قال الفقيه الإِمام ﵀: قد كنا قدمنا الكلام على هذه المسألة في فصل تعلقت به. وقدمنا اختلاف المذهب في الصلاة على من أقبل بغير صلاة.
وأشرنا إلى أن المذهب قد قيل فيه إن الفراغ من الدفن يمنع من إخراج الميت.
واختلف هؤلاء هل فاتت الصلاة عليه أو لم تفت. فقال بعضهم فاتت فلا يصلى عليه. وقال بعضهم لم تفت ويصلى على القبر. وقد كنا قدمنا أن صلاته ﷺ على القبر بها تعلق من أجاز الصلاة على القبر. وذكر بعض أصحابنا إن كان هو الولي والإمام المتعين إمامته صار من صلى دونه عليها كأنه لم يصل. وقالوا على هذا إذا صلى قوم على جنازة دون وليها لم يسقط فرض الصلاة. وقال بعض أصحابنا بل يسقط. ولكن إنما صلى ﷺ لأنه أمرهم أن لا يدفنوها حتى يستأذنوه. فلما دفنوها دون إعلامه ﷺ صلى عليها. واضطراب أصحابنا في سقوط الفرض ها هنا بصلاة غير الولي يشبه اضطرابهم في النكاح إذا عقده غير ولي هل يفسخ أم لا. يضاهي القول بالفسخ القول بأن فرض الصلاة لم يسقط.
ويضاهي القول بإمضاء العقد القول بأن الفرض قد سقط. أما قول القاضي إن الصلاة لا تعاد، فإنا أيضًا أشبعنا الكلام على ما فيه من اختلاف وأدلة. وقد وقع في المدونة إذا لم يحضر الجنازة سوى النساء وأنهن يصلين ... (١) ... قالوا وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة. وأما البناء عليها فروى جابر أن النبي ﷺ نهى أن ترفع القبور أو يبنى عليها أو يكتب فيها أن تجصص. ويروى تقص. وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض. وفعله عمر ﵁. قال ابن حبيب تقصص وتجصص بمعنى تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض والقصة الجير وهو الجنة. وينبغي أن يسوى تسنيمه وكره مالك أن يرصص على القبر بالحجارة ويبنى عليها بطوب أو بحجارة، وكره هذه المساجد المتخذة على القبور. فأما مقبرة دائرة بني فيها مسجد يصلى فيه فلا بأس به. وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة ...
стр. 1192
فيها. ولم ير بالحجر والعود والخشبة بأسًا يعرف الرجل به قبر وليه ما لم يكتب فيه. (وقول عمر ﵁: لا تجعلوا على قبري حجرًا. مراده ما لم يكتب فيه) (١) وقول عمر ﵁: لا تجعلوا على قبري حجرًا. مراده من فوقه بمعنى البناء. قال ابن حبيب لا بأس أن يوضع على طرف القبر الحجر الواحد لئلا يخفى موضعه إذا عما أثره. وقال أشهب في مدونته تسنيم القبور أحب إليه، فإن رفع فلا بأس. وقال بعض أشياخي مراده إن زيد على التسنيم.
وقد قال خارجة بن زيد في البخاري رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان وإن أشدنا وثبة الذي يُنسب قبر عثمان بن مظعون. وهذا الذي نحا إليه أشهب. وقد قيل لمحمد بن عبد الحكم في الرجل يوصي أن يبنى عليه. قال لا ولا كرامة.
قيل أراد بذلك بناء البيوت ولا بأس بالحائط اليسير الارتفاع ليكون حائزًا بين القبور لئلا تختلط على الناس قبورهم. وأجاز أبو حنيفة البناء على القبور.
وأشار ابن القصار إلى أن البناء المكروه عليها أو حولها إنما في المواضع المباحة لئلا يضيق على الناس ما أبيح لهم التصرت فيه. وأما البناء في ملكه أو ملك غيره بإذنه، فذلك جائز. وهذا الذي حكيناه عن ابن القصار ظاهره خلاف المشهور من المذهب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: عندنا أن الجلوس على القبر جائز. وكره الشافعي الجلوس على القبر أو يطأه أو يتكئ عليه. وقال ابن حنبل يكره الدخول إلى المقابر بالنعل ولا يكره بالخفاف والشمشكاة. وحجة الشافعي قوله ﷺ : لأن يجلس أحدكم على جمر فيحترق ثوبه وتصل النار إلى بدنه أحب إليه من أن يجلس على قبر. وقال أبو هريرة ﵁: لأن أجلس على جمرة فيحترق ردائي ثم قميصي ثم تفضي إلى بدني أحب إليّ من أن أجلس على قبر امرئ مسلم (٢). ونحن نتأول النهي عن ذلك على أن المراد به الجلوس للغائط والبول. قال ابن حبيب كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد. وقد روي ذلك ... للنبي ﷺ . وكان علي بن أبي طالب ﵁ يتوسدها ويجلس عليها. قال فلا بأس بالمشي على القبر إذا عما. وأما وهو مسنم والطريق دونه
стр. 1193
فلا أحب ذلك. لأن في هذا تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا. وقد روي عن النبي ﷺ النهي عن ذلك.
والجواب عن السؤال الرابع: إنما قال يستقبل بوجهه القبلة لأنها أشرف المواضع وإليها كان يصلي أيام حياته ويتوجه. قال ابن حبيب يلحد على شقّه الأيمن ... القبلة اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالثرى لئلا يتصوب وتعدل رجلاه ويرفق في ذلك ويحل عقد كفنه إن عقد وقد اختلف الناس في الجهة التي يدخل منها قبره. فقال ابن حبيب إدخاله من ناحية القبلة أحب إلى. وقال أشهب أحب إلى أن أدخل من القبلة أو ... من ناحية رأسه من الشق الأيسر منك وأنت في القبر فواسع. ومذهب أبي حنيفة كمذهب ابن حبيب أن يؤخذ من قبل القبلة. ومذهب الشافعي أن المختار أن يؤخذ من يمين القبر. فإن كان مراده أن النازل في القبر إذا استقبل القبلة أخذ الميت من جهة يمينه ومن ناحية رجلي الميت. وكان أشهب مراده إن أخذه من جهة القبلة أو من جهة يسار النازل في القبر ومن ناحية رأس الميت وهي المقابلة للجهة التي قال الشافعي إن ذلك واسع بمعنى أن غيره أفضل. فكانه موافق لمذهب الشافعي. وسبب الاختلاف في هذا اختلاف الأحاديث. فقد روى ابن عباس قال إن النبي ﷺ سلّ سلًا من اليمين. وروى الطحاوي عن ابن عباس أنه قال ﷺ : ادخل القبر من قبل القبلة.
وروي إنما دخل أبو دجانة من قبل القبلة. وقال النخعي حدثني من رأى سلف أهل المدينة يأخذون الميت من قبل (١) ... أخبروه أربعة دل ذلك على أنه مقدار الوتر كما قاله الشافعي. والمطلوب ها هنا ما تمس الحاجة إليه. وهذا المعنى لا يقف على شفع ولا وتر.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا مات ميت في البحر فإن طمعوا في البر من يومهم وشبه ذلك حبسوه حتى يدفنوه في البر. فإن أيسوا من ذلك غسل وكفن وحنط وصلي عليه وألقي في البحر مستقبل القبلة محرفُ اعلى شقه الأيمن. قال ابن حبيب ولا تثقل رجلاه بشيء ليغرق كما يفعل من لا
стр. 1194
يعرف. فإن ألقاه البحر على ضفته فحق على من وجده أن يدفنه. قال سحنود يصلى عليه إلى القبلة وإن دار المركب داروا. وإن غلبوا صلوا بقدر طاقتهم فيثقل بشيء إن قدروا على تثقيله. قاله عطاء وابن حنبل. ورد هذا المذهب بأنه ربما ألقاه البحر إلى ساحل فيدفنه المسلمون وفي تثقيله قطع لما يرجى له من الدفن ومما ينخرط في سلك هذا نقل الميت من بلد إلى بلد. وظاهر مذهبنا جوازه. قال بعضهم لا بأس أن يحمل الميت إلى العصر إن كان مكانًا قريبًا.
