وقد يجري أيضًا على هذا الأسلوب ما اضطرب فيه الأشياخ في هذه السلعة إذا باعها مالكها بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشتراها بخمسة دراهم إلى شهر، ثمّ أراد أن يعجّل هذه الخمسة دراهم، فإنّ من الأشياخ من أجاز ذلك لأنّ أصل العقد الأوّل والعقد الثاني وقع على الجواز لا تهمة تتطرّق إليه. فإذا تطوّع مشتريها بخمسة دراهم إلى الأجل بأن ينقد هذه الخمسة دراهم، لم يمنع من ذلك لسلامة العقدين في الأصل من تطرّق التّهمة إليهما. واستشهد هؤلاء بما نصّ عليه أهل المذهب من منع شراء سلعة غائبة أو سلعة على الخيار بشرط نقد الثّمن. فإذا تعاقدا عليها من غير شرط تعجيل، فإنّ من عليه الثمن لا يمنع من أن يتطوّع بنقده لمّا لم (١) يكن مشترطًا في أصل العقد.
ومن الأشياخ من يمنع هذا ورأى أنّ الصورة الّتي منعنا من العقد عليها إذا أظهراه عاد إليها بعد العقد، وأن التّهمة تجري في هذا مجرى اليقين في كونهما قصدا إلى سلف بزيادة، وقد تصوّر هذا ها هنا فيما تطوّع به هذا المتطوّع بالتّعجيل، فوجب أن يمنع. ومن لم يجر هذا مجرى اليقين وإنّما منعه احتياطًا، رأى أنّ البيع الأوّل ماض لو انفرد، باتّفاق، والبيع الثّاني هو سبب تطرّق التهمة، فحسن منعه. والتطوّع بالنقد فعل ثالث، فلا يحسن أن تمتدّ التّهم إلى هذه الأفعال كلّها مع تعدّدها وتباين أوقاتها. وقد كنّا قدّمنا الإشارة إلى اضطراب المذهب في حماية الحماية. وهذه المسئلة ربّما خُرِّجَتْ عليه.
стр. 1542
فصل في اعتبار التفاضل في غير العين
قال الشّيخ ﵀: يتعلّق بهذا الفصل سؤال واحد، ما حكم التفاضل ها هنا في العروض؟ فالجواب أن يقال: قد قدّمنا أحكام ما يمنع بالتّهمة على سلف بزيادة إذا كان الثّمن عينًا. فأمّا إن كان ليس بعين وهو عروض، مثل أن يبيع منه سلعة بعشرة ثياب مضمونة إلى أجل، ثمّ يشتريها بثياب من جنسها، فإنّ هذا يتصوّر فيه الاثنا عشر قسمًا الّتي صوّرناها في الثّمن إذا كان عينًا، وقد قدّمنا بيانها هناك وذكرنا أنّ الممنوع منها قسمان، وهما أن يبيع سلعة بدراهم إلى أجل ثمّ يشتريها بأقلّ من الثّمن إلى ما قبل الأجل (١)، أو يشتريها بأكثر من الثّمن إلى أبعد من الأجل على ما مضى تفصيله وبيانه. وها هنا يمنع هذان القسمان، ويختلف في قسمين آخرين يضافان إليهما. فإذا باع هذه السلعة بعشرة ثياب مضمونة إلى شهر، ثمّ اشتراها بخمسة ثياب من جنسها نقدًا، فإنّ هذا يمنع لما يتصوّر فيه من سلف بزيادة، مثل ما يتصوّر في العين، ويتّهم على أن يكون قد (٢) أسلف خمسة ثياب ليأخذ عشرة. وكذلك إذا اشتراها بخمسة عشر ثوبًا إلى شهرين، فإنّه يتّهم أيضًا على أن يكون المشتري يدفع عند الأجل عشرة ليأخذ خمسة عشر.
وأمّا الوجهان الآخران، وهو أن يشتريها بخمسة عشر ثوبًا نقدًا أو بخمسة ثياب إلى شهرين، فإنّ هذا يتضمّن سلفًا بخسارة لا سلفًا بزيادة، ولا يتّهم أحد
стр. 1543
على أن يسلف ليخسر، وإنّما يتّهم أن يسلف ليربح. لكن تتطرّق التّهمة هنا من جهة أخرى وهي ضمان بعوض، فإذا باع السلعة بعشرة ثياب إلى شهر ثمّ اشتراها بخمسة عشر ثوبًا، فقد تطرّقت التّهمة إليهما في أن يكون أسلفه عشرة ثياب وأعطاه خمسة ثياب معها ليضمن له العشرة إلى أجل، وكذلك إذا اشتراها بأقلّ إلى أبعد من الأجل، يتصوّر أيضًا أَن يكون المشتري الأوّل لمّا حلّ الأجل دفع خمسة عشر ثوبًا ليأخذ بعد شهرين عشرة ثياب وتكون الخمسة عوض ضمان العشرة. ولكن التحيّل على ضمان بِجُعْل لا تقوى التّهمة فيه كما تقوى التّهمة على التحيّل على سلف بزيادة. لكن قدّمنا في كتاب السلم، لمّا تكلّمنا على ربا النساء في العروض، اختلاف النّاس فيه، وما وقع في المذهب عندنا من اضطراب فيه، هل يمنع التفاضل في العروض إذا بيعت نسيئة بجنسها لأجل أنّه ربا، والرّبا محرّم في نفسه، وإنّما منع حماية للذريعة لئلاّ يقصد من أسلم ثوبًا في ثوبين من جنسه إلى السلف بزيادة. فمن سلك من أصحابنا طريقة من يرى أنّ التّفاضل في العروض إذا بيعت نسيئة ربا، كالرّبا في العين، منع هذين القسمين ولأجل ما يحصل فيهما من صورة التّفاضل وإجراءِ التّفاضل في الثّياب في بياعات الآجال مجرى العين. ومن منع ذلك حماية للذّريعة لئلاّ يكونا قصدا إلى التحيّل على سلف بزيادة، فإنّ هذه الثّياب إذا بيع بعضها ببعض متفاضلًا تصوّر فيها صورة الرّبا. وإذا كانت ثمنًا للسلعة ثمّ اشتريت تلك السلعة بثياب من جنسها، فإنّ التّفاضل بين الثّياب لم يكن متصوّرًا في عقد واحد، ولكن إنّما يتصوّر لوقوع عقد بعد عقد، وقد قدّمنا أنّ وقوع عقد بعد عقد يوجب كون العقد الثّاني مَطرَق التّهمة إلى العقد الأوّل، فمنع حماية للذّريعة. فالدّنانير والدّراهم لا يتصوّر فيها ضمان بجُعل لبعد التّهمة فيها، فاتّفق المذهب على جواز أن يشتري ثوبًا باعه بعشرة دراهم إلى أجل بعشرين درهمًا نقدًا.
فيتصوّر في الثّياب القصد إلى ضمان بجعل، فهل يحسن أن تحمى الذّريعة في هذا الوجه؟ هذا مِمّا اضطرب فيه المتأخّرون لأنه كحماية مبنيّة على ضمان بجعل لحماية ملحقة بالحماية الأولى. وقد اختلف المتأخّرون فيمن باع ثوبًا بقفيز قمح
стр. 1544
إلى شهر، ثمّ اشتراه بقفيزين قمحًا نقدًا، هل يجوز في ذلك ما يجوز في العين باتّفاق لارتفاع التّهمة على التحيّل على سلف بزيادة؟ أم يمنع ذلك لما يتصوّر فيه من ضمان بجعل؟ وأشار بعضهم إلى تخريج هذا على اختلاف في الحماية، هل تكون لها حماية أخرى؟ أم لا يحسن ذلك لئلاّ يتسلسل الأمر ويكثر؟ وبالجملة فإنّ هذا عندي إنّما يعتبر فيه قوّة التّهمة وضعفها. وأمّا السلف بزيادة فتقوى فيه التّهمة فيتّفق عندنا على المنع. وأمّا الضّمان بجعل فتضعف فيه التّهمة، فيحسن فيه الخلاف. فمن بالغ في الاحتياط منع من هذا، ومن لم يبالغ في هذا لم يمنع منه لضعف التّهمة فيه. وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ شراء الثّوب المبيع بقفيز قمح إلى أجل بقفيزين نقدًا يجوز على أصل ابن القاسم. كما أجاز لمن باع ثوبًا بأربعين درهمًا إلى أجل أن يشتريه بعشرين دينارًا نقدًا، وإن تصوّر في هذا التحيّل على الصرف المستأخر لأجل ارتفاع التّهمة لكثرة الخسارة في هذا المنقود من الطّعام. ويمنع على أصل أشهب، كما منع شراء هذه الدّراهم بالذهب الّذي ذكرناه وإن ارتفعت التّهمة فيه.
