لبطل كثير مما نقلوه من الشرائع. وكيف يظن عاقل هذا أبدًا ويقول ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول. فإذا كان القيام الأول بقدر سورة البقرة والثاني دونه، فكيف يكون قيام قُدّر بدون سورة البقرة أنه قيام اختياري. هذا لا خفاء في فساده.
وأما ما ذكره القاضي أبو محمَّد من أن القراءة فيها سر (١) فهو المشهور من مذهبنا وبه قال الشافعي. ورَوَى الترمذي عن مالك أنه يجهر فيها بالقراءة. وذكر ابن شعبان في مختصره أن الواقدي ذكر أن مالكًا وابن أبي ذئب قال يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف (٢). فذكر ابن شعبان أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه جهر بالقراءة فيها وأن عبد العزيز بن الماجشون قال سمعت أبان بن عثمان يجهر فيها فقرأ: سأل سائل (٣). وبالجهر قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وفعله عبد (٤) بن يزيد. وبحضرته البَرَاء بن عازب وزيد بن أرقم وهو اختيار ابن المنذر. فوجه القول بالإسرار قول ابن عباس خسفت الشمس فصلّى رسول الله ﷺ وكنت إلى جنبه فما سمعت له حرفًا (٥).
وأيضًا فقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: حزرت قراءة رسول الله ﷺ
فرأيت قراءته في الركعة الأولى بسورة البقرة، وفي الثانية بسورة آل عمران.
وأيضًا فإنها صلاة نهار (٦)، وصلاة النهار عجماء كما ورد الشرع به. ووجه القول القول بالإجهار وهو اختيار بعض أشياخي ما خرجه البخاري ومسلم (٧) من أنه ﷺ
стр. 1087
جهر فيها بالقراءة (١). والرواية عن عائشة ﵂ اختلفت. فروي عنها ما قدمنا استدلال بعض العلماء به على أنه يقتضي الإسرار وإن كان فيه احتمال لأن تكون بعيدة منه. فلهذا حزرت قراءته. وروي عنها أيضًا أنه ﷺ جهر فيها بالقراءة. وأيضًا فإن السنن المقامة بالنهار كالعيدين والاستسقاء يجهر فيها بالقراءة. فكذلك هذه السنّة الأخرى.
وأما ما ذكره القاضي أبو محمَّد من أن القيام يطال ما لم يلحق منه ضرر بمن كان خلف الإِمام، فإن ظاهره نفي التحديد. ولكن قال مالك في المختصر يدخل الإِمام المسجد بغير أذان ولا إقامة. ثم يكبّر تكبيرة واحدة ثم يقرأ سرًّا بأم القرآن بعدها قراءة طويلة بنحو سورة البقرة. ثم يركع طويلًا نحو قراءته ثم يركع فيقول سمع الله لمن حمده ثم يقرأ بأم القرآن ثم يقرأ قراءة طويلة بنحو سورة آل عمران ثم يركع نحو قراءته ثم يرفع فيقول سمع الله لمن حمده ثم يسجد سجدتين تامتين لا تطويل فيهما. ثم يقوم فيقرأ ويفعل كفعله في الأولى (٢). إلا أن القراءة دوك ما قبلها، يقرأ للأولى بنحو النساء. وبعد رفع رأسه بنحو المائدة مع أم القرآن قبل كل سورة. ووصف الشافعي صلاة الكسوف فقال إذا أراد أن يصلي صلاة الكسوف كبّر ودعا دعاء الافتتاح. وتعوذ وقرأ فاتحة الكتاب وسورة البقرة إن كان يحسنها ويقرأ غيرها إن لم يحسنها (٣). ثم يركع فيسبّح الله تعالى بقدر مائة آية من سورة البقرة ثم يرفع فيقرأ (٤) بفاتحة الكتاب وبقدر مائتي آية من سورة البقرة ثم يركع بقدر ما يلي الركوع. وفي بعض النسخ بقدر ثلثي (٥) ركوعه الأول ثم يسجد سجدتين يطيل السجود فيهما ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ فيها بأم القرآن وبقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة. ثم يركع فيسبّح (٦)
стр. 1088
بقدر سبعين (١) آية من سورة البقرة، وفي القيام الثاني بسورة آل عمران. وفي القيام الأول من الثانية سورة النساء. وفي القيام الَثاني من الثانية سورة المائدة.
ويكون ركوعه نحوًا من قيامه، وسجوده نحوًا من ركوعه إلى أن تنجلي الشمس (٢). واختلفت الأحاديث في ذلك فلم يرد في أكثرها حدّ في القيام.
وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قام في الأولى بنحو سورة البقرة ثم دون ذلك (٣).
وإذا كان قد ورد الأمر بالصلاة حتى تنجلي الشمس. ومعلوم أن مكث الكسوف يختلف فيقرب الإنجلاء مرة، ويبعد أخرى. فينبغي أن تكون الصلاة تطال وتقصر لحسب طوله وقصره. لكن المصلي إذا لحقه ضرر من الإطالة سقط عنه ما يضره ورجع إلى الدعاء.
واختلف في إطالة السجود فقال ابن القاسم في المدونة يطال. وقال مالك في المختصر لا يطال. وقد خرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت ما سجدت سجودًا قط كان أطول منه (٤). وهذا فيه حجة لما ذهب إليه ابن القاسم. واختلف المذهب أيضًا في افتتاح القيام الثاني من (٥) كل ركعة بأم القرآن فقال مالك يستفتح كل ركعة بأم القرآن. وقال ابن مسلمة ليس ذلك عليه. فوجه قول مالك أن الركوع قد حال بين القراءتين فاقتضى الافتتاح بقراءة أم القرآن كما لو حال بين القراءتين ركوع وسجود. ووجه قول *ابن مسلمة
стр. 1089
أن له ركوعين في كل ركعة مقدار ركعة واحدة. وإلركعة الواحدة لا تكون فيها قراءة* (١) أم القرآن. وبهذا التقدير كان من فاته الركوع الأول أو الركعة الأولى فأدرك الثاني ورعف في الثالث وأدرك الرابع لا يقضي شيئًا. لأنه بمثابة من لم يفته إلا قيام الركعة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ذكر ابن حبيب أن صلاة الكسوف سنة على الرجال والنساء ومن عقل الصلاة من الصبيان والمسافرين والعبيد.
وقال في المدونة أنه يخاطب بها المقيم والمسافر والعبد. وقال أشهب من لم يقدر أن يصليها مع الإِمام من النساء والضعفاء فلهم أن يصلوها أفذاذًا أو بإمام، ومع الناس أحب إلى لمن قدر. ولمالك في العتبية إذا صلاها أهل البادية فلا بأس أن يؤمهم أحد منهم (٢)، وفي المختصر ويصليها أهل البدو والحضر ومن في السفر يصلي بهم رجل منهم. ويصليها الرجل وحده. ومن فاتته مع الإِمام فليس عليه أن يصليها. فإن فعل ما دامت الشمس منكسفة فلا بأس. وقال في مختصر ابن شعبان إذا كانت قرية فيها خمسون رجلًا ومسجد يجمّعون فيه الصلوات فلا بأس أن يجمعوا صلاة الخسوف. وتصلي المرأة صلاة الخسوف (٣) في بيتها. ومن أعجله السير في السفر فليس عليه صلاة الكسوف (٤). فهذا الذي حكاه ابن شعبان من اعتبار خمسين رجلًا يقتضي أنها كصلاة الجمعة فيمن تجب عليه. هكذا قال بعض أشياخي والذي حكاه ابن شعبان من صلاة المرأة في بيتها واشتراطه عجلة المسافر في سقوط صلاة الكسوف (٤) قد يشير إلى خلاف هذا التأويل. وقد قال أبو محمَّد عبد الحق في قوله في الكتاب تصلي المرأة في بيتها صلاة الكسوف. ولم يقل ذلك في العيدين إلا أن تشاء أن ذلك لعموم قوله: فافزعوا إلى الصلاة (٥). ولأنها صلاة رهبة فأمر بها كل مكلف. وصلاة العيد صلاة شكر ومباهاة فطريقهما مختلفة. فاختلف الحكم فيهما بين الرجال
стр. 1090
والنساء. وذهب الثوري ومحمد إلى أنه لا يجوز فعل صلاة الكسوف منفردًا قياسًا على الجمعة.
وصلاة الكسوف إذا لم تصل في حينه فلا تصلّى بعو انجلائه.
وإذا صلوها ففرغوا والشمس على حالها فليس عليهم أن يصلوا ثانية.
ولكن الدعاء والنافلة إن أحب. قاله في مختصر ابن شعبان.
ولو تجلت الشمس قبل فراغهم من الصلاة. فقال ابن حارث اتفقوا أن الشمس إذا تجلّت بعد أن صلى الإِمام ركعتين وسجدتين أنه لا يقطع الصلاة.
واختلفوا كيف يصلي ما بقي. فقال أصبغ في المستخرجة يصلي على سنتها حتى يفرغ منها ولا ينصرف إلا على شفع. وروي عن سحنون أنه يصلي ركعة وسجدتين ثم ينصرف ولا يصلي باقي الصلاة على سنة صلاة الخسوف.
واختلفوا في الوقت الذي تصلّى فيه. فقال في المدونة تصلي ما لم تزل الشمس ورآها كالعيدين في اعتبار هذا الوقت. وروى عنه ابن وهب أنها تُصلى في كل وقت صلاة وإن زالت الشمس. وفي كتاب ابن حبيب، ووقتها من حين تخسف الشمس إلى أن تحرم الصلاة بعد العصر. قاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ. ولم يروا قول ابن القاسم إلى الزوال. ولا تصلّى في طلوع الشمس قبل أن تبرز وتحل الصلاة. ولكن يدعون ويذكرون الله، فإن تمادت صلوها. فوجه التوقيت بما قبل الزوال القياس على العيدين. ووجه رواية ابن وهب تجوله: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة (١). فعم الأوقات التي هي وقت الصلاة. ووجه قول مطرف أنها صلاة معلقة بسبب، فوجب أن تُصلى عند وجود (٢) سببها ما لم يمنع من ذلك مانع. ويخصص عموم الحديث مخصص. وورُود النهي عن الصلاة في الوقت الذي أشار إليه مانع من صلاة الكسوف. ومخصص لعموم حديثها.
