارئة من خارج واقعها، في حين أن أقسام اللغات الأوربية لم تعرها التفاتاً مع أنها أولى بها، والدراسة أكثر أصالة فيها.
• قيل بالأمس كلام كثير في بلاغة بعض الآثار العامية وجمالها، وفي تفوق العامية على الفصحى في قدرتها على التعبير. وهو كلام يبدو منه أن أصحابه لا يرون بأساً في استبدال العامية بالفصحى أو في مزاحمتها لها على الأقل. لذلك لا أكلف نفسي عناء الرد عليه, لأن من الواضح أننا لا نريد ذلك ولم نجتمع له. ولكن الذي يستحق المناقشة هو ما ذهب إليه أحد الزملاء من أن دراسة العامية يقصد بها تقريب الهوة بين الفصحى والعامية واختيار الصالح المطابق لأصول العربية من الكلمات العامية لِإدخاله في الفصحى من ناحية، ولتوحيد اللهجات العامية أو التقريب بينها من ناحية أُخرى.
والذي أريد أن أبرزه هنا هو أن وجود العامية والفصحى ظاهرة لغوية عامة في كل لسان، وليس مشكلة يُسعى إلى حلها. فاللغة الفصحى لغة لها
стр. 189
صفة الثبات والاستقرار والقدرة على التعبير العلمي الدقيق والفني المؤثر الجميل. أما العامية فهي لهجة متطورة مختزلة وميسرة إلى أقصى حدود الاختزال والتيسير لتفي بحاجات التفاهم السريع الذي لا يبالي بالدقة العلمية أو الجمال الفني. ثم إن التقاط الألفاظ الصالحة من العامية ليس من عمل أقسام اللغة العربية، ولكنه من عمل الكتّاب والمترجمين والمجامع والمحافل المعنية بهذا الشأن. ووسيلته هي أن تمارس العربية الفصحى في كل المجالات الاجتماعية والعلمية. وعلى طول الممارسة سوف تظهر كلمات وكلمات، وعبارات وعبارات، يبقى منها الصالح المستقيم ويموت الفاسد المعوج. والمهم في الأمر كله هو أن يظل الذوق العربي صحيحاً غير سقيم، صريحاً غير مشوب، لكي يختار عن بصيرة. والذوق العربي السليم هو الذي ينشأ أصحابه على نصوص عربية سليمة صحيحة.
ثم إن بقاء اللغة العربية الفصحى حية مأنوسة هو الضمان الوحيد لتقريب ما بين هذه اللهجات العربية المختلفة, لأن هذه اللغة الواحدة المشتركة المستعملة في الصحف وفي الإِذاعات وفي المدارس وفي الدواوين وفي المحافل تشد إليها هذه اللهجات، ولا تسمح لها بأن تشرد وتذهب بعيداً وتتشعب بَدَداً.
أما ما قيل عن اهتمام القدماء بتصحيح خطأ العوام فمن الواضح أنه ليس من دراسة العامية في شيء. ونحن لا نزال نفعله بوصفه تقويماً للألسنة المعوجة، لا بوصفه اهتماماً بآثار الألسنة المعوجة.
• اللغة العربية ليست ملكاً للمجتمعين في هذا المؤتمر. بل هي ليست ملكاً للمصريين ولا للعرب ولا لأهل هذا الجيل جميعاً. إنها أمانة قد تلقيناها عمن قبلنا لنؤديها إلى من بعدنا سليمة صحيحة كما تلقيناها, لا نفرط فيها ولا نبددها ولا نبدلها.
وهذه اللغة رابطة قائمة بين العرب من أبناء هذا الجيل، وبينهم وبين التراث العربي الكبير منذ نزل به القرآن، وبينهم وبين المسلمين. وهؤلاء جميعاً يحرصون على قراءة ذلك التراث المكتوب بلغة العرب الفصحى الموحدة (بكسر
стр. 190
الحاء وفتحها) وبمصطلحات اللغويين والنحاة والبلاغيين الأصيلة المتفق عليها عندهم جميعاً. ومن حقهم جميعاً أن يطالبوا باستبعاد كل ما تحوم حوله شبهة تهديد هذه الرابطة, لأنهم يريدون لهذه الرابطة القائمة أن تظل رابطة دائمة ..
والكلام الذي قيل في تحبيذ دراسة اللهجات العامية أو الدراسات الصوتية الحديثة - وهما صنوان لا يفترقان - بعضه صادر ممن لا تعنيهم الفصحى ولا يبالون بها وهو من خارج المشتغلين بالدراسات العربية. وبعضه ممن توجههم اهتمامات خاصة ترجع إلى تخصصهم الضيق في هذه الدراسات في إنجلترا أو في فرنسا، وهؤلاء لا أتهمهم بضعف الغيرة أو سوء النية، ولكني أناشدهم الله أن يستمعوا إلى ملاحظاتي في غير تعصب لتخصصاتهم الضيقة - وأقول الضيقة، لأن تخصصهم الأشمل والأوسع والأكثر أصالة هو قواعد اللغة العربية - أناشدهم الله أن يستمعوا إلى ملاحظاتي وأن يعتبروها، إذا لم تقنعهم، من باب سد الذرائع.
لسنا وحدنا. إننا جزء من أمة ننادي بوحدتها. وبالأمس كانت لنا تجربة في تطوير قواعد العربية لم تقبلها وزارات التربية والتعليم في البلاد العربية لم أخرى فطويناها. ولا أريد لهذا المؤتمر أن يسفر عن تجربة كهذه في الدراسات العربية. وأنا أعلم أن أحد أعضاء هيئة التدريس من المهتمين بالدراسات الصوتية قد انتدب في هذا العام لكلية الآداب بجامعة بغداد وأراد إدخال هذه الدراسة في برامج قسم اللغة العربية فلم يقابل اقتراحه إلَّا بالإِعراض والنفور، وطُلِب إليه أن يدرس قواعد اللغة العربية كما كتبها نحاة العرب ولغويوهم.
إن العرب يحرصون علي فصحاهم وعلى قواعدها التي تشيع مصطلحاتها في كل تراثهم ولا يريدون استبدال غيرها بها. وسيكون مصير أي إقتراح يبعد بالعرب عن هذا الطريق هه المصير نفسه الذي لقيته تجربة (المسند والمسند إليه والتكملة) في النحو.
ومن عجيب المفارقات أن تنشر صحيفة الأهرام في عددها ٢٩٢٨١ الصادر في يوم الجمعة غرة ذي القعدة ١٣٨٦ (١٠ - ٢ - ١٩٦٧ م) في ص ٤
стр. 191
ضمز توصيات مؤتمركم هذا (... وإدخال المناهج العلمية الحديثة في الدراسات اللغوية والأدبية. ومن ذلك معامل الأصوات اللغوية ودراسة الأدب الحديث). والأصوات اللغوية مقترنة دائمًا عند أصحابها بدراسة اللهجات العامية. بينما تنشر الصحيفة نفسها في العدد نفسه (ص ٨) ما اتفق عليه المجمع) اللغوي المصري والمجمع العلمي العراقي في جلستهما المشتركة من أن (تسعى أجهزة المسرح والإِذاعة والتلفزيون إلى استخدام اللغة العربية الفصحى في التمثيليات التي يقدمونها) لأنها (أحسن سبيل إلى الوحدة العربية).
