بين العمودين. فإن اقتصر على أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل من التربيع. وقال ابن حنبل التربيع أفضل. وقال الحسن والنخعي والثوري. وأبو حنيفة يكره العمل بين العمودين. وذكر ابن حبيب أن .... (١) قال أحسن من يحمل الجنازة الذي يمشي بين عمودي النعش. والذي يقول استغفروا له غفر الله لكم. والذي يقول ارفقوا على نسائكم والذي يمسك النعش من خلفه. وقال مطرت وابن الماجشون أما الذي يمشي بين يدي عمودي السرير فلا بأس به للغريب والخاص. ويكره للعامة. واحتجا يحمل سعد جنازة ابن عوف ﵄ بين العمودين، وعثمان وزيد بن ثابت لأمهما وعمر لأسيد وابن عمر لأبي هريرة ﵃ أجمعين. وأما الذي خلف النعش، فإن كان من أهل الميت واحد الأربعة الراتبين (٢) تحت النعش فذلك له وإلا فلا.
والدليل على أن العمل بين العمودين لا يكره أن النبي ﷺ حمل في جنازة سعد بن معاذ بين العمودين وحمل عثمان ﵁ سرير أمه بين العمودين.
وكذلك فعل أبو هريرة بسرير سعد. وسعد بن أبي وقاص بسرير عبد الرحمن بن عوف. وهذا يقتضي الجواز. ورأت الشافعية حجة في الفضل.
واحتج المخالفون بقول ابن مسعود إن أَتبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع وليطوع بعد أو ليذر فإنه من السنّة. وأجيب عن هذا بان المراد به. .. (٣) الإخبار بجوازه لا كراهة ما سواه. ورآه ابن حنبل حجة في فضل التربيع. كما ذكرناه عنه.
وما ذكرناه عن مطرت وابن حبيبَ من التفرقة بين العامة والخاصة إن أراد به العمل. فهو خلاف ظاهر ما حكيناه عن مالك.
فإذا وضح ما ذكرنا في صفة العمل. فقد اختلف قول مالك فيمن ليس على وضوء يحمل الجنازة. فقال ابن القاسم كره له أن يحمل الجنازة لينصرف
стр. 1157
إذا بلغت. ولم ير به في رواية أشهب بأسًا. قال أشهب:
وحمل جنازة الصبي على الأيدي أحب إليّ من الدابة والنعش. فإن حمل على الدابة لم أرَ به بأسًا.
وكره مالك التحسر على الجنازة. وقال أيضًا ليس العمل على نزع الأردية في الجنازة. قال ابن حبيب: وقد استخف ذلك للغريب الخاص. وقد يفعل في العالم والفاضل الخاص من أصحابه. وقد رُؤي عبد الله بن عون في جنازة محمَّد بن سيرين في قميص. وتحسر مصعب وهو أمين في جنازة الأحنف.
وأما صفة المماشاة في الجنازة فإنه قد كره الصحابة أن يتبع الميت بمجمرة. قال ابن حبيب إنما كره ذلك لئلا يكون تفاؤلًا بالنار.
وقال ويكره الإنذار بالجنازة إذا كان من يقوم بالحمل والدفن. ونهى عنه ابن مسعود. فأما خواص أهل الرجل ومن يحزنهم أمره فليؤذنهم. وإنما يكره إنذار العامة. وفي العتبية كره مالك أن يؤذن بالجنازة على أبواب الجنازة أو يصاح خلفه أو يستغفر له. واستحب أن يؤذن بها في الحلق من غير رفع صوت.
وقيل له في أهل البادية يبعثون إلى أهل المحال حولهم ينذرونهم بجنازتهم. قال إنه ليفعل ذلك في البادية والحاضرة ما لم يكن بعيدًا. وأما ما يقرب من إنذار الجيران ومن لعله أن يعزيه فلا بأس به.
وسمع ابن جبير قائلًا يقول استغفروا له. فقال لا غفر الله لك.
ولا يمشي بالجنازة الهوينا. ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته. قال
النخعي كانوا يقولون انشطوا بها ولا تدبوا بها دبيب اليهود.
قال مالك ... (١) الناس الازدحام على حمل جنازة الصالح. ولقد انكسرت تحت سالم بن عبد الله نعشان وتحت عائشة ثلاثة وذلك حسن ما لم يكن فيه أذى. ويكره أن يسار راكبًا تقدم عنها أو تأخر عنها. قال النخعي كانوا يكرهونه. قال ابن حبيب لا بأس أن يرجع راكبًا بعد الدفن. وقال ابن عباس إن سايرها راكبًا تقدمها أو تأخر عنها. قال النخعي كانوا يكرهونه. قال ابن حبيب
стр. 1158
لا بأس أن يرجع راكبًا بعد الدفن. وقال ابن عباس الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله. قال الشعبي هذا يدل على أنه لا ثواب له. وقال عبد الله بن رباح الأنصاري للماشي خلف الجنازة قيراطان وللراكب قيراط. وقد احتج الناس على هؤلاء بأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء (١). ففرق بينهما في السير ولم يفرق بينهما في الثواب. وهذا الحديث إن احتججنا به فقد سلمنا للثوري ما حكيناه عنه إلا أن يخرج عن هذا الحديث بدليل آخر. وأما المتقدم أمام الجنازة والتأخر عنها. فاختلف الناس فيه. فعندنا أن المشي أمامها للرجال أفضل إذا لم يكونوا ركبانًا، وبه قال الشافعي وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم. وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق المشي خلف الجنازة أفضل. وقال الثوري الراكب خلفها والماشي حيث شاء. وقال أنس بن مالك أنتم متّبعون فكونوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. وروي ذلك عن ابن جبير. وهو قول معاوية بن قرة.
فدليلنا على أن المتقدم أفضل أنه مذهب جماعة من الصحابة. وذكر مالك في موطئه عن ابن شهاب أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يمشون أمام الجنازة (٢).
وهذا الحديث وإن أرسله مالك فقد أسنده سفيان. ورواه ابن شهاب عن سالم عن أبيه. وذكر أبو داود هذا الحديث في سننه فزاد فيه ويقولون هو أفضل. وهذه الزيادة تمنع حمل ذلك على الإباحة مع أن قوله كانوا يشعر بالمداومة ولا يداومون إلا على الأفضل. والاعتماد على هذا أولى من قول بعض المتأخرين من أصحابنا: إن الإجماع على أن المشي أمامها ليس بمباح يمنع من حمل الخبر على الإباحة. لأنا قدمنا من قول أنس والثوري وابن جبير وابن قرة يقتضي الإباحة ظاهره. فلهذا أثرنا الاعتماد على ما زاده أبو داود. وعلى ما تشعر به المداومة. واحتج المخالف بقول أبي سعيد الخدري سالت عليّا فقلت
стр. 1159
أخبرني عن المشي مع الجنازة يا أبا الحسن. فقال فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع (١). فقلت أتقول هذا برأيك أم سمعته من النبي ﷺ . قال بل سمعته من رسول الله ﷺ . وأجيب بأن الحديث غير ثابت أو محمول على أن تقدمها إلى موضع الدفن أو بقدر ما لا يكون مصاحبًا لها أيضًا. وكذلك أيضًا أجيب عن تعلقهم بقوله ﷺ الجنازة متبوعة ليست متابعة (٢) بأنه لم يثبت. وقد قال فيه أبو داود أنه لا يصح. فإن قالوا المشي خلفها أشد اعتبارًا لبصره والمشي أمامها تنبيه لمن يقرون عليه. مع أنهم شفعاء والشفيع يتقدم.
وفيه أيضًا مسارعة إلى الخير. وأما الراكب فإنه يتأخر عندنا خلفها. وقالت الشافعية وترك الركوب أولى. فإن ركب كان أمام الجنازة.
واحتجوا بأن عمر ربي على بغل أمام الجنازة.
قال ابن شعبان: المشاة أمامها والركبان من خلفها والنساء من وراء ذلك.
ولا بأس أن يشهدنها ما لم يكثرن التردد. ولا توضع على الرقاب حتى يتكامل من يشيّعها. وقال أيضًا في مختصره لا بأس بشهود النساء الجنائز ما لم يكثرن ركبانًا أو مشاة وقد كنّ يخرجن في حوائجهن يريد على عهد النبي ﷺ وبعده. وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵁ تخرج تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك. وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله ونحو هذا في العتبية ولم يشترط الإكثار. إلا أنه قال ما أرى بأسًا في الأمر المستنكر. وقيل يكره خروجهن ولو على الخاص من قرابتهن. وينبغي للإمام منعهن من ذلك. وقيل يجوز خروجهن على مثل الزوج والأخ وشبههما. وبكراهة خروجهن. قال ابن عمر وابن مسعود وعائشة. وقد قالت أم عطية نهينا أن نتبع الجنائز ولم يعزم
стр. 1160
علينا (١). وهذا الذي قلناه في الشواب منهن. وأما المتجالات فلا معنى لمنعهن.
ولا بأس أن يجلس الماشي قبل أن توضع الجنازة ولا ينزل الراكب حتى توضمع. وقال مالك لا يكون. ........ (٢) الجنازة في أعقاب النساء لأن حامليها خلفهم رجال. وقال مالك لا ينصرف في الصلاة عليها إلا لحاجة أو لعلية. قال ابن القاسم ذلك واسع لحاجة أو لغير حاجة وليست بفريضة. قال الشيخ أبو محمَّد فريضة تتعين عليه. قال ابن حبيب لا بأس أن يمشي مع الجنازة ما أحب وينصرف إن شاء قبل أن يصلي عليها. وقاله جابر بن عبد الله.
والمشهور من مذاهب العلماء أن من مرت به الجنازة لم يؤمر بالقيام إليها. وروي عن ابن مسعود البدري وأبي سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله وجوب القيام إليها. قال ابن حنبل إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس. وتعلق المخالفون بأنه ﷺ قال: إذا رأيتم الجنازة فقدموا ومن تبعها فلا يقعد حتى توضع (٣). وأجيبوا عن هذا بأنه منسوخ وسنذكر ناسخه إذا تكلمنا على الجلوس عند الإقبار إن شاء الله.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والصلاة على الجنازة جائزة (٤) في كل الأوقات وبعد العصر ما لم تصفر الشمس. ولا تصلّى عند طلوع الشمس ولا غروبها إلا أن يخشى (٥) تغيّرها.
قال الفقيه الإِمام: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: وهما أن يقال:
١ - لِمَ كره الصلاة في الوقت الذي ذكر؟.
٢ - وإذا حضرت المكتوبة والجنازة ما الذي يقدّم منهما؟.
стр. 1161
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: تجوز الصلاة على الجنازة ليلًا ونهارًا إلا في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. فإن فيها اختلافًا: هل يستثنى من ذلك الجواز أم لا؟ فأطلق أبو مصعب الجواز ولم يستثن. وقال تجوز الصلاة على الجنازة في الساعات كلها: وبه قال الشافعي. وقد روي أن أبا هريرة ﵁ صلى على جنازة والشمس على أطراف الجدران. وقد صلّى على عقيل بن أبي طالب ﵁ عند الاصفرار. وهذا المذهب يظهر مع القول بوجوب صلاة الجنازة. والظاهر من المذهب استثناء أوقات. ولكن اختلف المستثنون. فاستثنى مالك في المدونة ما بعد العصر إذا اصفرت الشمس إلى أن تغرب وما بعد الصبح إلى أن تطلع. واستثنى ابن الجلاب حين الغروب والطلوع فأجازها في كل وقت إلا عند طلوع الشمس وغروبها. وفي المختصر لا يصلي عليها عندما تهم الشمس أن تطلع وعندما تهم أن تغرب ويصفر أثرها بالأرض إلا أن يخاف عليها التغيير. واستثني أبو حنيفة والثوري والحسن الطلوع وعند الاستواء وعند اصفرار الشمس. وسبب الاختلاف ما بسطناه في كتاب الصلاة لما تكلمنا هنالك على إيقاع الصلوات في هذه الأوقات. ومما يختص بهذا الموضع حجة لأبي حنيفة. حديث عقبة بن عامر. قال ثلاث ساعات نهى رسول الله ﷺ أن يصلى فيهن وأن يقبر فيهن ميت. وذكر حين الطلوع حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تضيف الشمس للغروب (١). خرجه مسلم. قال بعضهم فإذا نهانا أن تفسير في هذه الأوقات فالصلاة أولى بالنهي مع عموم الحديث فإنه نهى أن يصلي فيهن وأطلق. قال أشهب: لا أكراه الصلاة عليها نصف النهار كما لا أكره التنفل حينئذ ولم يثبت النهي عن الصلاة حينئذ. وثبت النهي عند الطلوع وعند الغروب.
