الذي أدى إلى سقوط الإِمبراطورية الإِغريقية ثم الإِمبراطورية الرومانية في الزمان القديم. ويقول في ذلك الصدد (إننا محاصرون من جميع الجهات بتيار مطرد من الجنس يغرق كل غرفة من بناء ثقافتنا وكل قطاع من حياتنا العامة. وهذه الثورة التي تعبر بنا آخذة في تغيير حياة كل رجل وكل امرأة في أمريكا أكثر من أي ثورة أُخرى في هذا العصر).
ومن ذلك ما جاء في صحيفة "الأخبار" (عدد ٢٦ محرم ١٣٧٧ ص ٢ تحت عنوان: عالم أمريكي يقول إن المرأة الأمريكية باردة) حيث نقلت ما صرح به الدكتور جون كيشلر أحد علماء النفس الأمريكيين في شيكاغو، حين قال: (إن ٩٠ في المائة من الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي، وأن ٤٠ في المائة من الرجال مصابون بالعقم. وقال الدكتور: إن الإِعلانات التي تعتمد على صور الفتيات العارية هي السبب في هبوط المستوى الجنسي للشعب الأمريكي).
ومن شاء المزيد فليرجع إلى تقرير لجنة الكونغرس الأمريكية لتحقيق الأحداث في أمريكا، الذي نقلته مجلة "التحرير" (العدد ٢٣٤ تحت عنوان: أخلاق المجتمع الأمريكي منهارة). وهو يشير إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات بين الأحداث، وانتشار الحانات التي تقدم الخمور وكتب الجنس وقصص الجنس وأفلام الجنس وانتشار نوادي العراة بكثرة مخيفة على الشواطىء الشرقية خاصة. ومن شاء فليرجع كذلك إلى تقرير اللجنة التي شكلها مجلس العموم البريطاني للتحقيق في مشكلة الشذوذ الجنسي، فانتهت من بحثها إلى اقتراح إباحته بعد الواحدة والعشرين، وقد نشرته صحيفة "الأخبار" أخيراً.
وأحب أن أشير إشارة موجزة إلى بعض مزاعم يؤيد بها دعاة الاختلاط مذهبهم الهدام. من ذلك ما يزعمه بعضهم من أن الريف العربي كله - ومنه قرى مصر - يمارس الاختلاط. والواقع أنه ليس هناك اختلاط بين الرجال والنساء في أيهما, ولم يوجد هذا الاختلاط في أي عصر من العصور. فسفور
стр. 72
القروية أو البدوية شيء والمجتمع المختلط شيء آخر. وكل الناس يعرفون أن الزي الذي رسمه الإِسلام للنساء من إطالة الثياب وتوسيعها، إلى تغطية الرأس بالخمار. والضرب بفضوله على الصدر، لا يتوافر في امرأة كما يتوافر في القروية والبدوية. ومن المعروف كذلك أن السفور في هذه البيئات لا يتجاوز معاونة المرأة لزوجها في بعض الأعمال، وهي معاونة محدودة فيما تستطيعه، مثل نقل الحطب أو جني الثمار أو القيام على الدواب أو نقل بعض المتاع والغذاء. على أنها لا تفعل شيئاً من ذلك إلَّا بدافع الفقر والحاجة. أما السَّراة فنساؤهن مصونات في البيوت. لذلك كان الشاعر العربي إذا وصف المرأة الكريمة قال إنها (نَؤُوم الضُّحى). على أن التي يلجئها الفقر إلى الخروج لا تخاطب الغرباء إلَّا بقدر ما تدعو إليه الحاجة الماسة الضرورية. وهي تضع طرف خمارها بين يدها وبين يد الرجل أذا سلمت عليه. ومن المؤكد على كل حال أنها لا تجالس الرجال في أسمارهم أو عقودهم، بل ولا تشارك أهل بيتها من الرجال على المائدة في بعض الأحيان. فأين ذلك كله من المجتمع المختلط؟
ومن هذه المزاعم كذلك ما يروِّجونه من أن الأخطاء التي نشاهدها الآن من آثار الاختلاط سوف تزول كما زالت في الغرب حسب زعمهم. وواقع الأمر أن الأخطاء لم تزل في الغرب، ولكن حياء الغربيين والغربيات هو الذي زال. ونحن ناس خلق ديننا الحياء، والحياء خيرٌ كلُّه كما قال سيدنا رسول الله. إن الذي يدمن الحياة بين نَتَنِ الِجيَف وَعفَنِ الأقذار يفقد الإِحساس بالنتن والعفن، ولكن هذا لا يعني أن النتن قد زال.
ومن أعجب ما يلجأ إليه دعاة الاختلاط في بعض دعاياتهم أنهم يعارضون الإِسلام بما جرى عليه العُرْف عند بعض البائدين كالفراعنة، أو بمذاهب بعض الدراسات الاجتماعية والنفسية الحديثة. ومعارضةُ الإِسلام بهذه أو بتلك لا تصدر إلَّا من جاحد بالله ورسالاته وكتبه, لأن الفرعونية ليست ديناً وليست مذهباً خلقياً، ولكنها عصر تاريخي قد يكون فاسداً وقد يكون ضالًا وقد يكون كافراً بالله. وقد قطع الإِسلام ما بين إبراهيم ﵊ وبين أبيه، وقطع ما بين نوح ﵇ وبين ابنه، وبين
стр. 73
لوط ﵇ وبين زوجته، فكيف لا يقطع الإِسلام ما بيننا وبين الكفار من الفراعنة، والله يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: ٢٣]
أما الدراسات النفسية والاجتماعية فهي الآن دراسات موجَّهة تخضع لمذاهب الدارسين وأهوائهم. ولذلك فهي متشعبة إلى مذاهب ومدارس متباينة، تتعرض لتغير دائم لا يكاد يستقر. فترك نصوص الدين الثابتة إلى هذه الفروض المتغيرة التي ينقض بعضها بعضاً هو اتباع للظن المفرِّق للوحدة، والباعث على التنازع المؤدي للفوضى والانحلال. ومن غير الجائز بوجهٍ عام، وفي أي حال من الأحوال، أن يحُتَكَم في مثل هذه الشؤون إلى بعض مذاهب الناس قديماً أو حديثاً. فهذه المذاهب والآراء إن صلحت لدارس فنون الشعوب وعاداتها (الفولكلور) لكي يتصور منها صورة للمجتمع في بيئاته المختلفة وفي عصوره المتتالية، فهي لا تصلح في كل الأحوال لأن تكون قدوة صالحة، ولا يصح أن تكون مذهباً خلقياً أو أجتماعياً يُعارَض به مذهب الإِسلام. فما اختلفنا فيه من شىِء فَمَرَدُّه إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا إلى الفراعنة، ولا إلى ما اعتاده الناس وما جري عليه العرف هنا أو هناك. ومَنْ اعتراه أدنى شك في أن مصالح الناس ومصلحة الوطن لا تتعارض مع الدين فقد أخرج نفسه من عِداد المسلمين.
ثم إني أحب في آخر الأمر أن أضع بين يدي القارئ مقتطفات من خطة الصهيونية الكبرى للسيطرة على العالم عن طريق هدم كل ما فيه من قوى، التي اكتُشِفَت مخطوطاتها وذاع سرها للمرة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الخطة المشهورة باسم "بروتوكولات حكماء صهيون" فقد تُعين على تدبر بعض ما ذكرته.
جاء في البروتوكول الأول: (يجب أن ننظر إلى أولئك السكارى الذين تبلدت أذهانهم بفعل الخمر. إن الحرية أتاحت لهم هذا الإِفراط والإِدمان ...
стр. 74
إن الشعب لدى المسيحيين أضحى متبلداً تحت تأثير الخمر، كما أن الشباب قد انتابه العَتَه لانغماسه في الفسق المبكر الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والربيات اللاتي يعملن في بيوت الأثرياء، والموظفين والنساء اللاتي تعملن في أماكن اللهو، ونساء المجتمع الزعومات اللواتي يقلدنهن في الفسق والترف).
وجاء فيه أيضاً: (لقد كنا أول من صاح في الشعب فيما مضى "بالحرية والإِخاء والمساواة"، تلك الكلمات التي راح الجهلة في أنحاء المعمورة يرددونها بعد ذلك دون تفكير أو وعي ... إن نداءنا "بالحرية والمساواة والإِخاء" اجتذب إلى صفوفنا من كافة أركان العالم، وبفضل أعواننا، أفواجاً بأكملها لم تلبث أن حملت لواءنا في حماسة وغيرة. وكانت هذه الكلمات - في ذلك الوقت- تسيء إلى الرخاء السائد لدى المسيحيين وتحطم سلمهم وعزيمتهم ووحدتهم، عاملة بذلك على تقويض دعائم الدولة. وأدى ذلك العمل إلى انتصارنا).
وجاء في البروتوكول الثاني: (.. أما غير اليهود فإِنهم لا يستفيدون من تجارب التاريخ التي تمر بهم، ولكنهم يتمسكون. بنظريات روتينية دون تفكير في النتائج التي قد يسفر عنها هذا المسلك، لذلك فنحن لا نعير غير اليهود آية أهمية، فليلهوا ما طاب لهم اللهو حتى ينقضي الوقت، وليعيشوا على أمل ملذات جديدة أو في ذكرى متع سالفة، وليعتقدوا أن هذه القوانين النظرية التي أوحينا بها إليهم ذات أهمية قصوى، فبهذا الاعتقاد الذي تؤكده صحافتنا نزيد من ثقتهم العمياء في هذه القوانين ... يجب أن لا يكون هناك اعتقاد في أن مناهجنا كلمات جوفاء. فنحن الذين هيأنا لنجاح دارْوِنْ وماركس ونِيتْشَه (١)، ولم يَفُتنا تقدير الآثار السيئة التي تركتها هذه النظريات في أذهان غير اليهود).
стр. 75
وجاء في البروتوكول الرابع: (إن لفظة الحرية تجعل المجتمع في صراع مع جميع القوى، بل مع قوة الطبيعة وقوة الله نفسها ... على أن الحرية قد لا تنطوي على أي ضرر، وقد توجد في الحكومات وفي البلاد دون أن تسيء إلى رخاء الشعب، وذلك إذا قامت على الدين والخوف من الله والإِخاء بين الناس المجرد من فكرة المساواة التي تتعارض تماماً مع قوانين الخليقة، تلك القوانين التي نصَّت على الخضوع. والشعب باعتناقه هذه العقيدة سوف يخضع لوصاية رجال الدين ويعيش في سلام ويسلِّم للعناية الإِلهية السائدة على الأرض، ومن ثَمَّ يتحتم علينا أن ننتزع من أذهان المسيحيين فكرة الله والاستعاضة عنها بالأرقام الحسابية والمطالب المادية).
وجاء في البروتوكول الخامس: (ولكي نطمئن إلى الرأي العام يجب
باذىء ذي بدىء أن نربكه تماماً فنسمعه من كل جانب وبشتى الوسائل آراء
متناقضة لدرجة يضل معها غيُر اليهود الطريق في تِيهِهم، فيدركون حينئذ أنّ
أقْومَ سبيل هو أن لا يكون لهم أي رأي في الشؤون السياسية ... والسر الثاني
الملازم لنجاح حكومتنا يقوم على مضاعفة الأخطاء التي ترتكب والعادات
والعواطف والقوانين الوضعية في البلاد لدرجةٍ يتعذر معها التفكير تفكيراً سليمًا
وسط تلك الفوضى ... وسوف تساعدنا تلك السياسة كذلك على بث الفرقة
بين جميع الأحزاب وعلى حل الجماعات القوية وعلى تثبيط عزيمة كل عمل
فردي يمكن أن يعرقل مشروعاتنا).
وجاء في البروتوكول الثامن: (لا يتيسر إسناد المناصب الرئيسية في الحكومة إلى إخواننا اليهود. لذلك فإِننا سنسند المناصب المهمة إلى أناس من ذوي السمعة السيئة حتى تنشأ بينهم وبين الشعب هوة سحيقة، أو إلى أناس يمكن محاكمتهم والزج بهم في السجون إذا ما حالوا دون تنفيذ أوامرنا. والغرض من هذا هو إرغامهم على الدفاع عن مصالحنا حتى النفس الأخير).
