← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثلث. فكان من بلغه أحرى أن يجتزأ به. وهذا الحديث هو حجة أبي حنيفة في اقتصاره على الناصية. وقد دوفع عنه بأنه لما (١) مسح على الناصية استكمل بقية الرأس بالمسح على العمامة. فلو كان الاقتصار جازيًا ما تكلف المسح على حائل. وقد روي عن مالك أنه إذا (٢) اقتصر على مقدم رأسه أجزأه. وفي لفظ هذه الرواية" ما يدل على أنه لا يكتفى بالبعض، إلا أن يكون مقدم الرأس. لأنه قيل له: فلو مسح بعض رأسه هل يجزيه؟ قال (٣) لا. أرأيت لو غسل بعض وجهه؟ وهذا يشير إلى ما قلناه. وما أظنه ذهب إلى ذلك إلا لحديث الناصية أو ما في معناه من الأحاديث. وقد قال بعض أصحابنا الذاهبون إلى أن الواجب استكمال الرأس بالمسح، إن ترك ما لا يمكنه التحفظ من تركه في (٤) مسح رأسه ووجهه في التيمم فإنه يكتفى به. ولا معنى عندي لذكر الوجه مع الرأس ها هنا. لأن الرأس كثر الاختلاف فيه كما (٥) تقدم، وغسل الوجه في الوضوء يجب إيعابه جميعًا (٦) فكذلك في بدله التيمم. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما مسح ما انسدل عن محل الفرض فإنه على قولين. وهو (٧) مثل ما انسدل من اللحية. فوجه إثباته، أنه متصل بمحل الفرض فكان حكمه (٨) حكمه. ووجه نفيه أنه لا يحاذي محل الفرض (٩) فلم يكن منه. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: غسل الرأس يجزئ عن مسحه عند بعض أصحابنا. ووجهه أن المسح تخفيف عن المكلف، فإذا أحب التكلف

стр. 142

بما هو أثقل وأتى به أجزأه، مع أن الغسل فيه معنى المسح وزيادة عليه. فإن لم تنفع الزيادة لم تضر. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: لم يختلف المذهب في أنه لا بد من استئناف بلل لمسح الرأس، ولكنه إن لم يفعل ومسحه ببلل الماء الذي غسل به ذراعيه فإنه يتخرج على قولين في الوضوء بالماء الذي قد توضأ به، وقد احتج للإجزاء ها هنا، بما روي أنه ﵇ لم يستأنف الماء لمسح رأسه (١). والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما مسحه بما حصل على رأسه، فإن بعض أصحابنا منع الاكتفاء به لأنه لا يحصل منه من (٢) استيفاء المسح ما يحصل بما بقي في اليدين من بلل. وهذا عندي لا يعد فيه الإجزاء عند من رأى من أصحابنا ألَّا معتبر ببقاء البلل في اليدين في جملة مسح الرأس. ومن اعتبره منهم منع مما ذكرناه إذ كان لا يحصل استيفاء المسح بالبلل. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما الأذنان فقد اختلف فيهما، فقيل هما من الرأس يمسحان معه. ووجه هذا ما روي "الأذنان من الرأس" (٣) وقوله: خرجت الخطايا من رأسه حتى من أذنيه (٤). وقيل ليستا من الرأس. ومسحهما سنة. ووجهه أن الرأس تسمية (٥) لجارحة مخصوصة على شكل معلوم. والأذنان ليستا من ذلك الشكل. ولا مما ينطلق عليه التسمية. على أن جماعة من الصحابة الواصفين لوضوء النبي ﷺ ، وصفوه ولم يصفوها فيه. وقد اتفقت الأمة على أن من اقتصر على مسحهما دون مسح الرأس فإن ذلك لا

стр. 143

يجزيه. مع كون أكثر العلماء على (١) القول بالاكتفاء بمسح بعض الرأس. وما (٢) ذلك إلا لكونهما ليستا من الرأس فتغني (٣) عنه. وقد ذهب ابن شهاب إلى أنهما من الوجه يغسلان معه، لقوله ﵇ سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره (٤) فأضاف السمع إلى الوجه فدل أنه منه. ومن الناس من ذهب إلى أن ما يلي الوجه منهما منه، لأنه (٥) يواجه به. وما يلي الرأس منه. ولم يختلف المذهب عندنا (٦) أن الصماخين مسحُهما سنة. وإنما الخلاف فيما برز من الأذنين. وإن ترك مسحهما على القول بأنه فرض فالجمهور على أنه لا يمنعه الأجزاء. وذلك ليسارتهما وكثرة الخلاف فيهما. ومن أصحابنا من أمر معتمد تركهما بإعادة الصلاة، لإخلاله بجزء من الفرض. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما وجه اختياره البداية بما اختاره فلأنه قياس سائر الأعضاء وقد جرى العمل بالبداية بأوائلها. وأول الفعل يجب أن يكون في أول العضو. وقد وسع في البداية بوسطه، لقوله في حديث زيد بدأ بمقدم رأسه فأقبل بيديه وأدبر (٧) اتباعًا لظاهر هذا الحديث. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما حلق الرأس بعد مسحه فإنه لا يسقط حكم المسح، ولا يوجب إعادته. لأنه حكم قد ثبت، واستقر حكم

стр. 144

طهارة الرأس به، ولم يثبت هذا الحكم لوجود الشعر فيزول بعدمه. وقد خالف في هذا عبد العزيز ابن مسلمة في أحد التأويلين عليه. وراءه كمسح (١) الخف الذي يزول حكمه بزواله. والفرق بينهما عندنا أن مسح الرأس أصل لم يثبت بدلًا عن شيء. فيسقط عند حضور مبدله. ومسح الخفين إنما ثبت بدلًا عن غسل الرجلين، فطهور المبدل يسقط حكم بدله (٢). قال القاضي ﵀ والفرض في تطهير القدمين غسلهما إلى الكعبين. والكعبان هما العظمان اللذان عند معقد الشراك، وقيل الناتئان في طرف الساق. وهما داخلان في الوجوب. وعلى أقطعهما غسل ما بقي له منهما. بخلاف المرفقين. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها، أن يقال: ١ - ما الدليل على أن الفرض في الرجلين غسلهما لا مسحهما، مع ورود القراءتين بهما؟. ٢ - وما وجه قوله أن الكعبين هما العظمان اللذان وصف؟. ٣ - وما الدليل على وجوب دخولهما (٣) في الغسل؟. ٤ - ولم اختلف حكم قطعهما مع قطع المرفقين؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في حكم الرجلين، فذهب فقهاء الأمصار إلى أن فرضهما الغسل دون ما سواه. وذهب ابن جرير الطبري وداود إلى أن الفرض تخيير (٤) المكلف بين غسلهما أو مسحهما. وصار من لا يعتد بخلافه إلى أن المسح هو الفرض دون ما سواه. واعلم أن النكتة في هذا الباب تنحصر إلى رد إحدى القراءتين إلى الأخرى، فيتعين مقتضاها، أو يعجز عن ذلك. فيتعين التخيير. فقراءة النصب ظاهرها العطف على المنصوب المتقدم، وهو الوجه واليدان. فيكون حكمهما كحكم ما

стр. 145

عطفا عليه. وقراءة الخفض ظاهرها المسح عطفًا على الممسوح المتقدم وهي (١) الرأس. فلما تعين (٢) عند فقهاء الأمصار الغسل لزمهم رد قراءة الخفض إليه، فتلطفوا في ذلك، بأن قالوا: فإن الخفض ليس بعطف ولكنه ورد على الاتباع للمخفوض. و (٣) على حكم الجواز. وكثير في اللسان الخروج عن (٤) حكم الإعراب في بعض الألفاظ اتباعًا لها بما تقدم ليتسق الكلام، وأنشدوا في الخفض على الجوار والاتباع أشعارًا يطول إيرادها. واستشهدوا من المنثور بقول العرب: هذا جحر ضب خرب. ورأيت أبا الفتح ابن جني أنكر في كتابه المترجم بالخصائص: أن يكون في هذا الذي استشهدوا به ها هنا خفض على الجوار (٥) أو الإتباع. وخرج له وجهًا آخر (٦) سائغًا في صناعة النحو ليس هذا موضع ذكره. ودوفع الفقهاء أيضًا بأن هذا الذي تمثلوا به لا حرف عطف فيه. ولا يخفى على السامع استحالة رجوع الخراب إلى الضب. فلهذا تسامحت العرب فيه. وذكر الرجلين ورد بحرف عطف، فلا وجه لإبطال حكم العطف الظاهر لإعراب يستعمل على جهة النادر. مع أن المسح فيهما ليس بمستحيل. فيعلم السامع باستحالته (٧) صرف الإعراب عن ظاهر دلالته. فأورد الفقهاء أمثلة خفض فيها، على الجواز مع حرف العطف وهذا نهاية ما لهؤلاء القوم. وأما من تعلق بقراءة الخفض ورأى تعين المسح، فيلزمه أيضًا رد قراءة النصب إليها، فتلطف في ذلك بأن قال: فإن النصب ليس بعطف على الوجه ولكنه عطف على موضع الرؤوس قبل دخول الباء عليها. وموضعها النصب لأنه مفعول تعدى إليه الفعل بحرف جر، فكان التقدير فامسحوا رؤوسكم وأرجلكم. فيتعين فرض المسح. والعطف على الموضع قد استعمل كثيرًا في اللسان وأنشدوا في ذلك