وأما استثناؤه مخافة التغيّر لأن ذلك ضرورة تقضي الدفن من غير صلاة.
والصلاة حينئذ أولى. قال مالك في المختصر: وفي سماع ابن وهب لا يُصلي عليها عند الغروب فإن صلّى عليها من غير مخافة التغير عند الطلوع أو عند الغروب فقال أشهب: لا إعادة عليهم. قال ابن القاسم: إذا دفنت فلا يعيدوا.
стр. 1162
وقد أرخص مالك أن يصلي عليها في هذه الأوقات إن خيف عليها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا حضرت الصلاة المكتوبة وصلاة الجنازة فأما صلاة المغرب فقال مالك: تقدمة صلاة المغرب أصوب فإن قدموها على المغرب فلا بأس. وأما إن كانت الصلاة الظهر أو العشاء فليبدؤوا بما شاؤوا لكون وقت هاتين الصلاتين واسعًا. فإذا لم يخرج وقت الاختيار فيهما فلا معنى للنهي عن تقدمة الجنازة. وأما إذا حضرت الجنازة، والصلاة الصبح أو العصر فليبدؤوا بها قبل الصبح والعصر, لأن التنفل بعدهما مكروه، وهذا كله مع تساوي الأحوال. فأما إن خيف ذوات وقت الصلاة المكتوبة فإنها تُقدم. وكذلك تقدم الجنازة إذا خيف فسادها في الموضع الذي خيّرنا بين تقدمتها وتقدمة المكتوبة، وجعلنا تقدمة كل واحدة على صاحبتها جائزة لأن الضرورة ها هنا تقتضي تقدمة الجنازة. ولا مانع يمنع من تقدمتها.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ولا تترك الصلاة على مسلم إلا أن أهل الفضل يجتنبون (١) الصلاة على المبتدعة والبغاة. ويجتنب الإِمام خاصة (٢) الصلاة على من قتله في حد.
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة ما قال أن المسلم لا تترك الصلاة عليه؟.
٢ - ولمَ تجتنب على المبتدعة والبغاة؟.
٣ - ولمَ لا يصلي الإِمام على من قتله في حد؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الدليل على الصلاة على كل مسلم فقد ذكر ابن شعبان في مختصره بسنده عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من قال لا إله إلا الله (٣). وذكر
стр. 1163
أيضًا بسنده عن الحسن بن أبي الحسن أن النبي ﷺ قال: من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فصل عليه واستغفر له وحسابه على الله. وقد قيل لعطاء امرأة زنت فحملت ثم استسقطت فماتت. ورجل شرب خمرًا فغرق فمات. أيصلي عليهما؟ قال نعم قلت لِمَ ولمْ يستحدثا توبة؟ قال: أذ إليهما حقهما بشهادة أن لا إله إلا الله وحسابهما على الله. وفي المجموعة عن مالك يصلّى على كل مسلم، ولا يخرجه من حق الإِسلام حدث أحدثه ولا جُرْم أجرمه. قال ابن حبيب ويصلّى على كل موحّد وإن أسرف على نفسه بالكبائر. وروى أن النبي ﷺ صلى على امرأة ماتت من النفاس من الزنا (١) وفعله ابن عمر. وقال ابن حبيب وإنما يشفع للمسيء. قال ابن سيرين ما حزم الله سبحانه على أحد من أهل القبلة إلا ثمانية عشر رجلًا من المنافقين. قال ابن حبيب وإنما ذلك ليعلم أن الصلاة عليهم لا تترك لجرمهم. وذكر ابن شعبان في مختصره أنه لا يصلي على من يذكر بالفسق والشرّ. وإنما يرغب في الصلاة على من يذكر بخير.
وروى بعض المدنيين عنه أنه قال من ترك الجمعة لم أرغب في الصلاة عليه إذا مات. وقد قال بالمذكور في مختصر عبد الله، لا تترك الصلاة على أحد من المصلين للقِبلة. وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي. وهذا الذي قاله ابن شعبان عن مالك من النهي عن الصلاة على من يذكر بالفسوق والشر، ظاهر إطلاقه خلاف ما حكيناه من مذاهب الأئمة من الصلاة على كل مسلم. وإن كان المراد بهذه الرواية نهي الإنسان عن الرغبة في الصلاة على مثل هؤلاء إذا قام بفرض الصلاة عليهم غيره، فذلك غير خارج عن أصل المذهب. وقد روى ابن وهب عن مالك في الميت يكون معروفًا بالفسق والشر قال لا تُصل عليه واتركه لغيرك. قال وإنما يرغب في الصلاة على الرجل الذي يذكر عنه الخير. فعلى هذا يجب أن يحمل ما حكيناه عن ابن شعبان. ألا ترى قوله وإنما يرغب في الصلاة على من يذكر فيه خير. وهذه إشارة إلى مطابقة رواية ابن وهب. وأما إن
стр. 1164
كان المراد بهذه الرواية نهي الكل عن الصلاة على هؤلاء فهذا خلاف مذاهب الأئمة فلا تحمل هذه الرواية عليه، وإن كان ابن شعبان قد روى في مختصره عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: من مات وعنده جارية مغنيّة فلا تصلوا عليه (١). وظاهر هذا الحديث إطلاق الرواية التي حسماها ابن شعبان عن مالك في أنه لا يصلي على من يذكر بالفسق والشرّ. ولكن الحديث يحتمل من التأويل ما تأولنا عليه الرواية.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما المبتدعة كالمعتزلة والخوارج. فالخلاف بين أهل الأصول في تكفيرهم مشهور. واختلف فيه قول القاضي ابن الطيب وقد قدمنا في كتاب الصلاة الخلاف في تكفيرهم فلا معنى لإعادته. فإذا قلنا بتكفيرهم فلا شك في منع الصلاة عليهم. وإذا قلنا بفسقهم لا بكفرهم جرى الأمر في الصلاة عليهم على ما قدمناه من الصلاة على أهل الشرِّ. بل هؤلاء أشد للاختلاف في كفرهم، والاتفاق على إيمان أولىك. وإذا فسقوا بمذهبهم ولم يكفروا حسن ما قاله القاضي من اجتناب أهل الفضل الصلاة عليهم وحسن أن لا يرغب المصلي في الصلاة عليهم إذا أمكنه ترك الصلاة عليهم لغيره. وقال مالك في المدونة في القدرية والإباضية لا يصلي على موتاهم ولا تُعاد مرضاهم.
وذكر سحنون أن ترك الصلاة على جهة الأدب لهم، وإذا خيف أن يضيّعوا غُسّلوا وصُلى عليهم. وهذه الطريقة سلكها القاضي ها هنا. وأما إن تُرك قول مالك في المدونة على ظاهرة أفاده تكفيرهم. وغير بعيد إجراؤه على ظاهره.
فقد قال مالك في مختصر ابن شعبان فيمن يقول: القرآن مخلوق هو كافر. وقال في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا يزوجّه. قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (٢). وهذا يطابق إطلاق قوله في المدونة.
ولكنه قال أيضًا فيمن قال بخلق القرآن يضرب ويسجن حتى يموت. القاسم في طائفتين من الخوارج الحروريْة والقدرية يقع بينهم قتل فعلى من قرب منهم أن
стр. 1165
يواريهم ويغسلهم ويصلي عليهم وذلك استحسان، وليس بواجب. وكأن هذه الطريقة طريقة من تردّد بين المذهبين، فلم يحزم الصلاة ولم يُوجبها ولكنه استحسنها. وقد يعتضد من منع الصلاة عليهم بناء على تكفيرهم بظواهر السمع.
فروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: القدرية مجوس هذه الأمة. فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم (١). وذكر لابن عمر الذين يكذّبون بالقدر فقال ابن عمر: أنا منهم بريء فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلّوا على موتاهم. وأما الصلاة على البغاة فاختلف الناس فيها. فعندنا وعند الشافعية أن أهل العدل إذا قتلوا أهل البغي فان أهل البغي يغسلون ويصلّى عليهم. وقال أبو حنيفة لا يغسلون ولا يصلّي عليهم. ولنا ما قدمناه من قوله ﷺ : صلّوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله (٢). وأما أبو حنيفة فيقيسهم على الكفار لعلة أنهم باينوا أهل الحق حربًا ودارًا ولا يسلّم له ما قال. وليست العلّة البينونة بالدار والحرب. وإنما العلة الكفر. ويستدل أيضًا بقوله تعالى في المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). ومن أخبر الباري تعالى بخزيه فلا يكّرم بالصلاة عليهم. وغيرهم من أصحاب الكبائر لم يخبر بخزيهم فلا تمنع الصلاة عليهم. ولا يسلّم لهم هذا الاستدلال لأن المقصد بالآية الزجر والردع. والصلاة على الميت سؤال في الرحمة والغفران له، وبالإِسلام تُمكن الرحمة والمغفرة. وهذا مسلم، وهو أولى السؤال (٤) في المغفرة والرحمة أحوج من غيره. ويستدل أيضًا بترك علي ﵁ الصلاة على أهل صفيق. وهذا لا يسلم له لمخالفة من رأى رأية
стр. 1166
في الحرب في ذلك. وقد ترك الصلاة على من قتل معه. وسنتكلم على حكم من قتل من أهل العدل. وكذلك عندنا ميتّان اقتتلا ظلمًا فإنه يصلّى على جميعهم. قال ابن القاسم في قوم ثاروا على خارجي فقُتل أصحاب الخارجي والقائمون عليهم وليس فيهم من أراد نصرة في دين وإنما طلبوا الدنيا، أو فئتين من المسلمين يقع بينهم قتال فإنهم يغسلون ويُصلى عليهم، الظالم منهم والمظلوم، ويدفنون. وليفعل ذلك بهم الإِمام، ولا يكره عليه أحد. ومن قتل نفسه غسل وصلّي عليه خلافًا للأوزاعي لقوله: لا يغسل ولا يصلّى عليه. ركره عمر بن عبد العزيز الصلاة عليه. ولنا قوله ﷺ : صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وعلى من قال لا إله إلا الله (١). وبهذا الحديث أيضًا نردّ على الزهري في قوله أن المرجوم لا يغسل ولا يُصلي عليه. وبأن النبي ﷺ على الغامدية. فقال له عمر ﵁ تصلي عليها فقال: نعم لقد ثابت توبة لو قُسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم (٢). ولا معنى لقول قتادة أن ولد الزنا لا يغسل ولا يُصلى عليه. لأن ما قدمناه من عمومات الظواهر حجة عليه، ولأنه كسائر المسلمين ولا ذنب له بزنا أمّه. وهذا حكم الصلاة على سائر المسلمين وعلى أهل الكبائر منهم وأهل البدع فيهم. أما من يشك في مذهبه - فذكر ابن حبيب في غريب طرأ إلى بلد ولا يعرف مذهبه أنه لا يُصلى عليه إذا كان بالموضع مسلمون ونصارى لا يغسل ولا يوارى (٣) ولا يُستقبل به قبلتنا ولا قبلة غيرنا إلا أن يوجد بمدينة النبي ﷺ . ... (٤) بهيئة المسلمين فليدفن مع المسلمين لأنه لا يكون بها غير مسلم. فرأى ابن حبيب أن الشك في الاعتقاد لا يمنع الصلاة على من يكون ظاهرًا يغلب على الظن منه الإِسلام. فالختان لا دلالة فيه لاشتراكه. ومدينة النبي ﷺ لمّا كانت لا يسكنها إلا المسلمون، صار ذلك ظاهرًا يدل على إسلام من وجد بها فيدفن مع المسلمين كما قال ويصلّى عليه. وقد رأى ابن وهب
стр. 1167
الختان علمَا على الإِسلام. فقال فيمن وجد ميتاً أنه يجسن على ذكره من فوق الثوب فإن كان مختونًا غسل وصُلي عليه. وظاهر هذا خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من ترك الاستدلال بالختان لاشتراكه. فإن قيل إن ابن حبيب إنما لم يستدل في بلد فيه نصارى يختتنون. وابن وهب استدل ..... (١) بفلاة لا أحد بها، قيل إذا علم أصل المشاركة بين أهل المذهبين فلا معنى لوجود المشارك وتجويزه وجوده. وقد حكى ابن سحنون فيمن لفظه البحر أنه ينظر إلى العلامات. فإن لم تكن نظر إلى غالب السفّار فإن كان مسلمون صلي عليه ونوي بالدعاء مسلماً فعوّل على العلامة ولم يذكر هل هي ختان أو غيره. فإن فقدها نظر إلى غالب السفار لإفادة الغالب من الظن ما تفيده العلامة. والتعويل ها هنا على الغالب كتأويل سحنون عن ابن القاسم في قوله فيمن وجد بفلاة لا يدري مذهبه أنه لا يوارى ولا يصلى عليه. قال سحنون هذا بفلوات المشركين. وأما بفلوات المسلمين فإنه يُغسل ويُصلى عليه. فأنت ترى كيف أشار سحنون إلى اعتبار الغالب كما أشار إليه ابن وهب وإن كان ابن وهب لم يُراع السلكين فيما حكيناه عنه بل أطلق جوابه. ومراعاة الغالب ها هنا كمراعاة الغالب فيمن وجد ميتاً من المسلمين. وقد اختلط بغيره من اليهود، فإن أصحابنا اختلفوا في ذلك.