وجاء في البروتوكول التاسع: (ولكي نحطم التنظيمات التي أقامها غير اليهود عاجلاً، فإِننا قد دعمناها بخبرتنا وأمسكنا بأطراف أجهزتها، فقد كانت الأجهزة تسير في الماضي بنظام صارم ولكن عادل، فأحللنا محله نظاماً متحرراً
стр. 76
غير منتظم، ووضعنا يدنا على التشريع، وعلى المناورات الانتخابية، وتحكمنا في إدارة الصحافة وفي نمو الحرية الفردية. والأهم من ذلك كله إشرافنا على التعليم وهو المعوَّل الرئيسي للحياة الحرة).
وبعد، فإِني أسوق هذا الحديث إلى دعاة المجتمع المختلط في المدارس وفي الجامعات وفي الأندية والمجتمعات، وفي المصانع والمتاجر، وفي إدارات الحكومة ومحافلها، وفي المعسكرات والمهرجانات، حيث تُعَرض أجساد الطالبات وأفخاذهن وأذرعهن ومفاتن أجسادهن في تمايلهن وتثنيهن باسم الرياضة والفن، والتي انتهت أخيراً إلى إجراء مسابقات للسباحة في الجامعات تظهر فيها الطالبات عاريات إلَّا من زي الشاطئ الذي لا يستر من العورات إلَّا ما يضاعف فتنتها وإغراءها، وذلك على مشهد من الأساتذة والطلاب في منشآت الجامعات الرياضية. إلى هؤلاء جميعاً أسوق الحديث. ثم إني أرجيء الشطر الآخر من الموضوع، وهو الخاص باشتغال المرأة بأعمال الرجال مما جرى عرف بعض الناس في هذه الأيام على تسميته "حقوق المرأة" إلى حديث تال إن شاء الله.
стр. 77
الجِنسُ الثَّالِث*
أحسن ما قرأته في وصف النساء المترجِّلات، اللاتي يأبين إلَّا الخروج على فطرتهن، والزجَّ بأنفسهن في ميادين الرجال، تسميةُ أحد كتاب الإِنجليز لهن "الجنس الثالث". فالواقع أن هذه التسمية وصف صادق كل الصدق لهذه الطبقة الجديدة من النساء التي برزت مشكلتها في المجتمع الأوروبي منذ أواخر القرن الميلادي الماضي، بعد أن تكاثر عددها فيه وطغى سيلها. ذلك لأنهن قد فقدن أنوثتهن فلم يعدن نساء، وابتذلن أجسادهن وأرْخَضْن مفاتهن حتى عافها الرجال وانصرفوا عنها. ثم إن فطرتهن وخلقتهن تأبى عليهن من بعدُ أن يَدْخلن في عِدَاد الرجال. من أجل ذلك سماهن ذلك الكاتب الإنجليزي الحصيف "الجنس الثالث"، بعد أن أخرجن أنفسهن من عداد النساء واستحال عليهن أن يدخلن في عداد الرجال، فهن يخالفن الرجال طبيعة وتركيباً، ويخالفن النساء وظائف وأعمالاً. "وقد درس هذا الأستاذ أحوالهن درساً مدققاً فوجد أنهن يتركن الزواج. وبانتزاعهن أنفسهن من وظائفهن الطبيعية كالأمومة وما يتبعها قد تغيرت إحساساتهن عن إحساسات بنات جنسهن، وصرن في حالة من الكآبة تشبه أعراض الماليخوليا" (١).
أساءت المرأة إلى نفسها وأساء إليها الذين ظاهروها وأعانوها ممن يزعمون أنهم أنصارها. فقد كانت ريحانة تشَمّ، فأصبحت مشكلًا يتطلب الحل، وكانت عِرْضاً يصان وأمانة تحفظ، فأصبحت حملاً ثقيلا يضيق به الأب
стр. 78
والأخ ويتحتم معه على المرأة أن تعمل لتعيش. نشأ الجيل السابق على أن يكفلها ويكفيها حاجتها، وكان هذا التقليد عقيدة مركوزة في أعماق كل نفس، يحرسها الإجماع عليها, ولا يخطر لأب أو ابن أو أخ أو زوج أن يتخلى عنه ويخرج من عهدته، فلما عملت المرأة لنفسها وشاع ذلك في المجتمع ماتت هذه العادة، وماتت معها الروءة التي كانت تدفع إليها، والغيرة التي كانت سبباً في المحافظة عليها، وأصبحت المرأة إذا لم تبحث عن العمل من نفسها دفعها وليها إليه دفعاً وألزمها به إلزاماً. بل لقد أصبح القانون يلزمها بالعمل في النظام الشيوعي، وأصبح الواقع يلزمها به في النظام الرأسمالي. وأصبحت التي لا تعمل في أيامنا لا تجد اللقمة ولا تجد الزوج, لأن الرجال إن عدموا ذوات المال من الزوجات بحثوا عن الكادحات الكاسبات. وكاد ذلك يصبح قانوناً من قوانين حياتنا يقضي على المستعففات بالبوار والهلاك. فهل هذا هو ما يسميه الخادعون والمخدوعون والخادعات والمخدوعات "حقوق المرأة"؟
وفي الوقت الذي يتجرع فيه الغرب آثار خروج المرأة على فطرتها ووظيفتها، كان بعض كتابنا ومفكرينا ينادون بأن نأخذ في ذلك الطريق الذي انتهى بالغرب إلى ما هو فيه من مشاكل اجتماعية واقتصادية هزت دعائم مجتمعه هزَّاً عنيفاً أفقده استقراره واتزانه وعرَّض سلامته وكيانه لأشد الأخطار. ولقد يبدو للدارس المتأمل أن المرأة لا توضع الآن حيث تدعو الحاجة - صحيحة كانت أو مزعومة - إلى أن توضع، ولكنها توضع لإِثبات وجودها في كل مكان، ولإِقحامها على كل ما كان العقل والعرف ينادي بعدم صلاحيتها له. فليس المقصود بتوظيفها في هذه الأيام سد حاجة موجودة، ولكن المقصود هو مخالفة عرف راسخ، وتحطيم قاعدة قائمة مقررة، وإقامة عرف جديد في الدين وفي الأخلاق وفي الذوق، وخلق المبررات والمقومات التي تجعل انسلاخنا من إسلامنا وعروبتنا وشرقيتنا أمراً واقعاً، كما تجعل دخولنا في دين الغرب ومذاهب الغرب وفسق الغرب أمراً واقعاً كذلك.
وأخطر ما في هذه الدعوة وأمثالها مما يراد به حملنا على كل فاسد من مذاهب الغرب أن أصحابها يريدون إقحامها على إسلامنا زاعمين أنها لا تعارضه. وقد كان قاسم أمين هو أول من جرَّأ الناس على تحريف
стр. 79
النصوص حين طلع علينا بطائفة من المزاعم التي تقوم على المجازفة، ومن النصوص الحرفة عن مواضعها والمخلوعة من سياقها خلعاً يخرجها عن مدلولها، وحين تصيَّد من كتب التاريخ ورواياته - على اختلاف درجاتها ودرجات مؤلفيها - كلَّ شاذ غريب فحشدها في حيِّز واحد وضمَّ بعض أشتاتها إلى بعض، حتى خيَّل إلى قارئها أنها - على شذوذها وقلتها - شيء مألوف كثير الوقوع. ومع أن هذا الذي جمعه هو خلاصة ما في الكتب - صحيحها وسقيمها - من غرائب الأخبار والآراء التىِ تصور حالات شاذة نادرة لا تنهض بها حجة ولا يَبْطُلْ بها عرف، ومع أن كثيراً من النصوص التاريخية أو الفقهية التي اقتطفها ناقصة الدلالة غامضة العبارة، فقد استطاع أن يروج ذلك كله بين الناس بمرور الأيام، بفضل قوة حزبه الذي كان يسميه اللورد كرومر. حزب الشيِخ مُحَمَّدْ عبده (١) حتى أصبحت هذه النصوص مِنْ بعدُ - على فساد الاستدلال بها - هي البضاعة المشتركة لمتابعي دعوته ومطوِّريها. وذلك كله هو الذي دعا الشاعر شوقي ﵀ إلى أن يتساءل عن حقيقة صنيع قاسم أمين: أهو غيرة المدافع عن النصوص الإِسلامية، أم هو إغارة المحرف لها عن مواضعها؟. وذلك من قصيدة له ألقاها سنة ١٩٢٨ م، وعرض فيها للباقته في الاستدلال، وبراعته في الجدال، فقال:
ولك البيان الجَزْلُ في ... أثنائه العلم الغزير
في مطلبٍ خشنٍ كثيـ ... رٍ في مزالقه العثور
ما بالكتاب ولا الحديث ... إذا ذكرتهما نكير
حتى لنسأل: هل تغا ... ر على العقائد أم تغير؟
стр. 80
وقد لا تكون هناك نصوص صريحة في القرآن أو في الحديث تمنع المرأة من العمل في خارج البيت لكسب عيشها حين تدعو إلى ذلك ضرورة، ولكن من المؤكد أن اتخاذ هذه السنة أصلاً من أصول التنظيم الاجتماعي يخالف روح الشريعة ويناقض كثيراً من نصوصها ويتعارض مع كثير من شرائعها وحدودها تعارضاً واضحاً.
١ - قال تعالى في كتابه العزيز:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء ٣٤)
تشير الآية إلى ناموس من نواميس الله الثابتة وهي قوامة الرجال على النساء، وقد ناط حكمته في ذلك بسببين ظاهرين: أولهما أن فطرة الرجل تخالف فطرة المرأة، فهي تفضله في تدبير شؤون البيت وتربية الولد والقيام عليه، بما جبلت عليه من الحنان والرقة ومن التركيب العضوي الذي يعينها على وظيفتها مثل ضعف جهازها العصبي الذي يقلل إحساسها بآلام الحمل والوضع, وإن كان يجعلها في الوقت نفسه أكثر استهدافاً لأنواع الأمراض وأسرع تهيجاً وأقوى انفعالاً، مما يؤثر في سلامة التقدير وصحة الإِدراك ويجعلها أقل قدرة من الرجل على مجابهة الأزمات والتماسك أمام الشدائد والملمات. أما الرجل فهو يفضلها - لما سلف من الأسباب - في القوة البدنية وفي قوة التفكير وصحة التقدير ورباطة الجأش، مما يعده للكفاح ومعالجة المشاق، والكدح وراء معاش الأسرة، وفي سبيل الحفاظ على كيانها ودفع ما يتهدده من أخطار. والسبب الثاني الذي انبنت عليه هذه القوامة هو أن الرجل يتولى الإِنفاق, لأنه هو الذي يكسب المال حسب ما جبل عليه. فليس من العدل أن يكلف فرد بالانفاق على هيئة أوجماعة ثم لا يكون له رأي في الإِشراف على مصارف هذه النفقة. وعلى ذلك تجري الحكومات النيابية العاصرة، ويعتبر ذلك أصلاً من أصول تشريعاتها.
فإِذا جرينا على اعتبار عمل المرأة في خارج المنزل وكدها في سبيل كسب
стр. 81
المال إلى جانب الرجل أصلاً من أصول تقنيننا الاجتماعي، فقد أخرجناها عن وظيفتها من ناحية، وقد أخللنا بما هو مقرر في الآية الكريمة من قوامة الرجل عليها من ناحية أخرى, لأن هذه القوامة مبنية على أصلين: أحدهما فضل الرجل على المرأة في الصلاحية للعمل خارج البيت، وثانيهما أنه هو الكلف بالانفاق على الأسرة.