قال ابن حبيب لا بأس أن يحمل من البادية إلى الحاضرة ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه. وقد مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق فحملا إلى المدينة. وأصيب طلبة ﵁ يوم الجمل فدفن. فرأى إنسان في المنام أن انقلوه فنقل فدفن في مكان آخر. قال بعض أصحاب الشافعي ليس في هذا نص. والذي يشبه عندي أنه يكره ذلك. وروي مثل هذا عن عائشة ﵂. واحتج الشافعي بأن النبي ي أمر بتعجيل دفن الميت. وفي نقله تأخير لدفنه. وانفصل عن نقل سعد وسعيد بأن ذلك ليس ببعيد. فأشبه نقل الميت في بلد كبير من طرف إلى طرف آخر في المقبرة. فأما ابن عمر فإنما أوصى أن ينقل لأنه كان من المهاجرين. ويكره للمهاجرين أن يدفنوا بمكة لأنه كره لهم المقام فيها. وهذا الذي أشار إليه الشافعي في تأويل سعد وسعيد. وقد اشترط مالك في جواز النقل أن يكون قريبًا. وأطلق ابن حبيب من غير اشتراط. فاشتراط مالك يقرب من تأويل الشافعي. فقد روي في البخاري أن جابر بن عبد الله قتل أبوه يوم أحد فدفنه جابر مع رجل آخر فلم تطب نفسه أن يتركه مع آخر في قبره فاستخرجه بعد ستة أشهر. وهذا الحديث قد أدخل حجة جواز النقل. ولكنه يتضمن جواز النقل بعد الإقبار. وإنما تكلمنا على النقل قبل الإقبار. وللميت حرمة تمنع من إخراجه من قبره إلا لضرورة كما ذكرناه من نسي الصلاة عليه على الاختلاف المذكور فيه وإلحاق دفن آخر معه بأبواب الضرورة المبيحة لإخراجه يفتقر إلى نظر آخر وبسط طويل (١).
стр. 1195
نجز كتاب الجنائز وبتمامه تم السفر الأول من شرح التلقين للإمام المازري ﵁ ونفع به يتلوه بحول الله وقوته السفر الثاني كتاب الزكاة.
والحمد لله حمدًا يدوم بدوامه والصلاة الدائمة كذلك على سيدنا محمَّد خاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعلى آله وصحبه ذوي الشرف وأنصاره وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 1196
شرح التلقين
للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
٤٥٣ - ٣٥٦
١٠٦١ - ١١٤١
الجزء الثاني
المجلد الأول
تحقيق
سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي
دار الغرب الإِسلامي
تونس
стр. 1197
دار الغرب الإِسلامي
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى- ٢٠٠٨ م
دار الغرب الإِسلامي
العنوان: ص. ب.: ٢٠٠ تونس ١٠١٥
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأى شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 1198
شرح التلقين
للأمام أبي عبد محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
الجزء الثاني
المجلد الأول
стр. 1199
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إلى الله العلي الأعلى أرفع آيات الحمد الخالص كما يحق لجلاله وعظيم سلطانه، وأستمنحه التفضل بقبول شكري، على جليل نعمه وموصول مدده وحسن عونه، وعلى ما فتح من أبواب التيسير والتوفيق، وهو الولي الحميد، العزيز المجيد.
وأصلي وأسلم على إمامنا وشفيعنا المختص بالمكانة العظمى، والمرتبة الأسمى، والمقام الأسنى، سيدنا محمَّد، الصلاة التي ترضيك ربنا وترضيه فترضى بها عنا، والسلام الطيب كطيب عرفه، والزكي الأنقى نقاء روحه وطهارة نفسه.
فإنه بعد أن أتممت بعون الله وفضله تحقيق الأجزاء الثلاثة (كتاب الصلاة) من شرح الإِمام أبي عبد الله محمَّد المازري على كتاب التلقين للقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر وطبعت سنة ١٩٩٧، محضت عنايتي لإتمام هذا الكتاب الفرد في المذهب المالكي، وتيسيره للدارسين. وقد حوت الأجزاء الثلاثة السابقة كتاب الطهارة -كتاب الصلاة- كتاب الجنائز. وقال الناسخ في نهاية المخطوط كما ذكرت ذلك في المقدمة: انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله كتاب الزكاة. وحسب الترتيب الذي عليه كتاب التلقين فإن الأبواب التالية لكتاب الجنائز هي -كتاب الزكاة - كتاب الصيام - كتاب الاعتكاف - كتاب المناسك - كتاب الجهاد - كتاب الإيمان والنذور - كتاب الضحايا والعقيقة - كتاب النكاح وما يتصل به - وهذه الكتب الثمانية لم أتمكن
стр. 1200
من التحصيل عليها ولا معرفة أين توجد، والظن أن المازري قد شرحها جميعها أو بعضًا منها، إذ هو يحيل ويشير لبعض ما جاء فيها أثناء بحوثه في كتاب البيوع. ولذا فإني أكرر في هذه المقدمة الرَّجاء من السادة العلماء والباحثين، ممن يضفر بواحد أو أكثر من هذه الكتب أن يدلني على مكان وجوده. فإني له، مقدمًا، شاكر ودل الله الكريم المتفضل أن يتولى جزاءه، فإنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وبناء على ذلك فقد اعتنيت في هذه الأجزاء الثلاثة بتحقيق ما وجدته من قسم المعاملات، الذي يتميز عمله فيه بطريقة تختلف عن منهجه في الأجزاء الثلاثة السابقة. ذلك أنه فيما مضى كان مرتبطً ابن ص التلقين، يثير حول القضايا المذكورة فيه أسئلة تكثر أو تقل يهدف منها إلى الكشف عن الآفاق الرحبة من المعارف الفقهية، ويتوسع في متابعة ما تقتضيه الإجابة عنها فيذكر الخلاف في المذهب والخلاف بين أئمة المذاهب السنية ويربط الأقوال بأدلتها، ويرجح حسب ما يهدي إليه الدليل. ويجد فيه المتفقه في التشريع الإِسلامي متعة قلما يجد نظيرها في غيره من الكتب، بعمق أنظاره، وسعة علمه، وذكاء فهمه، وإنصافه، الإنصاف الذي يسير به الناظر في كتابه مع رجل سما عن التعصب للمذهب والتزم ما يقتضيه الدليل ويهدي إليه العقل الراشد.
أما في هذه الأجزاء الثلاثة فيضيف إنى طريقته تلك ارتباطه بالمدونة الارتباط الشديد. فكلما رأى أن القاضي لم يعرج على ما ذكر في المدونة فإنه ينقطع عن متابعة نص التلقين، ويعقد فصلًا يذكر فيه ما جاء فيها، وقد يطول هذا الفصل فيبلغ صفحات عديدة، وقد يصرح بأنه قصد إلى ذلك إم ابن اء على اختياره أو استجابة لطلب المتلقين عنه.
وهو معني بضبط أفهام الفقهاء للمدونة، يذكرهم تارة بأسمائهم، وتارة بقوله: وذكر بعض الشيوخ، وتارة إذا كان التخريج أو التوجيه ذكيًا يدل على نباهة صاحبه فيقول: وقال بعض الحذاق.
стр. 1201
ويظهر بهذا تفرد شرح التلقين بجمعه بين طريقة البغدادين والمشارقة من أتباع مذهب مالك الذين عنوا بالاستدلال له وبيان الضوابط المرعية، وإبراز طرق ترجيحه، وبين طريقة القيروانيين ومن تبعهم الذين عنوا بالمدونة أتم عناية، فضبطوا نصوصها، وتعمقوا في فهمها.
ومن مظاهر هذا الجمع عنايته بكتاب محمَّد بن المواز فقد أكثر النقل عنه. هذا الكتاب الذي يقول فيه القاضي عياض: ولابن المواز كتاب أي (الموازية) - أجل كتاب ألفه قدماء المالكيين، وأصحه مسائل، وأبسطه كلامًا وأوعبه، وذكره أبو الحسن القابسي ورجحه على سائر الأمهات، وقال: لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم في تصنيفه، وغيره إنما قصد لجمع الروايات، ونقل منصوص السماعات. (ترتيب المدارك ج ٤ ص ١٦٩) كما أنه في هذه الأجزاء الثلاثة روى عن الأسدية مما يدل على أنها لم تترك، وبقيت بين أيدي أهل العلم خلافًا لما ذكره القاضي عياض: قال الشيرازي: الأسدية مر فوضة إلى اليوم. (المدارك ج ٢ ص٢٩٩).
ولما كانت هذه الأجزاء الثلاثة تتناول المعاملات المالية، فإن الناظر فيها يجد فيها إجابات عن كثير من القضايا الاقتصادية المعاصرة، بل قد يجد المازري ﵀ قد سبق عصره حتى في إطلاق بعض المصطلحات التي يظن أنها لم تشغل الفكر الفقهي للمتقدمين. وذلك كالمرابحة للآمر بالشراء، والمواعدة من الطرفين في الصرف، والبيع بأجرة يتقاضاها المالك مدة حياته (vente viagere).