стр. 146

أشعارًا يطول ذكرها. فدوفعوا أيضًا عن ذلك (١) بأن قيل لهم: العطف على الموضع إنما يجوز أيضًا فيما لا يشكل. ولهذا لا يحسن أن يقال: مررت يزيد وضربت عمروًا وخالدًا، وأنت تريد عطف خالد على موضع زيد، لأن ذلك مما لا يفهم من الخطاب، -بل السابق إلى اللهم من الخطاب خلافه- (٢) وكون خالد معطوفًا على عمرو. وكذلك الظاهر من الخطاب عطف الرجلين على الوجه. فحملها على العطف على الموضع لا يحسن من غير دليل. هذا الذي يتعلق به الفريقان من جهة اللسان. ويجب أن يعلم أيضًا أن النظر إنما يتحصل بين القول بتعيين (٣) الغسل والقول بالتخيير بينه وبين المسح. وأما القول بتعيين (٣) المسح فليس بشيء ينظر فيه. وإن كان قد تلطف له من اللسان بما ذكرناه لأنه مذهب، إنما يؤثر عن الشيعة ومن لا يعتد به. والذي يؤثر عن ابن عباس أنه قال: غسلتان ومسحتان (٤)، محمله إن ثبت، على المسح على الخف (٥). ومما يؤثر أيضًا عن أنس لما قيل له قال الحجاج أمر الله بغسل الرجلين، فقال: صدق الله وكذب الحجاج، إنما أمر بالمسح. فمراده بهذا أن القراءتين لما اختلفتا ووقع فيهما ما قدمناه من التنازع في وجوه الإعراب، رأى أن القرآن لم يرد بنص صريح بالغسل. وإنما ثبت ببيان الرسول. فقصد بما أورد المناقضة. فلا يجعل المسح مذهبًا لهما. وإذا اتفق العلماء على غسل الرجلين قولًا وفعلًا، وعمل به الخاص والعام، وثبت عن المصطفى ﷺ فعله بأحاديث كثيرة، بطل مذهب من أنكره واقتصر على المسح. وهذا واضح، لا يستريب فيه محصل. ولما علم ابن جرير وداود بطلان قول من عين المسح بهذا الذي ذكرناه، وتساوت القراءتان عندهمالأولم تترجح إحداهما على الأخرى، ولا

стр. 147

أمكن رد إحداهما إلى الأخرى، كان الواجب في مقتضى الأصول، إيجاب الغسل والمسح معًا. لأن هذا حكم الآيتين الواردتين بحكمين لا يتنافيان. والقراءتان كالآيتين. ولكن يصدهما عن ذلك أنه مذهب (١) لم يثبت عن أحد من الصحابة، بل الثابت العمل بخلافه. وإن كان قد نقل عن بعض من لا يعتد بخلافه. وإن الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ باقتصاره على الغسل يمنع من المصير إليه. فإذن وجب العمل بمقتضى الآيتين وألَّا يسقط حكم إحداهما لأجل الأخرى. ومنعهما ما ذكرناه من إيجاب مضمونيهما جميعًا (٢) لم يبق من الأقسام إلا التخير بينهما ويصيران في حكم ما يتنافى. وما يتنافى إذا ورد الشرع به ولم يمكن البناء (٣) فيه كان الواجب التخيير (٤). هذا الذي قادهما إلى القول بالتخيير (٤)، ولكن الفقهاء يدفعونهما عنه بأوجه أحدهما أن التخيير (٤) قول لم يسبقا إليه. وإحداث قول خارج عن جملة أقاويل المختلفين ممنوع عند أكثر أهل الأصول. ويلحق بخرق الإجماع. ومنها أن الآيتين اللتين في حكم ما يتنافيان، إنما يصار فيهما إلى ما ذكرناه عند تعذر رد إحداهما إلى الأخرى. وهاتان القراءتان قد أريناك فيما قدمنا وجه رد إحداهما إلى الأخرى من جهة الإعراب فيجب أن تسلك تلك الطريقة وتنظر فيما قدمناه. ويعتضد بالدليل الذي منع من القول بتعين المسح ومن القول بالتخير (٥)، أو تترك إحداهما إلى الأخرى من طريقة أخرى. وهي أن يقال: قدمنا عن أهل اللغة في فصل قبل هذا أنهم يسمون الغسل مسحًا، ومنه قولهم تمسحت للصلاة. وقال الفارسي: المسح خفيف الغسل. فإذا ثبت أن الغسل يسمى مسحًا. فقصارى الأمران يسلم أن (٦) قراءة الخفض مقتضية المسح من غير احتمال من جهة الإعراب. وإذا سلمنا ذلك وكان الغسل يسمى مسحًا حملت على أن المراد بها الغسل لانطلاق تسمية

стр. 148

المسح عليه كما قدمنا. وهذه طريقة واضحة. وإذا أمكن هذا البناء وتأتى رد قراءة الخفض لقراءة النصب بهذا الوجه، أو بالذي قبله وعضدنا ذلك بالأحاديث الثابتة التي روتها الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ وذكروا فيها غسل الرجلين (١)، امتنع القول بالتخيير (٢) وهذا واضح وفيه غنية لمن تأمله. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف في الكعبين ما هما؟ فقيل العظمان البارزان في طرف الساق. وهذا الظاهر من المذهب. وقيل هما اللذان عند معقد الشراك. واعلم أن أصل الكتب الارتفاع والظهور. ومنه الكعبة. ومنه امرأة كاعب إذا برز نهدها. فاللذان عند معقد الشراك عظمال برزا وهما أقرب إلى الرجل من العظمين (٣) الآخرين فكانا أولى بالإسم. وإن لم يبرزا ذلك البروز. واللذان في طرف الساق هما أشد بروزًا وارتفاعًا. فكانا أحق بالتسمية على رأي الآخرين. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما دخولهما في الغسل فإن فيه اختلافًا. وهو كالاختلاف في دخول المرفقين والكلام فيهما واحد. وقد مضى ذكره فلا وجه لإعادته. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما خالف بين حكم القطع في الكعبين والقطع في المرفقين، لأن المرفقين يذهبان بذهاب الذراع، والكعبان قد يبقيان مع قطع الرجل، فيجب غسلهما لأنها جزء من المفروض. قال القاضي ﵀: ومن شيوخنا من يعد الموالاة فرضًا على الذكر، والذي يجب أن يقال: أن التفريق يفسده مع التعمد أو التفريط، ومع الطول المتفاحش الخارج عن الموالاة. ولا يفسده (٤) قليله ولا على وجه السهو، وهذا الكلام في تفصيل فروضه. وبيان الماء المطلق يأتي في موضعه إن شاء الله.

стр. 149

قال الإمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الموالاة؟. ٢ - وهل هي فرض أو سنة؟. ٤ - وما وجه حكايته عن شيوخه وجوبها وإضرابه عن ذلك بأن قال: والذي يجب أن يقال: أن التفريق يفسده مع التعمد أو التفريط. والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الموالاة هي (١) كون الشيء يلي الشيء. ولكن قد يطلق هذا على ما يليه بالزمن البعيد، ولكن المراد ها هنا ما يليه بالزمن القريب. ويفعل عقيبه بالفور. والغوض من هذا أن يكون المتوضئ يغسل أعضاءه في فور واحد. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف المذهب في الموالاة هل هي فرض أو سنة؟ واعلم أن نقطة الخلاف في ذلك هي (٢): أن الله تعالى أمر بغسل أعضاء معدودة، وعطف بعضها على بعض فهل يقتضي ذلك فعلها على الفور؟ أو يكون له التراخي في امتثال هذا الأمر؟ هي مسألة خلاف بين أهل الأصول. والحجة للصحيح من القولين في هذا الأصل تذكر في كتب الأصول. ونقطة ثانية وهي (٣) أنه ﷺ نقل: أنه غسل أعضاء وضوئه في فور واحد وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٤). فقدله هذا وضوء. هل هو إشارة إلى مجرد الفعل؟ أو إلى الفعل وزمنه؛ فإن قلنا: أنه إشارة إلى مجرد الفعل لم يكن فيه ما يقتضي الفور، وإن قلنا وقع إشارة إلى الفعل وزمنه، فزمنه كان متصلًا فيجب أن يكون الفعل متصلًا. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما ترك الموالاة فاختلف فيه على أربعة أقوال:

стр. 150

١ - فقيل يفسد الطهارة تركها عمدًا أو نسيانًا. ٢ - وقيل لا يفسد لا عمدًا ولا نسيانًا. ٣ - وقيل يفسدها عمدًا ولا يفسدها نسيانًا. ٤ - وقيل يفسدها إلا في المسموح فإنه لا يفسد بالنسيان. وقيّد بعض هؤلاء المسموح بأن يكون أصلًا. احترازًا من المسح على الخفين. فهذه (١) الأقوال دائرة على ما تقدم من الاختلاف في الموالاة هل هي فرض أو سنة؛ فإن قيل بأنها فرض صح القول بأن تركها يفسد الطهارة. ومن قيد من هؤلاء بالذكر صح التفرقة بين العمد والنسيان. وإن قيل بأنها سنة صح القول بأن تركها لا يفسد العبادة لا محمدًا ولا نسيانًا. وقد يصح على هذه الطريقة أيضًا أن يقال: إن تركها محمدًا يفسد الطهارة على القول بأن ترك السنن تعمدًا يفسد العبادة. وأما التفرقة بين المسموح والمغسول فلا معنى له، لكن لعلهم رأوا أن المسح تخفيف فسلكوا هم هذه الطريقة أيضًا في تخفيف حكمه. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما أضرب عن ذكر الوجوب الذي حكاه عن شيوخه إلى الذي فضله؛ لأن المحفوظ عن مالك والجمهور من متقدمي أصحابه، حكم تركها لا النص على وجوبها أو الندب إليها، وإنما اقتضب نقلة المقالات (٢) عنهم مذهبهم في الوجوب والندب مما أوردناه عنهم من مذاهبهم في الترك. وهو اقتضاب فيه نظر. لأنا أريناك أن الفساد يتعلق بالترك عمدًا على القول بالوجوب وعلى القول بالندب أيضًا، على رأي من يرى أن ترك السنن تعمدًا (٣) يفسد العبادة. وإن ترددت أجوبتهم في الترك بين هذين الأصلين. والتحقيق أن تحكى أجوبتهم على ما هي عليه. ولا يستقرأ منها ما استقرأه من تقدم. وهذا من تحقيق القاضي أبي محمَّد ﵀ وتحصيله. على أن في تفصيله فوائد منها. أن إطلاق القول: بأن ترك الموالاة تفسد الطهارة يقتضي إفسادها وإن كان