стр. 1545
فصل في حماية الذّريعة في البيع والسلف
قال الشّيخ ﵀: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما حكم شراء المبيع ببعض الثّمن؟ ٢ - وما حكم شرائه بمثل الثّمن فأكثر منه؟ ٣ - وما حكم شراء المبيع ببعض الثّمن وزيادة عليه من غير جنسه؟ ٤ - وما حكم شراء كلّ المبيع ببعض الثّمن وزيادة في الثّمن من جنس آخر؟ ٥ - وما حكم شراء كلّ المبيع وزيادة عليه؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا أنّ ظاهر بياعات الآجال الّتي منعها مالك وأجازها الشّافعي، الأصل فيها الجواز. لكن مالكا رأى في البياعات أنواعًا إذا قارنت العقد أفسدته. فكلّ عقد ظاهره السلامة من هذه المفسدات، ولكنّه اعتبر فيه إبطان هذه المفسدات وسترها، فإنّه يمنع، أو يمنع منها حماية للذّريعة ومخافة أن يكون المتعاقدان تحيّلا بها على المحرّم. كما قدّمنا الاضطراب في تعليل المنع لما منعناه من بياعات الآجال. وقد تقرّر أنّ الرّبا ممنوع والسلف الّذي يجرّ منفعة ممنوع، ومثّلنا ذلك بالمسائل المتقدّمة، وقد علم أنّ من المحرّمات البيع بشرط السلف. وهذا الفصل يشتمل على مسائل هي كالمثال له فيما يحيى منه. فذكر في المدوّنة إذا باع رجل من رجل عبدين بمائة دينار إلى شهر، ثمّ اشترى البائع أحدهما بخمسين دينارًا أو تسعة وتسعين دينارًا أو بدينار واحد على النقد لذلك، أنّ ذلك لا يجوز، لما يتصوّر فيه من التحيّل بما أظهراه من الفعل الجائز على بيع بشرط السلف. وذلك أنّا قرّرنا أنّ الاعتبار في بياعات الآجال أنّ ما استقرَّ الملك عليه، وما بيع ثمّ ارتجع، فكأنّه
стр. 1546
لم يبع. فإذا علم هذا، واحد العبدين الّذي (١) بيع ثمّ ارتجع بالشّراء كأنّه لم يعقد عليه بيْع، بل هو باق على ملك بائعه الأوّل لم يخرج من يده، وإنّما خرج من يده العبد الباقي بيد المشتري الّذي لم يرتجعه بالشَّراء وخمسون دينارًا، ويأخذ عوض ذلك إذا حلّ الأجل مائة دينار. فخمسون منها قضاء عن الخمسين الّتي خرجت من يد البائع، وخمسون منها ثمن العبد الباقي بيد المشتري الّذي لم يرتجع منه. صار هذا محصول أمرهما. فقد تصوّر فيه صورة البيع والسلف لأنّ العبد الباقي فرضنا أنّه مبيع بخمسين تؤخذ عند الأجل، وقارن ذلك خمسون دينارًا أسلفها البائع نقدًا، ثمّ تعود إليه إذا حلّ الأجل. وهما لو صرّحا حين العقد، بأنّه يبيع منه عبدًا بخمسين دينارًا على أن يسلفه خمسين، لمنع ذلك باتّفاق. فإذا ظنّ بهما أنّ هذا قصدهما، وإن لم يصرّحا به، جعل حكمه حكم ما صرّح به من البيع والسلف. لكنّه أغلى فيما ذكره في المدوّنة في هذا التّمثيل لما قال: إنّه اشترى العبد بتسعة وتسعين نقدًا، أو اشتراه بدينار نقدًا، لأجل أنّ هذا التعليل في السلف أو الثّمن تبعد فيه التّهمة، ولا يشبه أن يبيع أحد العبدين بدينار ويسلفه تسعة وتسعين، فإنّ في هذا غبنًا ظاهرًا. وكذلك لا يشبه أن يبيع العبد الّذي أبقاه في ملك المشتري بتسعة وتسعين على أن يسلف المشتري دينارًا واحدًا. لكنّ هذا التّمثيل بهذه المبالغة يصحّ على أصل أشهب المانع من شراء ثوب باعه بأربعين درهمًا إلى أجل ثمّ اشتراه بعشرين دينارًا نقدًا. وإن كانت التّهمة على الصّرف المستأخر في هذا بعيدة. وابن القاسم أجاز هذا، فينبغي على أصله أن يجيز ما ذكرناه من التّمثيل الّذي بالغ فيه في مسئلة العبدين. إلَاّ أن يرى أنّ البيع والسلف يتكرّر القصد إليه والتحيّل عليه بخلاف الصرف المستأخر. فإذا تقرّر منع هذه المسئلة لما تصوّر فيها من صورة البيع والسلف، فإنّ المتعاقدين لو اعترفا أنّهما قصدا ما ظنناه بهما من البيع والسلف لجَرَى مجرى الحكم في هذه المسئلة على حكم من باع بشرط أن يسلف أو يسلف.
لكنّهما ها هنا إذا أنكرا قصدهما لما ظنّ بهما من التحيّل على ما لا يجوز، فإنّ
стр. 1547
بعض أشياخي رأى أنّ هذه المسئلة تجري على ما تقدّم من أحكام بياعات الآجال الممنوعة من فسخ الأولى والثّانية على مذهب عبد الملك. ويشير إلى إجراء الخلاف فيها على حسب ما قدّمناه من الكلام في فسخ ما منع من بياعات الآجال مع القيام والفوت. وقد اختلف الأشياخ في فسخ العقد في البيع (١) الباقي الّذي لم يرتجعه بائعه. واختلافهم في هذا جار على ما قدّمناه من طريقة بعض أشياخي في إجراء هذه المسئلة على حكم أخواتها الّتي تقدّم ذكرها، وذكر الخلاف فيها. لكن إذا وقع البيع بشرط السلف تصريحًا، فإنّ المشهور من المذهب أنّ السلف إذا أسقطه مشترطه صحّ البيع. فبعض الأشياخ تشير طريقته في هذه المسألة إلى أنّ هذه المسألة الّتي هي ارتجاع أحد العبدين تخالف مسألة اشتراط السلف في حين عقد البيع لأجل إنكار هذين المتعاقدين أن يكونا قصدا إليه. فبمقتضى إنكارهما، أن يكونا قصدا ذلك، أن تكون القيمة في العبد الفائت مطلقًا بالغًا ما بلغت، ولكن يعتبر فيها أن تكون مثل الثّمن فأقلّ فإن كانت أكثر من الثّمن، رجع إلى الثّمن على حسب ما ذكرناه في المدوّنة فيمن اشترط في عقد البيع سلفًا. ومنهم من يوافق على هذا, ولكن سلك في تعليله طريقة أخرى، فيقول: إنّما يعتبر كون القيمة أكثر من الثّمن أو أقلّ إذا كان الثّمن عنها نقدًا. وأمّا إن كان دينًا أو عرضًا، فالقيمة يقضي بها على الإطلاق، والثّمن ها هنا دين. وغير هؤلاء من الأشياخ يرى أنّ الواجب إذا فات هذا العبد أن يحطّ من الثّمن المؤجّل مقدار ما ينوبه منه، ولا يقضي فيه بالقيمة على الإطلاق
منفردًا. وهذا جنوح من هؤلاء إلى اعتبار الثّمن. وقد كنّا قدّمنا الكلام على الواجب في هذا إذا فاتت السلعة، وذكرنا مذهب من فصل فاعتبر كون ما يغرم من القيمة المطلقة أقلّ مِمّا يأخذ عند الأجل أو أكثر.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمّا شراء أحد هذين العبدين بمثل الثّمن فأكثر نقدًا، فإنّه جائز, لأنّا قدّمنا أنّ المعتبر في بياعات الآجال ما خرج من يد البائع خروجًا لم يرتجعه وما يرجع إليه من العوض. فوجدنا بيع العبدين
стр. 1548
بمائة دينار إلى سنة، ثمّ اشترى أحدهما بمائة دينار نقدًا أو بمائتي دينار نقدًا لا منفعة له في هذا [حتّى] (١) يتهم على القصد إلى ما لا يجوز لأجلها بل يخسر في هذا. وذلك أنّ العبد الّذي باعه ثمّ ارتجعه كأنَّه لم يبعه ولا خرج من يده، وإنّما استقرّ الأمر على أنّه خرج من يده العبد الباقي في ذمّة المشتري الّذي لم يرتجعه ومائة دينار أو أكثر منها نقدًا، ويأخذ إذا حلّ الأجل مائة دينار. فإنّما يعود إليه عند الأجل من الدّنانير مثل ما خرج من يده أو أقلّ منه، ويزيد على ذلك عبدًا وهو الباقي في يد المشتري. وهذا لا يتّهم فيه أحد. لكن الشيخ أبو إسحاق التّونسي حاول تخريج خلاف في هذا، فقال: إنّ من باع ثوبًا بعشرة دراهم إلى شهر ثمّ اشتراه بثوب نقدأوعشرة دراهم، فإنّ هذا يمنعه عبد الملك, ويجيزه ابن القاسم، لأجل أنّه لا يرى فيه منفعة ولا ربحًا يتحيّل عليه, لأنّ الثّوب المبيع قد رجع إلى بائعه ودفع إلى المشتري ثوبًا آخر وعشرة دراهم يأخذها منه إذا حلّ الأجل، فقد اتّضح ها هنا خسارته لا ربحه. لكن عبد الملك منع هذا وإن لم تكن فيه منفعة ظاهرة، وقدّر أنّ الثّوب الّذي ارتجعه إنّما ارتجعه من معاوضة ثانية وهي في دفع ثوب آخر، وهذه مبايعة قارنها سلف عشرة دراهم يأخذها إذا حلّ الأجل. قال: ولا سيما إن كان الثّوب المدفوع آخرًا أدنى من الثّوب الأوّل.
وأشار بقوله: لا سيما إذا كان أدنى، إلى اتّضاح التّهمة ها هنا. وهذا الّذي أشار إليه قد يكون انفصالًا عمّا لزمه الشيخ أبو إسحاق أن يقول به في المسئلة الّتي ذكرناها, لأنّ ها هنا مبايعة ثانية وهي عرض بعرض، والأعراض تختلف فيها الأغراض، ولا سيما مع اختلاف القيم، فصحّ ها هنا انصراف الغرض إلى التحيّل على البيع والسلف، ومسئلتنا المتقدّمة إنّما ارتجع أحد العبدين بدنانير من جنس الثّمن الّذي له في الذّمّة، والأغراض ها هنا [لا] (٢) تتصوّر كما تصوّر في شراء هذا الثّوب بثوب آخر غيره. وابن القاسم قدّر أنّ هذا رجع كأنّه لم يخرج من يده لا بعوض ولا بغير عوض، وإنّما صار محصول أمرهما أنّ البائع
стр. 1549
خرج من يده ثوب وعشرة دراهم، ويأخذ إذا حلّ الأجل عشرة دراهم. وابن القاسم قد قدّمنا أنّ من أصله أن يجيز بياعات الآجال إذا اتّضح ارتفاع التّهمة.
وأشهب يمنعها وإن ارتفعت التّهمة. وعبد الملك يجيزها حتّى يتّضح تصوّر التّهمة فيها، على ما قدّمناه عنه في مسئلة المبادلة سكّة بسكّة في بياعات الآجال. وقد ألزم بعض الأشياخ عبد الملك أن يمنع ما اتّفق المذهب على جوازه, لأنّه اعتلّ في منع شراء الثّوب الّذي باعه بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشتراه بثوب وعشرة دراهم نقدًا، فإنّ ذلك يتصوّر فيه البيع والسلف على ما قدّمناه. فقال بعض الأشياخ: يلزمه على هذا أن يمنع من شراء هذا الثّوب الّذي باعه بعشرة إلى أجل بعشرة دراهم نقدًا أو بعشرين درهمًا نقدًا, لأنّه يتصوّر أيضًا فيه أن تكون العشرة دراهم الّتي نقدها سلفًا يأخذها إذا حلّ الأجل، والثّوب الّذي ارتجع بعد أن باعه منفعة حصل عليها لأجل هذا السلف. وكذلك لو اشتراه بعشرين نقدًا فإنّه يتصوّر فيه البيع والسلف، فتكون عشرة من العشرين سلفًا، والعشرة الباقية من العشرين ثمن الثّوب الّذي اشتراه. ولم يختلف المذهب في أنّ هذا غير ممنوع لأنّه إنّما منع ما ذكرناه من بياعات الآجال لأجل التّهمة الّتي تتطرّق إلى المتعاقدين من التحيّل على فعل ما لا يجوز في البياعات. ولا يتّهم أحد أن يسلف عشرين ليأخذ عشرة إلى أجل، ولا في أن يسلف عشرين فيأخذ عشرة إلى أجل (١). وإنّما لم يختلف في جواز هذا لأجل ارتفاع التّهمة فيه. وقد تقرّر أنّ العشرة المؤجّلة استقرّت في ذمّة مشتري الثّوب ثمنًا له، فكيف يتصوّر أنّها ثمن للثّوب وإنّما يدفعها عند الأجل بحكم كونها ثمن الثّوب الّذي باعه آخرًا وقد اشتراه أوّلًا؟ ويتصوّر مع هذا أنّه إنّما يدفعها عند الأجل قضاء عن السلف الّذي انتقد (٢). فتكون العشرة المؤجّلة إذا دفعت عند الأجل تدفع على أنّها ثمن الثّوب، وعلى أنّها ليست بثمن وإنّما هي قضاء
стр. 1550
للسلف، وهذا من التناقض الّذي [لا] (١) يصحّ تصوّره. هذا حكم الشراء بعد البيع بمثل الثّمن أو أقلّ منه أو أكثر نقدًا.