والمازري بمنهجه المعتمد على إعمال العقل فيما ورد عن الشارع من نصوص لتوليد الأحكام، ورعاية مقاصده، يمكن الدارس لكتابه من ملكة فقهية تفتح له مغالق كثيرة. وتمكنه من الحلول للقضايا المستعصية في النظر الأول.
النسخ المعتمدة:
ينقسم هذا القسم من الشرح إلى قسمين:
القسم الأول: من شروط أخذ طعام عن طعام السلم الصحيح إلى كتاب
стр. 1202
بيوع لآجال، اعتمدت فيه ثلاث نسخ:
النسخة الأولى: نسخة المكتبة الوطنية التي حبسها المشير محمَّد الصادق بأي سنة ١٢٩١ على كل متأهل للانتفاع بها جاعلًا مقرها الخزائن العلمية التي عمر بها صدر جامع الزيتونة تحت عدد ٣٠٢٦ ثم انتقلت إلى المكتبة الوطنية وسجلت تحت رقم اشتملت على ١٩٧ ورقة خطبها تونسي وتداول نسخها أكثر من واحد كما يدل عليه اختلاف الخطوط تبدًا بكتاب السلم وتنتهي بكتاب العرية والجائحة. يقول الناسخ في خاتمتها نجز كتاب العرية وفصل الجائحة يتلوه كتاب بيوع الآجال وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم.
وتتوالى أبواب المعاملات فتشمل السلم والوكالة على السلم والرهن وصلح الكفيل والمعاوضة على تحويل السلم وما يجري مجرى البيع احتياطًا والمزابنة والربا إلى الورقة رقم ٥٨. وبعد ذلك تأني أبواب القضاء وما يتصل به. فاعتمدت هذه النسخة إلى ورقة ٥٨. وأرجأت باب القضاء وما يتصل به إلى الأجزاء القياستتلو بعون الله هذه الأجزاء الثلاثة. ورمزت لها بحرف " و" إشارة إلى الوطنية.
النسخة الثانية: هي النسخة المصورة عن الجزء الثاني من مكتبة المدينة المنورة المحبسة من العالم النظار الشيخ محمَّد العزيز الوزير ﵀ بتاريخ ١٣٢٠ خطبها تونسي جميل تبدًا بكتاب الاستبراء، ثم بكتاب الشهادات والقضاء وما يتصل به إلى ص ٢٢٣ - ومن ص ٢٢٤ إلى آخر الكتاب ص ٣٨٨ تتابع أبواب العاملات من السلم إلى بيوع الآجال. فاعتمدت في المقابلة على القسم الأخير، ذلك أن أبواب القضاء في التلقين تتلو في الترتيب التأليفي أبواب المعاملات المالية ولواحقها. ورمزت لها بحرف "م" والكتب الأولى سأحققها بعون الله في الأجزاء الثلاثة الأخيرة.
ملاحظة: هاتان النسختان وإن تباعد مكان وجودهما، فإني أكاد أجزم
стр. 1203
أنهما منقولتان عن أصل واحد أو إن إحداهما منقولة عن الأخرى. ذلك أن التحريف الموجود في إحداهما موجود في الأخرى. وإذا ترك الناسخ بياضًا في إحداهما تركه الثاني بياضًا أيضًا.
النسخة الثالثة: هي نسخة مصورة بمكتبة المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام عن نسخة ابن يوسف بمراكش رقمها ٤٩٠ محبسة على جامع الحرة والدة الخليفة المنصور في فاتح المحرم سنة ١٠٢٧. وهي مستنسخة من النسخة التي اشتريت من تركة الطالب أبي زيد السراج ﵀.
بها ١٨٧ ورقة. الصفحة الأولى بقية كتاب الوكالة. ومن الصفحة الثانية يبدأ كتاب الرهن في السلم وينتهي الرجوع إليها في الورقة ٥٢ كتاب المزابنة.
والكتب التالية في القضاء والشهادات ورمزت إليها بحرف "ش" والنسخة بخط مغربي رديء جدًا قراءته عسيرة، قوإنتشرف فيها التحريفات، وقد صور بعض الكلمات تصويرًا يدل على أن الناسخ لا يفهم ما يكتبه.
القسم الثاني:
من كتاب بيوع الآجال إلى كتاب الوديعة أعتمدت في هذا القسم نسختين.
النسخة الأولى: نسحة المكتبة الوطنية رقمها ١٢٢٠٩ أصلها من خزائن جامع الزيتونة. لا يوجد اسم المحبس ولا تاريخ التحبيس. وذلك أن النسخة الأصلية أضاعها مستعيرها، تبين ذلك من مراجعة محتويات المكتبة عام ١٣٢٨، فتم تعويضها بهذا المخطوط الذي نظر فيه شيخ الإِسلام وباش مفتي شيخ الجامع وقررا قبوله بدل المفقدد. وعرض ذلك على الباي محمَّد الناصر فختمه بطابعه لتنفيذ رأي الشيخين وذلك في سنة ١٣٣٠/ ١٩١٢ وشمل كتاب بيوع الآجال. بيع الدين بالدين. الممنوعات الراجعة إلى صفة العقد. بيع الثنيا.
أحكام القرض والمديان والاقتضاء والمقاصة. حكم المعادن. بيع الخيار. الرد بالعيب. الوكالات. بيع الغائب والغرر. التجارة إلى أرض الحرب. الصلح.
стр. 1204
الوديعة. استغرقت هذه الكتب والفصول ٢٢١ أو رقة ومن الورقة ٢٢٢ إلى نهاية الكتاب ورقة ٢٥٦ كتاب القضاء والشهادات ولم يتم نسخ جميع ما جاء فيه.
نسخت بخط تونسي جميل. وهي من أولها إلى أخرها بخط واحد.
تخللها كثير من الأخطاء، والنقصلبعض الجمل. وكذلك بعض الصفحات وما أمكنني تداركه تداركته ونبهت عليه، وما لم أتمكن نبهت عليه. وقد رمزت لهذه النسخة بحرف "م".
النسخة الثانية: هي النسخة المصورة عن مكتبة المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، المحبسة من العالم النظار الشيخ العزيز الوزير ﵀ أوقفها على مكتبة المدينة عام ١٣٢٠. وعلى أول ورقة منها أنه ملكها الشيخ محمَّد الطاهر بن سلامة بالشراء من تركة والده الذي اشتراها من تركة القاضي المالكي الشيخ محمَّد البحري. أثبت ناسخها أبو بكر الورتاني في خاتمتها أنه كتبها لخزانة الشيخ القاضي أبي عبد الله محمَّد البحري بن عبد الستار المذكور. ولم يذكر تاريخ الانتهاء منها. وقد وثق الشيخ مخلوف أنه توفي ﵀ في شهر ربيع الأول عام ١٢٥٤. (شجرة النور الزكية ص ٣٨٥).
تشتمل هذه النسخة على جميع الأبواب والفصول التي ذكرتها في نسخة المكتبة الوطنية. وتتحد النسختان في المواضع التي تركت بياضًا. كما أن معظم التحريفات التي وقعت فيها لا تختلف إلا قليلًا جدًا عن نسخة المكتبة الوطنية.
ومن ناحية أخرى فقد قابلت نص التلقين بما هو مثبت في النسخ المذكورة وبالمطبوع منه:
التلقين طبع وزارة الأوقاف المغربية عام ١٤١٣/ ١٩٩٣ وذكرت في التعليق إشارة لها "المغربية".
التلقين بتحقيق محمَّد ثالث سعيد الغاني نشر المكتبة التجارية نزار مصطفى الباز عام ١٤١٥/ ١٩٩٥وذكرت في التعليق إشارة لها: "الغاني".
стр. 1205
الطريقة التي اتبعناها في تحقيق هذا النص النفيس الذي كتبه الإِمام أبي عبد الله المازري ﵀ وأجزل مثوبته.
وجهنا اهتمامنا أولًا إلى تصحيح النص. وبذلنا في ذلك أقصى الجهد في فهمه وما يقتضيه التعبير عن الحكم الفقهي فحاولنا إصلاح الأخطاء وإتمام النقص إذا لم يتجاوز كلمتين ليستقيم تطابق اللفظ والمعنى، ولم يكن ذلك بالأمر الهين. فالنسخ التي عرفنا بها سابقًا كلها نسخ حديثة وغير مقابلة.
وقد كثرت فيها التحريفات. وكنا نقف عند التأمل في بعض الفقرات وقتًا غير قليل نفترض الافتراضات التي يمكن أن يكون عليها الكلام عند المؤلف ليصح التعبير وينسجم، معرضين عما في التعبير من ضعف تارة، وذلك أن المازري ﵀ لم يعتن بكتابة نصه، وأرجح أنه كان يلقي دروسًا تدون عنه.
