← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ينقض الوضوء إذا وقع على صفة الغالب منها خروج الحدث دون علمه. وسبب اختلاف هذه المذاهب اختلاف الآثار" الواردة في هذا. فخرج مسلم عن أنس أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون (١). وقد نقل بعضهم هذا الحديث وزاد فيه فيضعون جنوبهم. ونقله بعضهم وزاد فيه تخفق رؤوسهم (١). وهذا يدل على جلوسهم. وروى أنس حديثًا قريبًا من هذا. وفي حديث ابن عباس أنه ﷺ : أخر العشاء حتى نام القوم واستيقظوا (٢). قال أحد رواته ولم يذكر أنهم توضؤوا. وقد روي عنه ﵇: أنه نام حتى غط ولم يتوضأ (٣) فأخذ نفاة الوضوء من النوم (٤) بظواهر هذه الأحاديث، وأخذ من ذهب إلى أنه حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره بظواهر أُخر تخالفها. فمنها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٥). وهذه الآية نزلت (٦) عند قيامهم من النوم فصار القيام من النوم سببًا لنزولها. واللفظ العام إذا خرج على سبب خاص فلا خلاف في تناوله للسبب. وإنما اختلف أهل الأصول في تناوله ما عدا السبب. وإذا تناولت الآية النوم مطلقًا اقتضت ايجاب الوضوء بقليله وكثيره. ومنها قوله في حديث صفوان (٧) لكن من غائط وبول ونوم (٨). فعم كل نوم. وقد قال بعض أهل الحديث أن هذا الحديث متصل،

стр. 177

مشهور راويه بالصدق والعدل. ولما رأى مالك ﵁ والجمهور من العلماء اختلاف هذه الظواهر، صاروا إلى تأويلها. ورد بعضها إلى بعض لئلا تتناقض أدلة الشرع. فنوعوا النوم نوعين: أحدهما خفيف لا يغمر العقل ويذهب بإحساس أدنى حركة. وهذا لا ينقض الوضوء وعليه تحمل الظواهر الأول. والآخر ثقيل يغمر العقل ولا يحس معه الأصوات الشديدة المريعة. وعلى هذا تحمل الظواهر الأخرى. وقد أشار سبحانه إلى هذا التقسيم بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١). وقد قال بعض أهل المعاني السنة: النعاس. والنعاس ما لم يغمر العقل، والنوم ما غمره قال الشاعر: (٢) وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقال المفصل: السنة في الرأس، والنوم في القلب. يشير بهذا إلى أن أوائل النوم التي هي النعاس إنما تغمر الحس الذي بالرأس. فإذا ثقل النوم غمر الحس الذي بالقلب الذي هو أصل هذه (٣) الإحساس عند بعضهم. وقد أشار ﵇ إلى هذه الجملة بقوله: إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي (٤). فأشار إلى اختلاف محل النوم في حال خفته من حال ثقله. وأكدوا هذه الطريقة بأحاديث أُخر أيضًا. منها قوله ﵇: العينان وكاء السه (٥). فشبه ﵇ العينين حال اليقظة في حفظهما للإنسان من خروج ما يستره، بالرباط الذي يحفظ الوعاء عن خروج ما استتر فيه. ونبه بهذا التشبيه على أن النوم إنما ينقض الطهارة إذا حصل على صفة تمنع النائم من (٦) علم ما خرج منه. ومنها تعليله ﵇ لوضوء من نام مضطجعًا، بأنه إذا اضطجع استرخت مفاصله. وهذا تنبيه على الهيئة التي يسهل معها خروج الحدث. وهذا دلالة على أن

стр. 178

المعتبر خروج الحدث لا مجرد النوم. وإذا صحت هذه الطريقة التي صار إليها الجمهور، وجب أن يعتبر في كون النوم ناقضًا للوضوء وقوعه على صفةٍ، الغالب منها خروج الحدث. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصفة فإن أبا حنيفة صار إلى أنها الاضطجاع خاصة دون سائر الهيئات. واحتج بالخبر الوارد في نوم المضطجع (١). وأما مالك فلم يخص (٢) هذه الصفة، بل أحال (٣) على اجتهاد النائم لأن معرفته بنفسه أبلغ من معرفة غيره به. وقرب له هذا الاجتهاد بأن النوم إذا كان طويلًا مستثقلًا (٤) كان الغالب منه (٥) خروج الحدث دون علم النائم. فوجب أن ينقض الوضوء. وقال بعض شيوخنا لو وقع النوم على حالة يشك فيه. هل هو بهذه المنزلة التي الغالب منها خروج الحدث، أو خلافها؟ ويجري على القولين فيمن *تيقن بالوضوء* (٦) وشك في الحدث. وقد اختلف قول (٧) أصحاب مالك في نوم القائم والراكع. فقال بعضهم لا مدخل له في نقضه الوضوء. وهذا لأحد أمرين: أما أن يكونوا ألحقوه بالقسم الأول الذي هو النوم الخفيف. أو ألحقوه بهذا القسم الأخير المشكوك فيه. فلم يوجبوا الطهارة بالشك بناء على أحد القولين في هذا الأصل. وقال بعضهم ينقض الوضوء. وسلكوا في ذلك خلاف المسلكين الأولين. "إما أن يكونوا ألحقوه بالنوم الثقيل، أو بالمشكوك فيه وأوجبوا (٨) فيه الوضوء بناء على أحد

стр. 179

القولين في إيجاب الطهارة بالشك في الحدث. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الإغماء أو الجنون فقد ذهب بعض شيوخنا إلى (١) أنه يعتبر فيهما أن يقعا على صفة الغالب منها خروج الحدث كما اعتبر (٢) ذلك في النوم. فإن (٣) كان الإغماء خفيفًا أو بحضرة أحد لا يخفى عنه ما خرج من المغمى عليه، فإن ذلك لا ينقض الوضوء. والجمهور على أن الإغماء بمجرده ينقض الوضوء. وأنه لا يتنوع كما يتنوع النوم. إذ لا يكون أبدًا إلا ثقيلًا. ألا ترى أن النائم إذا نبه انتبه والمغمى عليه لا يمكن أن يقدر على إزالة إغمائه بالتحريك أو غيره دون إزالة السبب الذي كان عنه الإغماء. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما فرق بين الجالس والساجد (٤) لأن الجالس على هيئة، يبعد معها خروج الحدث، ولا يكون النوم معها ثقيلًا. والساجد بخلاف هذا. وقد روي أنه ﵇ قال: من نام جالسًا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء (٥). وهذا لما قدمناه من اعتبار الخفة والثقل. فما كان الجالس هيئته (٦) يبعد معها خروج الحدث لانضمام المخرج، ويمنع النوم أن يثقل، أسقط ﵇ الوضوء فيها. وقد قال بعض أصحابنا هذا إنما يكون في جالس غير مستند. *فأما المستند* (٧) فإنه يمكن أن يثقل نومه لاستناده. قال القاضي ﵀: والنوع الآخر. اللمس (٨) وهو ضربان: لمس

стр. 180

النساء ومس الذكر. فأما لمس النساء فيجب الوضوء منه إذا كان (١) للذة قليلًا كان أو كثيرًا، مباشرًا أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة. وإن كان صفيقًا لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة. ولا فرق بين اللمس باليد، أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجدت اللذة (٢). ولا بين لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة، ولا بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة: منها أن يقال: ١ - لم وجب الوضوء من اللمس على الجملة؟. ٢ - وما دليل وجوبه؟. ٣ - ولم اعتبرت فيه اللذة؟. ٤ - ولم أكد بقوله قليلًا كان أو كثيرًا؟. ٥ - ولم خص اليد والفم بالذكر دون سائر الأعضاء؟. ٦ - ولم خص الشعر بالذكر مع (٣) سائر الأعضاء؟. ٧ - ولم ذكر الزوجة وذات المحرم؟. ٨ - وهل يؤثر اللمس مع القصد للذة دون وجود اللذة؟. ٩ - وهل وجود اللذة دون اللمس كوجود اللذة مع اللمس؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا أن ما كان سببًا للحديث فإنه كالحدث في إيجاب الوضوء. ولما كان اللمس سببًا للذة، واللذة سبب لخروج المذي، والمذي حدث ينقض الوضوء، وجب أن يكون اللمس للذة ينقض الوضوء أيضًا. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الدليل على أن اللمس ينقض الوضوء فقدله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤). فإن قيل قد ذهبت جماعة من

