← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فإذا وضح ما قلنا في حكم الزوجين فإنا إذا أجزنا غسل أحدهما صاحبه فإنه يستر عورة المغسول. وأجاز ابن حبيب أن يغسل أحد الزوجين صاحبه والمغسول منهما عريان من غير ضرورة. وفي كتاب ابن سحنون قال أشهب ويغسل أحد الزوجين صاحبه مجرّدًا. قال سحنون يعني ستر عورته. وهو قول أصحابنا. وإذا أجزنا للمرأة غسل زوجها فقال ابن الماجشون لها أن تجففه وتكفنه ولا تحنطه إذ هي حادّ، إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملًا، أو يكون بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل ولا تمس بالطيب إلا الميت. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل السيد أمته ومن في معناها كأم الولد والمدبرة فإنه جائز. وقال أبو حنيفة لا يجوز، ويعتل بما قدمناه من جواز وطء الأخت. والتفرقة بين حكم جمع الأختين ها هنا وبين جواز الغسل، قد تقدم الكلام عليه. ولا يغسل مكاتبته ولا المعتق بعضها ولا المعتقة إلى أجل. ومن له فيها شرك ولا كل من لا يحل له وطؤها. وأما غسل الأمة سيدها فإنه يجوز عندنا وكذلك أم ولده ومدبّرته. قال الشافعي: أم الولد على أحد الوجهين عنده. وقال في الوجه الآخر لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة. ويعتل لهذا القول بأنها تعتق بموته، فصارت أجنبية منه. وقد قدمنا نحن الانفصال عن مثل هذا. وإذا وضح ما قلناه في غسل مَن الوطءُ بينهما مباح، فهل يقضي بذلك لمن طلبه منهما؟ قال سحنون يقضى للزوج بغسل زوجته ولا يقضى لها على أوليائه. وللامة غسل زوجها العبد وإن ولدت منه وللعبد غسل زوجته حرّة ويأذن له السيد في غسلها فيقضي له بذلك. وإنما فرق سحنون بين القضاء للزوج بغسل زوجته وبين القضاء لها لمعنى نبه عليه في لفظ روايته. وذلك لأن الرجل له أولياء يغسلونه. فلو قضينا لزوجته لأسقطنا حق الأولياء في ذلك. وأما المرأة فلا يغسلها أولياؤها. وإذا كان غسلها موكولًا إلى النساء لم يكن في القضاء للزوج بغسلها إسقاط حق أحد. فلهذا قُضي له. وهذا معنى قول سحنون لا يقضى لها على أوليائه. وهذا تنبيه منه على أن الزوج لو لم يكن له ولي لوجب

стр. 1122

القضاء لها بغسله. كما يقضى له بغسلها لاستوائه ها هنا, لأنه ليس هناك حق أحد يسقط. ولهذا قال أيضًا بأنه يقضى للزوج إذا كان عبدًا. وأذن له سيده وكانت زوجته حرة لأن القضاء ها هنا على النساء لا على الأولياء. فلو كانت زوجته أمة لم يقض له لأن القضاء بذلك ها هنا على الولي الذي هو السيد. ومال بعض أشياخنا إلى كون الزوج أحق من السيد استثقالًا لاطلاع سيدها عليها لمّا ماتت وهي في عصمة زوج. وكذلك أيضًا ما ذكرنا من أن سحنون لم يقض للأمة بغسل زوجها العبد، فإنما ذلك لحق سيده. ولو كان مالك العبد امرأة قدّم أولياؤه كابنه وأخيه على زوجته. فإن لم يكن له أولياء قضي ها هنا لزوجته إذ ليس في القضاء ها هنا إسقاط حق لأحد. وهذه طريقة سحنون. وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن كل واحد من الزوجين أولى بغسل صاحبه. قال أبو محمَّد هو أولى من قول سحنون. وقال بعض أشياخنا لكونها أستر لزوجها. وقد تنكشف عورته للولي إذا غسله فكان الأولى تقدمة الزوجة على الأولياء. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا مات الميت ولم يوجد رجل يغسله ولكن وجدت امرأة، أو ماتت امرأة ولم توجد امرأة تغسلها ولكن وجد رجل، فلا يخلو الموجود: إما أن يكون لا رحم بينه وبين الميت أو بينهما رحم. فإن كان لا رحم بينهما، فعندنا أن حكم الميت أن يُيمم. فإن كان رجلًا يُمم إلى المرفقين. وإن كانت امرأة يُممت إلى كوعيها. وبالتيمم على الجملة، قال ابن المسيب وأبو حنيفة وابن حنبل. وقال قتادة والزهري والنخعي يُجعل عليها ثوب ويصبّ الماء من تحت الثوب ويمرّ الغاسل يده عليها بخرقة. وقال الحسن وإسحاق يصب عليها الماء من فوق الثوب. وقال الأوزاعي لا تُيمم ولا تُغسل. وروي ذلك عند ابن عمر. وللشافعية وجهان: أحدهما ما قاله ابن المسيب. والثاني ما قاله قتادة. واختار بعضهم مذهب الأوزاعي واحتج له بأن التيمم مباشرة من ليس بمحرم له. والغسل يتعذر لأنه يحتاج فيه إلى النظر إلى المواضع التي لا يصل إليها الماء. ولو وجد من جنس من يغسل من هو كافر، فهل يمكن من الغسل أم لا؟ فقيل يعلّم الكافر الغسل ليغسل الرجل. وتعلّم الكافرة الغسل لتغسل المرأة.

стр. 1123

قاله مالك. وقال أشهب لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وُصف لهما. ولا يؤتمن على ذلك كافر. وقال سحنون يدَعوا (١) الكافر يغسل وكذلك الكافرة، ثم يحتاطون بالتيمم فيهما. وإن كان بين الميت والغاسل رحم فاختلف في ذلك. ففي المدونة في المرأة يغسلها من فِوق الثوب. وفي الرجل يغسلنه ويسترنه. واختلف قول ابن القاسم فقال يغسلنه من فوق الثوب. وقال يسترن عورته. وظاهر هذا تجريده للغسل. وهكذا قال عيسى بن دينار ينزع ثوبه وتستر عورته. وفي المختصر إذا مات وليس معه إلا أمه أو ابنته أو أخته فلا بأس أن يغسلنه ما لم يطلعن علي عورته. فإن كانت امرأة معها أبوها أو أخوها أو ابنها ولا نساء معها فلا بأس أن يغسلها في درعها. ولا يطلع على عورتها. وقال أشهب في كتاب ابن سحنون أحب إليّ في أمه وأخته أن ييممها وكذلك المرأة في ابنها. قال سحنون لا أعلم من يقوله غيره من أصحابنا. وقول مالك: أحب إليّ ولو فعل ذلك لرجوت أن يكون واسعًا. وذكر في المجموعة أن المرأة يغسلها ذو المحارم منها من فوق الثوب وأن مالكًا أنكر ذلك في رواية ابن غانم. واحتج بقول النبي ﷺ للسائل عن الاستئذان على أمّه: أتحب أن تراها عريانة (٢). قال أشهب فإن غسلها من فوق الثوب فواسع. قاله مالك ولكن أكرهه للتعرض أن يضع يده على ما لا يصح مسه من جسدها وعورتها. ولكن ييممها إلى المرفقين. وكذلك المرأة تكون في ذوي محرم منها فتيممه أحب إليّ، وإن غسلته رجوت سعته. وكذلك ذكر ابن حبيب أن ذا المحرم إذا لم يجد الماء يممها إلى المرافق وإنما يُمم إلى الكوعين الأجنبي وجد الماء أو لم يجد. وأن ذا المحرم إذا غسلها صبّ الماء من تحت الثوب ولا يلصقه بجسدها فيصف إذا ابتلت عورتها ولكن يجافيه ما قَدَر. وسبب هذا الخلاف الموازنة بين الاطلاع على ما الأصلُ منع الاطلاع عليه، وبين ترك ما تُعبدنا به من غسل الميت. فلما اتضح عندنا شدة المنع من الاطلاع على الأجنبية كان الحكم التيمم. ولما كان ذو المحرم يؤمن تلذذه

стр. 1124

بالنظر كان أخفض رتبة للأمن عليه. فجعلنا له الغسل على صفة ما ذكرنا من الغسل للمرأة من فوق الثوب. وللرجل على القولين عندنا هل من فوق ثوب أو مجردًا مستور العورة؟ وقد قال مالك لا أرى أن يغسل الرجل أم امرأته ولكن ييممها، ففرق ها هنا بين التحريم تحريم نسب أو تحريم صهر. لأن النفوس قد يوجد في بعضها منازعة إلى التلذذ بالصهر، ولا يوجد ذلك فيها في النسب المحرم. وكان قد قال أشهب في المبسوط رأيًا أنه لا يكاد ينفك مع الغسل من الاطلاع على ما لا يجوز الاطلاع عليه. فقالا بالتيمم ورأيا (١) أن مباشرة ما لا يباشر بالتيمم (٢) من تركه الغسل (٢). ولأجل هذا الذي نبهنا عليه أجزنا غسل من لا يستلذها. يقول مالك لا بأس أن تغسل المرأة الصبي ابن ست سنين وابن سبع. ويغسل الرجل الصبية الصغيرة إذا احتاج إلى ذلك. قال ابن حبيب تغسل المرأة الصبي ابن سبع ونحوه إلا الصغيرة (٣) جدًا. قاله مالك وأصحابه. وقال أشهب إذا كان يشتهى مثلها فلا يغسلها الرجل. وذلك (٤) يتقي منها مثل ما يتقى من الصبي. قال ابن مزين قال ابن القاسم لا يغسلوها (٥) وإن صغرت جدًا. وروي عن مالك إجازة غسل المرأة لابن تسع سنين. وقال الشافعي يجوز للمرأة غسل الصغير. ولم يُحدّ السنن, وقاله أصحابه. والذي يجيء على هذا المذهب أن لا يكون مميّزًا. وقال الحسن إذا كان فطيمًا أو فوقه شيئًا. وقال الأوزاعي أربع سنين أو خمس. وقال إسحاق ثلاث إلى خمس. وقال أبو حنيفة ما لم يتكلم. وحكم الصبية عند الشافعي، حكم الصبي. قال أصحابه فيما حكيناه من الأقوال أنه كمذهبهم إلا قول مالك (٦). وإن كان أبو حنيفة أراد بالكلام الزمن المعتاد فهو أيضًا موافق لما ذهب إليه. وإن أراد به على الإطلاق فليس بصحيح, لأن الكلام قد يتأخر.