стр. 151

التفريق قليلًا. فأبان بما أورد أن القليل معفو عنه. وأشار إلى طريقة سلكها أيضًا بعض المتأخرين، وذلك أنهم (١) قالوا إن الذي قصر ماؤه عن إتمام طهارته فإنه إن اعتد (٢) منه في أول أمره قدر الكفاية بإهراق بغير تفريط منه فإنه يلحق بحكم الناسي لأنه مغلوب كالناسي. وإن اعتد من أول أمره (٣) دون كفايته من الماء لحق بأحكام المتعمد لتفريطه. فأشار إلى هذا بقوله أن التفريق يفسده مع التعمد أو التفريط. فلأجل هذه الفوائد أضرب عن الإجمال وعدل إلى التفصيل. قال القاضي ﵀ فأما بيان سننه: فمنها غسل اليد (٤) قبل إدخالها في الإناء، وذلك من سنة الوضوء لكل طاهر اليد مريد للوضوء بأي نوع كان انتقاض وضوئه من الأحداث وأسبابها، من بول أو غائط أو ريح، أو نوم من ليل أو نهار، أو لمس، أو مس فرج أو كان مجددًا (٥). قال الإِمام ﵁ يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال: ١ - لم قيد قوله بأن غسل اليد سنة لكل طاهر اليد؟. ٢ - وما وجه تفصيله للأحداث؟ (٦) وأسبابها؟ ٣ - وما معنى التنبيه على نوم النهار؟. ٤ - وما وجه غسل اليد؟. ٥ - وكيف صفة غسلها؟. ٦ - وكم مقدار عدد غسلها؟. والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إفما قيد بقوله طاهر (٧) اليد، لأن

стр. 152

من كان نجس اليد فغسل يديه واجب، إذا كان الماء الذي أعده لوضوئه قليلًا. هذا على طريقة من قال من أصحابنا أن الماء القليل تنجسه النجاسة القليلة. ويمنع من الاعتداد بالوضوء به. فعلى هذه الطريقة يكون غسل اليد واجبًا، لأن بغسل يده يتوصل إلى صحة (١) وضوئه. فقيد ﵀ قوله، بذكر طاهر اليد احترازًا من هذا. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما ذكر الأحداث وأسبابها؛ لأن من الناس من قصر الحديث على ما ورد عليه. ورأى أن غسل اليد واجب عند القيام من النوم دون غيره من الأحداث وأسبابها. فأخبر (٢) ﵀ أن مذهبه المساواة بين الأحداث وأسبابها. وأن النوم إنما خص بالذكر في الحديث لينبه به على بقية أسباب الحدث، والحدث نفسه. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما ذكر نوم النهار لأن من الناس من ذهب إلى أن غسل اليد، إنما يجب من نوم الليل خاصة لقوله ﵇: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٣). والمبيت إنما يكون ليلًا. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما وجه غسل اليد ففيه قولان: أحدهما أن ذلك على وجه النظافة وتحرزًا من نجاسة يمكن أن تكون علقت بها. ولهذا قال بعض أصحابنا لو انتقض وضؤوه وهو قريب عهد بغسل يده فإنه لا يؤمر بإعادة غسلها إذا تحقق طهارتها لزوال العلة المتعلق بها الحكم. وقد علل ﵇ غسلها بما قلناه وذلك أنه قال: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده". والثاني أن ذلك على وجه العبادة الغير المعللة. ولهذا قال بعض أصحابنا عليه أن يعيد غسل يديه في السؤال الذي فرضناه؛ لأن غسلهما تعبد غير متعلق بعلة تزول بزوالها. لأنه ﵇ قيد غسلهما بعدد. وغسل النجاسة غير مقيد (٤) بعدد.

стр. 153

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما صفة غسلهما فإنه يتخرج على القولين المذكورين (١). وذلك أنا إذا قلنا أن غسلهما على جهة التعبد الغير معلل، فإن صفة غسلهما: أن تغسل كل يد على حيالها (٢). لأن صفة التعبد في غسل الأعضاء هكذا. ألا ترى أنه لا يشرع في غسل عضو حتى يستكمل غسل ما قبله (٣). وإلى هذا أشار بعض أصحابنا في صفة غسلهما. وهو ظاهر حديث ابن زيد ذكر (٤) في صفة وضوئه ﵇: أنه غسل يديه مرتين مرتين (٥). وإفراد كل واحدة بالذكر يدل على إفرادها (٦) بالغسل. وإن قلنا أن غسلهما معلل بما قدمناه حسن أن يغسلا معًا لأنه أبلغ في المراد من تنظيفهما. هكذا ذكر بعض شيوخنا. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما مقدار عدد غسلهما فقد أشار بعض أصحابنا، إلى غسلهما مرتين أخذًا بحديث زيد المتقدم. وأما على الحديث الآخر فالمختار ثلاثًا لقوله: "فليغسلهما ثلاثًا" (٧) ولأنه القدر الذي تتعلق به الفضيلة في سائر أعضاء الوضوء المغسولة. قال القاضي ﵀: وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة، وهو المضمضة، وصفتها أن يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه.

стр. 154

وأما تطهير داخل الأنف فإنه سنة. وصفته: أن يجذب الماء بخياشيمه (١) وهو الاستنشاق. ويستحب له المبالغة فيه إلا في الصوم. وأما غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن فسنة. ويستوفي جميعه بالغسل. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما وجه القول بأن المضمضة والاستنشاق سنتان؟. ٢ - وما المختار في صفة غسلهما؟. ٣ - ولم جعل غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن سنة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في المضمضة والاستنشاق في الوضوء. فمن الناس من أوجبهما، لأنه رآهما من الوجه. وقد أمر الله تعالى بغسل الوجه. وهما جزءان منه، فوجب أن يغسلا معه. ومن الناس من لم يوجبهما، لأن المواجهة لا تقع بهما. وإذ لم تقع بهما لم يكونا من الوجه، وإذا لم يكونا منه لم يجب غسلهما لقوله ﵇: "توضأ كما أمرك الله". وليس هما مذكوران فيما أمر الله به في القرآن. ومن الناس من أوجب الاستنشاق دون المضمضة لأن باطن الأنف يواجه دائمًا بخلاف باطن الفم. ومن أسقط وجوبهما وهو مذهب أصحابنا، فإن غسلهما عنده سنة. وهو المشهور من مذهبنا لأنه ﵇ واظب على غسلهما ومضى العمل بذلك من المسلمين. وهذا يدل على تأكدها (٢) فألحقا بالسنن. وذهب بعض أصحابنا إلى أن غسلهما فضيلة وهذا راجع إلى اختلاف في عبارة. لأنا قدمنا حقيقة السنة والفضيلة. وأخبرنا أن اختلاف هاتين التسميتين راجع إلى اختلاف الأجور. لا سيما والذي ذهب من أصحابنا إلى أن غسلهما فضيلة، أخبر أن السنن عنده، هي التي يمنع تركها من أن يعتد (٣)

стр. 155

بالعبادة. فلما كان المضمضة والاستنشاق لا يفسد تركهما العبادة لم يعدا عنده سنة. ونحن لا نخالفه في أن تركهما لا يفسد العبادة، ولكنا لا نقصر هذه التسمية على ما قصرها عليه. لأن ذلك مما لم توجبه لغة ولا اصطلاح. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما صفة غسلهما فاختلف الناس فيه. فمنهم من قال: المختار أن يغسل الفم ثلاثًا بثلاث غرفات (١) ثم من بعده يغسل الأنف كذلك. لأنهما عضوان متميزان. فيميز كل واحد منهما بالغسل عن صاحبه. ويكرر فيه من العدد ما يكرر في كل عضو. ومن الناس من ذهب إلى أن يغسلا معًا ثلاث مرات من غرفة واحدة. لأنهما عنده كعضو واحد فجمعا في الغسل معًا. واقتصر على غرفة واحدة فيهما، لورود الخبر بها (٢). ومن الناس من ذهب إلى أن يجمعا معًا (٣) ولكن بثلاث غرفات؛ لأنهما عنده كعضو واحد كما قدمنا. ولكن من حكم العضو الواحد أن يتكرر فيه أخذ الماء. ولورود الخبر بأنه تمضمض واستنشق بثلاث غرفات (٤). والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن (٥). فقد قدمنا أن فيه اختلافًا هل هو من الوجه فيجب غسله، أو ليس منه فلا يجب غسله؟ وذكرنا وجه القولين. وأما إثبات غسله سنة. فقد تعقبه بعض (٦) شيوخنا على القاضي أبي محمَّد. وأنكروا قوله فيه ها هنا، وقالوا إن كان عنده من الوجه فغسله واجب لا سنة. وإن كان ليس من الوجه (٧) فغسله غير واجب. ولا معنى لعده سنة كالقفا. وهذا الذي قالوه صحيح. وأمثل ما اعتذر به عنه ﵀ أن يقال: لعله عثر في بعض الأخبار على ما يقتضي