وفرق بين أن يوجه المؤلف عنايته للتحرير الكتابي، فيتخير الصيغ التي تكون أبلغ وضوحًا، وأفضل نسجًا، وأتم حبكًا، ويسود ويبيض. وبين أن يكون مربيًا لحاملي العلم عنه من الطلبة. يقتضيه تسلسل إبلاغ المفاهيم أن لا يتوقف للاختيار والتجويد. ولذا لا يجد الناظر في كلامه في شرح التلقين من جمال الأسلوب ما يجده مثلًا في شرحه لكتاب البرهان، وإن صرح أنه أملاه.
والمازري الرجل الذي يتميز بجودة قريحته وذكائه الحاد وذاكرته الوفية المسعفة، وسعة اطلاعه، وعنايته الشديدة بالضبط، تصور هذه الأجزاء الثلاثة تلكم الميزات تصويرًا معبرًا وشاهدًا ناطقًا بما رزقه الله من علم وحكمة. وهو يمثل عصره فلا يضجر المستفيد من هذه الأجزاء الثلاثة من كثرة تمثيله ومن عنايته بأحكام الرقيق، ذلك أن العبيد كانوا يمثلون وحدة من وحدات المجتمع، ويختصون بأحكام لا غنى عن بيانها. ومع ذلك فإنه يمكن أن يستفاد منها، فتطبق تلك الأحكام التي لا اختصاص لها بالإنسان، على ما يجري التعامل به في الحالات المشابهة.
وتمثل هذه الأجزاء الثلاثة ميدانًا لاشتغال طلبة العلم في الجامعات
стр. 1206
الإِسلامية. ذلك أني أعتقد أنه لا يوجد كتاب كشرح التلقين يربي طالب الفقه على التفقه في الدين، وربط العقل بالنقل، وعلى الالتزام بالحق وعدم التعصب للقائلين ولأصحاب المذاهب.
إنهم يجدون بين أيديهم النص وقد عملنا على إخراجه في سورة أقرب ما تكون للصحة. وتم تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب. وبقي مقابلته بما نقل عن المازري في شروح خليل وحواشيها، ومقابلة نقوله عن المدونة بما ورد فيها. والرجوع للتنبيهات للقاضي عياض. وقيل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
وإني في خاتمة هذه المقدمة أريد أنوه بِما ساعدني به العلامة النابه الدكتور إبراهيم شبوح، فبفضل عنايته وعونه حصلت على سورة من الأجزاء الأربعة لشرح التلقين من المكتبة الوطنية. وهي التي كان عليها معظم المعول في إخراج الكتاب.
كما أقدم شكري وتقديري لكل من ساعدني على إخراجه وتيسير وصوله بين أيدي من يرغب في الانتفاع به، فجازاهم الله عني خيرًا.
وختامًا أسأل الله العلي القدير، الرحيم الكريم، أن يتقبل عملي هذا وأن يكتب لي ثواب المخلصين، وأن ينفع به، ورجائي من كل منتفع به أن يترحم على الإمامين القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب وأبي عبد الله محمَّد المازري، وأن يذكرني، مع كل من أسهم في هذا العمل في دعائه،- هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات. اللهم صل وسلم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وكتب بمدينة تونس ليلة الجمعة ٢٨ ذو القعدة ١٤٢٦ - ٣٠ ديسمبر ٢٠٠٥.
محمَّد المختار السلامي
مفتي الجمهورية التونسية سابقًا
стр. 1207
صور من مخطوط المكتبة الوطنية القسم الأول رمزها -و-
стр. 1208
صور من مخطوط مكتبة المدينة القسم الأول رمزها -م-
стр. 1209
صور من مخطوط مكتبة ابن يوسف مراكش القسم الأول رمزها -ش-
стр. 1210
صور من مخطوط المكتبة الوطنية القسم الثاني رمزها -و-
стр. 1211
صور من مخطوط المدينة المنورة القسم الثاني رمزها -م-
стр. 1212
شرح التلقين
للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
٤٥٣ - ٣٥٦
١٠٦١ - ١١٤١
الجزءالثاني
المجلد الأول
تحقيق
سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي
مُفتي الجمهورية التونسيَّة
стр. 1213
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1214
كتاب السلم
стр. 1215
اعلم أنا جرينا في هذا الاملاء على الخروج عن نظم كتاب التلقين لسؤال الأصحاب في ذلك. وقد ذكرنا ما يتضمن كتاب السلم الأول من المدونة.
وتلطفنا بأن نورد كلام القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب ونشرحه ثم نضيف إليه ما يتعلق به. وربما أضفنا إلى هذا ما يتعلق بما تعلق به. وقد قدمنا في ذكره المنع من بيع الطّعام بالطعام إلى أجل ما يتعلق به من الذرائع أو ما هو ذريعة للذرائع.
وذكرنا هناك الأخذ عما في الذمة من الطعام طعامًا إذا كان السلم صحيحًا.
ولعلنا أن نلحق هناك (١) الأخذ عن الطعام طعامًا إذا كان السلم فاسدًا. فأجزناه لما توخيناه من الجري على مسائل المدونة ما أمكن. فاعلم أن السلم إذا كان صحيحًا وحلّ أجله وتراضى المتعاقدان أن يتعاوضا من الطعام الذي في الذمة بطعام آخر، وذكرنا الشروط التي تبيح ذلك فمنها أن لا يقعا في هذه المعاوضة في بيع الطعام قبل قبضه، وأن يكون المأخوذ عما في الذمة: يجوز أن يسلم فيه (٢) رأس المال. فإذا كان السلم في طعام عقد عقدًا فاسدًا فأراد أن يأخذ عن ذلك الطعام طعامًا، فإن الأصل في هذا أني لا يعتبر فيه تقدير بيع الطعام قبل قبضه كما اعتبر في السلم الصحيح؛ لأن من أسلم في حنطة سَلمًا فاسدًا يجب فسخه ثم تراضيا بأن يأخذ عن ذلك تمرًا فإن التمر ها هنا ليس بعوض عن الحنطة فيتصور فيه بيع الطعام قبل قبضه، لكون الذمة خالية من الحنطة لفساد
стр. 1216
العقد عليها، وإذا كانت خالية من الحنطة فالواجب رد رأس المال كما يحكم في البياعات الفاسدة، فإن التمر المأخوذ ها هنا عن رأس المال الذي هو دنانير ودراهم، وبيع الدنانير والدراهم قبل قبضها بتمر دين. هذا هو الأصل المعتمد عليه، وعليه وقع جواب ابن القاسم في المدونة من غير اشتراط وقوع حكم القاضي بالفسخ. وأجاز لمن أسلم في حنطة سلمًا فاسدًا أن يأخذ تمرًا. وهذا طرد مذهبه؛ لأن السلم إذا فسد عقده لم يستحق المسلم في ذمة المسلَم إليه سوى رأس ماله الذي دفع إليه. لكن أشهب التفت في هذا إلى اختلاف العلماء في هذا العقد الذي أفسدناه نحن وأمضاه غيرنا، فنهى عن أخذ التمر عن الحنطة حتى يقضي القاضي بفسخ العقد فيرتفع الخلاف. أو يكون الفساد مجمعًا عليه فيكون عُرُوُّ الذمة متفقًا عليه ولا مخالف فيه يمحسَّس إليه، وهذه مُراعاة منه لاختلاف العلماء، واحتياطًا من الوقوع في المحرم. لأنه إذا كان بعض العلماء يرى عقد هذا السلم صحيحًا وقد يرفع إلى قاضٍ يحكم بصحته، صارت المعاوضة عند هؤلاء كبيع الطعام قبل قبضه. ولكن أشار بعض الأشياخ إلى أن المتعاقدين لو وقعا في هذه المعاوضة ما أُحسِّن أن تفسخ عليهما مع كون هذه المعاوضة عندنا جائزة، ولا يحسن بالفقيه أْن يفسخ عقدًا وهو عنده جائز ماض لأجل أن غيره ذهب إلى فساده. لكن يحسن النهي عن الوقوع في هذا ابتداءً احتياطًا من الخلاف.
ومال بعض الأشياخ إلى أنهما لو حكّمًا رجلًا فحكم بالفسخ لحل ذلك محل حكم القاضي. وأشار أيضًا إلى أن أحدهما لو حكّم صاحبه فاجتهد فم بالفسخ أو اجتهدا جميعًا ففسخاه لأجزأهما ذلك.