فقال سحنون يغسل جميعهم ويصلّى عليهم وينوي بالدعاء المسلم. وبهذا قالت الشافعية. وقال أشهب لا يُصلى عليهم حتى يعرف المسلم بعينه بخلاف أن يكون الغالبَ المسلمون. وهكذا قال ابن القاسم: إذا كان الغالب المسلمين فإنه يُصلي عليهم وينوي بالصلاة المسلمون، وبمراعاة الغالب أيضًا، قال أبو حنيفة، وقال سحنون إذا مات رجلان تحت هدم، أحدهما يهودي والآخر مسلم.
стр. 1168
ولأحدهما مال لم يعرف المسلم ولا ذو المال. قال يغسّلان ويكفّنان في ذلك المال. ويصلّى عليهما والنية للمسلم ويبقى المال موقوفًا. فأفادت هذه الروايات اضطرابًا في التعويل على الأغلب كما أفادت اضطرابًا في الختان. لكن الاضطراب فيه يمكن أن يصرف إلى اختلاف في حال. وهل وجد وجودًا يفيد ظنًا أم لا؟ وأما الاختلاف في الغالب فكأنه تقابل فيه أصلان: أحدهما للمسلم حقًا في الصلاة عليه فلا يسقط مع القدرة عليها. فإن قلنا بهذا صلي عليهما ونوي المسلم. والثاني أن مراعاة الأغلب وتعليق الأحكام عليه له أصول في الشريعة. وقد ثبت الإجماع على أنهم لو كانوا كلهم كفرة لم يصلّ عليهم. فإن كان جلّهم كذلك أجري الجلّ مجرى الكل. والخلاف في مراعاة الغالب ها هنا أوقع منه في مراعاة غالب سكان البلد والفلاة والسُفار على ما أشرنا إليه في الروايات. لأن ها هنا: من يُقطع بتحريم الصلاة عليه اختلط بمن تجب الصلاة عليه، فقد يلحق بباب اختلاط الحلال بالحرام على ما عرف في أصول الفقه.
وإن كان قد قال بعض الناس أن القصد للمسلمين يرفع الحظر. وتخرج المسألة عن باب اختلاط الحلال بالحرام. وليس في تلك المسائل قطع بتحريم الصلاة.
لكن فيها تردد بين تحليل وتحريم فيجب أن يرجع إلى الأصل الثابت، قبل حالة الشك. وإنما نبهنا على هذا لئلا يختلط أصل بأصل. وقد أفادت الروايات أيضًا اختلافًا في مواراة المشكوك فيه ولا معنى للمنع من ذلك إذا احتيج إليه ولم يقصد به قصدَ العبادة المسلوكة في المسلم. فأما قول سحنون في المال المشكوك فيه بانهما يكفّنان فيه وتبقى بقية المال موقوفة. فإن في إطلاق الجواب نظراً. فإن المال إذا علم أنه لم يخرج عن أيديهما وشك في عين المستحق منهما فنحن نعلم أن أحدهما لا يستحق التكفين منه قطعًا، ونشك في عينه. فكيف أبيح التكفين فيه لهما، إلا أن ينزله منزلة مال يتداعاه رجلان فحكمه القسمة بينهما. فينبغي لمن سلك هذا المسلك أن يشترط تساوي الكفنين، ولا يكفن أحدهما على ما يليق به فيقع التفاضل في القسمة، ويجري ورثتهما في الباقي على حكم التداعي فيه. هكذا مقتضى هذه الطريقة إن كان قصدها.
стр. 1169
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهبنا أن الإِمام لا يصلي على من قتله في حدّ أو قصاص. وسواء قتلهم الإِمام أو كانوا لصوصًا كابروا قومًا فقتلوهم لأنهم لو رفعوا إلى الإِمام لقتلهم. وأما من ضربه الإِمام في حدّ فمات من ذلك الضرب فإن الإِمام يصلي عليه لأنه لم يكن حدّه الموت. وقد يتخرج من الروايات التي حكيناها أن الصلاة على أهل الشرِّ تجتنب ترك الصلاة على هذا. وقال ابن نافع لا بأس بصلاة الإِمام على من قتله في حد. وقال ابن حنبل لا يصلي الإِمام ..... (١) على الغالّ من الغنيمة. وظاهر مذهب الشافعي جواز الصلاة عليهم. وقال محمَّد بن عبد الحكم يصلي الإِمام على المرجوم إن شاء. واحتج من ذهب إلى جواز صلاة الأئمة على هؤلاء بأنه ﷺ صلى على الغامدية بعد أن رجمها في الزنا (٢). واحتج ابن عبد الحكم لما حكيناه عنه. بأن النبي ﷺ صلّى على ماعز والغامدية. وألزمه بعض أشياخنا أن يقول بصلاة الإِمام على من قتله بقوَد أو غيره. وقد لا يلزمه ذلك إذا كان إنما اقتفى فعل النبي ﷺ في الصلاة على المرجوم ولم يقس عليه.
وأما مالك فإن مذهبه يعلل بأن الحدود إنما تقام زجرًا وردعًا للعصاة.
وإقامتها للأئمة. فترك الأئمة الصلاة عليهم أشد تحقيقًا لمباينتهم وإنكارًا لفعلهم. فلهذا خصّ الإِمام بالنهي دون غيره. فقد اعترف رجل من أسلم بالزنا والإحصان فرُجم ولم يصل عليه النبي ﷺ (٣).
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ومن لم تعلم حياته من الأجنة بصراخ أو ما يقوم مقامه من طول المكث (٤) لم يغسّل ولم يصلّ عليه. ولا أعتبار بحركته إذا لم يقارنها طول إقامة.
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: أحدهما أن يقال:
стр. 1170
١ - لِمَ قال: لا يصلي على السقط حتى يستهل صارخًا؟.
٢ - ولمَ لم يجعل الحركة دليلًا على الحياة؟.
الجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اختلف الناس بماذا يكون المولود من المسلمين يستحق الصلاة؟ فقال مالك بأن يستهل صارخًا. وروي عن الشافعي إذا سقط بعد أربعة أشهر من زمن العمل صلّى عليه. ومن الناس من قال يُصلي عليه (١). وقال ابن جبير لا يصلى على من لم يبلغ. فأما مالك فيستدل بقول النبي ﷺ : إذا استهل السِقط صلي عليه (٢). وروي أيضًا أن النبي ﷺ قال: يصلى على المولود ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة (٣). ولأنه إذا ظهر دليل حياته وقطع بأنه حي لحق بالبالغين.
وأجري حكم البالغين عليه في الصلاة كما يجري حكم البالغين عليه في كثير من الأحكام. فأما المخالف فإنه يستدل بما روي أن النبي ﷺ لم يصلّ على ابنه إبراهيم (٤). قيل قد روى عبد بن أبي أوفى أنه قد صلى عليه (٥) فيمكن أن تحمل روايتهم على أنه لم يصل عليه بنفسه وأمر غيره أن يصلي عليه. ولا معنى لقوله: أن من لا يبلغ لا ذنب له فاستغني عن الصلاة عليه. فإن هذا يبطل بالصلاة على النبي ﷺ . وأيضًا فإنها عبادة فيؤمر بها فيمن أذنب ومن لم يذنب. وأما ذهاب الشافعي إلى اشتراط مضي أربعة أشهر في زمن العمل فيمكن أن يكون تعلقًا منه بظاهر الخبر الوارد بأن الروح ينفخ فيه في هذا المقدار فيلحق حينئذ بالأحياء. وإذا ثبتت الصلاة عليه، فإن مالكًا سئل عن الصلاة على المنفوس في المنزل فقال: ما علمت ذلك. قال مطرف كرهه مالك وقد صلى ابن عمر ﵄ على صبي في جوف داره ثم أرسله إلى المقبرة ولم يتبعه. قال ابن حبيب أرى ذلك
стр. 1171
من عذر لأنه كبُر وضعف بصره. ولا يغسل السقط إذا لم يصل عليه ولا يحنّط ولا بأس أن يغسل عنه الدم لا كغسل الميت.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصراخ فلا شك في دلالته على الحياة، لاطراد العادة التي لا يصرُخ إلا الحي. وهذا مقطوع به. وقد اضطرب المذهب في الحركة والرضاع والعطاس. فقيل لا يكون ذلك دليلًا على الحياة يقتضي حكم الحي. فإن (١) أقام يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع له صوت. وإن كان خفيفًا. واستدل إسماعيل القاضي على نفي دلالة الحركة التي ليست ببينة بأنه قد كان يتحرك في البطن. واستدل القاضي على ذلك بأن المقتول يتحرك. وأما العطاس فإن من جعله دلالة على الحياة أجراه مجرى الاستهلال، وزعم أن العادة أطردت بأن ذلك لا يكون إلا من الحي. ومن أنكر ذلك قال: يمكن أن يكون ريحًا. وأما الرضاع فلا معنى لإنكار دلالته على الحياة لأنا نعلم علمًا يقينًا أنه محال في العادة أن يرضع الميت، وليس الرضاع من الأفعال التي تكون مترددة بين الطبيعة والاختيار كما قال ابن الماجشون: إن العطاس يكون من الريح والبول من استرخاء المواسك، لأن الرضاع لا يكون إلا مع القصد إليه. والتشكك في دلالته على الحياة تطرق إلى هدم قواعد علوم ضرورية. والصواب ما قاله ابن وهب وغيره أنه كالاستهلال، وما أظن من خالفه من أصحابنا يهجم على إنكار دلالة ذلك على الحياة. لكنه قد يزعم أن هذا الحكم معلق في الشرع بالاستهلال دون ما ضاهاه من الدلالة على الحياة.
وقد يتعلق بما قدمناه من قوله ﷺ إذا استهل السقط صُلي عليه (٢). دليل هذا الخطاب أنه إذا لم يستهل لم يصل عليه. وهذا يخرج المسألة من النظر الأول إلى نظر آخر. وأما إن كان المعتمد على ما يقوم مقام الصراخ في الدلالة على الحياة كما أشار إليه عبد الوهاب ها هنا. فلا شك في كون الرضاع دلالة على الحياة.