الإِثنين ٤ من ذي القعدة ١٣٨٦
(١٣/ ٢/ ١٩٦٧ م)
стр. 192
- ٤ -
في تطويرالدراسَاتِ اللغويّة وَالاسْلاميّة
حين زرت جامعة الرياض بدعوة منها في ربيع الأول ١٣٩٥ (إبريل ١٩٧٥ م) وجدت قسم اللغة العربية يعد لإِنشاء معمل للأصوات ولدراسة اللهجات العامية، ووجدت بين منشورات الجامعة كتاباً لمستشرق بريطاني في لهجات شرق الجزيرة العربية قامت الجامعة بترجمته ونشره بعد أن استضافت مؤلفه. وأخذتني المفاجأة حين رأيت الداء يمتد إلى مهد العربية ومنبع الإِسلام. ثم تبين لي أن من وراء هذه المشاريع أحد الذين عادوا من إنجلترا مبعوثاً من قسم اللغة العربية، فوجهه أساتذته هناك لدراسة اللهجات العامية، على نحو ما حدث في مصر، وسيحدث ويتكرر فيها وفي غيرها من بلاد العرب إذا لم يتنبه المسلمون للخطر. فإِذا كنا نحن العرب نعمل على دراسة اللهجات الاقليمية التي لا يجتمع عليها العرب، ونخطط بأيدينا لتطوير اللغة التي حفظها القرآن الكريم وحُفِظ فيها، وجمع عليها المسلمين وجمعتهم عليه منذ نزل به الوحي إلى يومنا هذا، فمن العبث أن نعمل على نشرها في بلاد المسلمين، لتكون اللغة الموحدة الجامعة لشملهم، والمؤكدة لوحدة أمتهم، لأننا حينذاك لا ندري على أي عربية نوحدهم، على العربية الكلاسيكية كما يحلو لبعض دعاة التطوير أن يسميها، أم على العربية العصرية التي يرون ابتداعها؟ وعلى العربية الفصحى، أم على لهجة من لهجاتها المتعددة التي يحتفي كل بلد من بلد العرب بالعناية بها وإبراز محاسنها، والاحتفال بتراثها، بزعم أنه تراث قومي، أو أدب شعبي؟ وما قيمة العمل على جمع شمل المسلمين عن طريق نشر العربية ما دام العرب أنفسهم يتفرقون فيها حين
стр. 193
يعملون على جمع غير العرب عليها؟ أليس هذا عجباً من العجب وعبثاً من العبث؟!.
واجتمعتُ وقتذاك بالداعين إلى المشروع في جمعٍ من أعضاء هيئة التدريس وغيرهم من العلماء والدارسين. وتناقشنا طويلاً في هذا الموضوع وفي موضوع آخر كنتُ أراه جديراً بإِعادة النظر، يتصل بإِنشاء قسم دراسي للثقافة الإِسلامية، يَمَنَح المتخرجين فيه درجة علمية في هذا التخصص. ولم يكن اعتراضي على إنشاء هذا القسم، ولكنّ إعتراضي كان منصباً على أن هذا القسم ينبغي أن يظل قسمًا (أكاديمياً) على مستوى الجامعة كلها، يقوم بتدريس هذه المادة لطلبة الجامعة على اختلاف كلياتهم وتخصصاتهم، وليس قسمًا دراسياً يتخصص فيه بعض الطلبة ليُمنَحوا درجة جامعية في هذا التخصص. وانتهى بي الأمر إلى رفع مذكرة بوجهة نظري لوزير التعليم العالي في المملكة، ثم رأيت تعميمًا للانتفاع بما جاء فيها - إنْ كان - أن أضيفها إلى هذه الطبعة الرابعة من الكتاب.
والواقع أني ترددت طويلاً حين فكرت في نشرها، وتنازعتني عدة اعتبارات. فالمذكرة مذكرة خاصة شخصية وإن كان موضوعها عاماً لا يتصل بأشخاص. وخصوص المذكرة - من أحد وجهتي النظر - قد يكون سبيلاً إلى طعن من يبحثون عن مَطعَن بأن فيها تشهيراً بالجامعة، أو تطفلاً من أجنبي غرِيب يدس أنفه في شؤون لا تعنيه. عند ذاك قام في نفسي يقين واضح بأن عليَّ أن أنشرها, لأن اُلمسْلم في أي مكان من الأرض ليس أجنبياً ولا غريباً في وطن الإِسلام الأول ومنبعِ العربية التي حملها الإِسلام إلى كل بقاع الأرض، فنَسخَتْ لغاتهم الجاهلية.، وأنستهم إياها، بين بربرية وقبطية وسريانية ورومية. ثم إن الأمر لا يتعلق بدولة ولا بأشخاص، ولكنه يتعلق باللغة العربية وبالإِسلام، والارتباط بينهما وثيق لا ينفصم. فبالعربية نزل كتاب الإِسلام، وبالإِسلام عمَّت العربية وانتشرت وحُفِظت مما لحق غيرها من تحريف أو فناء. وزاد في وضوح هذا اليقين في نفسي أن الكتاب يؤرخ لبعض نواحي التغريب وآثاره في بلاد العرب بعد الحرب العالمية الثانية، وأن المذكرة مكملة لما كتبته في الفقرة السابقة عن (تطوير الدراسات اللغوية) في
стр. 194
مصر، وفيها بيات لأمور أثارتها مناقشة القائمين على مشروع معمل الأصوات لم أعرض فيما كتبته من قبل.
وفيما يلي نص المذكرة التي تقدمتُ بها إلى معالي وزير التعليم العالي في هذا الشأن.
نص المذكرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد
لا بد لي قبل أن أنتقل عن ضيافتكم الكريمة، إبراءاً للذمة، ونصحاً للأمة، أن أنبه إلى ما تبينته من وجوه الضرر الخطِر في قضيتين اثنتين: إحداهما تتعلق بالدراسات اللغوية في قسم اللغة العربية بجامعة الرياض، والأخرى تتعلق بإِنشاء قسم للدراسات الإِسلامية يمُنَح المتخرجُ فيه درجة الليسانس من جامعة الرياض في الدراسات الإِسلامية.
أما عن القضية الأولى، فهي شعبة من الدعوة التي انتشرت في أقسام اللغة العربية ببعض جامعاتنا والتي ينادي أصحابها بتطوير اللغة العربية ودراساتها. وهو تطوير يختلف أصحابه في تسميته، ولكنهم لا يختلفون في حقيقه. يسمونه تارة - تهذيباً، وتارة تيسيراً، وتارة إصلاحاً، وتارة تجديداً. ولكنهم في كل الأحوال وعلى اختلاف الأسماء يعنون شيئاً واحداً، وهو التحلل من القوانين التي صانت اللغة العربية خلال ألف عام أو يزيد.
وقد اقترنت هذه الدعوة بالكلام عن صعوبة اللغة العربية. وهو زعم وهميٌّ يكذبه الواقع الراهن من نهضة اللغة العربية وآدابها في القرن الأخير على يد طائفة من الشعراء والكتاب ردوا عليها نضرتها وجِدّتها بعد أن بلغت من الانحطاط درحة تمثلها لغة الجبرتي، وهو على ما هو معروف من كبار علماء
стр. 195
عصره. فقد حققت هذه الطائفة نهضتنا الأدبية الحديثة من طريق القواعد العربية التي يزعم الزاعمون صعوبتها وعجرها عن تنشئة جيل عربي صالح، صحيح العبارة والفكر، ولم تحققها عن طريق ابتكار قواعد أُخرى. ويكذِّب زعمهم كذلك أن العرب قد غفلوا عن هذا الوهم طوال أربعة عشر قرناً صلحت فيها اللغة لمواكبة الأجواء الحضارية والفِكرية التي تقلبوا فيها بين مشارق الأرض ومغاربها، لم تَضِقْ بشيء منها. ولم ينتبهوا إلى وجود هذا النقص في اللغة إلَّا في نصف القرن الأخير، تقليداً لدعاة المستعمرين الذين أخذوا يؤلفون الكتب في اللهجات المحلية العامية، كلٌّ في منطقة نفوذه. واقترحوا اتخاذ هذه اللهجات لغات تحل محل العربية الموحدة (بفتح الحاء وبكسرها)، في تدوين العلم والأدب، كما اقترحوا كتابتها بالحروف اللاتينية. وكذلك فعل بعض العرب حين ألفوا كتباً في دراسة اللهجات العامية لتدرَّس في المعاهد التي أنشئت لهذا الغرض في نابولي سنة (١٧٢٧) وفي فينا سنة (١٧٥٤ م) وفي موسكو (١٨١٤ م) وفي لندن في أوائل القرن التاسع عشر، وفي باريس في الثلث الأخير من ذلك القرن.
منذ ذلك الوقت كثر الكلام في صعوبة اللغة العربية، وفي الازدواج الذي تعيش فيه الشعوب العربية. يفكرون بلهجاتهم العربية - كما يزعم الزاعمون - ويكتبون آدابهم وعلومهم بلغة أجنبية أُخرى هي اللغة الفصحى.