стр. 1125

وأنت ترى إجازة العلماء غسل المرأة الصبي والرجل الصبية وإن لم يكن بينهما رحم. وما ذاك إلا للأمن من الشهوة. وقد نبه بعض أصحابنا كما ذكرناه، وهو يؤكد عندك ما اعتللنا به. وأنه مقصد المختلفين في ذلك. ولو اقتصر على التيمم حيث ذكرنا الاقتصار عليه ثم وجدنا الغاسل فذكر سحنون في نساء يممن رجلًا إلى المرفقين وصفين عليه صفًا واحدًا أفذاذًا ثم جاء رجل قبل أن يدفن قال لا يغسل ولا يصلى عليه ثانية. وقد أجزنا ما فعل النساء في وقت يجوز لهن ذلك. ولو غُسل ودُفن بلا صلاة لم أرَ بذلك بأسًا والأول أحبّ إليّ. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المشرك إذا لم يكن له قريب مشرك يتولى أمره وله قريب من المسلمين فلا خفاء بأنه لا يصلي عليه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١). وأما غسله إياه فمنعه مالك، وأجازه الشافعي. فأما مالك فإنه قاسه على الصلاة. فإذا كان لا يصلي عليه فلا يغسله. وأما الشافعي فإنه يرى أن المقصود من الصلاة الدعاء بالمغفرة والرحمة. وذلك لا يحصل للكافرين. فلا فائدة في طلب ما يعلم أنه لا يحصل. وأما الغسل فالمقصود منه التنظيف، وذلك يحصل. فلهذا فُعِل. ويحتج بأن النبي ﷺ أمر عليًّا بأن يغسل أباه أبا طالب وأمره بدفنه. وكان مات كافرًا (٢). وقال مالك في ذمّي مات وليس معه أحد من أهل دينه أنه يوارى فإن له ذمة. وقال في المسلم يموت أبوه الكافر لا يغسله ولا يتبعه ولا يدفنه إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه. قال أشهب ولا يستقبل به متعمدًا قبلة أحد. وقال ربيعة في المدونة في كافر بين مسلمين يوارونه ولا يستقبلون به القبلة ولا قبلتهم. قال ابن القاسم وأشهب إن مات المسلم فلا يوكل إلى ابنه الكافر في شيء من أمره من غسل ولا غيره. قال أشهب: فأما مسيره معه ودعاؤه له فلا يمنع منه. قال مالك ولا يعزّى المسلم بأبيه الكافر لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ

стр. 1126

مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (١). فمنعهم الميراث وقد أسلموا حتى يهاجروا. وقال ابن حبيب لا يحمل المسلم نعش الكافر ولا يحمل الكافر نعش المسلم. ولا بأس أن يقوم على قبره وأن يحفره وأن يطرح عليه التراب. ولو مات لمسلم كافر يلزمه أمره مثل الأبوين والأخ وشبه ذلك فلا بأس أن يحضره ويلي أمره ويكفنه حتى يخرجه ويبرأ به إلى أهل ذمته. فإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه فإن خشي ذلك فليتقدمهم إلى قبره. وإن لم يخش ضيعته وأحب أن يحضر دفنه فليتقدم أمام جنازته معتزلًا منه، وممن يحمله. وقد روي أن النبي ﷺ أذِن في ذلك أن يتقدم أمام جنازته (٢). قال مالك إذا خشي عليها الضيعة تقدمها ولا يدخلها قبرها إلا ألا يجد من يكفيه ذلك. وفي كتاب ابن سحنون يعزى الذمي في وليه إن كان له جوار. يقال له أخلف الله لك المصيبة وجزاه أفضل ما جوزي أحد من أهل دينه. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والكفن والحنوط من رأس المال ويستحب في الكفن الوتر والبياض. ويجوز فيه اللبيس. ويجوز في الحنوط المسك والكافور وكل الطيب. ويُعتمد به مفاصله ومواضع السجود (٣) منه. قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة: منها أن يقال: ١ - ما حكم الكفن؟. ٢ - وما قدره؟. ٣ - وما المختار منه؟. ٤ - ومن يلزمه التكفين؟. ٥ - وما حكم الحنوط؟. ٦ - وهل يحنّط المحرم؟.

стр. 1127

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: التكفين عندنا واجب. وقد اشتهر في الشرع العمل به، ومضى المسلمون عليه. ولأن ستر العورة واجب في حق الحي. وحرمة الميت كحرمة الحي. فإذا لم يمكنه سترها سترناها نحن. وإذا ثبت وجوبه فإنه يقدم على حق الوارث وعلى حق الغريم أيضًا. قال مالك في المختصر وغيره: والكفن والحنوط من رأس المال. قال والرّهن أولى من الكفن والكفن أولى من الدين. قال طاوس في مؤنة الميت إن كان له مال كثير، فمن رأس ماله. وإن كان قليلًا فمن ثلثه. قال .. (١). الدليل على أن الكفن من رأس المال أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة فكفن فيها (٢). وقول النبي ﷺ في الذي وقص به بعيره: كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما (٣) ولم يسأل عن قلته (٤). وقياسًا على المفلس الحيّ فإنه تقدم كسوته على ديونه. وقال المخالف ما زاد على ستر العورة ليس بواجب. فكان من الثلث. ينتقض بالحي. وأما تقدمة حق المرتهن فلأن الميت، وإن تعلق له حق بأن يكفن من ماله، فإن ما رهنه من ثيابه قد تعلق به حق المرتهن قبل تعلق حق الميت بالتكفين. ورضي الراهن بإسقاط حقه فيما رهنه حتى يفتكه. فلهذا قدّم المرتهن. وأما تقدمة الكفن على الغريم فلأن الحي إذا فُلّس لم يكن للغرماء نزع ثيابه عنه التي لا بدّ له منها. فإذا كان من حقه بقاء لباسه في حال الحياة، وإن أفلس فكذلك في حال الموت. فإذا ثبت وجوب التكفين فهل يتكرر وجوبه إذا تكررت الحاجة إليه بأن ينبش فيسرق كفنه؟ فاختلف في ذلك. فقال مالك في المبسوط يتجدد له كفن. وقال ابن القاسم في العتبية على ورثته أن يكفنوه من بقية تركته. فإن كان عليه

стр. 1128

دين محيط فالكفن الثاني أولى. قال أصبغ: لا يلزم ورثته أن يكفنوه ثانية في بقية ماله إلا أن يشاؤوا ويحتسب فيه محتسب. قال سحنون إذا كان بحِدْثان دفنه ولم يقسم ماله فليكفن ثانية من رأس ماله. وإن كان قسم ماله فليس ذلك على ورثته، وإن كان أوصى بثلثه لم يجدّد كفنه من ثلثه ولا غيره. قال سحنون أيضًا ليس على الورثة أن يكفنوه. قال الشيخ أبو الحسن: لا بد من ستر عورته. وإذا خيف نبشه كانت حراسته من رأس المال. قال أبو العلاء البصري لو نبش فأكله السبع وبقي كفنه لكان للورثة. وإذا كان لهم ها هنا كان عليهم أن يعيدوا الكفن إذا سرق. فوجه القول بإعادة التكفين أن الكفن من حقوق الميت متعلق بماله وإنما حق الورثة فيما فضل عن ذلك .. (١). كان حق الميت في التكفين مقدمًا على حق الوارث ولم يتعين حقه في كفن بعينه بل من حقه الستر من ماله وجب إعادة التكفين. لأن حقه لم يكن معلقًا بذلك الكفن المسروق خاصة، حتى تكون مصيبته منه. ووجه القول بسقوط إعادة التكفين أن حقه يقوم على الوارث بقدر الكفن. فإذا كُفن فقد وصل إليه حقه وصار ما فضل عن ذلك يخلص للوارث، فلا يلزم أن يكفنه من حق قد خلص إليه. وقد كان الميت قبض حقه منه فجائحته بعد القبض منه. ووجه القول الثالث أن قسمة المال تمييز حق الوارث من حق الميت. فإذا يتميز الحقان لم يلزم الوارث أن يكفن الميت من حق قد يتميز. ولو كان قد أوصى بالثلث لم يلزم أيضًا إعادة كفنه. وإن كان الثلث على ملك الميت لم يخرج لأنه بالقسمة قد خلص للموصى لهم وتميّز فلا يلزم التكفين منه بعد خلوصه لأهله. وإذا كفن الميّت ثانية ثم وجد الكفن الأول فهو ميراث. قال محمَّد بن عبد الحكم إلا أن يكون على الميت دين فيكون للغرماء. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما عدد ما يكفن فيه فقد قال عيسى في شرح ابن مزين يجبر الغرماء والورثة على ثلاثة أثواب من مال الميت. وإن قالوا تكون غليظة لم يكن ذلك لهم إذا كانت لا تشبهه. وهذا الذي قاله

стр. 1129

عيسى في جبر الغرماء على ثلاثة أثواب لا يقتضيه النظر إلا أن تجري بذلك عادة يعلم أن الغرماء دخلوا عليها. فلعله رأى أن العادة اطردت بذلك ففرضه له. ولم يفرض له ما يترك حال الحياة في الفلس. وفي المدونة أحبُّ إليّ أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب إلا أن لا يوجد ذلك. ويستحب أن يكون الكفن وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا. قال بعض أشياخنا لا أرى أن يجاوز السبع لأنه في معنى السرف. قال مالك ليس في كفن الميت حدّ. والوتر أحب إلينا ولا بأس أن يكفن الميت في غير ثوب. وهكذا عنه في المختصر والمجموعة. وروى أيضًا عنه ثوبان أحبّ إلينا من ثوب. يعني أن الواحد وإن كان وترًا فإنه يصف. والاثنان إذا كان شفعًا فهما أستر. وقال في المختصر كفّن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب. وكفّن النبي ﷺ الشهداء يوم أُحد اثنين في ثوب. وكفّن ابن عمر ابنه في خمسة أثواب. وكفّن أبو بكر الصديق ﵁ في ثوب فيه مشْق. وذكر أشهب أن أبا بكر ﵁ كفّن في ثوبين. وروى ابن القاسم عن مالك أنه كفّن في ثلاثة. وقال أشهب لا يكفن رجلان في ثوب إلا من ضرورة وقال لا بأس بالكفن في ثوب الرجل للمرأة. ولا أحبّ أن يقصر في (١) ثوبين للرجل لمن وجد. لأن الثوب الواحد يصف ما تحته قال ابن القاسم الوتر أحبّ إلى مالك في الكفن وإن لم يوجد للمرأة إلا ثوبان لفّت فيهما. وكذلك من لم يبلغ من صبي أو صبية فالوتر أحب إلى مالك فيه. قال أشهب وسحنون هذا فيمن راهق. وأما الصغير فالخرقة تكفيه. وإذا أوصى أن يكفّن في سرف أو أوصى بمثل ذلك في حنوطه وإقباره فلا يجوز في رأس المال إلا ما يجوز مثله لو لم يوص. قاله أشهب وابن القاسم. قال مالك لا يجوز من ذلك إلا ما يكفّن فيه مثله. قال سحنون في الموصي أن يكفّن في سرف يجعل قدر القصد في رأس ماله، والزائد في الثلث. قال ابن شعبان وقد قيل الزائد على قدر .. (٢). رأس المال وهو ممنوع من إخراجها منه. فهل يخرج الثلث أم لا إذا كانت الوصية مما تجوز؛ وهذا فيه من التنازع ما يذكر في

стр. 1130

موضعه إن شاء الله تعالى. قال سحنون فيمن أوصى أن يكفّن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة ثوبًا آخر فذلك له ويجعل إذا كان في التركة محمل ذلك. قال ابن شعبان إذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن لبعض الورثة الزيادة بغير ممالاة من جميعهم. قال سحنون في غريب لا يعرف له أهل مات عن دينار أو دينارين لا بأس في مثل هذا اليسير أن يجعل كله في كفنه وحنوطه وقبره. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: خرّج مسلم أن النبي ﷺ أمران يحسّن كفن الميّت (١). قال ابن حنبل القصد في الكفن أحبّ إليّ من المغالاة فيه. ورُوي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄. قال أشهب في (٢) الخلَق والجديد سواء. وليس على أحد غسله إذا لم يخف نجاسة، وواسع في البرود. والبياض أحب إلينا. قال ابن حبيب أحب إلى مالك في التكفين خمسة أثواب تعد فيها العمامة والمئزر والقميص ويلف في ثوبين. وذلك في المرأة ألزم لأنها تحتاج إلى مئزر وتشد بعصايب تشد من حقويها إلى ركبتيها ودرع وخمار وثوبين تدرج فيهما. قال ابن حبيب وثوبان أحب إلينا من ثوب يعني لأنهما أستر. وثلاثة أحب إلينا من أربعة يعني لكونها وترًا. قال ابن شعبان والمرأة في عدة أثواب الكفن أكثر من الرجال. وأقله لها خمسة وأكثره سبعة. ولا ينقص الرجل الذي يجد من ثلاثة. ويكفن في مثل هيئته في حياته إن تشاح الورثة. وهذا الذي أشار ابن شعبان من اعتبار حال هيئته عند تشاح الورثة ظاهره خلاف ما كنا قدمناه في السؤال الذي قدمنا قبل هذا عن عيسى من إجباره الورثة على ثلاثة أبواب. قال ابن حبيب: ويستحب للرجل أن يوصى أن يكفن في أثوابه التي شهد فيها الجماعات والصلوات. وثوبي إحرامه إن حج رجاء بركة ذلك فقد أعطى النبي ﷺ في ابنته حقوه (٣). وقال أشعرنها إياه. وأعطى ثوبه الذي يلي جلده إلى ولد عبد الله بن أبي بن سلول يكفّن فيه