وأما إذا لم ينفصل الجنين من البطن لم يعتبر حكمه في الصلاة. قاله مالك في أم ولد المسلم النصرانية تموت حاملًا منه. فإن أهل دينها يلونها إذ لا
стр. 1172
حرمة لجنينها حتى يُولد. وإذا وُضح أن الجنين لا حكم له قبل الولادة وإنما له الحكم بعد الولادة إذا استهل فهل ذلك ........... (١) وقد تقدم الكلام على القطع لهم بالجنة. وأما أولاد الكافرين الذين لهم ذمة. فلا شك أن ....... (٢) من صلى عليه. وقيل إن لم يكن معه أبواه ولم يبلغ إلى أن يتدين فإن المسلم إذا اشتراه كان له حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة والقود والمعاقلة. وقيل إذا ملكه المسلم وليس معه أبواه إن مات بحدثان ذلك لم يصل عليه وإن كان قد طال زمان ملكه وقد تشرعّ بشريعة الإِسلام وتزيى بزي أهله فله حكم الإِسلام في الصلاة والموارثة. والقود والمعاقلة. وقيل أما من ولد من أهل الكتاب في ملك مسلم فهو على حكم الإِسلام بخلاف المولود في ملك كافر. وقيل بعكس هذا. وسبب هذا الاضطراب أن من لا يعقل لا يتصور فيه إعتقاد الإيمان والكفر (٣) كما لا يتصور ذلك فيه استحال إجراء الإيمان أو الكفر من ناحية الاعتقاد. وإذا استحال ذلك لم يبق إلا تصور الإيمان الحكمي فأي هذين الحكمين يضاف إليه؟ هذا موضع الإشكال فمن استصحب حال التناسل أجراه على حكم الكفر. .... (٤) بالاتفاق على أولاد أهل الذمة وإن كان للآخر أن يمنعهم من هذا القياس بالمنازعة في التعليل فيرى أن ذلك إنما ثبت لأبناء أهل الذمة بحكم الذمة لا بحكم التناسل والسبي أو المولود عند من لم يعقد له ولا لأبويه ذمة يمنع من إجراء أحكام الإِسلام عليه. وقد أشار ابن عبدوس إلى هذه الطريقة فقال رواية ابن القاسم أولى لأن لهم حكم الكفر وهو الأكثر والغالب، لأنه قد ولد في دار الكفر مع أبويه فلا ينتقل عنه إلا بالإِسلام من أبيه أو يجيب إلى الإِسلام وقد عقله. فإن قيل فأنت لا تبيعهم من أهل الذمة ولا تفاديهم بالمال: قلت لا أفعل لأني أجبرهم على الإِسلام إذا لم يكن معهم أحد أبويهم.
وقد قال سحنون يفادون بالمسلم ولا يفادون بالمال. وقد قال مالك يجبر على
стр. 1173
الإِسلام صغار الكتابيين وكفار المجوس. فأنت ترى ابن عبدوس كيف أشار إلى ما قلناه من استصحاب حكم التناسل غير أنه في أثناء كلامه أشار إلى استصحاب حكم الدار، فإن حكم الدار هو عمدة تعليله، فإنها طريقة من قدمنا قوله من أصحاينا في تفرقة المولود في ملك المسلم أو الكافر. إلا أن يكون أولئك إنما يعتبرون ملك الكافر حيث كان، وإن كان دار الإِسلام فإن هذا يكون بمعنى آخر، وإنما كان استصحاب حكم التناسل والدار يقتضي جواز بيعهم من أهل الذمة، اعتذر عنه ابن عبدوس بأن منعه بمعنى آخر. وهو جبرهم على الإِسلام، وبيعهم يمنع من جبرهم إذا عقلوا. ومن استصحب حال الفطرة الأولى التي أشار الشرع إلى أن أصل الخلق ومبدأه بني عليها. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) الآية. وقال النبي ﷺ : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه (٢). فأشار إلى أن الأبوين ينقلانه. ولكن طرد هذا التعليل يقتضي أن لا يعتبر وجود أبويه في حال لا يعقل فيها. لاستحالة النقل حينئذ إلا أن يتأول أصحاب هذه الطريقة قوله يهودّانه على معنى أنهما يحكمان بمصيره يهوديًا لا على أنهما يعلمانه اليهودية فتصح طريقتهم حينئذ. ولكن في حمل الحديث على هذا نظر يطول.
وإذا تقرر حكم دين من لم يبلغ، فما حكم انتقال من لم يبلغ عن دينه؟ هذا عندنا فيه قولان. هل يعتبر انتقاله فاختلف في ولد المسلم يرتد قبل البلوغ فيموت. هل يصلى عليه أم لا؟ وكذلك ولد الكافر يُسلم قبل البلوغ اختلف هل يعتد بإسلامه أم لا، وهذا فيمن يعقل ما انتقل إليه. وقد اعتمد من رأى الانتقال مؤثرًا بأن علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن عباس ﵀ كانا معدودين في المسلمين قبل بلوغهما.
ولو أسلم ولد الكافر قبل البلوغ ثم ارتدّ قبل أن يبلغ جبر على الرجوع عن ارتداده، ولم يقتل، ولو بلغ على ذلك. لأن إسلامه لم يكن بالمجمع عليه.
وقال المغيرة يقتل قبل بلوغه إذا تمادى على ردته. وقال ابن عبدوس: لم يختلف أصحابنا في قتل أولاد المسلمين إذا ارتدوا وتمادوا على الردة بعد البلوغ.
стр. 1174
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ولا يغسّل الشهيد في المعترك ولا يصلّى عليه. ويدفن في ثيابه. وكذلك إن حمل جريحًا فمات (١) في الغَمرة. ويصلّى على كل الشهداء سواه.
قال الفقيه الأمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما المانع من الصلاة على الميت الشهيد؟.
٢ - وما الدليل على أن الشهيد لا يغسل ولا يصلّى عليه؟.
٣ - ولمَ قيد قوله بالمعترك؟.
٤ - وما معنى تنبيهه على دفنه في ثيابه؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المانع من الصلاة على الميت نوعان: نقيصة وفضيلة (٢). فأما النقيصة فالكفر وقد تكلمنا عليه. ... (٣).
وعدم الاستهلال وقد تكلمنا عليه. ووجود بعض البدن. فإن هذا يلحق بباب النقائص وإن لم يكن نقصًا على الحقيقة. فأما الصلاة على بعض البدن فاختلف الناس فيه فالمشهور عندنا أنه لا يصلى على نصف البدن فدون. وإنما يصلى على أكثره. وبه قال أبو حنيفة وقال ابن حبيب يصلّى على عضد يوجد من الميت وينوى به. وبه قال ابن أبي سلمة والشافعي. فوجه القول الأول أنه لا يُصلى إلا على أكثر البدن قياسًا على السنّ والظفر ويد السارق. وأجاب أصحاب الشافعي عن القياس على السنن والظفر بأن الصلاة على ذلك لهم فيها وجهان: وأما يد السارق فإنها منفصلة من حي والحي لا يصلى عليه. وقد دفن عروة رجله بعد أن غسلها وكفّنها ولم يصل عليها لأنها من حي. ومن أجل الصلاة على عضو يشترط في النية إن كان صاحب العضو ميتاً. وقد قال بعض أهل النظر أن سببب الاختلاف في الصلاة على أقل البدن جواز إعادة الصلاة على الميت. فكانه يرى أنه إذا كان الموجود أقل البدن أمكن أن يكون كثره قد صلى عليه من وجده.
стр. 1175
وإذا أمكن ذلك لم يصل على الأقل لأنه يوقع الصلاة في ممنوع وهو الصلاة على الميت مرتين. ومن أجاز الصلاة على الميت مرتين فلا معنى لمنعه من الصلاة على أقل البدن. وهذا التخريج عندي للنظر فيه مجال. لأن هذا الممكن المتوقع إيقاعه في ممنوع يوقع في ممنوع آخر وهو ترك الصلاة على الميت أصلًا لجواز أن يكون لم يصل على الأكثر البدن. إلا أن يكون هؤلاء رأوا أن الصلاة على الغائب لا تجوز فترتفع معارضة ارتقاب الوقوع في هذا الممنوع الثاني.
ولكن لان قالوا هذا فإنه كالخروج عن التخريج الأول. ووجه القول بأنه يغسل العضو ويصلي عليه ما رواه عيسى ابن دينار في كتاب ابن مزين بأن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ صلى على رؤوس بالشام. وألقى الطائر يدًا بمكة فعرفت بالخاتم أنها يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصقى عليها أهل مكة بمحضر من الصحابة. وأيضًا فإن الصلاة على الغائب إذا ثبتت بصلاة النبي ﷺ على النجاشي على ما سنتكلم عليه وهو غائب كله. كان من غاب أكثره ووجد أقله أحّقَ بالصلاة. فإذا وضح ما قلناه في الصلاة على بعض البدن، وذهبنا إلى المشهور عندنا في منع الصلاة إلا على الأكثر، فهل يشترط أن يكون الأكثر على بنيته أو لا يشترط ذلك؟ أما إذا كان علي بنيته فلا شك فيه. وإن كان هذا الأكثر متقطعًا فاختلف قول مالك في غسله والصلاة. فالإثبات لمَا قدمناه من الأدلة وهو يعمّ المقطع، والصحيح. ووجه النفي أن غسله لا يمكن لأن فيه زيادة في التمثيل به. وإذا امتنع الغسل امتنعت الصلاة. لاذا راعينا الأكثر فما هذا الأكثر؟ قال أشهب في المجموعة في مدونته: إذا وجد البدن بلا رأس ولا أطراف صلى عليه ولا يصلى على الرأس والأطراف قط (١). ولو وجب هذا لوجب أن يُصلى على أصابعه وأسنانه وأنفه. وإني مع ذلك لا أدري لعل صاحبه حي. ولو علمت بموته لم أصل على ذلك. ولو وجد أحد شقيه طولًا مع رأسه أو نصفه عرضًا مع رأسه لم يُصل عليه. وهكذا قال إذا وجد نصف البدن ومعه الرأس لم يغسل ولم يُكفن ولم يُصل عليه حتى يوجد كثر بدنه. فظاهر كلام أشهب، هذا أنه لم يعتبر جميع بنية الإنسان، وإنما اعتبر الأكثر في بنية بدنه دون رأسه. ولا يكاد يتحرر
стр. 1176
لهذا وجه في النظر. وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في مسألة الصلاة على الغائب الذي تحققنا أنه لم يصل عليه فإن المشهور عندنا لا يصلى عليه. وإذا لم يصل على عضو لغيبة أكثر البدن فاحرى ألا يصلّى على البدن الذي غاب كله.
وأجاز ابن حبيب الصلاة على الغائب ورأى أن غيبته لا تؤثر في إسقاط الصلاة المشروعة. وبه قال الشافعي فحجة المذهب المشهور عندنا أن الصلاة إنما شرعت على ميت مسلم، وهذا يقتضي وجود الصورة الموصوفة بهذا. والعضو الواحد والغائب لا يتحقق فيه هذا المعنى. فلهذا لم يصل عليه. وقياسًا على من كان بالبلد فإنّ الشرع على إحضاره عند الصلاة. وقوإنفصل عن هذا بأن من في البلد لا مشقة في إحضاره بخلاف الغائب. وحجة ابن حبيب والشافعي صلاته ﷺ على النجاشي. وقوإنفصل عن هذا أيضًا بانفصالات منها: أن ذلك من خواص النبي ﷺ . وهذا ضعيف مع القول بتعدي أفعاله. ومنها أنه يمكن أن يكون رفع للنبي ﷺ حتى رآه فصار كحاضر صلى عليه. ومنها إنما صلّى عليه حين موته وقبل أن يصلي عليه أحد من قومه بوحي أوحي إليه. وهذا مفقدد فيمن سواه. ولهذا لم يصل لما تطاول زمن موته. وقد قال بعض المتأخرين يمكن أن يكون ابن حبيب إنما رأى الصلاة على الغائب .... (١) وعلى هذا الأسلوب أيضًا يجري الأمر في الصلاة على القبر.
إذا دفن الميت بغير صلاة اختلف المذهب في ذلك على قولين: هل يصلى عليه أم لا؟ واختلف قول مالك فيه. فإذا قلنا بالنهي عن الصلاة على القبر. فهل يخرج ليصلى عليه. .... (٢) أما إذا لم يقع شيء من الدفن فإنه يصلى عليه كما لو كان باقيًا على نعشه. وأما أذا شرع في دفنه فاختلف فيه على ثلاثة أقوال. فقيل يمنع إذا هالوا التراب ولا يمنع ...... (٢) وإهالة التراب من هيئة الدفن. وقيل لا يمنع وإن أهالوا التراب ما لم يسووا التراب عليه. وإذا سوي عليه التراب فأتت الصلاة عليه. وأما إذا كان قد صلي عليه فإن من صلّى
стр. 1177
عليه لا تعاد الصلاة عليه. هذا هو المشهور عن العلماء وأئمة الأمصار. وحكى أصحاب الشافعي أن لهم فيه وجهين: الجواز والمنع.