تكلم الناس في صعوبة الإِعراب الذي يلحق أواخر الكلمات، فاقترح بعضهم التخلص منه جملةً بتسكين أواخر الكلمات، واقترح بعضهم اختصاره بإِسقاط بعض أبواب اعتبروها غير أساسية والإِبقاء على أبواب أُخرى اعتبروها أساسية. وقال فريق ثالث: إن الصعوبة ليست في الإِعراب نفسه، ولكنها في القواعد التي تضبطه. ودعوا إلى إعادة النظر في تبويب النحو والصرف وفي قواعدهما ومصطلحهما. وخطا أصحاب هذه الدعوة خطوات عملية فاشلة في هذا الطريق، وألفوا في ذلك كتباً بيِّنة الضعف والهزال، فُرِضت حيناً على يختلف المراحل الدراسية في بعض البلاد العربية، ثم لم تلبث أن ألغيت بعد أن ثبت فسادها وعدم جدواها.
стр. 196
وخطرُ هذه الدعوات على التراث الإِسلامي وعلى الأجيال التالية من أبناء المسلمين وأبناء العرب بخاصة واضح لا شك فيه. فكلها يرمي إلى عزل هذه الأجيال عن تراثها، بتغيير رسم الخط تارة، وبتطوير اللغة تارة أُخرى - وهو تطوير يزداد مع توالي الأعوام - وبتغيير مصطلح العلوم اللغوية من نحوية وصرفية وبلاغية تارة ثالثة، وهو مصطلح يشيع استعماله في كل كتب التراث من تفسير القرآن الكريم، وشرح الحديث الشريف، وشرح النصوص الشعرية والنثرية. ويكفي في التدليل على فساد نية الداعين بهذه الدعوة أن نقرأ الفقرة التالية من كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" حيث يدعو إلى فتح باب التطوير في اللغة العربية ودراساتها، فيقول فيما يقول:
"وفي الأرض أمم متدينة كما يقولون، وليست أقل منا إيثاراً لدينها, ولا احتفاظاً به، ولا حرصاً عليه، ولكنه تقبل في غير مشقة ولا جهد أن تكون لها لغتها الطبيعية المألوفة التي تفكر بها، وتصطنعها لتأدية أغراضها, ولها في الوقت نفسه لغتها الدينية الخالصة التي تقرأ بها كتبها المقدسة وتؤدي فيها صلواتها. فاللاتينية مثلاً هي اللغة الدينية لفريق من النصارى، واليونانية هي اللغة الدينية لفريق آخر، والقبطية هي اللغة الدينية لفريق ثالث، والسريانية هي اللغة الدينية لفريق رابع (١) ... وبين المسلمين أنفسهم أمم لا تتكلم العربية، ولا تفهمها, ولا تتخذها أداة للفهم والتفاهم، ولغتُها الدينية هي اللغة العربية. ومن المحقق أنها ليس أقل منا إيماناً بالإِسلام، وإكباراً له، وذِياداً عنه، وحرصاً عليه - الفقرة ٤٦ ص ٢٢٩ - ٢٣٠ من طبعة المعارف سنة ١٩٤٤".
وينبغي لقارىء هذا النص أن لا ينسى الشعار الذي اتخذه طه حسين في صدر كتابه حين أثبت على غلافه أبيات المعري:
خُذي هذا وحسبُكِ ذاكَ منِّي ... على ما فيَّ من عِوَجٍ وأمْتِ
стр. 197
وماذا يبتغي الجلساءُ منّي ... أرادوا مَنْطِقي وأردتْ صمتي
ويوجد بيننا أَمَدٌ بعيد ... فأمُّوا سَمْتَهم وأَممتُ سَمْتي
وهي أبيات واضحة الدلالة في أن المؤلف لا يصرح بكل ما في نفسه، وأنه قد أخفى ما يخشى أن يعرِّضه لمثل ما تعرَّض له حين أخرج كتاب (الشعر الجاهلي).
ثم إن أصحاب هذه الدعوات خطَوا خطوة جديدة في السنوات الأخيرة، في محاولة لا تريد أن تعيد النظر في قواعد اللغة العربية، نحوِها وصرفِها فحسب، ولكنها تريد أن تطوي كل ما كتبه العرب في هذا الصدد، لتطبِّق أساليب أُخرى جديدة في دراسة اللغة العربية منقولةٍ عما يحاوله بعض دارسي اللغات الغربيين فيما يسمونه (General Linguistics) أو (علم اللغة العام)، كما يَدْعون إلى إدخال الدراسات الصوتية التي يسميها الغربيون (Phonetics) وهي فرع من دراسات علم اللغة العام عند الغربيين. واللغةُ في هذه الدراسات أصوات تؤدي وظيفة اجتماعية. وهي في عُرفهم ما يتكلمه الناس في واقع حياتهم اليومية، لا ما يجب أن يتكلموه في أدبهم المدون المكتوب. وهم من أجل ذلك لا يفرِّقون بين فصيح وعامي. والدراسات التي يشتمل عليها علم اللغة العام بكل فروعه، ومنها الدراسات الصوتية، دراسات ناشئة عند الغرب لم تستقر بعد. ومصطلحاتها الأساسية غير متفق عليها بين المشتغلين بها. ولا تزال مفاهيم هذه المصطلحات ومعانيها مختلفة بين بلد وآخر. والمدارس الأوربية والأمريكية لا تزال قانعة باتباع النظم التقليدية المستقرة في تعلم اللغات، لا تلقي بالًا إلى ما يقوله المشتغلون بهذه الدراسات وما يدعون إليه من مفاهيم وأساليب جديدة في دراسة اللغات. ولا تزال اللغة الأدبية الفصيحة عندهم هي المخصوصة بالدراسة، لا يلتفتون إلى ما يدعو إليه المشتغلون بعلم اللغة من التسوية بين اللغات واللهجات، وإن كانوا - على عادتهم - يفسحون المجال لكل تجربة جديدة.
يحاول علم اللغة العام عند الغربيين أن يجد طريقة لدراسة (اللغة) باعتبارها ظاهرة إنسانية عامة تضم جميع الأشكال الكلامية التي تتخذها
стр. 198
الجماعات البشرية على اختلافها، وقد يكون لهذه المحاولة ما يسوِّغها في اللغات الأوروبية التي تشترك في طبيعتها اللغوية وتتقارب في ظروفها الاجتماعية، والتي تتغير معاجمها بين الحين والحين، فلا يمر قرن واحد على لغة من لغاتها دون أن يصيبها تغيير أساسي في كثير من مفرداتها وقواعدها يستدعي وضع معجم جديد، ولكن إقحام هذه الدراسة التي تنبع اهتماماتها وقواعدها من طبيعة اللغات الأوربيه على لغة كالعربية، تختلف في طبيعتها وفي ظروفها التاريخية والاجتماعية وارتباطها بالدين اختلافاً أساسياً عن هذه اللغات بِدْعٌ شاذ قليل الجدوى. بل هو إفساد مُضر وقلب للأوضاع, لأنه لا يصدر عن حاجة في واقع الأمر تدعو إليه، ولأنه يحاول أن يفرض قواعد نابعة من خارج اللغة العربية على طبيعتها اللغوية، بَدَلَ أن يستنبط من واقعها اللغوي وطبيعتها المستقرة قواعد تعين على فهمها وضبطها واستخدامها في التعبير. واللغة العربية - بحمد الله - غنية بهذه الدراسات عريقة فيها. وقياسُها على اللغات الأوروبية التي ليس لها مثل هذا التراث العريق الممعن في العراقة طولًا وعرضاً خطأ فادح لا يكون إلَّا عن جهل أو سوء قصد. جهل بسنن الله التي لا تتبدل، والتي قضت أن يختلف الناس في أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، أو سوء قصد يعمل على تفريق المسلمين، وفصلهم عن مصادر دينهم وعن تراثهم.