وأمّا لو اشترى إلى الأجل نفسه لكان ذلك مقاصة ولا يتصوّر فيه وجه من وجوه حماية الذّريعة.
وأمّا إن اشتراه إلى أبعد من الأجل، فإنّ هذا يمنع منه سواء اشتراه بمثل الثّمن أو أقلّ أو أكثر, لأنّه يتصوّر فيه ما قدّمناه من شراء البائع له بالنّقد من بيع وسلف. لكن الّذي قدّمناه يتصوّر السلف فيه من جهة البائع الأوّل. وإذا اشترى أحد الثّوبين بثمن إلى أبعد من الأجل، كان المسلف ها هنا المشتري الأوّل.
فيكون عند الأجل قد دفع عشرة أو تسعة أو أحد عشر يردّها إليه البائع إذا حلَّ أجل الثّاني. وقد كان أعطاه ثوبًا وهو الباقي عنده فيتصوّر فيه السلف بزيادة والبيع والسلف على حسب ما تقدّم بمثله قبل هذا.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: ذكر في المدوّنة فيمن باع ثوبين بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشترى أحد الثّوبين بخمسة دراهم وثوب نقدًا، أنّ ذلك لا يجوز, لأنه بيع وسلف، وفضّة وعرض معجّلة وفضّة مؤجّلة. وهذا الّذي ذكره في المدوّنة هو جار على الأسلوب في المسئلة الّتي تقدّمت وتقدّم ذكر ما تنبني عليه هي وأخواتها من الاعتبار بما خرج من يد البائع، وأنّ ما خرج من يده ثمّ عاد إليه ملغى مطرح. فهذا لمّا خرج من يده الثّوب الّذي ارتجعه ثمّ عاد إليه ألغي حكمه. وتصوّر في هذه المعاملة أنّه باع الثّوب الباقي في يد المشتري والثّوب الّذي دفعه مع الخمسة دراهم المنقودة بعشرة دراهم إلى أجل، فإذا حلّ الشهر دفع المشتري خمسة دراهم منها عوض الثّوبين الحاصلين في يديه من قبل البائع، وهما الباقي في يد المشتري الّذي لم يرتجع والثّوب الآخر الّذي جعلاه عوضًا عن الثّوب المرتجع والخمسة الدّراهم الباقية قضاء عن الخمسة الّتي أسلفها إيّاه لما دفعها مع الثّوب.
стр. 1551
وإن شئت صوّرت المسئلة بصورة أخرى، فقدّرت أنّه باع ثوبًا وخمسة دراهم معه بالثّوب الّذي ارتجعه بعد أن باعه بالعشرة دراهم المؤجّلة، فيكون هذا تحيّلًا على بيع عرض ودراهم مؤجّلة. والتّصويران جميعًا لو ثبت القصد إليهما أو إلى أحدهما لاتّضح المنع. فكذلك إذا اتّهما على القصد إليهما.
وقد تقدّم بيان الخلاف في هذه البياعات الّتي منعت لحماية الذّرائع، هل يتسلّط الفسخ على المعاملة في الأولى والثّانية أو على الثّانية خاصة؟ وعلى حسب ما تقدّم بيانه في قيام السلعة أو فواتها. كما تقدّم بيان الوجه الّذي يفيتها لما تقدّم بيان تصوّر البيع والسلف في مسئلة أحد العبدين، وكون القيمة تعتبر فيه كما تعتبر في البيع والسلف، أو يقضى فيه بالقيمة مطلقًا كالبياعات الفاسدة الّتي لم تفسد من ناحية البيع والسلف. وقد قال بعض الأشياخ: إنّ هذه الثلاثة أثواب يختص كلّ واحد منها بحكم غير حكم صاحبه. أمّا (١) أحد الثَّوبين الّذي بقي بيد المشتري لم يرتجع منه، فإنّ البيع فيه نافذ. وأمّا الثّوبان الآخران اللّذان هما الثّوب المرتجع والثّوب المدفوع عوضًا عنه، فإنّهما يفسخ البيع فيهما. لكن هذان الثّوبان وإن تسلّط الفسخ عليهما جميعًا، فإن حكمهما في الفوت وفي القيمة مختلف. فأمّا الثّوب المرتجع، فإنّه لا تفيته حوالة الأسواق على ما قدّمناه من مذهب ابن كنانة وسحنون، وإنّما يفيته التغيُّر الشديد، ويقضى فيه بالقيمة مطلقًا. وأمّا الثّوب الثّالث الّذي هو عوض الثّوب المرتجع، فإنّه تفيته حوالة الأسواق كما تفيت البياعات الفاسدة الّتي فسادها من غير جهة السلف. وكذلك يعتبر في القيمة (٢) ما يعتبر في البيع المشترط فيه السلف. وقد قدّمنا نحن ذكر القيمة في مثل هذا وما قاله بعض أشياخي فيه. وأنت إذا عرضت هذا على ما تقدّم علمت منه تخريج هذا الّذي قيل في هذه الثّلاث ثياب، هل يفسخ البيع في الثّلاث ثياب مع كونها لم تفت؟ أو يصح البيع في الثّوب الباقي بناء على فسخ البيعتين جميعًا مع القيام؟ أو باختصاص الفسخ بالبيعة الثّانية لتصحّ الأولى
стр. 1552
وترتفع الشبهة الّتي أدخلت الفساد؟ وفسخ هذين الثّوبين يصحّح البيع في الثّوب الباقي الّذي على هذه الطّريقة. وكذلك إذا فاتت الثّياب، فقد تقدّم ذكر المذاهب فيها، فتخرّج هذه على ما تقدّم. لكن هذا الّذي وقع ها هنا من تفصيل هذا القائل وتفرقته في الحكم بين الثّوب المرتجع والثّوب المدفوع عوضًا عنه، إنّما وقعت المعاملة الثّانية فيهما بعقد واحد، فلا ينفرد أحدهما بحكم عن صاحبه. وكلّ واحد منهما عقَد على شرط السلف. وإذا بيع ثوب بثوب بشرط السلف، فالفساد من ناحية الشّرط يتصوّر في الثّوبين على وجه واحد. وإذن اختلف الحكم باختلاف محلّ السلف، هل هو من البائع أو من المشتري على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا فيما تقدّم ما قاله بعض الأشياخ في مناقضة عبد الملك من إحالة كون الشّيء الواحد يحكم له بحكم عقدين مختلفين، لما بيّناه أنّه لا يمكن أن يكون الثّمن قضاء عن السلف وثمنًا للثّوب. فكذلك الأمر فيما نحن فيه إذا كان الثّوب المرتجع عوضًا عن الثّوب الّذي دفع آخرًا لم يتصوّر افتراق حكم الثّوبين. وينبغي أن يلتفت إلى مقتضى حكم التّعليلين المذكورين في المدوّنة في هذه المسئلة من كون المنع لما يتصوّر من بيع وسلف، وما يتصوّر من بيع عرض وفضّة بفضة مؤجّلة، فإنّ الاقتصار على التّعليل ببيع عرض وفضّة بفضّة مؤجّلة يقتضي إيجاب القيمة مع الفوت مطلقة. والتّعليل بالبيع والسلف يجري على ما ذكر من الخلاف فيه إذا وقع السلف مشترطًا في أصل البيع عند من يذهب إلى أنّ المظنون ها هنا الممنوع لحماية الذّريعة يجري مجرى المشترط من السلف.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: إذا باع الرّجل ثوبًا بعشرة دنانير إلى شهر، ثمّ اشتراه منه بخمسة دنانير وثوب من نوعه أو من غير نوعه، فإنّ ذلك ممنوع لما يتصوّر فيه من البيع والسلف على حسب ما صوّرناه مرارًا. وذلك أنّ الثّوب الّذي بيع ثم ارتجع ملغى مطرح كأنّه لم يبع، وحصل من الأمر أنّ البائع يُخرج من يده الآن خمسة دنانير وثوبًا يأخذ عوضًا عن ذلك عشرة دنانير إذا حلّ الأجل. فخمسة من هذه الّتي أخذها لمّا حلّ الأجل قضاء عن الخمسة الّتي
стр. 1553
كانت مع الثّوب، والثّوب الّذي مع الخمسة مبيع بالخمسة الباقية من العشرة.
فهذا لو اشترط لمنع لكونه بيعًا وسلفًا، فكذلك إذا اتّهما على القصد إليه. فإذا وقع هذا فإن كان الثّوبان لم يفوتا فإنّ البيعتين فيهما تفسخ على قول عبد الملك، فيردّ الثّوب والخمسة المقارنة له إلى يد دافعها، ويبقى في يده الثّوب الّذي باعه أوّلًا، وتسقط العشرة دنانير كلّها لأنّها ثمن الثّوب المبيع أوّلًا وهو قد رجع إلى يد بائعه. وعلى مذهب ابن القاسم يردّ الثّوب والخمسة المقارنة له إلى دافعها ويردّ الثّوب المبيع أوّلًا إلى يد مشتريه لتصحّ البيعة الأولى. فإن وقع الفوت، فإنّ الثّوب المقارن للخمسة دنانير يقضى بقيمته مطلقًا لكون العقد فيه فاسدًا. وهو وإن تصوّر في العقد عليه البيع والسلف، فقد قدّمنا العذر عن هذا بأنّ المتعاقدين منكران أن يكونا قصدا البيع والسلف، فقضي في القيمة عليهما بمقتضى إنكارهما ومقتضى كون القيمة مطلقة. وأمّا الثّوب الآخر فإنّه إذا فات أيضًا وجب فسخ البيعتين جميعًا كما قدّمناه عن عبد الملك وابن القاسم. وإذا وجب الفسخ للبيعتين جميعًا، فإنّ الثّوب المقارن للخمسة قد أوجبنا ردّ قيمته. وقيمته إذا ردّت، فكأنّ عينه ردّت. والثوّب المبيع أوّلًا إذا فات وقد ارتجعه بائعه، فقد فات في يده بعد أن صار إليه قبل أن يفوت. وإذا فات في يديه كانت مصيبته منه، وانفسخ البيع فيه وهو في يده، فينحطّ عن المشتري ثمنه الّذي عقد به البيع فيه؛ لما قدّمناه في شراء البائع أحد الثّوبين اللّذين باعهما بثمن إلى أجل ثمّ اشتراهما بثوب وخمسة دراهم, لأنّ الثّوب الباقي في يد المشتري الّذي لم يرتجع من يديه، يمضي البيع فيه بحصّة من العشرة الّتي بيع بها هو وصاحبه، ويبقى ما زاد على ما يختص به ثمنًا للثّوب الّذي باعه ثمّ ارتجعه وفات في يديه ووجب فسخ العقد فيه، فيسقط عن مشتريه الأوّل، لكنّه فات في يد من باعه منه بيعًا فاسدًا.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا باع منه ثوبًا بعشرة دنانير إلى شهر ثمّ اشتراه وثوبًا آخر معه بدنانير، فإنّه لا يخلو أن تكون هذه الدّنانير الّتي اشترى بها هذين الثّوبين، الأول والثّاني، مثلَ الثّمن الأول أو أقلّ أو أكثر. ثمّ
стр. 1554
لا تخلو هذه الأقسام من أن تكون وقع العقد بها إلى ما قبل الأجل الأوّل أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد من الأجل.