стр. 156

غسله، وثبت عنده أنه ليس من الوجه فحمل ما عثر عليه (١) أنه سنة أو يكون شك في كونه من الوجه فلم يوجب غسله بالشك استصحابًا لبراءة (٢) الذمة. ولكنه لما جاز أن يكون مرادًا بالخطاب وداخلًا (٣) في الظاهر أمر بغسله ليخرج من الشك وليسلم من الاختلاف. وعبر عن ذلك بأنه سنة. لأن السنة عبارة عنده على (٤) ما لا يجب فعله، ولكنه يعظم الأجر فيه، ويشتد التحريض عليه. وهذا المعنى موجود في غسل البياض فأعار (٥) هذه التسمية. قال القاضي ﵀: وأما الأذنان فيستحب استيفاؤهما بالمسح، ظاهرهما وباطنهما. وإدخال الأصابع (٦) إلى الصماخين. وقد بينا القول في الرجلين. وأما بيان الترتيب المسنون فهو أن يبدأ بعد النية فيسمي (٧) ويغسل يديه قبل إدخالهما الإناء. ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم ليستنثر (٨)، ثم يغسل وجهه. يبدأ من أعلاه، ثم يمنى يديه، ثم يسراهما من أطراف الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح بالرأس على الصفة المتقدمة (٩)، ثم الأذنين (١٠) ثم يغسل (١١) يمنى رجليه ثم يسراهما. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة. منها أن يقال: ١ - هل يستأنف الماء في مسح أذنيه أم لا؟.

стр. 157

٢ - وهل الترتيب واجب أم لا؟. ٣ - وما الحكم فيه إن تركه؟. ٤ - وهل حكم غسل الأعضاء معًا بمنزلة عدم الترتيب؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف أصحابنا في ذلك، فالجمهور على أن (١) استئناف الماء لمسح الأذنين مشروع. وقال ابن مسلمة: إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله (٢). فأما القول باستئناف الماء فمبني على أن مسحهما سنة. وإنهما عضوان منفردان عن الرأس شرع مسحهما، فوجب أن يختصا بماء يؤخذ لهما قياسًا على سائر الأعضاء. وأما القول بإسقاط ذلك فمبني على أنهما جزء من الرأس فلا يشرع تخصيصهما بماء قياسًا على سائر أجزاء الرأس. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الترتيب في الوضوء فاختلف فيه: فقيل واجب، وقيل سنة، وقيل مستحب، فوجه القول بوجوبه أن الله سبحانه أمر بغسل أعضاء مخصوصة عطف بعضها على بعض بالواو. والواو توجب الترتيب على ما ذكره الفراء وغيره من أهل اللغة. فوجب الترتيب لذلك. وأيضًا فإن من شأن العرب إذا ذكرت جملًا متجانسة فإنها لا تفرق بينها لمخالف لها إلا لغرض (٣). ولهذا لا يقولون ضربت زيدًا وأكرمت عمروًا وضربت بكرًا وإنما يقولون ضربت زيدًا وبكرًا وأكرمت عمروًا. فلما ذكر الباري سبحانه غسل اليدين والرجلين وفرق بينهما بمسح الرأس وهو مخالف لهما، دل على أنه لم يفرق بينهما بمسح الرأس إلا لأن ذلك موضعه الذي لا يجزئ فعله إلا فيه. وأيضًا فإن عادة العرب إذا ذكرت الشيء إنما تعطف عليه الأقرب (٤) إليه. ومعلوم أن الرأس أقرب إلى الوجه من اليدين إليه. فلما ذكر الله سبحانه اليدين بعد

стр. 158

الوجه مع بعدهما منه، دل ذلك على أن ذلك موضعهما الذي لا يجزئ إيقاع الفعل إلا عليه. وأيضًا فإنه ﵇ توضأ ورتب على حسب ما ورد به القرآن، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١). وهذه إشارة إلى الفعل وترتيبه (٢). فاقتضى ذلك وجوب الترتيب. وأيضًا فإنها عبادة يبطلها الحدث، فوجب أن تبطلها التفرقة كالصلاة. ووجه القول بأنه سنة. أن الواو لا توجب الترتيب. وإنما أصل موضوعها الجمع والاشتراك. وهذا هو (٣) المشهور والمنصوص في كتب النحاة. وإذا لم تقتض الترتيب، لم يكن في الآية دليل على الوجوب. وأما تفرقته سبحانه بين المغسولين بذكر الممسوح فإنما ذلك لأن المسح في معنى الغسل وكالمجانس له. وقد قدمنا أن بعض أهل اللغة سمى (٤) الغسل مسحًا. وذكرنا عن بعضهم أن المسح خفيف الغسل. وهذا يحسن معه الفصل بين المغسولين بذكر الممسوح. وأما ذكره الرأس بعد اليدين وهو أقرب إلى الوجه، فإنما ذلك لمجانسة حكم الوجه واليدين في أنهما مغسولان. ولأن الرأس يشارك الرجلين في بعض الأحكام وهو سقوطه مع الرجلين في التيمم، فحسن تأخير ذكره لذلك. وأما قوله ﵇: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". فإن ذلك إشارة إلى الفعل لا إلى ترتيبه (٥)، ومن زعم أنه إشارة إليهما فعليه الدليل. وأما قياس الوضوء على الصلاة فإنه غير مسلم لأن الوضوء وإن شارك الصلاة في أنهما يبطلان بالحدث، فقد فارق الصلاة في أحكام كثيرة. فليس

стр. 159

لأحد أن يجعل الوضوء كالصلاة لاجتماعهما في حكم، إلا وللآخر أن يجعله بخلافها لافتراقهما في أحكام. وأيضًا فإن رد الطهارة إلى طهارة أولى من رد طهارة إلى صلاة (١). فلو ابتدأ المغتسل من الجنابة بأسفل بدنه على خلاف ما ورد به الخبر في صفة الغسل لأجزأه. وإن كان بعض أصحابنا حكى في ذلك اختلافًا. لكن الجمهور من الموجبين للترتيب في الوضوء على سقوط الترتيب في الغسل. وقد قال ابن الجهم من أصحابنا قد أجمع على أنه لو بدأ في غسل ذراعيه بالمرافق لأجزأه، وإن كان قد خالف ظاهر القرآن، لأن الله سبحانه جعلهما نهاية، وهذا جعلهما بداية. فإذا أجزأه ذلك مع مخالفته الظاهر أجزأه مخالفة الترتيب أيضًا. وإذا ثبت سقوط الوجوب بهذا الذي ذكرناه، وكان المنقول عنه ﷺ ، أنه توضأ على حسب ما ورد به القرآن. وتكرر فعل ذلك منه اقتضى ذلك أنه سنة. ووجه القول بأنه مستحب ما كنا أشرنا إليه. وذلك (٢) أن ابن خويز منداد قال: كل ما لا تفسد الطهارة بتركه فليس سنة، وإنما هو مستحب. والترتيب عنده لا تفسد الطهارة بتركه، فكان مستحبًا. وقد قدمنا الكلام على هذه الطريقة. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إن ترك الترتيب وصلى بوضوء غير مرتب فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة إلا أن يتعمد ترك الترتيب، فيختلف في ذلك على الاختلاف (٣) في ترك السنن تعمدًا. والإعادة وإن كانت غير واجبة فإنا نأمره بها على وجه (٤) الندب كما نأمره بذلك في ترك السنن. وأما على القول بأنه مستحب فإنا لا نأمره بإعادة الصلاة، ولكنا نستحب له إعادة الوضوء مرتبًا (٥)، ونأمره به ويكون الأمر به، أخفض من الأمر في الرتبة إذا قلنا أنه سنة. وإذا

