← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

جائز. ومنع سحنون بيع بعضه ببعض متفاضلًا، ورآه مما يدّخر، فيكون على هذه الطريقة لاحقًا باللحمان، ولكنه صنف رابع. فأحطت (١) علمًا بهذه الأجناس، فبيع لحم بلحم مما يعد من جنسه متفاضلًا لا يجوز كلحم بقر بلحم الضأن أو لحم إبل بلحم بقر أو لحم حيوان من ذوات الأربع الوحشي بلحم إنسي، وعلى هذا الأسلوب يجري في بقية الأجناس والله المستعان لا ربّ سواه ولا خير إلا منه. والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إن اللحم إذا شوي أو قدّد من غير أبزار خالطته فإنه لا ينتقل عن حكم اللحم الطبري، ولا يجوز فيه التفاضل. وأما التماثل في بيع الطبري بالقديد فيعْسر الوقوف على حقيقته وزنًا. وهل يجوز الاقتصار في التماثل على تحري المساواة؟ هذا مما اختلف فيه المذهب، وهو اختلاف في صفة، فمن منع المبايعة على المساواة تحرّيًا رأى أن التحري لا يوثق به، وقد يغلط المتحري تارة، ويصيب أخرى، وقد قدمنا أن الشك في التفاضل في الربويات كاليقين به في المنع. ومن أجاز ها هنا الاقتصار على التحري، وقدره بما يُبعد الغلط فيه غالبًا إذا كان من يتحرى عارفًا بالمقدار في هذا صحيحَ الحدس والتخمين فيها. وكذلك بيع اللحم الطبري بالطري إذا بعد العهد بذبح أحدهما أو قرب عهد الذبح باللحم الآخر، لأن اللحم الأقدم ذبحًا أكثر جفافًا. وكذلك رأى ابن حبيب في القديد بالقديد والمشوي بالمشوي أنه لا يجوز فيه المبايعة لاختلاف تجفيف الشمس في القديد وتجفيف النار في الشواء، وإن كان المشهور من المذهب جواز بيع القديد بالقديد بناء على أن ذلك يكاد لا يختلف غالبًا اختلافًا محسوسًا واختلافًا مقصودًا. وبيع الطبري بالقديد ممنوع كما يمنع الرطب بالتمر وهو من المزابنة. وأما إن صنع القديد بأبزار عظّمت فيه النفقة فإنه ينتقل حكمه عن حكم

стр. 1507

اللحم الطبري، وعن حكم القديد الذي لا أبزار فيه، ويصير كجنس آخر من اللحمان يحل التفاضل بينه وبين ما ليس من جنسه. وأما إن طبخ بالماء صِرفًا وبالملح، فإن هذا الطبخ لا ينقله عن حكم أصله فلا يجوز بيع اللحم المصلوق باللحم الذي تمسه النار ولا الشمس متفاضلًا، ولا يجوز متماثلًا بالوزن لكونه بيعَ الرطْب باليابس. وأمّا ما ثبت فيه المساواة بالتحري فعلى القولين اللذين قدمناهما. وأما ما طبخ بشيء من المياه المعتصرة كالخل، وماء الحصرم، وماء الليمون، فإنه ينتقل عن حكم اللحم الطبري الذي لم تمسه النار فيصير كجنس آخر يحل فيه التفاضل، فيجوز بيع السِّكباج والحصرمية والليمونية والسماقية والإجاصية بلحم لم تمسه النار ومتفاضلًا. وكذلك غير هذا من الأنواع التي يكثر تعدادها. لكن هذه الألوان التي ذكرنا بعضها كلها صنف واحد، وإن اختلفت المياه التي طبخت بها، فلا يجوز التفاضل بين حصرمية وليمونية وسماقية إلى غير ذلك من ضروب الألوان التي في هذا المعنى، لأن المطبوخات في هذه الأصناف تتقارب الأغراض فيها، وكأن المراد منها الائتدام، وهي من ناحية كونها إدامًا متقاربة في الأغراض والمقصود. ومال بعض أشياخي إلى أن اختلاف هذه الألوان يصيّرها أجناسًا إذا تفاوت الغرض فيها، فليس الغرض في الإسفندباج كالغرض في السماقية والحصرمية. وقد ذكر في الموازية أنه لا يحل التفاضل بين الأرز المطبوخ والهريسة. فإن كان مراده الهريسة المصنوعة من الأرز ولكن خالطها اللحم وضرب معها الأرز، فإن هذا مبني على أن مخالطة اللحم الأرز، هذا النحو من المخالطة لا ينقله عن حكم الأرز المطبوخ بغير لحم. فقدر أنهما جميعًا أرز ولحم مطبوخان، فلا يحل التفاضل بينهما. وإن أراد بالفريسة ها هنا ما صنع من القمح واللحم، فكأنه رأى أن الطبخ للأرز والقمح ينقل كل واحد منهما عن أصله، فيجوز التفاضل بينه وبين أصله؛ ولكن لا يجوز التفاضل بين هذين المطبوخين من هذين الأصلين المختلفين، كما ذهب إليه أشهب في أن خبز الأرز وخبز القمح صنف واحد لا يحل التفاضل بين هذين الخبزين، وإن

стр. 1508

كان أصلهما مختلفًا يحل التفاضل فيه. وحكي هذا عن ابن القاسم، لكن مقتضى أصل ابن القاسم أن يكون أخبازهما صنفين، كما كانت أصولهما؛ كما وقفنا لك في أخباز القطنية أنها مختلفة لأجل اختلاف أصولها. وأما بيع الخبز بالهريسة، فبعض أشياخنا يراه جائزًا متفاضلًا، وهما صنفان لاختلاف الغرض فيهما، وبعض الأشياخ يتردد في هذا إذا بني على الرواية التي ذكرنا عن الموازية في بيع الأرز المطبوخ بالهريسة وقدر بأن اللحم لم ينقل الأرز أو اللحم عن أصلهما مطبوخين والهريسة كذلك. وإذا وضح أن المذهب إجراء المطبوخات مجرى واحدًا، لتقارب الأغراض فيها على حسب ما قدمناه، فإن التفاضل لا يحل فيها، والمساواة بالوزن، يصير موجب الرجوع إلى طلب المساواة بالتحري. وتنازع المتأخرون في صفة هذا التحري، فقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: تجري المساواة في اللحوم وامْراقها، لأن حكم مرقها كحكم لحمها، وكذلك يكون التحري في الهريسة إذا بيعت بالهريسة. ورأى غيره من الأشياخ أن التحري إنما يكون في اللحم خاصة، دون الأمراق. فكيف جرت الحال على هذا الاختلاف فإن المسألة تتعلق بمسألة أخرى نذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى، وهي بيع صاع قمح وصاع دقيق بصاع قمح وصاع دقيق، فإن المرق وإن عدّ حكمه كحكم أن الدقيق ليس هو صورة القمح وإن كان هو أجزاء القمح، كما قدمناه قبل هذا. وإن قلنا: إن الأمراق، وإن كانت تبعًا، فلا بدّ أن ترعى (١) حكم الربا فيها في نفسها، جرت على ما ذكرناه من بيع قمح ودقيق بمثلهما. ولا يكون بين المسألتين فرق إذا قيل: إن الاتباع تُراعى في نفسها في أحكام الربا. وإذا علمت الحكم في التحري وما فيه من الاختلاف في بعض المسائل، فإن اللحم إذا بيع باللحم، طريًا بطري، تتحرى المساواة بين اللحمين على ما هما عليه. وذهب ابن شعبان من أصحابنا إلى أن التحري إنما يكون بين

стр. 1509

اللحمين على أنهما مجردان من العظم، ورأى أن الربا معلل بالقوت أو الإدام للقوت، وهذا المعنى مختص باللحم دون عظامه، وعظامه تختلف بالكبر والصغر والخشانة والرقة فيؤدي إختلافهما في هذا إلى عدم المساواة بين اللحمين. ويجاب عن هذا بأن بيع التمر بالتمر جائز كيلًا بكيل، مع كون نَوَى كل واحد من التمر يختلف بوجوده في الوزن، واختلافهما أيضًا يتضمن اختلاف وزن التمر لوجود نواه، ولكن عُفي عن هذا الاختلاف للضرورة، وشدة الحاجة إليه، وكون هذا النوع خلق هذا من مصلحته، فلم يعتبر حكمه على حياله. فكذلك العظام مع اللحم. فلو أراد التبايع بشاتين مذبوحتين، وهما في جلدهما، فإن هذا فيه اختلافًا: قيل: إنه يجوز إذا تحرى المتبايعان المساواة بين اللحم. وقيل: هذا لا يجوز إذ لا يقدر على تحري ما تُجِنّه الجلود مما لم يدركه البصر، وهو شراء اللحم المغيب ولا تعرف صفته. وقيل: يجوز ذلك إذا استثنى صاحب كل شاة جلدها بموضع يجوز فيه استثناء الجلد، ولما كان الجلد ها هنا لا بدّ من سلخه ونزعه على اللحم لم يجر مجرى النوى في التمر، وكان له تأثير في بيع ما تحته من لحم على الخلاف فيه. والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: يخرج من الحيوان لبن وسمن. فأما اللبن إذا بيع بلبن مثله في كل واحد منهما زبد فإن المعروف أن ذلك جائز، لحصول التماثل. وروى أبو الفرج رواية أخرى وهي المنع فيهما لأجل ما فيهما من الزبد المجهول. وهذا يحتمل أن يكون أراد أن الزبد مقصود، وهو مغيب لا يدرى مقداره، فبيْعه بزبد آخر أيضًا مغيّب لا يدرى مقداره من لبنه، غرر في عقد البيع، فوجب أن يمنع لأجل الغرر. ويمكن أن يكون اعتبارًا بقوله: إن الزبدين مجهولان إلى الشك في حصول التماثل، والشك في حصول التماثل فيما فيه الربا ممنوع، كما يتحقق التفاضل فيه. وإذا كان هذا الحليب وما فيه من الزبد في حكم التبع، وجب أن يعفى عن الغرر فيه، لتعذر الاطلاع على مقدار ذلك في حَالِ العقد، فأشبه

стр. 1510

في قطن الجبة و (١) المَبيعة التي لا تعرف إلا بعد فتحها مع كونها في حكم التبع، وكذلك الزبد. وإن حملنا قوله على أنه من (١) أشار إلى الشك في المماثلة، وقلنا: إنه بيع للحليب، والأتْباع تراعى في حكم الربا، فإنه يجب المنع منه لأنه قد يؤدي استخراجه من الحليب إلى عدم المماثلة بعد الاستخراج فأشبه بيع الرطب بالرطب على أحد القولين عندنا في عدمِه (٢) لما يترقب من عدم المماثلة إذا جف الرطبان، ولم يعف عن هذا كما عفي عن نوى التمر. ومعلوم أنه إذا نزع فقد يؤدّي إلى عدم المساواة في التمر نفسه، لكون النوى من مصلحة التمر، وكذلك يدخر بخلاف الزبد. وأما ما يستخرج من الحليب من زبد، فلا بد من اعتبار التماثل فيه، والتماثل فيه يصح في المآل وكذلك إذا سير الزبد سمنا، فإن التماثل في السمن بالسمن يشترط في صحة العقد أيضًا، وكذلك الجبن بالجبن. وأما الحليب إذا استخرج زبده وبقي مخيضًا لا يدخر ولا يصنع منه ما يدخر، فإن الباب فيه على قولين، أحدهما: أن التفاضل فيه ممنوع لكونه، ملحقًا بالغالب من جنسه والقول الآخر اعتباره في نفسه، وكونه مما لا يدخر، فلم يكن مما يمنع فيه الربا، كأحد القولين في التين الشتوي أيضًا. وإن أمكن أن يصنع منه ما يدخر مثل الأقط وما في معناه، فإنه يحسن إثبات الربا فيه إذا كان هذا مما يقصد إليه (فيه شيء) (٣) كثير من الأحوال. وقد أجاز في المدونة بيع الحليب المضروب بالسمن. وهذا يشير عند بعض أشياخي إلى أنه مما لا ربا فيه عنده، وأنه يعتبر فيه حكم نفسه في كونه غير مدخر. وأما لو لحق بغالبه، وكان فيه الربالمنع بيع المخيض بالسمن، لأنهما جميعًا مما فيه الربا، وما كان فيه الربا لا يباع منه رطب بيابس، كما لا يباع السمن بالزبد. وقد منع في المدونة من بيع السمن بحليب لم يستخرج زبده، ورأى أن الزبد الذي