وأما من صلى عليه فالمعروف من مذهبنا أنه لا تعاد الصلاة عليه. قوما تقدم من صلاة من صلى عليه يمنع من إيقاع صلاة أخرى. وقال الشافعي بل تجوز إعادة الصلاة عليه ممن لم يصل عليه. وحكى ابن القصار ذلك عن مالك. وعند الشافعي اضطراب في تحرير هذا المذهب. هل يجوز ذلك أيضًا أو يجوز لمن لم يصل من أهل الصلاة حين موته. أو يجوز إذا تُيقن أنه بقي في القبر منه شيء. أو إنما يجوز إلى شهر. وأصحاب أبي حنيفة مختلفون أيضًا فيمن دفن بغير صلاة. فمنهم من يعتبر جواز الصلاة على القبر ثلاثة أيام. ومنهم من يعتبر أن لا يشك في تغير الميت. فإن شك في تغيره لم يصل على القبر.
وسبب هذا الاضطراب ما ثبت عن النبي ﷺ أنه صلي ... ولم يوقضوه. فذكر أنه لما أصبح صلى على قبرها وصفّ بهم فاقتضى ظاهر هذا جواز الصلاة على القبر على الجملة. وإن كان القوم لم يصلوا عليها فهي مسألة اختلاف عندنا.
وإن كانوا قد صلوا عليها فهي مسألة الشافعي والمعروف من مذهبنا فيها ... وكان من أنكر الصلاة على القبر ينفصل عن هذا بأن الصلاة للنبي ﷺ ... بموتها ليصلي عليها. فلما لم يعلم بذلك وصلي عليها دونه صارت الصلاة كأنها ... وقد نقل الشافعي حديثًا يتضمن أمره ﷺ بأن يختص بالصلاة على الموتى دونهم لكون صلاته رحمة. وقد قيل أنه ﷺ علل صلاته على القبر يكون القبور مملوءة ظلمة على أهلها وأن الله تعالى ينورها بصلاته. وهذا التعليل إحالة على غيب فلا يطرد في غيره. وهو يشبه تعليله في النهي عن تطييب المحرم الذي مات وتعليله في شهداء أحد. وهذا الجواب شديد (١) يمنع من الاحتجاج بالحديث. وقد اعتمد على أنه ﷺ لم يُصل على قبره. فلو جازت الصلاة على القبر لما تركه السلف مع شدة عنايتهم بالخير. وأجيب عن هذا بأنه ﷺ نهى عن اتخاذ قبره مسجداً. فامتنعوا من الصلاة على قبره لذلك. وقد أشار سحنون إلى قريب من هذا التعليل فيمن دفن بغير صلاة. فقال لا يُصلى
стр. 1178
عليه لئلا يكون ذريعة إلى الصلاة على القبور. وقد قيل إن الناس صلوا عليه متفرقين قوماً بعد قوم. وتوفى ﷺ يوم الاثنين ودفن يوم الأربعاء. وهذا التأخير لا يجوز في غيره من الموتى.
وإنما فعل به ذلك ﷺ لما كان الخطاب متوجهًا عليهم بالصلاة عليه على الخصوص لم يجعل أصلًا في صلاتنا. وقد أنكر بعض أصحابنا قولهم لم تجمع الصلاة. ورأى أنها قد جمعت عليه. وقد اعتل من منع الصلاة على القبر إذا صلّي على من فيه بأن الصلاة الأولى فرض والإعادة نفل. ولا يتنفل بصلاة الجنائز بدليل أن من صلى عليها لا يعيد الصلاة عليها. وأجيب عن هذا بأن صلاة الفذّ لا يعيدها من فعلها ولم يمنع ذلك من أن يجيء المسجد الواحد بعد الواحد. واعتل من يمنع الصلاة على القبر بأنها صلاة مفعولة لحق الميت وحقه ينقضي بالصلاة الأولى. فإذا سقط الحق الذي شرعت العبادة من أجله لم يصح فعل ما شرع لأجل أمر قد سقط. ولهذا لا يعاد سجود التلاوة لكونها مفعولة لأجل التلاوة. ولا يُخاطب بالطهارة من لا صلاة عليه. وأجيب عن هذا بأنه إنما سقط المكتفى به خاصة. ألا ترى أن المحدث إذا تطهير للصلاة فإنه لا صلاة عليه لأن فَعَل الحق المكتفى به. وإن كان تجديد الطهارة غير ممنوع بل مشروع (١).
وقد خرج بعض أصحاب الشافعي منع الصلاة على قبر النبي ﷺ على اختلافهم في شرط جواز الصلاة على الأربعة الأوجه التي ذكرناها وقالوا إن شترطنا أنه لا يصلي على القبر إلا أن يبقى من الميت شيء في القبر. فإنا لا نجيز الصلاة على قبر النبي ﷺ لإمكان أن يكون رفع من قبره. ففي بعض الأخبار أن الأنبياء يرفعون منأ قبورهم أو ما هذا معناه ... قالوا وإن قلنا إنه يصلى على قبر كل من كان من أهل الصلاة بعد الموت فإن في الصلاة على قبر النبي ﷺ اضطرابًا عندي ... وقيل بل إن طرد الاشتراط في هذا المذهب ... أو يمنع للنهي عن اتخاذ قبره مسجدًا ... كالشهادة. وها نحن نتكلم عليها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في الشهيد الذي قتله العدو في المعترك هل يغسل ويصلّى عليه أم لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا ويغسّل ولا يصلى عليه. وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري إلى أنه يغسّل
стр. 1179
ويصلى عليه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يغسّل لكن يصلّى عليه. فدليلنا عدى نفي الغسل والصلاة حديث شهداء أحد فإنهم لم يغسلهم النبي ﷺ ولا صلّى عليهم ولم تحتفل الرواة ... ويذكره الصحابة رضوان الله عليهم إلا تنبيهًا على مخالفة الشهيد لغيره من الموتى. ولا يمكن أن يغسل وسبعون شهيدًا ويخفى غسلهم والصلاة عليهم وما تعلق به المخالف من رواية من روى أنه ﷺ صلى عليهم فإن الأئمة ضعفوه لا سيما وقد ذكر فيه أنه كان يؤتى بعشرة فيصلي عليهم ومعهم حمزة ﵃. فكانت صلاته على حمزة سبعين صلاة. وهذا حساب يوهن الخبر لأن الشهداء سبعون. وإنما يحصل لحمزة سبعون صلاة إذا صلى عليه مع كل عشرة لو كان الشهداء سبعمائة. وقد قيل لمالك أبَلَغك أن النبي ﷺ كبر على حمزة ﵁ سبعين تكبيرة. فقال لم يبلغني ذلك ولا أنه صلى على أحد من الشهداء. فإن تعسفوا وحملوا روايتنا على أنه لم يصل عليهم أفرادًا حملنا روايتهم على أنه صلى عليهم بمعنى دعا لهم. وتأويلنا لخبرهم أقرب من تاويلهم لخبرنا. فإن رجحوا خبرهم بأنه مثبت، وخبرنا ناف فيمكن أن يكون راويه لم يعلم الصلاة. أجبنا بأنه محال أن تخفى الصلاة على قتلى أحد مع اشتهار قصتهم وكثرة عددهم. على أنا أيضًا نُوجه خبرنا بسلامته عن الطعن في راويه. فإن تعلقوا بما رواه شدّاد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فقال ما هذا يا محمَّد؟ فقال قسمت لك. فقال ما على هذا تبعتك ولكن أتبعك على أن أرمَى بسهم ها هنا. وأشار إلى عنقه فأموت فأدخل الجنة. فقال النبي ﷺ إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلًا ثم نهضوا إلى العدو فحمل ذلك الأعرابي. وقد أصابه سهم حيث أشار بيده. فقال النبي ﷺ أهو هو؟ قالوا نعم يا رسول الله. فقال النبي ﷺ : صدق الله فصدقه. فكفّنه النبي- ﷺ وصلى عليه. وجوابنا عن هذا أن نقول يحتمل أن يكون معنى قوله صلى عليه ﷺ دعا له. ويحتمل أن يكون مات بعد أن تقضي (١) الحرب على صفة لا تمنع من الصلاة عليه على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. ومما يستدل به أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢).
стр. 1180
فأثبت الله تعالى لهم حكم الحياة. والحي لا يغسل ولا يصلى عليه. وبهذا استدل أصحابنا وأصحاب الشافعي. وفيه نظر لأن طرده يقتضي أن الشهيد لا يورث كما أن الحي لا يورث. ولما أجمع على توريث الشهيد دل ذلك على أن المراد بالآية حياة الآخرة، لا حياة الدنيا. والقصد بها تعظيم الشهادة المثمرة دوام الحياة عند الله سبحانه. ومما يستدل به أيضًا على أبي حنيفة دون الحسن وابن المسيب موافقته لنا على سقوط الغسل. وسقوط الغسل يشعر بسقوط الصلاة. ألا ترى أن الحائض ما لم تغتسل لم تصل. ومن لم يجد ماءًا ولا تُرابًا لم يُصل على أحد الأقوال عندنا. وهذا الاستدلال إنما يصفو بعد البيان عن علة ترك الغسل. واعلم أن للناس فيه ثلاث طرق ذهب بعض الحذاق إلى أنه غير معلل. وذهب بعضهم إلى أنه معلل. واختلف هؤلاء في العلة. فقال. بعضهم الدماء أثر الشهادة. وإزالة أثر العبادة لا يحسن. قالوا وقد نبه النبي ﷺ على هذا المعنى بانهم يحشرون بدمائهم. وفي هذا إشارة خفيّة إلى أنه يتنرل ذلك عند الله يوم القيامة منزلة الشهادة على القاتل ظلمًا. ألا ترى أن في الحياة نستدل بتحريك الثوب. وآثار الضرب بين يدي الحكام على أن المفعول به ذلك مظلوم فكان الدم يوم المحشر مشعر لأهل الجهاد يكون الشهيد قتل مظلومًا. وقد طعن في هذا التعليل بأنه يقتضي أن يُغسّل من مات في المعترك بالخنق أو بما في معناه من الأسباب التي لا يبقى لها أثر أبدًا أو طعن فيه أيضًا بأنه كان ينبغي أن ينقل إلى التيمم كالميت الذي لا يوجد له ماء، فإنه ييمم. وقد ينفصل أصحاب هذا التعليل. عن هذه المطاعن، بأنه لما كان الغالب في الحروب القتل بسفك الدماء لا بغيره من أنواع القتل حكم في الشهيد بهذا الحكم، وغير ملتفت إلى ما يحدث نادرَا. وهذا كثير في أصول الشريعة. وقد طعن في هذا التعليل أيضًا، لأنه لم يقصد بذكر دمائهم يوم القيامة إلا قطع وهم من ظن أن غسلهم متعين لما بهم من أذى. ولم يرد به جعل ذلك علة تمنع من الصلاة.
وقال بعضهم أن العلة كون الشهادة في الشريعة تطهير. والمطهر يستغني عن التطهير. وقد يطعن في هذا التعلل أن الصبي مطهر وهو مع ذلك يغسل.
وقد ينفصل عن هذا بأن الصغير وإن كان يطهر من الآثام، فإنه يجوز هنا في هذا
стр. 1181
الحكم كما أجرى على حكمه في أحكام كثيرة في الشرع ... يرثه المسلم. وإن كان في سن من لا يتعقل الإِسلام، وما ذاك إلا أنه جرى عليه حكم أبويه. وقد يطعن في هذا التعليل أيضًا بأن النبوءة من أعظم المراتب. وقد غُسّل النبي ﷺ .