стр. 160

أوجبنا إعادة الوضوء مرتبًا فكيف وجه ترتيبه؟ لا يخلو ذلك من قسمين أحدهما أن يذكر ذلك بالقرب والثاني أن يذكره بالبعد. فإن ذكره بالقرب بني على الوضوء الذي يحصل (١) الترتيب دون إعادته. مثل أن يبدأ بغسل رجليه ويختم بغسل وجهه، فإنه لا يعيد غسل وجهه بل يبني عليه ويعيد ما سواه مرتبًا. لأنه متى فعل ذلك بالقرب حصل الوضوء متواليًا مرتبًا فلم يبق عليه أمر يتطلبه. فإن ذكره بالبعد وقد تعمد ترك الترتيب ابتدأ الوضوء من أوله. لأنه إن بني على العضو الذي يصح الترتيب دونه أحل بالموالاة بين ذلك العضو وما بعده، وقد كان أصل إخلاله بذلك تعمدًا. والإخلال بالموالاة على جهة العمد يمنع من صحة الوضوء على الطريقة المشهورة عند الجمهور من أصحابنا. وإن لم يتعمد ترك الترتيب ولكنه أحل بالترتيب ناسيًا فليس عليه إعادة (٢) الوضوء بل يبني على العضو الذي يصح الترتيب دونه. فإن أفسد الترتيب بتقدمة الذراعين على الوجه خاصة، فهل يؤخر ما قدم خاصة؟ أو يؤخر ما قدم ويعيد ما يليه؟ اختلف في ذلك. فقال ابن القاسم: يؤخر ما قدم خاصة إذا ذكر بالبعد لأن منه دخل الخلل فإذا أصلحه زال الخلل وصح الترتيب. وقال ابن حبيب بل يؤخر ما قدم ويعيد ما يليه لأنه إذا أخر ما قدم صار ما يليه مغسولًا قبل هذا الإصلاح. فلم يصح الترتيب إلا مع إعادة ما يليه. وقد اعترض أبو إسحاق مذهب ابن القاسم بما وجهنا به مذهب ابن حبيب، من أنه إذا غسل ذراعيه آخرًا، واقتصر على ذلك صارت طهارة الذراعين والرجلين المتقدمة سابقة لغسل الذراعين المعاد (٣)، فإن أعاد غسل الذراعين بالترتيب بينهما وبين الوجه أفسد ذلك الترتيب بينهما وبين الرأس وما بعده. فلا وجه للاقتصار على فعل ما يصلح من جهة ويفسد من أخرى. وانفصل عن هذا الاعتراض بعض حذاق الأندلسيين بأن طهارة الرأس والرجلين قد حصل لهما

стр. 161

الإجزاء والكمال لأنهما لم يطهرا إلا بعد الوجه والذراعين، فلا معنى لإعادتهما، وإنما يعاد غسل الذراعين خاصة ليحصل بإعادته وترتيبه بعد الوجه رتبة الكمال وقد حصل بغسل الذراعين مرتين (١) رتبة الإجزاء والكم الذي جميع الطهارة. فلا معنى لأمر المكلف بزيادة على ذلك. وهذا الذي انفصل به، مما يروق. ولكنه يعترض عليه عندي. لأن ابن القاسم وافق مذهب ابن حبيب في تأخير ما قدم وإعادة ما يليه إذا ذكر ذلك بالقرب. ورتبة الكمال والإجزاء التي أشار إليها هذا الرجل لا يختلف فيها الحال في القرب والبعد. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما إذا أمر المتوضئ أربعة رجال: طهروا أعضاءه الأربعة معًا. فقد قال بعض من أوجب الترتيب أن ذلك بمنزلة عدم الترتيب لأن كل عضو لما طهر مع العضو الذي من حقه أن يتقدمه فقد أسقط الترتيب فيه فوجب أن يلحق بحكم من لم يرتب. قال القاضي ﵀: وأما (٢) فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب إلا أن يكون صائمًا فيكره له الأخضر خيفة أن يصل طعمه إلى الحلق فيفطره. فإن لم يجد شيئًا فإن إصبعه يجزئه. وأما التكرار ففضيلة في المغسول دون الممسوح. فيكرره مرتين أو ثلاثًا. والثلاث أفضل من الإثنين. وما زاد على الثلاث سرف ممنوع منه. والمرة هي الفرض. ولا فضيلة في تكرار مسح الرأس ولا الأذنين. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة. منها أن يقال: ١ - لم استحب السواك؟. ٢ - وما وجه نفي الفضيلة في تكرار الممسوح؟. ٣ - وما معنى المسحة الثانية في الرأس إذا كان لا فضيلة في التكرار؟. ٤ - ولم قيل: أن الواجب غسل العضو مرة؟.

стр. 162

٥ - ولم قيل أن الزائد على الثلاث ممنوع؟. ٦ - وهل ينوي فيما زاد على الوجوب مجرد الفضيلة أم لا؟. ٧ - وإن (١) نوى مجرد الفضيلة وكان أحل في الأولى ببعض العضو هل تجزئه الفضيلة عنه أم لا؟. ٨ - وهل ينهى من (٢) شك في إيقاع الثالثة عن إيقاعها مخافة أن تكون رابعة أم لا؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقلل: إنما استحب السواك على الجملة لأنه ﷺ فعله وأمر به. واستحب فعله في الطهارة لما كان أصل وضعها للتنظيف وأريد إكمال التنظيف بفعل السواك فيها. واستحب عند الصلاة (٣) إذا بعد ما بين الوضوء والصلاة. لأن الإنسان يناجي ربه فاستحب أن يناجيه طيب الفم. وقد روي: صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك (٤). والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما لم يكن في تكرار الممسوح فضيلة؛ لأن أصل المسح التخفيف. والتكرير تثقيل. فلما (٥) تنافى موضوعهما تنافيا. على أن أكثر الأحاديث المنقول فيها صفة وضوء النبي ﷺ لم ينقل فيها التكرار (٦) إلا في المغسول فوجب قصر الفضيلة عليه. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما المسحة الثانية فأنها وإن كانت ثانية في ظاهر المشاهدة، فإنها ليست كذلك على رأي بعض أصحابنا. وذلك أن المختار عندهم في صفة مسح الرأس أن يمضي بأصابع يديه على وسط رأسه ويرفع كفيه عن جانبي رأسه فإذا بلغ إلى مؤخره أعاد كفيه على

стр. 163

جانبي رأسه رافعًا أصابعه عن وسط رأسه. وهذا لا يحصل معه المسح إلا مرة واحدة. ومن أصحابنا من اعتذر عن المرة الثانية بأنها لما لم (١) يستأنف لها أخذ ماء كانت مع الأولى في حكم المرة الواحدة. ولهذا جعلها من ذهب إلى إثبات الفضيلة في تكرار الممسوح مرة واحدة، واستحب أن يأتي بعدها باثنتين على صفتها. ومن الناس من اعتذر عن ذلك بأن المسحة الأولى يمر بيديه على باطن شعر مقدم رأسه وظاهر مؤخره. فإذا ردهما رجع بالعكس من ذلك، فإنه (٢) أتى بالثانية ليستوعب مسح ظاهر الشعر وباطنه. وإن عورض هؤلاء بمن لا شعر على رأسه، قالوا: نلحقه بمن على رأسه الشعر ليستوي حكم الناس في صفة الطهارة. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما اقتصر في الوجوب على مرة واحدة لأن الله قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣). فأمر بالغسل مطلقًا غير مقرون بعدد. والأمر المطلق يحمل على مرة واحدة إذا تجرد من القرائن عند جماعة من أهل الأصول. وقد أضاف هذه المقالة في هذا الأصل بعض أصحابنا لمالك ﵁ (٤) لما احتج في الاقتصار على مرة واحدة بهذه الآية. وأيضًا فأنه ﵇ توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٥). وقد كره مالك (٦) مع هذا، الاقتصار على مرة (٧) واحدة. وذلك لأنه قال الوضوء مرتان مرتان. قيل له فواحدة واحدة! قال لا. وهذا وإن كان ظاهره إيجاب المرتين، فإن محمله (٨) على المبالغة منه في التشديد في أن لا يقتصر على الواجب، والتحضيض على (٩) أن يؤتى بالفضيلة. ولأن العامة لا

стр. 164

تكاد تستوعب العضو في مرة واحدة. وقد صرح بهذا المعنى في رواية أخرى فقال: لا أحب الواحدة إلا من عالم وهذا تنبيه منه (١) على أن العامة لا تكاد تستوعب بمرة واحدة فاحتاط لهم بأن أمرهم بالزيادة عليها. وأخرج العالم من ذلك، لمعرفته بما يأتي ويذر من ذلك. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما منع الزيادة على الثلاث فلقوله ﵇: فمن زاد عليها فقد تعدى وأساء وظلم (٢). ولأنه ﵇ توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (٣). وتوضأ مرتين مرتين وقال من توضأ مرتين مرتين أتاه الله أجره مرتين وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي وضوء إبراهيم ﵇ (٤) وهذا منه ﷺ تنبيه على نهاية الفضيلة في هذا. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الظاهر من مذهب الجمهور أنه ينوي مجرد الفضيلة فيما زاد على قدر الوجوب وهذا هو الأصل. لأنا إذا كنا أخبرنا بأن (٥) الواجب قد امتثل، وأتي به. لم يبق إلا أن تكون الزيادة عليه فضيلة. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: ينبغي أن لا ينوي به مجرد الفضيلة، لكن ينوي (٦) أنه إن كان أخل من الأولى بشيء كان غسله في المرة الثانية هو الواجب عليه. وإن لم يكن أخل كانت فضيلة مجردة. وهذا (٧) على وجه الاستظهار والاحتياط.