стр. 1511

لم يستخرج كالمقصود، فيقتضي هذا البيع بيع الرطب باليابس، لأن الزبد كالرطب والسمن كاليابس. وقد اختلف في بيع الحليب المضروب بالجبن، فمن أجازه رأى أنه مما لا يدخر، ولا مما يصنع منه ما يدخر، فلم يلحق بما فيه الربا. ومن كرهه رأى أنه قد يصنع منه الأقِط، وبيع الأقط بالجبن لا يجوز، فكذلك بيع الحليب المضروب بالجبن، لكونه يتأتى منه أقط، والأقط لا يجوز التفاضل بينه وبين الجبن، وأما الجبن بالأقط والسمن فإن هذه مدخرات، والتماثل في بيعها واجب، وهو لا يتأتى معرفته فيها فلا يباع بعضها ببعض. وأما البيض فقد قدمنا أنه فيه الربا، في المذهب المشهور عندنا. وإذا أثبتنا فيه الربا، فكله صنف واحد. فبيض الدجاج والإوز وغيرهما نوع واحد، لا يحل بعضه ببعض متفاضلًا، وإنما يجوز بشرط التحري في المساواة، وأن يكون قدرًا واحدًا. وإذا اقتضى هذا التحري مساواة بيضة واحدة ببيضتين قال ابن المواز: وذلك بعد أن يستثني صاحب بيض النعام قشره لأنه له ثمن، فإذا اشتمل عليه عقد صار كبيع عرض وطعام بطعام. وهذا الذي اشترطه ابن المواز لم يشترطه غيره، فيمكن أن يكون إنما أطلق الجواب لأنه لا يرى له ثمنًا مقصودًا، أو يراه من مصلحة هذا النوع، فأشبه النوى في التمر. وقد قدمنا الكلام عليه. وقد قال بعض الشافعية: لا يباع العسل بالعسل حتى يصفّيا من شمعهما، لئلا يتفاضل العسلان بعد تصفيتهما من شمعهما، ورأى أن الشمعين كعرضين بيعا معًا بعسلين، ولم يرهما كالنوى في التمر، لأن العسل إنما يدخر مصفّى غالبا، والتمر إنما يدخر بنواه. والله المستعان. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀. والجنس الآخر مما يحرم التفاضل في عينه هو الذهب والفضة، على اختلاف صفتيهما، من تبر ومضروب ومهمل ومصوغ، فلا يجوز التفاضل في

стр. 1512

الجنس الواحد منه بجنسه. وما غيرته الصنعة من المأكول صار كجنس آخر، فيجوز التفاضل بينه وبين ما بقي على صفته. وذلك كالحنطة والدقيق والعجين بخبزهما، واللحم النيّىء بمطبوخه، والرطب والتمر والزبيب بخلّها. وأما التفاضل في المعنى فمثل صاع مَعقِليّ وصاع دَقَل بصاعين برْنيٍّ لأن المعْقلى أعْلى من البرني، والدقل أجود منه، والبرني وسط بينهما. وكل ما حرم التفاضل فيه جاز البيع فيه مع التماثل. والجهل بالتماثل في المنع كتحقق التفاضل (١). قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى: هذا الفصل تكلمنا عليه، وإنما أوردناه ها هنا لأجل أنه افتتحه بالكلام على الربا في الذهب والفضة، ورأينا تأخير الكلام على الربا في الذهب والفضة إلى أن نتكلم على كتاب الصرف، كما رأينا الكلام على ما يمنع فيه الربا مضافًا إلى ما أضفناه إليه، ولا (٢) لأنه مقتضى ما رتبناه نحن. وقد تكلم ها هنا على الربا وجعله نوعين: تفاضل في العين وتفاضل في القيمة. والتفاضل في العين قد تكلمنا عليه. والتفاضل في القيمة رأينا تأخير الكلام عليه إلى كتاب الصرف، لأنه لما ذكر منه ها هنا هذه المسألة، وهي بيع صاع (٣) بصعين من التمر من جنس واحد بصاعين مختلفين من التمر، وقد وجدنا في المدونة الكلام على مسألة بيع مدّ قمح ومدّ دقيق بمد قمح ومد دقيق في كتاب السلم. رأينا أن نتكلم ها هنا (على ما في كتاب السلم من هذا المعنى خاصة في كتاب الصرف مبسوطًا) (٤) إن شاء الله تعالى.

стр. 1513

فاعلم أن كل جنس فيه الربا فإنه لا يباع شيء منه بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما جنس آخر مثل أن يبيع صاع تمر بدينار وبصَاعَيْ تمر من جنسه. وكذلك لا يباع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح أو قفيزي دقيق، ولا قفيزًا قمح بقفيز قمح وبقفيز دقيق. وكذلك لو كان بدل الدقيق شعيرًا أو جنسًا آخر من الأطعمة، أو عَرْضًا من العروض. وقد منع في كتاب السلم الثالث من المدونة بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق. وأجاز ذلك ابن المواز لأنه قال بجواز بيع قفيزي قمح وقفيز دقيق إذا كان قفيز القمح مثل القمح والدقيق أو أدنى منهما، أو مثل أحدهما أو أعلى من الآخر وأدنى، على حسب ما نجيزه في المراطلة ما بين ذهبين مختلفين بذهب واحد منفرد. فلما قيل لابن المواز: إن مالكًا يمنع من بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق، قال: إنما منعه للذريعة ولا بأس به عندي. وقال ابن ميسر: لا يعجبني ما قال ابن المواز. فصارت المسألة عندنا على قولين، والمشهور المنع، إذا انضاف جنس مع أحد العوضين، أو انضاف مع كل واحد منهما جنس آخر. وبالمنع قال الشافعي: وبالجواز قال أبو حنيفة. وأشار بعض أشياخي إلى أن هذه المسألة خارجة عن أحكام المراطلة بين الذهوب؛ لأن الذهب مما يتساوى ما كان منه من سكة واحدة قطعًا. والتساوي في الأطعمة طريقه الاجتهاد، ولهذا عدل ابن القاسم في التمثيل في المدونة عن المراطلة إلى مثل بيع دينار ودرهم بدينار ودرهم، لكون الدراهم المقابلة للدنانير إنما يعرف مقدارها منها بالتقويم، والتقويم طريقه الاجتهاد، وما طريقه الاجتهاد يغلط فيه ويضاف. وقد خرج في الصحيح أنه ﵇ أتي في خيبر بقلادة فيها خرز وذهب فأمر ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع، ثم قال ﵇: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" وفي بعض طرق هذا الحديث أنه قال: "اشتريت قلادة فيها خرز وذهب باثنى عشيا دينارًا، ففصلتها فوجدت فيها أكثر

стр. 1514

من اثنى عشر دينارًا فقال ﵇: "لا يباع حتى يفصل" (١) وظاهر هذا يقتضي المنع من بيع الذهب مع جنس آخر بذهب منفرد، لأنه نهى عن ذلك وعن (٢) الإباحة بالتفصيل وقال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" (٣). وهذه إشارة إلى الرجوع إلى المساواة قطعًا ويقينًا، ولا يكون ذلك إلا بالميزان. وأبو حنيفة يشترط في جواز هذا أن يكون الذهب الذي أضيف إليه غيره من الذهب المنفرد عوضًا عن الجنس المضاف إلى الذهب، وتغالى في ذلك حتى يجيز درهمًا في قرطاس بمائة درهم، ويجعل درهمًا من المائة مقابلة الدرهم الذي في القرطاس، والتسعة وتسعون درهمًا في مقابلة القرطاس وعوض عنه. وقد ذكر عنه في هذا الحديث: أنها لما فصلت وجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا. فيتعلق أبو حنيفة بهذه الرواية، ويقول: إني مشترط في الجواز أن يكون الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضاف إليه جنس آخر لتحصل المساواة بين الذهبين، ويكون ما زاد من المنفرد عوض الجنس المضاف إلى الذهب حتى يقدّر العقد الواحد كعقدين منفردين. وها هنا قد ذكر أن الذهب الذي في القلادة أكثر من المنفرد، وإنما يمنع من هذا البيع إلا بشرط كون الذهب المنفرد أكثر من المضاف إليه غيره. ويجاب عن هذا بأنه ﵇ أشار إلى علة المنع وقال: الذهب بالذهب وزنًا بوزن، وإذا بيع ذهب منفرد بذهب وسلعة أخرى فإن الذهب المنفرد لم يبع بالذهب وزنًا بوزن، لأنه إنما قابل الذهب المنفرد شيئان يفترقان إلى أن يعلم فيه كل واحد منهما بالنسبة إلى صاحبه. فإذا احتيج إلى ذلك، ونظر في التقويم، والنص على الذهب المنفرد، فقد يقابل الذهب المنفرد من الذهب المضاف إليه غيره ما هو أكثر أو أقل أو ما يساويه والخروج عن المساواة بين الذهبين أو الجهل في المساواة يمنع من صحة البيع. وإلى هذا أشار مالك

стр. 1515

رضي الله عنه بقوله: قد يترك فضل شيء على غيره لما أخذ عن فضيلته في الأخذ. وبهذا علل الشافعي أيضًا، وقال: إن كل معاوضة تفتقر للتقويم لا تتحقق فيها المقابلة للمفرد إلا بعد النظر والتقويم، والنظر والتقويم قد يخرج إلى التفاضل، أو يمنع تيقن المساواة، فوجب المنع. ألا ترى أن من باع شِقصًا بدابة وثوب فإنه لا يدري ما يقابل الشقص من الثوب والدابة إلا بعد التقويم، فإذا قوم ذلك بقي عليه ما يستحق من شفعة أو رجوع بثمن مغيَّب أو ثمن مستحق وهذا يؤكد ما قلناه من الوقوع (١) والتفاضل أو الجهل بالمساواة. وأبو حنيفة يجيب عن هذا بأن الحديث ذكر في بعض طرقه أنه وجد في القلادة على حسب ما ذكرنا عنه. وقد قال الطحاوي إن حديث فضالة بن عبيد فيه اضطراب، وقد روي موقوفًا عليه، فإن صح أن الحديث مَرْفوع، فإنما نهى عن ذلك لئلا يغبن أهل المغنم فيما يبيع لهم. وقد كشف الغيب وجه الغبن لأنه وجد في القلادة من الذهب أكثر من وزنها. عندي أنه إنما أشار بوقف هذا الحديث على فضالة بن عبيد بما خرجه مسلم عن عمر (٢) أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذنّ إلا مثلًا بمثل، سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلًا بمثل" (٣). ويجيب أصحاب أبي حنيفة عما ذكرناه من طرق الاعتبار، بأن ها هنا العقد لا بدّ من اعتبار أنواع الاقتسام فيه، فاعتبرتم أنتم الاقتسام من ناحية التوزيع والفصل، ليحصل لكم التفاضل من ناحية التقويم بين الذهبين أو الطعامين. واعتبرنا نحن التقسيم من جهة أخرى، وهو أن العقد إن قصد فيه إلى مقابلة الفرد بالفرد، بأن يجعل صاع التمر قبالة أحد الصاعين، والدينار الذي مع