قال أبو محمَّد عبد الحق وإذا اجتمع خسوف واستسقاء وعيد وجمعة في
стр. 1091
يوم واحد، فيبدأ بالخسوف لئلا تنجلي الشمس ثم بالعيد ثم بالجمعة. ويترك الاستسقاء ليوم آخر, لأن العيد يوم تجمّل ومباهاة. والاستسقاء ليس يوم تجمّل. وإنما هو رهبة وسكون فيؤخره. فلو فعل ذلك ما كان ضيقًا (١) في ذلك اليوم. هكذا صور هذا السؤال الشيخ أبو محمَّد عبد الحق ولم أزل أعجب من إغفاله فيه إذ لا يكون كسوف يوم عيد ولا يتفق ذلك. وإنما يكون كسوف الشمس في آخر الشهر وعند انسلاخه. فأما أصحاب علم الهيئة الذين لا يؤمنون بالشرائع فإنهم يحملون كون الكسوف في حين انسلاخ المشهور اجتماع الشمس والقمر. لأن علة كسوف الشمس عندهم ستر القمر لها عند اجتماعه معها. ولا يكون ذلك إلا في السرار. والعيد لا يكون إلا في أول يوم بعد الاستهلال أو في عشر بعده. فلا يجتمع العيد والكسوف. وأما نحن فنُجوّز أن يكسف الله سبحانه بالشمس في أي يوم شاء من أيام الشهر. ومن أنكر اقتدار الباري سبحانه على ذلك خرج عن الملة. ولكن العادة جرت بأن الكسوف لا يكون إلا عند السرار عادة مطردة لم نشاهد خلافها ولا نقل عن عصر من الأعصار خلاف هذا. وإن الكسوف (٢) بهذا، فلا معنى لتصوير خوارق العادة. ولقد وقع الشافعي على عظيم شأنه في هذا التصوير. ورأيته قد صور اجتماع العيد والكسوف وتكلم على ذلك. وذكرنا ما تقدم منه. وهذا لا معنى له إلا أن يراد به معرفة فقه المسئلة لو خرقت العادة. فوقعت المسئلة.
وأما الموضع الذي يصلي فيه فقال مالك في المختصر إذا خسفت الشمس خرج الإِمام إلى المسجد وخرج معه الناس فيدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة ثم يكبر تكبيرة واحدة ويقرأ. وفي كتاب ابن حبيب للإمام أن يصلي في المسجد تحت سقفه أو في صحنه وإن شاء خارجًا في البَراز وقاله أصبغ. وهذا الذي حكاه ابن حبيب عن أصبغ حكى عنه ابن مزين خلافه فقال قال أصبغ: وتصلّى صلاة كسوف الشمس في المسجد ولا يبرز لها كما يبرز للعيدين والاستسقاء.
стр. 1092
فوجه الاقتصار على المسجد أن النبي ﷺ صلى فيه. وأيضًا فربما كان في خروجهم إلى البَراز ذهاب الكسوف أو ذهاب كله (١). ووجه إباحة صلاتها في البَراز قياسًا على غيرها من السنن التي يجمع لها. قال فالشأن إقامتها خارجًا في البَراز. وقد قدمنا قول مالك في المختصرًا ن الإِمام إذا فرغ من صلاة الكسوف يستقبل الناس فيذكرهم ويخوّفهم، ويأمرهم إذا رأوا ذلك أن يدعوا الله ويكبّروا وينصرفوا.
وظاهر مذهبنا أنه لا خطبة بعد الكسوف. وبه قال الشافعي. وقال الشافعي بل يخطب ويحتج بحديث عائشة وفيه فلما تجلت الشمس انصرف فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه. وقال يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. الحديث (٢). ويحتج أصحابنا بأنه لو كان خطب لنقل كما نقلت خطبة العيد وغيرها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما كسوف القمر فقال مالك في المدونة تصلى ركعتين كالنافلة ويدعون ولا يجمعون. وقال عنه علي يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع فيصلون أفذاذًا ويكبّرون ويدعون. قال أشهب يفزع إلى الصلاة كما قال النبي ﷺ والنافلة ركعتان. ومن أصل كتاب عبد العزيز بن أبي سلمة ذكر صلاة خسوف الشمس وأن النبي ﷺ جمّعهم فيها ولم يبلغنا أنه جمعهم لخسوف القمر. قال فنحن إذا كنا فرادى في خسوف القمر صلّينا هذه الصلاة لقول النبي ﷺ : فافزعوا إلى الصلاة (٣). وذهب الشافعي إلى أن الصلاة تسن في خسوف القمر كما تسن في كسوف الشمس.
ودليلنا ما ذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: خسف القمر بعهد النبي ﵇ فلم يجمعنا إلى الصلاة معه كما فعل في خسوف الشمس فرأيته صلى ركعتين فأطالهما وما رأيته صلى نافلة بطولها ثم انصرف. ولأنها آية ليليّة
стр. 1093
قد تدرك الناس نيامًا فيشق اغتفارها (١) والخروج لها فلم تسنّ كما سُنّ كسوف الشمس. واحتجت الشافعية بما روى الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس بالبصرة على عهد النبي ﷺ فصلّي بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين. فلما فرغ ذلك وخطبنا وقال إنما صليت لأني رأيت النبي ﷺ يصلي. وأما الموضع الذي تصلّى فيه فطاهر المذهب أن الناس يصلونها في بيوتهم ولا يكلّفون الخروج ليلًا لمشقة ذلك عليهم. وقد قدمنا ما رواه على أن الناس يفزعون إلى الجامع فيصلون أفذاذًا.
وأما الجمع لها فقال مالك في المدونة والمجموعة لا يجمّعون. وأجاز أشهب الجمع. وأما الصلاة في غير كسوف النيّرين كالزلازل والظلمة والريح الشديدة وما في معنى ذلك مما يخاف أن يكون عقوبة من الله سبحانه. فقال أشهب في المجموعة الصلاة حسنة في الريح والظلمة فرادى أو جماعة إذا لم يجمعهم الإِمام ويحملهم عليه. ولكن يجتمع النفر يؤمهم أحدهم ويدعون ويؤمر في مثل هذه الإفزاع بالصلاة. وروي نحو ذلك عن النبي ﵇. وكره في المدونة السجود عند الزلازل وسجود الشكر. وروي عنه إجازة السجود عند النعمة والشكر. قال بعض أشياخي يتخرج على هذا جواز السجود عند الخوف من زلازل وغيرها يسجد هذا شكرًا وهذا خوفًا. وأما الصلاة حينئذ فتجوز قولًا واحدًا.
وقالت الشافعية لا تُسنّ الصلاة لغير الشكر والآيات بل يكبّرون ويدعون فان صلوا منفردين لكي لا يكونوا غافلين لم يكن به بأس.
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي عند الزلازل وغيرها من الآيات كما تصلّى عند كسوف الشمس والقمر. وروي ذلك عن أحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة الصلاة في ذلك حسنة وكذلك في الريح والظلمة الشديدة.
فالدليل على أن الصلاة لا تسن حينئذ أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلّى لشيء من ذلك ولم يَخلُ عصره ﷺ من أن يكون فيه شيء من ذلك.
стр. 1094
باب صلاة الاستسقاء
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: وصلاة الاستسقاء سنة. تفعل عند تأخر (١) المطر والحاجة إليه. ومن سننها (٢) المصلى والخطبة ويخرج الإِمام والناس معه متخشعين متواضعين غير مظهري زينة. وتقدّم على الخطبة ولا يؤذن لها ولا يقام. وهي ركعتان كسائر الصلوات ويكبّر فيها التكبير المعهود ويجهر (٣) بالقراعة بسبح ونحوه فإذا فرغ صعد المنبر متوكئًا على قوس أو عصا فيجلس فإذا أخذ الناس مجالسهم قام فخطب وأكثر من الاستغفار ثم يجلس ثم يقوم فيخطب الثانية. فإذا فرغ استقبل القبلة وحوّل رداءه فجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه. ولا ينكسه ثم يدعو الله تعالى بما تيسر له وهو قائم والناس جلوس. وإن احتيج إلى تكرار الخروج لصلاة الاستسقاء لِتأخّر المطر، جاز. وفعل في كل مرة مثل ما ذكرناه. وليس من سننها (٤) تقديم صوم أو صدقة على فعلها. ولا يمنع من تطوّع به.
قال الفقيه الأمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن الاستسقاء مشروع؟.
٢ - وما الذي يفعل فيه؟.
٣ - ومن يخرج إليها؟.
стр. 1095
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد كان الاستسقاء في شرع من كان قبلنا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ (١). الآية. وأما شرعنا بالاستسقاء أيضًا (٢). قال أنس جاء رجل والشعبي ﷺ قائم يخطب يوم الجحعة فقال: يا رسول الله قحط المطر وهلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. قال فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا اللهم اللهم اسقنا. قال أنس لا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا. وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال فطلعت من ورائه سحابة. مثل الترس. فلما توسطت السماء انتشرف ثم أمطرت. قال: والله ما رأينا الشمس ستًا. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا. فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها.
قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والأجام والضراب والأودية ومنابت الشجر. قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس (٣). وروى عباد بن تميم خرج رسول الله ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة قائمًا يدعو وقلب رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة وانصرف. وقد خرّج هذين الحديثين الموطأ والصحيحان. وإذا ثبت أن الاستسقاء مشروع فإنه مشروع عند الحاجة إليه. والحاجة إليه تكون عند المَحْل والجدب. فيستسقي بحياة الزرع وغيره. وأما (٤) عند الحاجة لشرب الحيوان الإنساني أو البهائم كما يحتاج إلى ذلك من كان في صحراء أو سفينة أو أهل بلد آخر أو زرعهم ولكنهم عطاش. وفي العتبية أن برقة إذا كثر مطرهم زرعوا واديهم بما يشربون فأتاهم مطر فزرعوا عليه زرعًا كثيرًا ولم يقبل واديهم بما يشربون أيستسقون؟ قال نعم. قيل له قد قيل إنما الاستسقاء إذا لم يكن مطر
стр. 1096
وأنتم قد مطرتم وزرعتم عليه زرعًا كثيرًا. فقال ما قالوا شيئًا ولا بأس بذلك (١). وإذا جاء من الماء ما هو دون الكفاية لكان لهم الاستسقاء. والسؤال في الزيادة. قال مالك وكل قوم احتاجوا إلى زيادة ما عندهم فلا بأس أن يستسقوا. وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا استسقاء المخصبين للمجدبين. لأنه سبحانه قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢). وقال ﵇ في حديث الرقية: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل (٣). وقال دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة (٤). وقد روى بعض أشياخي أن هذا مما يندب إليه. وأن الاستسقاء للتوسعة مباح ولحياة الزرع أو عطش الحيوان سنة. وفي استسقاء المخصبين للمجدبين عندي نظر. والظواهر التي ذكروها لا تتضمن إقامة صلاة الاستسقاء ليسقى قوم آخرون غير المصلين. وإنما تحمل الظواهر على الدعاء لهم والرغبة إلى الله سبحانه في رفع اللأواء عن سائر المسلمين. ولا شك أن دعاء المخصبين للمجدبين مندوب إليه. وأما إقامة سنّة صلاة الاستسقاء في مثل هذا فلم يقم عليه دليل. وليس كل ما أمر الشرع بالدعاء فيه والابتهال سن فيه الصلاة. ألا ترى أن المطر إذا أضر، دعا الناس بالاستصحاء وسألوا الله تعالى فيه ولم يقيموا له صلاة كما أقاموها للاستسقاء. ولم يستعمل في هذا القياس.