وهذا الّذي قاله في حكم أحدهما أو حكمهما جميعًا فيه نظر؛ لأن الحاكم لا يحكم لنفسه. لكن الاختلاف في تراضيهما فالإشهاد على الفسخ هل يحل ذلك محل الحكم بالفسخ؟ مشهور بين أشهب وابن المواز (١) ومراعاة الخلاف
стр. 1217
وكون العقد الفاسد عقدًا يفتقر إلى حل، فيه اضطراب في المذهب سنتكلم عليه في كتاب البيع الفاسد إن شاء الله تعالى. فإذا راعينا الخلاف وجعلنا العقد الفاسد له شبهة العقود، افتقر إلى حله بقضية قاض. وإن لم يراع الخلاف ولا جعلنا العقد الفاسد عقدًا، فإنه لا يجب الافتقار إلى قضية قاض.
فإذا تقرر عندك هذا الاضطراب في افتقار العقد إلى حل إذا كان مختلفًا في فساده، فإنه إذا كان العقد مجتمعًا على فساده أو مختلفا لم فيه فقضى بنقضه قاض لم يختلف في ترك مراعاة بيع الطعام قبل قبضه، إذ لا طعام ها هنا في الذمة يباع قبل القبض. لكن لو أراد (١) بعد الحكم بالفسخ أن يأخذ مثل ما عقدا عليه من الطعام في المقدار والصفة، فإن ظاهر المذهب على قولين: أحدهما إجازة ذلك، لكون المأخوذ الآن إنما أخذ معاوضة عن دنانير، لا عن مثل ما كان في الذمة على اعتقادهما ومقتضى عقدهما. وإلى هذا ذهب ابن حبيب. وظاهر كلام ابن المواز المنع منه، لئلا يكون لم يقصد بهذه المعاوضة الثانية إلا إمضاء الأولى التي فسخت عليهما، فيكون الفسخ لم يفد، ومتى أبحنا له، وقد أسلم في مائة قفيز سمراء سلمًا فاسدًا ففسخ عليهما ووجب رد رأس المال أن يأخذ عنه مائة قفيز سمراء، فإنّ هذا الذي فعلاه صورة ما عقدا عليه والفسخ لم يفد شيئًا. وقد وقع لمالك ﵁ فيمن [قال من طعام أسلم فيه سلمًا صحيحاَ وأخّر المناجزة في رأس المال، أنّ الإقالة تفسخ لما دخلها وما تصور فيها من فسخ الدين. لكنه أباح لهما أن يرجعا إلى إقالة صحيحة يتناجزان فيهالأولم يتهمهما على إمضاء الإقاله الأولى التي فسخت عليهما ولم يقدر أنهما رجعا إليها. وهذا ينظر لأحد القولين في إجازة أخذ مثل الطعام سواءً بعد الحكم بفسخه. لكن الإقالة الأولى تصور فيها سورة التأخير وتقدير اتّهامهما على فسخ الدين في الدين، وهذه الثانية لم يتصور فيها ذلك لأنهما يتناجزان فيها. وهكذا وقع لابن القاسم فيمن قارض رجلًا بمائة على أن يحمل
стр. 1218
له مائة أخرى إلى بلدة أخرى، أن القراض فاسد ويقضي فيه، على أصله، بإجارة المثل، لأجل ما فيه من زيادة منفعة انفرد بها رب المال، وهي حمل المائة الأخرى. لكون ابن القاسم أجاز لهما أن يتراضيا على ما حصل من الربح. وهذا وإن وقع بعد معرفتهما بمقدار ما يجب للعامل من الإجارة وفسخ العقد بأنه. رجوع إلى ما فسخناه عليهما أولًا. وكذلك قال أشهب في غاصب غصب قمحًا جُزافُ اثم تراضيا على مكيلة معلومة بعد الحكم بالقيمة، أنّ ذلك جائز. ورأى أنّ الحكم بالقيمة يمنع من كون الطعام مأخوذًا عن الطعام الجزاف من غير قيمة وجبت فيه لم يجز (١) لجواز التفاضل بين الطعامين والشك في الوقوع فيه. وهكذأ قال فيمن صرف دنانير بدراهم فوجد الدناني رنا قصة حتى وجب الرد، فإنه لا بأس أن يصرفها منه، وإذا أبحنا له أن يصرفها بدراهم بعد أن نقضنا الصرف الأول لما فيه من النقصِ لم يمنع أيضًا أخذ مثل الطعام المسلم فيه بعد أن نقض العقد فيه. لكن إن كان المراد بهذا يصرفها صرفُ اثانيًا ليس مثلَ الأول فقد يباح هذا لأجل ما في العقد الثاني من المخالفة الأولى (٢). وهكذا اضطراب أصحابنا في جواز الأخذ عن القفح شعيرًا أو سُلْتا. فكان الشيخ أبو محمَّد اللؤلئي يرى أن ذلك مثل أخذ القمح بعينه الذي أسلم فيه، لكون الشعير والسلت في الزكاة والبيع حكمهما حكم القمح.
وذهب ابن أبي زمنين إلى أن ذلك ليس كأخذ المسلم فيه بعينه بعد الفسخ، لكون هذا المأخوذ ليس هو عين الأول الذي فسخ. وقد أجاز ابن حبيب أن يأخذ بعد الفسخ سمراء عن محمولة لما دخل في العقد الثاني من التغيير عن العقد الأول.
وإذا جاز أخذ السمراء عن المحمولة فَأَخْذُ السلت والشعير أولى بالجواز. لكن لو أخذ عن سمراء جيدة سمراء دنيّة، لكان هذا أقرب إلى الإشكال من أخذ الشعير والسلت.
стр. 1219
ومن الأشياخ من يراه كأَخْذِ الشيء بعينه لكون النوع واحدًا، وإنما اختلف بالجودة والدّناءة (١).
ومنهم من يشير إلى ارتفاع التهمة بالعودة إلى العقد الأول لأجل ما دخلَ في هذا من التغيير، وقد وقع في المدونة لفظان يشيران إلى ما قدمناه من الاختلاف في أخذ الشعير والسلت عن القمح. وذلك أنه قال في الباب: لا بأس أن يأخذ من الطعام ما شاء غير الحنطة التي أسلم فيها. والشعير والسلت لا يسميان حنطة.
فاقتضى ظاهر هذا اللفظ جواز أخذ الشعير عن القمح. وقال أيضًا في الباب بعينه: لا بأس أن يأخذ ما شاء من الطعام سوى الصنف الذي أسلم فيه.
والشعير والسلت يعدهما أهل المذهب مع القمح صنفًا واحدًا، لكن ربما كان دلالة قوله: غير الحنطة، على جواز أخذ الشعير أوضحَ من دلالة قوله: سوى الصنف الذي أسلم فيه؛ لأنه قد يريد بالصنف المثلَ. وأجاز أخذ القمح الدنيّ عن الجيد.
هذا حكم أحد الشروط التي ذكرنا اعتبارها في المعاوضة عن السلم الصحيح، ذكرنا إجراهما (٢) ها هنا في السلم الفاسد على حسب ما فصّلنا القول حيه. وأما الشرط (٣) الآخر وهو اعتبار أن يكون المأخوذ مما يجوز، أن يسلم فيه رأس المال، وإجراء هذا الشرط في السلم الفاسد مجراه في السلم الصحيح ... (٤) أجاز ابن حبيب في السلم الفاسد المحكوم بنسخه أن يأخذ دراهم عن رأس المال وهو دنانير رأى أن الحكم أوجب بطلان ما في الذمة من الطعام الذي فيه أسلم رآس المال، وأوجب الحكم كون رأس المال دينًا
стр. 1220
على المسلم إليه، فلا يمنع مستحقه من المصارفة فيه، ويبعد أن يعقدا عقدًا فاسدًا تحيلًا به على الرجوع إلى عقد فاسد آخر؛ لأنه لما سهل عليه الوقوع في الفساد في العقد الأول يسهل عليهما أن يجعلا هذا العقد الثاني الفاسد في أول أمرهما. وقد وقع في المستخرجة ما يدل على جواز أخذ الدراهم عن الدنانير إذا كانت رأس مال السلم الفاسد. وحاول الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب أن يضيف هذا المذهب إلى المدونة فقال: قد وقع في كتاب الصلح من المدونة، فيمن ابتاع عبدًا فاطلع فيه على عيب بعد أن فات في يديه وقد دفع ثمنه وهو دنانير، أنه يرجع بقيمة العيب من الدنانير التي دفع، ويجوز له أن يأخذ عما يجب له منها دراهم. ودافعه غيره من الأشياخ من تعلقه بهذا، بأن السلم الفاسد دخلا فيه مدخلًا واحدًا فتتطرق التهمة للمتعاقدين أنهما أرادا جميعًاا لتحيل على الصرف المستأخر، ومسألة العيب لا مدخل للمشتري فيها ولا سبب له فيه. ولا علم له به حين العقد وإنما العيب من جهة أحد المتعاقدين وهو البائع، فلا تتطرق التهمة بأنهما يتراضيان على التحيل على ما لا يجوز إلا فيما دخلا فيه مدخلًا واحدًا، وأمكن أن يشتركا في القصد إليه. فالعيب إذا لم يكن عند المشتري منه علم، ولا له فيه سبب، يستحيل أن يواطىء على التحيل به في أصل العقد لأن التحيل به إنما يكون بعد العلم به، ومن لا يعلم الشيء كيف يتحيل به؟. وقد وقع في الحاوي لأبي الفرج رواية عن مالك أنه أجاز لمن أسلم دنانير في عروض أن يأخذ من الدنانير دراهم. فإن جاز هذا في سلم صحيح تقايلا فيه، ففي الفاسد المحكوم بفسخه أحرى أن يجوز. لكن المعروف من المذهب أن التقايل تعتبر فيه التهم، ويمنع أن يأخذ عن رأس المال وَرِقًا لما وقع حل العقد باختيار منهما.