واقترنت الدراسات اللغوية الحديثة على الطريقة الغربية، والصوتيةُ منها بنوع خاص، بالدعوة إلى العناية باللهجات العامية وآدابها أو ما يسمونه (الأدب الشعبي). والدعوةُ بشكلها هذا جديدة على الدراسات العربية، لم يُسمَع لداعٍ بها صوتٌ قبل القرن الأخير، وقد نشأت أولَ ما نشأت باقتراح بعض المستشرقين من رجال الاستعمار، حين جمعوا طائفة من الأغاني والمراثي والمواويل والأناشيد العامية، تدعيمًا لدعوتهم، وحين اتخذوا بعض ما يسمونه (الأدب الشعبي) الذي لم يتمثل في قصص (ألف ليلة وليلة) وأمثالها موضوعا للدراسة. ومن المعروف أن أكثر هذه القصص لم يكتب باللهجات العامية المحلية، ولكنّ جماعة عن الجهال القليلي الحظ من الثقافة حاولوا أن يكتبوه باللغة الفصحى بقدر ما سمحت به إمكاناتهم وملكاتهم، فجاء على هذه
стр. 199
الصورة الركيكة. ولذلك تجاوزه مؤرخو الأدب واعتبروا أنه دون المستوى الذي يسمح بدخوله في تاريخ الأدب العربي، وتركوه في موضعه الصحيح لعامة الناس والغوغاء، الذين لا تسمح لهم ثقافاتهم بتذوق الأدب الرفيع. وظل الأمر كذلك حتى جاء هذا الجيل الذي يريد أن يمسخ صورة كل ما هو أصيل في تراثنا، يُعلي من قدر الركاكة وفساد العبارة باسم الشعبية والأدب الشعبي، ويحاول أن يفتش عن مواطن للجمال في هذه القصص والحكايات المتدنية أسلوباً ومضموناً، تقليداً لما فعله الغرب في تشنيعه بالشرق والشرقيين والإِسلام والمسلمين، حين ألّف طائفة من القصص مستوحاة من (ألف ليلة وليلة) تصور ترفهم وتفاهتهم وتهالكهم على الشهوات، وفسادَ أخلاقهم واستبداد ملوكهم ونفاق شعوبهم.
بقي أن أردَّ على بعض ما أثاره الداعون إلى إنشاء هذه الدراسات في قسم اللغة العربية بجامعة الرياض حين اجتمعت بهم.
سلَّموا بأن هذه الدراسات قد نشأت نشأة فاسدة في حضانة الاستعمار، ولكنهم زعموا أن الدعوة قد ماتت وزال خطرها، وأنهم يريدون توجيه هذه الدراسات لخدمة الفصحى. والزعم بأن الدعوة قد ماتت غير صحيح، وخُفوت صوت الداعين إليها ليس مظهراً لموتها, ولكنه في الحقيقة مظهر لاستقرارها. فقد ظلت تسري وتحتل كل يوم أرضاً جديدة وتتقلّب في زحفها من القصة إلى المسرح وإلى السينما وإلى وسائل الإِعلام كلها من صحافة وإذاعة، وإلى منابر المحافل على اختلافها، وإلى قاعات المحاضرات في الجامعات، حتى أعلنت الصحف عن ظهور مجلة يُصدرها أحد اللبنانيين (سعيد عقل) تحرَّر بالعامية مطبوعةً بحروف لاتينية.
ثم إن الناس في كل البلاد العربية يشكون من ضعف المتخرجين في أقسام اللغة العربية وفساد ألسنتهم وانخفاض مستواهم، ومن الواضح أن تقويم اللسان لا يجيء إلَّا بممارسة النصوص الصحيحة. فهل تُعين نصوص (الآداب الشعبية) العقيمة التىِ يشيع فيها اللحن وفساد اللغة وركاكة العبارة على تقويم اللسان؟ من الواضح أن ضعف الملكة العربية يعالج بالمزيد من
стр. 200
النصوص الفصيحة، لا بإِقحام نصوص ركيكة ومردَّدات عامية تحت إسم (الأدب الشعبي).
والأدب الشعبي الذي يختلف باختلاف البلاد، بل الذي يختلف في البلد الواحد باختلاف البيئات، يؤدي وظيفته في مكانه الصحيح، ويشبع رغبات طوائف وطبقات لا تسمو ثقافاتهم وملكاتهم إلى تذوق الآداب الفصحى. وهو أدب شفوي يعتمد على الرواية. وهو قديم لم ير العرب ضرورة لتدوينه حتى لا يختلط بالنصوص العربية الصحيحة. والخطر في تدوينه الآن أعظم مما كان في أي وقت, لأنه يجري في ظل دعوة إلى استبدال العاميات المحلية بالفصحى، وهي دعوة تساندها أجهزة ذات نفوذ وأموال تبذل بسخاء.
وزعموا أن جمعهم للهجات العامية ليس بِدْعاً مستحدَثاً. وأخذوا يعدِّدون بعض ما جمعه قدَماء اللغويين من لهجات القبائل. كما أخذوا يحصون بعض ما يمكن الاستفادة منه في دراسة هذه اللهجات، من مثل تفسير بعض غريب المعاجم الذي لا يزال حياً مستعملاً في اللهجات، ومن مثل الاستعانة بجمع هذه اللهجات على تأليف كتب مدرسية ميسَّرة تعتمد على ما يصحُّ في معاجم اللغة من هذه اللهجات في كل بلد من بلاد العرب، ليكون الكتاب المدرسي مألوفاً غير بعيد عما ألِفَه الطالب المبتدىء من لهجة قومه.
ورداً على هذه المزاعم يقول كاتب هذه السطور:
١ - جمع لهجات القبائل كان ضمن جمع شامل للغة لم يفرق فيه اللغويون بين لهجة ولهجة، خدمة للقرآن الكريم وللحديث الشريف، عسى أن تكون كلمة من لغة هذه القبيلة أو تلك نافعة في تفسير هذه الآية أوذلك الحديث. وقد عدّ أصحاب اللغة هذه اللهجات على اختلافها فصيحة صحيحة، مع التسليم بفضل بعضها على بعض، واعتبار ما جاء منها في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أفصح.
ثم إنهم توقفوا عن الجمع بانتهاء القرن الثالث أو بعده بقليل، وكف جامعو اللغة عن الجمع بعد أن اختلطت الألسن بفعل الهجرة والتغلغل الحضاري. واعتمدت الأجيال التالية من واضعي المعاجم اللغوية على النقل
стр. 201
مما جمعه هؤلاء الرواة الأولون. وإذا كان الجمع قد توقف منذ ألف عام أو يزيد، فأي حاجة جدّت الآن تدعو إلى استئنافه؟ وإذا صح - جدلاً - أن جمع اللهجات في قبائل جزيرة العرب البدوية يجري اليوم لخدمة الفصحى ومعاجمها، فكيف نفسر جمع اللهجات في سائر البلاد العربية الأخرى واستنباطَ قواعد لها؟ ولأي شيء تُستنبط هذه القواعد؟
٢ - الكتب التي أشارت إلى اللهجات فيما أُلف بعد ذلك كلُّها في تصويب أخطاء العامة. فالغرض منها هو إصلاح هذه الأخطاء لا جمعها وتدوينها.
٣ - ما يوافق الغريب والمستهجن من اللهجات المحلية في المعاجم اللغوية قد تخطاه الأدب وأهمله ولا داعي لبعثه أو إحيائه. فقد أصبح المستعمل موضع إجماع العرب والمسلمين. وبعث الغريب والمستهجَن هو محاولةٌ لرد الناس إلى الفرقة القبلية التي سبقت اجتماع العرب على هذه اللغة الموحدة التي نزل بها القرآن الكريم، والتي يمثلها الشعر الجاهلي في آخر حلقاته السابقة على نزوله.
٤ - وضع كتب دراسية تتقيد باستعمال ما صحَّ في معاجم اللغة من عاميات البلاد والأقاليم العربية هو الخطوة الأولى في خلق معاجم محلية متعددة: مصرية وشامية وعراقية وسودانية.
وقد ذكر بعض الذين أثاروا هذا الحديث أنهم قد مارسوا استعمال هذه اللغة في الكتب المدرسية السودانية. ومن المعروف أنها مورست بعضَ الوقت في مصر أيضاً، في الكتب التي ألفها (القوصي والعريان) ثم عُدِل عنها لفشلها. وقد عرض مندوب تونس في مؤتمر مجامع اللغة العربية بدمشق سنة (١٩٥٦) هذا الاقتراح ولم يؤخذ به، وفي الصفحة ١٣٩ وما بعدها نقد تفصيلي لما دار في هذا المؤتمر.
وزعم الداعون لإِنشاء هذه الدراسات في قسم اللغة العربية أن (الآداب الشعبية) المكتوبة باللهجات التي يدعون إلى دراستها ووضع قواعد
стр. 202
لها تشتمل على مضامين فكرية تستحق الدراسة، ففيها صور صادقة من حياة الشعوب وأحاسيسهم بكل ما تموج به من آمال وآلام.