وإن كان المطر إذا أفرط أضرّ كما يضرّ القحط وأفسد الزرع والربيع. وقد تقدم في الحديث أن النبي ﷺ استسقى ولم ينقل أنه صلى لذلك. فإذا ثبت ما قلناه في الاستسقاء وسنته فإنه يفعل لري نهر تأخر كما يفعل بنزول الغيث. قال ابن حبيب ولا بأس أن يستسقي أيامًا متوالية ولا بأس أن يستسقى في إبطاء النيل.
قال أصبغ قد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يومًا متوالية يستسقون على سنة الاستسقاء. وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه. وقد يحتج لجواز التكرير بقوله ﷺ : يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل.
стр. 1097
الحديث (١). وخرّج فيه مسلم قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم يستجب لي فيتحسر عند ذلك (٢).
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ينبغي للإمام أن يأمر الناس قبل الاستسقاء بالتوبة والخروج من المظالم إلى أهلها مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣). وأيضًا فقد تمنع المظالم من إجابة الدعاء. وقد خرّج مسلم قوله ﷺ في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام. فأنّى يستجاب لذلك (٤) ويأمرهم بالتقرب بالصدقات لعلهم إن أطعموا فقراءهم أطعمهم والجميع فقراء الله.
واختلف في الصوم فقال مالك في المختصر ليس على الناس صيام قبل الاستسقاء فمن تطوع بخير فهو خير له. وحكى عنه ابن شعبان في مختصره ما سمعت أنه يُصام قبل الاستسقاء وأنكر فعل ذلك. وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله *واستحب ابن حبيب أن يقدموا صوم ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يستسقون فيه، (٥). ويمكن أن يكون رأى ذلك رجاء أن يكون التجوع لله سبحانه سببًا للخصب الذي به يشبعون. وقال ابن الماجشون يؤمرون بما يرقهم (٦) ويدخل عليهم سبب خشوع وأن يصوموا اليوم واليومين والثلاثة. وهذا قول مالك والمغيرة. ومن حضرناه استسقى من وُلاتنا. قال ابن حبيب وليأمرهم الإِمام أن يصبحوا صيامًا. وقد فعله عمر. وأمرهم بالصدقة. وصيام ثلاثة أيام كان أحب إليّ (٧). وقد فعله موسى بن نصير بإفريقية وخرج بالناس، فجعل
стр. 1098
الصبيان على حدة والنساء على حدة. والإبل والبقر على حدة، وأهل الذمة على حدة، (١) وصلّى وخطب ولم يدع في خطبته لأمير المؤمنين. فقيل له، فقال ليس هذا يوم ذلك، ودعا، ودعا الناس إلى نصف النهار. واستحسن ذلك بعض علماء المدينة. وقال (٢) أراد استجلاب رقة القلوب بما فعل.
وقال ابن حبيب ومن سنتها أن يخرج الناس مُشاة في بذلتهم ولا يلبسون ثياب الجمعة، بسكينة ووقار متواضعين (٣) متخشعين متورعين (٤)، وجلين إلى مصلاهم. فإذا ارتفعت الشمس خرج الإِمام ماشيًا متواضعًا في بذلته متوكئًا على عصا أو غير متوكىء حتى يأتي المصلّى.
وقال مالك في المختصر صلاة الاستسقاء سنة. فإذا خرج الإِمام إليها خرج من منزله ماشيًا متواضعًا، غير مظهر لعجز (٥) ولا زينة، راجيًا لما عند الله لا يكبّر في ممشاه. وقال ابن عباس خرج النبي ﷺ إلى الاستسقاء متذللًا متواضعًا حتى أتى. فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في البكاء والتضرع وصلّى ركعتين كما يصلي في العيد (٦). قال الترمذي وهذا حديث صحيح ذكره في مسنده. ومقتضى الحال يقتضي أن يكون خروج الناس على صفة التذلل والخشوع لأن العبد الجاني إذا رأى مخائل العقوبة المهلكة من سيده (٧) لم يأت راغبًا في رفع العقوبة والصفح إلا وأمارات الذل بادية عليه، والخوف آخذ بناصيته.
وإذا أتى الإِمام المصلّى. قال مالك في المختصر يتقدم بالناس بلا أذان ولا إقامة فيكبّر تكبيرة واحدة ثم يقرأ بأم القرآن وسورة جهرًا ثم يركع ويسجد ثم
стр. 1099
يصلي ركعة أخرى كذلك ويتشهد ويسلّم. ويستقبل الناس للخطبة يبدأ فيجلس فإذا اطمأن الناس قام متوكئًا على عصا أو قوس. وذكر ابن حبيب أن الشمس إذا ارتفعت خرج الإِمام إلى المصلى فصلّي ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وقصار المفصّل جهرًا، ثم يقوم فيجلس في مقام خطبته مستقبلًا للناس جلسة خفيفة ثم يقوم متوكئًا على عصا فيخطب خطبتين يجلس بينهما فيأمر بطاعة الله سبحانه ويحذّر عن المعصية (١) من بأسه ونقمته، ويحض على الصدقة، والاجتهاد في الدعاء أن يرفع عنهم المحل. حتى إذا لم يبق من الخطبة الأخيرة غير الدعاء والاستغفار استقبل القبلة ثم حوّل رداءه قائمًا ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن. ويحوّل الناس أرديتهم جلوسًا ثم يرفع يديه ظهورهما إلى السماء تلقاء وجهه ويدعو (٢) ويفعل الناس مثله جلوسًا ويبتهلون بالدعاء.
وأكثر ذلك الاستغفار حتى يطول ذلك ويرتفع النهار. ثم إن شاء الإِمام انصرف على ذلك وإن شاء تحوّل إليهم فيكلمهم بكلمات ويركبهم في الدعاء والصدقة والتقرّب إلى الله سبحانه. وهذا الذي استحب أصبغ.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الاستسقاء دعاء بلا صلاة. واحتج بحديث أنس أن النبي ﷺ دعا على المنبر ولم يصل (٣). وأن عمر بن الخطاب استسقى (٤) عام الرمادة ولم يصل. وأجيب عن هذا بأن النبي ﷺ كان مشتغلًا بالجمعة ودعا حينئذ على المنبر مستسقيًا من الله سبحانه ولم يقصد إقامة سنّة صلاة الاستسقاء ولم تمكن إقامتها حينئذ. وكذلك عمر ﵁ لم يقصد إلى إقامة الاستسقاء بكماله وفعل جميع ما شرع فيه.
وذهب الشافعي إلى مثل (٥) ما ذهبنا إليه من أن الصلاة مشروعة في الاستسقاء. لكنه يراها في التكبير كصلاة العيد. ويحتج بما قدمناه من الحديث
стр. 1100
الذي رواه الترمذي. فقد ذكر فيه أنه صلى ركعتين كما يصلي في العيد. وبما روي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبّرون فيها سبعًا وخمسًا (١).
ويحتج مالك بما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ خرج إلى الاستسقاء فصلّى ركعتين (٢). وظاهر هذا أن الركعتين كالمعهود من النوافل التي لا يكون التكبير فيها.
واختلف المذهب في الخطبة والصلاة أيهما يقدم. فقال في المدونة بتقديم (٣) الصلاة على الخطبة. وقال أشهب في مدونته اختلف الناس في ذلك واختلف فيه عن رسول الله ﷺ . واختلف فيه قول مالك فكان قوله الأول أن الخطبة قبلُ، كالجمعة ثم رجع إلى أنها بعدُ كالعيدين. وبأنها بعد قال الشافعي *وحكى عن ابن الزبير أنه خطب وصلى، وفي الناس البراء ابن عازب وزيد ابن أرقم. وحكي عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك. وإليه ذهب الليث بن سعد.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁. وما قدمناه (٤) من حديث الترمذي وقوله صلى ركعتين كما يصلى في العيدين. وهذا قد يقتضي ظاهره (٥) تأخير الخطبة عن الصلاة كما يفعل في العيد. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي فصلّى ركعتين وخطب (٦). والذي خرّج أصحاب الصحيح أنه ﷺ قدّم الاستسقاء ثم صلى. وكان من اختار تَقْدمة الصلاة يرى أن ذلك أنجح وأقرب إلى استجابة الدعاء وكان ﷺ إذا أراد حاجة توضأ وصلّى ثم
стр. 1101
سأل (١). وقال ﷺ في الدعاء عند الاستخارة: إذا أهم أحدكم الأمر فليركع ركعتين ثم يقول: أللهم إني أستخيرك. الحديث (٢).
وإذا ثبت أن الخطبة مشروعة على الجملة فإن المشروع خطبتان يجلس بينهما. قال مالك إذا فرغ من خطبته الأولى جلس ثم قام فخطب. وهذا هو المشروع من مذهب العلماء القائلين بأن الخطبة مشروعة. وقال عبد الرحمن بن مهدي يخطب خطبة خفيفة يعظهم ويحثهم على الخير. وما قدمناه من قوله في كتاب الترمذي أنه صلى ركعتين كما يصلي في العيد *قد يشير* (٣) ظاهر إطلاقه إلى أنه يخطب خطبتين كما يخطب في العيد على حسب ما قلناه (٤) مع أن القياس على خطبة الجمعة والعيد يقتضي ما ذهبنا إليه أيضًا. ويخطب مستقبل الناس مستدبر القبلة ثم يحوّل وجهه ليستسقي مستقبل القبلة مستدبر الناس. والخطبة مقدمة على الاستسقاء يعظهم فيها ويذكرهم ويعلّمهم أن ذلك بذنوبهم ويكثر من الاستغفار إذا أخذ في الدعاء للاستسقاء. وتحويل الرداء عندنا في الاستسقاء مشروع. قال مالك إذا فرغ من خطبته استقبل القبلة فحوّل رداءه ما على ظهره منه يلي السماء. وما كان للسماء يجعله على ظهره ثم يستسقي الله ويدعو. وقال أبو حنيفة لا يحول رداءه ولا ينكسه. ودليلنا أنه ﷺ استسقى وَدَعا واستقبل
стр. 1102
القبلة وحول رداءه (١). واحتج أبو حنيفة بأنه دعاء فلا يستخب فيه تحويل الرداء كسائر الأدعية. وهذا القياس لو سلمناه ولم نطالب فيه بشروط القياس لم يلزم العمل بموجبه. وترك الاقتداء بالنبي ﷺ لأجله. وقد ذكر أصحاب المعاني أنه ﷺ إنما فعل ذلك تفاؤلًا فحوّل رداءه ليتفاءل بانقلاب الجدب خصبًا. وإذا ثبت أن التحويل مشروع فصفته عندنا ما قال (٢) مالك: يحول رداءه ما على الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلبه فيجعل الأعلى للأسفل والأسفل للأعلى. وقد ذكرنا قوله في المختصر يجعل ما على ظهره منه يلي السماء *وما كان يلي السماء* (٣) يجعله على ظهره. وقال ابن الماجشون يحوّل رداءه من ورائه يأخذ ما على عاتقه الأيسر ويمر به من ورائه فيضعه على منكبه الأيمن، ويجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر. ويبدأ بيمينه في العمل. وقالت الشافعية التحويل أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن. والتنكيس أن يجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. وقال في القديم يحول رداءه ولا ينكسه. وقال في الجديد يحوله وينكسه إن أمكنه.