ولو انحل العقد بسبب لا مدخل فيه لواحد منهما، كاكتراء دار بدنانير فانهدمت الدار وجب (١) رد الدنانير، فإنه يجوز أن يأخذ عنها وَرِقًا، إذ لا سبب
стр. 1221
لواحد منهما في حل هذا العقد، فيتهمان على التحيل فيه على الصرف المستأخر.
وكذلك لو كان السلم في ثمار بعينها فاجتيحت على حسب ما تقدم بيانه في جائحة الثمار المسلم فيها، فجاز أن يأخذ عن رأس المال الذي هو ذهب ورقا، لمّا كانت الجائحة لا مدخل لواحد منهما فيها.
وكذلك الرد بالعيب به ألحق بهذا النوع لكون أحدهما، وهو البائع، انفرد بالسبب الموجب لحل العقد. والبيع الفاسد وقع فيه الاضطراب هل هو من هذا النوع لأجل أن القاضي فسخ العقد عليَهما بغير اختيارهما. وقد صورنا وجه بَعد التهمة عنهما في هذا. ويجري ذلك مجرى الإقالة التي فعلاها باختيارهما لما كانا مشتركين ها هنا في العقد الفاسد. وكذلك قال مالك، فيمن أسلم إلى صاحب حائط في ثمرة، فعدمت الثمرة، إنه لا بأس أن يأخذ عن رأس المال، وهو ذهب، ورقًا ورأى انقطاعها كالجائحة، وانهدام الدار. وإن أمكن أن يقدر ها هنا أنهما تعمدا التأخير في الاقتضاء حتى يذهب إبان الثمرة، تحيلًا منهما على الصرف المستأخر وهذه التهمة دعت ابن القإسم إلى أن قال، فيمن أسلم في ثمر حائط بعينه فانقطعت الثمرة بعد أن أخذ بعضها: إنه يأخذ بقية رأس ماله ما شاء، ما لم يأخذ أكثر من المكيلة التي عقد السلم عليها. واتهمهما على تعمد التأخير لأجل ما زاد على المكيلة التي استحق عليه.
فأنت ترى مراتب هذه المسائل في قوة التهمة وضعفها فاتضح فيما لا سبب لواحد منهما فيه كالجائحة وانهدام الدار بُعْدُ التهمة، فأجيز الأخذ عن الدنانير دراهم، واتضح في الإقالة في السلم الصحيح قوة تطرق التهمة، فمنع ذلك في المشهور المعروف من المذهب سوى ما حكيناه مما هو شاذ عن المعروف من المذهب. وتزاحمت الظنون في قوة التهمة وضعفها في السلم الفاسد فكان فيه من الاضطراب ما حكيناه. وعلى هذا جرى الأمر في انقطاع الثمرة على حسب ما حكيته أيضًا. فهذه النكتة التي تدور عليها مسائل هذا الباب.
стр. 1222
وقد ألحق في المدونة بهذا الباب مسألة من باع دارًا على أن ينفق مشتريها عليه حياته، فذكر أنّ هذا عقد فاسد لا يجوز، وأنه يجب فسخه ورد الدار لبائعها، ويرجع مشتريها عليه بقيمة ما أنفق عليه.
وإيراد هذا السؤ الذي هذا الباب قد يفتقر إلى اعتذار لكونه في الظاهر خارجًا عما ترجم الباب به. والعذر عن ذلك أنه قدر أن بائع الدار أسلمها في طعام يطعمه أجلًا مجهولًا، وهذا سلم فاسد، يجب فسبخه، ورد دار البائج عليه، ورد البائع على المشتري ما أنفق عليه. فلهذا أدخل هذا السؤال ها هنالأولا خفاء بفساد هذا العقد. لأن أمد حياة هذا البائع مجهول. فقد يحيى بعد العقد. يومًا وقد يحيى ألف يوم أو أكثر منها. وهذا اختلاف عظيم في مقدار الثمن لا يعلم ضبطه ولا حقيقته لا البائع ولا المشتري.
ولكن هذا مع وضوح فساده قد وقع لأشهب إمضاء هذا العقد، واختلف المتأخرون في العذر عنه، فقيل: إنما أجاز ذلك لأنه أعمر البائع أمرًا والنفقة في هذا الأمر في حكم المعلوم يطلب بها ذمة المشتري مات أو عاش. فصار العقد وقع على ثمن معلوم ..
وهذا العذر لو صورت المسألة عليه وأن بيع الدار وقع بثمن معلوم لا غرر فيه أصلًا لم يخالف ابن القاسم فيه أشهب. كما أن أشهب لو صورت المسألة عنده بانعقاد البيع على ثمن مجهول لم يمضه.
واعتذر بعض أشياخنا عنه بأنه قد يريد وقوع هذا العقد على جهة المكارمة، كما يفعل الأب مع ابنه، بأن يقول: أنفقْ عليَّ، وداري لك. والقصد ها هنا المكارمة من الأب لولده، ولم يقصد الأب وولده بمثل هذا العقد المعاوضة على جهة المكايسة والمتاجرة. فلهذا جاز.
والتأويل الأول هو أولى لكونه عامًا في سائر المتبايعين على تعمير يصير معه الثمن معلومًا. وأما فعل الآباء وأمثالهم مع بنيهم وأقاربهم فهذا يتسع القول فيه، ولا يكون الجواب عامًا في سائر الناس.
стр. 1223
وإذا أوجبنا للمشتري أن يرجع على البائع بما أنفق، فإنه إذا كان لا
تتحصل النفقة، مثل أن يكون مضافُ العياله أو ينفق عليه نفقة لا يتحصل مثلها،
فإن الواجب الرجوع بقيمة النفقة. ولو كان يدفع إليه طعامًا مكيلًا لكان الواجب
الرجوع بمثله سواء اشتراه دافعه أو أخرجه من عنده. بخلاف الكفيل إذا قضى الطعام عن الغريم فإنه إن دفعه من عنده رجع بمثله، وإن اشتراه رجع بمثل الثمن. لأن الكفيل إذا تكفل عن الغريم بإذنه فكأنه كالآمر له أن يُسْلِفَه ما يقضي به عنه دينه. فإذا اشترى طعامًا بثمن فقضاه عنه صار كأنه إنما أسلف للغريم الثمن الذي اشترى به عنه دينه. فإذا أشترى طعامًا بثمن فقفعاه عنه صار كأنه إنما أسلف للغريم الثمن الذي اشترى به وبيع (١) الدار ها هنا إنما له نفقة في ذمة مشتريها. فإذا وجب نقض ما كان بينهما رجع عليه بما أعطاه.
واختلف المتأخرون لو أنفق المشتري على البائع نفقة واسعة فيها زيادة عما يُقْضَى عليه به مما وقع في العقد عليه، هل يرجع بهذه الزيادة إذا وقع الفسخ لأنها هبة لأجل البيع، فيكون حكمها في الرد حكم الثمن، أَوْ لَا يرجع بها؛ لأنه متطوع بدفعها متبرع بإنفاق ما لا يلزمه إنفاقه على حكم ما عقداه، فقد سلّط دفع (٢) هذه الزيادة آكلها على أكلها وأذن له في ذلك من غير اشتراط عوض. ولعلنا أن نبسط الكلام على هذا الأصل فيمن أثاب من صدقة ظن أنه لا يلزمه الثواب عنها، فأكل هذا ما دفع إليه عوضا عن صدقته.