وقد تبين من هذا بأن الشهادة لما كانت مما يكتسب كانت سببًا في ترك الطهارة: والصلاة إشعارًا بعظم مرتبتها عند الله تعالى. وأنها تغني عما سواها يطلبها المسلمون. والشهادة مما لا يطلب ولا يكتسب (١). فجرى النبي ﷺ مجرى امتداد هذا الحكم ليتحقق هذا الحكم ويتأكد بإجرائه فيه. وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم يفرقون بين الطهارة والصلاة بأنه لا معنى لغسله بالماء سوى تطهيره. والشهادة تغني الميت عن هذا التطهير بالماء. وأما الصلاة فإنها شفاعة وسؤال في الذمة. ورحمة الله تعالى لا نهاية لها. فطلب المزيد منها مرغوب فيه. فالشهيد وإن كان مرحومًا فلا غناء له عن السؤال له في زيادة الرحمة. وأما ابن المسيب والحسن القائلان بأن الشهيد يغسل ويصلى عليه، يمكن أن يكونا رأيا حديث قتلى أحد مضطربًا لما قدمناه من اختلاف الرواة فيه. فعدلا عن القول به. ويمكن أن يكونا رأياه ثابتًا. ولكنه مختص بقتلى أحد إما لأن الأصل قصد هذه الأفعال عندهم تاولًا بأنها معللة بعلة تفسد لا يعلم تعديها إلى من سوى قتلى أحد. لأنه أخبر أنهم يحشرون بدمائهم. فلا يعدل لهما إلى القطع بأن غيرهم من الشهداء كذلك. وقد تكلمنا على مثل العلة في غسل المحرم أوتطييبه. على أنه قد ذكر في بعض الطرق أنه قال فإنه لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة الحديث. فأشار إلى تعدي الحكم. ويمكن أن يكونا سلكا طريقة رابعة بأن رأيا حديث ترك الصلاة على قتلى أحد منسوخًا. لأن البخاري روى في كتابه أن النبي ﷺ قبل موته صلى على قتلى أحد صلاته على الموتى.
فاقتضى ذلك- (٢) ترك الصلاة على الشهداء. فإذا وضح ذلك فقد اتضح ما قدمناه من الاضطراب في التعليل اختلاف الناس في غسل الشهيد الذي لم. يبلغ الحلم.
فعنده أن حكمه حكم الشهيد الكبير في ترك الغسل والصلاة. وعند أبي حنيفة أنه
стр. 1182
لا أثر للشهادة فيه يوجب سقوط غسله والصلاة عليه. وأجراه مجرى من لم يستشهد. كما قدمنا أن أصحابه رأوا أن سقوط الغسل إنما كان لأنه طهارة.
وطهارة الشهادة تغني. فإذا كان الشهيد ليس من أهل التطهير بقي على حكم الأصل. ونحن قدمنا الجواب عن هذا فيما قدمناه. وذكرنا بأن الشرع جاء بإلحاق الصغار بالكبار في كثير من الأحكام. وقد ذكر في بعض الطرق زملوهم بدمائهم فإنه لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة بدم اللون (١) لون الدم وريحه ريح المسك. أو كما قال يعم كل من يكلم في سبيل الله من الكبار والصغار. وقد اختلف أصحابنا في الشهيد إذا قتل جنبًا هل يغسل أم لا. فقال أشهب وابن الماجشون لا يغسل. وقال أحمد إنه يغسل. وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي اختلف قوله كذلك. ورأيت في كتب أصحابه أن الخلاف في ذلك بين أصحابه. وأكثرهم على أنه لا يغسل. وقد احتج من قال بغسله بقول النبي ﷺ : ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله. فقالت زوجته إنه جامع فسمع هيعة فخرج إلى القتال. وقد ذكر خبر حنظلة على وجه آخر. وذلك أنه علل المبادرة إلى غسل سعد بن معاذ بأن قال لئلا تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة. ومن أنكر غسل الشهيد إذا كان جنبًا يجيب عن هذا بأن غسل الملائكة لا يسقط ما تعبدنا نحن به من الغسل. فلو كان غسله واجبًا لأمرنا به ... كأن الشهادة تغني عن الغسل جملة. وكأنها تنافيه فلا يثبت الغسل كما لا تغتسل الحائض إذا احتلمت وكما لا يطهر الشهيد للشهادة الطهارة الصغرى.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما قيد قوله بالمعترك لما وقع من الاضطراب فيمن مات بعد تقضي الحرب. وتحصيل مذهبنا أنه إن تحقق الموت في المعترك لم يغسل ولم يصل عليه. وإن كان قد عاش بعد تقضي الحرب مسألة لا إشك الذيها غسل وصلي عليه. وإن كان فيها إشكال فظاهر المذهب على قولين. فقال أشهب الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه من مات في المعركة قطعًا. فأما من حمل إلى أهله فمات فيهم أو حمل فمات في
стр. 1183
أيدي الرجال أو بقي في المعركة حتى مات فإنه يغسل ويصلى عليه. وقال مالك إن عاش يومًا أو أكثر فأكل وشرب أو عاش حياة بينة غسل وصلي عليه. وقال ابن القصار وإذا عاشر يومًا أو أكثر يأكل، غسل وصلي عليه. قال سحنون إذا كانت له حياة بينة حتى لا يقل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه. فنخلص من هذا أن في أشكال الحياة اختلافًا. فاشهب اعتبرها وأخرجه بها من حكم الشهداء. وسحنون لم يعتبرها. وما حكيناه عن مالك وابن القصار يذهب إلى الانتظار به. لكن ابن القصار لم يجعل مجرد الأكل والشرب علمًا على الحياة ها هنا كما جعله مالك ... ويمكن أن يكون مالك رأى مجرد الأكل والشرب كافيًا في إثبات حكم الحياة ها هنا. ولم يره ابن القصار حتى ... الزمن الذي ذكره. فلعل مالكًا وابن القصار اختلفا في صفة تحقق الإشكال. وظاهر مذهب الشافعي كظاهر مذهب أشهب. قال أصحابه إذا مات بعد تقضي الحرب فليس له حكم الشهادة وإن لم يأكل ولم يشرب وصى أو لم يوص. وقال أبو حنيفة إن خرج من صفة القتلى إلى صفة أهل الدنيا بأن يأكل ويشرب أو أوصى لم يثبت له حكم الشهادة كما ذهب إليه أشهب أن النبي ﷺ لم يصل على قتلى أحد وهم سبعون. والظاهر أن سبعين قتيلًا لا يكون موتهم على أسلوب واحد بل يتفاوت زمنه ويختلف حاله. وهذا يشعر بأنه لا يعتبر الموت قطعًا كما ذكر. وهذا الاختلاف الذي ذكرناه هو فائدة تقييد القاضي أبي محمَّد بالمعترك وله فائدة ثانية أيضًا وهو ما وقع في المذهب من الاضطراب فيمن قتله العدو في غير معترك. فقال ابن القاسم إذا أغار أهل الحرب على قرية للمسلمين فدفع المسلمون عن أنفسهم فهم كالشهداء. وقال في العتبية إن قتلوهم في منازلهم من غير ملاقاة ولا معترك غسلوا وصلي عليهم. وقال ابن وهب هم كالشهداء في المعترك. وقال أصبغ سواء ناصبوهم أو قتلوهم مقافصة أو نيامًا كشهداء المعترك قتلوا بسلاح أو غيره. والصبي والمرأة كالذكر البالغ.
وقال ابن شعبان الشهيد من قتل بأرض الحرب خاصة من الرجال والنساء والصبيان. فأنت ترى هذا الاضطراب إذا قتلوهم من غير ملاقاة. فلهذا الاضطراب قيد قوله القاضي
стр. 1184
أبو محمَّد بالمعترك. وظاهر قول ابن شعبان أصل حكم الشهادة على القتيل بأرض الحرب. وقد كان قتلى أحد بأرض الإِسلام وكانت الجاهلية هي الزاحفة إليهم. فإن كان أراد ابن شعبان أرض الحرب التي بها سكنى الكفار. فحديث قتلى أحد ردّ عليه. وإن كان أراد موضع المحاربة فليس في الحديث ردّ عليه.
لكنه يكون مذهبه أنه لا يراعي الشهادة في قتلى القرية. وقد قدمنا الاختلاف فيهم إذا لم يدفعوا عن فنفسهم. وقد صلي على عمر بن الخطاب ﵁.
وكان القاتل كافرًا. فظاهر هذا حجة لمن قال من أصحابنا أن المقتول إذا لم يدفع عن نفسه فليس له حكم الشهيد. وللآخرين أن يجيبوا على هذا بأن يقولوا أنه ﵁ وإن كان قد أنفدت مقاتله. فيمكن أن يكون أكل وشرب. وقد قدمنا أن مالكًا رأى أن الأكل والشرب يرفع حكم الشهادة. وقد كنا قدمنا اعتذارًا عن ابن المسيب في قوله إن الشهيد في المعترك يغسل ويصلى عليه. وقلنا لعله رأى حديث قتلى أحد كالمنسوخ لما حكاه البخاري أنه ﷺ خرج إلى قتلى أحد قبل موته فصلى عليهم صلاته على الميت. فإن كان هذا التأويل صحيحًا كانت الصلاة على عمر ﵁ محققة عمل النسخ الذي ظنّه ابن المسيب. وقد سئل ابن عمر ﵀ عن غسل الشهيد فقال قد غسل عمر وكفن وحنط وصلي عليه وكان شهيدًا. فلم يتأول ابن عمر الصلاة على أبيه ولم يعتذر عنها بما اعتذرنا به نحن من أنه يمكن أن يكون لما قتل بالمدينة لم يكن له حكم الشهيد وأنه أكل وشرب. بلَ أضرب عن هذين التأويلين. وقال ما حكيناه عنه. وظاهر كلامه يشير إلى النسخ أو إلى تخصيص قتلى أحد بذلك الحكم على حسب مقتضى مذهب ابن المسيب. وقد قدمنا قول ... أو من قتل في غير المعترك كالشهيد. وإن كان امرأة أو صبيًا. وقال أشهب فيمن قتل من النساء والولدان في المعترك ممن يقاتل ويدفع عن نفسه فهو كالشهيد. وأما من قتل من الرجال والنساء والولدان ليس على وجه القت الذيغسلون ويصلى عليهم. فقوله فيمن قتل على غير وجه القتال هو إحدى الطريقتين اللتين قدمنا تقييد قوله في النساء والولدان بأنهم ممن يدافع عن نفسه. وقد قال سحنون كل من قتله العدو من صغير أو كبير في معترك أو غير معترك فله حكم الشهداء. فلم يقيد الصغير بكونه ممن يدافع عن نفسه. وكذلك المرأة لم يقيدها بذلك. وقد كنا قدمنا
стр. 1185
مذهب أبي حنيفة وأنه لا يرى الشهادة تثبت به. ولكن ميّز البالغ. وتكلمنا على سبب الاختلاف في ذلك هناك. وإذا وضح ما قلناه في الحكم في الشك في حياة الشهيد ... وقال أشهب في القوم بأرض العدو يجدون شهيدًا فلا يدرون من قتله يغسل ويصلى عليه. وقال سحنون إذا رموهم بأحجار أو نار فوجدوا في المعترك من قد مات ... حتى يظهر خلاف إن كان وقع بينهم لقاء أو حرب أو مراماة. فإن كان أشهب قصد الذي حكيناه عنه أنه يصلى على من لم يدر قاتله.
وإن كان هناك لقاء أو مراماة فهو خلاف لما حكيناه عن سحنون. وقد كان أشهب رأى أن الأصل ثبوت الصلاة على الشهيد. ونحن على شك في هذه القتلة هل هي مما يسقط الصلاة أم لا؟ بل استصحب الأصل في وجوب الصلاة عليه. ورأى سحنون أن الغالب أن الإنسان لا يقتله قومه ومن يقاتل معه. بل الغالب أنه إنما يقتله العدو ... القتلة بحكم قاتلها غالبًا. وأجرى الظن مجرى اليقين في تحقق الشهادة. هذا إن قصد أشهب أن ما ذكرناه كان اختلافًا محققًا وإن كان لم يتكلم على قتيل واحد وجد من غير ملاقاة ولا مراماة. فليس بمخالف لقول سحنون. وقد قال أصحاب الشافعي إذا انكشف الصفان عن رجل مقتول لم يغسل ولم يصل عليه سواء كان به أثر أو لم يكن. وظاهر هذا كظاهر ما حكيناه عن سحنون. وقال أبو حنيفة وابن حنبل إن لم يكن له أثر غسل وصلي عليه. وإن خرج منه دم فإن كان من عينيه أو من أذنيه أو من رقبته لم يغسل. وان خرج من أنفه أو دبره أو ذكره غسل وصلي عليه. فكأنهما رأيا مع وجود الأثر يتحقق كونه مقتولًا ومع عدمه يمكن أن يكون مات حتف أنفه فلم تتحقق له الشهادة. لكن الذي ذكر من تفصيل مخارج الدم لا يظهر لي الآن فيه وجه محقق ..