فإن كان العقد بها إلى قبل الأجل الأوّل، فإنّه يمنع جميعها. لكن طريقة المنع تختلف. فإن كان هذا العقد الثّاني مثل الثّمن الأوّل، فأقلّ منه، فإنّ علّة المنع ما تصوّر في هذا من سلف بزيادة. فإن كان الشّراء بعشرة وكذا كان البيع الأوّل، فإنّ الثّوب المبيع أوّلًا المرتجع آخرًا كأنّه لم يبع. وإنّما استقر الملك للمشتري على الثّوب الثّاني لما أعطاه عشرة نقدًا يأخذها بعد شهر. فيكون ذلك منه سلفًا والمنفعة في هذا السلف الثّوب الّذي أخذه لمّا أسلف العشرة المنقودة.
وكذلك إذا اشتراهما بخمسة، فإنّه أسلف خمسة ليأخذ إذا حلّ الأجل عشرة، فتكون المنفعة في السلف الثّوب والخمسة الّتي يأخذها عند الأجل. فإذا اشتراه بخمسة عشر، كان الزّائد على العشرة ثمنًا للثّوب الّذي أخذه آخرًا والعشرة المقارنة له سلف منه يأخذها إذا حلّ الأجل.
وأمّا إن كان هذا العقد الثّاني بثمن يحلّ عند حلول الأجل الأوّل، فإنّ ذلك جائز سواء كان بمثل الثّمن أو أكثر أو أقل لأنّ المقاصّة تجب لاتّحاد الأجلين، فلا يكون أحدهما دفع لصاحبه ما يكون سلفًا عنده. وأمّا إن كان هذا العقد الثّاني بثمن إلى أبعد من الأجل، فإنّه يمنع إذا كان بأكثر من الثّمن، ويجوز إذا كان بمثل الثّمن أو أقلّ منه لأنّ المشتري الأوّل يعود ها هنا هو المسلف لمّا كان هو الّذي يخرج ذهبه أوّلًا لمّا حل الأجل. فإذا أخرج عشرة لمّا حلّ الأجل وأخذ بعد شهر آخر عشرة، وقد كان دفع ثوبًا فيما قبل، صار السلف وخسر الثّوب الّذي كان دفعه. وإن اشترى بأقلّ من عشرة، فقد خسر أيضًا الثّوب وما انتقص من العشرة. وإن كان اشتراه بأكثر من عشرة، فإنّه يكون سلفًا بزيادة لكونه يدفع عند الأجل عشرة ويأخذ بعد شهر آخر خمسة عشر، وقد كان أخذ قبل ذلك ثوبًا، وهذا سلف بزيادة فوجب أن يمنع.
стр. 1555
فصل آخر
هذا الفصل يشتمل على بيان ما يحيى من الذّريعة في بياعات الآجال إذا تصوّر فيها التّعامل على دين بدين. وذلك مثل أن يبيع رجل من رجل ثوبًا بعشرة دنانير إلى شهر، ثمّ يشتري منه ذلك الثّوب بسلعة مضمونة عليه إلى شهر أو أكثر منه. فإنّ هذا يمنع لأنّه يتصوّر فيه الدّين بالدّين. وذلك أنّ الثّوب الّذي باعه ثمّ ارتجعه، قد قدّمنا مرارًا أنّه يعدّ أنه ملغى كأنّه لم يقع فيه بيع. وإذا عددناه كذلك، فقد حصل من أمرهما أنّ ذمّة المشتري عمرت بعشرة دنانير إلى أجل وعوّضها السلعة المضمونة إلى أجل الآخر.
فيكون ذلك سَلَمًا شرط فيه تأخير رأس المال إلى أجل بعيد. وذلك أنّ السلعة المضمونة في الذّمّة إلى أجل مثل آجال السلم صار ثمنها العشرة دنانير المؤجّلة شهرًا. فمنع ذلك لكونه ديْنًا بديْن. ولو كان الثّوب لمّا بيع بالعشرة دنانير كان أجلها يومين أو ثلاثة، جاز شراء الثّوب المبيع أوّلًا بسلعة مضمونة إلى أجل, لأنّ ثمنها وهو العشرة دنانير إنّما يتأخّرون به يومين أو ثلاثة، وتأخير رأس مال السلم هذا المقدار غير ممنوع كما قدّمناه في كتاب السلم. لكن لو اشترى هذا الثّوب الّذي باعه أوّلًا بعشرة دنانير إلى أجل بثوبين أو ثلاثة من جنسه مضمونة إلى أجل، فإنّ هذا ممّا تردّد فيه الشيخ أبو إسحاق، هل يجوز إذا كان أجل الدّنانير يحلّ بعد يومين أو ثلاثة لكون الثّياب المضمونة صارت سلفًا تأخّر رأس ماله وهو العشرة دنانير اليومين والثّلاثة، أو يمنع ذلك أخذا في هذا العقد بظاهر مقتضى العقد الثّاني، ومقتضاه أنّه اشترى ثوبًا بثوبين من جنسه إلى أجل، وسلَم ثوبٍ في ثوبين من جنسه لا يجوز بمقتضى بياعات الآجال. وكون الثّوب المبيع المرتجع كأنّه لم يبع يقتضي الجواز بشرط أن يكون رأس المال لا يتأخّر أجلًا بعيدًا. أو يعرض في هذه
стр. 1556
المسئلة عن حكم بياعات الآجال لمَّا تصوّر في السلعة الثّانية صورة توجب حماية الذّريعة الممنوع منها وهي سَلَمُ الشيء في مثله. وقد قدّمنا الكلام على ما يضارع هذا الّذي نحن فيه لمّا ذكرنا حكم من باع سلعة بثياب مضمونة في الذّمّة إلى أجل، ثمّ اشترى تلك السلعة بثياب من جنسها بعدها. وذكرنا تفصيل القول في ذلك وبناء المسئلة على ما وقع من الاضطراب في علّة منع سلم الشّيء في مثله. وبيّنا ذلك هناك بيانًا شافيًا يغني عن إعادته ها هنا.
стр. 1557
فصل يشتمل على شراء أمثال المبيع في بياعات الآجال
قد وضح ما ذكرناه من أحكام ارتجاع المبيع بعينه في بياعات الآجال إذا خيف منه أن يوقع في أحد المحرّمات الّتي عددناها وذكرنا ما يتعلّق بها من الفروع. فإن اشترى البائع غير الّذي باع، فلا يخلو أن يكون الّذي اشتراه جنسًا آخر غير الّذي باعه أو يكون مشبِهًا له. فإن كان جنسًا آخر فلا خفاء أنّه لا تحمى فيه الذّريعة، ولا يتعلّق البيع الثّاني بالأوّل لاختلاف الأغراض في الجنسين المتباينين. وإن كان مشبِهًا بالبيع (١) الأوّل، فلا يخلو أن يكون ممّا لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، كالمكيل والموزون، أو يعرف بعينه مثل أن يبيع رجل من آخر مائة قفيز قمحًا، ثمّ يشتري بعد ذلك منه قمحًا آخر، فإنّه يتصوّر في ذلك صور كثيرة بحسب ما قدّمناه في مسئلة أوّل هذا الكتاب. فيتصوّر أن يشتري منه هذا القمح بمثل الثّمن الّذي باع منه القمح الأوّل أو بأكثر من الثّمن أو بأقلّ منه.
ويمكن في هذه الثّلاثة أقسام أيضًا أن يكون هذا الشراء بثمن يؤخّر إلى ما قبل الأجل أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد من الأجل. فإن وقع البيع على هذه الأقسام الّتي أشرنا إلى تعدادها على الجملة، فإنّ جميع ذلك جائز سوى وجهين، أحدهما أن يكون القمح المشترى الآخر أكثر من قيل القمح المبيع أوّلًا. فإن كان أكثر في المكيلة فإنّه يمنع على الإطلاق سواء كان الثّمن مساويًا للأوّل أو أكثر منه أو أقلّ. فإنّه إذا كان مساويًا للثّمن الأول حصل من أمرهما أنّ البائع خرج من يده مائة قفيز قمحًا ورجع إليه أكثر منها، فكأنّه أسلف قمحًا
стр. 1558
ليأخذ أكثر منه. وإن كان الثّمن أكثر من الأوّل، تصوّر فيه البيع والسلف. لأنّه خرج من يده مائة قفيز قمحًا وارتجع مائة قفيز وخمسين ودفع خمسين دينارًا وهي ثمن الخمسين قفيزًا الزّائدة على المائة الّتي كان باعها. وإن كان الثّمن أقلّ من الثّمن الأوّل يتصوّر فيه الزيادة في السلف من ناحيتين من ناحية زيادة قيل الثّاني على الأوّل وأنّه يدفع خمسين دينارًا نقدًا ويأخذ مائة عند حلول الأجل.
ولو كان شراء القمح الثّاني بثمن إلى أبعد من الأجل لأجريت في هذا ما صوّرناه.
لكن يكون المسلف ها هنا دافع الدنانير لمّا حلّ الأجل، فينظر ما يعود إليه عند الأجل الثّاني، هل تتصوّر فيه زيادة فيكون سلفًا بزيادة فيمنع، أم لا؟ وهذا اقتصرنا فيه على التّنبيه لأنّ ما تقدّم من المسائل الكثيرة الّتي مثّلنا بها تلك الأنواع المتقدّمة توضح وجوه العلل المختلفة في هذا الباب.