وروى الشافعي بإسناده أن النبي ﷺ كان عليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فلما ثقلت عليه جعل ما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن، وما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر (٤). قال الشافعي فأحب أن يفعل ما فعل (٥) النبي ﷺ وما أراد أن يفعله ولم يمكنه. قالوا: ووجه قوله في القديم وبه قال مالك وأحمد ما روي أنه ﷺ استقبل القبلة وحوّل رداؤه (٦). وإذا ثبت أن التحويل مشروع على الجملة فهل يخاطب به من خلف الإِمام أم لا؟ أما النساء فلا يحوّلن لئلا ينكشفن. وأما الرجال فقال مالك في المدونة يحوّل الناس
стр. 1103
أرديتهم وهم قعود. وقال الليث لا يحول المأموم. وقيل (١) قال عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو يوسف يستحب ذلك للإمام دون المأمومين. فوجه تحويل المأمومين الاقتداء بالإمام. وقد حوّل النبي ﷺ . وما شرع له فالظاهر أنه شرع لغيره إلا ما خصه الدليل. ووجه نفي (٢) تحويل المأمومين أن الأحاديث إنما ردت بأن النبي ﷺ حوّل وحده. واختلف في الوقت الذي يحوّل فيه الرداء.
فقال في المدونة إذا فرغ من الخطبة واستقبل الاستسقاء. وقال في المجموعة بين الخطبتين. وقال ابن الماجشون بعد صدر من الخطبة. وقد ذكرنا قول مالك أنه إذا فرغ من الخطبة استقبل القبلة فحوّل رداءه ثم يستسقي الله ويدعو.
قال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا: اختلف أصحابنا متى يحوّل الإِمام وجهه إلى القبلة فيدعو. فقال مالك إذا فرغ من خطبتيه جميعًا. وقال أصبغ إذا أشرف على الفراغ من خطبته الثانية استقبل القبلة للدعاء، فإذا فرغ أقبل على الناس بوجهه فأتم الخطبة ثم نزل. فوجه قول مالك أن من المكروه قطع الخطبة لغيرها والتشاغل بما سواها. ووجه قول أصبغ أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما. فإذا أتى بالدعاء بعد الفراغ منهما كان ذلك زيادة مستأنفة. فكان الأولى أن يؤتى بها في أثناء الخطبة. واختلف هل يخطب ويستسقي على المنبر؟ فمنع ذلك في المدونة لأنه يوم تظهر فيه الاستكانة والخضوع. والخطبة على الأرض أقرب إلى ذلك، وأجاز ذلك في المجموعة. فإذا فرغ من الاستسقاء فقال مالك في المختصر ينزل وينصرف. وقال ابن حبيب إذا حوّل رداءه يرفع يديه ظهورهما إلى السماء ويفعل الناس مثله وهم جلوس ويبتهلون بالدعاء، وأكثر ذلك الاستغفار حتى يطول ذلك ويرتفع النهار. ثم إن شاء الإِمام انصرف على ذلك، وإن شاء تحوّل إليهم فكلمهم بكلمات ورغبهم في الصدقات (٣) والتقرب إلى الله العلي ثم ينصرف.
وأما وقت صلاة الاستسقاء فقال مالك صلاة الاستسقاء ضحوة لا غير
стр. 1104
ذلك من النهار. ولمالك في العتبية ولا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح.
وقد فعل عندنا وما هو بالأمر القديم.
وأما التنفل عند صلاة الاستسقاء فقال مالك لا بأس بالتنفل قبلها وبعدها.
وكره ابن وهب التنفل قبلها وبعدها. وإذا فأتت صلاة الاستسقاء فقال مالك إن شاء صلاها وإن شاء ترك.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: يخرج للاستسقاء الرجال ومن يعقل الصلاة (١) من الصبيان ومن المتجالات من النساء. ومنع في المدونة من خروج من لا يعقل من الصبيان والحُيّض من النساء. وذكر عن الشيخ أبي محمَّد ﵀ أنه حمل ذلك على أنها لا تخرج في حال جريان دمها لأنها ممنوعة من الصلاة. ألا تراه قال ولا صبي لا يعقل الصلاة. قال أبو محمَّد عبد الحق ﵀ لم يرد أبو محمَّد إباحة خروجها إذا زال دمها بل منْعها حينئذ أشد لقدرتها على الاغتسال. وإنما قصد أن دمها وإن كان جاريًا فإنه يمنع من الخروج لمنعه من الصلاة لئلا يظن ظان أن إباحة القراءة لها (٢) حينئذ تبيح الخروج. فإذا منعت الحائض كان النساء على ثلاث مراتب. حائض تمنع ومتجالة لا يكره خروجها وشابة طاهرة (٣) يكره خروجها. فإن خرجت لم تمنع. قال بعض أشياخي اختلف في خروج من لا يعقل من الصبيان، والشواب من النساء، وأهل الذمة، والبهائم. وخُرّج على منع الحائض، ومن لا يعقل الصلاة، منع خروج البهائم. وذكر أن موسى بن نصير أجاز ذلك. وحكي ما قدمنا ذكره حين استسقى بأهل القيروان فأمر بالولدان على حدة والنساء على حدة والبقر والغنم على حدة.
وأباح في المدنة خروج أهل الذمة. ومنع ذلك (٤) أشهب في مدونته. وإذا أجزنا خروجهم فقال ابن حبيب يخرجون وقت خروج الناس يعتزلون ناحية ولا
стр. 1105
يخرجون قبل الناس ولا بعدهم لأنه يخشى إن استسقوا قبل أو بعد أن يوافقدا وقت نزول الغيث فيكون في ذلك فتنة للناس.
وقال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا: لا بأس أن يخرجوا بعد. وقال مكحول لا بأس بإخراج أهل الذمة للاستسقاء مع المسلمين. وقال الأوزاعي كتب يزيد بن عبد الملك إلى عماله أن يخرجوا أهل الذمة إلى الاستسقاء فلم يَعِبْ عليه أحد من أهل زمانه. وقال بعض الناس في إنكار إخراجهم: من أعظم العار أن يتوسل إليه أولياؤه بأعدائه. وهم وإن كانوا قد ضمن الله أرزاقهم، فإنا لا نمنعهم من الخروج. لذلك على القول المشهور عندنا. وبه قال الشافعي.
ولكنهم يخرجون منعزلين عن الناس لأن اللعنة تنزل عليهم. ولو أرادوا في الاستسقاء التطوف بصلبهم *فقد قال ابن حبيب لا يمنع اليهود والنصارى من الاستسقاء والتطوف بصلبهم وشركهم* (١) إذا برزوا بذلك وتنحوا به عن الجماعة. ويمنعون من إظهار ذلك في أسواق المسلمين وجماعاتهم في الاستسقاء وغيره. كما يمنعون من إظهار الزنا (٢) وشرب الخمر.
стр. 1106
كتاب الجنانز * (١)
قال الفاضي أبو محمَّد ﵀: غسل الميت المسلم واجب وصفته كصفة غسل الجنابة. ويجتهد في تنظيفه وإزالة الأذى عنه على الميسور.
ويستحب الوتر على قدر (٢) ما يحتاج إليه، بماء وسدر. وفي الآخرة كافور. وتنزع ثيابه وتستر عورته. وإن احتيج إلى مباشرتها فبخرقة إلا أن يضطر إلى إخراج شيء بيده فيجوز. ويعصر بطنه (عصرًا خفيفًا) (٣) ليخرج ما هنالك من أذى ويرفق به في كل ذلك (٤) ولا يزال عنه شيء من خلقته من ظفر أو شعر من عانة أو غيرها.
قال الفقيه الأمام رحمه الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة: منها أن يقال:
١ - لِمَ قال غسل الميت المسلم واجب؟.
٢ - ولمَ أمر أن يجتهد في تنظيفه؟.
٣ - ولمَ استحب الوتر على صفة ما ذكره؟.
٤ - وما الحكم في تجريده؟.
٥ - ولمَ لم تقلم أظفاره؟.
٦ - وهل ينجس بالموت؟.
стр. 1107
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في غسل الميت. فقال ابن أبي زيد هو ستة. وقال القاضي هو واجب. فدليل وجوب الغسل قوله ﷺ (١). وهذا أمر مجرده يقتضي الوجوب عند جمهور الفقهاء. وقال أيضًا (في المحرم) (٢) اغسلوه. وهذا أمر أيضًا بالغسل. لكن قوله: إن رأيتن في غسل ابنته قد نرى فيه إن هذا الشرط راجع إلى الغسل وأنه معلق بأن يريد ذلك. وهذا له تعلق بأصول الفقه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: لما كان الغرض بهذا الغسل التنظيف والتأهب للقاء الملكين لتستشعر النفوس أمر المعاد ولقاء الملائكة وذلك مما يجب أن يتأهب له بالتطهر وجبت المبالغة فيه.
ومن صفات الغسل أن يوضأ. وقد قال النبي ﷺ : ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها (٣). قال أشهب: وفي ترك الوضوء أيضًا سعة. وقال أيضًا إن وضىء فحسن. ووافقنا الشافعي على أن الوضوء مستحب. وخالف أبو حنيفة فلم يره مستحبًا. وما ذكرنا من قوله ﷺ . ومواضع الوضوء منها يردّ ما قال. ويؤمر أن يخص بالانقاء الفم والأنف والإبطان وغيرها. قال ابن حبيب ويوضأ كما يوضأ الحي، ويدخل الماء في فمه ثلاثًا. واختلف في محل وضوئه وفي تكريره. فأما محله فقيل في الغسلة الأولى لأنها الفرض فينبغي أن يكون الوضوء من جملتها. وقيل في الثانية لأن الأولى فيها تنظيف فينبغي أن يكون الوضوء بعد حصول النظافة.
فأما تكريره فاختلف فيه على القول بأن محله الغسلة الأولى. فقال أشهب يكرّره. وأنكره سحنون. قال بعض المتأخرين ينبغي على القول بالتكرير أن يكون الوضوء الأول غسلة واحدة حتى لا يرفع التكرار في العدد المنهي عنه.
وإذا لم نقل بالتكرار كان الغُسل ثلاثًا.