стр. 165

والتحقيق ما ذكرناه أولًا. وذلك إنا إنما نثبت (١) الفضيلة بعد تيقن حصول الواجب والعلم بأنه قد (٢) أتى به. وإذا كان متيقنًا بحصول الواجب وعالمًا بأنه قد أتى به فيستحيل أن يتشكك في ذلك في حال علمه به (٣) لأن الشك والعلم ضدان لا يجتمعان باتفاق العقلاء. وإن كان لم يتيقن أنه أتى بالواجب فإنه مطلوب به ولا يمكن أن نأمره (٤) بفعل الفضيلة والواجب باق عليه. وهذا واضح على أنه لو صحت هذه الطريقة وأتى بالثانية على وجه التشكك الذي ذكروه فإنه إن تيقن بعد ذلك أنه أبقى في الأولى شيئًا فإن في اعتداده في ذلك بهذه الغسلة التي أوقعها على هذه الصفة اختلافًا في المذهب متى أوقعها، ولم يخلص فيها نية الوجوب، ويجردها من نية الاستظهار. وقد ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا أيضًا إلى أنه يوقع الثانية بنية إكمال الفرض لا بنية الفضل المجرد. وشبّه ذلك بما قاله من تقدم من أئمتنا فيمن صلى وحده فإنه إذا أعاد في الجماعة، فإنه لا يعيد بنية الفضل (٥) المجرد. وهذا التشبيه عندي غير صحيح. لأن الله سبحانه فرض الصلاة على المكلف. وخيره بين أن يوقعها وحده وبين أن يوقعها في جماعة. وأخبر مع هذا التخيير أن إيقاعها في جماعة أفضل عنده وأقرب إليه. فإذا أوقعها المكلف وحده وأعادها في الجماعة، صح أن يقصد إلى تحصيل صفة، إيقاع الفرض عليها أكمل وأفضل، وهي الجماعة. ولكن هذه الصفة لا يمكنه تجديدها وإيقاعها متميزة عن نفس الصلاة، فأعاد نفس الصلاة لتحصيل هذه الفضيلة التي لا تتميز من الصلاة. ولو أوقع الصلاة في أول مرة على هذه الصفة لم يبق له فضل يطلبه ويقصد إليه. والمرة الأولى مستقلة بنفسها، ومتجردة عن الثانية، والفرض قد كمل بإيقاعها. وليست المرة الثانية بصفة لها غير متميزة عنها ومتجردة منها، فيقال أن القصد بالثانية

стр. 166

إعادة الأولى، فيحصل لها صفة لم تكن قبل. بل الأولى (١) على حال واحدة لا يختلف وضعها أوقع بعدها غسلة أخرى أم لا؟ كما يختلف وصف الصلاة بأن يوقعها في جماعة فتكون أكمل منها إذا أوقعها وحده وهذا واضح. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إن نوى بالثانية مجرد الفضيلة ثم تبين له أنه أحل من الأولى ببعض الوضوء، فإن إجزاء هذه الفضيلة عنه على قولين: أحدهما أنه يجزيه (٢) لأن نية الفضل يقدر أنها انطوت على نية الفرض واشتملت عليها لما كان لم يمكن أن يقصد (٣) أحد إلى تحصيل الفضل، إلا وعنده أن الفرض حصل له. والثاني: أن ذلك لا يجزئه لأن الطهارة تفتقر إلى نية تقتضي رفع الحدث والقصد إلى إيقاع الواجب خلاف القصد إلى إيقاع الندب فلم يجب أن يسد أحدهما مسد الآخر (٤) ولا يجزئ عنه. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: تنازع الأشياخ فيمن شك في إيقاع الثالثة هل يكره له إيقاعها مخافة أن تكون رابعة. فيقع في المحظور، أو لا يكره له ذلك لأن الأصل في الطهارة والصلاة أن يبني على اليقين إذا شك في العدد. كمن شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا (٥)؛ فإنه يبني على اليقين ويأتي بركعة، وإن جاز أن تكون خامسة، مع كون الخامسة محظورة. وقد كتب إلى بعض أهل العلم يسأل عن صوم يوم التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة، إذا شك أن يكون يوم النحر، هل يكره مخافة أن يقع (٦) في صوم يوم النحر وهو محظور. فيكون طلب فضلًا بأن رعى حول محرم؟ فأجبته بأنها مثل هذه المسألة التي تنازع الشيوخ فيها. وطريق الكلام عليهما (٧) واحد. وبسطت له في الجواب بما أن لو ذكرناه ها هنا خرجنا به عن غرضنا.

стр. 167

باب ما يوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته قال القاضي أبو محمد الله: يوجب الوضوء شيئان: أحداث وأسباب للأحداث. والأحداث (١) الموجبة للوضوء هي ما خرج من (٢) السبيلين من المعتاد دون النادر الخارج على وجه المرض والسلس، من غائط وريح وبول ومذي وودي (٣) إذا كان ذلك على غير السلس والاستنكاح. وإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب. وكذلك ما خرج من السبيلين من غير المعتاد كالحصى والدم والدود فلا وضوء فيه (٤). ويفسد الوضوء الردة. ولا يوجب الوضوء ما خرج من البدن من غير (٥) السبيلين من قيء ولا قلس ولا بلغم ولا رعاف ولا حجامة ولا فصادة ولا غير ذلك. قال الإِمام ﵁ يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة: منها أن يقال: ١ - ما الدليل على صحة هذه القسمة؟. ٢ - وما الفرق بين الحدث وسبب الحدث؟. ٣ - ولم سقط حكم الحدث إذا تكرر؟.

стр. 168

٤ - وما فائدة تقييده بقوله: فلا وضوء فيه واجب؟. ٥ - ولم أسقط الوضوء من غير المعتاد؟. ٦ - ولم تعرض لذكر ما خرج من غير السبيلين؟. ٧ - ولم نقضت الردة الوضوء؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما حصره نواقض الوضوء في الحدث وسببه، فالدليل على صحته أن الحدث تسمية تطلق (١) في اصطلاح أهل الشرع على كل ما ينقض الطهارة بنفسه كالبول والغائط وشبههما. وما أدى إلى ذلك فهو سبب الحدث (٢) *فيوجب أن يكون ما عدا ذلك لا مدخل له ها هنا لأنه إن كان مما ينقض الوضوء فهو حدث أو ما هو طريق لذلك فهو سبب الحدث* (٣) وأما تفصيله لذلك بذكر الغائط والريح والبول، وما ذكر معها، فإنما ذكر (٤) ذلك لورود الخبر به في الكتاب والسنة. وقد ذكر سبحانه فيما يوجب الطهارة والغائط، وهو اسم للمكان المنخفض من الأرض. وكانت العرب تأتيه لتستتر فيه إذا أرادت الحاجة. فسمت الخارج منها باسم مكانه، تنزيهًا لأسماعها عما تنزه عنه أبصارها. واختلف أصحاب مالك ﵁ في دخول البول في هذه الكناية. فذهب بعضهم إلى دخوله في ذلك. لأن العرب كانت تأتي هذا الموضع للبول. كما كانت تأتيه للحاجة الأخرى. وذهب بعضهم إلى منع دخوله في ذلك؛ لأن العرب لم تكن تستتر من البول كما كانت تستتر (٥) في الحاجة الأخرى. ولا تكني عنه كما تكني عن غيره، فلم تنطلق التسمية عليه. ولأنه قال ﵇ في بعض الأحاديث: "إلا من غائط وبول ونوم" (٦) ففصل بين الغائط والبول، فدل على اختصاص كل واحد منهما باسمه.

стр. 169

وهذا الاختلاف سهل المدرك لأن الاتفاق قد حصل على أن البول ينقض الوضوء. وإنما حقق أصحابنا هذا الموضع لأنه ربما طلبوا (١) بالدليل على كون البول ناقضًا للوضوء فيستدلون بهذا الظاهر. وربما استدلوا به أيضًا في بعض فروع هذا الباب. فاحتيج إلى تحقيق القول فيه. وقد ورد الخبر بوجوب الوضوء من المذي وغير ذلك مما يغني الاتفاق عن إيراده. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الفرق بين الحدث وسببه فإن الحدث ينقض الوضوء بنفسه، لا لمعنى آخر يؤدي إليه، كالبول والغائط وشبههما. وأما سبب الحدث فلا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إليه. ألا ترى أن النوم إنما ينقض الوضوء لأن الغالب منه خروج الحدث. ولهذا لم ينقض الوضوء قليله. لأن الغالب منه عدم خروج الحدث. وقد نبّه النبي ﵇ على ذلك بقوله: "العينان وكاء السه (٢). فإذا نامت العينان انطلق الوكاء". وكذلك لمس النساء ومس الذكر، إنما نقضا الوضوء لكونهما مثيرين للذة الجالبة المذي. ولهذا روعي فيهما أن يقعا على صفات ما. على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما سقط حكم الحدث إذا تكرر، الخروج (٣) والمشقة اللاحقة فيه متى أوجبنا الوضوء لكل صلاة. والحرج مرفوع لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤) ولأن الوضوء إنما يتعلق بما خرج من السبيلين على جهة العادة. والمتكرر من البول والمذي خارج

стр. 170

عن العادة فألحق بما لا وضوء فيه كالحصى وغيره. ومتى كان هذا التكرر (١) لسبب يقدر على رفعه فإنه لا يعذر فيه بالتكرر. كمن كثر مذيه، وتكرر لطول عزبته، ولكنه يقدر على رفع عزبته بالتزويج (٢) أو التسري أو صوم لا يشق عليه فعله. فإن هذا لا يعذر بتكرر المذي لقدرته على زوال سببه. وقد روي عن مالك ﵁ ما ظاهره ترك العذر بالتكرر، وأجرى ما تكرر من ذلك على الأصل، ولم يعذر فيه بالحرج والمشقة. ويؤكد هذه الرواية ما صححه الترمذي من أن النبي ﷺ : أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة (٣). فلم ير ﷺ تكرر الوضوء في حق المستحاضة من المشقة والحرج الذي يوجب إسقاط ذلك عنها. فكذلك (٤) من سلس بوله ومذيه لا يكون تكرر الوضوء في حقه مشقة تسقط ذلك عنه. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما تقييده بقوله: فلا وضوء فيه واجب. فإنما قيد بالوجوب لأنا وإن أسقطنا عمن (٥) سلس بوله ومذيه الوضوء لمشقة ذلك، فإنا نستحب له أن يأخذ لنفسه بالأفضل ويؤدي الصلاة على وجه متفق عليه. فالاستحباب (٦) ثابت، والوجوب ساقط. فلو قال: فلا وضوء فيه لبقي (٧) الوجوب والاستحباب، عند من أخذ اللفظ على عمومه. فقيد بذكر الوجوب ليشير إلى الاستحباب. وقد قال بعض أصحابنا: إنما يتصور الاستحباب إذا كان للبول والمذي فترات ينقطع عندها (٨). فيؤمر بالوضوء حينئذ والصلاة ليأتي بالعبادة في وقت السلامة من الحدث. وأما إن كان