стр. 1131

أباه (١). وأوصى سعد بن أبي وقاص أن يكفّن في جبة صوف شهد فيها بدرًا. والعلماء يحبون البياض في الكفن والحَبَر مستحب لمن قوي عليه. ورُوي نحوه للنبي ﷺ ورُوي أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب فقيل إنها بيض. وقيل إن أحدها حبرة. والمستحب في لون الكفن البياض. وقد قال ﷺ : البسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم فإنها من خير ثيابكم (٢). واختلف المذهب في المعصفر فكرهه في المدونة لأنه تغيير لون بما ليس بطيب. قال عنه ابن وهب: كره التكفين في الخزّ والمعصفر إلا أن لا يوجد غيره. قال عنه ابن القاسم في الرجل والمرأة قال عنه علي لا بأس بالمعصفر والمزعفر للرجال والنساء. وقد كُفن أبو بكر ﵁ في ثوب مصبوغ أمرهم بغسله. فإما أن يكون أراد بغسله تطهيره أو ذهاب لونه. وأما الكفن في الحرير فكرهه في المدونة في الأكفان. وظاهره أنه كرهه للرجال والنساء. وكأنه رأى، أنه وإن كان جائزًا للنساء حال الحياة، فإنه إنما جاز لموضع الزينة. وذلك المعنى معدوم حال الموت ويصير من ناحية السرف لأن مصيره إلى المهنة والصديد. وفي سماع ابن وهب قيل لمالك فالرجل الميت يكفن في الثوب فيه الحرير قال ما يعجبني فإن فعل فأرجو أن يكون في سعة. فكأنه أشارها هنا إلى خفة الكراهة للرجال حال الموت لمّا كانت العبادة ساقطة بالموت. وفرّق ابن حبيب بين الرجال والنساء. فأجازه للنساء خاصة. ولا بأس أن تكفّن المرأة في الحرير والخزّ والمعصفر المفدم، (٣) وما جاز لها لبسه. وللرجل لبسه في الحياة، فالكفن له أولها فيه مباح ما لم يُرد بذلك السمعة والنفخ (٤) لأنه ليس في محل ذلك. قال ابن القاسم في العتبية تكفّن المرأة في الورس والزعفران. وكره مالك المعصفر إن وجد غيره. وأما العلم

стр. 1132

الحرير ففي المجموعة لا يكره العلم الحرير في الكفن. قال أصبغ في العتبية لا يكفن في الحرير رجل ولا إمرأة إلا أن لا يوجد غيره ولا يلبس الرجل ما سداه حرير، وإن كان قلنسوة. ويحنث بلباسها الحالف ألا يلبس حريرًا. وقال ابن حبيب لا بأس في كفن الرجل بالعلم الحرير. وأما الخزّ فقال مالك في المدونة يكره في أكفان الرجال والنساء الخزّ والمعصفر. وقد سمعت عنه أنه يَكره الحرير محضًا في الأكفان. قال ابن القاسم وكذلك الخزّ لأن سداه الحرير. فقال مالك لا يكفّن فيه إلا أن يضطر إليه. وعنه في المجموعة أنه كره التكفين فيه إلا أن يوجد غيره. قال عنه ابن القاسم في الرجل والمرأة. قال بعض أشياخنا الخزّ الذي يعمل الآن بالأندلس داخل في جملة الحرير لأن سداه وطعمته حرير وليس كالذي يعمل بالمشرق. وقال عبد الوهاب يجوز لباس الخز وقد لبسه السلف وكرهه مالك لأجل السرف. وأما تعميم الميت فقال في المدونة: والرجل أحب إليّ أن يُعمم. قال فقلت له كيف يعمم أكما يعمم الحي؟ قال: لا أدري. إلا أنه من شأن الميت عندنا أن يعمم. وحكى عنه ابن شعبان في مختصره: ويعمم الميت من الرجال، والنساء يخمرن. وهكذا قال ابن حبيب استحب مالك أن يعمم الميت وتخمر الميتة. قال مطرف ... (١) ويكون منها قدر ذراع يغطي بها وجهه. وكذلك يترك من خمار الميتة لذلك. وقيل لابن القاسم في العتبية أيجعل في الكفن عمامة أو قميص ويؤزر الميت؟ قال أحب إليّ في كفن الميت ثلاثة أثواب لا يُجعل فيها قميص ولا عمامة ولا مئزر. ولكن يدرج فيهن إدراجًا. وكذلك كفن النبي ﷺ . وأما تقميص الميت فقد استحب مالك في هذا الذي نقلناه عنه أن لا يقمص. وفي الواضحة أنه يقمص. وقد قدمنا قول ابن حبيب أحب إلى مالك في الكفن خمسة أثواب تُعد فيها العمامة والمئزر والقميص. وباستحباب تقميصه قال أبو حنيفة. وحكى ابن القصار عن مالك والشافعي أنه مكروه. ورأيت بعض أصحاب الشافعي يعبّر عن مذهبهم بأنه لا يستحب القميص ولا العمامة للميت. وهذه العبارة إنما تتضمن نفي الاستحباب لا الكراهة. فدليل الكراهة قول عائشة

стр. 1133

رضي الله عنها أن النبي ﷺ : كفّن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة (١). ولأن أفضل أحوال الحي حالة الإحرام لا يلبس المخيط فينبغي أن يشته الميت به في اللباس. ولأن القميص إنما يُراد للزينة والحرمة والميت ليس من أهل ذلك فليس في تقميصه فائدة. واحتج من يستحب بما روي أن النبي ﷺ كفن في قميصه (٢). وانفصل عنه الآخرون بأن رواية عائشة ﵂ أولى لأنها أعلم بهذا. وأيضًا فيمكن أن يكون قد فتق القميص حتى صار كالرداء. قال بعض أشياخنا لا يقتصر في الكفن على قميص دون المدرج. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا كان الميت لا مال له ولا لهُ من تلزمه نفقته فكفنه في بيت المال. وإن تعذر الوصول إلى بيت المال فكفنه على جميع المسلمين. وإن كان الميت مليًّا فكفنه من ماله إذ لا يلزم أحد أن ينفق عليه إذا كان ذا مال، إلا أن يكون الميت زوجة فإن المذهب اختلف فيها. فإن كان تلزم الزوج نفقتها في ملئها فقال مالك يقضي على الزوج بتكفينها وإن كانت ملية. ورُوي عنه أيضًا أنها إن كانت مليّة. فذلك في مالها، وأن يلزم الزوج إذا كانت فقيرة. وقيل ليس على زوجها تكفينها وإن كانت فقيرة قاله سحنون. وروي عنه أيضًا أنه استحسن أن يكفنها الزوج إن كانت فقيرة. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال بعضهم كفن المرأة في مالها وبه قال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل. وقال بعضهم بل في مال الزوج فيحتج من أسقط الكفن عن الزوج بأن النفقة في مقابلة التمكين من الاستمتاع وذلك يزول بالموت. وأما العبد فإنه يلزم سيده أن يكفنه، وإن كان قد سقط الملك بالموت. لأن ذلك من الحقوق التابعة للملك وقد كان الملك، فوجب الإنفاق. فهذا الحكم ينسحب على العبد حال الموت حتى تنقضي المؤن اللازمة في الميت. وبهذا المعنى يقدح فيما قدمنا بتعليل من علل سقوط الكفن عن الزوج بسقوط التمكين من الاستمتاع.

стр. 1134

لأن النفقة تجب للعبد بحق الملك ثم الملك يزول بالموت. ومع هذا لم تزل عن السيد المطالبة بالكفن. وأما من يلزم الإنفاق من الأقارب كالولد والأب فاختلف المذهب في تكفينهم هل يتْبع وجوب الانفاق عليهم أو لا؟ فقيل ذلك تابع للانفاق. وإلى هذا ذهب ابن الماجشون. وإليه نحا ابن القاسم. وقيل لا يتبع ذلك الانفاق. وقال أصبغ لا يلزمه ذلك إلا في عبيده. وصوّب ابن حبيب القول الأول. واعتل بأنه كما لا ينقطع حقه بموته من ماله في كفن نفسه، فكذلك في حق من تلزمه نفقته إذا ماتوا. وقال سحنون لا يلزم التكفين إلا في عبيده وإن كانوا كُفارًا. هذا في القياس. وأما في الاستحسان فيلزمه في الولد الصغار وللبنات الأبكار، وأما الزوجة والأبوان فلا. وجميع ما قدمناه في الكفن بحكم الإنفاق في محل الدفن حتى يوارى كحكمه. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: ذكر ابن حبيب في الواضحة ونحوه لأشهب في المجموعة أن الميت عند فراغ غسده ينشّف بدنه في ثوب وعورته مستورة. وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترًا. فإن أجمرت شفعًا فلا حرج (١) ثم يبسط الثوب الأعلى. فقال أشهب اللفافة التي هي أوسع أكفانه ثم الأوسع فالأوسع من باقيها. قال ابن حبيب فيُذرّ على الأول من الحنوط ثم على الذي يليه. هكذا إلى أن يلي جسده فيُذّر عليه أيضًا. قال أشهب وإن جعل الحنوط في لحيته ورأسه والكافور فواسع. قال ابن حبيب ثم يجعل الكافور على مساجده من وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه ويجعل منه في عينيه وفي فمه وأذنيه ومرفقيه وإبطيه ورفغيه. وعلى القطن الذي يجعل بين فخذيه لئلا يسيل منه شيء ويشد بخرقة إلى حجزة مئزره. وهذا الذي قاله ابن حبيب من جعل الكافور على مساجده لعله خصها بذلك إكرامًا لها لما كانت هي الأعضاء المتقرب بها إلى الله سبحانه. فمواضع الحنوط خمسة على ظاهر جسد الميت، وفيما بين أكفانه لا فوق كفنه وعلى مساجده السبع الجبهة والأنف والركبتين وأطراف أصابع الرجلين ذكره في شرح ابن مزين. وفي منافذ الوجه التسعة العينين والأذنين والفم والمنخرين وفي المغابن وفي الأرفاغ وهو كل موضع

стр. 1135

يجتمع فيه نحو الإبطين ومراجع الركبتين وهي المغابن. وهو قول عطاء. فإن لم يحمل جميع هذه المواضع الخمس، فالبداية عند ابن القاسم بالمساجد السبع ذكره عنه ابن مزين. فان كثر فعلى جسده وبين الأكفان. ولم يزد على ذلك. قال سحنون ويسدّ دبره بقطنة فيها ذريرة ويبالغ فيه برفق. قال ابن حبيب وتسد مسام رأسه بقطن عليه كافور نحو أذنيه ومنخريه، ثم يعطف بالثوب الذي يلي جسده بضم الأيمن إلى الأيسر ثم الأيمن عليه. كما يلتحف في حياته. وقاله أشهب في المجموعة. قال وإن عطف الأيمن أو لا فلا بأس ويفعل هكذا في كل ثوب. ويجعل عليه الحنوط إلا الثوب الأخير فلا يجعل على ظاهر كفنه حنوط ثم يشد الثوب عند رأسه وعند رجليه. فإذا ألحدته في القبر حللته. قال أشهب إن تركت عقده فلا بأس ما لم تنبتر أكفانه. وفي كتاب ابن شعبان ويخاط الكفن على الميت ولا يترك بغير خياطة. قال أشهب في المجموعة: وتكفن المرأة نحو ذلك وليُغط رأسها كما يُغطّى بالدفن. قال مالك ولا بأس أن يحنّط بالمسك والعنبر، وما يتطيب الحي. ولْيَل تحنيط المحرم وغيره محرم (١). وليغط رأسه كما يغطى بالدفن. قال ابن شعبان في مختصره: أجمع الناس أنه لا بأس أن يعني بالمسك لأن النبي ﷺ يم حنط به. وأوصى به علي ابن أبي طالب في حنوطه (٢) ولم يكرهه أحد غير الحسن وعطاء ومجاهد. وأجازه للمحرم من أجاز تحنيطه. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: مذهبنا ومذهب أبي حنيفة والأوزاعي أن الموت يقطع حكم الإحرام فيخمر رأس الميت ويطيب وبه قال ابن عمر وعائشة ﵄. وقال الشافعي لا ينقطع حكم الإحرام بالموت فلا يلبس المخيط ولا تشد عليه أكفانه ولا يخمّر رأسه ولا يطيب. روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس ﵃. فدليلنا قول النبي ﷺ : خمّروا وجوه