وأما كون مشتري الدار أحق بها إذا وقع الفلس ففيه الاختلاف الذي سيذكر في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.
بيع الجزاف
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀: وبيع الطعام وسائر المكيلات جزافًا جائز في الغرائر، وصَبَّا على الأرض.
стр. 1224
وكذلك سائر العروض المكيلة والموزونة كالجص والنَّوْرة والقطن وغير ذلك.
ولا يجوز فيما يعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر. ومِن شرْط جواز بيع الجزاف تساوي المتعاقدين في الجهل بمقداره، ولا يجوز مع علم بائعه، ويكون للمشتري الخيار. ولو دخل على الرضا بذلك لم يجز.
قال الشيخ ﵀: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، منها أن يقال:
١) ما معنى الجزاف؟
٢) وما الوجه في إجازة بيع الجزاف؟
٣) وما الجنس الذي يباع جزافًا؟
٤) وهل من شرط ما بيع جزافًا أن يكون مرئيًا؟
٥) وهل يشترط كون المتعاقدين متساويين في عدم العلم بمقدار المبيع؟
٦) وهل يجوز أن ينضاف إلى المبيع جزافًا مبيعًا (١) غيره؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: المجازفة لا تكون إلا من إثنين جزافًا (٢)، على أسلوب باب المفاعلة، كقولهم المقاتلة والمضاربة والمشاتمة والملاعنة، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده. فلهذا قلنا إذا علم أحد المتبايعين قيل الصبرة وجهلها الآخر، فإن البيع غير منعقد، كما سيرد بيانه، لكون المجازفة التي هي المفاعلة والمراد بها كونهما جميعًا يرجعان إلى حزر وتخمين، لم يحصل منهما جميعًا إذا علم قيل الصبرُ أحدهمالأولا يسمى جزافًا لعدم الكيل بل للجهل به. لأنهما لو علمًا جميعًا قيل الصبرة وتصادقا على البيع فيها على غير إحداث قيل بعد العقد، لم يكن هذا بيع جزاف. فثبت أن المراد بهذه اللفظة كونهما غير عالمين بالمبلغ يقينًا بل بالظن والتخمين.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد ورد الشرع بالنهي عن بيع الغرر. والمراد به كل ما كان فيه تغرير وخطر. لكن الشرع قد عما عن عقود فيها
стр. 1225
غَررٌ كما عما عن عقد إجارة الدار شهراً مع إمكان كون الشهر تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا، وعن الشرب من السفَّاء مع كون السقاء لا يقف على الحد الذي ينتهي إليه شارب الماء منه. ولم يعف عن بيع الطير في الهواء والسمك في الماء، وما ذاك إلا أن الغرر إذا كان يسيرًا غير مقصود فإنه يعفى عنه. وكذلك إذا كان القصد به الارتفاق ورفع المشاق فعفي عن ذكر الدار لأجل أن زيادة يوم على تسعة وعشرين يومًا أو عدمه لا يلتفت إليه المتعاقدان. وكذلك أجزنا بيع البرنامج لما في ذلك من الارتفاق ورفع المشاق بنشره وحله وطيه. وقد قال ابن الجهم من أصحابنا: لو قال له: بعني قطن جبتك أو جنين أمتك، لم يجز. ولو قال له: بعني الجبة بقطنها والأمة بجنينها لجاز ذلك. وأشار إلى ما قررناه من أن القصد التخاطر إذا عقدا البيع على أمر مغيّب كجنين الأمة وقطن الجبة. وإذا عقدا على الأمة نفسها والجبة بجملتها، صار المُغَتبُ من ذلك غير مقصود إلى التخاطر فيه، فجاز هذا العقد. وهكذا العقد على صبرة طعام عفي عن الغرر في العلم بمبلغها وسومح في الرجوع إلى الحزر والتخمين فيها لأجل أن العارفين بالحزر في هذا والتخمين يقل غلطهم فيه يكثر (١) مقدار ما بين غلطهم فيه إذا وقع الكيل، مع ما في ذلك من الارتفاق ورفع المشاق لتكلف الكيل وطلب المكيال، وهذا من طريق الاعتبار. وأمّا من جهة الآثار فقد خرج البخاري عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كان الناس يبتاعون الطعام على عهد رسول الله ﷺ جزافًا (٢). وخرج عنه أيضًا: كانت الصحابة يبتاعون الثمار جزافًا على عهد رسول الله ﷺ (٢)، وهذا وإن وردت الآثار بالجواز فيه مطلقًا، وإباحة العلماء من غير تقييد، فإنه يجب أن يشترط في ذلك كون المتعاقدين ممن لهما دربة في هذا الحزر والتخمين وشاهدا منه ما يقيسان عليه ما يتبايعانه جزافًا.
وأما إن كان المتعاقدان بعيدين من معرفة هذا ويقعان في الغلط الفاحش فيه
стр. 1226
الذي له مقدار كثير من الثمن والمثمون، فإنه لا يبيح لهما أن يتعاقدا بيعًا جزافًا، وهما يعلمان من أنفسهما أن غلطهما يتفاحش ويعظم حتى يقعا في الغرر والتخاطر.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: تحقيق مقادير المبيعات يكون بثلاث صور: أحدها الكيل والآخر الوزن والآخر العدد.
فأما المكيلات فالحنطة والشعير والقطاني وغيرها من ضروب المكيلات فإنه لا يختلف في جواز بيعها جزافًا على الجملة. وكذلك الموزونات أيضًا كاللحم وشبهه. وأما المعدودات فقد وقع في المذهب روايات تشير إلى الاضطراب في هذا. فوقع لمالك ﵁ في الموطأ أنه قال، في بيع الإبل والغنم والخيل والرقيق جزافًا: إن ذلك لا يجوز. ولا يجوز الجزاف فيما يعد عدًّا (١). وهذا الإطلاقال في وقع في الموطأ يقتضي ظاهره منع بيع المعدود جزافًا، بخلاف المكيل والموزون. وإن ترك على ظاهره كانت التفرقة بينه وبين المكيل والموزون أن المكيال والميزان التي لا يمكن العلم بالمبلغ في الحنطة واللحم إلا بحضورهما، وقد لا يوجدان أو يشق إحضارهما، فرخص في ذلك لأجل هذه المشقة. والعدد لا يفتقر فيه العاد إلى آلة قد يتعذر إحضارها. فلم يكن في تكليفه العدد مشقة. فلهذا عفي (٢) عنه. لكن الحذاق من المتأخرين يشيرون إلى أن قول مالك ﵁ هذا متأول فيما يكون المراد منه أعيان آحاده لا العلم بمبلغه. فلهذا مثل في الموطأ لما ذكر هذا بالإبل والغنم والخيل والرقيق. وهذه الأصناف التي ذكرها المراد أعيان آحادها والإحاطة بصفاتها، كل شيء منها على حياله، ليعلم بذلك قدر ثمن كل واحد على انفراده، فيحصل له من ذلك كونه غابنا أو مغبونا. فلو بيعت الجمال أو الجواري عددًا من غير اطلاع على صفات كل واحد منها على انفراده، لعظم في ذلك الغرر واتضح الخطر. فيحمل قول مالك: ولا يباع جزافًا ما يعد عذاة على هذه الأجناس
стр. 1227
المراوإلاطلاع على عين آحادها. وأمّا ما تتساوى آحاده والمراد منه معرفة المبلغ كالمراد من صبرة الحنطة معرفة مبلغها لا عين كل بُرَّةٍ منها، فإنه يجوز بيعه، وإن كان معدودًا، جزافًا، فإن اعترض هذا ما أشرنا إليه من التفرقة التي ذكرناها آنفُ ابين المعدود والمكيل قيل قد يكثر الشيء حتى يشق عدده كما يشق كيله ووزنه. وهكذا عند القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب هذا الباب لتمييز ما المراد منه أعيان آحاده؟ أو ما المراد منه معرفة مبلغه لا أعيان آحاده؟ لكن هذا الذي ذكرناه في المعدود يقتضي أنه لو كان قليلًا لا كلفة في عدده، والعادة أن يباع بالعدد لم يسامح ببيعه جزافًا. وقد قال مالك ﵁: لا بأس أن تباع العصافير والحيتان الصغار جزافًا. وأما الكبير منها فلا يباع جزافًا، وإنما يعد عددًا. وفي الموازية أنه إذا علم أحد المتعاقدين العدد فكتمه عن الآخر وتبايعا على الجزاف، أن ذلك عيب يوجب الرد. فأشار ها هنا إلى جواز بيع المعدود جزافًا. فتحمل هذه الروايات التي اختلفت ظوأهرها على ما قلناه من كون المعدود لا تُرادُ آحاده. فيجوز فيه الجزاف كالجوز والبيض، على حسب ما مثل به القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب المعدود الذي يجوز بيعه جزافًا.