стр. 1516

صاع التمر قبالة الدينار، صحّ التعاوض على هذه الصفة، والجمع إذا قوبل بالجمع قوبل الفرد بالفرد، كما يقال: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم. فالمراد مقابلة الفرد بالفرد، وهو أن كل رجل ركب دابته ولبس ثوبه، وإن صرفنا هذا الانقسام إلى مقابلة الجمع بالجمع على التوزيع والشياع، اقتضى ذلك فساد العقد، كما قلتم، وإذا احتمل العقد وجهين جهة صحة وفساد، صرفت عقود المسلمين إلى الوجه الصحيح الذي يتدينون به. ألا ترى أن من باع سلعة بدنانير ولم بسم سكتها، وفي ذلك العقد سكك مختلفة، لكن العرف تبايعهم بسكة معينة، وبكون البلد لا سكة فيه سوى سكة واحدة، فإن لفظ الدنانير يحمل عليها، وما ذلك إلا لأجل وجوب حمل عقود المسلمين على الوجه الجائز. وأما وجوب التوزيع والفصل فيمن باع شِقصًا وسبعًا بدابة وثوب، فإنما ذلك لأنه ليس له وجهًا صحة وفساد يجب حمله على أحد الوجهين، وهو وجه الصحة. فلا مرَجِّحَ يقع بين احتمال واحتم الذي نفس أحد العوضين للشقص. (ولو فرضنا فيه مقابلة الفرد بالفرد لم يجز فرقًا بين حملنا كون الشقص في مقابلة الثوب حملنا له على أن يكون في مقابلة الدابة لا صحة وفساد ها هنا يتقابلان يقع الترجيح بينهما ولهذا استغنى إلى موافقتهم ها هنا على وجوب التوزيع والقصر) (١). ولا ينقض هذا علينا بأنا نمنع من بيع دينار بدينارين مع احتمال أن يكون أحد الدينارين مقابل الدينار الفرد، والدينار الثاني هبة، لأن هذا خلاف نص اللفظ لأنهما جعلا الدينارين جميعًا بيعا وعوضا، فصرف أحدهما إلى كونه هبة إبطال عقد المتعاقدين. وإذا باع دينارًا وصاعًا من تمر بصاعين من تمر، هما جنس التمر، لما صاف (٢) إلى الدينار، فإن مقابلة الفرد ها هنا وصرف المعاوضة إلى مقابلة الصالح بالصاع ومقابلة الصالح الآخر بالدينار وليس فيه

стр. 1517

إبطال النص الذي تعاقدا عليه. وكذلك أيضًا إذا نوقض مخالف أبي حنيفة بإيجازهم (١) بيع درهمين جيدين بدرهمين رديئين، مع إمكان العض (٢) ها هنا أجابوا عن هذا بأن هذا لا يتصور فيه الفضل من جهة التقويم والعض (٢) ولأنه معلوم أن الدرهمين الرديئين دون الدرهمين الجيدين في القيمة، ولكن كل درهم من الجيدين أو الرديئين مثل صاحبة فلا يقع اختلاف ها هنا من جهة التقويم والعصر (٢) لتساوي الدرهمين في كل واحد من الجانبين وإنما يقع الاختلاف والتفاضل من ناحية التقويم وإذا (٣) اختلف العوضان المقومان، وكانا في حكم الجنسين، ألا ترى أن من باع قمحًا بمثله فاستُحِق بعضه فإنه يرجع فيما باع فصعد أن (٤) المستحق بنسبة التجزئة لا بنسبة التقويم. وكذلك أيضًا يجاب أصحاب أبي حنيفة عن استشهادهم في وجوب حمل العقد على الصحة إذا تقابلت الاحتمالات في العقد، بإن كل سكة يجوز العقد بها، فما تردد هذا العقد إلا من وجوه كلها صحيحة ولكن إنما يحمل العقد على نقد البلد لأجل العرف والعادة التي تقوم مقام النطق والاشتراط. ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة في كتاب الصرف ونصف به ما تعلق به منه.

стр. 1518

فصل قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المزابنة: والمزابنة يجمعها بيع معلوم بمجهول من جنسه، كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب ورطْب كل تمرة بيابسها، أو حَبَّ كالحنطة المبلولة باليابسة، والدقيق بالعجين؛ والحي الذي يراد للحم، كالكبش، باللحم من جنسه، والمشوي (١) (فلا يجوز) (١) والمالح بالطري والسمسم بالشيرج (٢). وهذا فيما بعده (٣) الربا ومنع (٤) مجهول بمجهول من جنسه كصبرة بصبرة أو جزاف بجزاف، وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى. وأمّا فيما يجوز التفاضل في بعده (٣) فإن تحققت الزيادة جاز أو إن لم تتحقق دخله الحَظر. ويجوز الرطب بالرطب متماثلًا وكذلك البر بالبر (٥) وقسمة اللحم والسمن (٦) على التحري (٧). قال الفقيه الإِمام ﵀: هذا فصل قد تكلمنا على أكثر المسائل التي ذكرها القاضي أبو محمَّد في هذا الفصل للقدر الذي قدمنا من أنا توخينا ترتيب المدونة. ولكنه تكلم ها هنا على المزابنة.

стр. 1519

فاعلم أن أصل هذه اللفظة مأخوذة من الدفع، يقال: ناقة زبون، إذا منعت من حِلابها. وقال معاوية: ربما زبنت، يعني الناقة، فكسرت أنف حالبها. ويقال للحرب: زبون لأنها تدفع بنيها للموت، ومنه سمي ملائكة العذاب زبانية لأنهم يدفعون الكفرة إلى النار. ومنه سمي الرجل المغبون زبونًا لأنه كالمدفوع عن وجه الصلاح له في البيع. وقد ثبّت عن النبيّ ﷺ النهي عن المزابنة. فذكر في الصحيح أنه ﵇ نهى عن المزابنة. قال: والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع القمح بالزرع كيلًا (١). وهذا لأجل أن هذه الأجناس إذا بيعَ بمثله كيلًا لم تستحق (٢) المساواة إلا مع كَيْلِهِمَا جميعًا، وإذا كان أحدهما جزافًا أو هما جميعًا جزافان أمكن أن يكون بينهما تفاضل. وقد قدمنا أن تحقق الربا في المنع مثل الشك فيه. فإذا كان التعاوض بما فيه الربا منع لأجل الشك في الربا، ومنع أيضًا لأجل الغرر والتدافع الذي هو المزابنة، وكل واحد من المتعاقدين يقدّر أنه غبن صاحبه. وهذا من الغرر والتخاطر. فإن كان هذا التعاوض مما لا ربا فيه منع أيضًا لأجل التخاطر والغرر، حتى يتبين الفضل في أحد العوضين فيرتفع الخطر والغرر ها هنا عند تبين الفضل يكون أحدهما أكثر من الآخر. فإذا كان التعاوض بجنسين مختلفين انتقلت الأغراض إلى اختلاف منافع الأعْواض فلم يقع التخاطر. فإذا كان العوضان من جنس واحد لم ينصرف الغرض إلا إلى القلة والكثرة. وقد قال في المدونة في آخر كتاب السلم الشاك: كل شيء لا يجوز أن يباع منهما (٣) مجهول بمجهول ولا مجهول بمعلوم حتى يتبين الفضل، ولو كان ذلك ترابًا. وقد عارض بعض الأشياخ هذا الذي وقع ها هنا فقال: إن بيع، ما فيه الربا محرم، يجوز إذا كان مما يكال. وهذا المنصوص عليه في المذهب، وإنما كان ذلك كذلك لأجل أن الميزان قد يتعذر في كثير من الأماكن فتدعو

стр. 1520

الضرورة إلى العدول عنه إلى غيره، وما ذلك إلا بأن يتحرى أن يكون الشيئان يتقابلان في الوزن، وأما المكيال فلا يتعذر وجوده أو وجود ما ينوب (١)، ولو أن يكتال (٢) أحدهما أو بجفنة فالعدول عن المساواة (لا من يشاهد إلى التحرز غررًا) (٣). من غير ضرورة تدعو إليه. ولكن هذا إنما يجوز في القليل لا الكثير، لأنه لا يضبطه التحري ضبطًا يوثق به. ويشترط أيضًا في جواز القليل أن يكون المتعاقدان بحيث يتعذر عليهما الميزان حتى يضطر إلى التحري. لكن ذكر في كتاب السلم من المدونة أنه أجاز السلم في اللحم تحريًا، وقد بينّا هناك معنى هذا التَحري، والسلم إنما يقبض إلى أجل يتأخر عن العقد، ولا يعلم المتعاقدان حينئذٍ هل يتعذر الميزان عند حلول الأجل أم لا، إلا أن يريد إذا أمكن تصوره عند الأجل سومح باشتراط العدول عنه حين العقد، لأجل هذه الضرورة التي تُتَرقَّبُ. ومن الناس من أبقى هذه المسألة على ظاهرها وقال: لا يجوز الاقتصار على التحري إذا تبايعا ما يجوز فيه الربا، لأنهما لا يتحفّظان في التحري لاعتقادهما أنه لا إثم عليهما (٤) في التفاضل. ولم يتكلم ها هنا إلا على ما يجوز التفاضل فيه، ويتكلم في إباحة التحري فيما يوزن من لحم أو خبز فيما فيه الربا، فلا تعارض بين الجوابين، وهذا ضعيف لأنهما يؤمران بالتحري ها هنا، لئلا يقعا في الغرر الذي نهى عنه بطاعتهما للأمر باجتناب الغرر لإطاعتهما للأمر باجتناب الربا. ومن الأشياخ من قال: لم يقصد بهذه المسألة التي ذكرها في آخر كتاب السلم الثالث منع بيع مجهول بمجهول إذا تحريا ذلك كما يجب، وإنما يتكلم على بيع الجزاف بالجزاف لم يقصدا فيه إلى تحري المساواة. وقد ذكرنا أن المزابنة والغرر إنما يتصور بتجانس العوضين، وإذا اختلفا انصرفت الأغراض لاختلاف الأعواض، على حسب ما بيناه، وقد حكموا ببيع المصنوع بالأصل

стр. 1521

الذي صنع منه، بأنهما جنسان إذا كان المصنوع لا يمكن أن يعود إلى أصله، كبيع غزل بثوب منسوج، فإن ذلك يجوز، وإن لم يتبين الفضل، إلا أن يكون الثوب من خزّ فلا يباع بخز، لأن ثوب الخز قد ينفش فيرجع خزًا كما كان، وإذا كان المصنوع يعود إلى أصله اعتبر فيه تبين الفضل، وجرت فيه أحكام المزابنة، كبيع طست نحاس، لأنه قد يسبك الطست فيعود نحاسًا كما كان. وأجاز في المدونة بيع المصنوع بالمصنوع وإن تجانس أصلاهما وأمكن أن يعودا لأصلهما، كطست من نحاس بمنارة من نحاس، ورأى أن المقصود اختلاف الصنائع، وكذلك العُروض المختلفة. وأجاز في المدونة التفاضل ما بين الفلوس والنحاس، وإن كان النحاس أصلًا للفلوس، ولم يُجْر النحاس مجرى التبر الذي يصنع منه الدنانير، لكون الربا في الدنانير محرمًا باتفاق، والربا في الفلوس غير متفق عليه على ما سنبينه في كتاب الصرف إن شاء الله. وأما القسمة إذا وقعت بالتحري تجري على ما قلناه، ويتضح هذا فيها إذا قيل: إنها بيع من البيوع. ويتكلم على هذا في موضعه إن شاء الله، ونذكر الخلاف فيه: هل القسمة بيع من البيوع أو تمييز الحقوق؟ وبالله التوفيق.