стр. 1136

موتاكم ولا تشبهوا باليهود (١). وهذا على عمومه. ولأن الميت انقطع التكليف عنه وتكليفه لا يصح فلا معنى لبقاء حكم الإحرام لانقطاع التكليف. وقد قال النبي ﷺ : إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث (٢). ذكرها ولم يذكر فيها الإحرام. وهذا تنبيه على صحة ما قال من انقطاع حكم العمل. مع أن ظاهر الحديث يوجب انقطاع حكم الإحرام بعموم ما ذكر فيه من الانقطاع سوى ما استثناه. ألا ترى أن المحرم إذا مات لا يطاف به ولا يفعل بجسده مناسك الحج. وإنما ذلك لاستحالة تكليفه وانقطاع العبادة عنه. فإذا لم يفعل به مناسك الحج دل ذلك على سقوط حكم الإحرام. وقد نبهت عائشة ﵂ على ذلك فقالت: إنما هو جسد فاصنعوا بالمحرم كما تصنعون بموتاكم. فأما المخالف فإنه يستدل بما روي أن محرمًا خرّ من بعير فوقص فمات. فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (٣). وأجيب عن هذا بأن النبي ﷺ ذكر في هذا معنى أشار به إلى أنه هو العلة في أن لا يطيب ولا يخمر رأسه. وهذا المعنى هو من الغيوب التي لا نعلمها نحن فيما سوى هذا المحرم فنقيس سائر المحرمين عليه. وإن كان النبي ﷺ أوحى إليه بأن هذا المحرم يبعث ملبيًا. فمن أين نعلم نحن أن غيره من المحرمين يبعث كذلك. ولا يمكن جزم القول بأن مراده ﷺ أنه يبعث ملبيًا لأجل إحرامه. فيكون كل محرم يبعث ملبيًا لمشاركته هذا في الإحرام. لأنه يمكن أن يكون خص هذا المحرم بذلك إكرامًا له وتشريفًا. وإذا احتمل ذلك، لم يكن جعل الإحرام علمًا على البعثة ملبيًا في حق كل محرم. وقد اعتمدت الشافعية على أن الإحرام لما كان من العبادات التي يدخل الإنسان فيها بفعله وبفعل غيره لم تبطل بالموت كالإيمان. ألا ترى أن الإيمان يحكم به للولد بإيمان أبيه. فلا ينقطع حكم

стр. 1137

الإيمان عن الصبي بموته. فكذلك الإحرام لما كان يدخل الصبي فيه بإحرام وليه لم ينقطع بالموت. ولا يُقاس الإحرام على غيره من العبادات. وهذا الذي قالوه يرده ما قدمنا الإشارة إليه من أن حكم الإحرام لو بقي بعد الموت ولم ينقطع لأجل كونه عبادة يدخل فيها بفعل غيره، لوجب أن يطاف بالميت ويسعى كما يطاف بالصبي ويسعى. فلما أجمع على أن الميت لا يفعل به ذلك دلّ على انقطاع حكم الإحرام، وأشعر بفساد ما قالوه. وأما الأحكام المتعلقة بالصبي بعد الموت فإنما هي عبادات تعبدنا نحن بها أن نفعل به ما كنا نفعل بأبيه. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: الصلاة على الميت واجبة وهي من فروض الكفايات لا تجزي إلا بطهارة كسائر الصلوات. قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: وهما أن يقال: ١ - ما الدليل على أنها واجبة من فروض الكفايات؟. ٢ - ولمَ نبّه على افتقارها إلى الطهارة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما مالك فقد قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي ﵀ لم أجد له فيها نصًا. وحكى ابن الجلاب أن مالكًا قال: انها واحمة وأما ................. (١). وقد قال الشيخ أبو الحسن ابن القابسي قوله فيمن تيمم لمكتوبة فصلاها أنه يتنفل بذلك التيمم ويصلي به على الجنازة يقتضي أن صلاة الجنازة غير واجبة. لأن مالكًا والجماعة لم يروا الجمع بين فريضتين بتيمم واحد. وقال غيره من المتأخرين قوله في المدونة في باب سجود القرآن: ألا ترى أن الجنازة يُصلى عليها بعد العصر ما لم تصفر الشمس، يقتضي أنها ليست بواجبة لإلحاقه إياها بسجود القرآن. وأنكر بعض الأشياخ هذا الاستنباط. وتال إن القائلين بوجوب صلاة الجنازة لا يرونها فرضًا على الأعيان وإنما يرونها فرضًا على الكفاية فليست بواجبة في حق كل أحد. فلما صارت ساقطة في حق كل أحد إذا قام بها من يكفي ألحقت بالنوافل في جواز صلاتها بتيمم الفريضة وجوازها في الوقت المشار إليه. وهذا يمنع من

стр. 1138

استنباط ما يستنبطه الآخرون. لا سيما وقد قيل في المذهب بجواز الجمع بين صلاتين بتيمم واحد. وهذا الكلام على ما يضاف إلى مالك نصًا واستنباطًا. وأما أصحابه فإنهم اختلفوا فقال أشهب واجب على الناس الصلاة على موتاهم. وحكى ابن المواز عن ابن عبد الحكم أنه قال: هي فرض وتلا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (١). وقال سحنون يعني فرضًا يحملها بعضهم عن بعض، فمن حضرها قام به فإن لم يحضروا جميعًا كانوا تاركين للفرض. وقال أصبغ الصلاة على الموتى سنة واجبة. ونقل بعض المتأخرين في تصنيفه عن أصبغ أنه قال: إنها سنة ولم ينقل عنه واجبة. وقد استدل ابن عبد الحكم على الوجوب بما حكيناه عنه من إشارته إلى الاعتماد على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية. وتعقب عليه الاستدلال أبو الحسن اللخمي فقال هذا: النهي عن الشيء أمر بضده إن كان له أضداد. فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحة الصلاة على المؤمنين والندبُ والوجوب، فليس لنا أن تحمل الآية على الوجوب دون الإباحة والندب، إلا أنه لم تختلف الأمة أن الناس مأخوذون بالصلاة على موتاهم وأنهم لا يسعهم ترك ذلك. وهذا الذي قاله ﵀ هفوة لا يقع فيها حاذق بعلم الأصول. وإن كان ﵀ ليس بخائض في علم الأصول. ولكن تعلق بحفظه منها ألفاظ ربما صرفها في غير مواضعها. ولقد كنت خاطبته على مواضع منها رأيته انحرف فيها عن أغراض أهلها فربما أظهر قبولًا لذلك، وربما استثقله. ولقد جمع في هذا الكلام بين حقائق مختلفة ساقها مساق الحقيقة الواحدة. فقال النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان ضدًا واحدًا وليس كذلك إذا كان ذا أضداد. وقد صدق فيما قال لأنه إذا كان ضد واحد، وكان الخطاب أمرًا، كان ذلك نهيًا تعين الأمر في الضد الواحد وإن كان ذا أضداد كان الأمر بواحد منها لا بعينه. ولكنه مثل الضد الواحد بالفطر والصوم. فلما كان الفطر والصوم ضدين كان الأمر بأحدهما نهيًا عن الآخر والنهي عن أحدهما هو الأمر بالآخر. ومثل ذي الأضداد يكون النهي عن الشيء ضده الإباحة، لذلك الشيء أو الندب إليه أو

стр. 1139

الوجوب له. فأنت تراه كيف مثل الأضداد مرة بالأفعال المأمور بها، ومرة بنفس الأوامر والنواهي. وليس هو سياقة الحاذق بالأصول ولكن مقصده مفهوم. وتحقيق العبارة عنه أن تقول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان ذا ضد واحد وعن سائر أضداده إذا كان ذا أضداد. والنهي عن الشيء أمر بضده إذا كان ذا ضد واحد. وبأحد أضداده إذا كان ذا أضداد. فالنهي عن الصلاة على الكفار أمر بأحد التروك المضادة للصلاة عليهم لأن الصلاة عليهم ترك لأمور كثيرة تكون كلها أضدادًا للصلاة عليهم. واحد هذه الأضداد الصلاة على المؤمنين لأنا إنما نجعل النهي عن الشيء أمرًا بأحد أضداده لا بعينه. فلا يمكن مع هذا تعيين الأمر بالصلاة على المؤمنين لأجل هذا النهي. فأنت ترى كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده لا مدخل له في الاستدلال على هذه المسألة، ولكن إنما سلك فيها إجراءها على باب دليل الخطاب، وهكذا افتتح الشيخ أبو محمَّد في نوادره باب وجوب الصلاة على الجنازة. فقال اختلف في الصلاة على الجنازة. فقيل فريضة يحملها من قام بها لقول الله تعالى،: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. فدل ذلك أنه مأمور بالصلاة على غيرهم. وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين. وهذا الذي قاله الشيخ أبو محمَّد. وأشار إلى أنه قول جماعة من البغداديين طريقة يحسن أن تسلك. ولكن أيضًا تفتقر إلى تحرير. والذي أشار إليه أبو الحسن اللخمي ولكن لم يسقه مساقه ولم تبلغه نهايته. وبيانه أن الله سبحانه إذا قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١). فهذا الخطاب يدل على أن المؤمنين بخلاف الكافرين لأنه إذا قال: لا تصلّ على الكافرين لكفرهم دل على أن المؤمنين بخلافهم لا ينهى عن الصلاة عليهم ولكن إذا لم ينه عن الصلاة عليهم فما يكون حكم الصلاة عليهم؟ يمكن أن تكون الصلاة عليهم مباحة أو مندوبة أو واجبة. لأن هذه الثلاثة أحكام كل واحد منها مخالف للنهي ويحصل بإثباته دليل الخطاب فلا يتعين في الدليل الأمر كما أشار إليه الشيخ أبو محمَّد والبغداديون أيضًا. وهذا الذي أشار إليه أبو الحسن أن ينبه عليه ولكنه ساقه

стр. 1140

مساقًا متنافرًا كما نبهنا عليه، ولكن للشيخ أبي محمَّد أن يقول الإباحة، وإن كانت أحد أضداد النهي. ويصح حمل دليل الخطاب عليها فإن الإجماع قد منع من ذلك إذ لم يقل أحدٌ أن الصلاة على المؤمنين مباحة. فإذا امتنع تقدير هذا القسم بالاتفاق انحصر دليل الخطاب في الندب والوجوب وكلاهما مأمور به فاسْتَتَبَّ المراد. وهذا نهاية ما يقال في هذه الآية. وتحرير كلام من تكلم عليها من المتأخرين مع أنا لا نُخْلي كلام الشيخ أبي محمَّد من تعقب عليه. وذلك لأن الإباحة إذا ارتفعت بالاتفاق لم تحسن الإشارة إلى أنها ارتفعت بحكم دليل على حسب ما اقتضاه كلامه. وأيضًا فإن مراده أن دليل الخطاب يقتضي وجوبها. وقد قدمنا أن الدليل متردد بين الوجوب والندب، إلا أن يقول بأن النهي لا دليل له إلا الأمر خاصة ولا يكون دليله الإباحة، كما أراد الشيخ أبو الحسن ونبه عليه. وقد ثبت أن النهي ها هنا على التحريم فليكن دليله أمرًا على الوجوب. وهذا يفتقر إلى نظر آخر في أحكام دليل الخطاب وحقيقته عند مثبته وأحكام الإباحة والنواهي وغير ذلك مما لا يمكن بسطه. ولكن قد أوردنا ما يتعلق بكلام هذين الرجلين وكررنا عليهما ما قالاه. وقد يستدل على الوجوب بما وقع في ذلك من أوامر وأفعال على القول بإفادة ظواهر هذه الأشياء للوجوب. وقد استدل بعض أصحابنا على نفي الوجوب بأن صلاة الجنازة ركن من أركان الصلاة فليس ما انفرد، واجبًا قياسًا على سجود التلاوة (١). والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال أيضًا: نبّه على افتقار صلاة الجنازة إلى طهارة لما في ذلك من الخلاف. فقد ذهب الشافعي والطبري إلى أنها لا تفتقر إلى طهارة لما رأياها لا ركوع فيها ولا سجود. فكأنهما استشعرا من عدم الركوع والسجود كونها خارجة عن الصلاة، وإذا خرجت عن الصلاة لم تفتقر إلى طهارة. لأن الشرع إنما جاء باشتراط الطهارة في الصلوات، والمقصود من صلاة الجنازة الدعاء. ولأجله شرعت، والدعاء لا يفتقر إلى طهارة. ودليل أئمة الأمصار على افتقارها إلى طهارة أن الشرع أمر بالطهارة للصلاة. قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٢). وقال ﷺ : لا