стр. 171

البول قاطرًا لا يفتر فلا فائدة في استحباب الوضوء. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما خروج ما لم يعتد خروجه، كالحصى من الذكر، والدود من الدبر، ففي نقضه للوضوء اختلاف. فالجمهور على أنه لا ينقض الوضوء (١). لأن الأصل براءة الذمة من العبادة ولا تجب إلا بشرع. ولم يرد شرع بإثبات الوضوء من الحصى، وشبهه. فلم يثبته (٢) في نواقض الوضوء التي ورد الشرع بها كما لم يثبت (٣) ما خرج من فضلات البدن من سائر نوافذه، مثل الدمع والبصاق، حديثًا ناقضًا الوضوء. وقيل ينتفض به الوضوء لأنه خرج من السبيلين اللذين ينقض الوضوء ما خرج منهما مثل البول والغائط. فألحق هذا النوع بذلك. وأيضًا فإنه ﵇ أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة مع قوله أن ذلك عرق وليس بالحيضة (٤) ودم العرق ليس من المعتاد. وقد أمر بالوضوء منه لما خرج من السبيل المعتاد خروج ما ينقض الوضوء منه. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما تعرض لذكر القيء والرعاف والحجامة والفصاد، لأن من الناس من ذهب إلى نقض الوضوء (٥) بذلك على الجملة فنبه على مخالفتهم في ذلك. والدليل على فساد ما ذهبوا إليه: ما روي (٦) أن رجلًا صلى وجرحه يسيل فلم ينكر عليه ﷺ وقياسًا على الدمع والبصاق. وقد اتفقنا على أنه لا تأثير له. فإن قالوا بأن العلة في تأثير البول والغائط في نقض الوضوء، كونهما نجسين

стр. 172

فيجب أن تكون كل نجاسة ظهرت من الجسد تنقض الوضوء قياسًا على البول والغائط. قيل ليس العلة في البول والغائط ما قلتموه. ولكن العلة كونهما خارجين من مخرج مخصوص، على رأي من قال من أصحابنا: أن كل خارج من الذكر ينقض الوضوء، أو كونهما خارجين مخصوصين من مخرج مخصوص على رأي من قال من أصحابنا: أن الحصى لا ينقض الوضوء. وإذا أمكن أن يكون الحكم متعلقًا بإحدى هاتين العلتين فلا وجه لاقتصارهم على العلة التي ذكروها بمجرد الدعوى. على أن إثبات هذه العلة وتحقيق القول فيما ذكرناه من العلل يفتقر (١) إلى ما يتعلق ذكره بأصول الفقه. وإنما ذكرنا ما ذكرناه على جهة المقابلة لهم. على أنهم يشترطون في النجاسات التي أثبتوها ناقضة للوضوء شرطًا لا يثبتونه في البول والغائط. ويشترطون (٢) في القيء أن يكون ملء الفم على ما ذكره بعضهم. وهذا يضعف (٣) قياسهم. وإن قالوا فإنه ﵇ أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة (٤) مع إخباره بأن ذلك دم عرق. فقال إنما ذلك عرق وليس بالحيضة. وهذا تعليل منه ﵇ لإيجاب الطهارة بخروج النجاسة التي هي دم العرق. قيل لم يجعل ذلك ﷺ علة لإيجاب الوضوء. وإنما جعله علة لسقوط الغسل. لأن الدم الخارج من الرحم على جهة العادة يوجب الغسل. فأخبر ﵇ أن هذا وإن كان دمًا خارجًا من مخرج الدم الآخر، فليس حكمه كحكمه. ألا ترى إلى قوله وليس (٥) الحيضة. وهذا تنبيه على أنه إنما أراد إثبات المخالفة بينهما. على أن هذا الحديث وقع فيه من الاضطراب بين الرواة ما لا يكاد يحصى. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى إثبات الغسل عليها لكل صلاة. وتعلقوا ببعض طرق هذا الخبر. وذهب بعضهم إلى إثبات ثلاث غسلات إحداها تجمع (٦) به بين الظهر والعصر لاشتراك وقتهما. والغسلة

стр. 173

الثانية (١) يجمع بها بين المغرب والعشاء لاشتراك وقتهما. والغسلة الأخرى أيضًا يصلي بها (٢) الصبح وحدها لانفرادها بوقتها. وذهب آخرون إلى أنها تغتسل لصلاة الظهر كل يوم وتتوضأ لكل صلاة فيما بين ذلك. وذهب آخرون إلى إثبات الوضوء عليها لكل صلاة خاصة. وروي عن مالك إسقاط الوضوء عنها. وروي عنه إثباته عليها. وهذا الاضطراب الذي وقع بين الفقهاء يشير إلى ما قلناه من اضطراب الرواة (٣). على أن أمره بالوضوء لها يمكن أن يحمل على الندب. وقد قيل إذا جمعت بوضوء صلاتين تشتركان في الوقت لم تعد. وقيل تعيد الأخيرة منهما في الوقت. وهذا يشير إلى أن أمرها بالوضوء لكل صلاة محمول على الندب على هذا. وإذا كان في الحديث من الاحتمال ما ذكرناه لم يكن لهم فيه حجة. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما الردة فقد اختلف المذهب في نقضها الوضوء (٤). والاختلاف في ذلك مبني على الخلاف في الردة. هل يحبط العمل بمجردها *أو يشترط الموافاة عليها؟ فقيل يحبط العمل بمجردها* (٥) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٦) وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٧). فأخبر بأن الشرك يحبط العمل ولم يشترط الموافاة عليه. وقيل لا يحبط العمل إلا بشرط الموافاة عليه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٨). فقيد تعالى إحباط العمل بالردة بشرط الموت عليها. فدليل الخطاب يقتضي أن من لم يمت عليها فليس بحابط عمله.

стр. 174

وإذا كانت إحدى الآيتين مقيدة والأخرى مطلقة وهما واردتان في معنى واحد رد المطلق منهما إلى المقيد. وهذا لا اختلاف (١) فيه بين أهل الأصول لا سيما إن قيل: إن الخطاب ها هنا للنبي ﷺ لقوله: لئن أشركت - مراد به أمته (٢). فإن قلنا نمنع الإحباط إذا لم يواف عليها (٣) لم تنقض الردة الطهارة ولم (٤) يلزمه إعادتها إذا عاد إلى الإِسلام. وإن قلنا بالإحباط بمجرد الردة انتقض الوضوء بالردة، ولزمته إعادته إذا عاد للإسلام. لأن الردة إذا أبطلت الوضوء، وأسقطت حكمه لم تصح الصلاة بوضوء قد بطل. وإن قيل (٥): إنما معنى الإحباط ذهاب الأجر في الآخرة. وهذا لا يتعلق بالتكاليف المطالب بها العبد في الدنيا. قيل الحبوط السقوط. وإذا حبط الوضوء فقد سقط وبطل، حتى لحق بما لم يكن. وصار بمنزلة من لم يتوضأ. ومن لم يتوضأ لم يصل. ولا سيما مع تأكيده سبحانه بهذا المعنى بقوله فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة. وإذا سقط الشيء في الدنيا والآخرة لم يبق معنى يطلب (٦) فيه. وقد قال بعض أصحابنا فيمن رفض الوضوء بعد كماله أنه لا يصلى به. لأن معنى رفضه اعتقاد سقوط الأجر فيه، وبطلان أحكامه. وهذا يمنع الاعتداد به. وقد قال بعضهم لا يبطل الوضوء بالرفض ولا يحبط الأجر باعتقاد ذلك فيه. لأن اعتقاد المكلف لذلك فيه خطأ منه، واعتقاد لغير ما ورد الشرع به. وما ورد الشرع به أولى من اعتقاده (٧) الباطل. ومن حكم في الشيء بغير حكم الله فحكم الله أولى من حكمه. ويفارق هذا إحباط الردة (٨)؛ لأن من يرجى منه الثواب على العمل أخبر أنه لا يثيب عليه إذا وقعت الردة بعده، ولم يخبر بذلك في الرفض.