стр. 1108
وقال أشهب إذا عصر بطنه فليأمر من يصب عليه الماء ولا يقطع ما دام ذلك. ويغسل ما أقبل منه وما أدبر، والخرقة على يده ثم يغسل تلك الخرقة ويغسل يده ويأخذ خرقة أخرى على يده للغسل فيدخلها في فمه لتنظيف أسنانه ويُنَقي أنفه. وقال الشافعي تستحب المضمضة والاستنشاق في حق الميت، وهو أن يمسح ظاهر أسنانه وباطن شفتيه بخرقة، ويدخل أصابعه في فمه وأنفه فيزيل ما هنالك. وقال أشهب لا بأس أن ينقي أنفه ويغسل فاه ويمضمض وتركه غير ضيق. وقال ابن جبير والثوري والنخعي وأبو حنيفة: لا تستحب المضمضة والاستنشاق في حق الميت. لأن المضمضة إدارة الماء ثم مجّه. والاستنشاق جذب الماء ثم نثره وذلك لا يصح من الميت. وأجيبوا عن هذا بأن ما ذكروه هيئة للمضمضة والاستنشاق وتعذّر الهيئة لا يوجب سقوط الفعل. وما ذكرناه من قوله ﷺ مواضع الوضوء منها يؤكد ما قلناه.
ومن صفات الغسل ما ذكره القاضي أبو محمَّد من عصر بطنه. وقد ذكرنا قول أشهب أنه يصب الماء حينئذ ولا يقطعه. وقالت الشافعية يمر يده على بطنه إمرارًا بليغًا في كل غسلة إلا الغسلة الأخيرة. وقال بعض الناس يمر يده على بطنه إمرارًا خفيفًا. وقال الثوري يمسح مسحًا رفيقًا بعد الغسلة الأولى. وقال أحمد يفعل ذلك بعد الغسلة الثانية. وروي عن الضحاك بن مزاحم أنه وصّى أن لا يُعْصر بطنُه (١). والذي ذهب إليه أولى. لأنه إذا فعل ذلك خرج ما في بطنه من النجاسة فيؤمن خروج شيء بعد الفراغ من غسله فإن جمهور الفقهاء على أن
غسله لا يعاد وإنما يغسل ذلك الموضع. لأن الغسل قد صح فلا يبطل بما يحدث كغسل الحي من الجنابة. ومن الشافعية من قال يغسل ذلك الموضع ويوضا كالجنب إذا أحدث بعد الغسل. وهكذا قال أشهب أن الوضوء يعاد، ومنهم من قال يعيد الغسل وهو قول ابن حنبل. واحتجوا بأن المقصود في حق الميت أن يختم أمره بأكمل طهارة.
وإذا غسل الفرج وهو ممن لا يحق له مسه، لفّ على يده خرقة كثيفة إلا أن يكون بالموضع أذى لا يزيله إلا مباشرة اليد. فاختلف في جواز المباشرة.
стр. 1109
فأجازها مالك في المدونة للضرورة المقتضية ومنعها ابن حبيب لأن الحي إذا لم يستطع على (١) إزالتها فإنه لا يجوز له أن يوكل غيره على مس فرجه لإزالة النجاسة. بل يصلي على حاله. وإذا منع الحي من هذا ولم يسامح في مس عورته، فكذلك الميت بل الحي أحق بالمسامحة لأجل ما تكلفه من الصلاة.
وفي كتاب ابن سحنون يوضع على أحد شقيه للغسل ويُقْلب كذلك. قال أشهب في المجموعة وإن وضع على شقه الأيمن أو الأيسر، فلا بأس وإن أسندته إلى صدرك أو أمسك لك ولم تُسنده فلا بأس. قال أشهب وواسع أن يسرّح رأسه أو لا يسرّح. وقالت الشافعية إذا كانت لحيته ملبدة فيستحب أن تسرح بمشط منفرج الأسنان. وقال أبو حنيفة يكره ذلك, لأنه يؤدي إلى نتف الشعر. وأجيب عن هذا بأنه إذا كان المشط واسع الأسنان (٢). وأما الضفر فلا أعرّفه. وقال ابن حبيب لا بأس بضفره. قالت أم عطية ضفرنا شعر بنت رسول الله ﷺ ثلاث ضفائر ناصيتها وقرنيها وألقينه من خلفها (٣). وقال الشافعي بضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويلقى خلفها. وقال أبو حنيفة لا يضفر بل يلقى بين يديها. وقال الأوزاعي نحوه. فأما أبو حنيفة فاتقى من تسريحه للضفر أن ينتف. وقد تقدم مراعاته لذلك. قال بعضهم لما كانت المرأة تجعله ثلاثة قرون في حياتها، فكذلك بعد الموت.
وقال ابن القاسم في المجدور ومن غمرته الجراح ومن إذا مس تسلخ فليصب عليه الماء صبًّا ويرفق به. قاله مالك. وقال مالك ومن وجد تحت الهدم قد تسلّخ رأسه وعظامه. والمجدور والمتسلخ فليغسلوا ما لم يتفاحش ذلك منهم.
وإذا لم يوجد من الميت إلا مثل الرأس أو الرجل فلا يغسل. ولا يغسل إلا ما يُصلّى عليه. قاله مالك.
وأما الذي يغسل به، فقال في المدونة يغسل بماء وسدر ويجعل في الآخرة
стр. 1110
كافور إن تيسر. وقال ابن حبيب يغسل في الأولى بالماء وحده. وفي الثانية بغسول بلده إن لم يوجد (١) فإن لم يوجد فبالماء وحده وإن لم يحتج إلى غسل رأسه بغسول لنقائه ترك ثم الثالثة بماء وكافور وجده. قال أشهب فإن اشتدت مؤنة الكافور ترك. قال وبالسدر يغسل رأسه ولحيته أحب إليّ. فإن لم يمكن فغسول أو غيره مما ينقى وواسع بالماء وحده سخنًا وباردًا. وكذلك لمالك في المختصر قال: ولا بأس بالحرَض والنطرون إن لم يتيسر السدر. وقالت الشافعية يغسل المرة الأولى بماء وسدر ويجعل في كل ماء قُراح كافورٌ. فإن لم يفعل وجعل في المرة الأخيرة أجزأه. وقال أبو حنيفة لا أعرف الكافور ولا السدر. ودليلنا عليه قوله ﷺ لأم عطية اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورًا (٢). وإن كان غسل الميت الغرض به ما قلناه من التأهب للقاء الملكين لم يراع الماء القراح. وهو ظاهر الحديث. مع أن طهارة الحي بالماء المضاف اختلف الناس فيه، فكيف بطهارة الميت.
وفي كتاب ابن شعبان لا يغسل الميت بماء زمزم ولا تغسل به نجاسة.
وإنما يكره غسل الميت بماء الورد والقَرنفل من ناحية السرف. وإلا فهو جائز إذ لا يغسل ليطهر وهو إكرام للقاء الملكين. وقال ابن أبي زيد ما ذكره في ماء زمزم لا وجه له عند مالك وأصحابه. وإن كان يعني بقوله في ماء الورد والقرنفل أنه لا يغسل بغيره. من الماء القراح، فليس هذا قول أهل المدينة.
وقال بعض أشياخي إنما نهى ابن شعبان عن غسل الميت بماء زمزم لأنه الميت نجسًا. وذلك الماء لا تزال به النجاسة. وأهل مكة يتقون الاستنجاء به.
وذكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور. وأما إذا قيل بطهارة الميت فإن الغسل به أولى من الغسل بغيره لما يرجى من بركته. وغسل ابن عمر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فالأولى صب عليه الماء قراحًا. والثانية غسل رأسه ولحيته وجسده بالماء والسدر. بدأ برأسه ولحيته ثم بشقه الأيمن ثم
стр. 1111
بالأيسر. ثم الثالثة بالماء وشيء من الكافور. قال مثله النخعي إلا أنه قال يبدأ فيوضأ. قال مالك ويوضأ الصبي إذا غسل. وقال مالك أيضًا يبدأ الغاسل بالميامن. وقد ذكرنا عن أشهب أنه قال واسع غسله بالماء وحده سخنًا أو باردًا.
وقالت الشافعية يُكره تسخين الماء إذا لم يكن الزمان باردًا. وقال أبو حنيفة يستحب تسخينه لأنه أمكن في إزالة الوسخ. وأجيب عن هذا بأن الماء المسخّن يرخيه. والمراد ما يقويه ويصلبه. فلهذا جعل في الماء الكافور والماء البارد يقويّه ويصلبه. فلهذا كان البارد هو أولى. هكذا أجاب بعض أصحاب الشافعي.
وفي كتاب ابن شعبان، ولا يؤخر غسل الميت بعد خروج نَفَسه. قال بعض هذا مخافة أن يتغير أو ينفجر. ولا حجة في تأخير غسل النبي ﷺ لأن ذلك مأمونًا (١) عليه.
قال ابن حبيب: ولا ينبغي أن يغسل إلا أن يحمل بإثر ذلك. فإن تأخر حمله بعد الغسل إلى غد فلا يعاد غسله. وما خرج منه غسُل وما أصاب الكفن منه. قال أصبغ وغيره. وروى مثله علي عن مالك في المجموعة فيما يخرج منه بعد الغسل. قال ابن القاسم إذا غسل بالعشى وكفّن من الغد أجزاه ذلك الغسل.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: المستحب ما ذكره القاضي أبو محمَّد من كون الغسل وترًا. وأشار إلى تعليقه من العدد بقدر الحاجة. قال ابن حبيب السنّة أن يكون الغسل وترًا. قال النخعي غسله وتر وتجميره وتر وكفنه وتر. وقد تقدم ذكرنا لغسل ابن عمر ﵁ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ثلاثًا. قال ابن سيرين يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء غسل خمسًا. فان خرج منع شيء غسل سبعًا لا يُزاد. وقال ابن حنبل لا يُزاد على سبع. وقال ابن المسيب والحسن والنخعي يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا. وقالت الشافعية (٢) وحكوا عن مالك أنه يعتبر الإنقاء ولا يعتبر العدد ولعلهم تعلقوا
стр. 1112
بقول مالك في المدونة ليس لغسل الميت حدّ معلوم يغسلون وينقون، ولم يلتفتوا إلى ما حكاه عنه ابن وهب في آخر الباب من استحبابه ثلاثًا أو خمسًا. وقال أبو حنيفة إن زاد على الخمس لم يستحب الوتر تعلقًا منه بقوله ﷺ فيما زاد على الخمس أو أكثر إن رأيتن (١). ولم يقدر الأكثر بكونه وترًا. ومحمله عندنا على أن أكثر يكون وترًا على أسلوب ما تقدم ذكر عدد من الغسلات (٢). ويؤكد ما قلناه أنه ﷺ نقل من الثلاث إلى الخمس. فلو كان لا يعتبر الوتر لذكر الرابعة قبل الخامسة. وأيضًا فإنها طهارة متكررة. وما تكرر من الطهارات شرع فيه الوتر كالوضوء وغسل الإناء من ولوغ الكلب. وقوله أكثر من ذلك يقتضي الردّ على من قال: لا يزاد على السبع. لأنه لمّا قال اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ، ولم يقل ما لم يجاوز السبع، بل أطلق الأكثر. وإطلاقه يقتضي ألا يكون أكثر محدودًا.