وكذلك يمنع أن يشتري القمح الثّاني بأقلّ من الثّمن الأوّل على الإطلاق، لأنّ الثّمن الأوّل إذا أنقد عند المعاملة الثّانية ثمّ أخذ أكثر منه عند الأجل الأوّل، صار مسلفًا دنانير ليأخذ أكثر منها. ويجري أيضًا في التمثيل لو كان ثمن الثّاني إلى أبعد من الأجل على ما قدّمناه. لكن من (١) اعتبر دفع قليل ليؤخذ عنه ما هو أكثر منه. فتلخّص من هذا أنّ جملة ما يمنع وجهان:
١ - أن يكون القمح الثّاني أكثر من القمح الأوّل،
٢ - أو يكون ثمن الثّاني أقلّ من الثّمن الأوّل. هذا مع اختلاف الأجلين حتّى تحصل التّهمة في دفع قمح سلفًا ليؤخذ أكثر منه، أو دنانير سلفًا ليؤخذ أكثر منها. وأمّا لو كان البيع الثّاني إلى الأجل الأول حتّى يتقاصّا بالأثمان ولا يدفع أحدهما لصاحبه شيئًا، لم نراع اختلاف مقدار الثّمنين, لأنّه إذا لم يدفع أحدهما إلى الآخر شيئًا لم تتصوّر التّهمة على سلف قليل ليأخذ كثيرًا. وإذا اتّفق الأجل لم يراع اختلاف الثّمن إلَاّ فيما صوّرناه في زيادة المكيلة وكون الزّيادة سلفًا. وقد تصوّر من هذا أنّ الشّراء بمثل المكيلة فأقلّ بمثل الثّمن فأكثر، لا تهمة فيه على ما اقتضاه التّفصيل والتّعليل المتقدّم في اعتبار ما ينقد في المعاملة الثّانية أو لا ينقد. وكذلك نعلم من هذا التّصوير
стр. 1559
والتّعليل المتقدّم ذكرهما منع شراء قمح أو أقلّ من القمح الأوّل بثمن هو أقلّ من الثّمن الأوّل, لأنّ البائع إذا باع مائة قفيز بمائة دينار إلى أجل ثمّ اشترى ثمانين قفيزًا بثمانين دينارًا، فإنّ العشرين الزّائدة على الثّمانين قفيزًا مبيعة بالعشرين دينارًا الّتي يأخذها البائع الأوّل إذا حلّ الأجل. وقد أسلف ثمانين دينارًا ليأخذها عند الأجل، وتقدّر أيضًا الثّمانون قفيزًا قمحًا كسلف ارتجعه.
وأنت إذا اتّبعت ما أصّلناه أوّلًا مع اعتبار ما خرج من يده وما يعود إليها، وقابلت أحدهما بالآخر، علمت فروع هذا الفصل كلّها لكن وقع اضطراب في قسم واحد يتعلّق بهذا الفصل، وهو أن يشتري القمح الثّاني بمثل الثّمن الأوّل، ولكن القمح الثَّاني أقلّ في المكيلة، فإنّ هذا وقع فيه الاضطراب بين المتأخّرين فيما يضاف إلى المذهب في هذه المسئلة. فأشار بعضهم إلى أنّ ظاهر كتاب بيوع الآجال من المدوّنة يقتضي المنع منه. وذلك أنّه ذكر في المدوّنة في هذا السؤال أنّه لا بأس أن يشتري بمثل الثّمن فأكثر إذا كان مثل المكيلة الّتي باع أوّلًا. وتقييد هذا الجواب يقتضي دليل الخطاب أنّه إذا باع بمثل الثّمن ما هو أقلّ من المكيلة، فإنّه لا يجوز لاشتراطه أن يكون القمح الثّاني مثل المكيلة، ودافع عن هذا كثير من الأشياخ ورأوا أنّه لم يرد بهذا التّقييد إثبات دليل لهذا الخطاب.
فقيل لهم: إن دافعتم عن هذا كون هذا الخطاب لم يرد به أنّ المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، فإنّ في المدوّنة في كتاب السلم منع من باع طعامًا أن يقتضي من ثمنه مكيلة هي أقلّ من المكيلة الّتي باع أوّلًا، مثل أن يبيع مائة قفيز قمحًا بمائة دينار إلى شهر، فإذا حلّ الأجل أخذ عوض الثّمن خمسين قفيزًا ثمنًا للمائة قفيز المبيعة أوّلًا. وبيع القمح بالقمح متفاضلًا نسيئة لا يجوز. وقد تصوّر هذا في هذه المسئلة، فانفصلوا عن هذا بأنّ من اقتضى من ثمن طعام باعه طعامًا، فإنّه يجري مجرى الإقالة. وقد أخلى الذْمّة من الثّمن بهذه المعاملة الثّانية وسقط بها الثّمن الأوّل. فلمّا سقط من الذّمّة وجرى ذلك مجرى الإقالة الّتي هي حلّ العقد، صار ثمن المائة قفيز المبيعة أوّلًا خمسين قفيزأوهي الّتي أخذت أخيرًا.
والمسئلة الّتي نحن في بيانها لم تُحَلَّ البيعة
стр. 1560
الأولى، وشراء البائع الأوّل خمسين قفيزًا من الّذي اشترى منه القمح الأوّل لا يسقط الثّمن الأوّل عن ذمّته، ولا يحل العقدَ الأوّل بل تبقى ذمّة المشتري عامرة متبوعة بالمائة دينار الّتي تعاقدا عليها أوّلًا. ولا يصحّ كون الخمسين قفيزًا ثمنًا للمائة قفيز ها هنا مع كون ثمن المائة قفيز باقية في الذّمّة لم يسقط عنها، فيكون لها ثمنان: المائة دينار والخمسون قفيزًا، والّذي اقتضى الخمسين قفيزًا من ثمن الطّعام الأوّل قد أسقط الثّمن الأوّل، فصحّ تقدير كون هذه الخمسين قفيزًا ثمنًا للمائة قفيز الّتي بيعت أوّلًا.
فإذا وضح حكم بيع الإنسان طعامًا ثمّ يشتري مِمّن اشتراه منه طعامًا يمكن أن يكون هذا الطّعامَ بعينه، فلنتكلّم على ما يعلم أنّه ليس هو عين المبيع الأوّل، مثل أن يبيع منه ثيابًا ويشتري منه أمثالها، فإنّ في هذا قولين أجازه في المدوّنة ومنعه سحنون وابن الموّاز. وكأن هذه المسئلة واسطة بين طرفين أحدهما أن يشتري جنسًا آخر غير المبيع الأوّل ممّا تَبَاعدُ فيه الأغراض، فإنّ هذا واضح كون البيعة الثّانية لا تعلّق لها بالبيعة الأولى، لاتّضاح اختلاف الأغراض وتباين المقاصد، فتحمل البيعة الثّانية على أنّ سببها اختلاف الغرض ما بين البيعة الأولى والثّانية لا على التحيّل على ما لا يحلّ من أمثال ما قدّمناه، فلا يمنع.
وإذا كان المبيع ثانيًا هو بعينه المبيع الأوّل، أو شكّ هل هو الأوّل أو غيره؟ منع ذلك رجاء عذر ارتجاع نفس المبيع مع تقارب الأغراض، فحسنت ها هنا حماية الذريعة، وكون السبب في المعاملة الثّانية التحيّل على ما لا يجوز. فهذان طريقان واضحان على أصل المذهب. فإذا باع ثيابًا ثمّ اشترى مثلها، فإنّه يعلم أنّ البيع الثّاني ليس هو الأوّل فيجري مجرى شراء جنس آخر، فيجوز. ومن حيث كون المنافع والأغراض متقاربة يحسن أن يجري هذا الثّاني مجرى ارتجاع الأوّل بعينه. فلأجل هذا وقع الخلاف في هذا. وقد علّل في المدوّنة بأن الثيّاب من استهلكها يغرم قيمتها. ومن استهلك الطّعام غرم مثله، ليشير إلى ما قدّمناه من أنّ غرامة القيمة تشعر يكون الشّيء بعينه كأنّه جنس آخر،
стр. 1561
فلهذا لم يقض بمثله. وقد ناقض ابن الموّاز ابن القاسم في مذهبه في الثّياب بأن قال: إنّه يمنع من أسلم ثيابًا في حيوان أن يقبل (١) المسلم إليه على ثياب أكثر منها عددًا. ويرى ذلك سلفًا بزيادة، فأجراه ها هنا مجرى العين والطّعام على التّهمة على سلف بزيادة فينبغي أن يجري مجرى الطّعام أيضًا في منع شراء أكثر من الثّياب. وانفصل عن هذا الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد بأنّ هذا المقيل من هذا السلم لما أقال منه انحل العقد بالإقالة وبطل ما في الذّمّة مِمّا هو ثمن الثياب، فإذا بطل ما في الذّمّة حصل من الأمر أنّه أخرج من يده ثيابًا وأعاد إليه مثلها بزيادة، فحسن ها هنا أن يتّهما على سلف بزيادة لمّا صارت الثّياب المزيد في عددها هي عوض الثّياب الّتي أسلمت في الحيوان، وثمن الثّياب الّتي أسلمت قد بطل بالإقالة. وأمّا إذا باع ثيابًا ثمّ اشترى أكثر منها مِمّن باع الثّياب أوّلًا منه، فإنّ البيع الأوّل لم يبطل، وثمن الثيّاب الأولى باق في ذمّة مشتريها على حسب ما كان عليه، والثياب الثانية قد اشتراها بثمن آخر بعده، وحين شرائها لم يبطل الثمن الأوّل، فتعدّ الثياب الثّانية ثمنًا للثّياب الأولى لما بطل ثمن الأولى. وها هنا ثمن الأولى باق على ما هو عليه. وهذه الثياب مع ما زيد عليها قد أخذ ثمنها، فلا يصحّ أن يجعل ما انتقد ثمنًا لها، ويكون مع هذا ثمنًا أيضًا للثّياب الأوّل، فيكون لها ثمنان اثنان، وهذا واضح. وقد كنّا قدّمنا هذا الفرق عن بعض الأشياخ المتقدّمين لنا، قيل لهم: يلزم ابن القاسم أن يمنع بائع الطّعام أن يشتري أقلّ من المكيل بمثل الثّمن، كما مَنَع أن يقتضي من ثمن الطّعام طعامًا أقلّ منه.
وذكرنا عنه ما دفعوا به هذه المعارضة والإلزام، وهو مثل هذا الّذي سبقهم إليه الشيخ أبو محمّد ابن أبي زيد ﵀ على ما نبّهناك عليه من سبب الخلاف في شراء ثياب أمثال الثّياب المبيعة أوْ لَا يجرى حكم من باع قمحًا سمراء ثمّ اشترى قمحًا محمولة، هل يجوز ذلك لمّا علم أنّ القمح الثّاني ليس هو عين الأوّل أو أن يمنع؟ وإن كان الّذي اشتراه محمولة أو شعرًا، يكون ما اشترى وما
стр. 1562
باع بعدُ نوعًا واحدًا لتقارب الأغراض فيه، ولو اشترى مثل القمح الأوّل قبل أن يغيب مشتري القمح عليه، فإنّ بعض الأشياخ أجاز ذلك لما تيقّنا أنّ القمح المشترى ليس هو عين الأوّل، بخلاف شراء ما شكّ فيه لأجل الغيبة، هل هو الأوّل أم غيره؟ وتردّد فيه الشيخ أبو إسحاق لمّا كان ما اشتراه سمراء والّذي باعه سمراء. فكأنّه ارتجع طعامه بعينه. وهو إذا ارتجعه بعينه، تطرّقت إليه التّهمة.
والّذي نبّهناك عليه من التّعليل للخلاف يشير إلى حكم هذا الوجه وسبب تردّد الشيخ أبي إسحاق فيه.