стр. 1141

صلاة إلا بطهور (١). وصلاة الجنازة لا شك في تسميتها صلاة وذلك في الشرع أكثر من أن يحتاج إلى الاستشهاد. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٢). ووقع في الآثار من إطلاق النبي ﷺ اسم الصلاة عليها ما لا يخفى. وكذلك يقول الصحابة صلّى على فلان وصَلِّ على فلان. وإذا ثبت تسميتها صلاة دخلت فيما قدمناه من العمومات والظواهر. وأيضًا فإنها تفتقر إلى تكبير وتسليم واستقبال قبلة. فلو كان لها حكم الدعاء المحض لم تفتقر إلى تكبيروتسليم، واستقبال قبلة. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: يكبّر فيها أربع تكبيرات يدعو بين التكبيرات من غير قراءة بأم (٣) القرآن ولا غيرها , وليس فيها إلا الاجتهاد في الدعاء (٤). قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أن التكبير أربع؟. ٢ - وهل يُتابَع الإِمام إذا زاد عليه؟. ٣ - وهل يقرأ بأم القرآن أم لا؟. ٤ - وهل الدعاء محدود أم لا؟. ٥ - وهل ينتظر من فاته تكبير الإِمام أم لا؟. ٦ - وكيف صفة نقل الميت إلى الصلاة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في عدد التكبيرات لصلاة الجنازة. فالمشهور من مذاهب العلماء أربع تكبيرات. وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو هريرة والبراء وغيرهم ﵃. وقال ابن عباس وأنس بن مالك ﵄ يكبّر

стр. 1142

ثلاثًا وهو قول جابر بن زيد وابن سيرين. قال ابن سيرين: إنما كان التكبير ثلاثًا فزادوا واحدة. وقال ابن مسعود كبّر النبي ﷺ تسعًا وسبعًا وخمسًا وأربعًا فكبّروا ما كبّر الإِمام (١). وقال الحسن ما كبّر الإِمام ولا يزاد على سبع. وقال زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان يكبّر خمسًا. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كبّر على أبي قتادة سبعًا وكان بدريًا وكبّر على سهل بن حنيف ستًا وكان بدريًا ورُوي عنه أنه يكبر على أصحاب النبي ﷺ خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا. وقال أحمد لا ينقص من أربع ولا يزاد على سبع. وقال بكر بن عبد الله لا يزاد على سبع ولا ينقص من ثلاث ودليلنا الحديث الثابت في صلاته ﷺ على النجاشي قال: فخرج والناس معه إلى المصلى فصف بهم وكبّر عليه أربع تكبيرات (٢). وروي عنه ﷺ : أنه كبّر على عثمان بن مظعون أربع تكبيرات (٣). وروى جابر أن النبي ﷺ قال: إن الملائكة صلّت على آدم فكبّرت أربعًا وقالت هذه سنتكم يا بني آدم (٤)؟. والتعلق بما رواه مسلم عن زيد بن أرقم أنه كبّر على جنازة خمسًا (٥). فقيل له! فقال: كان ﷺ يكبّرها لكثرة رواتها وأنها متأخرة. وقد قال عبد العزيز ابن أبي سلمة كل تكبيرة من صلاة الجنازة كركعة من الصلاة وأكبر الفرائض أربع ركعات فاختار على الجنازة أربع تكبيرات. وقال ابن حبيب وغيره قد كبّر النبي ﷺ على النجاشي أربعًا. وكذلك على قبر

стр. 1143

السوداء (١) ثم استقر فعله على أربع ومضى به عمل الصحابة ﵃. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الإِمام فإنه إذا نقص من الأربع تكبيرات لم تصح صلاته. فإذا انفصل عن الصلاة على ثلاث تكبيرات، وبَعُد ذلك أعاد الصلاة. وكان ما ذكرناه من الخلاف في كون التكبير ثلاثًا شاذ لا يراعى. قال ابن حبيب: إذا ترك بعض التكبير جهلًا أو نسيانًا، فإن كان بقرب ما رفعت أنزلت فأتم ببقية التكبير مع الناس ثم سلم. وإن تطاول ذلك لم تدفن (٢) ابتدأ عليها الصلاة. وإذا دفنت تركت ولم تكشف. ولا تعاد الصلاة عليها. ولمالك في العتبية نحوه. وأما إن زاد الإِمام في التكبير فكبّر خمسًا فإنه وإن أخطأ، فالصلاة جائزة ولكن لا يتابعه المأموم في الزيادة لأنها ليست بصواب. وقال أحمد وإسحاق يتابعه إلى سبع. فإذا ثبت أنه لا يتابعه لما قلناه فهل يقطع المأموم أو ينتظره حتى يسقم فيسلم بسلامه؟ اختلف قول مالك في ذلك فقال يقطع المأموم بعد الرابعة واختاره ابن القاسم. وقال أيضًا: يسكت فإذا كبّر الخامسة سلّم بسلامه واختاره أشهب ومطرف وابن الماجشون. وبالقول الأول قال أبو حنيفة. وبالثاني قال الشافعي. فوجه القول بالقطع أن الإِمام إذا خرج من الرابعة إلى الخامسة فقد خرج من الصواب إلى الخطإ. فإذا لم تجب متابعته على الخطإ أشعر ذلك بخروجه عن حكم الإمامة لأن المأموم إنما يُراد ليتابع، وإذا خرج عن حكم الإمامة لم يلزم المأموم انتظار من ليس بإمام له. ووجه القول بأنه ينتظره أنه بقي من هذه الصلاة ركن من أركانها وهو التسليم. والإمام مصيب فيه، وعلى المأموم اتباعه إذا لم يخطئ. فإذا أخطأ لم تلهمه متابعته في الخطإ. ولزمه أن ينتظره ليتابعه فيما هو مصيب فيه وهو السلام.

стр. 1144

ولو أن المأموم فاته بعض التكبير فهل يتبع الإِمام في هذه الخامسة معتدًا بها قضاء ما فاته؟ اختلف المذهب في ذلك. فقال أصبغ إذا فاته تكبيرتان، والإمام يكئر خمسًا فليكبّر معه الثالثة ويحتسب بالخامسة، فإذا سلّم الإِمام كبّر واحدة. وقال أشهب لا يكبّر معه الخامسة وإن كبّرها معه فلا يعتدّ بها وليقض كل ما فاته. وعندي أن سبب هذا الخلاف أن المأموم إنما ينهى عن اتباعه في الخامسة لئلا يكون مخطئًا كخطإ الإِمام. فإذا كان المأموم قد بقيت عليه تكبيرة حتى تكون خامسته رابعة، فإن إيقاع هذه التكبيرة الإِمام فيها مخطئ، والمأموم مصيب ولكن القصد فيها مختلف. الإِمام يقصد بها خامسة وهي خطأ. والمأموم يقصد بها رابعة وهي صواب. واختلاف المقصود مع التساوي في سورة الاتباع، هل يمنع من الاتباع أم لا؟ كنا قدمنا في كتاب الصلاة بسط الخلاف في هذا الأصل، وسبب الخلاف فيه. وتكلمنا على الشاك هلى صلى ثلاثًا أم أربعًا. وأتى بركعة ليكمل على اليقين، هل يأتم به فيها من دخل معه في الصلاة أم لا؛ وهذا من ذلك. إلا أن الخامسة يعد الإِمام فيها مخطئًا ولا يعد في ركعة الإكمال مخطئًا. فمن هذه الجهة قد يقع الافتراق. وإذا وضح ما قلناه في عدد التكبير، وفي حكم الزيادة عليه والنقص منه، فهل يرفع المصلي يديه في تكبير الجنازة أم لا؟ اختلف المذهب في ذلك. فرُوي عن مالك استحباب الرفع في كل تكبيرة. وبه قال الشافعي ورُوي عنه الاقتصار على الرفع في التكبيرة الأولى. وبه قال أبو حنيفة. وحكى ابن شعبان في مختصره عن ابن القاسم أنه قال: "حضرت مالكًا غير مرة لا يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ولا غيرها. ولا ترفع اليدان في التكبير على الجنازة. وقال بالمذكور في مختصر عبد الله. قال ابن شعبان وممن قال برفع الأيدي في كل تكبيرة، عمر بن الخطاب ﵁. وكان عبد الله ابنه يفعله. وقاله القاسم بن محمَّد وعمر بن عبد العزيز وعروة وعطاء وموسى بن نعيم والزهري، ويحيى بن سعيد وربيعة والشافعي، وأحمد بن حنبل، وحدثنا محمَّد بن أحمد. وذكر السند عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ كان إذا صلى على الجنازة يكبّر

стр. 1145

أربعًا ويرفع في أول تكبيرة ولا يرفعهما حتى يخرج من صلاته (١). وذكر أيضًا حديثًا أسنده عن ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ إذا كبّر على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة، وكبّر أربعًا (٢). وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه لم يكن يرفع للأولى. قال أبو محمَّد والمعروف عن ابن القاسم أنه يرفع يديه في الأولى بخلاف ما ذكر عنه ابن حبيب. وإذا ثبت ما قلناه في عدد التكبير والرفع فيه. فما حكم التسليم؟ قال مالك في الأمام يسلم واحدة ويسمع نفسه ومن يليه ويسلّم من خلفه في أنفسهم فإن أسمعوا من يليهم فلا بأس. ومحمل قوله في أنفسهم على أنهم ناطقون بذلك. وروي عنه أيضًا أن الإِمام يُسِرّ. وروي عن مالك أنه يردّ على الإِمام من سمع سلامه. وقال ابن حبيب عنه ليس عليهم ردّ السلام على الإِمام. وقال أشهب في مدونته يسلّم الإِمام تسليمتين عن يمينه وعن شماله. ويسلّم القوم كذلك. وقال بعض أشياخنا الأولى أن يكون السلام ها هنا كما يكون في غير هذه الصلاة فيردّ المأموم على الإِمام، وعلى من على شماله. لأن ردّ التحية فرض يردّ عليهما بعد التسليمة التي يخرج بها من الصلاة. فوجه القول بجهر سلامه وهو ظاهر مذهب ابن عمر قياسًا على غيرها من الصلوات. ووجه القول بإحفائه أن صلاة الجنازة ركن جرّد من الصلاة المعهودة فلم يجهر فيه بالسلام كسجود التلاوة. وعلى هذه الطريقة يعرف المأمومون انقضاء الصلاة بانصراف الإِمام. ووجه القول بردّ المأموم على الإِمام القياس على الصلاة المعهودة. ووجه القول بنفي الرد أن الإِمام لا يثبت بعد انقضاء الصلاة ليردّ عليه بخلاف الصلاة المعهودة. وأشار بعض المتأخرين إلى أنه يمكن أن يجري هذا الخلاف على الاختلاف في إجهار الإِمام وإسراره. فإن قلنا بإجهاره اقتضى ذلك ردّ السلام عليه. وإن قلنا بإسراره لم يردّ عليه. وبما قيل من أن الإِمام يسلّم قال جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. وقال الشافعي يسلم تسليمتين واحدة عن يمينه وأخرى عن يساره قياسًا على الصلوات