قال ابن حبيب: ولا بأس عند الوباء، وما اشتد على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزأ فيهم بغسلة واحدة بغير وضوء، ويصبّ الماء عليه صبًّا. ولو نزل الأمر الفظيع الذي يكثر فيه الموتى جدًا. وموت الغرباء. فلا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم. ويجعل منهم النفر في قبر واحد. وقاله أصبغ وغيره من أصحاب مالك. وروي عن الشعبي قال رمسوهم رمسًا. وهذا الذي قاله ابن حبيب صحيح إذا لم يوجد من يغسل. لأن الواجب المتفق عليه يسقط بالعجز عنه فكيف بهذا المختلف فيه الذي قدمنا قول الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد ﵁.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: المشروع عندنا وعند أبي حنيفة تجريد الميت للغسل ولا يغسل في قميص قياسًا على الحيّ. وقال الشافعي بل المستحب أن يغسل في قميص لأن النبي ﷺ غسل في قميص. وقال سعد ابن أبي وقاص إذا أنا متّ فاصنعوا بي ما صنع برسول الله ﷺ . ويفارق الحي لأن الحي يتولى غسله بنفسه. وها هنا يتولى غسله غيره، فغسله في القميص أستر
стр. 1113
له. وقال بعضهم إنما غسل النبي ﷺ على حسب ما نقل في الآثار (١). فلما خصت غسله بهذا تكريمًا له وتشريفًا صح أن يغسل في القميص وغسالة غيره نجسة على بعض المذاهب، فلا بدّ من التجريد فيها بخلافه ﷺ . وفي كتاب ابن سحنون ينبغي إذا جرّد للغسل ألاّ يطّلع عليه إلا الغاسل ومن يليه وتستر عورته بمئزر. ويستحب أن يجعل على صدره ووجهه خرقة أخرى. ويوضع على أحد شقيه للغسل ويقلّب كذلك.
وقد اختلف المذهب عندنا في غسل الرجل الرجل والمرأة المرأة فقيل في غسل الرجل الرجل يجرّد ما سوى العورة وهو قول مالك في المدونة. وحمله بعض أشياخي على أن المراد بالعورة السوءتان. وقال ابن حبيب يستر من السرّة إلى الركبة وهذا بناء على أن الفخذ عورة. وقد قدمنا قول ابن سحنون أنه يستحب أن يجعل على صدره خرقة. قال بعضهم هذا يحسن فيمن نحل جسمه لقبح منظره حينئذ.
وإذا سترت العورة فليجمع ثوبًا ويجعله هناك ولا يبسطه لأنه يصف.
وأما غسل المرأة المرأة فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر من الرَجل، من السرة إلى الركبة. وعلى قول ابن سحنون تستر جميع جسدها. قال ابن شعبان اختلف في غسل الجنب الميتَ. وإجازته أحبّ إلينا. وليكثر الغاسل من ذكر الله تعالى. قال مالك: لا أحبّ للجنب أن يغسل الميت وذلك جائز للحائض. وأجاز محمَّد بن عبد الحكم للجنب أن يغسله. وقال ابن شعبان من اغتسل عند الموت لم يكتف بذلك الغسل إن مات.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما تقليم أظفار الميت وحلق عانته ونتف إبطه وقص شاربه فإن ذلك لا يستحب وهل يكره أم لا؟ عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي في القديم أنه يكره. وقال الشافعي في الجديد لا يكره.
ودليلنا على كراهته أنه جزء من الميت يكره إزالته كالختان. والختان في حال الحياة آكد مما ذكرناه. فإذا نهي عن فعله بعد الوفاة مع تأكد الأمر به. فالنهي
стр. 1114
عما انحطت رتبته عن رتبة الختان أولى.
وأما الشافعي فإنه يحتج على الجواز بقوله ﷺ : اصنعوا بميتكم ما تصنعون بعروسكم. وتأول أصحابنا هذا على أن المراد به ما يفعل بالعروس من الزينة والطيب لا ما يفعله العروس من الاستحداد وتقليم الأظفار, لأنا ما ذكرناه هو أخص بالعروس مما سواه. وإذا ثبت ما ذكرناه فقد قال أشهب أحب إليّ ألا تحلق له عانة ولا يقلم له ظفر ولينقّ ما بها من وسخ. وكذلك قال ابن حبيب عن ابن سيرين لا يؤخذ من شعره ولا تقلّم أظفاره إلا أن يكون عند نزول الموت به. فإذا مات فلا. وقال سحنون إن كان ذلك لما يتأذى به المريض فلا بأس به وإن كان ليهيّأ للموت فلا يفعل.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف المذهب في الميت هل هو نجس أم لا؟ واختلف فيه قول الشافعي أيضًا. وقد قال في كتاب الرضاع من المدونة أن ابن المرأة إذا ماتت نجس وهذا يقتضي نجاسة الميت. واستدل ابن القصار على طهارته بقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١).
وتكريمه يقتضي ألا يكون نجسًا لأن النجس مهان. وقال النبي ﷺ : المؤمن لا ينجس (٢). وعموم هذا يقتضي طهارته وإن كان ميتًا. وذكر البخاري عن ابن عباس أنه: قال لا ينجس المسلم حيًا ولا ميتًا (٣). وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته. وقيل لعائشة ﵂ أيغتسل غاسل الميّت؟ أوَ أنجاس موتاكم (٤) وقبّل النبي ﷺ عثمان بن مظعون (٥). ولو كان نجسًا لما قبّله.
واستدل من قال بنجاسته بقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٦). ولأن
стр. 1115
عدم الحياة يقتضي النجاسة. فأما الآية ففيها ثلاثة أجوبة. أحدها أنه لا يسلّم وقوع اسم الميتة على الإنسان. وإنما هي تسمية واقعة على ما مات من الحيوان البهيمي حتف أنفه. والثاني أنا لو سلمنا وقوع التسمية عليه لم يسلم كون التحريم يقتضي النجاسة لأن المراد بقوله حرمت عليكم الميتة أي أكلها. وأما النجاسة فلا تفهم من هذا اللفظ. والثالث أنا لو سلّمنا انطلاق التسمية على الإنسان. وكان التحريم يفيد النجاسة لخصصنا هذا الظاهر بما قدمناه من الأدلة. وأما استدلالهم بعدم الحياة فإن مجرّد عدم الحياة لا يقتضي النجاسة.
ألا ترى أن الشاة المذكاة طاهرة مع عدم الحياة، والخشاش طاهر وإن مات حتف أنفه. وإنما يكون الموت يقتضي النجاسة إذا كان على صفة وشرط. فإذا كانت العلة ذات أوصاف فلا يثبت الحكم عند انفراد أحد أوصافها. والإنسان وإن منع أكله حال حياته فإن ذلك لحرمته لا لنجاسته. وكونه حيًّا يقتضي كونه طاهرًا. وإذا مات يقتضي هذه الحرمة وأنزل منزلة الحي. ألا ترى ورود الخبر بأن كسر عظمه ميتًا ككسره حيًّا (١)، وهذا تنبيه على بقاء حرمته بعد الموت. وقد مال بعض أصحابنا البغداديين إلى أنه لو قطع من الميت عضو لكان ذلك العضو طاهرًا لمكان الجملة التي هذا العضو جزء منها. ظاهره بخلاف لو قطع من الحي عضو فإن ذلك العضو نجس لأن الحي ذو نفس سائلة. وحياته سبب طهارته فإذا فارق هذا العضو الحياة فارق حكم الطهارة. والعضو المقطوع من الميت لم يتبّدل حاله ولا فقد ما هو سبب للطهارة فيكون نجسًا.
ورأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ساوى بين الكافر الميّت والمسلم الميت في الطهارة لاستوائهما في كثير من الأحكام المناسبة لهذا المعنى. وأنت إن تأملت ما استدللنا به على طهارة الميت تجد بعضًا يختص بالمسلم كقوله ﷺ : المؤمن من لا ينجس (٢). وما حكيناه عن ابن عباس من قوله: لا ينجس المسلم حيًا ولا ميتًا. فقيد كلامه بالمسلم. وهذا يشير إلى كون الكافر بخلاف ذلك. فإذا وضح هذا الاختلاف في نجاسة الميت فقد قال أشهب إذا فرغت من
стр. 1116
غسله ونشفته في ثوب. وقد أمرت قبل ذلك بإجمار ثيابه فقد اختلف في نجاسة هذا الثوب. فقال سحنون لا ينجس. وقال محمَّد ابن عبد الحكم ينجس. وهذا الاختلاف مبني على ما قدمناه من الاختلاف في نجاسته. وقال ابن شعبان لا يصلي بهذا الثوب حتى يغسل ولا بالماء الذي يصيبه من مائه. وقال مالك في المختصر يغتسل من غسل ميتًا أحب إليّ. وقال ابن حبيب لا غسل عليه. ولا وضوء. قاله جماعة من الصحابة والتابعين. وذكر حديث أسماء (١). وقاله مالك وقال: فإن اغتسل من غير إيجاب فحسن. وقيل إنما يستحب له أن يغتسل لئلا يتوقى ما يصيبه منه فلا يكاد يبالغ في أمره. فإذا وطن نفسه على الغسل بالغ فيه. وقال أشهب أحب إليّ أن يغتسل غاسل الميت توقيًا لما عسى أن يصيبه من أذى الميت، فإن لم يفعل ورأى أنه لم يصبه شيء فذلك. قال ومن أصابه شيء من الماء الذي غسّل به الميت فغسل ذلك واجب من الأول فإن لم يفعل وصلّى ولم يعلم أن ذلك الماء أصابه شيء من أذى الميت فلا شيء عليه. قال مالك ولا وضوء على من أفضى بيده إلى جسد الميت أو حنّطه أو حمله. وإن أصاب يده شيء مما يخرج منه غسل ما أصابه فقط.
ومما ينبني على الاختلاف في طهارة الميت الصلاة عليه في المسجد.