لكن وقع في كتاب ابن حبيب جواز بيع الأترجّ والبطيخ جزافًا، وإن اختلفت أجرام آحاده في الكبر والصغر. وهذه الرواية لا تصح على ما أصلناه، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقديق باختلاف صغر البطيخ وكبره. وقد ذكرنا عن مالك أنه أجاز بيع العصافير جزافًا. لكن ابن القاسم تأوّل ذلك على أنها مذبوحة، وأما إن كانت حية فلا يجوز بيعها جزافًا لأنها يموج بعضها في بعض. وهذه إشارة إلى أن الحية لا يتأتى حزرها لما يحدث فيها من حركات وبسط أجنحة يستر بعضها بعضا. وهذا مسلم إن ثبت أن الحزر لا يوثق به فيما كان حيًا منها؛ لأنا شرطنا في جواز بيع الجزاف أن يكون مما لا يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فقدر ابن القاسم أن الحي من العصافير يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فلهذا منعه.
стр. 1228
ومن هذا الأسلوب بيع الذهب والفضة جزافًا. فأمّا ما كان منها تبرًا أو مصوغًا فإن بيعه عندنا جزافا غير ممنوع، ولو كان العلي محش وَا لم يمنع ذلك من بيعه جزافًا إذا اختبر مقدار الحشو من الساتر من ذهب أو فضة، بأن يعلم غلظ هذا الساتر من الذهب أو الفضة فيمكن حزره. وإذا لم يعلم مقدار غلظه من رقته لم يمكنه أن يحزر وزنه حزرًا موثوقًا به. وأما إن كان الذهب أو الفضة مسكوكين دنانير أو دراهم، فإنه في المدونة لم يُجز بيع ذلك جزافًا. واختلف البغداديون في هذا المنع هل هو منع كراهة أو منع تحريم؟ فقال ابن القصار: إنّه منع كراهة. وأشار إلى هذا محمَّد بن عبد الحكم في قوله: لم أر أحدًا من أصحابنا يجترىء على فسخ بيع الدنانير والدراهم جزافًا. وذهب أبو بكر الأبهري وأبو محمَّد عبد الوهاب إلى حمل هذا المنع على التحريم. فمقتضى مذهب ابن القصّار لا يفسخ البيع لكونه مكروهًا لا محرمًا. ومقتضى قول الأبهري وأبي محمَّد عبد الوهاب الفسخ، إذا لم يراعيا الخلاف في هذا.
واختلف أيضًا في تعليل منع هذا، فأشار محمَّد بن مسلمة إلى أن الجزاف إنما جاز لكون الغلط فيه إنما يقع بيسير محتقر يزيد ذلك على حزر الحازر العارف أو ينقص. واليسير من الذهب والفضة له مقدار، وتشح النفوس عليه ما لا تشح على اليسير من غيره .. فلهذا منع بيع الدنانير والدراهم جزافًا. وهذا الذي قاله، وإن كان يستمر على القاعدة التي قدمناها في اعتبار كون الغرر مقصودًا أو غير مقصود، فإنه ينتقض على أصل المذهب لإجازة أهل المذهب بيع التبر والذهب والفضة المصوغين جزافًا. ويتصور من نفاسة مقدار الغلط فيها ما يتصور في الذهب والفضة المسكوكين وكذلك اللؤلؤ يتصور من نفاسة الغلط بقليله ما يتصور في الدنانير والدراهم المسكوكين.
وهذا في لؤلؤ تتسَاوى آحاده، والقصد فيه مبلغه لا الاطلاع على كل واحدة على حيالها، فإن بيع ذلك لا يجوز عندي جزافًا، وهو كبيع الرقيق والخيل.
وذكر القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ها هنا المنع من بيع الجوهر جزافًا
стр. 1229
ولم يفصّل بين كبيرها وصغيرها. والمرجع في هذا إلى العادة فيما المقصود آحاده، أو المقصود مبلغه.
وعلل المنع من هذا الشيخ أبو بكر الأبهري والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بأن الدنانير والدراهم ما خفّ منهما أنفقُ مما ثقل. فصار الغرر فيها إذا بيعت جزافًا من وجهين: الجهلَ بمقدار الخفيف منها من الثقيل، والجهلَ بالمبلغ. والغررُ إذا صار من جهتين صار مقصودًا.
والقمح واللحم إنما المقصود فيهما العلم بمبلغ قيل القمح ووزن اللحم،
فصار الغرر من جهة واحدة فخف وأجيز.
والحق أن هذا التعليل الذي وقع للأبهري إنما ذكره في بيع الدنانير والدراهم المعدودة. هكذا قال محمَّد بن عبد الحكم في المختصر. ولما شرح الأبهري كلامه في هذا أشار إلى ما قلناه من التعليل. وهكذا في الموطّأ قال مالك ﵁: لا تباع الدنانير والدراهم المعدودة جزافًا، والعدول إلى الجزاف فيها غرر (١). فقيد المنع يكون الدنانير والدراهم معدودة، كما ذكر ابن عبد الحكم في المختصر. وقد كنا نحن قدمنا ما وقع لمالك ﵁ في الموطأ من بيع المعدود جزافًا ونقلنا فيما تقدم كلامه في هذا، وتأولناه بأن المراد به ما كان من المعدود يُقصد منه إلى الاطلاع على عين آحاده دون ما كان يقصد منه الاطلاع على المبلغ خاصة. وذكرنا أنه إن تُرك قول مالك هذا على ظاهره عمومًا في كل معدود، فإنما ذلك لكون المكيل والموزون قد يتعذّر عن بيعهما وجود المكيال والميزان" والعدد لا يتعذر لأنه علم لا يفارق المتعاقدين ولا يستعينان فيه بآلة كالمكيال والميزان.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الجزاف يجوز العقد عليه سواء كان المبيع موضوعًا على الأرض أو
стр. 1230
موضوعًا في ظرف. فالقمح والتمر يجوز العقد عليهما (١) وإن كانت الصبرة المصبرة من كل واحد منهما موضوعة على الأرض يحيط البصر بجميع جوانبها.
وكذلك يجوز بيعهما ولو كانا في غرارة أو شبهها؛ لأن المعتمد في هذا على الحزر الذي يحرره العارف. ولا تختلف معرفة العارف بهذا يكون القمح موضوعًا في الأرض أو في غرارة أو في جَفنةٍ. لكن ابن المواز لما أجاز هذه، قال: لو عقد البيع على أن يملأ له غرارة فارغة قمحًا موصوفًا أو مشاهدًا ما جاز ذلك. وكذلك قال في الزيت: إنه يجوز بيع قارورة منه مملوءة زيتًا يعقد البيع على زيتهالأولو كانت فارغة ما جاز له أن يشتري ملأها من الزيت. وكذلك لو اشتراها مملوءة جزافًا ما جاز له أن يعقد على ملئها ثانية.
وهذا قد يهجس في النفس استبعاد الفرق بين ما أجاز وما منع. إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو حزره لمقدار ملئهلالكن قصارى ما يفرق بينهما (٢) به، أن المقصود تغير أحكام العقود على حسب ما قدمناه مرارًا. وإذا كانت القارورة مملوءة زيتًا والغرارة مملوءة قمحًا، صار المبيع جزافًا مرئيًا مشاهدًا. فالقصد العقد على مرئي مشاهد فتطلب معرفة مبلغه بالحزر والتخمين حتى إذا كانت القارورة فارغة فالمشترَى جزافا غير مرئي ولا مشاهد، فالقصد العقد على قمح مكيل بمكيال غير معلوم مقداره في المكيال الذي اعتادا به التبايع. فصار ها هنا القصد إلى التغارر لكون المبيع غير مرئي ولا مشاهد، حتى إذا كان مشاهدًا مرئيًا صار العقد على ما شاهد ورأى، لا العقد بمكيال مجهول. لكنه استثنى في المدونة، لما منع البيع بمكيال مجهول، بمكيال غير معروف من الأعراب لكون المكيال عندهم يتعذر وجوده، فعفي عن ذلك للارتفاق ورفع المشاق، مع كون هذا مجهولًا في نفسه.
واختلف المذهب لو وقع التبايع بمكيال مجهول المقدار، هل يفسخ البيع