ومن المظاهر التشريعية لتطبيق الأصل الأول - وهو فضل الرجل على المرأة في الصلاحية للعمل خارج البيت - أن شهادة المرأة لا تغني عن شهادة الرجل، ولا بد من انضمام امرأتين اثنتين إلى الشاهد الأول لكي تكون شهادتهما معادلة لشهادة رجل واحد وذلك بنص كتاب الله الحكيم في قوله تعالى:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (البقرة ٢٨٢)
فالآية الكريمة تعلل ذلك بأن المرأة التي ليس من شأنها أن تخالط الرجال في شؤون العمل والحياة، والتي تتحفظ في هذا الاختلاط إن دعتها إلى ذلك الحاجة أو ساقتها إليه المصادفة، هي مظنة أن لا تعي تفاصيل الواقعة التي تدلي بشهادتها فيها كما يعيها الرجل. لذلك كانت في حاجة إلى أن تظاهرها امرأة أخرى في هذه الشهادة حتى يقوم اتفاقهما مقام شهادة رجل واحد (١).
ومن المظاهر التشريعية لتطبيق الأصل الثاني - وهو تكليف الرجل بالإِنفاق على الأسرة - أن نصيبه المقرر في الميراث ضعف نصيب المرأة، وذلك بنص قوله تعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
(النساء: ١١)
стр. 82
فإِذا قررنا أن تعمل المرأة إلى جانب الرجل في مختلف ميادين العمل والانتاج والوظائف، وجعلنا ذلك - اقتداء بالغرب - أصلاً من أصول التنظيم الاجتماعي، فقد أبطلنا كل هذه التشريعات القرآنية - أصولها وفروعها - لمغايرتها عند ذلك لظروف الحالة الجديدة الطارئة.
ومع ذلك كله فقوامة الرجل على المرأة لا تقتضي تفضيله عليها في الدين أو في الدنيا: فالله يقول:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران ١٩٥)
ولكن هذه القوامة قاعدة تنظيمية تستلزمها هندسة المجتمع واستقرار الأوضاع في الحياة الدنيا, ولا تسلم الحياة في مجموعها إلا بالتزامها. فهي تشبه قوامة الرؤساء وأولي الأمر، التىِ لا تستلزم أن يكون الرؤساء أفضل من كل المحكومين، ولكنها مع ذلك ضرورة يستلزمها المجتمع الإِنساني، ويأثم المسلم بالخروج عليها مهما يكن من فضله على ولي الأمر في العلم أو في الدين.
٢ - يقول تعالى:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة ٢٢٨)
ويقول سبحانه:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة ٢٣٧)
والآيتان كلتاهما تؤكدان ما قررته الآية الأولى من قوامة الرجال على النساء. ومن مظاهرها في الآية الثانية جعل عقدة النكاح في يد الرجل، وهي قوامة تسقط من تلقاء نفسها وتصبح داحضة بوضع المرأة مع الرجل على قدم المساواة في ميادين العمل والكسب.
стр. 83
٣ - انبنت قوامة الرجل - كما سبق - على أصلين، أحدهما أنه هو المكلف بالانفاق على الأسرة، وفي الآية الأخيرة إشارة إلى هذا الواجب المقرر، فالرجل هو الذي يسوق المهر إلى زوجته.- على عكس ما هو مقرر عند الغربيين الذين يزعمون أنهم أكثر إنصافاً للمرأة - ويسقط نصف حقه في هذا المهر إن طلق زوجته قبل أن يدخل بها. وهناك آيات أخرى كثيرة تؤكد هذا الواجب الملقن على عاتق الرجل، واجب الإِنفاق على الأسرة وكفالتها. فمن ذلك قوله تعالى:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة ٢٣٣)
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]
ومنه قوله تعالى.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]
في هذه الآيات تأكيد لما هو مقرر من تكليف الرجل بالانفاق. وهو تكليف يقوم على أن المرأة لا تعمل لكسب المال, لأنها مصروفة عنه إلى غيره من الأعمال التي أعدتها لها فطرة الله التي فطر الناس عليها. فإِذا أخذ المجتمع بأن تعمل المرأة عمل الرجال لزم تغيير هذه التشريعات. وتغيير هذه
стр. 84
التشريعات يخرج السلمين من إسلامهم لأنهم مكلفون بالرجوع إلى كتاب الله في شؤون دينهم ودنياهم والإِذعان له والتسليم بما جاء فيه، لا يحيدون عنه ولا يبدلونه، ولأن ما قرره القرآن من القوانين وما وضعه من الحدود منسوب إلى الله ، محكوم على من يتجاوزه بالظلم والفسق بنص كتاب الله العزيز، فالله يقول في أحد المنافقين، وكان قد احتكم إلى النبي ﵊ ثم لم يرض حكمه فأعاد الاحتكام إلى كعب بن الأشرف اليهودي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء: ٥٩ - ٦٥)
ويقول تعالى بعد تبيين بعض أحكام الطلاق:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]
стр. 85
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق: ١)
ويقول تعالى بعد تبيين أحكام الميراث:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ (النساء: ١٣، ١٤)
ومع ذلك كله فالله يقول:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢]
نزلت هذه الآية حين قالت أم سلمة ونسوة معها: ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم. فالآية تأمر الرجل والمرأة كليهما أن يلزم كل منهما وظيفته التي هيأه الله لها، وتبين لهما أن الله يثيب المرأة على إخلاصها لوظيفتها مثل ثواب الرجل على إخلاصه لوظيفته.
ثم إني أحب أن أسأل الذين يحاولون أن يُسوِّغوا باطلهم الذي يقحمونه على إسلامنا بمزاعم يتحايلون على إلصاقها بالدين ونصوصه. أحب أن أسأل هؤلاء سؤالاً حاسمًا يفرق بين الحق والباطل: هل تعلمون أن أحداً من المسلمين قد دعا قبل اليوم بدعوتكم؟ فإِذا كان ذلك لم يحدث من قبل فهل تستطيعون أن تزعموا أن صحابة رسول الله ﷺ وفقهاء المسلمين قد غفلوا
стр. 86
جميعاً عن فهم نصوص دينهم، حتى جاء هؤلاء الذين أوحى إليهم شياطين الجن والإِنس في باريس من أمثال قاسم أمين فانتكس تفكيرهم بين معاهدها ومباذلها، حين لم يعتصموا من دين الله بحبل متين، ولم يأووا بهديه إلى ركن شديد، يذود عنهم كل شيطان مريد، وذلك حين بعثوا إلى تلك البلاد لينقلوا إلينا الصالح النافع من علومها وصناعاتها فضلوا الطريق، وعادوا إلينا بغير الوجه الذي بعثوا به. جاء هؤلاء بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن ليخرجوا للناس حقائق التنزيل التي غاب علمها عن الأولين والآخرين من الفقهاء والمفسرين، ويضربوا بإِجماع المسلمين في الأجيال المتعاقبة والقرون المتطاولة عُرْضَ الحائط. أليس ابتداع هذه الدعوة في ظل الاحتلال الإِنجليزي وتَزعُّمُ فريق من المتفرنجين الذين عرفوا بموالاة ذلك الأجنبي المحتل، هو وحده دليلاً كافياً على أنها طارئة علينا من الغرب تقليداً لمذاهب أهله المبتدعين في دينهم بأهوائهم وأهواء رؤسائهم والخارجين على نصرانيتهم وكتابها.؟
ولو تدبر الناس الأمور وعقلوها ولم ينقادوا في ذلك وراء شهواتهم ولم يسلموا زمامهم لما يزوِّره المضللون وأصحاب الأهواء من زخرف القول لأدركوا وجه الحق، ولقادهم المنطق السليم النزيه إلى الالتقاء بشرع الله، واكتشاف ما تنطوي عليه أقوال الذين يتصدون للدفاع عما يزعمونه (حقوق المرأة) من أخطاء.
وأول أخطاء هؤلاء أنهم يجعلون أكبر همهم مصروفاً إلى إثبات أن المرأة تستطيع القيام بأعمال الرجل، وأنها إنسان مثله لا فرق بين عقلها وعقله، ويجهدون أنفسهم في حصر الأمثلة التي تؤيد زعمهم ممن نبغ من النساء في مختلف العصور. وليس هذا هو لب المشكل وصميمه، ولا هو بالمقياس الصحيح في تقدير المسألة، ولكن لب المشكل وصميمه هو: هل يؤثر اشتغال المرأة بأعمال الرجال على إتقانها لعملها النسوي الأصيل؟ ثم، ماذا يحدث لو انصرف كل النساء إلى أعمال الرجال؟ هل يتحتم على الرجال عند ذلك أن يقوموا هم بأعمال النساء؟ وإذا قبلوا ذلك فهل يصلحون له وهل يتقنونه؟
من الواضح أن عمل الأنثى الأول الذي لا يصلح له غيرها هو النسل وحفظ النوع, لأن تركيب الذُّكران العضوي لا يسمح لهم يحمل الجنين ولا
стр. 87
بإِرضاعه. ومن الثابت أن إرهاق المرأة بالعمل يترك أثراً في مزاجها وفي أعصابها، ومن الثابت أيضاً أن ذلك الأثر ينتقل إلى جنينها في حالة الحمل، كما ينتقل إلى طفلها في حالة الرضاعة. بل إن بعض علماء الوراثة يتحدثون عن وراثة الصفات والأعراض الطارئة على الأب والأم كليهما في أثناء العلوق والحمل. فالمرأة التي نيط بها حمل الجنين، والسهر على أمنه وسلامته في بطنها ومن بعد أن يخرج إلا الدنيا، محتاجة لأن تُكفى مئونة التعرض للمهيجات العصبية والإِجهاد العضلي أو العقلي، الذي تصل آثاره إلى ربيبها جنيناً ورضيعاً، وتترك فيه أسوأ الآثار. وذلك شيء يقضي به أوجب الواجبات وأهمها، وهو الحافظة على سلامة النوع البشري. ثم إنها محتاجة بعد ذلك إلى أن توفَّر لها الفرصة الكاملة لملازمة طفلها ملازمة كاملة تسمح بأن يُصنع على عينها جسمًا وعقلاً وخُلُقاً، لكي تغرس فيه العادات الفاضلة، وتجنبه ما قد يعرض له أو يطرأ عليه من عادات قبيحة. ومثل ذلك لا يتأتي بالأمر أو النهي مرة أو مرات. ولكن لا بد فيه من المراقبة الدائمة، والإِشراف على تكرار الفعل حتى يرسخ في نفسه. واليقظة على الزجر مرة بعد مرات عن بعض الأفعال الأخرى حتى يحال بينها وبين الرسوخ في نفسه. وهذه المراقبة التي لا تغفل، التي تتسم بالصبر الذي لا يمل، هي وحدها التي تسمح باكتشاف أعراض الداء في البنين والبنات قبل أن يستفحل ويتعذر علاجه. والقول بأن كل صلة الأم بولدها تنحصر في الحمل والوضع هو نزول بالإِنسان إلى مرتبة الحيوان. فالإِنسان يمتاز بطول حضانته لأطفاله. وهي حضانة ليست غذائية فحسب كما هي في سائر الحيوان، ولكنها خلقية وعقلية أيضاً في الإِنسان، وذلك من أهم الأسباب في تقدم البشرية, لأنه يورث الجيل التالي تجارب الأجيال السابقة، بما يمكِّنه من متابعة الشوط وتوفير الوقت والجهد الذي يضيع في تكرار التجارب.
واعتماد المرأة العاملة على الخدم وعلى دور الحضانة في رعاية وليدها لا يؤدي إلى كمال تنشئته, لأن الاخلاص له والحرص على ابتغاء الكمال من كل وجه لا يتوافر في أحدٍ توافره في الأم, لأن من وراء إخلاصها وحرصها غريزة الأمومة. والحرص على الواجب في الخدم وفي دور الحضانة لا يمكن أن
стр. 88
يرتفع إلى مرتبة الغريزة مهما افترضنا فيه من السمو، ومهما عملنا على ترقيته إلى أقصى درجات الكمال، ومهما تجاهلنا جنايات الخيانة والإِهمال والإِفساد التي لا تحصى شواهدها في واقع الحياة.