стр. 181

الناس إلى أن اللمس المذكور ها هنا المراد به الجماع، وأن اللمس باليد لا يوجب الوضوء. قيل: أما اللمس فيطلق على الجماع كما قلتموه. وقد ذكر أن (١) اللمس يراد به الجماع في مواضع من القرآن. منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٢). وقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣). وقال ابن عباس: المباشرة واللمس والرفث والإفضاء والتغشي في كتاب الله ، هو الجماع. ولكن الله يكني. ويطلق على اللمس باليد. قال الله سبحانه: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (٤). ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ (٥). وإذا انطلق على الأمرين حملناه عليهما إن كان حقيقة فيهما على القول بالعموم. وإن منع من حمله عليهما مانع، أما لانكار العموم، أو لغير ذلك وجب طلب الترجيح. فأما من حمله على الجماع فرجح ذلك بأن الله سبحانه ذكر في صدر (٦) الآية طهارة الماء التي تجب عن الحدث الأصغر وعن الحدث أكبر، وهو الجنابة. ثم لما ذكر الواجب عند عدم الماء، وهو التيمم، ذكر الحدث الأصغر وهو المجيء من الغائط، وذكر اللمس، فيجب أن يحمل على الجماع لينتظم ذكر المحدثين آخر الآية، كما انتظمه صدرها. وأما من حمله على مس اليد فإنه رجح بأنه عطف على المجيء من الغائط. وهو مما يختص بالطهارة الصغرى. فوجب أن يحمل اللمس على ما يختص بالطهارة الصغرى ليكون حكم (٧) العطف والمعطوف عليه واحد (٨). وإذا تقابل هذان الترجيحان عضدنا ترجيحنا بقياس. فقلنا لما كان النوم سببًا للحديث الحق به. وكذلك مس الذكر لما كان سببًا للحديث ألحق به. فيجب أن يكون اللمس كذلك.

стр. 182

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما اللمس بمجرده فلا ينقض الوضوء عندنا، وأما الشافعي فإنه ينقضه عنده مجرد اللمس دون حائل وإن لم يلتذ، تمسكًا منه بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). ولم يشترط اللذة. وأما نحن فإنا (٢) اعتبرنا اللذة لقول عائشة ﵂: افتقدت النبي ﷺ في الفراش فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه فلما فرغ من صلاته قال: أتاك شيطانك (٣). ولم تذكر أن صلاته انتقضت بمجرد لمسها. فوجب تخصيص الآية بذلك وحملها على اللمس للذة. فإن قيل: فإن الشافعي ذهب في أحد (٤) قوليه إلى أن الملموس لا تنتقض طهارته وإنما تنتقض طهارة اللامس، خاصة. والشعبي ﷺ ها هنا ملموس فلا حجة به عليه. قيل قد روت أيضًا: أنها كانت تنام بين يدي النبي ﷺ -وهو يصلي. فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي (٥). ولم يذكر أن صلاته انتقضت وهو ﵇ ها هنا لامس. فإن قيل هذا مخصوص للنبي ﷺ لأنكم قلتم أن اللمس إنما ينقض الوضوء على الجملة لكونه سببًا في اللذة. والنبي ﷺ أملك لإربه منا. كما قيل في قُبلته (٦) وهو صائم (٧). قيل ظاهر أفعاله التعدي عند جمهور أهل الأصول. فمن قصرها فعليه

стр. 183

الدليل. فإن قيل لعله غمزها من فوق الثوب الكثيف. وهذا لا ينقض الوضوء (١) عندكم. قيل الظاهر خلاف هذا، لأنه لو كان لذكرته. ولو سلمنا احتمال هذا القصد (٢) لعضدنا ما قلناه بالقياس. فقلنا قد قدمنا أن اللمس إنما ينقض الوضوء لكونه سببًا للحديث الذي هو المذي. ومعلوم أنه لا يكون سببًا لذلك إلا إذا حصل مع اللذة. فإذا حصل دونها لم يكن سببًا في ذلك، فوجب أن يتنوع نوعين كما تنوع النوم نوعين. فكان الثقيل منه ينقض الوضوء لكونه سببًا في الحدث، بخلاف الخفيف كما قدمنا. وإذا ثبت أن اللمس لا ينقض الوضوء (٣) بمجرده دون اعتبار صفة. فما هذه الصفة؟ أما مالك فإنه ذهب إلى أنها اللذة. وأما أبو حنيفة فإنه ذهب إلى أنها الانتشار. ومذهبنا أصح لأنه إنما حرم بذكر الانتشار للذة فكان التصريح باعتبارها أولى (٤). والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما أكد في ذكر اللمس بقوله قليلًا كان أو كثيرًا، لأنه ذكره متصلًا بذكر النوم. وقد اشتركا جميعًا في أنهما سببان للحديث، وليسا يحدث. والنوم يفترق قليله من كثيره فنبه على أن هذا المشارك له بخلافه. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما خص اليد بالذكر لأنها هي التي يلمس بها عادة. ولهذا خصها المتكلمون عند ذكرهم حاسة اللمس. وبعض الفلاسفة يرى أيضًا أنها أحس من غيرها. وأما تخصيصه الفم بالذكر فلأن بعض أصحابنا رأى أن القبلة على الفم بخلافها على الخد. وأن القبلة على الفم يجب بها الوضوء على الإطلاق من غير اعتبار لذة. وليس هذا بهدم لما بنيناه من اعتبار اللذة، لأنهم اعتلوا بأن القبلة على الفم لا تكاد تخلو من اللذة وإن خفيت أحيانًا. فلهذا الاختلاف في هذا العضو خصه بالذكر.

стр. 184

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما خص الشعر بالذكر (١) لأن الذاهبين إلى اعتبار اللذة اختلفوا فيه. فقال بعضهم لا مدخل للمسه في نقض الوضوء. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما ذكر الزوجة؛ لأن عطاء ذهب إلى أن اللمس إنما ينقض الوضوء إذا كان محرمًا كلمس الأجنبية. فإن كان محللًا لم ينقضه. كمس الزوجة. فنص على ذكر الزوجة تنبيهًا على هذا الخلاف. وإنما خص ذات المحرم بالذكر أيضًا، لأن أصحاب الشافعي مختلفون في نقض الوضوء بمس ذوات المحارم. مع أنهم لا يعتبرون اللذة. فقال بعضهم ينقض الوضوء، لأن قصارى ما فيه عدم اللذة، ونحن لا نعتبرها. وقال بعضهم لا ينقض الوضوء لأن ذات المحرم ليست بمحل للشهوة على حال. فأشبه لمس الرجل الرجل، والمرأة المرأة. ومن هذا الأسلوب أيضًا تنازعهم في مس الصغيرة التي لا تشتهى، والعجوز الهرمة. هل ينقض الوضوء لعموم الآية أو لا ينقضه، لأنهما ليستا (٢) بمحل الشهوة على حال. فنبه القاضي أبو محمَّد على ذات المحرم لآجل هذا الاختلاف. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما من قصد اللذة بلمسه فلم يجدها، ففي انتقاض طهارته قولان. وهما مبنيان على رفض الوضوء. وقد قدمنا فيه، ما فيه كفاية فلا وجه لإعادته ها هنا (٣). والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما من نظر فالتذ بقلبه دون لمس، فالجمهور من أصحابنا على أن وضوءه لا ينتقض. لأن إثبات الأحداث طريقه (٤) الشرع. وقصارى ما ورد في الشرع في هذا، ذكر اللمس. وقد قدمنا أن جماعة من العلماء حملوا على الجماع، وأنكروا أن يكون اللمس مع اللذة

стр. 185

ينقض الوضوء. ونحن حملناه على اللمس مع اللذة ترجيحًا لمذهبنا بما قدمناه. فأما مجرد اللذة دون لمس فلا يوجد ظاهر لا في الكتاب ولا في السنة يتمسك به فيه فلا (١) يصح إثباته بالدعوى. وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك ينقض الوضوء، لأن اللمس ليس بحدث وإنما نقض الوضوء لكونه سببًا في المذي. والسبب في المذي على الحقيقة هو اللذة لا مجرد اللمس. فوجب اعتبارها في نقض الوضوء وإن لم يصحبها لمس. قال القاضي ﵀: وأما مس الذكر فالمراعاة (٢) فيه اللذة عند بعض (٣) أصحابنا البغداديين، كلمس النساء، وعند المغاربة وبعض البغداديين بطن (٤) الكف والأصابع فقط. ومس المرأة فرجها مختلف فيه. قال الإِمام رضي في الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة: منها أن يقال: ١ - لم وجب الوضوء من مس الذكر؟. ٢ - وما دليل وجوبه؟. ٣ - وهل باطن الأصابع كباطن الكف؟. ٤ - وهل مسه من فوق حائل يؤثر أم لا؟. ٥ - وهل مسه على جهة النسيان يؤثر أم لا؟. ٦ - وهل مس ذكر غيره كمس ذكره؟. ٧ - وهل مس الذكر المقطوع كمس الذكر المتصل؟. ٨ - وهل مس الخنثى ذكره كمس من ليس بخثنى؟. ٩ - وما وجه الاختلاف في مس المرأة فرجها؟. ١٠ - وما حكم من صلى وقد مس ذكره؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما من راعى من أصحابنا اللذة في مس الذكر، فإنه إنما نقض الوضوء لمس الذكر، لكون مسه للذة سببًا في خروج