стр. 1522

كتاب بيوع الآجال

стр. 1523

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كتاب بيوع الآجال. قال الشيخ الإِمام، ﵁: لما لم يشتمل كتاب التلقين للقاضي أبي محمَّد، ﵀، على تنصيص في مسائل بيوع الآجال المذكورة في المدونة وغيرها، رأينا أن نملي فيه فصولًا تشتمل على نكت يعتمد عليها ورتبنا ذلك فصولًا: الفصل الأول يشتمل على أربعة أسئلة، منها أن يقال: ١ - ما معنى حماية الذريعة التي بني عليها مسائل هذا الكتاب؟ ٢ - وما الدليل على اعتبارها في البيوع؟ ٣ - وما يجتنب فيها؟ ٤ - وما تقاسيم أنواع البيع المعتبر فيه؟ فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: أما حقيقة الذريعة عند الفقهاء، فإنها منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز. وأصل هذا عند العرب أن الناقة الشاردة إذا استوحشت نصب لها ما تألفه من الحيوان لتحن إليه فيمكن حينئذٍ ضبطها، فنقل هذا المعنى إلى ما فسرناه من مرادهم، لأن ما لا يجوز من البياعات ويحرم العقد عليه قد يتحيل عليه بإظهار صورة يجوز في الشرع العقد عليها حتى تكون وُصْلة إلى نيل ذلك المحرم.

стр. 1524

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلف الناس في اعتبار حماية الذريعة في بياعات الآجال، فأثبته مالك وأبو حنيفة، وأنكره الشافعي تعلقًا منه بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وعموم هذا يقتضي جواز ما منعه مالك وأبو حنيفة في بياعات الآجال التي بني المنع فيها على حماية الذريعة. وهكذا استدل بعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وهذه البياعات المشار إليها هي تجارة عن تراض من المتبايعين. ويستدل أيضًا بأن مالكًا وأبا حنيفة وغيرهما من المانعين لهذه البياعات، التي يأتي التفصيل عليها، إنما اعتمدوا على تهمة المتبايعين وأن ما أظهراه من بياعات جائزة وأخبرا أنهما عقدا في الباطن على ما اقتضاه الظاهر لم يصدقا في خبرهما يقينًا، وقد يظن بهما أنهما تحيلا، بما أظهرا، على عقد بيع لا يجوز في الشرع، وهذا سوء ظن بالمسلمين وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣) والشرع إنما أمر بتحسين الظن بالمسلمين لا بسوء الظن بهم. وأما مالك وأبو حنيفة وغيرهما، فإنهم يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْ وَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤) فنهى عن سبّ أصنامهم وغيرها مما يعبدونها مما لا حرمة له لئلا يدعوهم ذلك إلى سب الله سبحانه. فهذا كالتنبيه على منع الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز. ويستدلون أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٥) ومعنى ذلك أن هذا الضرب، وإن كان في نفسه جائزًا، فإنه نهي

стр. 1525

عنه لئلا يكون سببًا في تشوّف الرجال إلى امرأة أجنبية وتلفّتهم إليها. ويستدلون أيضًا بقوله ﵊: "لا تصف المرأة المرأة لزوجها ... " (١) الحديث المخرج في الصحيح. والعلة فيه أن الوصف لمحاسن امرأة أجنبية يتخوف على من سمعه من الرجال التشوف إليها، وتستنزله الشهوة إليها، فيوقعه ذلك فيما لا يحل. ويستدلون أيضًا بأن مجرد البيع إذا وقع على شروطه الشرعية جائز بالإجماع. والسلف إذا انفرد أيضًا ولم يقصد المسلف منفعة نفسه، بل الرفق بالمسلف والإحسان إليه، جائز بالإجماع. وإذا اجتمعا ووقعا في بيع بشرط سلف فإن الشرع ورد بمنع ذلك. وما ذلك إلا لكون السلف إذا قارن البيع تخوّف منه أن يكون سلفًا بزيادة، فقد يزيد في قيمة السلعة والمراد في الباطن أن تكون تلك الزيادة على القيمة عوض السلف، والسلف بزيادة محرم باتفاق. فهذا مفردان يجوزان، وهو البيع أو السلف، فإذا اقترنا مُنعا حماية للذريعة كما بيناه. وقد اضطرب المذهب في تعليل المنع فأشار أبو الفرج إلى أن علة المنع اعتياد كثير من الناس التحيل بهذه البياعات الجائز ظاهرها على العقد على ما لا يحل مما يُمنعان منه لو أظهراه، ويفسخ عليهما. ومقتضى هذا التعليل أن المعتادين لفعل الحلال ومن هو من أهل الدين والعدالة بحيث لا يتهم على التحيل على الحرام لا يُمنعون من هذه البياعات. وأشار ابن مسلمة إلى أن العلة في ذلك حماية الذريعة، على ما قدمناه، وإذا كانت العلة هذه وجب، على هذه الطريقة، أن يمنع من هذه البياعات من يتهم ومن لا يتهم. ومما يقوي هذه الطريقة، التي هي التعليل بحماية الذريعة، ويكون استدلالًا أيضًا في أصل المسألة، حديث عائشة لما قالت لها أم محبة، وهي أم

стр. 1526

ولد لزيد بن أرقم: أتعرفين، يا أم المؤمنين، زيد بن أرقم؟ قالت أم محبة: إني بعت منه عبدًا إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم اشتريته منه بستمائة درهم. فقالت لها عائشة ﵂: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. فقالت لها أم محبة: أرأيت إن تركت له مائتي درهم وأخذت منه ستمائة؟ فقالت عائشة ﵂: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) " (٢). وهذا كالنص منها، ﵂، على منع هذه المسألة وما في معناها مما أجازه الشافعي. وقد استدل أصحابنا عليه بهذا الحديث، وذكروا أن إبطال الجهاد مع عظم شأنه في الشرع وإحباط الأعمال لا يؤخذ قياسًا ولا يؤخذ إلا توقيفًا من صاحب الشرع، فلولا أن عائشة، ﵂، سمعت هذا من النبي ﷺ لَمَا أوردته، إذ لا يمكن هذا بالقياس، ولا يليق بها، ﵂، أن تقطع في الشرع بأمر مغيب من غير وحي. فإن قالوا: ذكر في هذا الخبر أن البيع وقع إلى العطاء، والعطاء أجل مجهول، والبيع إلى أجل مجهول لا يجوز. قيل: بل هو في حكم المعلوم، على أحد القولين، وما كان في حكم المعلوم من الآجال جاز أن يكون ميقاتًا لدفع الثمن. مع أنها قالت: بئس ما شريت. وظاهر هذا أنها ذمت بيعها الأول إلى العطاء وشراءها بعد ذلك بثمن هو أقل مما باعت، ولا جهالة في الثمن الثاني فيمنع منه، وإنما يمنع على طريقتنا وهي حماية الذريعة لئلا يتطرق بالحلال إلى الحرام. ومعلوم أن زيد بن أرقم لا يليق به التعمد إلى التحايُل على الحرام، ولا يظن به ذلك، لفضله وجلالة قدره في الصحابة، ﵃. ولكن إذا كان علة المنع حماية الذريعة وجب أن يمنع من لا يتهم لئلا يكون ترك منعه داعية إلى أن يقع فيها من يتهم. وهذا أيضًا يمنع ما قدمناه في الاحتجاج لمذهب الشافعي من كون الشرع ورد بأن بعض الظن إثم؛ لأن هذا ليس من جهة تلك الظنون المنهي عنها، وإنما هو احتياط في الدين، وتحفظ على المسلمين

стр. 1527

من أن يقعوا في حرام، وذَبٌّ عن قواعد الشرع، ومثل هذا لا يستنكر ورود الشرع (١). والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد تقرر، فيما تقدم من كتاب البيوع، ما يحل ويحرم، من ذلك تحريم السلف الذي يجر المنفعة، إلى غير ذلك من منع الدين بالدين وما في معناه. فأنت إذا سئلت عن شيء من مسائل هذا الكتاب، وكان المبيع ثوبًا مثلًا أو غيره، فاجعل الثوب ملغى كأنه لم يقع فيه عقد أوّلًا ولا آخرًا، ولا تبدل فيه الملك، واعتبرْ ما خرج من اليد خروجًا مستقرًا انتقل الملك به، وما عاد إليها، وقابلْ أحدهما بالآخر، فإن وجدت في ذلك وجهًا محرمًا في الشرع لو (٢) أقر (٣) بأنهما عقدا عليه لفسخت عقدهما. فإنك تمنع من هذا البيع لأجل ما قدمناه من وجوب حماية الذريعة وإن لم تجد ذلك أجزت البياعات. هذه النكتة المعتبرة في هذا الباب. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: لا تخلو هذه البياعات من أن تكون البيعة الأولى نقدًا والثانية نقدًا، أو تكون الأولى والثانية مؤجلتين، أو تكون الأولى مؤجلة والثانية نقدًا، أو تكون الأولى نقدًا والثانية مؤجلة. فإن كانا جميعًا نقدين، أولى وثانية، فإن ذلك مما لا تقدّر فيه التهم والتحيل على ما لا يجوز. إلاّ أن يكون المتبايعان من أهل العينة. فإنهما تتطرق إليهما التهمة لاعتيادهما في هذا التحيل على ما لا يجوز. وكذلك إن كان أحدهما من أهل العينة والآخر ليس من أهلها فإن التهمة تتطرق إلى هذا العقد لأجل كون أحدهما ممن يتهم. فأما كونهما جميعًا يتهمان فما وقع في المذهب في منع أهل العينة فصحيح، على أصل المذهب.