стр. 1563
فصل في بياعات الآجال من جهة الوكالة
اعلم أنّا قرّرنا الوجوه المحرّمة وذكرنا منع البيعة الثّانية إذا تطرّقت من أجلها التّهمة إلى العقد الأوّل. وهذا إذا باع سلعة هي له ثمّ اشتراها لنفسه، فإن أراد أن يشتريها لغيره، فهل يجري ذلك مجرى شرائها لنفسه أم لا؟ ذكر في المدوّنة أنّه لا ينبغي لمن باع ثوبًا بمائة دينار إلى أجل أن يشتري الثّوب لمن ولاّه على شرائه أو لابنه الصغير بثمن أقلّ من الّذي باع به البيعة لنفسه (١). كما لا يجوز له شراؤها بذلك لنفسه. وكذلك لو وكّله مشتريها منه على بيعها، فذكر أنّه باعها بأقلّ من الثّمن الأول. وهذا مبالغة في حماية الذّريعة وهو كتهمة مبنيّة على تهمة, لأنّ المحرّمات قد عددناها والوقوع فيها من عدد وسائط لا شك في منعها. وإذا خيف أن يوقَع فيها بوسائط حميت تلك الوسائط على حسب ما تقدّم بيانه. فإذا اشترى ما باعه بمائة دينار إلى شهر بخمسين دينارًا نقدًا، اتّهم على التحيّل على سلف بزيادة. وإذا زعم أنّه اشتراه شراء وكالة، اتّهم أيضًا على أنّه لم يصدق في زعمه أنّه وكيل، وإنّما تحيّل، بإظهاره الوكالة، على الشّراء لنفسه. ولكن هذا وإن وقع لم يفسخ بخلاف شرائه لنفسه, لأنّ شراءه لنفسه تهمة مبنيّة على محرّم، وهذه تهمة مبنيّة على تهمة بنيت التّهمة الأولى على محرّم، فضعفت مرتبة (٢) الأخيرة، فلم تبلغ إلى فسخ العقد لأجلها. وكذلك أيضًا لو اشترى سلعة باعها عبده بثمن إلى أجل، أو اشترى عبده سِلعة باعها
стр. 1564
سيّده بثمن إلى أجل، فإنّ العبد إن كان يتّجر بمال سيّده فحكم شرائه أو شراء ما باعه سيّده حكم ما باعه سيده ثمّ اشتراه لنفسه لمّا كان ما في يديه مال لسيّده، وهو كالوكيل عليه. وأمّا إن كان ما في يد العبد لنفسه فأجازه في المدوّنة ولم يجزه أشهب. فكأنّ أشهب رأى أنّ قدرة السيّد على انتزاع ما في يد عبده يصير ما في يد العبد كأنّه من جملة مال السيّد الّذي في يديه، وكأنّه هو البائع والمشتري. ورأى ابن القاسم أنّ قدرته على أن ينتزع وعلى أن يردّ هذا المال إلى ملكه، لا يصيّر المال ملكًا له قبل الانتزاع، لا سيما على أصلنا في قولنا: إنّ العبد مالك، ولهذا أبيح له التسرّي في ماله.
وكذلك ما باعه العامل لمال القراض فيه اختلاف: هل يجوز لربّ المال أن يشتري ما باعه العامل بثمن إلى أجل بثمن أقلّ منه؟ فمن لم يجز ذلك رأى أنّ المال لمّا كان باقيًا على ملكه، فكأنّه باع لنفسه واشترى لنفسه. ومن أجاز ذلك رأى أنّه ممنوع من هذا المال لحقّ العامل فيه، فلا يمكن (١) انتزاعه من يديه إلاّ إذا استوفى العامل عمله فيه.
وإذا وضح أن هذا كلّه مبنيّ على تهم بنيت على تهم، وذكرنا ما يمنع منه وما يجب فسخه، فإنّ بعض أشياخي رأى أنّ شراء الأب ما باعه من هذا لابنه الصغير بثمن أقلّ مِمّا باع به لا يمضي لقوّة التّهمة في ذلك، بخلاف شرائه لأجنبيّ وَكَّله. كما رأى أشهب أنّ بيعه بوكالة من اشترى منه بثمن إلى أجل فأتاه بأقلّ منه لا يمضي إذا وكّله مشتري السلعة منه على بيعها قبل قبضها، ورأى أنّ هذه الوكالة قبل مصير السلعة إلى يد مشتريها الّذي وكّل بائعها على بيعها تهمة قويّة في التحيّل على سلف بزيادة.
ومِمّا ينخرط في هذا السلك من أتى رجلًا فسأله: هل عنده سلعة، سمّاها له، يبيعها منه بثمن إلى أجل، فلم يجدها عنده؟ فلمّا مضى عنه اشتراها المسؤول عنها، ثمّ باعها من السّائل، فإن ذلك غير ممنوع إذا افترقا على غير
стр. 1565
موعد بأن تباع من السائل. فإن افترقا على موعد، فإنّ ذلك مكروه، ولكنَّه مع كراهته لا يفسخ فيه البيع لأجل مجرّد الوعد على الشّراء. وكذلك إن أضاف إلى الوعد بأن يشتريها منه الواعد (١) بأنّه يربحه فيها إذا اشتراها، فإنّ ذلك أيضًا وإن كره لا يوجب فسخ العقد. لكن إن افترقا على تسمية الرّبح وإيجابه، فإنّ المذهب ظاهره على قولين في هذا. وذكر (٢) مالك وابن القاسم في المستخرجة فيمن قال لرجل: اشتر سلعة كذا بعشرة دنانير، وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل سماه، أنَّ ذلك ماض على ما التزماه. وذكر ابن حبيب في هذا أنّه لا يجوز لأنّه من بيع ما ليس عندك، ولكنّه عبّر عن هذا بأن قال له: اشترها بعشرة نقدًا لنفسك وهي لي باثني عشر إلى أجل، أنّ ذلك بيع ما ليس عندك. وذكر فيها اختلافًا عن ابن القاسم. وإذا كان المراد بقوله: أنا أشتريها منك بربح الّذي سمّاه، هو المرادَ بقوله: وهو لي بكذا وكذا، كان الاختلاف واقعًا في العبارتين على حسب ما ذكرناه. ولو قال له: اشترها لي بعشرة تنقدها عنّي وهي لي باثني عشر إلى شهر، لكان فاسدًا لأنّه كوكيل على الشّراء شرط عليه أن يسلفه بربح.
لكن لو قال له: اشترها بعشرة نقدأوهي لي باثني عشر نقدًا، فإنّ ذلك أجازه في المدوّنة وقدّر أنّ الدّرهمين جُعْل على "تولّيهِ الشّراء" (٣). ولو قال له في هذا: وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى شهر، للزمت للآمر العشرة، وجُعل المِثلِ لَمَّا تصوّر ها هنا في تأخير الرّبح كونه عوضًا عن السلف.
стр. 1566
فصل في المعاوضة عن بعض العوض المؤجّل مع اشتراط تعجيل بعضه وتأخيره
اعلم أنّ مسئلة وقعت في المدوّنة بفرس بيع بعرض مؤجّل، ووقع بعدها مسئلة لربيعة مثّل بحمار بيع، فجرى على الألسنة في تعريفها ببرذون ابن القاسم وحمار ربيعة. فأمّا مسئلة البرذون، فإنّ صورتها أنّ رجلًا أسلم برذونًا في عشرة ثياب إلى أجل، ثمّ استرجع الفرس أو سلعةً غيرَه عوضًا عن خمسة ثياب على أن عجّلت له الخمسة ثياب الأخرى. فذكر في المدوّنة أنّ ذلك لا يجوز. واعتلّ بثلاث علل هي: البيع (١) والسلف، والوضيعة على تعجيل، والزّيادة لأجل حطّ الضّمان. ولكنّه قال: وتدخله المعاوضة على حطّ الضّمان دخولًا ضعيفًا.
وينبغي أن تعدّ المعاوضة بالفرس أو غيره من السلع على الخمسة ثياب، لا يخلو أن تُقَرَّ (٢) الخمسة الأخرى على أجلها أو يشترط تأخيرها عن أجلها أو يشترط تعجيلها قبل أجلها.
فأمّا إن اشترط مع هذه المعاوضة على (٣) هذه الخمسة إقرار الخمسة على أجلها، فإنه لا يمنع من ذلك لفقد هذه العلل الّتي علّل بها من بيع وسلف, لأنّ الخمسة إذا أقرّت على أجلها لم يتصوّر فيها سلف، وكأنّ الخمسة الأخرى بيعت على إفْرادها (٤) بما يجوز أن يكونْ ثمنًا لها، وهو الفرس أو غيره من
стр. 1567
السلع، فلم يمنع ذلك، كما لو باع جملة الثّياب كلّها بالفرس أو غيره من السلع الّتي يجوز أن تؤخذ عن هذه الثّياب، كما تقدّم بيانه في كتاب السلم. وأمّا إن أخّر الخمسة ثياب الّتي لم يعاوض منها إلى أجل أبعد من أجلها، فإنّ ذلك ممنوع, لأنّ التأخير للخمسة ثياب بعد حلولها سلف من مؤخِّرها. ومن له دين وأخّره، فإنّ تأخيره سلف وكابتداء تعمير ذمّة بدين هي خالية منه. فإذا تحقّق في التأخير السلف وقارن ذلك المعاوضةَ عن الخمسة الأخرى تصوّر فيه البيع مع السلف، فوجب المنع. وأمّا إن اشترط تعجيل الخمسة ثياب، فإنّ في المدوّنة لابن القاسم المنع منه، وهو المشهور من أصل مذهب مالك وأصحابه. وذكر ابن المواز عن ابن القاسم الجواز، فقال فيمن أسلم ذهبا في عبدين، ثمّ أخذ عبدًا مثل أحد العبدين المسلم فيهما وعرضا معه: إنّ ذلك جائز. مع كون أحد العبدين لما عُجِّل وعوِّض عن العبد الآخر بالعرض المدفوع مع العبد تصوّر فيه البيع والسلف.
وسبب الاختلاف في هذا دون ما تقدّم من القسمين الأخيرين أنّ الذّمّة مشغولة بالعشرة ثياب، ولكن لا يستحقّ قبضها إلَاّ عند حلول الأجل. فمن رأى أنّ ما في الذّمم من الدّيون الآجلة كالدّيّون الحالة (١) لم يقدّر ها هنا سلفًا عجّله من عليه الثّياب لمن أسلم إليه على جهة السلف منه له ليقبضه من نفسه إذا حلّ الأجل، واستحقّ من عجل له الثيّاب قبض الخمسة لمّا حلّ الأجل. ومن رأى أنّ الدّين المؤجّل لا يقدر أنّه كالحال، فإنّ التّعجيل سلف يؤخذ قضاؤه إذا حلّ الأجل، ويسقط عن ذمّة المسلم إليه إذا حلّ الأجل، أنّه كوكيلٍ أجنبيًّ وكّله المتسلّف للخمسة ثياب على قبضها ودفعها عنه لمن له عليه مثلها.