стр. 186

المذي. والمذي حدث، فوجب أن يكون ما هو سبب للحديث كالحدث. كما قدمناه في لمس النساء. وأما من لم يراع اللذة من أصحابنا، ورأى أن مجرد لمسه بباطن الكف سهوًا أو محمدًا ينقض الوضوء، فإنه يرى أن نقض الوضوء بمسه حكم غير معلل. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الأحاديث في مس الذكر. فورد منها، ما ظاهره أنه لا يؤثر في نقض الوضوء. وبه قال مالك في إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة وداود. وورد منها ما ظاهره انتقاض الوضوء بمسه. وبه قال مالك (١) في إحدى الروايتين عنه والشافعي. فمما ورد دالًا على نفي الوضوء منه قوله في حديث طلق لما سئل عن مسه؟ هل هو إلا بضعة منك؟ (٢) وظاهر هذا نفي الوضوء منه (٣) لأن كل بضعة سواه لا يلزم الوضوء بمسها. فحقيقة التشبيه توجب نفي الوضوء. ومِمَّا وَرَدَ دالًّا على إثبات الوضوء منه حديث بسرة: " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (٤). وحديث أبي هريرة: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ وضوءه للصلاة (٥) ". ولما اختلفت هذه الأحاديث صار

стр. 187

الجمهور من أصحابنا إلى بنائها ورد بعضها إلى بعض، لئلا تتناقض أدلة الشرع. فقال البغداديون من أصحابنا: أحاديث الإثبات محمولة على مسه للذة. وحديث النفي محمول على مسه لغير لذة. وجعلوا اعتبار اللذة مذهبًا لهم. وعضدوا هذا التأويل بالقياس على لمس النساء. وقد اعتبر مالك وأصحابه اللذة فيه. وقال المغاربة حديث الإثبات محمول على مسه بباطن الكف أو الأصابع. وحديث النفي محمول على مسه بغير ذلك. وعضدوا هذا التأويل بقوله إذا أفضى أحدكم. والإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف. وقد سلك العراقيون هؤلاء (١) طريقة البناء أيضًا (٢) فيما روي عن مالك من إثبات الوضوء ومن نفيه، وقوله الوضوء منه حسن وليس بسنة على أنه إنما نفاه مع عدم اللذة وأثبته مع وجودها. ورأى سحنون أن ذلك اختلاف قول منه. وأما من لم يسلك طريقة البناء فلا بد له (٢) من طلب الترجيح ليستعمل أحد الحديثين ويترك الثاني. وأما الآخذون بحديث النفي، فرجحوا بأن مس الذكر مما تعم البلوى به، ويكثر نزوله، فلا يقبل فيه خبر الواحد. وأجيبوا (٣) على هذا بأنه قد (٤) رواه أربعة عشر من الصحابة بين رجل وامرأة. وهذا يوجب انتشاره. ورجحوا أيضًا بأن الأخبار الواردة معلولة وقد اجتمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فتذاكرا الوضوء من مس الذكر، وتكلما في الأخبار الواردة (٥)، واتفقا على إسقاط الحجاج بالخبرين معًا. خبر بسرة وخبر طلق. ثم صارا إلى الآثار (٦) المروية عن الصحابة. فاحتج أحمد في إثبات الوضوء بما روي عن ابن

стр. 188

عمر فلم يمكن يحيى دفعه. وأما الآخذون بإثبات الوضوء فرجحوا بأن أخبار الإثبات أكثر رواة، وأصح سندًا. وبأن رواية النفي متقدمة ورواية أبي هريرة بالإثبات متأخرة يجب أن تنسخ ما قبلها *فإن قيل أحاديث الإثبات وردت بصيغة أمر مجرد فمحملها (١) * على الاستحباب. وقد قال مالك الوضوء منه حسن وليس سنة. قيل جمهور الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. وهذا يقتضي حمل الأمر ها هنا على الوجوب حتى يقوم دليل على حمله على الندب، ولم يقم ها هنا دليل. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف (٢) في باطن الأصابع هل هو كباطن الكف أم لا؟ فالمشهور أنها كذلك. وهو الأولى على مذهب المغاربة لأنهم إنما تعلقوا بقوله إذا أفضى أحدكم بيده، والإفضاء يكون بباطن اليد، أصابعها وكلها (٣). والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما مسه من فوق حائل ففيه روايتان. روى عنه ابن القاسم أنه إذا مسه من فوق الثوب فعليه الوضوء مطلقًا. وقيد ابن زياد عنه هذه الرواية بأن يكون الثوب خفيفًا. وروى عنه ابن وهب نفي الوضوء ولو كان خفيفًا. فوجه الأول قوله إذا مس أحدكم ذكره. ولم يفرق بين وجود الحائل وعدمه. ووجه النفي قوله أيضًا (٤): إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، لي بينهما شيء فقيد بعدم الحائل. والحديث المطلق يجب أن يرد إلى المقيد. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال (٥): اختلف في مسه على جهة النسيان. فقيل لا وضوء فيه لقوله: رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها (٦). وقيل بل ينقض الوضوء لقوله: إذا مس أحدكم ذكره. ولم يفرق بين العمد والنسيان.

стр. 189

والقول الأول يستمر على قول من اعتبر اللذة من البغداديين. والقول الثاني يستمر على قول من اعتبر مجرد اللمس (١) بباطن الكف من المغاربة. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما جمهور من أثبت الوضوء بمس (٢) ذكر نفسه فإنه يثبته بمس ذكر غيره إلا داود، فلم يوجب (٣) الوضوء من مس ذكر غيره تعلقًا منه بقوله إذا مس أحدكم ذكره. وإذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره. وهذا يدل على أن ذكر غيره بخلاف ذكره. وقد قابل بعض أصحابنا هذا بقوله من مس الذكر الوضوء (٤). فعم. وعندي أنه يجب أن يؤثر في نقض الوضوء إذا لمسه للذة على مذهب البغداديين من أصحابنا. ويكون حكمه حكم (٥) ملامسة النساء للذة. إن أمكن أن توجد اللذة بمس (٦) ذكر غيره غالبًا (٧). وأما على مذهب المغاربة فالأحاديث الصحيحة إنما وردت بمس ذكر نفسه. ولو ثبت قوله من مس الذكر الوضوء لأمكن أن يخص هذا العموم بالعادات على رأي بعض أهل (٨) الأصول. لأن العادة لم تجر إلا بمس الإنسان ذكر نفسه لا ذكر غيره. وقد اختلف العلماء في مسه ذلك من بهيمة. والقول فيه عندي كالقول في مسه ذكر إنسان غيره. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: تنازع العلماء في مس الذكر المقطوع. هل هو كمس الذكر المتصل؟ وتحقيق القول فيه كالقول في مس ذكر غيره على ما فصلته من مذهب البغداديين والمغاربة. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما الخنثى الذي له فرجان فإنه

стр. 190

يعتبر فيهما مخرج البول. فمن حيث خرج (١) تعلقت به الأحكام. إن خرج من الذكر انتقض وضؤوه بمسه ولم ينتقض بمسه (٢) فرجه الآخر. وإن خرج من فرجه انتقض بمسه (٣) على القول بنقض وضوء المرأة من مس (٤) فرجها ولم ينتقض من مس ذكره. وإن تساوى خروجه منهما فتنازع العلماء في نقضه الوضوء من مسه لفرجه. وعندي أنه يتخرج على القولين: فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث. هل ينتقض وضوؤه احتياطًا للعبادة حتى لا يبرأ من الصلاة إلا بيقين، أو لا ينتقض وضوؤه استصحابًا لبراءة الذمة. وقد قدمنا مثل هذا في النوم المشكوك فيه أنه يتخرج على القولين وهذا على مذهب المغاربة. وأما على مذهب البغداديين فلا يحتاج إلى هذا التفصيل لأنهم يعتبرون اللذة. ففي أي الفرجين اعتاد وجودها تعلق الحكم به. والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما مس المرأة فرجها فمن أصحابنا من حمل الاختلاف فيه على حالين. فإثبات الوضوء منه محمول على أنها إن (٥) مست باطنه أو قبضت عليه. ونفيه على أنها إن (٥) مست على خلاف ذلك. وهذا يستمر على طريقة أصحابنا البغداديين الذين يعتبرون اللذة في (٦) مس الذكر. فإذا مسته على الصفة التي ذكرنا (٧) بأنها توجب الوضوء فالغالب أنها تجد اللذة فلهذا يجب الوضوء. وإذا مسته على خلاف ذلك لم تجد لذة. فلهذا لم يجب الوضوء. ومن أصحابنا من صار في هذا الاختلاف إلى ظاهره. ورأى أن إثبات الوضوء من مسه على الإطلاق هو مقتضى عموم قوله من مس الفرج الوضوء (٨). وقد قال بعض أصحابنا يتخرج على هذه الرواية إثبات الوضوء