стр. 1528

وأما كون أحدهما من أهل العينة والآخر ليس من أهلها ففيه نظر، إذا كان الذي ليس من أهل العينة من ظهور الورع والدين بحيث لا يواطيء الآخر على فعل ما لا يحل. ولعل الذي وقع في المذهب في هذا المرادُ به من يشكل أمره ويلتبس حاله فتتسلط عليه التهمة من قبل الآخر. وأما إن كانتا مؤجلتين جميعًا، فإن ذلك يتهم فيه سائر الناس لأن بياعات النقود يقل فيها الاضطرار إلى التحيل على ما لا يحل، وبياعات الآجال يكثر ذلك فيها لشدة الحاجة إلى شراء المبيع نسيئة لعدم الأثمان عند مشتريه. وكذلك إن كانت البيعة الأولى لأجل والثانية نقدًا فإن التهمة تتطرق فيها، وتحمى الذريعة عمومًا لما قدمناه ... وأما إن كانت الأولى نقدًا والثانية إلى أجل فإن في ذلك اختلافًا في المذهب: فمن حمى الذريعة فيه عمومًا جعل الحكم للبيعة الثانية لحاجة الناس إلى الشراء نسيئة وشدة الضرورة إلى ذلك تسهّل التحيل على فعل الحرام. ومن لا يتهم الناس عمومًا جعل للثانية المؤجلة حكم الأولى التي هي بيعة نقد. وقدمنا أن البيعتين إذا كانتا نقدًا فلا يتهم فيهما إلا أهل العينة. فصل يشتمل على خمسمة أسئلة، منها أن يقال: ١ - ما مثال الزيادة في السلف المعتبرة ها هنا؟ ٢ - وما مثال ما هو [في] (١) حكم الزيادة؟ ٣ - وما حكم التهمة على الصرف المستأخر؟ ٤ - وما حكم التهمة فيما يقتضي التفاضل؟ ٥ - وما حكم الممنوع من هذا إذا وقع؟ فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: إذا باع رجل من رجل ثوبا أو عبدًا، أو غيرهما مما يعرف بعينه، بثمن من العين إلى أجل، ثم أراد أن يشتريه بائعه ممن اشتراه منه بثمن من جنس الثمن الذي باع فإنه لا يخلو أن يشتريه بمقدار ما

стр. 1529

باعه به أو بأكثر أو بأقل. ثم هذه الثلاثة أقسام لا تخلو من أن يكون الشراء بها نقدًا أو إلى أجل. وإذا كان إلى أجل فلا يخلو الأجل من ثلاثة أقسام أيضًا. ١ - أن يكون الأجل الثاني أقرب من الأجل الأول، ٢ - أو يكون الأجل مثله، ٣ - أو أكثر منه. فصار جملة الأقسام على التفصيل في العدد اثني عشر قسمًا. وهي: كون البائع للثوب يشتريه نقدًا بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول فيشتريه أيضًا بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل، أو إلى الأجل نفسه بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر أو إلى أبعد من الأجل بمثل الثمن أيضًا أَو أقل أو أكثر. فجميع هذه الأقسام لا يمنع منها شيء إلا ثلاثة أقسام، وهي: ١ - أن يشتريها بأقل من الثمن نقدًا، ٢ - أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول، ٣ - أو يشتريها بأكثر من الثمن إلى أبعد من الأجل على غير جهة المقاصة بالثمنين. وإذا علمت ما قدمناه من النكتة التي تدور عليها مسائل هذا الكتاب وهي اعتبار العوض الذي أخذه عما دفع من الثمن أو لأجل يجوز أن يقابل أحدهما الآخر أم لا. فإذا تدبرت هذا علمت جواز هذه الأقسام كلها إلا ما استثنيناه. وذلك أنه إذا باع ثوبًا بمائة درهم نقدًا فالثوب إذا باعه ثم استرده بشراء قُدّر كأنه لم يخرج عن ملكه ولا زال من يده وصار كالمشترط رجوعه إليه حين باعه فتحصل المعاوضة عن دراهم بدراهم، فإذا اشتراه بائعه بمائة درهم نقدًا فإنه إنما يأخذ عند حلول الأجل الذي أجلاه في العقد الأول مائة درهم، ومن أسلف مائة درهم على أن يأخذ مثلها إلى شهر فذلك جائز. وكذلك لو اشتراه بمائتين لأن من أسلف مائتي درهم وأخذ بعد شهر مائة فقد تضاعف إحسانه للتأخير بالخسارة والنقص فيما أعطاه وأسلفه. وإذا اشتراه بخمسين نقدًا فإنه إذا أخذ عند الأجل مائة درهم على حسب ما تعاقدا عليه أوّلًا صار مسلفًا لخمسين درهمًا على أن يأخذ بها مائة درهم، وهذا سلف بزيادة. وهذا التصوير الذي صورناه يغنيك عن إعادته في القسم الآخر، وهو أن يشتريه بثمن إلى نصف شهر؛ لأنه إذا دخل نصف الشهر وطلب البائع الأصل بما اشترى به الثوب الذي

стр. 1530

كان باعه فإذا دفع الثمن الذي عقد به لما حل عليه في نصف الشهر صار ما يأخذه عند تمام الشهر عوضًا عنه فيعتبر فيه ما قدمناه. وكذلك إذا اشتراه بائعه إلى أجل مثل الأجل الأول فإنه جائز سواء كان ثمن البيع الثاني مثل ثمن الأول أو أكثر أو أقل لأجل أن أحدهما لا يدفع إلى الآخر ذهبًا ثم يأخذ بعد حين أكثر منه أو أقل. وإنما الحكم إذا حل الأجل وتساوى الثمن أن يتقاصا مائة بمائة ويعطي أحدهما الآخر ما أبقته عند المقاصة إذا زاد أحد الثمنين على الآخر. وكذلك إذا اشتراه إلى أجل أبعد من الأجل الأول فإنه إنما يمنع منه قسم واحد وهو أن يشتريه بأكثر من الثمن الأول لأن المشتري أوّلًا يعود إذا حل الأجل ووزن الثمن سلفًا لما دفع من الثمن فإذا أخذ بعد أجل آخر أكثر منه صار سلفًا بزيادة كما بيناه، وإن كانا اشترطا المقاصة جاز هذا الذي منعناه لارتفاع العلة بالمقاصة، لأن المشتري لا يدفع عند الأجل الأول ثمنًا فيأخذ أكثر منه بعد ذلك، وإنما يحسب ما حل للبائع عليه فيما سيحل له على البائع ثم يأخذ بعد ذلك من البائع ما فضل عنده. ولم يتعرض أحد في نصوص الروايات إلى تقدم الانتفاع بالثوب المبيع أو العبد المبيع ها هنا فيجعل الانتفاع عوضًا للسلف فيمنع من شراء هذا الثوب بمثل هذا الثمن إلى أبعد من الأجل، لما يتصور فيه من كون المشتري إذا حل الأجل ودفع مائة درهم ثم يأخذها بعد حين، فمن دفعها إليه أن يكون كالمسلف مائة درهم يأخذها بعد أجل، ويقدر الانتفاع بالثوب من لباس أو غيره عوضًا من سلفه هذه المائة، إلى غير ذلك مما يتصور فيه مثل هذا في بعض الأقسام التي ذكرناها. وقد قال بعض الأشياخ: إن القياس يقتضي منع هذا وما في معناه لما يتصور فيه من سلف جر منفعة. وسنبسط هذا في الفصل الذي نتكلم فيه فيما تقرر فيه معنى الزيادة إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد تقرر أن محض الزيادة المحسوسة في السلف ممنوعة. وقد يعرض إشك الذي مسائل: هل فيها معنى الزيادة في

стр. 1531

السلف أم لا، مثل أن يبيع رجل سلعة بعشرة دنانير إلى شهر ثم يشتريها ممن اشتراها منه بخمسة دنانير نقدًا، وخمسة دنانير إلى شهرين، فإن هذا البائع الأول قد خرج من يده الثوب، ثم رجع إليه ودفع خمسة دنانير، فإذا حلّ الشهر أخذ من المشتري عشرة دنانير بخمسة منها قضاء عن الخمسة التي أسلفها البائع لما ارتجع ثوبه، وخمسة منها يكون المشتري مسلفًا لها يأخذها منه بعد شهر آخر. فتصور من هذا أن الثوب لما بيع ثم ارتجع صار لغ وَا مطرحًا وصار البائع دفع خمسة سلفًا للمشتري يأخذها منه إذا حل الشهر، ويأخذ منه خمسة أخرى تكون سلفًا عنده أيضًا إلى شهر عوض السلف الذي أسلفه إياه المشتري. فكأنه إنما أسلف البائع خمسة دنانير إلى شهر على أن يسلفه المشتري خمسة دنانير أخرى أيضًا إلى شهر، فقد تساوى مقدار السلف ولم تكن فيه زيادة توجب المنع، لكن منفعة كل واحد من المتسلفين قد نال مثلها من صاحبه الذي أسلفه أيضًا، فإذا استوت المنفعة لم يتصور كون أحد المتسلفين أسلف لينتفع، فلم يمنع ذلك عند ابن القاسم، وكرهه ابن الماجشون واثقًا أن يكون معنى الزيادة حصل ها هنا، لأن كل واحد منهما ما أسلف إلا لعِوَض وغَرَضٍ له في السلف يعود بمنفعة، ولولا ذلك ما أسلف، والسلف بشرط أن سلف المسلفة (١) مثل ما أسلف، ظاهر هذا الشرط يقتضي أن السلف إنما وقع لمنفعة السلف، وسلف يجر منفعة ممنوع. وكذلك لو اشترى البائع هذه السلعة بأربعة دنانير نقدًا وستة دنانير إلى أجل شهرين أو اشتراها بستة نقدًا وأربعة دنانير إلى شهرين فإن ذلك جار على القولين، لأن الأجل إذا حل دفع المشتري عشرة دنانير يكون بعضها، وهي الستة أو الأربعة، قضاء عما أخذ من البائع وبقيتها سلفًا منه للبائع. لكن لو اختلف العدد ها هنا فاشتراها البائع بأربعة نقدًا وخمسة إلى شهرين أو بخمسة نقدًا وأربعة إلى شهرين لمنع ذلك على المذهبين جميعًا؛ لأن الزيادة ها هنا موجودة لما اختلف العدد، فإذا حل الأجل ودفع المشتري العشرة دنانير التي اشتراها كانت خمسة منها قضاء عن الأربعة التي أسلفه البائع، فالزيادة في السلف متصورة على ما بيّناه.