وذلك شيء غير منكور، ولكنَّ مِن الواضح أن قسم اللغة العربية لا يدرس من المضامين الفكرية والأدبية إلَّا ما صيغ باللغة العربية الفصحى. وكل ما صيغ من المضامين بغير هذه اللغة ليس من شأنه أن يدرسه. فالمضامين الفكرية والأدبية المكتوبة باللغة الإِنجليزية من شأن قسم اللغة الإِنجليزية، والمكتوبة بالفرنسية من شأن قسم اللغة الفرنسية، والمكتوبة باللاتينية واليونانية من شأن قسم اللغات القديمة، والمكتوبة بالفارسية أو الأُردية من شأن قسم اللغات الشرقية. فإِنْ رأت الجامعة أن تنشىء قسمًا للهجات العامية كانت هذه (الآداب الشعبية) من بين شؤونه أو شجونه. على أنه يتحتم على الجامعة قبل أن تنشىء قسمًا كهذا - إنْ رأت إنشاءه - أن تسأل نفسها: لأي شيء يصلح المتخرجون فيه؟ ولأي الوظائف يؤهلون؟
ذلك شيء واضح إذا لم تكن هناك سوء نية في مزاحمة ساعات الدراسة المخصصة للغة العربية وقواعدها وآدابها. والمكانُ الطبيعي للاستفادة من هذه المضامين واستنباط دلالاتها الاجتماعية - إنْ صحت النية - هو أقسام الدراسات الاجتماعية.
ولنكن صرحاء - آخر الأمر - مع أنفسنا. من أين جاءتنا هذه الدراسات؟ وكيف نشأت؟ هل نشأت لحاجةٍ نبعت من واقعنا؟ من الواضح أن هذه الدراسات بدأت باقتراح أجهزة الاستعمار والتبشير. ومن الواضح أن الدعاة الأولين من العرب تأثروا بدعايات هذه الأجهزة أو عملوا لمصلحتها. وبعضهم من غير المسلمين الذين لا يرون للغة العربية قداسة أوحرمة. وكانت هذه الدعوات كلها خارج نطاق المعاهد الدراسية والجامعات، لا تتجاوز معارك صحفية بين قلة من الداعين إلى هذه الدراسات وكثرة من الردود التي تسفههم وتسخف دعوتهم. ثم دخلت الدعوة بعد الحرب العالمية الثانية إلى المعاهد العليا والجامعات. كيف دخلت؟
стр. 203
أرسل إبراهيم مصطفى (١) حين كان رئيساً لقسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية بعثتين إلى إنجلترا لدراسة اللهجات واللغويات على طريقة الغربيين. ثم توسع في هذا الاتجاه حين أصبح عميداً "لدار العلوم" في أواخر الأربعينيات من هذا القرن الميلادي، فأرسل عدداً ضخمًا من البعثات في هذا التخصص. وعاد هؤلاء وكل بضاعتهم التي لا يحسنون سواها هي دراسة اللهجات، ليدرِّسوها في كلية "دار العلوم"، وليوجهوا بعض المتخرجين للتخصص فيها في دراساتهم العليا للماجيستير والدكتوراه. نقطةُ البدء غلطة وخطأ في التوجيه، فهل يظل هذا الخطأ يلد أخطاءاً إلى الأبد؟ أم نضع له حداً حين نكتشفه، ونقطع تسلسله؟ ونقول للذين وقعوا فيه: صححوا مساركم، وليكن الله في عونكم؟
وسارت دراسات (الأدب الشعبي) مُواكِبةً لهذا الاتجاه في الوقت نفسه في كليات الآداب، وفي (دار العلوم) بعد أن أنشىء كرسي أستاذية للأدب الشعبي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، سبقه إنشاء كرسي لما سمي "الأدب المصري" كان أمين الخولي أول من شغله.
وزعم المخدوعون والمفسدون أن القصد من دراسة اللهجات ليس هو دراسةَ لهجة بعينها في هذه القرية من بلاد العرب أو تلك، كما يبدو من موضوعات البحوث التي حصل بها المبعوثون على (الماجيستير) أو (الدكتوراه)، ولكن القصد هو تعلم "المنهج". فلأي غرض نريد أن نتعلم "منهجاً" في دراسة لهجات العرب العامية ونضع قواعد لها؟ إذا لم يكن ذلك تمهيداً لِإكسابها شيئاً من الاحترام، يرفع قدرها عند عامة الناس، تمهيداً لاتخاذها لغة للأدب والتدوين، أو تطعيم العربية الفصحى بها على أقل تقدير، للوصول إلى ما يسميه بعضهم (باللغة الثالثة) أو (اللغة الوسط)، وهو ما لا يقل خطورة عن استبدال العامية بالفصحى, لأنه بدء طريق يؤدي إلى النتيجة نفسها.
стр. 204
وزعموا أن "المنهج" لا يفيد في دراسة اللهجات العامية وحدها، فهو (منهج لغوي) يصلح لأن يطبق على أي لغة وعلى اللغة العربية الفصحى نفسها. فلأي شيءٍ نستورد "منهجاً" غريباً في دراسة اللغة، ولنا منهجنا الخاص الأصيل الذي أثبت ألف عام أو يزيد صلاحيته؟ فقد صان اللغة - بحمد الله - ولا يزال. وواجه احتياجاتها وما جد من شؤونها طوال هذه القرون فاضطلع بها, ولم يَعْيَ ولم يضق بضبط تطوراتها وتوسعاتها العلمية والحضارية، من بغداد شرقاً إلى أقصى بلاد المغرب والأندلس غرباً. وإذا استحدثنا مناهج جديدة ومصطلحات جديدة، فقد حكمنا بالاعدام على تراثنا، لا على تراثنا النحوي والصرفي واللغوي وحده، بل على التراث كله، الذي يستعمل هذه المصطلحات في تفسير القرآن، وفي شروح الحديث، وفي شروح دواوين الشعر ومختاراته. وهو تراث سوف يتمسك به المسلمون من غير العرب، وينفرد بغيره العرب، إن اتفقوا على ذلك المنهج الجديد.
وقالوا إن العلم يُقصَد لذاته، وللذة المعرفة وحدها. فلذة المعرفة هدف مقصود لذاته. وهذا تصور للمعرفة غير إسلامي. فصناعة الخمور معرفة، بل باب واسع لعارف متعددة، فهل ينفق مسلم وقته ويبدده فيه؟ والسحر علم، والمسلمون مَنهيّون عن السعي لمعرفته أو ممارسته. والرقص الزوجي الذي يقترن فيه الرجال بالنساء باب من أبواب المعرفة التي تمُنَحْ فيها الآن درجات جامعية في الغرب، فهل يسعى مسلم لمعرفته؟ و"تحضير الأرواح" باب للمعرفة يمارَس في بعض الجامعات الغربية، فهل يسعى مسلم إليه؟ .. هذا لون من الترف الذي تنتهي به حياة الأمم. فالترف الفكري كالترف المادي سواء بسواء. كلها إفناء للعمر في عبث يضر ولا يفيد، ويُبعِد عن الطريق ولا يُدِني منه. فلنضع السؤال الصريح القاطع إذن دون لفٍّ أو دوران، ففيه فصل الخطاب: هل نريد أن نظل مسلمين تحكُمنا أصول الاسلام، ونراقب وجوه النفع والضرر من وجهة نظر إسلامية؟ أم أننا نخدع أنفسنا وننافق الناس؟ وحقيقة الأمر أننا نضيق بقيود الإِسلام، ونريد أن ننطلق من كل قيد، ونريد أن نحيا يومنا وليكن ما يكون في الغد القريب أو البعيد؟ وليتنا نعرف أننا لا نخرق الناموس، ولا نهرب من حكم الله، وأن الذي يرفض أن يعمل لأمّته حرًّا
стр. 205
مأجوراً عند الله والناس، يضطر في آخر المطاف أن يعمل لعدوه مستعبداً بدون أجر.
الأمر واضح بيِّن، فإذا لم يكن الضرر محققاً في نظر أصحاب هذه الدعوات، فليكن "ضرراً محتملاً" ولنغلق بابه سداً للذرائع.
هذا عن القضية الأولى، أما القضية الأخرى المتعلقة بإنشاء قسم متخصص في "الدراسات الإِسلامية" بجامعة الرياض، فوجه الضرر والخطر فيها أدق وأخفى.