стр. 1146

المعهودة. وقد قدمنا نحن في كتاب الصلاة أن المشهور عندنا في سائر الصلوات اقتصار الإِمام على تسليمة واحدة. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في القراءة على الجنازة. فعندنا أنه لا قراءة فيها وبه قال أبو حنيفة. وروي عن عمر ﵁ وعن ابنه وعن علي وجابر وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقال الشافعي: قراءة أم القرآن واجبة في صلاة الجنازة. ولكنه لم يوجب القراءة سوى مرة واحدة. وحكى أبو الوليد الباجي أن أشهب يقول بما قاله الشافعي من قراءة أم القرآن مرة واحدة في صلاة الجنازة. وقال الحسن بن علي يقرأ فيها فاتحة الكتاب ثلاث مرات. وبه قال ابن سيرين. وقال الحسن البصري يقرأ بها في كل تكبيرة. وروي أن المسور بن مخرمة صلى على جنازة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، ورفع بها صوته. فأما نحن فنستدل بقول ابن مسعود لم يوقت لنا رسول الله ﷺ قولأولا قراءة. وأيضًا فإنها ركن من أركان الصلاة المعهودة فلم تجب فيها قراءة كسجود التلاوة. وأما الشافعي فإنه يستدل بالظواهر الواردة بإيجاب فاتحة الكتاب في الصلاة كقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وصلاة الجنازة داخلة في هذا العموم. وقد أجيب عن هذا بأنه لا نسلّم لهم إطلاق اسم الصلاة من غير إضافة إلا على الصلاة المعهودة الركوع والسجود. وأما هذه فإنما يطلق اسم الصلاة بالإضافة فيقال صلاة الجنازة. والحديث إنما اشتمل على ذكر صلاة مطلقة. وفي هذا الجواب عندي نظر. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (١). فأطلق اسم الصلاة، وكذلك وقع مثل هذا في الأخبار. والإضافة ها هنا ليست إضافة تحقيق للتسمية المطلقة، وإنما هي إضافة تخصيص وتعريف، كما يقال صلاة الجمعة وصلاة الظهر وصلاة النافلة. ولم تُخرج هذه الإضافة هذه الصلوات عن استحقاق إطلاق التسمية. وقد اعتمدت الشافعية على ما روي عن ابن عباس (٢) أنه جهر

стр. 1147

بفاتحة الكتاب. قال وإنما فعلت هذا لتعلموا أنها سنّة. وقد أجاب أصحابنا عن هذا بأجوبة أحدها أن الضمير في قوله أنها عائد على صلاة الجنازة لا على القراءة. فكأنه قال: إن ماجهرت لتستدلوا بجهري على أن الصلاة سنّة إذ لو كانت فرضًا لم أجهر بالقراءة من غير ورود أمر بذلك. والثاني أنه لم يرد سنة النبي ﷺ ولكنه أراد سنّة أدى الاجتهاد إليها. وهذا قد لا يسلمه بعض أهل الأصول القائلين بأن الصاحب إذا أطلق ذكر السنّة فإنما يريد سنة النبي ﷺ . وأجيب عن هذا الأمر بغير هذين الجوابين. ولكن أضربنا عنه لما فيه من الاستكراه والتعسف. وقد يعتمد أصحاب الشافعي على أنها صلاة تشتمل على افتتاح وتسليم ووجوب قبلة فاشبهت الصلاة المعهودة في افتقارها إلى قراءة. وهذا الاستدلال قد يقابل بما قدمناه من استدلالنا على أنها ركن من أركان الصلاة المعهودة فلا تفتقر إلى قراءة كسجود التلاوة. وقد أنكر بعض أصحاب الشافعي قول من قال يقرأ في كل تكبيرة لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة. قال: والإجماع على خلافه. وأما من قال يقرأ فيها ثلاث مرات فلا أعرف له وجهًا أنه يسلك مسلكنا نحن في وجوب القراءة في جل الصلاة في المعروف من مذهبنا. ألا ترى أنا لا نفسد صلاة الظهر بترك القراءة في ركعة ونفسدها بترك القراءة في ركعتين أو ثلاث. وإذا كانت الأربع تكبيرات أقيمت مقام أربع ركعات روعيت القراءة في جل هذه الصلاة وجلها ثلاث تكبيرات. وقد اختلف أصحاب الشافعي في دعاء الافتتاح والتعوذ. هل يؤتى به بعد التكبيرة الأولى قبل الفاتحة أم لا؟ وقال الثوري وإسحاق يستحب أن يقال بعد التكبيرة الأولى سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. فوجه إثبات الذكر بعد الفاتحة قياسًا على غيرها من الصلوات على أصلهم، وقياسًا على التأمين. ووجه نفيه أنها صلاة مبنية على الحذف بدليل حذف الركوع والسجود فوجب أن يحذف منها الذكر المشار إليه وليس كالتامين لأن التأمين لا إطالة فيه. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الدعاء فليس بمحدود لأنه لم يرد الشرع بتحديد فيه. والقصد من هذه الصلاة الدعاء للميت. ومعاني الأدعية

стр. 1148

وصيغها لم يضبطها الشرع في هذا. وكأن الغرض في الشرع الدعاء له بما يعود بصلاح المعاد إذ لا حاجة له في الدعاء بسواه قال النبي ﷺ : أخلصوا بالدعاء (١). قال ابن حبيب: أحب إليّ أن يخص الميت بالدعاء. قال روي في الدعاء للميت روايات يقرب بعضها من بعض. وكل ما دعي به من ذلك حسن مجزىء. فقيل لابن القاسم هل وقت مالك ثناء على النبي ﷺ وعلى المؤمنين فقال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط. واعتقد بعض الناس أن المذهب على قولين في التحميد والصلاة على النبي ﷺ أحدهما: سقوطه على مقتضى ظاهر قول ابن القاسم هذا. والثاني: إثباته لأن مالكًا يستحسن ما ذكره أبو هريرة. وفيه الثناء على الله والحمد، والصلاة على نبيه ﷺ . فوجه إسقاطه أن الأحاديث لم ترد إلا بالدعاء خاصة. وقد خرّج مسلم حديث عوف بن مالك وليس فيه إلا الدعاء خاصة (٢). ووجه إثباته أن الشرع ورد بأنه يبدأ كل ذي بال بالتحميد وفي الترمذي أن النبي ﷺ : أمر من يريد الدعاء أن يبتدىء بالحمد لله والثناء عليه ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو (٣). وقال عمر بن الخطاب ﵁ الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى يصلّى على النبي ﷺ (٤). فإذا قلنا بالبداية بالتحميد والصلاة على النبي ﷺ فأشار بعض المتأخرين إلى أنه لا يقتصر فيه على التكبيرة الأولى. فقال بعضهم واسع أن يقتصر عليه بعد التكبيرة الأولى أو يعاد بعد كل تكبيرة. وقد قال ابن حبيب يُثني على الله ويُصلي على نبيه ﷺ في التكبيرة الأولى ثم يدعو للميت ثم يدعو له في الثانية. وإذا كبرت الثالثة: قلت اللهم اغفر لحينا وميتنا. وذكر ما بعده ثم قال: الله أكبر الرابعة ثم أسلم تسليمة تلقاء وجهي أتيَامَن بها قليلًا أسمع بها نفسي ومن يليني (٥). وكان ابن مسعود يذكر الدعاء للميت في

стр. 1149

كل تكبيرة. وكان ابن عمر يدعو لنفسه ولوالديه بعد الرابعة. وظاهر هذا الذي نقلناه عن ابن حبيب أيضًا في الدعاء للطفل يكبّر في الأولى فيقول ما ذكرناه من الحمد لله والصلاة على نبيه ﷺ فقط ثم يكبّر الثانية ويقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك وأنت أعلم بما كان عاملًا به وصائرًا إليه. اللهم جاف الأرض عن جنبيه. وافسح له في قبره وافتح أبواب السماء لروحه وأبدل له دارًا خيرًا من داره وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار وصيّره إلى رحمتك وجنتك وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفاله إبراهيم واجعله لنا ولوالديه سلفًا وذخرًا وفرطًا وأجرًا. وأضيف إلى هذا وثقّل به موازينهم، وأعظم به أجورهم. ولا تحرمنا وإياهم أجره ولا تفتنا بعده. وظاهر هذا أيضًا أن التحميد لا يعاد بعد التكبيرة الأولى فقد اشتمل على التعوذ للطفل من عذاب النار. وهكذا قال مالك في المجموعة أنه يسأل له الجنة ويستعاذ له من النار. وقال بعض أشياخنا إذا كان لا يعذب إلا من كلّف فلا معنى للاستعاذة له من النار. وعلى طرد هذا الذي قاله شيخنا لا معنى أيضًا في أن يسأل له الجنة. لأن الشيخ أبا محمَّد بن أبي زيد قال: لم يختلف العلماء في أن أطفال المؤمنين في الجنة. وأما أطفال الكفّار فاختلف فيه (١). فرُوي الله أعلم بما كانوا به عاملين وروي أنهم خدَم لأهل الجنة. وروي أنهم مع آبائهم. ولا يقطع هذا إلا بالأخبار المستفيضة. وهكذا حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في غير كتابه هذا أنه أجمع أن أولاد المؤمنين في الجنة. فعلى هذا الذي أشار إليه الشيخ أبو محمَّد وغيره من العلماء أن الاتفاق على كونهم في الجنّة يستغني مع ذلك عن السؤال لهم فيها. لكن القاضي أبا بكر بن الطيب لم يثبت عنده الإجماع، فوقف في أولاد المؤمنين. وحكى أن من أهل الحق من ذهب إلى ردّ أمرهم إلى الله سبحانه على حسب ما ذهب إليه. ولكن ذكر حصول الإجماع على عادتهم. فعلى مذهب هؤلاء يحسن السؤال لهم في الجنة. وهذا فيمن سوى أولاد النبيين وأما أولاد النبيين، فلا شك فيهم ولا توقف في أمرهم بل الإجماع على كونهم في الجنة.

стр. 1150

واختلف المذهب هل يدعى بعد التكبيرة الرابعة. فكثير من أصحابنا على أنه لا يدعى بعد الرابعة. قال الشيخ أبو محمَّد قال سحنون يدعو بعد الرابعة كما يدعو بين كل تكبيرتين ثم يسلم. وفي غير موضع لأصحابنا إذا كبّر الرابعة سلّم. وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره. قال ابن حبيب: وروي أن عمر كان يدعو بعد الرابعة لنفسه ولوالديه. فوجه القول بأنه لا يدعو بعد الرابعة أن التكبيرات الأربع أنزلت منزلة الركعات الأربع، وأنزل الدعاء في الصلاة منزلة القراءة. وجعل فرضًا فيها كما جعلت القراءة في الصلاة فرضًا. فكما لا يقرأ بعد الركعة الرابعة في الصلاة فكذلك لا يُدعى بعد التكبيرة الرابعة في الصلاة على الجنازة. ووجه القول بأنه يدعو أن التكبيرة وإن أنزلت منزلة الركعة فإنه لا يصح أن يليها التسليم الذي هو التحليل من الصلاة كما لا يصح أن يلي التسليم الذي هو التحليل من الصلاة المعهودة الركوع. فإذا لم يصح أن يلي التسليم التكبير وكان لا بد من فصل بينهما اقتضى ذلك ثبوت الدعاء بعد الرابعة. ولما قدمنا أن قصد الشرع الدعاء للميت بما يصلح معاده وكانت أنواع الدعاء بذلك شتّى والعبارة عن ذلك كثيرة، كان الواجب ترك المصلي واجتهاده في الدعاء. لكن نقل عن النبي ﷺ في ذلك دعاء رواه أصحابه يحسن نقله ليُقتفى أثره ﷺ . فروى عرف بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله (١). الخبر كما وقع الحديث. وقال أبو هريرة ﵁ إذا وُضعت كبّرتُ. وحمدت الله تعالى وصليت على نبيه ﷺ ثم أقول: اللهم عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به. اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده (٢). قال مالك: هذا أحسن ما سمعت، ودعاء ابن مسعود: فقال: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك. أنت