ولجوء الأم العاملة إلى الوسائل الصناعية في إرضاع طفلها خيانة للأمانة وتفريط فيها وتعطيل لسنة الله, لأن الله سبحانه لم يخلق ثدي الأنثى لتبرزه في السهرات وتكشف عن جماله وتنصبه شركاً في الطرقات، ولكنه أوجده أصلاً للإِرضاع. والرضاعة مع ذلك ليست عملية عضوية آلية فحسب، ولكنها حنان متبادل وميثاق غليظ. وليس لنا أن نتوقع بعد شيوع الرضاعة الصناعية إلا السعي لاختراع وسيلة للحمل الصناعي بعيداً عن بطن الأم - إن أمكن - توفيراً لجهدها وصيانة لجمالها!
وقد كان أنصار تعليم المرأة في أول هذا القرن يحتجون لدعوتهم بأن تعليم المرأة أعونُ لها في حسن القيام على تربية أولادها، فلما تعلمت المرأة نسوا ما كانوا يدعون إليه أو تناسوه، وراحوا يعملون على أن تكون المرأة صورة مكررة من الرجل. وصنيعهم هذا دليل على أنهم غير مخلصين فيما يدعون إليه، وأن لهم من وراء دعواتهم أهدافاً وغايات تخالف ظاهر أقوالهم.
ولو شئنا لقلنا بعد ذلك كله لأعداء المرأة وأعداء أنفسهم ممن جرى عرف الصحف والكتاب في هذه الأيام على تسميتهم (أنصار المرأة): إن المرأة لا تصلح للكد وممارسة الأعمال العامة صلاحية الرجل. لأنها بحكم تكوينها تحيض أسبوعاً في كل شهر، وهي حالة تكاد تكون مرضاً يخرجها عن مألوف عاداتها. وهي بعد ذلك إن حملت ظلت تعاني في الشهور الأولى من حالات (الوحَم) وما يلازمه من أسقام. ثم إنها تعاني في الشهور الأخيرة من ثقل الحمل الذي يقيِّد حركاتها حتى يكاد يشلها. فإِذا لم تكن المرأة العاملة متزوجة كانت مشغولة بالبحث عن الزوج، معرضة للزلل والتفريط عند كل بارقة من الأمل في الظفر به، وهي لا تعدل عن ذلك ولا تتصرف عنه إلا لعلة قد تكون شراً من البحث عن الزوج وأخطر.
وقد زعم أعداء المرأة المتسمين بأنصارها أن لزومها للمنزل انتقاص
стр. 89
لحقوقها وقتل لشخصيتها واعتداء على كيانها. ومن قلب الأوضاع أن نسمي المصون المخدوم المكفَّى الحاجة سجيناً حسب ما توهم صاحب (تحرير المرأة) كما يبدو من عنوان كتابه. وقد عاشت المرأة ما عاشت مكرمة معززة مدللة حاكمة على زوجها من خلف ستار، ولم تحس يوماً أنها مهضومة الحق أو أنها مضطهدة أو سجينة أو مهدرة الكرامة والشخصية، حتى ظهر ذلك النفر من الكتاب فأحلَّ الصراع والتنازع بين الجنسين محل التواد والتراحم. ومن عجيب أن الذين حملوا اللواء في الدعوة إلى ما يسمون (حقوق المرأة) كانوا من الرجال ولم يكونوا من النساء، ولم يكن من وراء صنيعهم إلا إفساد الحياة على المرأة والرجل كليهما. ذلك لأن الحياة تحتاج إلى طمأنينة توفر للناس السعادة والاستقرار، وثورة النساء والرجال كل منها على الآخر تُحِمل القلق والبغضاء محل الطمأنينة والحب بين الجنسين اللذين أراد الله أن يجعل بينهما مودة ورحمة ينبني عليهما عمران الكون وحفظ النوع البشري. والمجتمع السليم يقوم على التواد والتراحم وعلى إخلاص كل عضو فيه لوظيفته وقيامه بها راضياً لا يمل ولا يتذمر، فهو كالجسم الذي ينصرف كل عضو فيه إلى أداء عمله ووظيفته، لو توقَّفَ أحد أعضائه عن أدائها أو تمرد عليها لاختل. فالله قد ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. فهيأ كل فرد، بل كل ذرة، من نباتٍ أو حيوان أو جماد، لوظيفةٍ معينة، وركَّب فيه من الطبائع ما يناسبه، وصرفه لأدائها. وعلى ذلك تقوم حياتنا الحديثة في كل شؤونها وفي كل نواحي الصناعة والعلم فيها، فهي تقوم على التخصص الدقيق الذي يتيح دقة المعرفة وحذق المرانة لكل عاكف على فرع بعينه. والتربية الحديثة تحاول أن تكتشف مواهب الأطفال والصبية لتوجه كلًا منهم فيما يلائم استعداده وتكوينه. فلماذا نطبق هذين المبدئين - التخصص والعمل المناسب - في كل شيء، ونأبى أن نطبقهما في الرجل والمرأة؟.
والرجل الذي يكدّ ويجهد نفسه ويرهقها في العمل خارج البيت محتاج إلى زوجة متزينة متعطرة ناعمة البال يأنس بها ويسكن إليها مما يجده من عناء، وتُسرِّي عنه بعض ما يعتريه من السأم والإِجهاد، وما يترك عنف التعامل مع الناس في نفسه من آثار الضيق والملل. وكدحُ المرأة في ميادين الأعمال العامة
стр. 90
يصرفها عن رعاية الزوج والولد كليهما لا شك في ذلك, لأنها تعود إلى البيت مكدودة مرهقة كالرجل، فأيهما هو الذي يسري عن الآخر؟ وأيهما هو الذي سيتسع صدره لمداعبة البنين واحتمال ما لا بد أن يُحتَمل في تربيتهم من ضجيج مرحهم وأنين أَلمِهم وصراخ أوجاعهم؟ وهل تصبح الحياة عند ذلك إلا عناء وشقاء للمرأة وللرجل كليهما؟ وهل يصبح الفرد - رجلاً كان أو امرأة أو طفلاً - إلا (ترساً) من (تروس) آلة صماء في حياة لا سكن فيها ولا قرار. ويستطيع كل ذي لب وبصيرة أن يدرك آثار الفشل الذي حاق بتجارب المجتع الأوروبي والأمريكي في هذه الناحية. مع أن هذه الآثار لم تبلغ بعد منتهى مداها, ولا تزال سائر عقابيلها في الطريق. فهذا الجيل الغربي من التائهين والضائعين المحطمي الأعصاب المبلبلي الأفكار القلقي النفوس، وهذه النسبة الآخذة في الارتفاع - حسب إحصاء الغربيين أنفسهم - للانحراف والشذوذ بكل ضروبه وألوانه، هذه الظواهر والآثار كلها هي من آثار التجربة التي خاضها الغرب في المرأة, لأن هؤلاء جميعاً هم أبناء العاملات والوظفات الذين عانوا من إرهاق أمهاتهم وهم في بطونهن، ثم تعرضوا لإِهمالهن بعد أن وضعنهم. وماذا يبتغي الناس من تجربة فاشلة كهذه؟ ألا يتدبرون؟!
وللمفسدين والمخدوعين ممن يسمون (أنصار المرأة) حجج ومزاعم أكثرها مبني على المغالطة. وأشهر مغالطاتهم في ذلك ما يزعمونه من أن عكوف المرأة على منزلها فيه تعطيل لنصف المجتمع. وقولهم هذا مبني على أن المرأة ليس لها عمل في المنزل. والواقع أن وظيفتها في تدبير شؤون البيت ورعاية الزوج والولد وقضاء حاجاتهم المتنوعة تستغرق كل وقتها لو أديت على وجهها، بل إن وقتها يضيق بها في بعض الأحيان. والدليل الذي يخرس كل لسان على صدق ما نقول هو أن العاملات يحتجن دائمًا إلى توظيف الخدم من النساء والرجال لسد النقص الناتج عن تخليهن عن وظيفتهن. فأي شيء تكسبه الدولة إذا كانت المرأة تخرج للعمل وتربط مكانها شخصاً أو شخصين تعطلهما عن العمل, أين هو الكسب الاقتصادي المزعوم؟ وهل هذا إلا الخلل عينه؟ تشتغل المرأة خارج البيت بأعمال الرجل، ويسقط من حساب الأيدي العاملة رجل أو رجلان يقومان بأعمالها في المنزل، ويسقط من حساب الدارسين والمشرِّعين جيل مضيَّع لا يقام لضياعه وزن في ميزان الكسب والخسارة؟! ولو
стр. 91
صح أن الاستفادة بنصف المجتمع المعطل هي الدافع الحقيقي إلى توظيف المرأة لوجب أن يستوعب العمل كل المتعطلين من الرجال قبل أن يُسمَح لامرأة واحدة بتولي عمل من الأعمال العامة.
ومن مغالطاتهم كذلك أنهم يتصيدون الأمثلة لمن نبغن من المسلمات في بعض فروع العلم أو شاركن في القتال، ليقيموا بهن الدليل على مطابقة دعوتهم للشرع. والواقع أن للمرأة حقاً غير منكور في طلب العلم إن كان فيها استعداد له، ولم ينكر أحد أن هناك بعض الوظائف التي تلائمها كتدريس البنات وتطبيب النساء، ولم ينكر أحد حق المرأة في السعي الشريف للرزق إن دعتها إلى ذلك ضرورة. والإِسلام سمح، قد أباح للضرورة أشياء كثيرة، حتى الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلَّ به لغير الله، فرفع الإِثم فيها عن المضطر في أكثر من موضع من القرآن الكريم (البقرة ١٧٣، المائدة ٣، الأنعام ١٤٥، النحل ١١٥) بل لقد رفع الإِثم عمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإِيمان (النحل ١٠٦). واشتراك المرأة في القتال هو من باب الاستثناء الذي تدعو إليه الضرورة، وهو في حدود الأعمال التي تلائم المرأة كالتمريض خلف صفوف القتال. ومصدر الخطأ والخلط في ذلك كله ناشئ عن وضع الاستثناء والشذوذ موضع القاعدة والأصل. واتخاذ أعمال الأفراد حجة على الشرع نفسه.
ومن مغالطاتهم التي ابتدعها قاسم أمين وتابعه فيها كثير من الناس أنهم يقولون: إن بين النساء نابغات وبينهن عانسات وبينهن من فقدت الزوج والعائل. فلماذا لا يشارك هؤلاء في الأعمال العامة في الحياة؟ وليس كل ما يقولونه إلا أعذاراً وحيلًا تنتحل لفتح الباب تمهيداً للزحف. إن الذي يسمح لقدمه أن تنزلق خطوة واحدة في أول الطريق لا يدري إلى أين تسوقه قدماه وإلى أين ينتهي به المسير. إن مدمن الخمر قد سمح لنفسه أولاً بمجالسة الشاربين، ثم سمح لنفسه بأن يشاركهم النّقْل، ثم تدرج من ذلك إلى مشاركتهم في قليل من الشراب لا يبلغ به حد الخلط وفقدان الإِحساس، ولم يزل يخطو في كل مرة خطوة من بعد خطوة حتى أصبح مدمناً. وكذلك الشأن في المرأة وفي كل أمر، ومنحُ صنفٍ من النساء حق الاشتغال بالأعمال العامة هو الانزلاق في أول الطريق الذي يجر إلى السماح لسائر النساء بهذا الحق كما أثبتت التجربة. لذلك كان علينا أن نضع للأشياء حدوداً لا نسمح لأنفسنا
стр. 92
بتخطيها. لأن المسألة في لبها وفي صميمها هي: ما هي وظيفة المرأة؟ ولأن التشريع إنما يوضع دائمًا للأعم الأغلب، ثم ينفذ على كل الناس بلا استثناء.