فاختلف المذهب عندنا. فقال مالك في المدونة بالكراهة. وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن حبيب لو صلّى على الجنازة في المسجد ما كان ضيقًا لما روي من الصلاة على سهيل فيه (٢). وفي مختصر ابن شعبان يكره أن توضع الجنازة في المسجد وينتظر بالصلاة عليها لحاق الناس. وقال ابن شعبان قال أبو حنيفة لا يصلّى عليها في المسجد. وإنما كره مالك وأبو حنيفة إدخال الميت المسجد لأنه ميتة توضع في المسجد. وهذا التعليل الذي علل به ابن شعبان هو باقتضاء المنع أولى منه باقتضاء الكراهة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تكره الصلاة على الجنازة في المسجد وحجته أنه لما مات سعد بن أبي وقاص قالت عائشة
стр. 1117
رضي الله عنها: ادخلوه في المسجد لأصلي عليه فأنكروا ذلك. فقالت: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء سهيل وأخيه إلا في المسجد (١). وهكذا رأي غير عائشة ﵂ من أزواج النبي ﷺ . وقد خرج مسلم أن أزواج النبي ﷺ أرسلن أن يمروا عليهن بجنازة سعد في المسجد فيصلين عليه ففعلوا ووقفوا على حجرهن فصلين عليه فأنكر ذلك بعض الناس فقالت عائشة ﵂: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد. واعتذر ابن سحنون عن هذا فقال صلاة النبي ﷺ أمر قد تركه وفعل غيره، حين خرج في النجاشي إلى المصلى، فهذا أخف مع أن حديث سهل منقطع. قال غيره، وقد قيل كثر الناس في جنازته فضاق بهم الموضع ثم لم يفعله بعد ذلك واستدام الصلاة في المصلى حتى أنكر الناس على عائشة ﵂ ما أمرت به في جنازة سعد. ومع ذلك فهو ذريعة إلى صرف المسجد إلى غير ما جعل له من الصلاة. وقد ينفجر فيه الميت أو يخرج منه شيء فترك ذلك أولى من غير وجه، كما تركه النبي ﷺ . قال إسماعيل في مبسوطه لا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد إذا احتيج إلى ذلك. وإنكار الناس قصة سعد يدل على أن الفعل الدائم الصلاة في موضع الجنائز بقرب المسجد. ولعل الصلاة على سهيل كانت قبل أن يتخذ ذلك الموضع، ولعلهم إنما صلوا على عمر ﵁ في المسجد لأنه أوسع عليهم لكثرة من صلى عليه. وهذا كله واسع إذا احتيج إليه. وأما ما حدثنا به عاصم بن علي عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التؤمة عن أبي هريرة قال. قال النبي ﷺ : من صلّى على الجنازة في المسجد فلا شيء له (٢). فهذا إسناد ضعيف ولا بأس بذلك إذا احتيج إليه.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ويغسّل كل واحد من الزوجين صاحبه ولا يغسّل من لا رجعة له عليها. وفي الرجعة روايتان. ويغسل الرجل أمته التي
стр. 1118
يحل له وطؤها ومدبرّته، وأم ولده. وكل من كان يستبيحه (١) إلى حين موته.
ويغسل ذوو المحارم بعضهم بعضًا من الرجال والنساء *الرجل للرجل والمرأة. وكذلك المرأة للمرأة والرجل* (٢). إذا لم يكن من يلي ذلك من الأجانب يغسل الرجل المرأة منهن في ثيابها ولا يغسل الرجل الأجنبية ولا المرأة الأجنبي. فإن كانوا في سفر ولم يجدوا من يغسل يُمم الرجل وجهه ويداه إلى مرفقيه والمرأة إلى كفيها. ويستحب الاغتسال من غسل الميت ومن مات له نسيب كافر خلى بينه وبين أهل دينه فإن لم يجد من يكفيه (٣) لفه في شيء وواراه ولا يغسله ولا يصلي عليه.
قال الفقيه الإِمام: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة: منها أن يقال:
١ - لِمَ قال يغسل كل واحد من الزوجين صاحبه؟.
٢ - ولمَ اختلف في الرجعية؟.
٣ - ولمَ أجاز غسل أمته ومن ذُكر معها؟.
٤ - ولمَ أجاز غسل ذوي المحارم بعضهم بعضًا على صفة ما ذكر؟.
٥ - ولمَ لَمْ يغسل المسلم نسيبه الكافر؟.
فَالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما غسل المرأة زوجها فجائز من غير خلاف إلا رواية عن ابن حنبل. ودليل الجماعة ما روي أن أبا بكر الصديق ﵁ وصّى أن تغسله أسماء بنت عميس. وقالت عائشة ﵂: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ غير نسائه. فأما غسل الزوج زوجته فيجوز عندنا وعند الشافعي. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته.
فدليلنا ما روت عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أشتكي فقال: وا رأساه! فقلت بل أنا وا رأساه! فقال ﷺ : ما عليك لو متّ
стр. 1119
لغسلتك وكفنتك وصليت عليك (١). فلولا أنه جائز لما أخبر أنه يفعله. وأيضًا فقياسًا على غسل الزوجة زوجها. وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بأنها فرقة تبيح له نكاح أختها فحرم النظر إليها كالمطلقة قبل الدخول. وقد اختلفت طريقة أصحابنا وأصحاب الشافعي في الانفصال عن هذا. فانفصل أصحاب الشافعي بأن المطلقة قبل الدخول لا يجوز لها غسله فكذلك لا يجوز له. وفي مسألتنا يجوز لها غسله فجاز له. وأصحابنا لا يرون هذا الانفصال لأن أشهب قال: تغسله زوجته وإن لم يبن بها. قال سحنون وكذلك يغسلها هو. والتعويل في الانفصال على أصلنا أن أحكام الزوجية باقية بعد الموت بدليل التوارث.
والتوارث في مقتضى حكم الزوجية. فإذا أشعر التوارث ببقاء حكم الزوجية أجزنا غسل أحدهما صاحبه. فأما الجمع بين الأختين فإنما يمنع فيما طريقه التلذذ. فمن نكح امرأة حرم عليه التلذذ بأختها. والغسل لا تلذذ فيه وإنما بابه باب العبادات. والنظر فيه إلى المغسول يثمر الاعتبار لا اللذة. فلهذا أجزنا الغسل لمّا كان ليس موضوعه وموضوع حكم الجمع بين الأختين موضوعًا واحدًا. وقد كان يجوز له غسلها حال الحياة فانسحب حكمه على ما بعد الموت على ما ذكرناه. ولهذا قلنا إن لها أن تغسله ولو تزوجت غيره إذا وضعت قبل غسله. قال ابن حبيب ورآه كجواز غسله لها. وإن تزوج أختها.
وقد كان قال أحب إليّ ألا يغسلها إذا تزوج أختها. وليس بحرام. وقاله أشهب وكرهه ابن القاسم أيضًا في أحد قوليه.
ولو كان الزوج مسلمًا والزوجة نصرانية فليس له غسلها , ولا تغسله هي إلا بحضرة المسلمين إذ لا يوثق بها إذا خلت به.
ولو كان الزوجان عبدين لجاز أن يغسل أحدهما صاحبه.
وإذا ظهر بعد الموت ما يمنع من صحة النكاح فإن كان فاسدًا لا يقرَّان عليه كنكاح المَحْرم والشغار، فلا يغسل أحدهما صاحبه. وكذلك نكاح المريض والمريضة. ولا يتوارثان فيه لأنه قد قيل عندنا يفسخ النكاح وإن صحّا.
стр. 1120
وإن كان النكاح الفاسد مما يفوت بالدخول بأن يكون فساده في صداقة غسلها بعد البناء لا قبله. وأما ما صح من النكاح ولكن ثبت فيه خيار كوجود عيب بأحدهما يوجب الردّ وما في معنى ذلك فإن ذلك لا يمنع من الغسل. قاله سحنون. وأشار بعض الأشياخ إلى تخريج هذا على الاختلاف في القيام بالعيب بعد الموت. فمن مكّن من أصحابنا من القيام به بعد الموت وكان حكم الغسل موقوفًا على خيار من له الخيار. فإن اختار ردّ العصمة بالعيب لم يجز له الغسل. وإن اختار الاستمساك بها لما يكون له في ذلك من فائدة ميراث أو غيره جاز الغسل. وفي هذا التخريج عندي نظر. لأن الخيار إذا وقع بردّ العصمة بعد الموت فهل يكون رافعًا لها من حين العقد؟ هذا أصل مختلف فيه. فيتخرج على هذه الطريقة الاختلاف في هذا الأصل. إلا أن يحتاط للغسل فيرفع منه الخلاف فلا يباح. والظاهر من منصوص أصحاب هذه الطريقة أنهم يرون الاختيار إذا وقع بالردّ، فكأن العصمة لم تكن في منع الميراث، وما في معناه من حقوق الزوجية.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا وقع الطلاق البائن ثم حدث الموت بعده، فإن غسل أحدهما صاحبه لا يباح، كالأجانب.
ولو كان الطلاق رجعيًا ثم حدث الموتُ ففي المدونة المنع من الغسل.
وفي المبسوط إجازة الغسل. وفي كتاب أبي الفرج روى ابن نافع عن مالك في المطلقة واحدة يموت زوجها قبل الرجعة أنها تغسله، وبالمنع قال الشافعي في الطلاق، ولم يبح للزوج غسلها فيه. فمن أجاز اعتل بالتوارث وهو يشعر ببقاء حكم الزوجية كما كنا قدمنا. وأشار أبو إسحاق إلى هذا وأن التوارث أباح من (١) الرؤية في حال الحياة. وقد أجبنا عن هذا بأن المطلقة في المرض ترث، وإن كان الطلاق بائنًا. ثم الغسل لا يجوز. فلا اعتبار بالتوارث. وإنما الاعتبار بإباحة الوطء. وانسحاب إباحته. والمطلقة الرجعية محرّمة الوطء وسنتكلم على الخلاف في تحريم الطلاق للوطء في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 1121
فإذا وضح ما قلنا في حكم الزوجين فإنا إذا أجزنا غسل أحدهما صاحبه فإنه يستر عورة المغسول. وأجاز ابن حبيب أن يغسل أحد الزوجين صاحبه والمغسول منهما عريان من غير ضرورة. وفي كتاب ابن سحنون قال أشهب ويغسل أحد الزوجين صاحبه مجرّدًا. قال سحنون يعني ستر عورته. وهو قول أصحابنا. وإذا أجزنا للمرأة غسل زوجها فقال ابن الماجشون لها أن تجففه وتكفنه ولا تحنطه إذ هي حادّ، إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملًا، أو يكون بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل ولا تمس بالطيب إلا الميت.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل السيد أمته ومن في معناها كأم الولد والمدبرة فإنه جائز. وقال أبو حنيفة لا يجوز، ويعتل بما قدمناه من جواز وطء الأخت. والتفرقة بين حكم جمع الأختين ها هنا وبين جواز الغسل، قد تقدم الكلام عليه. ولا يغسل مكاتبته ولا المعتق بعضها ولا المعتقة إلى أجل. ومن له فيها شرك ولا كل من لا يحل له وطؤها. وأما غسل الأمة سيدها فإنه يجوز عندنا وكذلك أم ولده ومدبّرته. قال الشافعي: أم الولد على أحد الوجهين عنده. وقال في الوجه الآخر لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة. ويعتل لهذا القول بأنها تعتق بموته، فصارت أجنبية منه. وقد قدمنا نحن الانفصال عن مثل هذا.
وإذا وضح ما قلناه في غسل مَن الوطءُ بينهما مباح، فهل يقضي بذلك لمن طلبه منهما؟ قال سحنون يقضى للزوج بغسل زوجته ولا يقضى لها على أوليائه.