"الدراسات الإِسلامية" تسمية أوروبية، فهي ترجمة حرفية للأقسام التي أنشأتها الجامعات الأوربية لتضم دراسات تتعلق بالمسلمين في تاريخهم وآدابهم ومجتمعاتهم، بكل ما تتسع له هذه الكلمة من معاني الدين والعلوم والفنون والعادات والتقاليد والبيئة. هذه الدراسات التي يطلقون عليها (Islamic Studies) يُقصد بها خدمة المصالح الاستعمارية في تعاملها مع البلاد الإِسلامية والمساعدة على التخطيط لها. أما نحن فغرضنا من هذه الدراسات مختلف تماماً. هذه الدراسات عندنا لها طابع إسلامي وقومي، إنها تتصل بتراثنا الذي هو جزء من شخصيتنا، بل هو قِوام هذه الشخصية. ولذلك فهي لا تكوِّن تخصصاً مستقلاً، ولكنها موزعة في أقسام الدراسات المختلفة من عربية وجغرافية وتاريخية وفلسفية واجتماعية، بل رياضية وكيميائية وهندسية وطبية، لأننا لا نتصور في بلدٍ مسلمٍ عربي أن تقوم دراسة من هذه الدراسات في قسم من الأقسام دون أن يكونَ للجانب الإِسلامي وتاريخه منها نصيب واف. والمهم في هذه الدراسات أن لا ينسى القائمون عليها أنهم مسلمون وأنهم عرب، فلا تجري - كما يحدث في كثير من الأحيان - على الأنماط الغربية التي تمثلها بحوث المستشرقين. فيجب أن يكون هناك فرق واضح بين ما يكتبه المسلم والعربي حين يتكلم عن التراث الإِسلامي، وبين ما يكتبه غير المسلم وغير العربي حين يكتب عنه. و"الموضوعية" التي يُكثر الجامعيون من الكلام عنها ليست إلا حيلة خبيثة لسلخنا من إسلامنا وعروبتنا باسم العلم. تلك هي الموضوعية التي تصوِّرها كلمة طه حسين المشهورة في كتابه عن الشعر
стр. 206
الجاهلي حيث يقول "يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به". إن كل ما ئكتب عن إسلامنا وعروبتنا ينبغي أن يكون وسيلة لتعميق صفتنا الإِسلامية، ولا خير فيه إن لم يؤد إلى هذه النتيجة.
والدراسات الإِسلامية بهذا المعنى موجودة في كلية الآداب، وينبغي أن يستكمل ما فيها من النقص حيثما كان. ولكن ينبغي أن لا نخلط بينها وبين "العلوم الإِسلامية". فالعلوم الإِسلامية هي علوم التفسير والحديث والفقه وما يتصل بها من دراسات مكمِّلة لها ومُعينة عليها. وهذه العلوم لها مكانها الطبيعي في المعاهد الإِسلامية المخصصة لهذه الدراسات، تحيطها ضمانات تصونها من الانحراف وتمنع الانحراف أن يتسرب إليها إن شاء الله.
ولكن الخلط بين (الدراسات الإِسلامية) و (العلوم الإِسلامية) قد وقع في أذهان الناس منذ أخذ الاستعباد الإِمبريالي المسمَّى بالاستعمار يخطط لاستبعاد (الأزهر) والمتخرجين فيه من مجالات العمل والأنشطة العامة للدولة، لكي يحصرهم في المساجد، بعد أن فشل في تطوير العلوم الشرعية فيه. وكان من بين وسائله للوصول إلى هذا الهدف إنشاء مدرسة (دار العلوم) ومدرسة (القضاء الشرعي) لتقوم فيهما دراسات إسلامية متطورة تساير الحضارة الغربية، وتستأثر بوظائف التدريس والقضاء التي كانت من نصيب التخرجين في الأزهر. وعاشت (دار العلوم) وماتت (مدرسة القضاء الشرعي) بعد أن استنفذت أغراضها بدخول التطوير إلى برامج الدراسة في الأزهر نفسه.
ثم كانت الخطوة التالية حين دعا طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" سنة (١٩٣٦) إلى إنشاء لونين من الدراسة في كلية الآداب، وسعى عند المسئولين في وضع اقتراحه موضع التنفيذ فلم يحالفه النجاح في أيهما. أما أحد المشروعين، فهو يدعو إلى إنشاء معهد للأصوات لدراسة اللهجات قديمها وحديثها. وقد عارض وكيل وزارة المالية الذي كان ممثلاً للدولة في مجلس الجامعة وقتذاك في منحه ما يحتاج إليه من مال, لأنه لم يستطع - على رواية المؤلف - أن يفهم قيمة هذا المعهد وحاجة المتعلمين إليه. أما المشروع الآخر،
стр. 207
فقد كان يدعو إلى إنشاء معهد للدراسات الإِسلامية يلحق بكلية الآداب. ومهمة هذا المعهد كما يصورها طه حسين هي العناية بالدراسة الإِسلامية (على نحو علمي صحيح). والمسوِّغ لإِنشائه عنده هو أن (كلية الآداب متصلة بالحياة العملية الأوربية. وهي تعرف جهود المستشرقين في الدراسات الإِسلامية. ومن الحق عليها أن تأخذ بنصيبها في هذه الدراسات لتلائم بين جهود مصر التي ترى لنفسها زعامة البلاد الإِسلامية، وبين جهود الأمم الأوربية - الفقرة ٤٩ ص ٣٤ من طبعة المعارف سنة ١٩٤٤ م).
ومضى على هذين الشروعين الفاشلين زمن طويل. ثم دارت الأيام دورتها وظهر المشروعان من جديد حين تقدم أحد أساتذة جامعة الاسكندرية باقتراح إنشاء شعبة (للدراسات العربية الحديثة) وبإنشاء (قسم أو شعبة للدراسات الإِسلامية في كل كلية للآداب بالجامعات المصرية). وقد صدر بالاقتراح الأول مرسوم جمهوري سنة ١٩٥٥ ولكنه ظل حبراً على ورق لم يأخذ طريقه للتنفيذ إلى أن أعان الله على إلغائه. أما الاقتراح الثاني الذي تقدم به صاحبه سنة (١٩٥٧) فقد بناه على أن الركن الأكبر من نجاح التربية الدينية (هو المعلم الذي ينبغي أن يعاد النظر في تكوينه وإعداده وأن يُرسَم لذلك منهج جديد يحقق له عمق الثقافة وحرية الفكر). وبناه كذلك على أن (قيام مصر بنصيبها في تقدم الإِنسانية وفي حل مشكلات الحياة المعاصرة يتطلب من المصريين تعمقاً في دراسة دينهم، وتَبَيُّنِ موقفه من مختلف المذاهب والاتجاهات التي يجيء بها التطور الاجتماعي والفكري). واقترح فيما اقترحه من الدراسات في هذا القسم دراسة (سيكولوجية الدين) و (التاريخ المديني والفكري للبشرية قبل الإِسلام) وإما كان لمصر وعلمائها بين الأمم الإِسلامية من آثار علمية خالدة) و (النظم الدينية والأخلاقية المقارنة).
فالدراسة المقترحة تقوم على أساسين: أولهما إستبعاد الأزهر أو المعاهد الدينية من القيام بوظيفة تعليم الدين, لأن مناهجه لا تحقق للدارسين فيه (عمق الثقافة وحرية الفكر). وثانيهما هو الصبغة المصرية التي تبرز في الإِشارة إلى مهمة مصر القيادية في حل مشكلات الحياة المعاصرة ومسايرة التطور الاجتماعي، وهو تطور غربي بالبداهة. كما تَبْرُزُ في إمداد الدارس بما يقوِّي
стр. 208
فيه الاعتزاز بفقهاء الإِسلام وعلمائه من المصريين بخاصة، مما يوجد لوناً من الشعوبية الإِسلامية يشبه الشعوبية السياسية.
ومن صنيع الله للإِسلام أن هذا الاقتراح لم يجد طريقه إلى النجاح أيضاً. ولكن هذا. الاقتراح واقتراح طه حسين السابق يصوران اتجاه الفكر الجامعي في الدراسات الإِسلامية. فالأصل الذي تجري عليه الدراسات الجامعية على وجه العموم في بلاد المسلمين الآن - لسوء الحظ - أنها غير ملتزمة إسلامياً إذا لم نقل إنها لِبْرالية علمانية.