стр. 191

من مس الرجل دبره. كما قاله الشافعي لأن العموم يقتضيه كما اقتضى مس المرأة فرجها. وأنكر هذا التخريج بعض أصحابنا ورأى أن فرج المرأة تجد اللذة بمسه كما يجد الرجل بمس ذكره. فأجريا في الحكم مجرى واحدًا في تأثيرهما في نقض الوضوء. والدبر لا يمكن أن توجد لذة بمسه على حال. فأشبه الفخذ والساق. وقد روت عائشة أنه ﵇ قال: "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" (١). والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما من انتقض وضؤوه بمس الذكر فصلى ولم يعد وضوءه، فقيل: لا إعادة عليه. وقيل يعيد في الوقت. وهذان القولان مبنيان على أن الوضوء منه غير واجب. *وقيل يعيد أبدًا وهذا مبني على أن الوضوء منه واجب* (٢) وقيل إن فعل ذلك ساهيًا أعاد في الوقت، وإن فعله عامدًا أعاد أبدًا. وهذا مبني على أن الوضوء غير واجب، ولكنه غلظ الحكم مع العمد في الإعادة دون السهو، لأن الساهي معذور، والعامد غير معذور. وهذا الذي ذكرناه (٣) من بناء هذه الأقوال هو الظاهر. وإلا فيمكن أن يخالف كل مجيب أصله مراعاة للخلاف. فيمكن أن يقول من رأى الوضوء واجبًا أنه يعيد في الوقت مراعاة للخلاف. وقال سحنون يعيد -إلا أن يمضي لتلك الصلاة- اليومان فصاعدًا، فلا يعيد. وهذا القول لا معنى له. لأنه راعى طول الزمن (٤) وقدره باليومين والثلاثة وهذا لا أصل له.

стр. 192

قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ولا وضوء من مس الإنثيين، ولا الدبر، ولا شيء من أرفاغ البدن. وهي مغابنه الباطنة، كتحت الإبطين وما بين (١) الفخذين وما أشبه ذلك. ولا من أكل شيئًا أو شربه كان مما مسته النار. أو مما (٢) لم تمسه. ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها. ولا من ذبح بهيمة أو غيرها. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها: أن يقال: ١ - لم نص على الأنثيين؟. ٢ - ولم نص على الدبر؟. ٣ - ولم نص على ما مسته النار؟. ٤ - ولم نص على القهقهة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما نص على الأنثيين تنبيهًا على الخلاف. لأن عروة بن الزبير يرى الوضوء من مسهما، لانطلاق اسم الفرج عليهما عنده، فيدخلان في عموم الحديث المتقدم. ولنا عليه قوله من مس ذكره وهذا يدل على أن ما سوى الذكر بخلافه. ولأن الذكر إنما خص بهذا الحكم دون سائر الأعضاء، لوجود اللذة بمسه. وسائر الأعضاء سواه لا توجد اللذة بمسها، والأنثيان منها فكانتا في الحكم بمنزلتها. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما نص على الدبر تنبيهًا على الخلاف. لأن الشافعي يرى الوضوء بمسه لانطلاق اسم الفرج عليه، ودخوله في الحديث المتقدم. وقد قدمنا الكلام عليه وذكرنا أن بعض أصحابنا خرج ذلك من المذهب. وقد مضى ذكره فلا وجه لإعادته (٣). والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما نص على ما مسته النار تنبيهًا

стр. 193

على الخلاف. وقد اختلفت الأحاديث الواردة فيه. فورد منها: وتوضؤوا مما مست النار (١). فأخذ بظاهر هذا بعض من تقدم وورد أيضًا: أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" (٢). وأخذ بهذا -الجمهور، فرجح من أخذ بالحديث الأول بأوجه. منها: أنه أحوط، وفيه زيادة حكم، وإثبات عبادة (٣). فكان أولى مما ليس ذلك فيه. وأيضًا فإنه أمر. والحديث الذي يعارضه فعل. والأمر آكد وأولى من الفعل عند بعض أهل الأصول. وذكروا أيضًا أنه روي ما يدل على أنه ناسخ للفعل فكان أحق أن يؤخذ به. ورجح الجمهور الحديث الآخر بأنه ناسخ لما تقدم. لقول جابر ﵁: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ : ترك الوضوء مما مست النار (٤). وأيضًا فقد قال بعض أصحابنا لم يظهر الخلاف فيه إلا في عصر الصحابة والتابعين. ثم انعقد الإجماع بعدهم على ترك الوضوء منه. وهذا يمنع من الخلاف فيه. وهذا إنما يصح على أحد القولين في أن إجماع العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول حجة يرفع حكم الخلاف المتقدم. وهذه مسألة مبسوطة في كتب الأصول. وأيضًا فإنا نبني الحديثين. فيحمل حديثهم على الوضوء اللغوي الذي هو النظافة. فيكون المراد بالحديث تنظيف اليد والفهم. ونحمل

стр. 194

حديثنا على الوضوء الشرعي. أو يحمل حديثهم على الاستحباب. ونحن نعضد (١) ترجيحنا بأن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا ﵃ أجمعين، اتفقدا على ترك الوضوء مما مست النار (٢). ولا يمكن أن يكون الوضوء منه مشروعًا، ويذهب علم ذلك عنهم مع تكرره عليهم. وكذلك نجيب عما تعلق به أحمد وداود في الوضوء من أكل لحوم الإبل خاصة بالحديث المروي عنه ﵇ في ذلك، بأن نحمله (٣) على الوضوء اللغوي فيكون المراد (٤) تنظيف اليد والفم. وخص بذلك لحم الجزور لاختصاصه من السهوكة (٥) بما لا يوجد في غيره من اللحوم. أو يحمله على الاستحباب للوضوء الشرعي. ويعضد ذلك بأن من مس الدم وغيره من النجاسات لم يلزمه أن يتوضأ *فبأن لا يلزمه ذلك إذا مس شيئًا طاهرًا، أولى* (٦). والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما خص القهقهة بالذكر تنبيهًا على الخلاف، لأن أبا حنيفة يرى الوضوء من الضحك في الصلاة. تعلقًا بأخبار رويت في ذلك. ونحن نقابلها بما روى جابر أنه ﵇ قال: الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء (٧). ويمكن أن تحمل أحاديثهم إن صحت على الاستحباب. ويعضد ذلك (٨) بأن نقول أجمعت الأمة على أن

стр. 195

الضحك في غير الصلاة لا ينقض الوضوء. وهذا يدل على أن الضحك في الصلاة لا ينقض الوضوء (١). لأن كل حدث ينقض الطهارة في الصلاة ينقضها في غير الصلاة. وكذلك كل ما لا (٢) ينقض الطهارة في غير الصلاة لا ينقضها في الصلاة. فقد تساوت الحالتان طردًا وعكسًا. فإن قيل هذا ينتقض بالمتيمم يجد ماء فإنه ينقض تيممه وجود الماء قبل الصلاة، ولا ينقضه وجوده في الصلاة في المشهور عندكم. قيل ليس وجود الماء حديثًا يوجب الطهارة فينقض ما قلنا في الأحداث وإنما وجود الماء يوجب استعماله لرفع الحدث الذي هو باق مع التيمم. إذ التيمم لم يرفعه وإنما فعل لتستباح به الصلاة بشرط عدم الماء. فإذا لم يحصل المقصود منه، وهو استباحة الصلاة بطل حكمه عند (٣) وجود الماء. وإذا وجد المقصود، وهو استباحة الصلاة، لم يؤثر وجود الماء مع حصوله. وأيضًا فإن القذف وذكر الفواحش في الصلاة لا يبطل الوضوء. مع أنه آكد في المنع من الضحك، فبأن (٤) لا يبطل ذلك الضحك مع كونه أخفض رتبة، أولى وأخرى.