ومن مغالطاتهم كذلك أنهم يعتذرون بأن نزول المرأة إلى ميدن الأعمال العامة قد أصبح أمراً واقعاً وقاعدة مقررة. وينبغي لهم أن يعرفوا أن الحق واحد لا يتغير. ومهما يتقادم العهد على الباطل فسيظل باطلاً. ومهما يجر العمل على غير الحق فسيظل الحق هو هو وإن حاد عنه كل الناس. ثم إنه لا يبقى على توالي الأزمان إلا الحق. لأن الباطل زهوق لا تدوم له دولة. والحق هو الناموس. هو قانون الله الذي لا يتبدل، هو فطرة الله التي فطر عليها الخلق. هو ما ركَّبه الله سبحانه في طبائع الأشياء حين أعطى كل شيء خلقه ثم هَدَى، وناموس الله ثابت لا يتبدل ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. ولكن الذي يحول ويزول هو المعاند لسنة الله وفطرتهَ. والذي يعارض الناموس ويخرج على الفطرة كالوعل الأحمق الذي وصفه الأعشى قديماً حين قال:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليُوهِنَها ... فلم يَضِرْها وأوهَى قرْنَه الوعلُ
إن الأرض لا تستطيع أن تخرج على ما رُسِم لها من مدار، والليل لا يسبق النهار، وكل كوكب يدور في فلكه، وكل كائن يسير فيما رسم له من منهج ومن طريق. والفطرة التي فطر الله عليها كل واحد من خلقه فأعطاه خلقاً خاصاً وأقامه فيما أراد، هي جزء من الناموس. وهي بعض إرادة الله سبحانه. والأمانة التي يحملها كل واحد من خلق الله هي أن يبذل قصارى. جهده في أداء الوظيفة التي أقامه الله فيها. وليس في شيء في خلق الله إلا هو منقاد لإِرادة الله مسلم لها، يسبِّح خالقه بأداء الدور الذي رُسم له في استسلامٍ لإِرادته، تجد ذلك في النحل وفي النمل وفي الحيوان كله وجب النبات بضروبه والدواب بأنواعها، وفي الكواكب والأجرام وفي مختلف الظواهر. ولا يشذ عن ذلك إلا الانسان الذي ميّزه الله عن سائر خلقه بالعقل، فحمل بذلك أمانة لا يحملها أحد من سائر خلقه، فهو إن استخدم هذا العقل في طاعة الله بلغ به عملُه حداً لا يبلغه شيء من خَلْق الله، وإن شرد به عقله في غير سبيل الله ضل وهوى إلى قرار سحيق. والله سبحانه هو المسؤول أن يهدينا إلى أقوم طريق.
стр. 93
في جَامِعَة الدّول العَربيَّة
стр. 94
-١ -
في البُحوثِ والمحاضَراتِ*
جامعة الدول العربية حصن من أكبر الحصون التي تسهر على حراسة حقيقة من أخطر حقائق وطنيتنا وهىِ "العروبة"، ومن الفيد - رغم تغير الظروف الآن - أن نتذكر أن هذه الجامعة قد أُنشئت أول ما أُنشئت بتشجيع دولة من أكبر دول الاستعباد الغربي - وهي إنجلترا - لأنها كانت تطمع وقتذاك في أن تجعل هذه المؤسسة تحت رقابتها ووصايتها، فتكون وسيلتها إلى السيطرة على العرب جملة، وبذلك تتحكم في التيار الجديد فترسم له المصارف والمجاري وتوجهه إلى حيث تريد، قبل أن يطَغى سيلُه فيحطم السدود ويجرفها ويجرف معها كل دول الاستعباد الغربي ويمحو كل أثر من آثاره. قدَّر الإِنجليز ودبروا ورسموا وخططوا, ولكن التيار كان أقوى من كل ما يدبرون. وأخذ سيل هذه القومية الجاري يشق لنفسه الطريق بعيداً عن الطرق التي رُسِمَت له من قبل بأيد غير أيدي أبنائه، وأصبحت القومية العربية حقيقة واقعة ولم تعد حلمًا ولا أملًا. أصبحت حقيقة تعترف بها حكومتا مصر وسوريا في دستور كلٍّ من البلدين، وها هو ذا تيارها يجري إلى مستقره بأسرع مما كان يحلم أكثر الناس تفاؤلاً. وهي بعد ذلك حقيقة واقعة مقررة عند الشعوب العربية كلها على اختلافها وعلى اختلاف ميول حكامها. وهذا التطور الجديد يزيد جامعة الدول العربية أهمية، ويجعلها الآن أهم مما كانت في أي وقت مضى منذ ظهرت للمرة الأولى في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لذلك كان من المهم أن نستوثق
стр. 95
من أن هذه المؤسسة قد تخلصت من كل آثار ماضيها. وأصبحت تعمل بغير العقل الذي كانت تعمل به يوم كان الاستعباد الغربي من ورائها، ومن وراء أصدقائه فيها.
وليس من شأني الآن، وليس من شأن هذه المجلة التي أكتب لها، أن أتناول الجانب السياسي من جامعة الدول العربية، ولكن الذي يعنيني الآن هو الجانب الثقافي، وهو جانب شديد الاتصال بالسياسة على غير ما قد يبدو للخاطر الأول، بل هو أخطر أثراً في التوجيه السياسي, لأن آثاره أعلق بالنفس، وهي لذلك أدوم في الجيل المعاصر وأبقى في الأجيال التالية، ولأنه يعمل في خفاء قد يبعده عن أعين الرقباء من رجال السياسة الذين قد لا يُولُونه من الاهتمام القدر الذي يستحقه، وقد لا يتنبهون إلى أن من الممكن دائمًا تمييز سماسرة الاستعباد على اختلاف ألوانهم ونزعاتهم من لون الثقافات التي يروِّجونها والتي يدعون إليها، فهي العملة التي يمكن أن يُستَدَل منها على المموِّل، والخاتم الذي يحمل اسم المصنع.
وسوف أتناول في حديثي هذا اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية كما تبدو من مطبوعاتها الوافرة الغزيرة، وهي اللجنة التي كان يشرف عليها أحمد أمين، ثم ورثها طه حسين بعد وفاته، وسأقسم منشوراتها إلى ثلاثة أقسام:
١ - البحوث والمحاضرات.
٢ - الكتب المترجمة.
٣ - المؤتمرات.
وأنا أعجِّل بتقديم النتيجة التي انتهيت إليها من بحث أعمال هذه اللجنة الثقافية ليضعها القارئ نصب عينيه على طول هذا المقال. هذه اللجنة كانت - ولا تزال - تنظر بغير عين العرب وتعمل بغير عقل العرب، وتهدف إلى غير أهداف العرب. إنها لا تزال كما كانت يوم أنشأها الذين كانوا يحرصون على أن يكون العرب ذيلًا لدول الاستعباد الغربي، لا يرون الأشياء إلا كما يراها الغربي، ولا يتذوقونها إلا كما يتذوقها, ولا يقدِّرونها إلا كما
стр. 96
يقدرها، إنها لا تزال تعمل على ما يسميه دهاقنة الاستعباد الغربي (Westernization) أي (التغريب). ويُقصَد به طبع العرب والمسلمين والشرقيين عامة بطابع الحضارة الغربية والثقافة الغربية، مما يساعد على إيجاد روابط من الود والتفاهم بين الحمار وراكبه، وهي روابط تفيد الراكب دائمًا ولا تفيد الحمار! وذلك هو ما تهدف إليه كل الجماعات التي من نوع (أصدقاء الشرق الأوسط) الآن، أو (الصداقة الانجليزية المصرية) و (الصداقة الفرنسية) سابقاً. وهذا الذي يسميه الاستعباد الغربي (تغريباً) هو ما يسميه سماسرة ذلك الاستعباد وصنائعه (تطويراً). وهو ما يعنونه حين يتكلمون عن (بناء المجتمع من جديد). فالذين يتكلمون عن بناء المجتمع من جديد، أو بناء المجتمع الجديد، يعرفون أن مشروعهم هذا يشتمل على خطوتين: الخطوة الأولى هي هدم (القديم) والخطوة الثانية هي بناء ما يتوهمونه من (الجديد). وهم ماضون في الهدم، لا يرضيهم إلا أن يأتوا علي بنياننا من القواعد، بما يتضمنه من دين وتقاليد وفنون وآداب، ولكنهم سوف يعجزون عن البناء، سيهدمون مجتمعنا ثم يتركونه وسط أنقاض نظامه القديم في فوضى لا سكن فيها ولا قرار. وبوادرُ هذه الفوضى وأعراضها ظاهرة لكل ذي عينين. ذلك لأن المجتمعات لا تبنى في يوم وليلة، ولكنها تبنى في مئات السنين، ولا تبنى في صحف مُنَشَّرة أو قاعات مُغَلَّقة، ولكنها عملية معقدة أشد التعقيد تتفاعل فيها قوى المجتمع كله، ويستمر هذا التفاعل أجيالًا تتمخض عن هذه القواعد وهذه الأشكال، بما تتضمنه من التقاليد والقوانين وأساليب الذوق والتفكير.
ولأكتف بهذا القدر الآن لأشرك القارىء معي في استعراض نماذج من نشاط هذه اللجنة الثقافية، ولنبدأ بالقسم الأول، الذي يتمثل في البحوث والمحاضرات. وليس من المستطاع في هذا المقال المحدود أن أعرض هذا النشاط في جمل مطبوعاته، ولذلك سأكتفي بتقديم نموذج منه في واحد من كتبه، وليكن هذا الكتاب هو الجزء الثاني من (العالم العربي - مقالات وبحوث) الذي نشرته الادارة الثقافية سنة ١٩٥٣ مصدراً بمقدمة لأحمد أمين رئيس هذه الإدارة وقتذاك. وسأكتفي - على سبيل المثال، ورغبة في الاختصار - من هذا
стр. 97
الكتاب باستعراض مقالين طويلين، أحدهما للدكتور كامل عياد عن (مستقبل الئقافة في المجتمع العربي ص ١٤٣ - ١٦٧) والآخر للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري عن (القانون المدني العربي ص ٥ - ٢٩).
أما المقال الأول (مستقبل الثقافة في المجتمع العربي) - وهو مقال طويل يشغل خمساً وعشرين صفحة - فيبدو من عنوانه أن صاحبه يعارض كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين. والوأقع أنه لا يعارض الكتاب في عنوانه فحسب، ولكنه يعارضه - كما سنرى - في أسلوبه الفكري أيضاً، ويتفوق عليه في جرأته على الدين وإسرافه في إنكار ما وراء المادة المحسوسة الملموسة من عالم الغيب، ومحاربة كل مواريثنا الدينية والأدبية والاجتماعية على الإِطلاق. وهو يبني تفكيره على وهم خاطئ جعله أساساً لكل ما بناه عليه من الأباطيل، فقد زعم - أو توهم - أن (الروحانية) التي يصف بها كتّابُ الغرب وباحثوه ثقافتنا الشرقية إنما يقصد بها صرفنا عن اللحاق بهم. لأن هذه الروحانية (تستند إلى العاطفة والوجدان، وتتعارض مع التفكير العقلي القائم على المشاهدة الحسية والتجربة العلمية والنظرة الموضوعية. وعلى كل حال فإِنما القصد هو إظهار الفرق بين الغربيين والشعوب الأخرى. ثم في ضع هذه الشعوب إلى التمسك بعاداتها وتقاليدها وطرائق تفكيرها القديمة، لئلا تقتبس الحضارة الحديثة وتسعى للتحرر من سيطرة الغربيين - ص ١٤٩). وقد بني زعمه هذا على واقعة شهد فيها مندوباً من مؤسسة روكفلر الأمريكية يزور الجامعة السورية بدمشق، وقد تلكأ هذا المندوب ولاذ بمختلف المعاذير حين أعربت له الجامعة عن حاجتها إلى بعض المخابر والأجهزة العلمية، ولكنه لم يلبث أن أظهر البشاشة ولم يتردد في قطع الوعود بالمساعدة حين انتقل الحديث إلى إنشاء معهد لدراسة التصوف الإِسلامي. والواقع أن كاتب المقال لم يحسن فهم دلالة هذه الواقعة، ولم يكن على صواب في استنباط ما استنبطه منها. فليس صحيحاً ما زعمه وما استنبطه من أن دول الاستعباد الغربي تريد أن تصرف الناس في مستعبَداتها عن اقتباس الحضارة الغربية. ليس ذلك صحيحاً على إطلاقه. فمن الثابت المؤكد أنهم عملوا على نشر مساوئ حضارتهم التي تتضمن جانب الترف والتفنن في المتع والملذات، وفي وسائل التسلية
стр. 98
وتزجية الفراغ. ومن الثابت المؤكد أنهم بذلوا جهوداً شاقة لتحويل المسلمين عن إسلامهم إلى ثقافة الغرب، وجرهم إلى هذا التيه من الآراء المختلطة المتناقضة باسم العلم وحرية التفكير. ومجهوداتهم في هذا السبيل مشهورة معروفة في شمال افريقيا وفي الهند وفي كل مكان حلّوه - ولا أستثني من ذلك مصر، وذلك هو ما يسميه كتابهم بالـ (Westernization). ولا يزال ماثلاً في الأذهان، أن من أول ما اشترطته فرنسا لإِعادة علاقاتها مع مصر في المفاوضات الدائرة الآن إعادة مدارسها ومعاهدها. فهل يفهم الناس معنى ذلك؟ إذا لم يفهموه فها هو ذا نص واضح لا يحتاج إلى تأويل، هو ترجمة لما جاء في تقرير اللورد كرومر واضِع أسس الاستعباد الإِنجليزي في مصر، بمناسبة تعيين سعد باشا زغلول وزيراً للمعارف سنة ١٩٠٦.