стр. 1532

ومما ينخرط في هذا السلك أن يكون الثمن الأول بعضه مؤجلًا وبعضه منتقدًا، مثل أن يبيع رجل سلعة بخمسة دنانير نقدًا وخمسة إلى أجل، ثم اشتراها البائع بثمن هو مقدار الثمن الأول ولكن البائع ينقده كله، مثل أن يشتري هذه السلعة التي باعها بخمسة نقدًا وخمسة إلى شهر بثمن جملته عشرة دنانير فأكثر ينقدها، أو خمسة دنانير فأقل ينقدها أيضًا، أو ستة دنانير فأكثر إلى تسعة دنانير، فإن شراءه إياها بعشرة دنانير جائز لا تتصور فيه منفعة وزيادة محسوسة أو مقدرة لأنه دفع عشرة دنانير أو أكثر منها بخمسة منها قضاء عن الخمسة التي نقده المشتري وخمسة فأكثر نقدها ليأخذها إلى أجل، فهو قد خسر التأجيل خاصة أو التأجيل والزيادة، ولا يمنع من سلف جر خسرانًا. وإن اشتراها بخمسة دنانير فأقل فإنه لا يتصور في هذا تهمة، لأن المشتري نقد أولًا خمسة دنانير فرجعت إليه أو رجع إليه أقل منها فلم يمنع من ذلك. وإن اشتراها البائع بستة دنانير فأكثر إلى تسعة فلن يمنع (١)، لأنه يقدر فيه أن الخمسة التي قبضها البائع ردها على مشتريها وزاده دينارًا أو دينارين أو ثلاثة أو أربعة نقدًا في خمسة دنانير يأخذها منه إلى أجل، فلا يجوز هذا لأنه زيادة في السلف. ولو اشتراها بستة دنانير نقدًا وخمسة إلى أجل، فإن ما علق بالأجل من جهة البائع والمشتري لا فساد فيه، لكن إنما تتصور التهمة بقصد الفساد فيما وقع فيه الانتقاد إلا في أهل العينة خاصة فيقدر أنه أسلف خمسة لترجع إليه ستة من غير تأجيل، وإذا لم يكن المتعاقدان من أهل العينة لم يتهما في هذا. ومما يشكل أيضًا فيه قصد المنفعة في السلف، واختلف فيه قول مالك، فيمن اشترى دابة بثمن إلى أجل فأصابها عَوَر، أو ما في معناه من العيوب، هل لبائعها أن يشتريها بأقل من الثمن الذي باعها وينقد الثمن؟ فأجاز ذلك في أحد قوليه لأجل أنه إذا باعها بمائة إلى شهر، وهي سالمة من العيوب، ثم اشتراها بخمسين نقدًا، وقد أصابها هزال، فإن الحطيطة ها هنا مصروفة في الظاهر إلى أنها لأجل العيب الذي حدث لا إلى القصد إلى الزيادة في السلف، وبخلاف أن

стр. 1533

يشتريها بخمسين نقدًا، وهي سالمة، فإنه تقوى التهمة أن الحطيطة قصد الزيادة في السلف، وتضعف التهمة إذا حدث بها العيب لوجود سبب تصرف هذه الحطيطة إليه. ولم يجز ذلك مالك أيضًا في إحدى الروايتين عنه مبالغة منه في حماية الذريعة لئلا يقال فيما فيه تهمة قوية: هذا تبعد فيه التهمة. ولهذا اختلف القول أيضًا عندنا فيمن أسلف في فاكهة لها إبّان انقطعت، فتراضيا على الإقالة فيما بقي منها، فقيل: هذا جائز لأجل ظهور سبب غير مكتسب وهو انقطاع الثمرة، وقيل لا يجوز مبالغة في الاحتياط ولإمكان أن يكونا عقدا على ما يعلمان أن بائع الثمرة لا يوفي به وأنه سيرد بعض الثمن ويأخذه سلفًا عنده. ومن هذا المعنى أيضًا تعدي البائع على سلعة باعها بثمن إلى أجل فلزمته القيمة بتعديه عليها، والقيمة أقل من الثمن الذي باعها به. فقيل: للمشتري أن يغرمه القيمة ويدفع الثمن الذي عليه إذا حل الأجل وإن كان الثمن أكثر من القيمة، ولا يتهمان ها هنا على القصد إلى سلف بزيادة لما كان هذا الثمن الذي هو أقل من الثمن لأجل إنما وجب للمشتري في ذمة البائع بسبب لا طواعية فيه للمشتري ولا اختيار، وإنما أخذ ما هو أقل ودفع بعد حين ما هو أكثر بحكم الشرع والاضطرار، فبعدت التهمة إلى قصد سلف بزيادة لما لم يشترط المتبايعان في السبب الذي أوجب أخذ هذا المقدار القليل من الثمن، وقيل: إذا أخذ القيمة وهي الأقل لا يعطي عند الأجل إلا مثلها، ويسقط عنه من الثمن الذي عليه ما زاد على مقدار ما أخذ من القيمة مبالغة في الاحتياط وحماية للذريعة، فيمنع من دفع أكثر مما أخذ لئلا يقعا في سلف بزيادة. ولم يلتفت من قال بهذا المذهب إلى ضرر البائع وإسقاط بعض الثمن المؤجل الذي عقد البيع عليه ولأجله سمح بالتأجيل، ورأى أن التعدي لما كان من جهته، وقد تعلق بهذا حق البارئ سبحانه وهو منع الزيادة في السلف، وحق له وهو استيفاء الثمن الذي إنما باع نسيئة لأجل ما استوفى من الثمن، وجب أن يسقط حقه ويحمل عليه احتياطًا لحق الله تعالى، مع كون التهمة تبعد إذا أتلف السلعة تلفًا لم يأخذ فيه عوضًا. لكنه لو أتلفها ببيع لكانت التهمة تتطرق إليه وإلى المشتري

стр. 1534

منه، لكن المذهب على قولين في تعدي البائع على سلعة بإفاتتها ببيع أو غيره. ومما قد يشكل ها هنا مما هو في معنى الانتفاع لأجل السلف ما قدمنا الإشارة إليه من كون أهل المذهب لم يقدّروا في هذا انتفاع المشتري بالسلعة منفعة تكون عوضًا، لما يتصور في هذه المسألة من التهمة على السلف، مثل أن يشتري البائع ثوبًا أو عبدًا بثمن إلى أجل بمثل الثمن المؤجل نقدًا أو إلى أجل أبعد من الأجل، فإنهم أجازوا ذلك مع كون المشتري انتفع بالعبد أو الثوب على أن يسلف صاحب العبد أو الثوب مائة دينار إذا حل الأجل يأخذها منه بعد حين، ولم يقدروا أن هذا سلفًا من المشتري أسلفه البائعَ عوض ما انتفع بسلعته، لكون الانتفاع إنما يقدر مجرد تهمة في أهل العينة خاصة. وقد أشار ابن المواز إلى هذا فقال: إن الانتفاع قبل العقد الثاني لا يتهم فيه إلا أهل العينة، لكنه ذكر الانتفاع مطلقًا دون تقييد بانتفاع المثمون. وقد قال بعض المتأخرين: إن القياس يقتضي منع شراء هذه السلعة بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل لما صوَّرته فيها من تقدير سلف جر منفعة. وأشار إلى أن أبا الفرج حكى عن عبد الملك منع شراء هذه السلعة بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل. ولم أقف لأبي الفرج في الحاوي لما ذكر هذه المسائل في باب العينة، على هذا. وإنما ذكر أبو الفرج عن عبد الملك أنه يمنع أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها وسلعة أخرى بذلك الثمن أو بأكثر منه إلى أبعد من ذلك الأجل. وذكر سلعة أخرى تشترى مع تلك السلعة تخرج المسألة إلى معنى آخر غير ما نحن فيه. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد قدمنا أن المعتبر في مسائل هذا الكتاب قوة التهمة على التحيل على ما لا يحل، وقد علم أن الصرف المستأخر محرم. فإذا باع منه ثوبًا بمائة درهم إلى أجل، ثم اشتراه البائع بدنانير نقدًا، فإن الثوب لما بيع ثم رد بعد البيع صار كالمطّرح الملغى، وصار محصول أمرهما على ما قدمناه مرارًا: أن بائع الثوب الأول قد رجع إليه ثوبه وأخرج دنانير نقدًا ليأخذ عوضها دراهم إلى أجل، وهما لو صرحا بأنهما إنما تعاقدا على ذلك لم يجز، فكذلك إذا لم يصرحا ولكنهما اتهما أن يكونا أرادا ذلك، فإنهما يمنعان

стр. 1535

منه. لكن لا يخلو أن تكون الدنانير المنقودة أكثر من قيمة الدراهم المؤجلة بأمر بيّن للتفاوت، مثل أن يشتري الثوب بمائة دينار وقد باعه بمائة درهم، فإن هذا يتضح فيه ضعف التهمة؛ لأن دافع الدنانير يخسر خسارة بينة، وينضاف إلى ذلك التأجيل فيما يخسر فيه خسارة بينة بمثل هذا، غير أن ابن القاسم [أجاز] (١)، إذا علم من ناحية القيمة التي تصورناها أو ما في معناها مما هو دونها مما يرفع التهمة: أن دافع الدنانير لا يمكن أن يكون قصد المتاجرة في الصرف المستأخر. ومنع ذلك أشهب مبالغة في الاحتياط، ولأنه قد يكون لدافع الدنانير في هذا أغراض خفية قصد بها المتاجرة والمكايسة في الصرف المستأخر، كحماية الحماية. وكما تجعل للحرام حماية يحيى بها جانبه فيجب أن يبالغ في هذه الحماية وتحمى أيضًا حتى لا يسري الأمر إلى هتك حرمة الحرام، فيقول قائل: هذا لا تهمة فيه، ويقول آخر: هذا فيه التهمة. ويتخرج على قول آخر ستراه في السؤال الذي هو جواز هذا وإن (٢) كانت الدنانير مثل قيمة الدراهم وتحققنا أن الدافع الدنانيرَ لم يربح بل خسر الصبر والتأجيل. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد علم أن المبادلة سكة بسكة منها ما يجوز ومنها ما يمنع، على ما تقدم بيان ذلك في كتاب الصرف لما تكلمنا على أحكام أخذ السكك بعضها عن بعض وأحكام المراطلة، فإذا باع منه ثوبًا بمائة دينار إلى أجل، وكانت الدنانير بسكة، ثم أراد أن يشتري هذا الثوب ممن باعه منه بدنانير هي مثل مقدار الدنانير الأولى لكنها من سكة أخرى، فإنه قد اختلف في هذا عندنا: فقال في المدونة، فيمن باع ثوبًا بمائة درهم محمدية إلى أجل ثم اشتراه بمائة درهم يزيدية إلى الأجل بعينه: إن ذلك لا يجوز. واختلفت طريقة الأشياخ في علة المنع، هل هي كون الذمتين مشغولتين بسكتين مختلفتين فيمنع ذلك؛ لأنه باع ذهبًا نسيئة بذهب مخالف له نسيئة، والتبايع بذهبين مختلفين نسيئة لا يحل. فعلى طريقة هؤلاء يمنع ذلك ولو كانت السكة التي

стр. 1536

اشترى بها البائع الأول هي خيرًا من السكة التي باع ثوبه بها لما تصوّر في ذلك من بيع بذهب آخر مخالف له إلى أجل. فيمنع هؤلاء المسألة سواء كان بيع هذا الثوب بمحمدية إلى أجل ثم اشتراه بيزيدية إلى أجل، وإن كانت اليزيدية أدنى من ناحية السكة وإن تساوت في المقدار وفي الوزن مع المحمدية لما قدمناه من التعليل. وسلك بعض الأشياخ طريقة أخرى في التعليل لما في المدونة فقال: إنما منع ذلك لأن اليزيدية دون المحمدية، وقد قدمنا أن من باع ثوبًا بدراهم ثم اشتراه بأقل من تلك الدراهم أنه يمنع لأجل ما في ذلك من التحيل على الربح في السلف. فهؤلاء يجيزون أن يبيع هذا الثوب بمائة درهم يزيدية إلى شهر ثم يشتريه بمائة محمدية إلى شهر لأنه إنما اشترى البائع الأول بثمن هو أكثر مما باع، وقد قدمنا أن هذين المتبايعين يتهمان على قصد التحيل على الربح في السلف لا على الخسارة فيه. وقد وقع لابن القاسم وعبد الملك في هذا الأصل اعتبار نفي التهمة بأن لا يتصور في المسألة ربح في السلف فأجازا أن يبيع بسكة إلى أجل ثم يشتري السلعة بسكّة ينقدها هي مثل السكّة التي باع بها أو أعلى منها؛ لأنه إذا باع بأعلى منها خسر فضل زيادة السكّة التي دفع والتأجيل. وإذا كانت السكّة التي اشترى بها مثل الأولى، فلا ربح له وإن ساوتها في القيمة. وإذا لم يتصوّر الرّبح فلا وجه للمنع. ولو كانت السكة التي يشتري بها البائع الأوّل لها فضل على تلك بزيادة عدد، لكن لتلك التي باع بها فضيلة تساوي فضيلة ما اشترى به، فإنّ ذلك يجوز لارتفاع التهمة. واعلم أنّ مدار هذه المسئلة والتي قبلها على النّظر في الباب حماية لهذه الحماية التي بني عليها مسائل هذا الكتاب. فمن رأى أنّ الأصل تحليل كلّ بيع لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، فإذا ضعفت التهمة أو أشكلت أُبقيتْ المسئلة على هذا الأصل الشرعي، قال بالجواز في مثل هذه المعاني.