стр. 196

باب ما يوجب الغسل قال القاضي ﵀: "و (١) يجب الغسل على الرجل بشيئين. إنزال (٢) الماء الدافق عن لذة (٣) في نوم أو يقظة. فإن عري عن اللذة فلا غسل عليه. والإيلاج (٤) في قبل أو دبر (٥). وعلى المرأة بهذين وبشيئين آخرين (٦) وهما الحيض والنفاس وخروج (٧) الولد، وعليهما بإسلام الكافر منهما. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال: ١ - ما دليل (٨) وجوب الغسل من الماء الدافق؟. ٢ - ولِمَ سقط الغسل فيه إذا عري من اللذة؟. ٣ - ولم وجب بالإيلاج؟. ٤ - ولم وجب بالحيض والنفاس؟. ٥ - وما معنى ذكره خروج الولد مع ذكره النفاس؟. ٦ - ولم وجب على الكافر؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما وجب الغسل بإنزال الماء

стр. 197

الدافق بلذة. لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). ولقوله ﵇: الماء من الماء (٢). ولا خلاف في ذلك، وسواء أكان في نوم أو في يقظة لعموم هذه الظواهر. وسواء أكان من رجل أو امرأة لعموم الظواهر أيضًا. ولقول أم سلمة: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رأت الماء (٣). وقد قال بعض أهل العلم: إن ذلك إجماع. وقال ابن المنذر لا نعلم فيه اختلافًا إلا ما روي عن النخعي: أنه سئل عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل فقال: إنما الحيض للنساء (٤) والحلم للرجال. ومثل هذه المقالة الشاذة التي هي عرضة الاحتمال لا تقدح فيما قدمناه من الأدلة. فإن استيقظ النائم فذكر احتلامًا ولم ير له أثرًا فلا حكم له. لأن حال النوم لا يكون أصح من حال اليقظة. وقد دلت اليقظة على بطلان ما تخيل، ولأنه ﵇: سئل عن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل. فقال: لا غسل عليه (٥). وإن استيقظ من نومه فرأى الأثر ولم يذكر الاحتلام: فاختلف الناس في ذلك هل يوجب الغسل أم لا؟ فمنهم من أوجبه لأنه ﵇:

стр. 198

سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام فقال يغتسل (١). ولأن الغالب أن الماء لا يخرج من النائم إلا بشهوة، وإن خفيت عنه عند يقظته، لغمرة النوم له. وقيل لا غسل عليه لأنه ماء يخرج بغير لذة، وما كان كذلك لا يوجب غسلًا على ما نبينه فيما بعد. ولو شك في هذا الماء هل هو مني أو مذي، فإن المذهب على قولين: أحدهما أنه يغتسل احتياطًا (٢) ولأن الشك في الحدث يجري مجرى التيقن (٣) على هذه الطريقة. والثاني لا يجب عليه أن يغتسل لأن الأصل براءة الذمة، والشك في الحدث لا يؤثر على هذه الطريقة. فإن قلنا بالطريقة (٤) الأولى وهي إثبات الغسل فهل عليه أن يضيف لذلك الوضوء؟ المشهور عنهم أنه يستغني بالغسل عن الوضوء لأن من أجنب تيقنًا (٥) يسقط عنه فرض الوضوء ويستغني بالغسل. فمن شك هل أجنب أم لا، فأمرناه بالغسل، فإنه يكتفي به أيضًا. وقد رأيت بعض المخالفين ذهب إلى أنه لا بد أن يضيف إلى غسله وضوءًا. وعندي أنه قد يتخرج ذلك على قول من ذهب من أصحابنا إلى وجوب الترتيب في الوضوء. لأن غسل الجنابة لا ترتيب فيه. والوضوء يجب ترتيبه عند هذه الطائفة على ما أشرنا إليه فيما تقدم. فإذا أمكن أن يكون ما وجده (٦) مذيًا، فالواجب منه الوضوء لأجل الشك فيه، كما أمروه بالغسل لأجل الشك به أيضًا. فإذا اغتسل غسلًا لم يحصل معه ترتيب أعضاء الوضوء بقي مطالبًا بالوضوء الواجب لأجل الشك. فوجب عليه لأجل ذلك الأمران. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أمَّا المني إذا خرج بغير لذة،

стр. 199

كمن ضرب بسيف فأمنى أو لدغته عقرب فأمنى، فإن فيه قولان: - أحدها أنه يغتسل. - والثاني لا غسل عليه. فوجه القول بأنه يغتسل عموم الظواهر، لأنه يسمى جنبًا على الحقيقة. فدخل في عموم قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). وفي عموم قوله الماء من الماء (٢). ووجه القول ألا غسل عليه. أنه ماء خرج على غير الصفة المعتادة فلم يلزم فيه الغسل كدم الاستحاضة لما خرج على غير الصفة المعتادة لم يلزم فيه غسل. وتحمل الظواهر على خروج المني بلذة. لأنه المعتاد فيه. ويخص العموم بالعادة على قول بعض أهل الأصول. ومن هذا النمط اختلاف المذهب فيمن جامع ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل، هل عليه الغسل أيضًا أم لا؟ وفيمن لاعب ثم أنزل بعد حين بغير لذة، هل عليه الغسل أيضًا أم لا؟ فقيل بإثبات الغسل. وقيل بنفيه. وتوجيه ذلك قد تقدم. ومن أصحابنا من فرق بين السؤالين فأثبت (٣) الغسل فيمن لم يتقدم له غسل. ونفاه فيمن تقدم له غسل. واعتل بأنه لا يغتسل من سبب واحد مرتين. وكأن (٤) الجماع والإنزال سبب واحد، اغتسل في خلاله فلم يلزمه إعادة الغسل. ولا معنى لهذه التفرقة. لأن المني الخارج بغير لذة لم يغتسل له، فيعتبر فيه ما قلناه من القولين. ويطرد في السؤالين. فإن قلنا بإثبات الغسل فهل يعيد ما تقدم من الصلاة؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يعيد وهو النظر عندي لأن الغسل إنما وجب لحدث حدث بعد الصلاة فلم يؤثر فيما كان قبله كسائر الأحداث المعتادة. وإن قلنا بنفي الغسل فهل يؤمر بأن يتوضأ؟ المذهب أنه يؤمر بذلك. وهل يؤمر به على جهة الوجوب أو الاستحباب؟. اختلف البغداديون من أصحابنا فقال بعضهم يؤمر به على جهة الوجوب.

стр. 200

وقال بعضهم بل على جهة الاستحباب. والكلام على هذا كالكلام على وضوء المستحاضة. لأنه خرج على غير جهة الصحة، فلم يوجب الغسل. ولكنه يؤمر فيه بالوضوء، لما قدمناه من أمر النبي ﷺ المستحاضة بذلك. وقد مضى الكلام على ذلك. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الغسل بمجرد الإيلاج. فذهب الأنصار ﵃ إلى أنه لا يجب الغسل بذلك. وذهب المهاجرون إلى أنه يجب. وأرسلوا أبا موسى لعائشة ﵂. فأخبرتهم بما يقتضي وجوب الغسل. فنقل عن جماعة منهم الرجوع إلى ما قالت، وبه قال فقهاء الأمصار. وأخذ داود وشيعته بالقول الأول. وقد اختلفت الأحاديث في ذلك فروي ما يدل على القول الأول كقوله: الماء من الماء (١). وروي ما يدل على القول الثاني كقوله: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أم لم ينزل (٢). وكذا (٣) ظاهر القرآن تجاذبه الفئتان. فقال من نفى الغسل: الجنب هو من أنزل الماء. والظاهر ورد بالأمر بغسله فوجب قصر الحكم عليه. وقال من أثبت الغسل: الجنب مأخوذ

стр. 201

من المجانبة. والمجانبة المفارقة. فيسمى من فارق ماءه جنبًا. ويسمى من فارق فرج حليلته جنبًا. فيحمل الظاهر على العموم. فيقتضي الغسل بمجرد الإيلاج. وقد رجح أيضًا من أثبت الغسل على (١) ما تعلق به من الأحاديث، بأنها أثبتت حكمًا. فكانت أولى مما نفاه. وسلكوا طريقًا أخرى في بناء الأحاديث فقالوا نحمل قوله: الماء من الماء. على أنه في المنام. وتحمل أحاديثنا على اليقظة لئلا تتعارض أدلة الشرع. وقد حمله ابن عباس ﵁ على ذلك. وقصر الحديث على الاحتلام. وأيضًا فإن الرازي ذكر أن الغسل بمجرد التقاء الختانين قد أجمع عليه السلف بعد الاختلاف الذي كان بينهم فيه (٢). فسقط حكم الاختلاف ولحقت المسألة بمسائل الإجماع. وهذا الذي قاله الرازي: قد أنكر حذاق أهل الأصول اتفاق وقوعه أصلًا. لأن اختلاف الأمة على قولين يتضمن جواز الأخذ بكل واحد من القولين، واتخاذه مذهبًا عند من رآه صوابًا، وإجماعها بعد ذلك على أحد القولين يتضمن منع الذهاب إلى الآخر بعد أن كان الاختلاف يتضمن جواز الذهاب إليه. وهذا يوجب تخطئة الأمة فيما تجمع عليه وذلك ممنوع. ورجحوا أيضًا بأن نفي الغسل مستفاد من دليل (٣) قوله: الماء من الماء. وإثبات الغسل مستفاد من النطق ونفس النطق أولى من دليل النطق. وإن تعلقوا بخبر آخر يستفاد ما قالوه من نطقه اقتصرنا على ما قدمنا من الترجيح. وقد رجح أيضًا من نفي الغسل ما تعلق به بأن ما قد (٤) ورد في الظواهر من ذكر الغسل والطهر محمول على غسل بعض الجسم لا كله. وما ورد من نفيه فمحمول (٥) على كل البدن لا بعضه. لئلا تتعارض أدلة الشرج. وأجيبوا عن