стр. 1151

خلقته وأنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه. الحديث. قال بعض المتأخرين أستحسن بعد التكبيرة الأولى أن يحمد الله تعالى. ويصلي على نبيه ﷺ بعد التكبيرة الثانية كما فعل في الأولى ثم يدعو بدعاء أبي هريرة بعد التكبيرة الثالثة يذكر من التحميد والصلاة مثل ما تقدم ويدعو بدعاء ابن مسعود. ثم إذا كبر الرابعة قال مثل ما تقدم من التحميد والصلاة. ويقول اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكَرنا وأنثانا إنك تعلم تقلبنا ومثوانا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان. اللهم من أحييته منا فاحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإِسلام واسعدنا بلقائك وطيبنا للموت. واجعل فيه راحتنا. وقد جمع الشيخ أبو محمَّد دعاءًا جمع فيه ألفاظ هذه الأحاديث وأدخل بعض ألفاظها في بعض وزاد ألفاظًا يسيرة فيها من غيرها، وافتتح التحميد (١) والصلاة على النبي ﷺ بالألفاظ المعهودة فيه وذكر أن ما اختاره من التحميد استحسان ابن حبيب وغيره. وقال لا يقال في المرأة أبدل لها زوجًا خيرًا من زوجها. إذ قد تكون زوجًا لزوجها في الجنّة مقصورة عليه. وقد ذكرنا ما قيل في دعاء الطفل فإذا قيل ذلك فيه دعا بعد الرابعة أيضًا على أحد القولين. وذكر بعض المتأخرين ما ذكرنا أيضًا في الدعاء للطفل. وقال بعد الرابعة بما قلناة في الدعاء للرجل. وإذا قلنا بأنه لا يدعو بعد الرابعة. فذكر ابن حبيب في تعليله لما يقال على الجنازة، أنه إذا كبّر الثالثة وقال اللهم اغفر لحيّنا وميتنا الدعاء ... إلى آخره كما ذكرناه: أنه لا يجهر الإِمام ولا من خلفه بشيء من الدعاء. وأن يسمع ذلك من إلى جنبه فلا بأس. قال ابن حبيب قال ابن القاسم إذا وإلى الإِمام بين التكبير ولم يَدعُ فليعد الصلاة. قال ابن حبيب إلا أن يكون بينهما دعاء وإن قل فلا تعاد. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما من فاته بعض تكبير الجنازة فعن مالك فيه روايتان. إحداهما أنه ينتظر الإِمام حتى يكبّر ويكبّر معه. وبه قال أبو حنيفة ومحمد صاحبه. والثانية أنه يكبّر الآن. وبه قال الشافعي وأبو

стр. 1152

يوسف. وعن ابن حنبل الروايتان أيضًا. واختار الشيخ أبو الحسن القابسي ﵀ أن يكبّر إذا أدرك بعد التكبيرة تحميد الله والصلاة على نبيّه ﷺ والدعاء بما تيسر قبل أن يكبّر الإِمام. وإن لم يمكنه ذلك، ولو خفف فيه، لم يكبر وانتظر الإِمام. واعتل بأنه إذا لم يمكنه ذلك فإنه لم يجعل له سوى التكبير من غير دعاء مقصود وهو إذا آخره أتى به بعد فراغ الإِمام من غير دعاء. فإذا استوت كان التأخير أولى ليقع القضاء بعد فراغ الإِمام. وتعقب الشيخ أبو الحسن اللخمي هذا بأن قال لا يجري هذا على أصل المدونة لأنه يقول إن فاته بعض التكبير يقضيه بعد سلام الإِمام متواليًا من غير دعاء. فإذا كان ذلك، كان التكبير وإدراك شيء من الدعاء الآن أولى. قال: وأما على القول بأنه يصلي على الغائب فإنه يصح أن يمهل حتى يكبّر الإِمام فيكبّر بتكبيره. فإذا سلم الإِمام قضى ما فاته ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة. وتعقبُ الشيخ أبي الحسن ابن القابسي في هذا متعقبٌ من وجهين: أحدهما أنه أشار إلى أن الإتيان بالدعاء ليس يقتضي المبادرة إلى التكبير قياسًا على قولهم إن التكبير بعد الفراغ تباعًا. وهذا لا يلزم لأن المتابعة إنما أمروا بها ها هنا لئلا يدْعى للجنازة بعد رفعها كما يدعى لها وهي موضوعة، فتكون كصلاة على غائب كما أشار إليه. أو صلاة على جنازة مرَّتين، فاما الآتي والإمام قد سبقه ببعض التكبير فإن الشيخ أبا الحسن إنما اختار إيقاع التكبير إذا أدرك بعده التحميد والصلاة وكثيرًا من الدعاء. لأنه حينئذ أتى بالمقصود من صلاة الجنازة كلها. وكأنه كالمقالى للإمام المتأخر بالمتابعة للأمر اليسير. فكأنه خرج عن الأصل بحصول المقصود في صلاة الجنازة إذا كان لا يدرك من الدعاء إلا ما ليس له بال فليس بمقصود في صلاة الجنازة صار أن أمره حينئذ بإيقاع التكبير، فكأنه أمره بمخالفة الأصل لغير مقصود يحصل ولا ضرورة دعت إلى ذلك، والأصل أن لا يقضي إلا بعد فراغ الإِمام. وأما التعقب الثاني فإنه أشار إلى تخريج دعاء من فاته بعض التكبير على القول بالصلاة على الغائب وهذا لا يلزم أولئك أن يقولوا به لأنهم إنما أجازوا صلاة تفتتح على غائب وهذه صلاة افتتحها الإِمام على حاضر فحق المأموم أن يحذوَ حَذوَ إمامه ويقص أثره. ولما كان الدعاء كالقراءة لا يقضى لم يؤمر

стр. 1153

المأموم بإيقاعه، ولا يصح أن يأمره باستئناف دعاء كأنه يوقعه إيقاع المنفرد، فيصير كالصلاة على غائب قد صُلي عليه مع مخالفة الإِمام والخروج عن حقيقة فعله. وسبب الاختلاف في هذه المسألة، هل التكبيرة الأولى تتنزل منزلة تكبيرة الافتتاح أو إنما تتنزل منزلة الركعة؟ فإن قلنا إنها تتنزل منزلة تكبيرة الافتتاح لأنها صلاة لها افتتاح وتسليم فوجب أن يكون افتتاحها تحريمًا كالصلاة المعهودة أمرْنا المأموم أن يكبّر ولا ينتظر كما يكبّر للإحرام في سائر أثناء صلاة الإِمام. وإن قلنا أنها تحل محل الركعة لأن هذه الأربع تكبيرات أقيمت مقام أربع ركعات لم يكبّر، بل ينتظر. لأن من فاتته ركعة لا يقضيها حتى يفرغ الإِمام. وقد قال ابن مزَيْن منتصرًا للقول بأنه ينتظر أنا إذا أمرناه بالتكبير لم نخل (١) أنا نأمره به قضاء عما فات. وهذا لا يمكن إذ لا يقضي ما فات إلا بعد الفراغ، أو نأمره به اتباعًا دمًا يستقبل، وهذا فيه سبق للإمام وسبقه لا يصح. وصلاة الجنازة ليس التكبير فيها بإحرام فيؤمر هذا به. فأنت تراه كيف نبّه على ما قلناه. وروى أشهب في العتبية يكبّر الآن واحدة ثم يقف عما سبق به كما يحرم بالمكتوبة وقد سبق بتكبير سوى تكبيرة الإحرام فلا يكبّر غيرها. فإذا سلم الإِمام قضى ما عليه من التكبير تباعًا. فأنت تراه أيضًا كيف أشار إلى إنزالها منزلة تكبيرة الإحرام خلاف ما أشار إليه ابن مزين. وإنما قلنا أنه ينتظر ولا يكبّر فقد قال مالك في المجموعة يدعو ولا يكبّر حتى يكبّر الإِمام فيكبّر معه. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: من فاته بعض التكبير فوجد الإِمام قائمًا يدعو فليدخل معه بغير تكبير أحبّ إليّ ثم يكبّر تكبيرة. فإذا سلّم قضى ما فاته. وقد قيل يدخل بتكبير. والأول أحب إلينا. وحمل بعض أشياخنا هذه الرواية على أنه يدخل بالنية من غير تكبير. وفي هذانظر. لأن الدخول في الصلوات بعقد القلب دون فعل يصاحبه لا أصل له، إلا أن يرى الدعاء ها هنا حالًا محلّ التكبير في صحة الدخول به. وهذا يُطلب تدليل عليه. وإذا قلنا أنه لا يكبّر بل ينتظر لم يحتج إلى تفصيل. وإن قلنا أنه يكبّر ولا ينتظر فقد أشار الشيخ أبو الحسن ابن القابسي ﵀ إلى أنه إذا أتى بعد الرابعة فإنه لا يكبّر إذا لم يدرك

стр. 1154

من الصلاة شيئًا. وإنما يكبّر في إحدى الروايتين إذا أتى قبل الرابعة. واحتج بأن مالكًا لما سئل عمّن فاته التكبير كله. هل يكبّر؟ قال: لا أعلمه. وبأن التكبيرة الرابعة إذا وقعت فإن الصلاة كملت. فلا معنى لتكبيره بعد الكمال. فإذا وضح ما قلناه في التكبير والانتظار. فإنه إذا فرغ قضى ما بقي عليه من التكبير تباعًا. قال مالك: ولا يدعو. قال ابن حبيب وإن دعا فبدعاء خفيف إلا أن يتأخر رفعها فيسهل في دعائه إذا قضى التكبير اجتزاء بالتكبيرة التي أحرم بها. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إنما يقضي إذا لم ترفع فإن رفعت بطلت صلاته. وقال الحسن وأيوب السختياني لا يقضي ما فاته من التكبير. وروي ذلك عن ابن عمر. قال الأوزاعي يجزئه ما أتى به مع الإِمام. ودليلنا قول النبي ﷺ : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (١). وقياسًا على غيرها من الصلوات. وإن احتج الحسن بأنها تكبيرات متواليات، فإن فأتت لم تقض كتكبيرات العيد، قيل له التكبير في الجنازة فرض وقد أقيم مقام الركعة. وفي العيد هيئة وسنّة. فلهذا لم يقض. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما حمل النعش فاختلف الناس. فقال مالك في المدونة ليس في ذلك شيء مؤقت، احمل إن شئت بعض الجوانب ودع بعضها. وإن شئت فاحمل وإن شئت فدَع. وقال ابن حبيب يستحب أن يحمل الرجل الجنازة من جوانب السرير الأربع. ثم إن شاء حمل أو ترك. ويبدأ بمقدّم السرير الأيسر وهو يمين الميت فيضعه على منكبه الأيمن ثم يختم بمقدّمة الأيمن وهو يسار الميت. روي ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين. وكان مالك يوسع ذلك أن يبدأ بما شاء ويحمل كيف شاء أو لا يحمل. ويحمل بعض جوانبه ويدع بعضًا والفضل فيما ذكرت لك. قال مالك في المختصر لا بأس يحمل سريره من داخله وخارجه ويبدأ بأي جوانبه شاء. وقال أشهب في مدونته يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر يريد الأيمن. ثم المقدم الأيمن (٢) ثم المؤخر الأيسر. وقالت الشافعية في التقدمة بما حكينا عن أصحابنا ثم يبدأ اليسار مقدمة السرير فيجعله على عاتقه الأيمن ثم