وقد اعتمد حذّاق الأشياخ على صحّة التّعليل بتقدير البيع والسلف كما صوّرناهُ لَكَ (٢). واستضعف ذلك بعض أشياخي ومال إلى ما في كتاب ابن الموّاز، فلم يقدر ذلك سلفًا كما قدّره في المدوّنة، إذ لو قدّر سلفًا لوجب أن لا
стр. 1568
يكون المسلم إليه أحقّ بالثيّاب الّتي بقيت عليه من غرماء المسلم (١)، لكون ما في ذمّته كأنَّه باق على من عجّلت له الثيّاب حتّى يحلّ الأجل، فيقضي ذلك عنه. وهذا الّذي اعتلّ به بعض أشياخي غير لازم, لأنّه لمّا عجّل هذه الثياب على جهة السلف الحال بها على نفسه واستحقّ بها ما في ذمّته، وهو حائز لما في ذمّته، فكان أحقّ بذلك من الغرماء، كما يكون أحد الغرماء أحقّ بما أحيل عليه أو قبضه رهنًا. وهذا التّعليل بوضعٍ (٢) لأجل التّعجيل أو زيادة لأجل إسقاط الضّمان. فإنّ الشّيخ أبا إسحاق استضعف هذا وقدح فيه بأنّ المعاوضة بالفرس أو سلعة غير الفرس عن جملة العشرة ثياب لو وقعت قبل الأجل، لم يمنع ولم يعتبر أحد من أهل المذهب كون السلعة أو الفرس دون قيمة العشرة ثياب أو أكثر من قيمتها، فكذلك لا تعتبر القيمة في المعاوضة عن الخمسة ثياب، إذ لا فرق بين المعاوضة، عن كلّ الدّين أو عن بعضه. واستشهد على هذا بأنّ مالكًا رضي الله تعالى عنه لمّا سئل عمّن له ثياب، فأراد أن يضع من عددها بشرط تعجيل البقيّة. قال: أنا أدلّك على ما هو خير، خذ بها عرضًا. فأشار ها هنا إلى أنّ أخذ العرض عن جملة الدّين لا يمنع وإن قصد به المسامحة لأجل التّعجيل. وهذه الرّواية الّتي اعتمد عليها الشّيخ أبو الحسن (٣). وقد وقع لمالك أيضًا مثلها، فقال فيمن له عشرة دنانير مؤجّلة فأراد الاستعجال بحطيطة منها فعدلَا عن ذلك، لمّا لم يجز، إلى أخذ عرض أنّه لا بأس به؛ لأنّهما أخطئا في القول وأصابا في الفعل. وأنكر بعض الأشياخ هذا الّذي أشار إليه أبو إسحاق لأجل أنّ الدّين كلّه قد بيع جميعه بعرض، ولم يتعجّل بشيء من جنس الدّين فتتصوّر فيه مسامحة لأجل التّعجيل أو زيادة لأجل سقوط الضّمان، وها هنا قد عجّل بعض الدّين (ولم يكن تعجيله لأنّ ما قارن ذلك معاوضة، صحّ
стр. 1569
اعتبار قيمة المعاوضة لأجل ما قارنها من تعجيل بعض الدّين) (١) حسًا ومشاهدة. فإذا تقرّر ما يمنع من هذا وما لا يمنع بخلاف فيه أو اتّفاق في الحكم أو التّعليل، فإنّه إن وقع هذا على وجه ممنوعٍ منه فإنّه يجب فسخه وإمضاء السلم على ما كان عليه في العقد الأوّل، فيردّ الفرس أو السلعة إلى دافع ذلك، وتردّ الثيّاب أيضًا إلى دافعها حتّى تنقض المعاملة الثّانية بجملتها. فإن فاتت الثّياب أو فات الفرس، ردّ قيمة ذلك. فإن قيل: فإنّ الثيّاب الخمسة إذا عجّلت كانت سلفًا فاسدًا، والسلف الصحيح إنّما يَرُدُّ مع ذوات عينه مثلَه، فهكذا ينبغي أن يكون الفاسدُ. قيل: لمّا وجب ردّ هذا السلف إذا كانت عينه قائمة، صار من أتلفه كأنّه أتلف (٢) ثوبًا هو على ملك غيره، فيكون على المتلِف ردّ مثله.
وسنبسط هذا إذا تكلّمنا على القرض الفاسد المذكور في كتاب بيوع الآجال.
والّذي مضى عليه أكثر الأشياخ أنّ القيمة تردّ إذا وقع الفوت بالغة ما بلغت وأنّ المعاملة الثّانية تفسخ على كلّ حال. لكن بعض أشياخي مال إلى أنّ (٣) من قبض هذه الخمسة ثياب على جهة السلف ليقبضها من نفسه مسلفها إذا حلّ الأجل، يخيّر بين ردّ هذه الخمسة ثياب ليصحّ البيع والمعاملة في الفرس، كما يصحّ البيع المشترط فيه السلف إذا سقط السلف، أو يمتنع من إسقاط حقّه في هذا السلف، وتفسخ المعاملة الثّانية على كلّ حال. ولم يتعرّض في القيمة إلى ما حيكناه عن غيره. وقد كنّا قدّمنا نحن الإشارة إلى العذر عن هذا في مسئلة من باع عبدين بمائة دينار إلى شهر ثمّ استردّ أحدهما ببعض الثّمن نقدًا.
وإذ لم يُشْعَر بما فعلاه من الفساد حتّى حلّ الأجل، فإنّ الخمسة ثياب المقبوضة يُتَمسك بها ويطلب الخمسة الباقية في الذّمّة إذ لا فائدة في إعادتها إلى دافعها وأخذها منه في الحال بحكم ما وجب عليه من قضاء ما عليه من سلم. لكن لو كان على المسلم غرماء، لم يستحقّ هذه الخمسة ثياب دونهم، لأجل كونه
стр. 1570
قابضًا لها, لأنّه قبضها قبضًا فاسدًا قضاء عن مَالَهُ في الذمّة من مثلها، وأنّ الواجب ردّها إذا لم يحلّ الأجل، فإذا حلّ وقد شاركه غرماء في الطلب، وجب أن يحاصّهم في ذلك، على ما سنبسط في كتاب التّفليس إن شاء الله تعالى.
وأمّا المسئلة المعروفة بحمار ربيعة، فإنّ صورتها مثل صورة الفرس الّتي فرغنا من الكلام عليها. وذلك أنَّه ذكر ربيعة فيمن باع حمارًا بعشرة دنانير إلى سنة ثمّ استقال المبتاع البائع على أنْ ردّ الحمار وزاده دينارًا، أنّ ذلك كلّه لا يجوز. وإذا تدبّرت ما قدّمناه من التّعليل في مسئلة الفرس وجدت البيع والسلف يتصوّر في مسئلة الحمار كما يتصوّر في مسئلة الفرس، لأنّ محصول مسئلة الفرس أنّه أسلم فرسًا في عشرة ثياب إلى أجل، وأخذ الفرس عوضًا عن بعض الثّياب المسلم فيها وعجّل له بقيّتها. وكذلك ها هنا أخذ الحمار عن بعض ثمنه وهي العشرة دنانير وعجّل له بقيّة العشرة، ولا فرق بين أن يكون ثمن الدّابة، فرسًا كان أو حمارًا، عرضًا أو عينًا، لأنّ المعجّل من هذين هو السلف، وما سقط من الذّمّة عوضًا عن الدّابّة المرتجعة هو البيع. ويتصوّر في هذا من التقّسيم الوفاقي والخلافي ما صوّرناه في مسئلة الفرس. فإنْ ردّ الحمار انتقض الثّمن وأبقى بقيّته إلى أجله، جاز ذلك. وإن أخّر بقيّة الثّمن إلى أبعد من أجله، كان بيعًا وسلفًا. وإن عجّل بعض الثّمن جرى على القولين المتقدّمين، هل يكون التّعجيل سلفًا قارنه بيع فيمتنع؟ أو لا يعدّ سلفًا لكون القصد براءة الذمة وفراغها، فيجوز على ما تقدّم بيانه؟ وكذلك يتصوّر في مسئلة الحمار ما يتصوّر في مسئلة الفرس من وضع بعض الحقّ على تعجيل بقيّته, لأن الحمار قد يكون يأخذه بائعه بأقلّ من قيمته، فيكون ما وضع من ثمنه عوضًا لما عجّل له من بقيّة الثّمن. وأمّا ما تقدّم في مسئلة الفرس من التّعليل الثّالث وهو الزّيادة على حطيطة الضّمان، فلا تتصوّر ها هنا لكون الثّمن في مسئلة الحمار دنانير، ومن عليه دنانير له أن يعجّلها قبل أجلها، وإن كره من استحقّها عليه، فإن كان له ذلك، فلا يحتاج إلى أن يرغب إلى مستحقّ الدّنانير في قبولها منه معجّلة، فيأبى عليه فيزيده شيئًا ليقبل التّعجيل منه، والثّياب لا يجبر مستحقّها على قبولها إذا
стр. 1571
عجّلت له قبل أجلها، فيتصوّر فيها أن يزيده شيئًا ليقبل منه الثّياب الّتي لم يكن يلزمه قبولها. فقد صارت مسئلة الحمار ومسئلة الفرس يجريان مجرى واحدًا في التّقسيم والتّعليل، سوى أنّهما يفترقان في تصوّر المعاوضة على حطّ الضّمان كما بيّناه. فإذا تقرّر هذا ووقعت هذه الإقالة، فإنّ ذلك يفسخ، ويردّ الحمار والدّينار الّذي أخذ معه إلى يد المشتري، وتبقى العشرة دنانير في ذمّة المشتري إلى أجلها. فإن فات الحمار، فاضطرب الأشياخ في الواجب فيه على طريقتين: هل يجري في ذلك من الخلاف ما جرى في بياعات الآجال إذا فاتت، على حسب ما كنّا ذكرنا من مذاهب أصحابنا في ذلك أم لا؟ فمنهم من صار إلى أنّ ذلك يجري مجرى بياعات الآجال. واختار بعضهم فسخ البيعتين جميعًا الأولى وهي بيعه بعشرة دنانير إلى سنَة، فيفسخ بأن يسقط عن الذّمّة الثّمن الّذي هو العشرة دنانير إلى سنة، وتفسخ الثّانية بأن يكون الحمار الّذي فات من يد بائعه أوّلًا مصيبته منه لمّا وجب ردّه عليه بفسخ البيعة الأولى، ويردّ ما أخذ من الذّهب لمّا ارتجع الحمار، وهي الرّواية المشهورة. أو يعتبر في هذا بفسخ (١) ما كنّا قدّمناه من كون قيمة السلعة إن كانت أقلّ مِمّا يأخذه البائع إذا حلّ الأجل فسخ البيعتان (٢) جميعًا لئلاّ يكونا قد مكّنا من دفع دنانير في أكثر منها. وإن كانت القيمة مثل ما يأخذ إذا حلّ الأجل أو أكثر منه، لم تفسخ البيعة الأولى، كما قدّمناه من مذهب ابن كنانة وسحنون.