يقول كرومر، بعد كلام طويل عن الوطنية - المصرية وصف في ختامه المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها سعد زغلول، والتي سمَّاها على سبيل الاختصار. مدرسة الشيخ مُحَمَّدْ عبده، بأن برنامجها يقوم على (التعاون مع الأوروبيين - لا على معارضتهم - في إدخال المدنية الأوروبية إلى بلادهم)، ونصح بأن يُمنحوا كل تشجيع ممكن. يقول كرومر بعد ذلك: إن اختيار سعد زغلول لمنصب وزير المعارف ليس إلا تنفيذاً لسياسة ترمي إلى تأييد هذه المدرسة، ووضع مقاليد السلطة في يدها. ثم يقول عقب ذلك ما نصه: (وسوف نراقب ما تتمخض عنه هذه التجربة من آثار في عنايةٍ وانتباه. فإِذا نجحت التجربة، وذلك ما آمله وما أعتقده، فسوف نمنح قدراً أكبر من التشجيع للسير في الاتجاه نفسه إلى مدى أبعد. أما إذا فشلت التجربة، فستكون النتيجة الحتمية لذلك هي الاعتماد في شؤون الإِصلاح على الأوربيين - وعلى الإِنجليز خاصة - إلى مدى أكبر مما جرى عليه العمل سابقاً. وأيةً ما كانت الحال فلن يكون هناك سبيل إلى التراجع. إن العمل يسير بجد ونشاط في إدخال المدنية الغربية إلى مصر، وهو يأخذ طريقه بتقدم ونجاح في كل إدارة من إدارات البلد، حسب خطة مرسومة وضعت خطوطها بعد دراسة للموقف. تقوم على التطور والتدرج، لا على الانقلاب العنيف والتغيير المفاجىء - الفقرة الثالثة من تقرير سنة ١٩٠٦ ص ٨ من النسخة
стр. 99
الإِنجليزية). ولو شئتُ لقدَّمت كثيراً من الأمثلة التي تدعم هذا النص الذي قدمته، ولكني أظن أن فيه الكفاية لإِثبات ما بذله الاستعباد الغربي في سبيل نشر أسوأ ما في حضارته وإحلاله محل الإِسلام في كل مُسَتعبداته، يسمون صنيعهم هذا "نشر الحضارة" ويزعمونه "رسالة الرجل الأبيض" التي لا يملون من الحديث عنها. ولكن الذي حالوا بين الناس في مستعبداتهم وبين الوصول إليه هو الأخذ بأسباب القوَّة، أو بعبارة أخرى الجانب المثمر المفيد من هذه الحضارة.
أما الروحانية التي يحاربها الكاتب عن جهل, لأنه يزعم أن الاستعباد الغربي يشجعها فهي شيء آخر غيُر الصوفية التي جاء ذكرها في قصة مندوب روكفلر مع الجامعة السورية. فالصوفية مذهب غير إسلامي في كثير من تفاصيله وشطحاته وتقاليده ونظمه الدخيلة، وخوضه فيما نهى الإِسلام عن الخوض في تفاصيله، أو هو يبدو كذلك فيما هو مشهور عن كثير من فرقه التي تدعو إلى سلبية يائسة مستسلمة تعارض روح الإِسلام معارضة صريحة. وهو شيء آخر غير الزهد الذي عُرِف عن بعض الصادقين من الصالحين في صدر الاسلام خاصةً وفيما تلا ذلك من العصور.
أما الروحانية فإِذا قصد بها نفيض المادية التي يدعو إليها الكاتب في مقاله، فلا شك أن كل الأديان روحانية, لأنها تؤمن بالروح وبالغيب وبالثواب والعقاب وبما وراء المحسوس الملموس.
وكاتب المقال لا يفرق بين الثقافة التي تتصل بالجانب الروحي والخلقي والديني من الإِنسان، وبين العلم الذي يتصل بالجانب العقلي والمادي منه. ولذلك فهو يقول: لا بد لنا من الاعتراف بأن تقاليدنا لا تتعارض مع الاقتباس من الثقافة الحديثة السائدة في الغرب. وفي الحقيقة، إذا تركنا الحافظين في بعض الأقطار العربية - وهي فئة قد أصبحت لحسن الحظ قليلة العدد - فإِننا لا نجد اليوم بيننا من ينكر ضرورة هذا الاقتباس. وإنما هناك فئة تسمي نفسها بالمعتدلة تريد أن يقتصر الاقتباس على محاسن الحضارة الغربية، وعلى تلك النواحي من ثقافتها التي تتلاءم مع خصائصنا وتقاليدنا وعاداتنا. ونقطة الضعف في هذا الرأي هي الصعوبة في تحديد
стр. 100
الصفات والتقاليد والعادات التي نختص بها ويجب أن نحافظ عليها، ثم الاختلاف حول المعيار الذي يميز المحاسن من المساوئ - ص ١٥١). فالكاتب هنا ساخط أشد السخط على المحافظين. ويسره جداً أن عددهم يتناقض بيننا اليوم، بل هو ساخط على المعتدلين الذين يدعون إلى التمييز بين الضار والنافع, لأنه يريد فيما يبدو أن ننقل الحضارة الغربية (خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يَحُبُّ منها وما يكره، وما يحُمدَ وما يعاب) كما يقول صِنْوُه طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) في الفقرة ٩ من كتابه. ومن الواضح أن هذا التصور الخطر لاقتباس حضارة الغرب ناشئ من عدم التفريق بين العلم والثقافة.
فالعلم - والمقصود به في الاصلاح الأوروبي (Science) هو الرياضة والعلوم التجريبية - يتصل بالملموس المحسوس الذي أثبتته التجربة وتستطيع أن تعيد إثباته في كل زمان ومكان، أو هو يتصل بالمنطق العقلي الذي تشترك كل العقول البشرية في إدراكه على وجه القطع واليقين مثل علوم الرياضة. وكلها مما يشترك في إدراك حقائقه كل الناس بقدرٍ واحد لا خلاف فيه، ويمكن إعادة تجاربه ومراجعتها والاستيثاق من صحتها والانتفاع بنتائج تطبيقها على اختلاف الأزمنة والأمكنة. أما الثقافة فهي تختلف باختلاف الأجناس والبيئات والأديان حسب حكمة الله سبحانه، الذي جعل لكل أمة مَنْسَكاً هم ناسكوه، والذي جعل لكل جماعة شرعةً ومنهاجاً، والذي جعل الناس شعوباً وقبائل ليتنافسوا في الخير وليتبادلوا العلوم والمعارف، والذي جعلهم أمماً ولو شاء لجعلهم أمة واحدة. والثقافة لا تتصل بالمحسوس اللموس أو المعقول المشترك كما هو الشأن في العلم, لأن بعض عناصرها يتصل بقِيَم الخير والشر، والجمال والقبح، والحق والباطل، وهي جميعاً تعتمد على ما وراء المادة من الغيب الذي لا تتفق عليه العقول ولا تدركه الأفهام ولا تشمله التجربة ولا يتطاول إليه الفكر. فهناك خلاف واسع في تقدير الخير والشر بين الكافر الذي يقول: (ما هي إلا حياتُنا الدنيا نموت ونَحْيا وما يهُلِكنا إلا الدهر) وبين المؤمن الذي يراقب في أعماله ثواب الله سبحانه وعقابه في الدار الآخرة. فبينما يرى الأول أن حرمان النفس مما تشتهيه - كلِّ ما تشتهيه - ضرب
стр. 101
من الحماقة ليس له ما يبرره، يرى الآخر أن الإِدمان على الشهوات هو عين الحماقة وقصر النظر. والمتدين يرى التفريط في العرض والعفاف شراً، بينما يراه الوجودي مثلاً حماقة. والمتديّن يرى ضبط النفس فضيلة، بينما يراه الفرويدي شرا بسبب الكبت الذي يورث في زعمه أمراض النفس. والمسلم يرى اللص والقاتل مجرماً تجب عقوبته والاقتصاص منه، والمتفرنج الذي يعقل بأذنيه ويقلد تقليد القرود يراه مريضاً خليقاً بالعطف. والتدين يرى صورة المرأهَ العارية قبيحة, لأنه يرى معها قبح نفس صانعها ودَنَس شهوته التي تخالط صنعته فتنفر منها نفسه، وقد يراها غير المتدين جميلة, لأنه لا يرى إلا مفاتنها, ولأنها تخاطب شهواته وحواسه وحدها ولا تخاطب ضميره وخلقه، أو هي تخاطب منه ضميراً وخلقاً يخالف ضمير المتدين وخلقه على الأصح. وقيل مثل ذلك في كل ما يتصل بالخير والشر، والجمال والقبح، والحق والباطل. فهذا الذي يدعو إليه الكاتب، ويدعو إليه طه حسين وأضرابهُما من المتفرنجين، الذين يَدعون إلى انتحال ثقافة الغرب بغير نقد أو تمييز، لا شك أنه كما وصفه مصطفى صادق الرافعي ﵀: (نوع من المشاكلة بيننا وبينهم، ووجهٌ من التقريب بين جنسين يعين على إندماج أضعفهما في أقواهما. ويضيِّق دائرة الخلاف بينهما. ثم هو من أين اعتبرته وجدت فائدته للأوروبيين أشبه بتليين اللقمة الصلبة تحت الأسنان القاطعة. وهل نسي الشرقيون أنه لا حجة للغرب في استعبادهم إلا أنه يريد تمدينهم - وحي القلم ٣: ٢٠٥).