стр. 1537

ومن بالغ في الاحتياط وجعل للحماية حماية بني هذا الأصل على محاذرته. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد تقرّر ما يمنع من بياعات الآجال إذا وقعت بالعين، ثمّ اشترى البائع ما باعه بأقلّ أو أكثر على ما اقتضاه التفصيل الذي قدّمناه. فإن وقع هذا الممنوع، فإنّه يجب فيه الفسخ، وهاهنا بيعتان واحدة بعد أخرى. فأمّا البيعة الأخيرة، فإنّها تفسخ إذا كانت السلعة قائمة لم تفت من غير خلاف منصوص في المذهب. لكن بعض أشياخي أشار إلى أن ابن عبدوس لا يوجب الفسخ وردّ السلعة من يد مشتريها الأخير الذي كان هو البائع الأول. والذي كان ينقله غيره عن هذا المذهب الّذي حكاه ابن عبدوس عن غيره أنّه إنّما منع من ردّ السلعة من يد قابضها وهو المشتري الأخير بشرط أن تفوت. وأمّا إذا فاتت السلعة في يد مشتريها الأخير الّذي هو البائع الأوّل فإنّ المعروف من المذهب فسخ البيعة الثّانية، إلاّ ابن مسلمة فإنّه أمضاها على ما هي عليه، ورأى أن الفسخ احتياطًا (١) مخافة أن يكونا أبطنا فسادًا خلاف ما أظهراه من الصحّة. والتّهمة في هذا لا تجري مجرى اليقين. وقد ذهب إلى جواز البياعات الّتي منعناها. فحسن عند ابن مسلمة الفسخ إذا كانت السلعة قائمة بعينها احتياطًا. فإذا فاتت مضت هذه البيعة مراعاة للخلاف في أصل جوازها ولما يقتضيه الفسخ من غرامة قيمة، فيلحق الضّرر لأجل غرامة هذه القيمة. وأمّا البيعة الأولى، فالمعروف من المذهب فسخها أيضًا مع الثانية إذا فاتت السلعة، وقد قال ابن الماجشون: تفسخ البيعتان سواء كانت السلعة قائمة أو فائتة. وقال ابن القاسم: تفسخ البيعة الثّانية خاصة إلاّ أن تفوت السلعة فتفسخ البيعتان. وذكر ابن أبي زمنين في هذا تفصيلًا فاعتبر القيمة الواجبة على البائع الأوّل الّذي قبض السلعة في البيعة الثّانية، فإن كانت قيمتها الواجبة عليه أقلّ من الثّمن المؤصّل، فسخت البيعتان جميعًا، لأنّا إنّما منعنا هذه البياعات

стр. 1538

لما تضمّنته من التّهمة على سلف بزيادة. فإذا كان هذا المشتري الأخير وهو البائع الأول تلزمه قيمة السلعة، وهي خمسة دراهم، وقد باعها بعشرة دراهم إلى أجل عدنا إلى الوقوع فيما منه هربنا، وألزمناه أن يدفع الآن خمسة دراهم ينقدها وهي قيمة السلعة الّتي فاتت عنده ويأخذ من صاحبه عشرة دراهم إلى أجل، وهذه صورة السلف بزيادة. فإذا كان الفسخ يختص بالبيعة الثّانية وهو يتضمّن دفع قليل في كثير، على حسب ما صوّرناه، وجب أن يُعدل عن هذا إلى فسخ البيعتين جميعًا. فإذا كانت القيمة الواجبة على قابض السلعة، وهو المشتري الأخير، عشرين درهمًا، وجب أن يختص الفسخ بالبيعة الثانية فترد السلعة من يد هذا الّذي قبضها آخرًا. فإذا لم يقدر على ردّها لفواتها ووجب ردّ قيمتها وكانت قيمتها عشرين درهمًا، غرمنا قابضها الّذي هو المشتري الآخر عشرين درهمًا عوض عينها، ويحاسبه المشتري الأوّل من هذه العشرين درهمًا بالخمسة دراهم الّتي قبض منه ثمن السلعة الّتي ردّها إليه. فتلخص من هذا أنّ المذهب مع قيام السلعة لم يختلف في فسخ البيعة الأخيرة إلاّ على طريقة ما حكيناه عن بعض أشياخنا. ومع الفوات تفسخ البيعة الأخيرة إلَاّ على مذهب ابن مسلمة. وأمّا الأولى فثلاثة أقوال: ١ - الفسخ على الإطلاق، ٢ - والإمضاء على الإطلاق، ٣ - والتّفصيل الّذي حكيناه. فإن تضمّن اختصاص الفسخ بالبيعة الثانية دفْعَ قليل في كثير سرى الفسخ إلى الأول، وإن لم يتضمّن ذلك اختصّ الفسخ بالثّانية، على ما حكيناه عن ابن أبي زمنين. وأضافه ابن أبي زمنين إلى ابن القاسم. وطريقة أصحاب هذا التفصيل: أنّ القيمة إذا تضمّنت دفع قليل في كثير قضي بهذه القيمة، لكن لا يأخذ غارمها من المشتري الأوّل عند حلول الأجل أكثر من القيمة الّتي غرم، ويسقط الزّائد على المشتري الأوّل. لأنّا إن (١) لم

стр. 1539

نسقط عنه، عادت المسئلة إلى الأصل الممنوع، وهو دفع قليل في كثير. وهذا إن تحقّق فيه صورة الفسخ الثّانية لأجل أنّا غرمنا قابض السلعة قيمتها، فإن إبطال ما زاد على القيمة عن المشتري إذا حلّ الأجل، يقتضي أيضًا فسخ العقد الأوّل. لكن أصحاب هذه الطّريقة رأوا أنّ السلعة لمّا قبضها المشتري الآخر الّذي هو البائع الأوّل وجب في مقتضى القياس أن لا تنزع من يده، لأنهما إن لم يبطنا فسادًا، فالبيعة الأولى والثّانية صحيحتان، ولا معنى لفسخ العقد الصحيح. وإن أبطنا فسادًا وقصدا دفع قليل في كثير، فلا بيع بينهما، فيجب أن تبقى السلعة في يد بائعها الأوّل كأنّه لم يبعها. ولهذا مال بعض أشياخي إلى اختيار إبقائها (١) في يده مع قيام السلعة، فإذا فاتت وكانت القيمة الّتي تلزمه أقلّ مِمّا باع به وأغرمناه إيّاها، صار ما زاد عليها من الثّمن المؤجّل إذا أسقطناه ذهبت علة الفساد وارتفع ما صوّرناه من التّهمة، فكان إصلاح العقد بإذهاب هذه الزّيادة خاصة، ويبقى العقد على ما هو عليه أولى من التعرّض إلى فسخ العقدين. لكنّا إذا سلكنا هذا المسلك، فأغرمنا البائع قيمة السلعة وهي خمسة دراهم، ولم تعد عليه هذه الخمسة دراهم إلاّ بعد أجل، صار مظلومًا بإسقاط حقّه بالزّيادة، فقدّم هؤلاء حقّ الله تعالى في إصلاح هذا العقد بإسقاط الزّيادة على حقّ المشتري الآخر في إسقاط ما استحقّه من زيادة بحكم الثّمن. وتكاد هذه المسئلة تلاحظ بياعات الشّروط. وفيها الخلاف المشهور: هل يصحّ البيع بإسقاط الشرط، وإن كان فيه حقّ لمشترطه تقدمة لحقّ الله سبحانه على حقّ هذا المشترط أو يفسد العقد كلّه، إذ لا يتبعّض العقد الواحد؟ وهكذا يعتلّ من خص الفسخ بالبيعة الثانية بأنّها هي الّتي أدخلت الفساد وأوقعت التّهمة، فإذا فسخناها خاصة ارتفعت الشّبهة من العقد الأوّل. أو يقال: إنّ المنع مبنيّ على أنهما قصدا دفع قليل عن كثير، ولا يتصوّر ها هنا إلاّ بارتباط أحد العقدين بالآخر، وإذا ارتبط أحدهما بالآخر، صارا في معنى العقد الواحد، والعقد الواحد لا يتبعّض، بل يفسخ جميعه. فهذه النّكتة الّتي يدور عليها هذا الخلاف

стр. 1540

مطلقًا ومفصّلًا. وقد نقلنا عن المذهب فسخ البيعتين جميعًا نقلًا مطلقًا. وقيد النّقل في بعض الرّوايات أنّ الفسخ تسلط على البيعتين جميعًا إلاّ أن يظهر أنهما لم يقصدا العينة، مثل أن يجدها في السوق تباع فيشتريها، فإنّ الفسخ يختصّ بالبيعة الأخيرة. وهذا لا يستقرّ على القاعدة التي قدّمناها، لأن التّهمة إذا تحقّق ارتفاعها اقتضى الحال إمضاء البيعتين جميعًا، وإذا لم يتحقّق، فسخت الثّانية، لأنّ بفسخها ترتفع التّهمة، أو تفسخ البيعتان جميعًا لما بينهما من الارتباط كما قدّمناه. لكن من قيّد هذه الرّواية بما قدّمناه، رأى فسخ البيعتين. فإذا تبيّن ارتفاع التهمة، حسن الاحتياط بقصر الفسخ على الثّانية خاصّة. وإذا لم يتبيّن، فسخ البيعتان جميعًا لأنّهما في معنى العقد الواحد. فإذا تقرّر حكم الفسخ مع الفوت فما المفيت ها هنا؟ أمّا ذهاب عينها أو تغيّرها في نفسها، فإنّه يفيتها من غير خلاف على حسب ما يأتي بيانه في تغيّر الأعيان. وأمّا بقاء عينها على حالتها لكن أسواقها اختلفت، فقد اضطرب المذهب فيه. فقيل: إنّه فوت. وقيل: ليس بفوت. وحكى ابن عبدوس أنّ رجلًا سأل سحنونًا عن فوت هذه السلعة، فقال له: لا تفيتها حوالة الأسواق، بل تغيّرُها أو ذهابُ عينها. فإذا تغيّرت في نفسها حتّى وجبت القيمة، هل هي أقل من الثقن فتسقط الزّيادة الّتي زاد الثمن على هذه القيمة؟ أو هي أكثر فيغرم القيمة على الإطلاق على حسب ما قدّمناه من التفسير الّذي ذكرناه؟ فقال له السائل: هكذا سمعنا عن ابن كنانة. قال ابن عبدوس: قال لنا سحنون: أُرْوُوها عن الشيخ ابن كنانة. وسبب هذا الاضطراب الذي نقلناه عن المذهب: أنّا قرّرنا (١) أنّ هذه العقود زُورٌ وأنّ المِلك لم ينتقل، اقتضى هذا كون تغير الأسواق لا يفيتها. وإن لم نقدّر أن هذه التّهمة تجري مجرى اليقين، وإنّما المنع حماية والفسخ مبالغة في الاحتياط لهذه الحماية، وجب أن تفيتها حوالة الأسواق. وسنوضّح هذا الأصل عند كلامنا على الاختلاف في حوالة الأسواق في مثل هذه المعاني إن شاء الله تعالى.