стр. 202

هذا بأن الغسل ورد ها هنا معرفًا بالألف واللام والمراد به الغسل المعهود المعروف. و (١) هذا ظاهر الإطلاق ولا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل. وإذا ثبت وجوب الغسل بمجرد الإيلاج، فسواء فيه القبل والدبر، لأنهما يشتركان في كثير من الأحكام. ولو كان الإيلاج في فرج خنثى مشكل فقد قال بعض الناس لا يجب بذلك الغسل، لجواز أن يكون عضوًا زائدًا والعضو الزائد لا حكم له ها هنا. وهذا عندي يتخرج على القولين في نقض الطهارة بالشك. وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما وجب الغسل (٢) بالحيض والنفاس لقوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣). ولقوله ﵇ في الحيضة: وإذا أدبرت فاغتسلي (٤). وكان حكم النفاس كذلك لأنه دم حيض مجتمع فكان حكمه حكم الحيض. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما ذكر خروج الولد مع النفاس لأن خروج الولد بمجرده فيه اختلاف. هل يؤمر فيه بالغسل أم لا؟ فنبه عليه لموضع الخلاف فيه. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما غسل الكافر فاختلف فيه أصحابنا هل هو للجنابة أو للإسلام؟ فمن رآه للجنابة جعله واجبًا، إذ غسل الجنابة واجب. ومن رآه للإسلام جعل الغسل مستحبًا وهو مذهب إسماعيل القاضي. واعتل بأن جنابته في الشرك يمحو حكمها الإِسلام. لأن الإِسلام يجب ما قبله. وقد ألزم على هذا ألا تجب عليه الطهارة الصغرى من الحدث الأصغر لأن الإِسلام يجب أيضًا أن يمحو الحدث الأصغر كما محا الأكبر. وقد نص

стр. 203

إسماعيل على أن الطهارة الصغرى عنده بخلاف ذلك، فقال: جنابته يمحوها الإِسلام وإنما يجب عليه أن يستأنف ما على المسلم استئنافه. فإذا أراد الصلاة توضأ. لأن الصلاة لا تكون إلا به. قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١) فعلق وجوب الغسل بالجنابة. وقد تكون أو لا تكون. والوضوء لا بد منه لمن لم يكن توضأ. وهذا الذي تمسك به من ظاهر الآية إنما يستقيم مع القول بأن ظاهرها يوجب الوضوء على كل قائم للصلاة وإن لم يكن محدثًا. وأما من أضمر الحدث ورآه شرطًا في وجوب الطهارة الصغرى فلا فرق بين الطهارتين لأنهما علقا بشرطين. وقد استدل من أوجب الغسل بغسل ثمامة (٢). وبأنه ﵇ لما أسلم قيس بن عاصم أمره أن يغتسل (٣). واستدل من نفى الوجوب بأنه أسلم الجم الغفير، والعدد الكثير فلم ينقل أنه أمرهم بالغسل. ولو أمرهم بذلك مع كثرتهم لاشتهر وانتشر.

стр. 204

باب صفة الاغتسال قال القاضي ﵀: قد بينا أن الغسل من الجنابة وسائر ما ذكرناه معها فريضة. وهو مشتمل على مفروض ومسنون وفضيلة. فمفروضاته ثلاثة: وهي النية، وتعميم ظاهر البدن، وإمرار اليد على البدن مع الماء. وهذا عندنا من شروط كونه غسلًا فيستوي فيه الغسل والوضوء. إلا أن العادة قد جرت بذكره مع الغسل. ويفعل الغسل بما يفعل به الوضوء من الماء المطلق. وأما مسنوناته فهي المضمضة، والاستنشاق وفي تخليل اللحية روايتان: إحداهما الوجوب. والأخرى أنه سنة. وأما الفضيلة فهي أن يبدأ بغسل يديه ثم يتنظف من أذى إن كان عليه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يخلل أصول شعره (١) بالماء، ثم يغرف عليه ثلاثًا، ثم يفيض الماء على بدنه (٢). ومن له شعر معقوص من رجل أو امرأة لم ينقضه. وأجرى الماء عليه ثم ضغثه بيديه (٣). قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة: منها أن يقال: ١ - ما دليل إمرار اليد على البدن؟. ٢ - وما دليل كون المضمضة والاستنشاق سنتين؟. ٣ - وما وجه الاختلاف في تخليل اللحية؟. ٤ - وما وجه البداية بالتنظيف من الأذى؟. ٥ - وما معنى هذا التقييد بقوله وضوءه للصلاة؟

стр. 205

٦ - وهل يختلف في تخليل شعر الرأس كما اختلف في تخليل شعر اللحية؟. ٧ - ولِمَ اختار أن يغرف عليه ثلاثًا؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس (١) في إمرار اليد في الغسل. هل هو شرط في صحة الغسل أم لا؟ فذهب مالك والجمهور من أصحابه إلى أن ذلك شرط في صحة الغسل. وذهب أبو الفرج ومحمد بن عبد الحكم من أصحابنا إلى أن ذلك ليس من شرط في صحة الغسل. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. والنكتة التي يدور عليها الخلاف (٢)، اعتبار حقيقة هذا الاسم في اللغة. فزعم أصحابنا أن حقيقة الغسل في اللغة: صب الماء مع إمرار اليد. قالوا ولهذا تفرق العرب بين قولها (٣) اغتسلت وانغمست. ولا وجه في الفرق بينهما، إلا أن الغسل يعتبر فيه مرور اليد، ولا يعتبر ذلك في الانغماس. ورجحوا مذهبهم أن الغسل باستدلال شرعي فقالوا الطهارة في ذمة المكلف حاصلة فلا يبرأ منها إلَاّ بوجه متفق عليه أو بدليل يدل على براءته. ولم يوجد ها هنا دليل، فاعتبر حصول الاتفاق. وزعم المخالفون أن صب الماء بمجرده يسمى غسلًا في اللغة وإن لم يصحبه مرور اليد. ولهذا يقولون غسلت الأمطار البقاع وغسل السيل موضع كذا، إذا أتى عليه، وأذهب ما فيه. وإن لم يكن مع ذلك مرور اليد (٤). وهذا غير مستنكر في عرف التخاطب. ورجحوا مذهبهم أيضًا باستدلال شرعي، وهو قوله ﵇: فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك (٥). فلم يوجب أكثر من الإمساس وذلك يحصل دون مرور اليد. وقوله ﵇:

стр. 206

إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيض عليك الماء فإذا أنت قد طهرت (١). فأخبرها بما يكفي وهو إفاضة الماء وذلك يحصل دون إمرار اليد. ثم أكد ذلك بقوله فإذا أنت قد طهرت. فإن قيل فإن لم تبلغ يداه لموضع من جسده ما حكم ذلك الموضع؟ قيل إذا لم يمكنه أن يتلطف في ذلك باستعمال ثوب وشبهه، أو استنابة يد غيره فإن ذلك ساقط عنه ولا يخاطب في ذلك بما لا يقدر عليه. لأن ذلك من تكليف ما لا يطاق. وذلك مرفوع ها هنا. فإن قيل إذا كان من شرط صحة الغسل عند الجمهور منكم مرور اليد. ومتى لم يمر لم بسم غاسلًا، فيجب أن لا يكتفي بهذا الغسل المبعض بل ينتقل للتيمم. قيل ذا غلط لأنا قدمنا أن الغسل عند أكثر فقهاء الأمصار لا يشترط فيه مرور اليد مع الاختيار والقدرة. فكيف بهذا *مع الضرورة والعجز؟ مع أن الشرع ورد بالمسح على الجبيرة لمشقة وصول الماء إليها. وإن كان ممكنًا وصوله (٢) * فكيف بهذا الذي هو فوق المسح، ومرور اليد فيه خارج عما يمكن؟ ولو قطع بعض الجسد لم يتغير الحكم في غسل بقية الجسد. فكذلك ما تعذر ها هنا لا يتغير به الحكم في بقية الجسد. وإن كان يمكنه التلطف في ذلك بتطلب من ينوب عنه فهل عليه تطلبه؟ ظاهر المذهب أنه على ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك عليه لأنه شرط في صحة الطهارة فلا يسامح بإهماله، والاقتصار على ما دونه مع القدرة على تحصيل الشرط، كما على المكلف أن يتطلب الماء ولا ينتقل إلى التراب حتى ييأس. والثاني ليس عليه تطلب ذلك لأن تطلب ذلك يشق، وتكليفه (٣) من الحرج. والحرج مرفوع. ولا يصح قياسه على تطلب الماء لأن التطهر بالتراب مع القدرة على الماء لا يصح. وترك التدليك مع القدرة عليه تصح معه الطهارة عند جمهور فقهاء الأمصار. فسهل الأمر فيه. والثالث:

стр. 207

التفرقة بين القليل والكثير فإن كان الذي لا تناله يده (١) أكثر الجسد فعليه تطلب ذلك وإن كان أقل الجسد ومما لا بال له فيه عفي له (٢) عن التطلب كما عفي عن العمل اليسير في الصلاة. ذهب إلى هذا أبو الحسن بن القصار. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما المضمضة والاستنشاق فاختلف الناس فيهما. فذهب مالك إلى أنهما سنتان في الغسل. وذهب أبو حنيفة إلى أنهما فريضتان فيه. والنكتة التي يدور عليها الخلاف، اعتبار كونهما من ظاهر الجسم فيجب غسلهما كالساق أو العضد. أو هما من باطن الجسم فلا يجب غسلهما كداخل الصماخ. فرجح من نفى الوجوب مذهبه بقوله ﵇: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك (٣). ولم يأمر بالمضمضة والاستنشاق مع قصده بهذا الحديث التعليم. والتعليم يستقصى فيه البيان. ورجح من أثبت الوجوب مذهبه بقوله ﵇: فإذا وجدت الماء فامسسه (٤) جلدك، وقد قال ثعلب: داخل الفم جلد -قيل: قد خولف ثعلب في هذا، فلا يسلم ما قال. وقد تعلقوا بأحاديث لم يسلم لهم صحتها أيضًا، فلا وجه للاشتغال بتأويلها. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: النكتة التي يدور عليها الخلاف في تخليل اللحية قريب مما ذكرناه في المضمضة. وذلك أن شعر اللحية يستر الذقن. فهل ينتقل حكم الذقن إليه، ويلحق الذقن بباطن الجسم فيكون التخليل غير واجب. أو يبقى حكم الذقن على ما كان قبل من إيصال الماء إليه على حسب الإمكان؟ وقد رجح من أثبت الوجوب مذهبه بما روي أنه ﵇: كان يخلل أصول شعره في غسل الجنابة (٥). ولم يخص شعرًا دون شعر. فأن

стр. 208

قيل فيلزم على هذا تخليل شعر اللحية في الطهارة الصغرى. قيل قدمنا أن ذلك اختلف فيه أيضًا. على أن من الناس من فرق بينهما، بأن الطهارة الصغرى خفف الأمر فيها حتى جاز استعمال البدل فيها اختيارًا، بمسح الخفين النائب عن غسل الرجلين. ولم يرد مثل ذلك في الطهارة "الكبرى" فلهذا صح أن يقال أن الشعر ينوب غسله عن غسل البشرة في الطهارة الصغرى. ولا ينوب عن ذلك في الطهارة الكبرى. وقد رجح من نفى الوجوب مذهبه، بأنه قد اتفق على أنه ليس على المتيمم إيصال التراب إلى البشرة، ولو كان الفرض لم ينتقل عنها إلى الشعر لوجب تخليل الشعر في التيمم ومباشرة البشرة على حسب الإمكان. فلما لم يجب ذلك في طهارة التراب لم يجب مثل ذلك في طهارة الماء. وقد رأى بعض شيوخنا أن فائدة التخليل استيعاب غسل الشعر. فإنه ربما منع الأعلى منه وصول الماء لما تحته. ولم ير أن فائدته إيصال الماء إلى البشرة. وهذا الذي قاله إنما يستمر على رواية ابن وهب عن مالك أن تخليل اللحية من الجنابة واجب. وليس إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر بواجب. والطريقة الأولى التي قدمنا هي التي عليها الحذاق. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما اختار البداية بغسل مواضع الأذى، لأنه يفتقر إلى تطهيرها من الجنابة. وتطهير العضو من الجنابة، إنما يكون بعد إزالة النجاسة عنه. فإذا غسل عنه النجاسة، فقد قال بعض شيوخنا يغسله بنية الجنابة ليأمن من مس ذكره في أثناء طهارته. فيسلم بذلك من نقض الطهارة الصغرى. ويأمن من انتقاضها إذا قدم ذلك. ولو غسل ذلك بنية الجنابة وإزالة النجاسة معًا، لأجزأه ذلك عنده. وهذا فيه مطعن متى اعتقد المغتسل أن إزالة النجاسة ليست بفرض، على ظاهر أحد القولين. لأن جمعها (١) على هذا القول مع غسل الجنابة، جمع بين فرض ونفل، وقصد إليهما معًا. وذلك لا

стр. 209

يصح. وقد أشرنا في الكلام على من اغتسل للجنابة، والجمعة معًا إلى هذا. والجواب على السؤال الخامس: أن يقال: أما افتتاح غسل الجنابة بالطهارة الصغرى فقد ورد به الخبر، أنه فعله ﵇ (١). وقد اختلف النقل عنه هل أكمل وضوءه أو أخر غسل رجليه إلى فراغه؟ فروت عائشة أنه توضأ كما يتوضأ للصلاة (٢). وأشارت بهذا التقييد إلى خلاف الرواية الأخرى. ولهذا أشار القاضي أبو محمَّد بالتقييد الذي قيد (٣)؛ لأنه التقييد الذي قيدت به عائشة ﵂ ليشعر بذلك أن المختار رواية عائشة. وقد روى ابن زياد عن مالك ليس العمل على تأخير غسل الرجلين. وإن كان قد روي عنه في المبسوط: واسع أن يؤخر ذلك حتى يفرغ من غسله. أخذا منه بحديث ميمونة (٤) أنه أخر غسل رجليه. ولأنه لما افتتح الطهارة الكبرى بغسل وجهه، وهو أول عضو من الطهارة الصغرى، ختمها بغسل رجليه وهو آخر عضو من الطهارة الصغرى، لتحصل الكبرى متابعة لأعضاء الوضوء، وحاصلة بين أثنائها. ومقتضى الرواية الأولى أنه يأتي بالوضوء على ما هو عليه، ثم بعد ذلك يستأنف تخليل اللحية وشعر الرأس. لأن التخليل ليس من خصائص الوضوء. وقد قال ابن زياد عنه: لو أخر غسل رجليه لأعاد الوضوء عند فراغه من غسله. وهذا مراعاة لما قلناه من الإتيان به على وجهه، والتحفظ على الموالاة فيه. ومقتضى الرواية الثانية التي سامح فيها بتأخير غسل الرجلين، أنه إذا غسل وجهه خلل أصول شعر لحيته ثم يغسل لحيته. ثم يغسل يديه. ثم يخلل شعر رأسه. هكذا ذكر بعض شيوخنا. لأنه لما

стр. 210

سامح بتأخير غسل الرجلين لم يراع أن يؤتى بالوضوء على صفته. وإذا لم يراع ذلك أدخل فيه ما ليس من خصائصه وهو التخليل. وهذه الطريقة التي تستمر على القول بأن المتوضئ في ابتداء غسله ينوي بغسل أعضاء وضوئه غسل الجنابة. وإنما قُدّمت على بقية الجسد لما لها من الحرمة عليه. بكونها محلًّا لطهارة أخرى. وإلى هذا كان يذهب من شافهته من شيوخنا المحققين. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما تخليل شعر الرأس فإنه يختلف فيه كما اختلف في تخليل شعر اللحية. هكذا ذكر القاضي أبو محمَّد في غير هذا الكتاب. وأنت إذا اعتبرت ما قدمناه من وجه الاختلاف في شعر اللحية وصح له (١) حكم شعر الرأس فلا معنى لإعادته. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما اختار أن يغرف الماء ثلاثًا لأنه القدر المختار في الطهارة الصغرى *فأجراه على هذه الطريقة* (٢) لتجري العبادات مجرى واحدًا.