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما نبه على قوله في ثيابه لاختلاف الناس في ذلك. فنحن وأبو حنيفة لا نرى أنه تبدل ثيابه. وقالت الشافعية إنه بالخيار إن شاء دفنه في ثيابه وإن شاء دفنه في غيرها تعلقًا منهم بأن صفية بنت عبد المطلب بعثت إلى النبي ﷺ بثوبين يكفن فيهما حمزة ﵁. فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلًا آخر. ونحن ننفصل عن هذا بأن
стр. 1186
هذه قضية في عين ولم تتضمن إزالة ما عليه. وهو الوجه الذي منعناه. وأما الزيادة على ما عليه وتكفينه إذا لم يكن عليه شيء فسنذكر حكمه. ونستدل لما قدمناه بحديث قتلى أحد. وقد أمر ﷺ بأن يدفنوا على هيئتهم. فأما الشهيد الذي يوجد عريانًا فإنه يكفن. قاله أصبغ. وإن كان عليه ما لا يستر جميع جسده ستر بقية جسده. والدليل على هذا أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك سوى نمرة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه. وإن غطي رجلاه بدا رأسه. فقال ﷺ : "غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر" (١). وإذا لم يوجد إلا ما يستر به بعض جسمه يخص به من سرته إلى ركبتيه لكون هذا الموضع عورة. والعورة أحق بالستر. فإن كان في السترة فضل عن ذلك ميل بالفضل إلى ناحية صدره.
وأما إن أراد وليه أن يزيد على ما عليه. وقد حصل عليه ما يجزئ في الكفن.
ففيه قولان. فقال مالك لا يزاد عليه شيء. وقال أشهب وأصبغ لا يؤمر بذلك.
فكان مالكا رأى أن ظاهر حديث قتلى أحد يمنع من الزيادة لكونه أمران يدفنوا على هيئتهم. فظاهر هذا يقتضي منع التغيير. كما قال في المحرم لا تخمروا رأسه ولا تمسوه بطيب وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (٢). فأشار إلى بقائه على حاله ومنع تغييره لما مات في قربة. وهذا على مذهب من رأى أن القصد أن لا تغير هيئة الشهيد التي لقي الله عليها. والزيادة عليها تغيير لها.
وأما نزع بعض ما على الشهيد فإنه تنزع عنه آلة الحرب كالدرع والرمح والسيف ولا تنزع المنطقة إلا أن يكون لها خطب. وفي مختصر ابن شعبان قال: الشهيد يدفن في الثوب الجديد الذي يلبسه الشباب والمنطقة. ويتخرج على هذا أن لا تنزع عنه الفائحة (٣) فإن السيف والرمح ما لم يكونا من جملة ما يلبس نزعا. وأما الدرع ففي كتاب ابن شعبان كأنه لما رآه ملبوسًا ألحقه بجملة اللباس. فكان من قال من أصحابنا ينزعه رأى أنه من آلة الحرب. وإنما يلبس لها فلحق بالسيف والرمح. وقال ابن القاسم لا تنزع عنه الخاتم إلا أن يكون
стр. 1187
نفيس الفص. وأما القلنسوة والخفان والفرو فلا ينزع عنه ذلك. وقال أشهب في مدونته تنزع عنه الخفان والقلنسوة و ... وكان أشهب رأى أن ذلك خارج عن جنس الكفن فالحقه بآلة الحرب ورآه غيره من أصحابنا من جنس اللباس المعتاد فلم ينزعه. وقالت الشافعية ينزع عنه ما لا يلبسه عامة الناس. وقد يتعلق من منع نزع ما ذكرنا بأنه منعه بقوله ﷺ : "ادفنوهم بثيابهم". ولكن روى ابن عباس أنه ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأمران يدفنوهم بثيابهم وأموالهم ودمائهم فكأنما أشار إلى اختصاص الثياب بالدفن وبنزع ما سواها.
وما ذكره يقاس عليه ما كان في معناه. وأما قول القاضي ويصلى على كل الشهداء ... على أن اسم الشهيد ... على الإطلاق بل بتقييد. وهو أن يقتله العدو على صفة ما ذكرناه. وقدمنا ... أن الحسن قال ... فكأن الحسن اعتقد أنها بحكم الشهداء. فنبه ...
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والصلاة إلى الأئمة ثم إلى (١) العصبة.
ولا ولاية فيها للزوج، ولا لذي رحم من غير عصبة (٢).
وأولاهم: الابن ثم ابنه. ثم الأب ثم الأخ الشقيق ثم الأخ للأب ثم أبناؤهم (٣) على هذا الترتيب ثم الجد ثم العمومة ثم بنوهم على ترتيب الإخوة.
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا أربعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - لِمَ قدم الوالي؟
٢ - (٤) المقدم؟
٣ - ولِمَ كان الزوج لا ولاية له؟
٤ - ومَا دليل الترتيب الذي قال به؟
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: ... الصلاة على الجنازة إمارة وتعصيب وصلاح. فإن ... الابن ... أحد هذه الأشياء الثلاثة فلا شك في
стр. 1188
تقدمه. فالأمير إذا انفرد بالحضور دون هذين قدم والعاصب إذا انفرد قدم والصالح إذا انفرد قدم. فإن اجتمعوا فعندنا أن الوالي أولى من الولي. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي في أحد قوليه الولي أولى من الوالي قياسًا على تقدمة الولي على الوالي في عقد النكاح وفي القيام بالدم. ودليلنا أن الحسن بن علي ﵄ لما مات، قدم الحسين ﵁ سعيد بن العاصي وهو أمير المدينة ودفع في قفاه وقال لولا السنة في تسكين الفتنة ما قدمتك. فيه خروج عن الظاهر. وقد اعتل في هذا بأن الميت قد كان رضي بإمامة هذا الوالي وقدمه أيام حياته. فكان ذلك مزية تقتضي التقدمة بعد الوفاة. وقياسهم على عقد النكاح والقيام بالدم لا معنى له. وهذه أصول متباينة. فطريق النكاح نفي المعرفة عن الأولياء بتزويج غير الكفء. وصلاة الجنازة لا مدخل لها في هذا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الوالي الذي إليه الصلاة فإن الأمير الأعلى لا خلاف في استحقاقه الصلاة. وأما من سواه ممن لا ولاية له، فإن المذهب قد اختلف فيه فنفى بعض أصحاب مالك استحقاقه الصلاة وقصر استحقاقها على الأمير الأعلى وجعلها مالك في المدونة لأمير العصر والقاضي وصاحب الشرطة إذا كانت إليهم الصلاة. قال مالك في المجموعة فإن كان القاضي لا يصلي بالناس فليس بأحق. قال سحنون ومن وكله أمير الجند على الصلاة وليس للذي وكله صاحب الشرطة ... أجر ولا صلاة. فلا حكم لهذا في الصلاة وإنما يكون صاحب المنبر والصلاة أحق من الأولياء. ذلك أن ... سلطان الحكم أو قضاء أو شرطة. وإلا فهو كسائر الناس في ذلك. وقال ابن وهب الحاكم القاضي هو أحق من الولي وليس كصاحب الشرطة في هذا.
وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن ذلك إن كانت إليه ... يجوز قصر هذا لاستحقاق على الوالي أو تعديه إلى من سواه على الاختلاف في الولي القريب ذا قدم ... دون الأجنبي أحق من ولي بعيد لكونه حل محل الولي القريب. أو لا يكون أحق فالسلطان الأعلى أحق بالتقدمة في الصلاة فأعطى حكمها إلى قاضيه صار ذلك كولي قريب ينقل إلى أجنبي. وأما ما ذهب إليه مالك ... عن سحنون فإنه ينبغي اعتبار أن تكون الصلاة إليه. ويكون بيده مع هذا أمر من أمور
стр. 1189
السلطنة. فكأنه ... هذين الموضعين يضاهي الإِمام المتفق على استحقاقه الصلاة. وظاهر ما حكيناه عن ابن وهب يذهب به إلى أن القاضي أحق لا يقتضي اشتراط انضمام الصلاة إلى أمور السلطنة. لكنه لم يراع أيضًا أمور السلطنة بانفرادها لقوله ويعتبر هو كصاحب الشرطة. ويمكن عندي أن يكون خص القاضي لما رآه مولى على الأمور الشرعية، لم يقم إلا للنظر فيها والصلاة من مكانه أقيم لها. فكذلك ما حكيناه عن ابن القاسم أنه رأى أن من أقيم للخطبة أقيم لها بالصلاة. لكونها تصلى جماعة. فأشبه الجمعة والعيدين. وقال مالك صلى صهيب على عمر ﵁. وأظن ذلك لأنه قال يصلي لكم صهيب ثلاثًا. فلم ينكر مالك إلى أن إقامته للصلاة تقتضي تقدمته.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الزوج. فعندنا أنه لا ولاية له في الصلاة. وذهب علىء وسعيد وعمر بن عبد العزيز إلى أنه أحق من القريب. وذهب الحسن والأوزاعي إلى أنه مقدم على الابن ... وذهب أبو حنيفة إلى ما ذهبنا إليه. لكنه اشترط أن لا يكون الولي ابنًا له. وإن كان ابنًا له كان الزوج مقدمًا لكراهة أن يتقدم الابن بين يدي أبيه. وقال بعض أشياخنا يندب لابن الميت أن يقدم جده الذي هو أبو الميت. لأنه لا ينبغي أن يتقدمه في هذا كما لا يتقدمه في صلاة الفريضة إلا أن يكون الابن ممن له الصلاة والفضل.
والجد ليس كذلك. وهذا كنحو ما رآه أبو حنيفة. لكن الجد له مدخل في هذه الصلاة واستحقاق لها. فهو آكد من الزوج. ولكن أسلوب ... في المسألتين يجريهما مجرى واحدًا.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قدمنا الابن وابن الابن علي الأب لأنه أقوى تعصيبًا منه. وهذا معلوم في المواريث. ولم يرل الشافعي هذا فقدم الأب لاعتقاده أن المراد في الصلاة الاجتهاد في الدعاء. والأب أرحم وأرأف من الابن. فهو أقرب إلى الاجتهاد في الدعاء. وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في تقدمة الأخ وولده على الجد. فقدمناهما على الجد لقوة تعصيبهما. وقدمت الشافعية الجد للمعنى الذي ذكرناه عنهم. فهذا وجه ما أشار إليه القاضي أبو محمَّد من ترتيب الأولياء وجميعهم أولى من مولى النعمة. لأن الولاء مشبّه بالنسب. والمشبه بالشيء أخفض منه رتبة. وينبغي للولي إذا حضر
стр. 1190
رجل له فضل أن يقدمه. قاله ابن حبيب. قال مالك وينبغي أن يفعل ذلك من سواه. وإذا كان الولي غير بالغ كان كالعدم ليس إليه صلاة ولا استخلاف. قال مالك في العتبية في مولى لامرأة ماتت يتقدم إليها ابن عم له. فقال ابن أخي المرأة أنا أحق ممن قدمت وأنت صبي لا أمر لك. قال هو لابن أخي المرأة وذلك له. وقد كنا قدمنا الاختلاف في الولي القريب إذا أراد أن يقدم ... على الولي البعيد، هل يمكن من ذلك. وفي السليمانية في الأب العبد أنه لا حق له في التقدمة إلا أن يكون من شقيق عبد. وكذلك في المساجد والأذان. وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يكون أحق كما يكون أحق بالإمامة في منزله لكونه مختصاً به. فكذلك اختصاصه بالولاية في الجنازة يقتضي كونه أحق. وإذا ثبت ما قلناه في الولاية فهل للميت نقلها من القاضي بالوصية لمن يصلي عليه أم لا؟ فقال مالك إذا أوصى إلى خير ولم يكن لعداوة بينه وبين وليه فذلك نافذ. وإن كان لعداوة بينهما لم يجز. والولي أحق. وعنه في العتبية الموصى إليه أحق.