لذلك يجب أن تُتْرك هذه الدراسات حيث هي محوطة بالضمانات التي تحفظها من الانحراف. ومهما تَبْدُ هذه الدراسات الآن سليمة في الجامعة، فليس هناك ما يضمن سلامتها وعدم انحرافها فيما يطرأ من تطورات وتطويرات. ولست أنكر أن بعض الذين يفكرون في إنشاء شعبة أو قسم للدراسات الإِسلامية في كليات الآداب يَصدُرون عن غيرة دينية محمودة، ولكنهم لا يتنبهون إلى بعض الآثار الخطيرة التي تترتب على المشروع.
فدراسة العلوم الإِسلامية تقوم على أوليات لا بد من تحصيلها: حفظِ القرآن وإتقان تفسيره وكلِّ ما يتعلق به من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والعام والخاص، ودراسةِ الفقه في أقسامه المختلفة وأبوابه المتعددة ومسائله المتشعبة، في العقائد والعبادات والمعاملات. وبدون تحصيل هذه الأسس الأولية لا يمكن أن نبني دراسات إسلامية صحيحة. فالدراسات الإِسلامية التي تُبنىَ على غير هذه الأسس ستكون حتمًا دراسة متحررة, لأن صاحبها - وهو يزعم أنه متخصص في الدراسات الإِسلامية - سيفتي بعقله الحر من عند نفسه إذا استُفتي في شأن من الشؤون الإِسلامية التي لم يسبق له دراستها، أو التي درسها دراسة منحرفة أو ناقصة غير سوية.
فإذا جازفنا بإنشاء مثل هذه الدراسة، وألحقناها بكلية الآداب، أو بمعهد من المعاهد في إحدى الجامعات المنشأة على النمط الغربي، فيجب أن لا يغيب عن بالنا الملاحظات الآتية:
стр. 209
١ - الأصل في الدراسة الجامعية في هذه الكليات والمعاهد أنها دراسة متحررة لا تتقيد بالدين، أيَّ دين، أو كذلك تبدو الدراسة الجامعية في المقاييس الأوربية التي نقتبس منها ونأخذ عنها. والمثال قائم ومشاهد فيما نريد أن نأخذ به في أقسام اللغة العربية من تطوير للدراسات اللغوية في ضوء الأساليب الغربية. وهو قائم في المشروعين اللذين قُدِّما في هذا الشأن، واللذين أشرت إليهما منذ قليل.
٢ - لا مسوِّغ للازدواجية، طالما أن هناك معاهد متخصصة في هذه العلوم والدراسات لا نفكر في إلغائها أو الاستغناء عنها إلا إذا كان صنيعُنا من باب الاحتيال في التضييق عليها. والأفضل أن نستكمل ما فيها من نقص إن وُجد.
٣ - إذا لم تكن هذه الدراسة في كلية الآداب والتربية منافسة لنظيرتها في الجامعات والمعاهد الدينية المنشأة أصلاً لهذا الغرض، فما هو الهدف منها؟ وما الذي نتصوره لمستقبل المتخرجين فيها؟
- إذا كان المقصود هو تعميمَ الثقافة الإِسلامية والتنبيه إلى ما يسوق الاستعمار والصهيونية والتبشير من دعاوى تستهدف الكيد للإِسلام والمسلمين، فالطريق السليم لذلك هو أن تعمَّم هذه الدراسة في شكل (مقرر دراسي ثابت) في كليات الآداب بل في كليات الجامعة على اختلاف تخصصاتها. فالطبيب والمهندس والمشتغل بالعلوم الطبية والكيميائية لا يستغني عن أن نزوده بما يحصِّنه ضد هذه الأوبئة. وهذا عمل سليم نافع، ومهمة ضخمة تستغرق نشاط (قسم الدراسات الإِسلامية) في كلية التربية.
- المتخرجون في هذا القسم إذا عملوا في الميدان الذي يعمل فيه المتخرجون في المعاهد الدينية، فسينشأ عن ذلك صراع وصدام بين الفريقين، نتيجة لاختلاف أسلوب التحصيل بينهما، ونتيجة لا قد يتورط فيه خريجو هذا القسم من الإِفتاء فيما لا يعلمون, لأن تحصيلهم في الواقع يتعلق بقضايا فكرية عامة، ولا يتعلق بالعلوم الشرعية. والذي يحصلونه منها قد يغري بالتصدي للإِفتاء، ولكنه لا يكفي ولا يصلح ولا يُعِد هذا الغرض.
стр. 210
وقد كان لنا في الجامعات المصرية تجربتان مريرتان: إحداهما عن بحث تقدم به صاحبه للحصول - على درجة الماجيستير من كلية الآداب في جامعة القاهرة موضوعه "القصص القرآني". وقد أثار ضجة انتهت برفضه واعتباره غير صالح للمناقشة. والتجربة الأخرى كانت في بحث تقدمت به صاحبته للحصول على الماجيستير من جامعة الاسكندرية في موضوع (دراسة في أصوات المدَّ في التجويد القرآني). وقد أثار كسابقه ضجة انتهت بحجب الدرجة التي مَنَحتها لجنة المناقشة للطالبة بعد مناقشتها، وحرمانها منها. ولا أريد أن أطيل بذكر تفاصيل هذا الموضوع فقد أثبتها في كتابي "حصوننا مهددة من داخلها".
وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به ...
стр. 211
- ٥ -
حول بحث جامعي في قراءات القرآن
هاك نموذجاً للدراسات الإِسلامية كما أراد لها طه حسين أن تكون حين اقترح في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) إنشاء معهد للدراسات الإِسلامية بكلية الآداب. وذلك هو البحث الذي تقدمت به إحدى المتخرجات في قسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية للحصول على درجة الماجستير سنة ١٣٨٥ (١٩٦٥ م)، وموضوعه (دراسة في أصوات المد في التجويد القرآني). وهو بحث يقوم على مجازفات تجمع بين الانحراف والجهل، يريد أن يشكك في سلامة النص القرآني. تقدمت السيدة تغريد عنبر بهذا البحث الذي أعدته تحت إشراف الدكتور حسن عون الأستاذ في قسم اللغة العربية بالكلية، وكتب الأستاذ المشرف تقريراً يؤكد فيه سلامة البحث وصلاحيته للمناقشة، وناقشته لجنة مكونة منه ومن الشيخ أمين الخولي الأستاذ في كلية الآداب بجامعة القاهرة والدكتور إبراهيم أنيس الأستاذ في دار العلوم، وكلاهما عضو في مجمع اللغة العربية (١). وأعلن عن موعد المناقشة، وشهدها جمع كبير
стр. 212
لم أكن بينهم، ولكني عرفت من بعض الحاضرين أن الشيخ أمين الخولي بدأ مناقشته برد الطالبة عن الكتابة في الموضوع أصلاً لأنها تجهل أوَّلياته، وندد بما تضمنه بحثها من أحكام تستخف بعقائد المسلمين ومقدَّساتهم. ثم كانت المفاجأة في ما انتهت إليه اللجنة آخر الأمر وأعلنته على الناس حين قررت منح الطالبة درجة الماجستير بمرتبة جيد جداً. واشترطت اللجنة في قرارها هذا أن لا يطبع البحث إلا بعد تعديل بعض أجزائه. واستناداً إلى هذا الشرط تقدم أحد أساتذة الكلية ممن شهد المناقشة بطلبٍ إلى مجلس الكلية يدعوه إلى التمهل في الموافقة على قرار اللجنة حتى يراجع البحث ويعرف ما فيه من وجوه الخلل التي نصَّت اللجنة على وجوب تعديلها وإصلاحها قبل نشره مطبوعاً على الناس. ودعاني ذلك الزميل لأن أنظر في البحث لأرى فيه رأيي. وقرأت البحث فهالني ما فيه. وتقدمت بمذكرة إلى مدير الجامعة وإلى عميد الكلية أطلب التوقف عن منح الدرجة، واستجابت الجامعة للطلب فتوقفت عن توثيق قرار لجنة المناقشة. وعند ذلك ظهر أعوان الشر ودعاة الهدم يشنِّعون بي ويهاجمونني ويغرون الدولة بي في السِّر والعَلَن، بين مهاجمات صحفية ظاهرة ورسائل إلى الجهات المسؤولة مجهولة الكاتب، يتهمونني عندها بالرجعية وبعداوة الثورية والتقدمية وبما شئت من أمثال هذه التهم التي لا يمكن تمثُّل حقيقتها أو تحديدُ حدودها أو إدراكُ ماهيّاتها. وتبين أن وراء هذه القضية أعواناً وأنصاراً لم يَدُرْ في الحسبان أن يقفوا وراء قضية خاسرة مثلها. فيهم من يرأس جماعة إسلامية كبرى، وفيهم من هو على رأس هيئة إسلامية ضخمة، وفيهم من يشغل مناصب رفيعة. واستكتب الدكتور حسين سعيد (وزير التعليم العالي وقتذاك، ومحافظ الرُّويْتَري في المنطقة، والأستاذ السابق بكلية العلوم) الأستاذ عبد السلام هارون الأستاذ بكلية دار العلوم تقريراً يدافع فيه عن البحث دفاعاً حاراً أعير على أثره إلى كلية الآداب بجامعة الكويت عند إنشائها رئيساً لقسم اللغة العربية فيها. وخاضت صحف كثيرة في القضية، تندب حرية البحث، وتتباكى على كرامة العلم والعلماء. وتزعمت السيدة