стр. 211

باب المياه وأحكامها قال القاضي ﵀: الأصل في المياه كلها، الطهارة والتطهير على اختلاف صفاتها ومواضعها. من سماء أو أرض أو بحر أو نهر أو عين أو بئر ملح أو عذب جار (١) أو راكد. كان باقيًا على أصل مياعته، أو ذائبًا بعد جموده، إلا ما تغيرت أوصافه، التي هي اللون، والطعم، والريح، أو أحدها من مخالطة ما ينفك عنه غالبًا. وبما ليس بقرار له. ولا متولد عنه. فما تغير بذلك، فإنه خارج عن أصله. ثم المخالطة على ضربين: طاهر ونجس. فالطاهر يسلبه التطهير فقط، فيصير طاهرًا غير مطهر كسائر المائعات. والنجس يسلبه في الصفتين جميعًا، الطهارة والتطهير. ويصير به نجسًا من غير حد في ذلك مضروب، ولا مقدار موقوف، سوى أنه يكره استعمال القليل منه الذي لا مادة له، ولا أصل، إذا خالطته نجاسة ولم تغيره، كماء الجب والجرة وسائر الأواني، وآبار الدور الصغار. ولا يكره في الكثير كالحياض والغدر الكبار. ويجمع أوصافه أن يقال الماء على ضربين: مطلق ومضاف. فالتطهير هو بالمطلق دون المضاف. فالمطلق ما لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك (٢) عنه غالبًا بما ليس بقرار له، ولا متولد عنه فيدخل في ذلك الماء القراح. وما تغير بالطين لأنه قراره، وكذلك ما يجري على الكبريت، وما تغير بطول المكث، لأنه متولد عن مكثه. وما تغير بالطحلب؛ لأنه من باب مكثه، وما انقلب (٣) عن العذوبة إلى الملح؛ لأنه من أرضه، وطول إقامته. ويدخل فيه الماء المستعمل

стр. 212

على كراهة منا له (١). وكذلك القليل الذي لم تغيره النجاسة. والمضاف (٢) نقيض المطلق. وهو ما تغيرت أوصافه أو أحدها من مخالحالة ينفك عنه غالبًا. وهو على ضربين مضاف نجس، ومضاف طاهر. وذلك بحسب المخالط له. وما تغير بزعفران، أو عصفر، أو كافور أو بغير (٣) ذلك من الطيب أو بلبن، أو خل، أو بشيء من المائعات أو الجامدات (٤) فهو طاهر غير مطهر. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال: ١ - ما حكم الماء؟. ٢ - وما الدليل على أن أصله الطهارة أو التطهير؟. ٣ - وهل (٥) تغير الرائحة كتغير اللون؟. ٤ - وما حكم القليل الذي لم تغيره النجاسة الحالة به؟. ٥ - وما حكم القليل الذي لم يغيره الطاهر الحال به؟. ٦ - وما حكم الماء المشكوك فيه؟. ٧ - وهل يقبل خبر الواحد عن نجاسة الماء؟. ٨ - وما حكم الماء المستعمل؟. ٩ - وما حكم الماء إذا ألقى فيه شيء (٦) من جنس ما لا ينفك عنه؟. ١٠ - وما حكم تغيره بالمجاور (٧) له؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: حكم الماء الطهارة في نفسه. وهذا ليشركه فيه غيره من سائر الطهارات. وله حكم آخر يختص به وهو تطهيره لسائر النجاسات ورفعه للأحداث، إن قلنا أن التراب لا يرفع الحدث.

стр. 213

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدليل على أن أصل المياه التطهير قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١). وقوله ﵇ لما سئل عن بئر بضاعة: الماء طهور لا ينجسه شيء (٢). فعم سائر المياه. وقوله ﵇: في ماء البحر لما قيل له أفنتوضأ من ماء البحر؟ هو الطهور ماؤه الحل ميتته (٣). والمراد بالطهور ها هنا المطهر، لأنه إنما سئل عن التطهر به، فأجاب بأنه طهور. فلا بد أن يكون معنى ذلك أنه مطهر، حتى يكون الجواب مطابقًا للسؤال. وهذا الحديث وإن كان يختص بماء البحر فسائر المياه مثله في الحكم. وإذا ثبت ذلك ثبت أن أصل المياه ما ذكرناه ما لم يعرض لها ما يسلبها حكميها أو أحدهما على ما ذكر تفصيله القاضي أبو محمَّد. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما إن لم يغير المخالط سوى الرائحة فإن في ذلك قولين: أحدهما وهو المشهور من الحديث أنها تحل محل تغير اللون أو الطعم. لقوله ﵇: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (٤). والثاني أن ذلك لا يؤثر، لأنه لم يذكرها في بعض طرق الحديث. ولو كانت تؤثر لذكرها، كما ذكر اللون والطعم. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الماء القليل كالجرة، وشبهها تحله النجاسة التي لا تغيره فإن فيه اختلافًا. قال بعض أصحابنا: إنه نجس.

стр. 214

وظاهر هذا أنه قد سلب حكماه: (١) الطهارة والتطهير. ووجه ذلك قوله ﵇: إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا (٢). دليله أنه إذا كان دون القلتين حمل النجس. وقوله ﵇: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه (٣). فإنما نهى عن ذلك لأنه ينجس بالبول. وروي عن مالك ما ظاهره أن هذا الماء باق عنده على أصله (٤) لم يسلب حكماه ولا أحدهما. ووجه ذلك قوله ﵇: الماء طهور لا ينجسه شيء (٥). وهذا على عمومه إلا ما خصه الدليل. وأيضًا فإنه ﵇ أمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي (٦). والذنوب الدلو الكبير ومعلوم أن هذا الماء الذي أمر بصبه يخالط النجاسة، والبقعة مع هذا تطهير به. ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة أو ورودها عليه. لأن المخالطة حصلت في الحالين. فلا اعتبار بتقدم أحد الشيئين. وأيضًا فإن الأنهار العظيمة طاهرة إجماعًا، كالنيل وشبهه. مع كون النجاسة تنبعث إليها، والمواضع المتغيرة بالنجاسة منها نجسة. فدل على أن التغير علة التأثير. فإذا حصل أثر، وإذا لم يحصل بقي الماء على أصله. وهذا يجب طرده في قليل المياه

стр. 215

وكثيرها. وقد سلك بعض من ذهب إلى هذا المذهب مسلكًا آخر. فذهب إلى أن هذا الماء مكروه. ووجهه (١) الأخذ بالأحوط ليتطهر بماء متفق عليه. وقد ذهب بعض أصحاب مالك إلى طريقة أخرى أيضًا. وهي التشكك في حكم هذا الماء، وإيجاب الجمع بينه وبين التيمم. ووجه ذلك تعذر الترجيح بين القولين الأولين فوجب الجمع بين مضمونيهما (٢). فيؤمر المكلف بالوضوء، لجواز أن يكون الماء طاهرًا، وبالتيمم لجواز أن يكون نجسًا. فإذا جمع بينهما تيقن براءة ذمته. واختلف هؤلاء فيما يُقدَّم منهما على صاحبه. قال بعضهم يتوضأ ويتيمم، ويصلي. لأن هذا الماء طاهر على أصل المذهب. فوجب أن يتلف (٣) باستعماله حتى يحصل متيممًا مع عدم الماء. وقال بعضهم يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويصلي لأن هذا الماء مشكوك في نجاسته. ولهذا افتقر معه إلى التيمم. فإذا بدأ به قبل التيمم خيف أن تكون أعضاؤه قد نجست به وإذا قدم التيمم أمن ذلك. لأنه إن كان الماء نجسًا ففرضه التيمم وقد فعله. فنجاسة الأعضاء بعد أداء العبادة على وجه يبريه، لا تأثير له. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما القليل إذا حله طاهر لم يغيره فإنه باق على أصله. وخرج بعض العلماء (٤) المتأخرين أنه مكروه كما كره الماء القليل إذا حلته النجاسة القليلة. وهذا التخريج غير صحيح لأن النجاسة القليلة قد قدمنا أن الماء ينتقل بها عن أصله عند بعضهم ويصير نجسًا، فكره عند آخرين مراعاة لهذا القول وتحرزًا منه، فافترق الأمران. هذا وقد ذهب بعض أصحابنا على ظاهر ما نقل عنه: أن الطاهر المخالط إذا لم تغلب أجزاؤه على أجزاء الماء فإنه لا يسلب الماء حكمه. وإن غلب على أوصافه. ولكنه مكروه عنده تحرزًا من الاختلاف. فهذه طائفة لم ترل المغير الطاهر إذا غلب بأعراضه
следующие страницы →