стр. 1541

وقد يجري أيضًا على هذا الأسلوب ما اضطرب فيه الأشياخ في هذه السلعة إذا باعها مالكها بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشتراها بخمسة دراهم إلى شهر، ثمّ أراد أن يعجّل هذه الخمسة دراهم، فإنّ من الأشياخ من أجاز ذلك لأنّ أصل العقد الأوّل والعقد الثاني وقع على الجواز لا تهمة تتطرّق إليه. فإذا تطوّع مشتريها بخمسة دراهم إلى الأجل بأن ينقد هذه الخمسة دراهم، لم يمنع من ذلك لسلامة العقدين في الأصل من تطرّق التّهمة إليهما. واستشهد هؤلاء بما نصّ عليه أهل المذهب من منع شراء سلعة غائبة أو سلعة على الخيار بشرط نقد الثّمن. فإذا تعاقدا عليها من غير شرط تعجيل، فإنّ من عليه الثمن لا يمنع من أن يتطوّع بنقده لمّا لم (١) يكن مشترطًا في أصل العقد. ومن الأشياخ من يمنع هذا ورأى أنّ الصورة الّتي منعنا من العقد عليها إذا أظهراه عاد إليها بعد العقد، وأن التّهمة تجري في هذا مجرى اليقين في كونهما قصدا إلى سلف بزيادة، وقد تصوّر هذا ها هنا فيما تطوّع به هذا المتطوّع بالتّعجيل، فوجب أن يمنع. ومن لم يجر هذا مجرى اليقين وإنّما منعه احتياطًا، رأى أنّ البيع الأوّل ماض لو انفرد، باتّفاق، والبيع الثّاني هو سبب تطرّق التهمة، فحسن منعه. والتطوّع بالنقد فعل ثالث، فلا يحسن أن تمتدّ التّهم إلى هذه الأفعال كلّها مع تعدّدها وتباين أوقاتها. وقد كنّا قدّمنا الإشارة إلى اضطراب المذهب في حماية الحماية. وهذه المسئلة ربّما خُرِّجَتْ عليه.

стр. 1542

فصل في اعتبار التفاضل في غير العين قال الشّيخ ﵀: يتعلّق بهذا الفصل سؤال واحد، ما حكم التفاضل ها هنا في العروض؟ فالجواب أن يقال: قد قدّمنا أحكام ما يمنع بالتّهمة على سلف بزيادة إذا كان الثّمن عينًا. فأمّا إن كان ليس بعين وهو عروض، مثل أن يبيع منه سلعة بعشرة ثياب مضمونة إلى أجل، ثمّ يشتريها بثياب من جنسها، فإنّ هذا يتصوّر فيه الاثنا عشر قسمًا الّتي صوّرناها في الثّمن إذا كان عينًا، وقد قدّمنا بيانها هناك وذكرنا أنّ الممنوع منها قسمان، وهما أن يبيع سلعة بدراهم إلى أجل ثمّ يشتريها بأقلّ من الثّمن إلى ما قبل الأجل (١)، أو يشتريها بأكثر من الثّمن إلى أبعد من الأجل على ما مضى تفصيله وبيانه. وها هنا يمنع هذان القسمان، ويختلف في قسمين آخرين يضافان إليهما. فإذا باع هذه السلعة بعشرة ثياب مضمونة إلى شهر، ثمّ اشتراها بخمسة ثياب من جنسها نقدًا، فإنّ هذا يمنع لما يتصوّر فيه من سلف بزيادة، مثل ما يتصوّر في العين، ويتّهم على أن يكون قد (٢) أسلف خمسة ثياب ليأخذ عشرة. وكذلك إذا اشتراها بخمسة عشر ثوبًا إلى شهرين، فإنّه يتّهم أيضًا على أن يكون المشتري يدفع عند الأجل عشرة ليأخذ خمسة عشر. وأمّا الوجهان الآخران، وهو أن يشتريها بخمسة عشر ثوبًا نقدًا أو بخمسة ثياب إلى شهرين، فإنّ هذا يتضمّن سلفًا بخسارة لا سلفًا بزيادة، ولا يتّهم أحد

стр. 1543

على أن يسلف ليخسر، وإنّما يتّهم أن يسلف ليربح. لكن تتطرّق التّهمة هنا من جهة أخرى وهي ضمان بعوض، فإذا باع السلعة بعشرة ثياب إلى شهر ثمّ اشتراها بخمسة عشر ثوبًا، فقد تطرّقت التّهمة إليهما في أن يكون أسلفه عشرة ثياب وأعطاه خمسة ثياب معها ليضمن له العشرة إلى أجل، وكذلك إذا اشتراها بأقلّ إلى أبعد من الأجل، يتصوّر أيضًا أَن يكون المشتري الأوّل لمّا حلّ الأجل دفع خمسة عشر ثوبًا ليأخذ بعد شهرين عشرة ثياب وتكون الخمسة عوض ضمان العشرة. ولكن التحيّل على ضمان بِجُعْل لا تقوى التّهمة فيه كما تقوى التّهمة على التحيّل على سلف بزيادة. لكن قدّمنا في كتاب السلم، لمّا تكلّمنا على ربا النساء في العروض، اختلاف النّاس فيه، وما وقع في المذهب عندنا من اضطراب فيه، هل يمنع التفاضل في العروض إذا بيعت نسيئة بجنسها لأجل أنّه ربا، والرّبا محرّم في نفسه، وإنّما منع حماية للذريعة لئلاّ يقصد من أسلم ثوبًا في ثوبين من جنسه إلى السلف بزيادة. فمن سلك من أصحابنا طريقة من يرى أنّ التّفاضل في العروض إذا بيعت نسيئة ربا، كالرّبا في العين، منع هذين القسمين ولأجل ما يحصل فيهما من صورة التّفاضل وإجراءِ التّفاضل في الثّياب في بياعات الآجال مجرى العين. ومن منع ذلك حماية للذّريعة لئلاّ يكونا قصدا إلى التحيّل على سلف بزيادة، فإنّ هذه الثّياب إذا بيع بعضها ببعض متفاضلًا تصوّر فيها صورة الرّبا. وإذا كانت ثمنًا للسلعة ثمّ اشتريت تلك السلعة بثياب من جنسها، فإنّ التّفاضل بين الثّياب لم يكن متصوّرًا في عقد واحد، ولكن إنّما يتصوّر لوقوع عقد بعد عقد، وقد قدّمنا أنّ وقوع عقد بعد عقد يوجب كون العقد الثّاني مَطرَق التّهمة إلى العقد الأوّل، فمنع حماية للذّريعة. فالدّنانير والدّراهم لا يتصوّر فيها ضمان بجُعل لبعد التّهمة فيها، فاتّفق المذهب على جواز أن يشتري ثوبًا باعه بعشرة دراهم إلى أجل بعشرين درهمًا نقدًا. فيتصوّر في الثّياب القصد إلى ضمان بجعل، فهل يحسن أن تحمى الذّريعة في هذا الوجه؟ هذا مِمّا اضطرب فيه المتأخّرون لأنه كحماية مبنيّة على ضمان بجعل لحماية ملحقة بالحماية الأولى. وقد اختلف المتأخّرون فيمن باع ثوبًا بقفيز قمح

стр. 1544

إلى شهر، ثمّ اشتراه بقفيزين قمحًا نقدًا، هل يجوز في ذلك ما يجوز في العين باتّفاق لارتفاع التّهمة على التحيّل على سلف بزيادة؟ أم يمنع ذلك لما يتصوّر فيه من ضمان بجعل؟ وأشار بعضهم إلى تخريج هذا على اختلاف في الحماية، هل تكون لها حماية أخرى؟ أم لا يحسن ذلك لئلاّ يتسلسل الأمر ويكثر؟ وبالجملة فإنّ هذا عندي إنّما يعتبر فيه قوّة التّهمة وضعفها. وأمّا السلف بزيادة فتقوى فيه التّهمة فيتّفق عندنا على المنع. وأمّا الضّمان بجعل فتضعف فيه التّهمة، فيحسن فيه الخلاف. فمن بالغ في الاحتياط منع من هذا، ومن لم يبالغ في هذا لم يمنع منه لضعف التّهمة فيه. وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ شراء الثّوب المبيع بقفيز قمح إلى أجل بقفيزين نقدًا يجوز على أصل ابن القاسم. كما أجاز لمن باع ثوبًا بأربعين درهمًا إلى أجل أن يشتريه بعشرين دينارًا نقدًا، وإن تصوّر في هذا التحيّل على الصرف المستأخر لأجل ارتفاع التّهمة لكثرة الخسارة في هذا المنقود من الطّعام. ويمنع على أصل أشهب، كما منع شراء هذه الدّراهم بالذهب الّذي ذكرناه وإن ارتفعت التّهمة فيه.

стр. 1545

فصل في حماية الذّريعة في البيع والسلف قال الشّيخ ﵀: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال: ١ - ما حكم شراء المبيع ببعض الثّمن؟ ٢ - وما حكم شرائه بمثل الثّمن فأكثر منه؟ ٣ - وما حكم شراء المبيع ببعض الثّمن وزيادة عليه من غير جنسه؟ ٤ - وما حكم شراء كلّ المبيع ببعض الثّمن وزيادة في الثّمن من جنس آخر؟ ٥ - وما حكم شراء كلّ المبيع وزيادة عليه؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا أنّ ظاهر بياعات الآجال الّتي منعها مالك وأجازها الشّافعي، الأصل فيها الجواز. لكن مالكا رأى في البياعات أنواعًا إذا قارنت العقد أفسدته. فكلّ عقد ظاهره السلامة من هذه المفسدات، ولكنّه اعتبر فيه إبطان هذه المفسدات وسترها، فإنّه يمنع، أو يمنع منها حماية للذّريعة ومخافة أن يكون المتعاقدان تحيّلا بها على المحرّم. كما قدّمنا الاضطراب في تعليل المنع لما منعناه من بياعات الآجال. وقد تقرّر أنّ الرّبا ممنوع والسلف الّذي يجرّ منفعة ممنوع، ومثّلنا ذلك بالمسائل المتقدّمة، وقد علم أنّ من المحرّمات البيع بشرط السلف. وهذا الفصل يشتمل على مسائل هي كالمثال له فيما يحيى منه. فذكر في المدوّنة إذا باع رجل من رجل عبدين بمائة دينار إلى شهر، ثمّ اشترى البائع أحدهما بخمسين دينارًا أو تسعة وتسعين دينارًا أو بدينار واحد على النقد لذلك، أنّ ذلك لا يجوز، لما يتصوّر فيه من التحيّل بما أظهراه من الفعل الجائز على بيع بشرط السلف. وذلك أنّا قرّرنا أنّ الاعتبار في بياعات الآجال أنّ ما استقرَّ الملك عليه، وما بيع ثمّ ارتجع، فكأنّه
следующие страницы →