في حضارة الغرب مواضع للقوة كانت سبب مجده وسيادته وتفوقه، ولكن فيها مواطن للضعف تحمل جراثيم موته، وقد كانت سبباً فيما اعتراه أخيراً من مظاهر الانحلال التي تصور أنه يسير في طريقه إلى الدمار والانهيار. فإِذا كان مفهوماً أن ننقل النافع الذي كان سبباً في مسجد الغرب، فكيف نفهم الدعوة إلى نقل الضار وقد كان سبباً في الخراب، الذي تبدو طلائعه لكل ذي بصيرة؟
يزعم الكاتب أن من غير الممكن اقتباس صناعات الغرب الآلية دون ثقافته. ويدَّعي أننا (لا يمكننا أن نتقدم في الصناعة الآلية ... دون نشر هذه الثقافة بين الشعب على أكبر مقياس ممكن) وأنه (لا فائدة في أن يصبح العامل
стр. 102
قادراً على استخدام آلة تعادل قوتها ٢٤٠ من العبيد، إذا ظل هو نفسه خاملاً بليداً عاجزاً عن التفكير الذاتي وعن النقد، لا يستطيع تمييز الأخبار الصحيحة من الكاذبة، وينقاد إلى الِإيحاء والتضليل ولا يسيطر على أهوائه ونزعاته البدائية- ص ١٦٥)، والدين هو المقصود بكل هذه الإِشارات الأخيرة. ولست أدري إلى أي شيء قد استند الكاتب فيما يزعمه من أننا لا نستطيع الاستفادة من تجارب الغرب في التفوق الصناعي الآلي إلا إذا نقلنا ثقافته، أي أننا لا نستطيع - في زعمه ووهمه - أن ننقل الصناعة وحدها دون الإِلحاد والمادية والدعارة والانحلال التي تنطوي عليها حضارة الغرب اليوم، والتي يضج منها عقلاؤه ومصلحوه، والتي ستنتهي حتمًا إلى زوال أصحاب هذه الحضارة في القريب العاجل. هذا زعم عجيب، هو مجرد ادِّعاء لا يقوم عليه دليل، بل إن ألف دليل ودليل من الواقع ومن التاريخ ومن العقل يقوم على عكسه. وإذا كان هذا الكاتب الذي ينطق بلسان ببغاء لا يدرك أن ثقافة الغرب ومدنيته التي يطالبنا بنقلها. قد دخلها من الفساد ما هو خليق أن يجر الغرب كله إلى كارثة تقضي عليه، وتُلحقه بالبائدين ممن حق عليهم القول فدُمِّروا تدميراً، وإذا كان هو وأضرابه لايصدِّقون إلا ما يجيء من الغرب، ولا يرون صواباً إلا ما رآه كُتَّاب الغرب، فليقرأ ما كتبه المؤرخ الإِنجليزي المعاصر آرنولد توينبي (Arnold Toynbee) في كتابه (الحضارة في الميزان " Civillization on Trial ") وفي كتابه (الحضارة والغرب " and the west Civillization") ليرى حكمه على حضارة قومه بأنها في النزع الأخير، وأنها تمر بمثل المرحلة التي سبقت سقوط الدولة الرومانية.
وكاتب المقال لا يعترف بأن لنا عادات خاصة ومقومات تميزنا عن غيرنا بوصفنا أمة من الأمم, لأنه يتساءل (هل يكفي أن تستمر بعض التقاليد والعادات مدة عصر أو عشرة عصور حتى تصبح جزءاً لا ينفصل من تراثنا ينبغي التمسك به؟ ص ١٥٢). والواقع أن هذه التقاليد التي يدعو الكاتب وشيعته إلى نبذها وهدمها هي التي تمسك المجتمع وتشده, لأن سلطانها فوق سلطان القانون. والدليل على ذلك أن كثيراً من الناس يرتكبون جرائم القتل التي تعرِّض رقابهم لحبل المشنقة، ولا يبالون سلطان القانون، وذلك تحت ضغط التقاليد وسلطانها القاهر، فهم يرون عقوبة القانون التي تهدد حياتهم
стр. 103
أهون من العار الذي يلحقهم من خرق التقاليد. هذا السلطان القاهر للتقاليد هو الذي يمسك المجتمع ويشد بعضه إلى بعض, لأنه يكوِّن أشكالًا ثابتة من الصلات والروابط، يلتقي عندها الناس على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم وأنواعهم. ومن المسلم به عند كل الباحثين - حتى الماديين منهم - أن أعمق التقاليد جذوراً وأعظمها سلطاناً هو ما كان مستمداً من الدين. فإِذا هدمنا هذه التقاليد على ما يريد الكاتب وأمثاله، فأي شيء يغني غناءها ويقوم مقامها؟ وأية سلطة تمسك المجتمع عند ذلك وتمنعه أن يتفتت ثم يزول وينهار؟.
لا يعترف كاتب المقال بغير الجانب المادي من الحياة، فنظرته مادية خالصة، واقتباساته كلها من مفكري الغرب المعروفين بنزعتهم المادية. وبعض هؤلاء الذين يقتبس منهم - مثل نيتشه - قد اعترف اليهود في خطتهم المشهورة ببروتوكلات صهيون، بأنهم هم الذين نشروا آراءهم وروجوها بين الناس لإِفساد عقائد غير اليهود ومجتمعاتهمِ. لا يرى كاتب المقال الأديان إلا أوهاماً وخرافات وأساطير. ولا يمجد شيئاً إلا العلم المادي الحديث الذي أوجد عصر الآلة الذي نعيش فيه. فإِليه يرجع الفضل - حسب ما يتوهم - (في تحرير البشرية من الضلال والأوهام والخوف ... ولا شك في أن أبرز أثر له هو تغييره لتفكير الإنسان. فإِن طريقة البحث العلمي جعلتنا نؤمن بالعقل، ولا نتقيد إلا بالواقع الذي تدركه الحواس ولا نقبل بشيء (كذا) (١) لا تؤيده التجربة. وتقتضي هذه الطريقة التحرر من العقائد الغيبية السحرية، ومن الأوهام والأحكام السابقة. وهي تفرض علينا المشاهدة الموضوعية، والملاحظة المضبوطة والقياس الدقيق والتجرد من العواطف والتمسك بالحياد - ص ١٦٤). وواضح من كلامه هذا أنه لا يَعتدُّ بالدين كله, لأنه يقوم على الايمان بالغيب، وهو لا يؤمن إلا بالمشاهد الملموس، ويرى أن ذلك من مزايا العلم التجريبي الحديث الذي حررنا - حسب زعمه - من الضلال والأوهام والخوف.
стр. 104
فالأديان كلها عنده ضلالات وأوهام، كان الناس يخضعون لما تخوفهم به من العذاب، ثم تحرروا من هذا الخوف، ولم يعودوا يخافون العذاب الموهوم الذي زعمته هذه الأديان. هل هناك هدم أصرح من هذا؟! وهل لا يعرف المسكين أن العلم التجريبي محدود الميدان والمدى لا يتناول إلَّا المدرك المحسوس؟ والمدرك المحسوس أقل بكثير مما لا يخضع لحسنا وإدراكنا، بل هو لا يقاس إليه ويعتبر كأنه ليس شيئاً مذكوراً إلى جانبه وقد أدرك العلم الحديث نفسُه - الذي يتمسح به الكاتب - ذلك، فعرف أن الموجات التي تدخل في مدى إدراكنا الحسي ليست إلَّا شيئاً ضئيلاً تافهاً بالقياس إلى المعروف منها فضلاً عن المجهول. ومن المعروف أن الكلاب والخيل وكثيراً من الحيوان - الأليف منه والوحشي - تدرك ما لا ندركه. ولا نزال نعتمد على الكلاب خاصة ونستعين بها مستغلين اتساع مدى هذا الإِدراك فيها.
ولا يزال علماء الفلك يقفون مشدوهين أمام ذلك الفضاء الغامض الذي لا يعرفون مقاييسه وأبعاده إلَّا ظناً (ورجماً بالغيب)، كلما زادوه تأملًا انقلب إليهم البصر (خاسئاً وهو حسير) بل إن بعض ما يستنتجونه في هذا الباب أدعى إلى الحيرة من الجهل به. فهم يقدرون أن بعض النجوم - أركتورس مثلاً - تبعد عنا ثلاثين سنة ضوئية. ومعنى هذا أن ذلك النجم الذي نراه الآن لا نراه كما هو الآن، ولكنا نراه كما كان منذ ثلاثين سنة, لأن الشعاع الضوئي الذي يصل إلى أبصارنا منه الآن هو الذي انبعث منه قبل ثلاثين سنة. ومعنى هذا أيضاً أن من الجائز أن يكون ذلك النجمُ الذي يبدو لأنظارنا الآن غيرَ موجود الآن في حقيقة الأمر، الآن رؤيتنا له لا تُثبِت إلَّا أنه كان موجوداً عندما انبعثت منه الأشعة الضوئية التي وصلت إلى عيوننا. وهذه لم تنبعث إلَّا منذ ثلاثين سنة. وما ينبعث منه الآن لا يصل إلى أبصارنا إلا بعد ثلاثين سنة، أي أنه لا يمكن التأكد من أن ذلك النجم موجود الآن إلَّا بعد ثلاثين سنة). ويقدر الفلكيون أن بعض المجرات يبعد عنا ملايين السنين الضوئية، ومئات الملايين (١) أليس هذا العلم أدعى إلى الحيرة من الجهل،
стр. 105
وأدق إلى أن يكون تعبيراً عن جهلنا وقصورنا؟ ثم أليس يدل هذا ومثله - وهو كثير في علم الفلك خاصة - عام ضآلة مدى العلوم التجريبية من ناحية، وعلى صعوبة إدراك حقائق الأشياء الأصيلة من ناحية أُخرى؟ إن العقل يستطيع أن يوصلنا إلى تسخير بعض الظواهر والطاقات وتطويعها لمصلحتنا, ولكنه لا يوصلنا إلى حقائق هذه الظواهر والطاقات. أليس الكفر بالله وبالأديان، نتيجة لهذا القليل الذي أتيح لنا الوصول إليه، من آثار الكشوف الأخيرة، لوناً من البَطَر ومن الغرور الذي يدرك ضعاف النفوس حين يصيبون حظاً قليلاً من النعمة أو القوة، فيظنون أنفسهم أرباباً ويظنون أنهم يستطيعون كل شيء؟
حقيقة الأمر في هذه العلوم التجريبية أنها مفيدة في ميادينها المادية فحسب، ولكنها غير صالحة لأن تعالج عالم المجرَّدات الذي لا يخضع للحس لأنه لا يخضع لتجاربها. وذلك هو ما يسميه الإِسلام عالم (الغيب) أي ما غاب عن الحس. ونحن مكلفون فيه بأن نؤمن بما جاء به الدين, لأنه هو السبيل الوحيد إلى معرفته وإلى تحديد موقفنا منه وما فيه فائدتنا بالقياس إليه. فميدان الدين إذن غير ميدان العلم التجريبي. فالأول يستأثر بعالم الغيب، ويدبر شؤون حياتنا على أساس الصلاحية لما بعد هذه الحياة، مما لا يتعارض مع مصالحنا في هذه الدنيا. والثاني لا يتعدى عالم الشهادة، أي ما يخضع للمشاهدة والحس. والمفروض مع ذلك أن الِإدراك الصحيح لحقائق المشاهد الملموس يهدينا إلى ما ينطوي عليه من نظام دقيق معجز، كما يقودنا إلى إدراك عجزنا أمام كثير جداً من المعضلات، وهو عجز لا مفر معه من اللجوء إلى الله . وليت كاتب هذا المقال وأمثاله يقرؤون قول كبير من رجال العلم المظلوم. الذي يحمِّلونه أوزار كفرهم وضلالاتهم. ليته يقرأ قول أنيشتين: (إن أجمل الأحاسيس وأعمق العواطف هي تلك التي نتعرض لها عند بحث الخفايا, لأنها تؤدي إلى العلم الحقيقي. وكل من ينكر هذه الأحاسيس، ولا يتعرض للدهشة أو للرهبة، فإِنه يعتبر في عداد الأموات. والمؤمنون هم الذين يعلمون أن هناك أشياء تخفى على علمهم. وهذا هو غاية الحكمة، وأقصى درجات الجمال المشع التي تستطيع حواسنا القاصرة إدراكها
стр. 106
- العالم وأنيشتين ص ١١٥). وليته يقرأ قول نيلز بوهر: (إن الناس إما ممثلون أو متفرجون في تمثيلية وجودهم. فالإِنسان هو نفسه أكبر أعجوبة غامضة في الحياة، فهو لا يدرك الكون الغامض الذي يعيش فيه, لأنه لا يدرك كُنْهَ نفسه. فهو لا يعلم إلَّا القليل من أمر العمليات العضوية في جسمه. ويعلم الأقل من ذلك في شؤون عقله وقدرته على فهم الدنيا التي تحيط به. بل إن قدرته محدودة في التعليل وفي التخيل. بل إنه يكاد يكون عاجزاً عن فهم أنبل وأعجب خصائصه، ألا وهي قدرته على السمو بنفسه وإدراك كنهها في عملية التصور والتخيل - الكتاب السابق ص ١٢٧). ليته يقرأ ذلك - وغيرُه كثير - ليعلم أن الكفر بالغيب ليس ثمرة المعرفة ولا ثمرة العلم، ولكنه من آفات القليل من المعرفة والقشور من العلم.