وما زال الناس يختارون لجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين. وكان الناس يتبعون أبا هريرة وابن عمر رحمهما الله ورضي عنهما لذلك. وقال مالك في الموصى إليه أحق من الأولياء. وقاله ابن حبيب. وذهب الشافعي إلى أن الولي أحق من الوصي قياسًا على تقدمته في النكاح. ونحن لا نسلم هذا في النكاح في المشهور عندنا. وإن سلمناه في القول الشاذ. فإنا قدمنا أن أصل الولاية في النكاح نفي المعرفة. وفي الصلاة المعنى الباعث على الاجتهاد في الدعاء. فهما أصلان مختلفان. واختلف المذهب إذا اجتمعت جنائز. واختلف أولياؤهما فقال مالك في جنازة رجل وامرأة أحق بالصلاة من أوليائهما من له الفضل والسن، كان وليًا للرجل أو للمرأة. وقال ابن الماجشون ولي الرجل أحق وقد فعل ذلك يوم ماتت أم كلثوم بنت علي ﵄ ومات ابنها زيد ماتا جميعًا. وحضر ابن عمر والحسين ﵄ فقدّم ابن عمر لأنه ولي ابنها زيد.
قال القاضي ﵀: ولا تعاد الصلاة على ميت إذا سقط فرضها لا قبل الدفن ولا بعده.
стр. 1191
قال الفقيه الإِمام ﵀: قد كنا قدمنا الكلام على هذه المسألة في فصل تعلقت به. وقدمنا اختلاف المذهب في الصلاة على من أقبل بغير صلاة.
وأشرنا إلى أن المذهب قد قيل فيه إن الفراغ من الدفن يمنع من إخراج الميت.
واختلف هؤلاء هل فاتت الصلاة عليه أو لم تفت. فقال بعضهم فاتت فلا يصلى عليه. وقال بعضهم لم تفت ويصلى على القبر. وقد كنا قدمنا أن صلاته ﷺ على القبر بها تعلق من أجاز الصلاة على القبر. وذكر بعض أصحابنا إن كان هو الولي والإمام المتعين إمامته صار من صلى دونه عليها كأنه لم يصل. وقالوا على هذا إذا صلى قوم على جنازة دون وليها لم يسقط فرض الصلاة. وقال بعض أصحابنا بل يسقط. ولكن إنما صلى ﷺ لأنه أمرهم أن لا يدفنوها حتى يستأذنوه. فلما دفنوها دون إعلامه ﷺ صلى عليها. واضطراب أصحابنا في سقوط الفرض ها هنا بصلاة غير الولي يشبه اضطرابهم في النكاح إذا عقده غير ولي هل يفسخ أم لا. يضاهي القول بالفسخ القول بأن فرض الصلاة لم يسقط.
ويضاهي القول بإمضاء العقد القول بأن الفرض قد سقط. أما قول القاضي إن الصلاة لا تعاد، فإنا أيضًا أشبعنا الكلام على ما فيه من اختلاف وأدلة. وقد وقع في المدونة إذا لم يحضر الجنازة سوى النساء وأنهن يصلين ... (١) ... قالوا وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة. وأما البناء عليها فروى جابر أن النبي ﷺ نهى أن ترفع القبور أو يبنى عليها أو يكتب فيها أن تجصص. ويروى تقص. وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض. وفعله عمر ﵁. قال ابن حبيب تقصص وتجصص بمعنى تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض والقصة الجير وهو الجنة. وينبغي أن يسوى تسنيمه وكره مالك أن يرصص على القبر بالحجارة ويبنى عليها بطوب أو بحجارة، وكره هذه المساجد المتخذة على القبور. فأما مقبرة دائرة بني فيها مسجد يصلى فيه فلا بأس به. وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة ...
стр. 1192
فيها. ولم ير بالحجر والعود والخشبة بأسًا يعرف الرجل به قبر وليه ما لم يكتب فيه. (وقول عمر ﵁: لا تجعلوا على قبري حجرًا. مراده ما لم يكتب فيه) (١) وقول عمر ﵁: لا تجعلوا على قبري حجرًا. مراده من فوقه بمعنى البناء. قال ابن حبيب لا بأس أن يوضع على طرف القبر الحجر الواحد لئلا يخفى موضعه إذا عما أثره. وقال أشهب في مدونته تسنيم القبور أحب إليه، فإن رفع فلا بأس. وقال بعض أشياخي مراده إن زيد على التسنيم.
وقد قال خارجة بن زيد في البخاري رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان وإن أشدنا وثبة الذي يُنسب قبر عثمان بن مظعون. وهذا الذي نحا إليه أشهب. وقد قيل لمحمد بن عبد الحكم في الرجل يوصي أن يبنى عليه. قال لا ولا كرامة.
قيل أراد بذلك بناء البيوت ولا بأس بالحائط اليسير الارتفاع ليكون حائزًا بين القبور لئلا تختلط على الناس قبورهم. وأجاز أبو حنيفة البناء على القبور.
وأشار ابن القصار إلى أن البناء المكروه عليها أو حولها إنما في المواضع المباحة لئلا يضيق على الناس ما أبيح لهم التصرت فيه. وأما البناء في ملكه أو ملك غيره بإذنه، فذلك جائز. وهذا الذي حكيناه عن ابن القصار ظاهره خلاف المشهور من المذهب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: عندنا أن الجلوس على القبر جائز. وكره الشافعي الجلوس على القبر أو يطأه أو يتكئ عليه. وقال ابن حنبل يكره الدخول إلى المقابر بالنعل ولا يكره بالخفاف والشمشكاة. وحجة الشافعي قوله ﷺ : لأن يجلس أحدكم على جمر فيحترق ثوبه وتصل النار إلى بدنه أحب إليه من أن يجلس على قبر. وقال أبو هريرة ﵁: لأن أجلس على جمرة فيحترق ردائي ثم قميصي ثم تفضي إلى بدني أحب إليّ من أن أجلس على قبر امرئ مسلم (٢). ونحن نتأول النهي عن ذلك على أن المراد به الجلوس للغائط والبول. قال ابن حبيب كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد. وقد روي ذلك ... للنبي ﷺ . وكان علي بن أبي طالب ﵁ يتوسدها ويجلس عليها. قال فلا بأس بالمشي على القبر إذا عما. وأما وهو مسنم والطريق دونه
стр. 1193
فلا أحب ذلك. لأن في هذا تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا. وقد روي عن النبي ﷺ النهي عن ذلك.
والجواب عن السؤال الرابع: إنما قال يستقبل بوجهه القبلة لأنها أشرف المواضع وإليها كان يصلي أيام حياته ويتوجه. قال ابن حبيب يلحد على شقّه الأيمن ... القبلة اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالثرى لئلا يتصوب وتعدل رجلاه ويرفق في ذلك ويحل عقد كفنه إن عقد وقد اختلف الناس في الجهة التي يدخل منها قبره. فقال ابن حبيب إدخاله من ناحية القبلة أحب إلى. وقال أشهب أحب إلى أن أدخل من القبلة أو ... من ناحية رأسه من الشق الأيسر منك وأنت في القبر فواسع. ومذهب أبي حنيفة كمذهب ابن حبيب أن يؤخذ من قبل القبلة. ومذهب الشافعي أن المختار أن يؤخذ من يمين القبر. فإن كان مراده أن النازل في القبر إذا استقبل القبلة أخذ الميت من جهة يمينه ومن ناحية رجلي الميت. وكان أشهب مراده إن أخذه من جهة القبلة أو من جهة يسار النازل في القبر ومن ناحية رأس الميت وهي المقابلة للجهة التي قال الشافعي إن ذلك واسع بمعنى أن غيره أفضل. فكانه موافق لمذهب الشافعي. وسبب الاختلاف في هذا اختلاف الأحاديث. فقد روى ابن عباس قال إن النبي ﷺ سلّ سلًا من اليمين. وروى الطحاوي عن ابن عباس أنه قال ﷺ : ادخل القبر من قبل القبلة.
وروي إنما دخل أبو دجانة من قبل القبلة. وقال النخعي حدثني من رأى سلف أهل المدينة يأخذون الميت من قبل (١) ... أخبروه أربعة دل ذلك على أنه مقدار الوتر كما قاله الشافعي. والمطلوب ها هنا ما تمس الحاجة إليه. وهذا المعنى لا يقف على شفع ولا وتر.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا مات ميت في البحر فإن طمعوا في البر من يومهم وشبه ذلك حبسوه حتى يدفنوه في البر. فإن أيسوا من ذلك غسل وكفن وحنط وصلي عليه وألقي في البحر مستقبل القبلة محرفُ اعلى شقه الأيمن. قال ابن حبيب ولا تثقل رجلاه بشيء ليغرق كما يفعل من لا
стр. 1194
يعرف. فإن ألقاه البحر على ضفته فحق على من وجده أن يدفنه. قال سحنود يصلى عليه إلى القبلة وإن دار المركب داروا. وإن غلبوا صلوا بقدر طاقتهم فيثقل بشيء إن قدروا على تثقيله. قاله عطاء وابن حنبل. ورد هذا المذهب بأنه ربما ألقاه البحر إلى ساحل فيدفنه المسلمون وفي تثقيله قطع لما يرجى له من الدفن ومما ينخرط في سلك هذا نقل الميت من بلد إلى بلد. وظاهر مذهبنا جوازه. قال بعضهم لا بأس أن يحمل الميت إلى العصر إن كان مكانًا قريبًا.
قال ابن حبيب لا بأس أن يحمل من البادية إلى الحاضرة ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه. وقد مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق فحملا إلى المدينة. وأصيب طلبة ﵁ يوم الجمل فدفن. فرأى إنسان في المنام أن انقلوه فنقل فدفن في مكان آخر. قال بعض أصحاب الشافعي ليس في هذا نص. والذي يشبه عندي أنه يكره ذلك. وروي مثل هذا عن عائشة ﵂. واحتج الشافعي بأن النبي ي أمر بتعجيل دفن الميت. وفي نقله تأخير لدفنه. وانفصل عن نقل سعد وسعيد بأن ذلك ليس ببعيد. فأشبه نقل الميت في بلد كبير من طرف إلى طرف آخر في المقبرة. فأما ابن عمر فإنما أوصى أن ينقل لأنه كان من المهاجرين. ويكره للمهاجرين أن يدفنوا بمكة لأنه كره لهم المقام فيها. وهذا الذي أشار إليه الشافعي في تأويل سعد وسعيد. وقد اشترط مالك في جواز النقل أن يكون قريبًا. وأطلق ابن حبيب من غير اشتراط. فاشتراط مالك يقرب من تأويل الشافعي. فقد روي في البخاري أن جابر بن عبد الله قتل أبوه يوم أحد فدفنه جابر مع رجل آخر فلم تطب نفسه أن يتركه مع آخر في قبره فاستخرجه بعد ستة أشهر. وهذا الحديث قد أدخل حجة جواز النقل. ولكنه يتضمن جواز النقل بعد الإقبار. وإنما تكلمنا على النقل قبل الإقبار. وللميت حرمة تمنع من إخراجه من قبره إلا لضرورة كما ذكرناه من نسي الصلاة عليه على الاختلاف المذكور فيه وإلحاق دفن آخر معه بأبواب الضرورة المبيحة لإخراجه يفتقر إلى نظر آخر وبسط طويل (١).
стр. 1195
نجز كتاب الجنائز وبتمامه تم السفر الأول من شرح التلقين للإمام المازري ﵁ ونفع به يتلوه بحول الله وقوته السفر الثاني كتاب الزكاة.
والحمد لله حمدًا يدوم بدوامه والصلاة الدائمة كذلك على سيدنا محمَّد خاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعلى آله وصحبه ذوي الشرف وأنصاره وسلم تسليمًا كثيرًا.