стр. 1155

يأخذ يسار مؤخره فيجعله على عاتقه الأيمن ثم يأخذ بيمين مقدمة السرير فيجعله على عاتقه الأيسر ثم يأخذ يسار مؤخره فيجعله على عاتقه الأيسر. وهذا يوافق ظاهر ما حكيناه عن أشهب. وقال سعيد بن جبير والثوري وأحمد وإسحاق وأيوب السختياني يبدأ بيسار مقدمه ثم بيسار مؤخره ثم بيمين مؤخره ثم بيمين مقدّمه. وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود. وهذا يوافق ظاهر ما حكيناه عن ابن حبيب. وقال الأوزاعي يبدأ بأيهما شاء. فكأن من ذكرناه من العلماء استحب البداية بما ذكر لأن يمين الميت أفضل من بقية أجزائه. فلهذا قدمت. وعلى هذا يليه الرجل اليمين على الشمال. ثم اختلفوا ها هنا فيما بعد ذلك. وهو الجانب الأيسر هل يبدأ بمقدمه أو بمؤخره. فمن اختار البداية بمؤخره، فكأنه أقرب إلى ما هو حائل (١) له. ومن اختار البداية بمقدمه فلأنها في محاذاة ما ثبت له البداية به وهو اليد اليمنى. فالأول راعى عن الأقرب والأسهل. والثاني راعى المقابل. فإن قيل لِمَ استحب للإنسان أن يحمل الجنازة من الأربع جوانب على ما ذكره ابن حبيب. قيل اعتل بعض الأشياخ لذلك بأنه لإحراز الأجر يحمل الجوانب الأربع كما (٢) بالصلاة والمواراة. وقد قال أشهب أحبّ إليّ أن يحفن الرجل ثلاث حفنات بيده في قبر الميت عند دفنه. وإنما ذهب إلى هذا ليحصل له أجر المواراة. وقد قال ابن مسعود في المدونة احملوا الجنازة من جوانبها الأربع فإنها السنّة. وإنما تكلم على ما كانت عليه الصحابة ﵃ من حمل موتاهم بأنفسهم تواضعًا وابتغاءًا للأجر. فقد حمل سعد بن أبي وقاص جنازة عبد الرحمن بن عوف ﵄. وحمل عمر بن الخطاب ﵁ أسيد بن الحصين رحمهما الله. وحمل ابن عمر جنازة أبي هريرة رحمهما الله ورضي عنهما. فأشار هذا الذي حكينا كلامه من الأشياخ إلى أن ابن مسعود أشار إلى حمل الإنسان من سائر الجوانب لأجل ما قلناه. وقد قدمنا إجازة مالك حمل السرير من داخله وخارجه والبداية بأي الجوانب وأنه لا يحد في ذلك حدًا. وقالت الشافعية الأفضل في حمل الجنازة أن يجمع بين التربيع والحمل

стр. 1156

بين العمودين. فإن اقتصر على أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل من التربيع. وقال ابن حنبل التربيع أفضل. وقال الحسن والنخعي والثوري. وأبو حنيفة يكره العمل بين العمودين. وذكر ابن حبيب أن .... (١) قال أحسن من يحمل الجنازة الذي يمشي بين عمودي النعش. والذي يقول استغفروا له غفر الله لكم. والذي يقول ارفقوا على نسائكم والذي يمسك النعش من خلفه. وقال مطرت وابن الماجشون أما الذي يمشي بين يدي عمودي السرير فلا بأس به للغريب والخاص. ويكره للعامة. واحتجا يحمل سعد جنازة ابن عوف ﵄ بين العمودين، وعثمان وزيد بن ثابت لأمهما وعمر لأسيد وابن عمر لأبي هريرة ﵃ أجمعين. وأما الذي خلف النعش، فإن كان من أهل الميت واحد الأربعة الراتبين (٢) تحت النعش فذلك له وإلا فلا. والدليل على أن العمل بين العمودين لا يكره أن النبي ﷺ حمل في جنازة سعد بن معاذ بين العمودين وحمل عثمان ﵁ سرير أمه بين العمودين. وكذلك فعل أبو هريرة بسرير سعد. وسعد بن أبي وقاص بسرير عبد الرحمن بن عوف. وهذا يقتضي الجواز. ورأت الشافعية حجة في الفضل. واحتج المخالفون بقول ابن مسعود إن أَتبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع وليطوع بعد أو ليذر فإنه من السنّة. وأجيب عن هذا بان المراد به. .. (٣) الإخبار بجوازه لا كراهة ما سواه. ورآه ابن حنبل حجة في فضل التربيع. كما ذكرناه عنه. وما ذكرناه عن مطرت وابن حبيبَ من التفرقة بين العامة والخاصة إن أراد به العمل. فهو خلاف ظاهر ما حكيناه عن مالك. فإذا وضح ما ذكرنا في صفة العمل. فقد اختلف قول مالك فيمن ليس على وضوء يحمل الجنازة. فقال ابن القاسم كره له أن يحمل الجنازة لينصرف

стр. 1157

إذا بلغت. ولم ير به في رواية أشهب بأسًا. قال أشهب: وحمل جنازة الصبي على الأيدي أحب إليّ من الدابة والنعش. فإن حمل على الدابة لم أرَ به بأسًا. وكره مالك التحسر على الجنازة. وقال أيضًا ليس العمل على نزع الأردية في الجنازة. قال ابن حبيب: وقد استخف ذلك للغريب الخاص. وقد يفعل في العالم والفاضل الخاص من أصحابه. وقد رُؤي عبد الله بن عون في جنازة محمَّد بن سيرين في قميص. وتحسر مصعب وهو أمين في جنازة الأحنف. وأما صفة المماشاة في الجنازة فإنه قد كره الصحابة أن يتبع الميت بمجمرة. قال ابن حبيب إنما كره ذلك لئلا يكون تفاؤلًا بالنار. وقال ويكره الإنذار بالجنازة إذا كان من يقوم بالحمل والدفن. ونهى عنه ابن مسعود. فأما خواص أهل الرجل ومن يحزنهم أمره فليؤذنهم. وإنما يكره إنذار العامة. وفي العتبية كره مالك أن يؤذن بالجنازة على أبواب الجنازة أو يصاح خلفه أو يستغفر له. واستحب أن يؤذن بها في الحلق من غير رفع صوت. وقيل له في أهل البادية يبعثون إلى أهل المحال حولهم ينذرونهم بجنازتهم. قال إنه ليفعل ذلك في البادية والحاضرة ما لم يكن بعيدًا. وأما ما يقرب من إنذار الجيران ومن لعله أن يعزيه فلا بأس به. وسمع ابن جبير قائلًا يقول استغفروا له. فقال لا غفر الله لك. ولا يمشي بالجنازة الهوينا. ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته. قال النخعي كانوا يقولون انشطوا بها ولا تدبوا بها دبيب اليهود. قال مالك ... (١) الناس الازدحام على حمل جنازة الصالح. ولقد انكسرت تحت سالم بن عبد الله نعشان وتحت عائشة ثلاثة وذلك حسن ما لم يكن فيه أذى. ويكره أن يسار راكبًا تقدم عنها أو تأخر عنها. قال النخعي كانوا يكرهونه. قال ابن حبيب لا بأس أن يرجع راكبًا بعد الدفن. وقال ابن عباس إن سايرها راكبًا تقدمها أو تأخر عنها. قال النخعي كانوا يكرهونه. قال ابن حبيب

стр. 1158

لا بأس أن يرجع راكبًا بعد الدفن. وقال ابن عباس الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله. قال الشعبي هذا يدل على أنه لا ثواب له. وقال عبد الله بن رباح الأنصاري للماشي خلف الجنازة قيراطان وللراكب قيراط. وقد احتج الناس على هؤلاء بأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء (١). ففرق بينهما في السير ولم يفرق بينهما في الثواب. وهذا الحديث إن احتججنا به فقد سلمنا للثوري ما حكيناه عنه إلا أن يخرج عن هذا الحديث بدليل آخر. وأما المتقدم أمام الجنازة والتأخر عنها. فاختلف الناس فيه. فعندنا أن المشي أمامها للرجال أفضل إذا لم يكونوا ركبانًا، وبه قال الشافعي وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم. وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق المشي خلف الجنازة أفضل. وقال الثوري الراكب خلفها والماشي حيث شاء. وقال أنس بن مالك أنتم متّبعون فكونوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. وروي ذلك عن ابن جبير. وهو قول معاوية بن قرة. فدليلنا على أن المتقدم أفضل أنه مذهب جماعة من الصحابة. وذكر مالك في موطئه عن ابن شهاب أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يمشون أمام الجنازة (٢). وهذا الحديث وإن أرسله مالك فقد أسنده سفيان. ورواه ابن شهاب عن سالم عن أبيه. وذكر أبو داود هذا الحديث في سننه فزاد فيه ويقولون هو أفضل. وهذه الزيادة تمنع حمل ذلك على الإباحة مع أن قوله كانوا يشعر بالمداومة ولا يداومون إلا على الأفضل. والاعتماد على هذا أولى من قول بعض المتأخرين من أصحابنا: إن الإجماع على أن المشي أمامها ليس بمباح يمنع من حمل الخبر على الإباحة. لأنا قدمنا من قول أنس والثوري وابن جبير وابن قرة يقتضي الإباحة ظاهره. فلهذا أثرنا الاعتماد على ما زاده أبو داود. وعلى ما تشعر به المداومة. واحتج المخالف بقول أبي سعيد الخدري سالت عليّا فقلت

стр. 1159

أخبرني عن المشي مع الجنازة يا أبا الحسن. فقال فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع (١). فقلت أتقول هذا برأيك أم سمعته من النبي ﷺ . قال بل سمعته من رسول الله ﷺ . وأجيب بأن الحديث غير ثابت أو محمول على أن تقدمها إلى موضع الدفن أو بقدر ما لا يكون مصاحبًا لها أيضًا. وكذلك أيضًا أجيب عن تعلقهم بقوله ﷺ الجنازة متبوعة ليست متابعة (٢) بأنه لم يثبت. وقد قال فيه أبو داود أنه لا يصح. فإن قالوا المشي خلفها أشد اعتبارًا لبصره والمشي أمامها تنبيه لمن يقرون عليه. مع أنهم شفعاء والشفيع يتقدم. وفيه أيضًا مسارعة إلى الخير. وأما الراكب فإنه يتأخر عندنا خلفها. وقالت الشافعية وترك الركوب أولى. فإن ركب كان أمام الجنازة. واحتجوا بأن عمر ربي على بغل أمام الجنازة. قال ابن شعبان: المشاة أمامها والركبان من خلفها والنساء من وراء ذلك. ولا بأس أن يشهدنها ما لم يكثرن التردد. ولا توضع على الرقاب حتى يتكامل من يشيّعها. وقال أيضًا في مختصره لا بأس بشهود النساء الجنائز ما لم يكثرن ركبانًا أو مشاة وقد كنّ يخرجن في حوائجهن يريد على عهد النبي ﷺ وبعده. وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵁ تخرج تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك. وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله ونحو هذا في العتبية ولم يشترط الإكثار. إلا أنه قال ما أرى بأسًا في الأمر المستنكر. وقيل يكره خروجهن ولو على الخاص من قرابتهن. وينبغي للإمام منعهن من ذلك. وقيل يجوز خروجهن على مثل الزوج والأخ وشبههما. وبكراهة خروجهن. قال ابن عمر وابن مسعود وعائشة. وقد قالت أم عطية نهينا أن نتبع الجنائز ولم يعزم

стр. 1160

علينا (١). وهذا الذي قلناه في الشواب منهن. وأما المتجالات فلا معنى لمنعهن. ولا بأس أن يجلس الماشي قبل أن توضع الجنازة ولا ينزل الراكب حتى توضمع. وقال مالك لا يكون. ........ (٢) الجنازة في أعقاب النساء لأن حامليها خلفهم رجال. وقال مالك لا ينصرف في الصلاة عليها إلا لحاجة أو لعلية. قال ابن القاسم ذلك واسع لحاجة أو لغير حاجة وليست بفريضة. قال الشيخ أبو محمَّد فريضة تتعين عليه. قال ابن حبيب لا بأس أن يمشي مع الجنازة ما أحب وينصرف إن شاء قبل أن يصلي عليها. وقاله جابر بن عبد الله. والمشهور من مذاهب العلماء أن من مرت به الجنازة لم يؤمر بالقيام إليها. وروي عن ابن مسعود البدري وأبي سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله وجوب القيام إليها. قال ابن حنبل إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس. وتعلق المخالفون بأنه ﷺ قال: إذا رأيتم الجنازة فقدموا ومن تبعها فلا يقعد حتى توضع (٣). وأجيبوا عن هذا بأنه منسوخ وسنذكر ناسخه إذا تكلمنا على الجلوس عند الإقبار إن شاء الله. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والصلاة على الجنازة جائزة (٤) في كل الأوقات وبعد العصر ما لم تصفر الشمس. ولا تصلّى عند طلوع الشمس ولا غروبها إلا أن يخشى (٥) تغيّرها. قال الفقيه الإِمام: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: وهما أن يقال: ١ - لِمَ كره الصلاة في الوقت الذي ذكر؟. ٢ - وإذا حضرت المكتوبة والجنازة ما الذي يقدّم منهما؟.
следующие страницы →