وللامة غسل زوجها العبد وإن ولدت منه وللعبد غسل زوجته حرّة ويأذن له السيد في غسلها فيقضي له بذلك. وإنما فرق سحنون بين القضاء للزوج بغسل زوجته وبين القضاء لها لمعنى نبه عليه في لفظ روايته. وذلك لأن الرجل له أولياء يغسلونه. فلو قضينا لزوجته لأسقطنا حق الأولياء في ذلك. وأما المرأة فلا يغسلها أولياؤها. وإذا كان غسلها موكولًا إلى النساء لم يكن في القضاء للزوج بغسلها إسقاط حق أحد. فلهذا قُضي له. وهذا معنى قول سحنون لا يقضى لها على أوليائه. وهذا تنبيه منه على أن الزوج لو لم يكن له ولي لوجب
стр. 1122
القضاء لها بغسله. كما يقضى له بغسلها لاستوائه ها هنا, لأنه ليس هناك حق أحد يسقط. ولهذا قال أيضًا بأنه يقضى للزوج إذا كان عبدًا. وأذن له سيده وكانت زوجته حرة لأن القضاء ها هنا على النساء لا على الأولياء. فلو كانت زوجته أمة لم يقض له لأن القضاء بذلك ها هنا على الولي الذي هو السيد. ومال بعض أشياخنا إلى كون الزوج أحق من السيد استثقالًا لاطلاع سيدها عليها لمّا ماتت وهي في عصمة زوج. وكذلك أيضًا ما ذكرنا من أن سحنون لم يقض للأمة بغسل زوجها العبد، فإنما ذلك لحق سيده. ولو كان مالك العبد امرأة قدّم أولياؤه كابنه وأخيه على زوجته. فإن لم يكن له أولياء قضي ها هنا لزوجته إذ ليس في القضاء ها هنا إسقاط حق لأحد. وهذه طريقة سحنون. وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن كل واحد من الزوجين أولى بغسل صاحبه. قال أبو محمَّد هو أولى من قول سحنون. وقال بعض أشياخنا لكونها أستر لزوجها. وقد تنكشف عورته للولي إذا غسله فكان الأولى تقدمة الزوجة على الأولياء.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا مات الميت ولم يوجد رجل يغسله ولكن وجدت امرأة، أو ماتت امرأة ولم توجد امرأة تغسلها ولكن وجد رجل، فلا يخلو الموجود: إما أن يكون لا رحم بينه وبين الميت أو بينهما رحم. فإن كان لا رحم بينهما، فعندنا أن حكم الميت أن يُيمم. فإن كان رجلًا يُمم إلى المرفقين. وإن كانت امرأة يُممت إلى كوعيها. وبالتيمم على الجملة، قال ابن المسيب وأبو حنيفة وابن حنبل. وقال قتادة والزهري والنخعي يُجعل عليها ثوب ويصبّ الماء من تحت الثوب ويمرّ الغاسل يده عليها بخرقة. وقال الحسن وإسحاق يصب عليها الماء من فوق الثوب. وقال الأوزاعي لا تُيمم ولا تُغسل. وروي ذلك عند ابن عمر. وللشافعية وجهان: أحدهما ما قاله ابن المسيب. والثاني ما قاله قتادة. واختار بعضهم مذهب الأوزاعي واحتج له بأن التيمم مباشرة من ليس بمحرم له. والغسل يتعذر لأنه يحتاج فيه إلى النظر إلى المواضع التي لا يصل إليها الماء.
ولو وجد من جنس من يغسل من هو كافر، فهل يمكن من الغسل أم لا؟ فقيل يعلّم الكافر الغسل ليغسل الرجل. وتعلّم الكافرة الغسل لتغسل المرأة.
стр. 1123
قاله مالك. وقال أشهب لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وُصف لهما. ولا يؤتمن على ذلك كافر. وقال سحنون يدَعوا (١) الكافر يغسل وكذلك الكافرة، ثم يحتاطون بالتيمم فيهما.
وإن كان بين الميت والغاسل رحم فاختلف في ذلك. ففي المدونة في المرأة يغسلها من فِوق الثوب. وفي الرجل يغسلنه ويسترنه. واختلف قول ابن القاسم فقال يغسلنه من فوق الثوب. وقال يسترن عورته. وظاهر هذا تجريده للغسل. وهكذا قال عيسى بن دينار ينزع ثوبه وتستر عورته. وفي المختصر إذا مات وليس معه إلا أمه أو ابنته أو أخته فلا بأس أن يغسلنه ما لم يطلعن علي عورته. فإن كانت امرأة معها أبوها أو أخوها أو ابنها ولا نساء معها فلا بأس أن يغسلها في درعها. ولا يطلع على عورتها. وقال أشهب في كتاب ابن سحنون أحب إليّ في أمه وأخته أن ييممها وكذلك المرأة في ابنها. قال سحنون لا أعلم من يقوله غيره من أصحابنا. وقول مالك: أحب إليّ ولو فعل ذلك لرجوت أن يكون واسعًا. وذكر في المجموعة أن المرأة يغسلها ذو المحارم منها من فوق الثوب وأن مالكًا أنكر ذلك في رواية ابن غانم. واحتج بقول النبي ﷺ للسائل عن الاستئذان على أمّه: أتحب أن تراها عريانة (٢). قال أشهب فإن غسلها من فوق الثوب فواسع. قاله مالك ولكن أكرهه للتعرض أن يضع يده على ما لا يصح مسه من جسدها وعورتها. ولكن ييممها إلى المرفقين. وكذلك المرأة تكون في ذوي محرم منها فتيممه أحب إليّ، وإن غسلته رجوت سعته. وكذلك ذكر ابن حبيب أن ذا المحرم إذا لم يجد الماء يممها إلى المرافق وإنما يُمم إلى الكوعين الأجنبي وجد الماء أو لم يجد. وأن ذا المحرم إذا غسلها صبّ الماء من تحت الثوب ولا يلصقه بجسدها فيصف إذا ابتلت عورتها ولكن يجافيه ما قَدَر. وسبب هذا الخلاف الموازنة بين الاطلاع على ما الأصلُ منع الاطلاع عليه، وبين ترك ما تُعبدنا به من غسل الميت. فلما اتضح عندنا شدة المنع من الاطلاع على الأجنبية كان الحكم التيمم. ولما كان ذو المحرم يؤمن تلذذه
стр. 1124
بالنظر كان أخفض رتبة للأمن عليه. فجعلنا له الغسل على صفة ما ذكرنا من الغسل للمرأة من فوق الثوب. وللرجل على القولين عندنا هل من فوق ثوب أو مجردًا مستور العورة؟ وقد قال مالك لا أرى أن يغسل الرجل أم امرأته ولكن ييممها، ففرق ها هنا بين التحريم تحريم نسب أو تحريم صهر. لأن النفوس قد يوجد في بعضها منازعة إلى التلذذ بالصهر، ولا يوجد ذلك فيها في النسب المحرم. وكان قد قال أشهب في المبسوط رأيًا أنه لا يكاد ينفك مع الغسل من الاطلاع على ما لا يجوز الاطلاع عليه. فقالا بالتيمم ورأيا (١) أن مباشرة ما لا يباشر بالتيمم (٢) من تركه الغسل (٢).
ولأجل هذا الذي نبهنا عليه أجزنا غسل من لا يستلذها. يقول مالك لا بأس أن تغسل المرأة الصبي ابن ست سنين وابن سبع. ويغسل الرجل الصبية الصغيرة إذا احتاج إلى ذلك. قال ابن حبيب تغسل المرأة الصبي ابن سبع ونحوه إلا الصغيرة (٣) جدًا. قاله مالك وأصحابه. وقال أشهب إذا كان يشتهى مثلها فلا يغسلها الرجل. وذلك (٤) يتقي منها مثل ما يتقى من الصبي. قال ابن مزين قال ابن القاسم لا يغسلوها (٥) وإن صغرت جدًا. وروي عن مالك إجازة غسل المرأة لابن تسع سنين. وقال الشافعي يجوز للمرأة غسل الصغير. ولم يُحدّ السنن, وقاله أصحابه. والذي يجيء على هذا المذهب أن لا يكون مميّزًا. وقال الحسن إذا كان فطيمًا أو فوقه شيئًا. وقال الأوزاعي أربع سنين أو خمس. وقال إسحاق ثلاث إلى خمس. وقال أبو حنيفة ما لم يتكلم. وحكم الصبية عند الشافعي، حكم الصبي. قال أصحابه فيما حكيناه من الأقوال أنه كمذهبهم إلا قول مالك (٦). وإن كان أبو حنيفة أراد بالكلام الزمن المعتاد فهو أيضًا موافق لما ذهب إليه. وإن أراد به على الإطلاق فليس بصحيح, لأن الكلام قد يتأخر.
стр. 1125
وأنت ترى إجازة العلماء غسل المرأة الصبي والرجل الصبية وإن لم يكن بينهما رحم. وما ذاك إلا للأمن من الشهوة. وقد نبه بعض أصحابنا كما ذكرناه، وهو يؤكد عندك ما اعتللنا به. وأنه مقصد المختلفين في ذلك.
ولو اقتصر على التيمم حيث ذكرنا الاقتصار عليه ثم وجدنا الغاسل فذكر سحنون في نساء يممن رجلًا إلى المرفقين وصفين عليه صفًا واحدًا أفذاذًا ثم جاء رجل قبل أن يدفن قال لا يغسل ولا يصلى عليه ثانية. وقد أجزنا ما فعل النساء في وقت يجوز لهن ذلك. ولو غُسل ودُفن بلا صلاة لم أرَ بذلك بأسًا
والأول أحبّ إليّ.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المشرك إذا لم يكن له قريب مشرك يتولى أمره وله قريب من المسلمين فلا خفاء بأنه لا يصلي عليه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١). وأما غسله إياه فمنعه مالك، وأجازه الشافعي. فأما مالك فإنه قاسه على الصلاة. فإذا كان لا يصلي عليه فلا يغسله. وأما الشافعي فإنه يرى أن المقصود من الصلاة الدعاء بالمغفرة والرحمة. وذلك لا يحصل للكافرين. فلا فائدة في طلب ما يعلم أنه لا يحصل. وأما الغسل فالمقصود منه التنظيف، وذلك يحصل. فلهذا فُعِل.
ويحتج بأن النبي ﷺ أمر عليًّا بأن يغسل أباه أبا طالب وأمره بدفنه. وكان مات كافرًا (٢). وقال مالك في ذمّي مات وليس معه أحد من أهل دينه أنه يوارى فإن له ذمة. وقال في المسلم يموت أبوه الكافر لا يغسله ولا يتبعه ولا يدفنه إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه. قال أشهب ولا يستقبل به متعمدًا قبلة أحد.
وقال ربيعة في المدونة في كافر بين مسلمين يوارونه ولا يستقبلون به القبلة ولا قبلتهم. قال ابن القاسم وأشهب إن مات المسلم فلا يوكل إلى ابنه الكافر في شيء من أمره من غسل ولا غيره. قال أشهب: فأما مسيره معه ودعاؤه له فلا يمنع منه. قال مالك ولا يعزّى المسلم بأبيه الكافر لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