стр. 213
أمينة السعيد هذه الحملة، فنشرف في صحيفة (المصور) سلسلة من المقالات في ست حلقات متتالية، بدأت بالعدد ٢١٧٢ الصادر في ٧ صفر ١٣٨٦ (٢٧ - ٥ - ١٩٦٦ م) تحت عنوان "كرامة العلم والعلماء تضيع في جامعة الإِسكندرية"، واستمرت على التوالي تحت عنوان (حول كرامة البحث العلمي) و (حول كرامة العلم والعلماء الضائعة في جامعة الاسكندرية) حتى انتهت في العدد ٢١٧٧ الصادر في ١٢ ربجع الأول ١٣٨٦ (١ - ٧ - ١٩٦٦ م). وحشدت الكاتبة في هذه السلسلة فتاوى من استكتبتهم من أساتذة الجامعات وعلماء الدين. وأنا أسرد للتاريخ أسماء الذين اشتركوا في الدفاع عن هذا البحث منهم، وأترك للقارىء أن يحكم عليهم بعد أن يقرأ نماذج مما جاء في البحث، في نص المذكرتين اللتين كتبتهما في الموضوع. وأنا أورد أسماءهم حسب ترتيب ظهورها في هذه الحملة الصحفية: الدكتور عبد الصبور شاهين المدرس بدار العلوم - الشيخ عبد اللطيف دراز وكيل الأزهر السابق - الدكتور مصطفى زيد الأستاذ بدار العلوم - الأستاذ عبد السلام هارون الأستاذ بدار العلوم - الدكتور مُحَمَّدْ طه الحاجري الأستاذ بآداب الاسكندرية - الدكتور محمود حافظ الأستاذ بحقوق القاهرة - الشيخ عبد الحميد السايح رئيس محكمة الاستئناف الشرعية بالأردن (١) - الشيخ علي الخفيف الأستاذ السابق بحقوق القاهرة - الشيخ فرج السنهوري الأستاذ السابق بحقوق القاهرة ورئيس لجنة تعديل قوانين الأحوال الشخصية ووزير الأوقاف السابق - الدكتور محمود محمود مصطفى الأستاذ بحقوق القاهرة - الدكتور عبد العزيز الأهواني الأستاذ بآداب القاهرة - الدكتور عبد القادر القط الأستاذ بآداب عين شمس - الأستاذ عبد الحميد الدواخلي الأستاذ بآداب القاهرة.
بعض هؤلاء من المتأثرين بالتحررية الغربية (اللِّبرالية) في الدفاع عن
стр. 214
حرية الرأي. وبعضهم من طالبي الظهور الذين يحبون أن يروا أسماءهم وصورهم في الصحف. وبعضهم ممن تورطوا فيما لا عِلْمَ لهم به. وبعضهم ممن صُوّر له الأمر على أنه توريط لصاحبة البحث في تهمة الإِلحاد بقصد إيذائها، مع أن هذه التهمة لا تؤذي أحداً في أيامنا هذه لسوء الحظ. وبعضهم ممن تربطه صلة بصاحبة البحث أو بالمشرف عليه أو بعضوي لجنة المناقشة الآخرين.
وأيًّا ما كان الأمر فقد دعتني الظروف التي أحاطت بهذا الموضوع وقتذاك إلى أن أكتفي بالمذكرة التي تقدمت بها إلى الجامعة، والتي ضمَّنتها نصوصاً من البحث تثبت انحرافه وفساده. ثم أردفتُ هذه المذكرة بمذكرة أخرى تقدمت بها إلى الجامعة أيضاً، ورددت فيها على بعض ما جاء في آراء من استكتبتهم صحيفة (المصور) في حملتها، ومن حاولوا التهوين من خطورة ما جاء في بحث الطالبة المرفوض.
وفيما يلي نص المذكرتين:
المذكرة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقدمت الطالبة تغريد السيد عنبر إلى كلية الآداب بجامعة الإِسكندرية ببحث موضوعه: "دراسة في أصوات المدّ في التجويد القرآني" للحصول على درجة الماجستير من قسم اللغة العربية. وقد نوقش البحث في ٧ - ١٠ - ١٩٦٥ واقترحت اللجنة التي ناقشته أن يمنح درجة الماجستير. ولكن مجلس الكلية والجامعة لم يوافقا بعد على هذا الاقتراح.
والبحث المذكور يقوم عليه اعتراضان أساسيان يمنعان من إقراره أو إجازته: أولهما: هو أن قسم اللغة العربية ليس مختصاً بإِعداد بحوث تتصل بالقرآن جملة، وبالتجويد القرآني على وجه أخص, لأن تلاميذ القسم وأساتذته على السواء غير مزودين بالأدوات التي تسمح بتوجيه البحث أو تناوله على هذا
стр. 215
المستوى العالي. فالطالب يفقد أدني شروط اللياقة، وهي الإلمام بالقرآن وتصوره، فضلاً عن حفظه، وتصحيح تلاوته في القراءة المتداولة المروية عن (حفص)، فضلاً عن معرفة الوجوه المختلفة لقراءته. وذلك كله إلى فقدان ما ينبغي توافره من أدوات البحث الأساسية، كالعلم بالحديث والسنن وأخبار الصدر الأول من وجوهها المختلفة، والتمييز بين صحيحها وضعيفها وفاسدها، سنداً ومَتْناً، والإِحاطة التامة بذلك، إحاطة تعصم صاحبها من الوقوع تحت تأثير السخيف الضعيف من الروايات, لأنه لا يعرف ما ورد في نقضه من روايات أخرى.
ووجود هذه المواد القرآنية في برامج الدراسة بالكلية لا يبرر السماح بإِعداد الدراسات العليا فيها. فهي موجودة بوصفها مادة مساعدة على كمال تصور الدراسات الأدبية واللغوية. لا على أنها مادة تخصص. شأنها في ذلك شأن مادتي التاريخ الإِسلامي والفلسفة الإِسلامية، يدرسهما الطالب في قسم اللغة العربية، ولكن هذه الدراسة لا تبيح له أن يتقدم فيهما بدراسات عليا.
والاعتراض الثاني - وهو نتيجة للاعتراض الأول ومترتب عليه - هو أن الطالبة قد وقعت في أخطاء فادحة نتيجة للجهل ونتيجة للتعرض لما لا تعرفه، وهي أخطاء تمس العقيدة، بل تهدم الأساس الأصيل الذي يقوم عليه الإِسلام، وتؤذي إيمان المؤمنين في أعز ما يعتزّون به وهو القرآن. وذلك بما زعمته الطالبة وأكدته في أكثر من موضع من أن القرآن الذي يتعبد به المسلمون ليس منزّلاً من عند الله، أو هو منزّل من عند الله بمعناه لا بلفظه، وهو ما لم يجرؤ أحد من المسلمين على القول به، بل ما لم يجرؤ الملاحدة على الجهر به في وطن إسلامي.
زعمت الطالبة أن رسول الله ﷺ كان يغيِّر ويبدّل في النص القرآني. فجاء في ص ٨ س ٨، بعد كلام عن استخدام الرسول ﵊ للهجات العرب المختلفة في أحاديثه العامة:
(ولما كان الرسول يفعل ذلك في أحاديثه العامة معهم، فمن الأولى أن يفعله في الأمر الأهم الذي أتوه من أجله. من الطبيعي أن يستبدل في النص