стр. 175

وقد روي عن مالك فيمن تناوم فلم ينم، أنه يعيد الوضوء بناء على الطريقة الأولى في الرفض. لأن هذا لما تناوم مع علمه أن النوم ينقض الوضوء صار كالرافض لوضوئه. وهذا بعيد لأن النوم الذي يعتقد أنه يبطل وضوءه لم يحصل. ويلزم عليه (١) أن من قصد الجماع ثم لم يفعل أن يعيد غسله وهذا كالمستنكر عند أهل الشرع. قال القاضي ﵀: وأما أسباب الأحداث فهي ما أن إلى خروج الأحداث غالبًا وذلك نوعان: (٢) زوال العقل بالنوم والسكر والجنون والإغماء. فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع، أو سجود، أو جلوس، أو غير ذلك. وما دون الاستثقال، يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود ولا يجب في الجلوس. وأما السكر والجنون والإغماء فيجب الوضوء بقليله وكثيره. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال: ١ - هل النوم حدث ينقض الوضوء على الإطلاق؟. أو هو سبب حدث (٣) لا ينقضه حتى يكون على صفة؟ ٢ - وما هذه الصفة؟. ٣ - ولِمَ لم تراع هذه الصفة في الإغماء كما روعيت في النوم؟. ٤ - ولِمَ فرّق بين نوم الجالس والساجد؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في النوم فذهبت طائفة إلى أنه لا ينقض الوضوء أصلًا إلا أن يتيقن خروج الحدث، فيكون التأثير للحدث لا للنوم. ذهب إلى ذلك أبو موسى ﵁ وغيره. وذهبت طائفة إلى أنه حدث ينقض الوضوء على الإطلاق. وذكر ذلك عن ابن القاسم. وذهب الجمهور من أصحابنا وغيرهم إلى أنه ليس بحدث. ولكنه سبب الحدث

стр. 176

ينقض الوضوء إذا وقع على صفة الغالب منها خروج الحدث دون علمه. وسبب اختلاف هذه المذاهب اختلاف الآثار" الواردة في هذا. فخرج مسلم عن أنس أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون (١). وقد نقل بعضهم هذا الحديث وزاد فيه فيضعون جنوبهم. ونقله بعضهم وزاد فيه تخفق رؤوسهم (١). وهذا يدل على جلوسهم. وروى أنس حديثًا قريبًا من هذا. وفي حديث ابن عباس أنه ﷺ : أخر العشاء حتى نام القوم واستيقظوا (٢). قال أحد رواته ولم يذكر أنهم توضؤوا. وقد روي عنه ﵇: أنه نام حتى غط ولم يتوضأ (٣) فأخذ نفاة الوضوء من النوم (٤) بظواهر هذه الأحاديث، وأخذ من ذهب إلى أنه حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره بظواهر أُخر تخالفها. فمنها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٥). وهذه الآية نزلت (٦) عند قيامهم من النوم فصار القيام من النوم سببًا لنزولها. واللفظ العام إذا خرج على سبب خاص فلا خلاف في تناوله للسبب. وإنما اختلف أهل الأصول في تناوله ما عدا السبب. وإذا تناولت الآية النوم مطلقًا اقتضت ايجاب الوضوء بقليله وكثيره. ومنها قوله في حديث صفوان (٧) لكن من غائط وبول ونوم (٨). فعم كل نوم. وقد قال بعض أهل الحديث أن هذا الحديث متصل،

стр. 177

مشهور راويه بالصدق والعدل. ولما رأى مالك ﵁ والجمهور من العلماء اختلاف هذه الظواهر، صاروا إلى تأويلها. ورد بعضها إلى بعض لئلا تتناقض أدلة الشرع. فنوعوا النوم نوعين: أحدهما خفيف لا يغمر العقل ويذهب بإحساس أدنى حركة. وهذا لا ينقض الوضوء وعليه تحمل الظواهر الأول. والآخر ثقيل يغمر العقل ولا يحس معه الأصوات الشديدة المريعة. وعلى هذا تحمل الظواهر الأخرى. وقد أشار سبحانه إلى هذا التقسيم بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١). وقد قال بعض أهل المعاني السنة: النعاس. والنعاس ما لم يغمر العقل، والنوم ما غمره قال الشاعر: (٢) وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقال المفصل: السنة في الرأس، والنوم في القلب. يشير بهذا إلى أن أوائل النوم التي هي النعاس إنما تغمر الحس الذي بالرأس. فإذا ثقل النوم غمر الحس الذي بالقلب الذي هو أصل هذه (٣) الإحساس عند بعضهم. وقد أشار ﵇ إلى هذه الجملة بقوله: إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي (٤). فأشار إلى اختلاف محل النوم في حال خفته من حال ثقله. وأكدوا هذه الطريقة بأحاديث أُخر أيضًا. منها قوله ﵇: العينان وكاء السه (٥). فشبه ﵇ العينين حال اليقظة في حفظهما للإنسان من خروج ما يستره، بالرباط الذي يحفظ الوعاء عن خروج ما استتر فيه. ونبه بهذا التشبيه على أن النوم إنما ينقض الطهارة إذا حصل على صفة تمنع النائم من (٦) علم ما خرج منه. ومنها تعليله ﵇ لوضوء من نام مضطجعًا، بأنه إذا اضطجع استرخت مفاصله. وهذا تنبيه على الهيئة التي يسهل معها خروج الحدث. وهذا دلالة على أن

стр. 178

المعتبر خروج الحدث لا مجرد النوم. وإذا صحت هذه الطريقة التي صار إليها الجمهور، وجب أن يعتبر في كون النوم ناقضًا للوضوء وقوعه على صفةٍ، الغالب منها خروج الحدث. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصفة فإن أبا حنيفة صار إلى أنها الاضطجاع خاصة دون سائر الهيئات. واحتج بالخبر الوارد في نوم المضطجع (١). وأما مالك فلم يخص (٢) هذه الصفة، بل أحال (٣) على اجتهاد النائم لأن معرفته بنفسه أبلغ من معرفة غيره به. وقرب له هذا الاجتهاد بأن النوم إذا كان طويلًا مستثقلًا (٤) كان الغالب منه (٥) خروج الحدث دون علم النائم. فوجب أن ينقض الوضوء. وقال بعض شيوخنا لو وقع النوم على حالة يشك فيه. هل هو بهذه المنزلة التي الغالب منها خروج الحدث، أو خلافها؟ ويجري على القولين فيمن *تيقن بالوضوء* (٦) وشك في الحدث. وقد اختلف قول (٧) أصحاب مالك في نوم القائم والراكع. فقال بعضهم لا مدخل له في نقضه الوضوء. وهذا لأحد أمرين: أما أن يكونوا ألحقوه بالقسم الأول الذي هو النوم الخفيف. أو ألحقوه بهذا القسم الأخير المشكوك فيه. فلم يوجبوا الطهارة بالشك بناء على أحد القولين في هذا الأصل. وقال بعضهم ينقض الوضوء. وسلكوا في ذلك خلاف المسلكين الأولين. "إما أن يكونوا ألحقوه بالنوم الثقيل، أو بالمشكوك فيه وأوجبوا (٨) فيه الوضوء بناء على أحد

стр. 179

القولين في إيجاب الطهارة بالشك في الحدث. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الإغماء أو الجنون فقد ذهب بعض شيوخنا إلى (١) أنه يعتبر فيهما أن يقعا على صفة الغالب منها خروج الحدث كما اعتبر (٢) ذلك في النوم. فإن (٣) كان الإغماء خفيفًا أو بحضرة أحد لا يخفى عنه ما خرج من المغمى عليه، فإن ذلك لا ينقض الوضوء. والجمهور على أن الإغماء بمجرده ينقض الوضوء. وأنه لا يتنوع كما يتنوع النوم. إذ لا يكون أبدًا إلا ثقيلًا. ألا ترى أن النائم إذا نبه انتبه والمغمى عليه لا يمكن أن يقدر على إزالة إغمائه بالتحريك أو غيره دون إزالة السبب الذي كان عنه الإغماء. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما فرق بين الجالس والساجد (٤) لأن الجالس على هيئة، يبعد معها خروج الحدث، ولا يكون النوم معها ثقيلًا. والساجد بخلاف هذا. وقد روي أنه ﵇ قال: من نام جالسًا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء (٥). وهذا لما قدمناه من اعتبار الخفة والثقل. فما كان الجالس هيئته (٦) يبعد معها خروج الحدث لانضمام المخرج، ويمنع النوم أن يثقل، أسقط ﵇ الوضوء فيها. وقد قال بعض أصحابنا هذا إنما يكون في جالس غير مستند. *فأما المستند* (٧) فإنه يمكن أن يثقل نومه لاستناده. قال القاضي ﵀: والنوع الآخر. اللمس (٨) وهو ضربان: لمس

стр. 180

النساء ومس الذكر. فأما لمس النساء فيجب الوضوء منه إذا كان (١) للذة قليلًا كان أو كثيرًا، مباشرًا أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة. وإن كان صفيقًا لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة. ولا فرق بين اللمس باليد، أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجدت اللذة (٢). ولا بين لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة، ولا بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة: منها أن يقال: ١ - لم وجب الوضوء من اللمس على الجملة؟. ٢ - وما دليل وجوبه؟. ٣ - ولم اعتبرت فيه اللذة؟. ٤ - ولم أكد بقوله قليلًا كان أو كثيرًا؟. ٥ - ولم خص اليد والفم بالذكر دون سائر الأعضاء؟. ٦ - ولم خص الشعر بالذكر مع (٣) سائر الأعضاء؟. ٧ - ولم ذكر الزوجة وذات المحرم؟. ٨ - وهل يؤثر اللمس مع القصد للذة دون وجود اللذة؟. ٩ - وهل وجود اللذة دون اللمس كوجود اللذة مع اللمس؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا أن ما كان سببًا للحديث فإنه كالحدث في إيجاب الوضوء. ولما كان اللمس سببًا للذة، واللذة سبب لخروج المذي، والمذي حدث ينقض الوضوء، وجب أن يكون اللمس للذة ينقض الوضوء أيضًا. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الدليل على أن اللمس ينقض الوضوء فقدله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤). فإن قيل قد ذهبت جماعة من
следующие страницы →