هذا هو أحد النموذجين اللذين أردت تقديمهما لتصوير ما تنشره الإِدارة الثقافية بجامعة الدول العربية من بحوث ومقالات. أما النموذج الآخر فهو بحث الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري أو مقاله عن "القانون المدني العربي ص ٥ - ٢٩".
يدعو السنهوري في مقاله هذا - إلى توحيد القانون المدني في سائر البلاد العربية، فيستثني من ذلك الحجاز واليمن -, لأنهما يلتزمان الشريعة الإِسلامية، (إلى أن يحين الوقت الذي تتمكن فيه من المشاركة في حركة التقنين المدني العربي- ص ٨). ويقول بعد ذلك: إن التقنين العربي يتنازعه تياران، أحدهما بمثل في القانون المصري، وهو تيار غربي خالص أو يكاد، والآخر يمثله القانون العراقي الحديث، وهو يمزج بين الشريعة الإِسلامية والقوانين الغربية. ويُدخِل في القسم الأول الذي يصفه بأنه (ينتمي إلى الثقافة المدنية الغربية). . مصر وسوريا ولبنان ؤتونس والجزائر ومراكش، بينما يُدخِل في القسم الثاني العراق والأردن وفلسطين.
وهو يصف القانون المدني الجديد في مصر بأنه قد جعل للشريعة الإِسلامية بعض الاعتبار. ولكنه يعترف بأن (المشرِّع المصري بالرغم من كل ذلك لم يخط خطوة حاسمة في جعل القانون المدني مشتقاً في مجموعه من الفقه الإِسلامي). ويعتذر عن ذلك بأن المشرع المصري قد أخذ بأسباب الأناة
стр. 107
والتبصر (وتربص حتى يأخذ الفقه الإِسلامي بأسباب التطور - ص١٠). ثم يعود فيؤكد أن هذا القانون (يمثل أصدق تمثيل الثقافة المدنية الغربية في العصر الذي نعيش فيه - ص ١٥).
أما القانون العراقي فهو يتميز عنده بأنه (أول قانون مدني حديث يتلاقى فيه الفقه الإِسلامي والقوانين الغربية الحديثة جنباً إلى جنب بقدر متساو في الكم والكيف- ص ١٨). وهو يرى أن هذه التجربة (من أخطر التجارب في تاريخ التقنين الحديث). لأن وضع نصوص الشريعة الإِسلامية إلى جانب النصوص الغربية قد (مكن لعوامل المقارنة والتقريب من أن تنتج أثرها، ومهّد الطريق للمرحلة الثالثة والأخيرة في نهضة الفقه الإِسلامي، يوم يصبح الفقه مصدراً لأحكام حديثة تجاري مدنية العصر وتساير أحدث القوانين وأكثرها تقدماً ورقياً .. ص ١٩).
وهو يقدِّر (بعد أن أصبح الفقه الإِسلامي والقانون المدني الغربي جنباً إلى جنب في صعيد واحد، أن يتكامل القانونان وأن يتفاعلا، هذا يؤثر في ذاك وقد يتأثر به. ومن ثم تقوم نهضة علمية حقة لدراسة الفقه الإِسلامي في ضوء القانون المدني الغربي. وهذه الدراسة هي التي قصدت أن أصل إليها، حتى إذا آتت ثمارها وتقدمت دراسة الفقه الإِسلامي إلى الحد الذي يجعله مصدراً لقانون مدني يجاري مدنية العصر ويساير ثقافة الجيل، عند ذلك نكون قد بلغنا المرحلة الثالثة والأخيرة، ويتحقق ببلوغنا هذه المرحلة الهدف المنشود - ص٢٠). والهدف النشود عنده هو الذي أشار إليه قبل ذلك بسطور قليلة حين قال (والهدف الذي قصدت إليه هو أن يكون للبلاد العربية قانون واحد يشتق رأسًا من الشريعة الإِسلامية). ولكن كلامه الذي تلا ذلك - وهو كلام بالغ الخطورة - يكشف عن مبلغ ما في هذا الزعم من إخلاص، ويبين أنه ليس إلَّا خداعاً، وأن الشريعة الإِسلامية التي يقصدها هي شيء آخر غير الشريعة التي أنزلها الله على سيدنا مُحَمَّدْ ﷺ ، والتي تمت نعمة الله علينا بإِكمالها منذ نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
فهي شريعة تستهدي (مدنية العصر) الغربية و (ثقافة الجيل) الغربية أيضاً،
стр. 108
وتروض نفسها على أن ترتفع إلى مستوى شرائع الغرب, لأنها في زعم المؤلف لم تبلغ هذا المستوى. وقَصْدُ الكاتب إلى تطوير الشريعة الإِسلامية واضح في مقاله هذا كل الوضوح. وهو يقصد بتطوير الشريعة الإِسلامية جعلها ملائمة لنظم حياتنا ولأنماطها المنقولة عن الغرب المسيحي، أو الغرب اللاديني على الأصح. فهو يريد أن يشكل الشريعة الإِسلامية بشكل هذه الحياة، بدل أن يشكل الحياة بشكل الشريعة، أي أنه يحكِّم هذه الأنماط الغربية في الشريعة بدلاً من أن يحكِّم الشريعة في اختيار ما يلائمنا من هذه الأنماط. أو بعبارة أخرى هو يعرض الشريعة على واقع الحياة، ولا يعرض واقع الحياة على الشريعة. وهو مع ذلك لا يميز بين الشريعة الإِسلامية المنزلة من عند الله وبين القانون الغربي الذي صنعته المصالح والأهواء، بل الذي صنعته اليهودية العالمية في بعض الأحيان، كما هو الشأن في القانون الفرنسي الذي استمد منه القانون المصري بخاصة، لأن هذا القانون ثمرة من ثمار الثورة الفرنسية اليهودية التي أصبحت فرنسا من وقتها دولة لا دينية من الناحية الرسمية على الأقل. وما وجه المقارنة بين قانون صنعه الِإنسان وبين قانون منزل من عند الله العلم الخبير؟.
إن الذي يعتريه شك في أن الشريعة الإِسلامية - كما هي في القرآن الكريم وكما بينتها السنة الشريفة - منزلة من عند الله هو كافر. والذي يؤمن بأنها منزلة من عند الله لا يعتريه شك في صلاحيتها لكل زمان ومكان, لأن الله سبحانه وتعالي يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عدداً، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بذلك وصف نفسه - سبحانه - في محكم كتابه، وبذلك يؤمن المسلمون.
والذي يهدف إليه السنهوري هو شر الحلول, لأن الذي يفعله هو تبديل الشريعة الإِسلامية. ولا شك أن تفاعل الشريعة الإِسلامية السماوية مع شرائع الغرب الوضعية هو شر مما كان حادثاً من استعارة القانون الغربي كله أو بعضه. لأن من الممكن التخلص من الدخيل في هذه الحالة. أما في حالة الاندماج والتفاعل فإِدراك الحدود بينهما صعب، وتخليص الشريعة الإِسلامية مما دخلها من أسباب الزيغ والانحراف يكاد يتعذر بعد أن تتغلغل الروح الغربية
стр. 109
في كيانها، ويصبح الناتج من تفاعلهما شيئاً جديداً معقد التركيب تختلف خصائصه وصفاته عن كل من العنصرين المكونين له.
ثم إن الناس في الحالة الأولى يدركون إدراكاً واضحاً أن القانون الذي يحكمهم قانون دخيل. أما في الحالة الثانية فقد يتوهمون أن القانون الذي يحتكمون إليه قانون إسلامي، بل إن كاتب المقال يزعم لهم ذلك منذ الآن.
والواقع أن هذا الذي يفعله السنهوري هو الذي يهدف إليه الاستعباد الغربي. يقول هـ. ا. ر. جب في كتابه "إلى أين يتجه الإِسلام؟! (Whither Islam) " ص ٣٢٨ - ٣٢٩ من طبعة لندن ١٩٣٢": (إن مستقبل التغريب والدور الذي سيلعبه في العالم الإِسلامي لا يتوقف على هذه المظاهر الخارجية للتأثر والاقتباس, لأن الصورة الظاهرية ثانوية، وكلما كان التقليد في المظاهر أكمل كان امتزاج الشيء المنقول بنفس المقلدين أقل, لأن فهم الروح والأصول التي تنطوي عليها المظاهر الخارجية فهمًا كاملاً لا بد أن يصحبه إدراك التعديلات التي تتطلبها الظروف المحلية. ويمكن أن يزول من العالم الإِسلامي كثير من النظم الغربية التي نراها فيه الآن، ثم لا يكون مع ذلك أقل حظاً من الاستغراب، بل ربما كان أوفر حظاً. وإذا أردنا أن نعرف المقياس الصحيح للنفوذ الغربي ولمدى تغلغل الثقافة الغربية في الإِسلام كان علينا أن ننظر إلى ما وراء المظاهر السطحية، علينا أن نبحث عن الآراء الجديدة والحركات المستحدثة التي ابتُكِرت بدافع من التأثر بالأساليب الغربية بعد أن تهُضم وتصبح جزءاً حقيقياً من كيان الدول الإِسلامية، فتتخذ شكلاً يلائم ظروفها).
يعود كاتب مقال اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية فيؤكد أن هدفه هو تغريب الشريعة الإِسلامية نفسِها وفرنجتها، أو بعبارة أُخرى إيجاد "إسلام غربي" إن صح هذا التعبير، وذلك حيث يقول: (فالنتيجة الحتمية إذن لوضع القانون المدني المصري ثم لوضع القانون المدني العراقي، مشتقاً منه ومن الفقه الإِسلامي على السواء هي النهوض بدراسة الفقه الإِسلامي في ضوء القانون المدني الغربي - ص ٢١).
стр. 110
ومع ذلك فهذا القانوني الذي يظن بالتشريع الإِسلامي التخلف عن القانون الغربي يعترف بأنه لم يدرس الشريعة الإِسلامية إلَّا في وقت حديث متأخر جداً، حين اشترك في وضع القانون المدني العراقي، فأتيح له الاطلاع على بعض نصوص الفقه الإِسلامي. وهو هنا يعترف اعترافاً صريحاً بأن اطلاعه على الفقه الإِسلامي جديد تاريخاً، ومحدود موضوعاً، لا يتجاوز ما أتيح له أثناء اشتراكه في لجان وضع القانون العراقي، وأنه لم يمنحه من وقته سنة من عشرات السنين التي أفناها في دراسة القانون الفرنسي. والواقع أن هذا الجهل بالشريعة الإِسلامية يعلل فتنته بالقوانين الغربية، التي حدث به إلى المجاهرة بأن تكون روح التقنين الغربي وأسلوبه هما قِوام نهضة التشريع الإِسلامي، وهو بذلك معذور لجهله حسب اعترافه، ومن جَهِلَ شيئاً عاداه. ولكن من الظلم للناس وللِإسلام وللقانون أن يسلم زمام التشريع البلاد الإِسلامية إلى الذين يجهلون شريعتها. ومن الواضح أن الرجل حين رأس لجان القانون المدني الجديد في مصر لم يكن على معرفة بالشريعة الإِسلامية, لأنه إنما اتصل بها حسب اعترافه أثناء اشتراكه في لجان القانون المدني العراقي، وقد كان ذلك بعد وضع القانون المدني المصري الجديد. واعترافه في هذا الصَدَد صريح، إذ يقول (وأكثر ما كان درسي للفقه الإِسلامي عند وضع القانون المدني العراقي. فإِن هذا القانون كما قدمت مزيج صالح من الفقه الإِسلامي والقانون المصري الجديد. فأتاح لي اطلاعي على نصوص الفقه الإِسلامي - سواء كانت مقننة في المجلة (١) ومرشد الحيران، أو كانت معروضة عرضاً فقهياً في أمهات الكتب وفي مختلف المذاهب - أن ألحظ مكانة هذا الفقه وحظه من الأصالة والابتداع، وما يكمن فيه من حيوية وقابلية للتطور - ص ٢٢).
ويرسم كاتب المقال منهجاً يقترحه لدراسة الفقه الإِسلامي (لإِحيائه والنهضة به نهضة علمية صحيحة) حسب زعمه. فيقرر في بدء كلامه أن