ومنهم من أنكر إجراء هذه المسئلة على ما وقع من الخلاف في الآجال، وفرّق بين هذه وتلك بأنّ ما كنّا حكينا فيه الخلاف في بياعات الآجال إنّما يتصوّر الفساد إذا ربطنا البيعة الثّانية بالبيعة الأولى، وقرّرنا أن من باع ثوبًا بمائة دينار إلى أجل شهر ثمّ اشتراه بخمسين نقدًا، أنّ قصدهما كونُ الثّوب محلَّلًا، وأنّ المائة إنّما ثبتت في الذّمّة إلى شهر عوضًا عن الخمسين الّتي دفعت نقدًا،
стр. 1572
ولم تكن عوضًا عن المائة الّتي أظهر أنّها ثمن الثوب، فألغينا (١). ولا يتصوّر إلَاّ بربط البيعة الثّانية بالأولى، وتقدير كون البيعة الأولى كالواقعة بشرط وقوع الثّانية. ومسئلة الحمار بعكس هذا يتصوّر الفساد فيها في المعاملة الثّانية دون أن تربط إلى بيعة قبلها. وإن كانت العشرة دنانير سلفًا لا ثمن المبيع، يتصوّر فيها البيع والسلف إذا أخذ ببعضها سلعة وعجّل بعضها. وأيضًا فإنّه إنّما يتصوّر الفساد في مسئلة الحمار بشرط أن نقدّر البيعة الأولى صحيحة حتّى يكون الفساد من جهة تعجيل ثمن قد استقرّ في الذّمّة مؤجّلًا استقرارًا صحيحًا جائزًا. فشتّان ما بين ما يجب أن يربط بما قبله وبين ما يتصوّر فيه الفساد من غير ربط. وكون الفساد إنّما تصوّر مع تقديره في البيعة الأولى وبين ما لا يتصوّر الفساد فيه إلاّ بتقدير صحّة البيعة الأولى. فهي الطّريقة الّتي ذكرناها عن الأشياخ. وهؤلاء أصحاب هذه الطّريقة مختلفون أيضًا مع اتّفاقهم على منع إجراء هذه المسئلة على حكم بياعات الآجال. فمنهم من ذهب إلى أنّ الواجب في الحمار إذا فات ردّ قيمته بالغة ما بلغت، كالقيم في البيوع الفاسدة، وقصر الفسخ على المعاملة الثّانية. ومنهم من أجراها مجرى البيع والسلف، فاعتبر في القيمة الأثرين على الثّمن والسلف، أو ينقص عن الثّمن خاصة، أجرى هذه المسئلة على حكم البيع إذا اشترط فيه السلف.
وقد كنّا نحن قدّمنا اعتذار بعض أشياخي عن هذا بأنّ البيع والسلف ها هنا إنّما هو مقدّر لا مشترط، والمتعاقدان ينكران أن يكونا أراداه أو عقدا عليه، فيؤخذان في أحكام القيم بموجب ما يقولان: إنّا عقدنا عليه. (وذكر هذا الّذي إلى اعتبار الأقلّ والأكثر) (٢) في هذه القيمة أنّ الثّمن إذا كان عرضًا أو دينًا، لم يعتبر فيه، إذا قارنه السلف، الأقلُّ والأكثرُ. لكن لمّا كان الثّمن في مسئلة الحمار دنانير، ومن حق من عليه دنانير مؤجّلة أن يعجّلها قبل أجلها، فإن ذلك كالثّمن العين الحال. وذكر أيضًا أنّه إذا اعتبر ها هنا الأقل والأكثر، فإنّ الثّمن
стр. 1573
الّذي يُسنَد هذا الاعتبار هو العشرة دنانير كلّها لاعترافهما أنّها جملة الثّمن فيؤخذان باعترافهما, ولا يجعل الثّمن تسعة كما قرّرنا ذلك لما علّلنا البيع بمنع البيع والسلف، لأجل أنّا إنّما قرّرنا ثمن الحمار تسعة ليصحّ كون الدّينار سلفًا احتياطًا لحقّ الباري سبحانه. فهو من ناحية الاحتياط لحقّ الله سبحانه لكون الثّمن تسعة، ومن ناحية حقّهما في زيادة القيم أو نقصانها لكون الثّمن عشرة على حسب ما يقولان: إذا (١) تعاقدنا عليه.
وقد ذكر مالك تعليلًا آخر للمنع خارجًا عمّا كنّا قدّمناه. وذلك أنّه قال: هذا بيع ذهب وسلعة بسلعة وذهب نسيئة. وكأنّه رأى أنّ مشتري الحمار باعه ودينارًا معه بعشرة دنانير نسيئة، وهذا ممنوع. وهذه العلّة توجب اعتبار القيمة مطلقة من غير تقييد كالحكم في مسائل الرّبا. فإذا تقرّر هذا، فلنفرّع عليه أنواع ما يزيده المشتري والبائع. وقد ذكرنا حكم زيادة دينار في جملة الثّمن، وما قيل فيه من التّعليل.
فإن كانت الزّيادة الّتي زادها المشتري ورِقًا، فإنّ ذلك لا يجوز في المشهور من المذهب, لأنّ صرف ما في الذّمّة من دنانير مؤجّلة ممنوع, لأنّا نقدّر أنّ الدّنانير المبيعة بالدّراهم إذا لم يحلّ أجلها، فكأنّه إنّما عجّل دنانير ليست هي الّتي عليه، وإنّما عجّلها سلفًا ليقبضها من نفسه إذا حلّ الأجل، فالمصارفة على هذا إنّما وقعت عن دنانير لم يجب قبضها الآن، وإنّما تجب إلى أجل. وقد كنّا قدّمنا ذكر الخلاف في هذا، وأنّ من أجاز صرف ما في الذّمّة من الدّنانير المؤجّلة، فإنّه قدّر المؤجّل منها كالحالّ، وأنّ القصد بالتّعجيل براءةٌ لا السلف الّذي يقبض من نفسه إذا حلّ الأجل، وأشرنا ها هنا أيضًا في أحد تعاليل هذه المسئلة إلى هذه الطّريقة. لكن لو كان المعجّل ها هنا الدّرهم والدّرهمان، لاعتبر في ذلك خلاف آخر قدّمنا ذكره في كتاب الصرف، وهو بيع سلعة معها درهم أو درهمان بدينار إلى أجل. وأمّا إن زاد المشتري عرضًا، فإن ذلك
стр. 1574
سائغ، أيّ صنف كان العرض، ويقدّر أنّ بائع الحمار اشتراه بالدّين الّذي له على المشتري وهو العشرة دنانير، واشترى معه العرض الّذي زاده المشتري. هذا إذا كانت زيادة المشتري ينقدها، فأمّا إن كانت مؤجّلة، فإنّا قدّمنا زيادة دينار واحد مؤجّلأوأنّه يتصوّر فيه البيع والسلف.
وإن كانت الزّيادة المؤجّلة ورقًا أو عرضًا، لم يجز ذلك لكونه فسخ دين في دين لما يتصوّر فيه من أنّه أخذ الحمار ببعض العشرة دنانير وأخذ عن الباقي منها دراهم أو عرضًا مضمونًا إلى أجل، فيكون ذلك فسخًا لدين في دين. وينضاف إلى هذا في الورق صرف مستأخر، هذا حكم زيادة المشتري.
فأمّا زيادة البائع فتجوز على الإطلاق إلاّ وجهًا واحدًا، وهو أن يزيد البائع من صنف الحمار الّذي باعه زيادة مضمونة إلى أجل. لأنّه يقدّر أنّه ارتجع حماره بالعشرة دنانير الّتي له على المشتري وبما زاده من عوض (١) منقوب أو مؤجّل أو دنانير أو دراهم، وشراؤه حمارًا بدين له باعه منه وبزيادة دنانير أو دراهم أو عرض منقودٍ أو مؤجّل لا مانع يمنع من ذلك. لكن إذا زاده حمارًا من صنف ما باعه منه مؤجّلًا، صار كأنّه أسلفه حمارًا، وهو المرتجع منه، على أن يقبضه إيّاه إلى أجل ويحطّ عنه ما له عليه من دين، فصار كمسلف حمار ليأخذ مثله إلى أجل يشترط أن يسقط عنه دين وهو العشرة دنانير لأجل السلف، وهذا سلف جرّ منفعة وهو ممنوع. هذا حكم الزّيادة مع كون الثّمن مؤجّلًا.
وأمّا إن بيع الحمار بعشرة دنانير على النّقد، فإنّ ربيعة ذكر أنّه إن استقال المبتاع البائع على أن يزيده دينارًا مؤجّلًا، فإن ذلك مكروه أيضًا. وأنت إذا تأمّلت ما ذكرنا من تفريع المسئلة الأولى، وهي بيع الحمار بثمن مؤجّل، صرفت علل المسئلة وعلل فروعها في هذا الوجه الآخر الّذي ذكره ربيعة. وذلك أنّه يتصوّر ها هنا أيضًا فيه أنّه أخذ منه الحمار بتسعة دنانير مِمّا له عليه على أن يؤخّره بالدّينار العاشر الّذي وجب عليه أن ينقده البائع، وهذا يتقرّر فيه البيع
стр. 1575
والسلف على حسب ما قدّمناه في المسئلة الأولى. لكنّ الشيخ أبا محمّد ابن أبي زيد نبّه على ما قد يتعقّب في هذه المسئلة دون الّتي قبلها. فقال: هذه البيعة الّتي وقعت على النّقد ينبغي ألاّ يتّهم فيها إلَاّ أهل العينة، كما قيل في بياعات النّقود. لكن هذا الاعتراض ساقط لأنّ هذه البيعة الثّانية يتصوّر فيها البيع والسلف من تلقاء نفسها من غير إسنادها إلى البيعة الأولى. وإنّما يتصوّر فيها الوجه الممنوع وهو البيع والسلف، بشرط أن تكون البيعة الأولى صحيحة ثابتة تكون العشرة دنانير ثابتة في الذّمّة، فأخّر منها دينارًا يجب أن يقدّمه. وما كنّا أفضنا في ذكره في بياعات الآجال الممنوعة للوجوه المتقدّمة، فإنّما يتصوّر الفساد فيها إذا أسندت البيعة الثّانية إلى البيعة الأولى حتّى يسري الفساد إلى الأولى كما يسري في الثّانية كما تقدّم بيانه ومثاله. فشتّان ما بين فساد يتصوّر في المسئلة من قِبَل نفسها من غير افتقار إلى إسنادها إلى بيعة تقدمتها وبين ما لا يتصوّر فساده إلاّ بأن يُبنَى على بيعة تقدمته يسري إليها الفساد أيضًا. وقد كنّا قدّمنا نحن في أوّل هذا الكتاب هذا الفرق في مسئلة أخرى، وذكرنا مناقضة ابن الموّاز لابن القاسم في سؤال ينخرط في هذا السلك. وجوابَ الشَّيخ أبي محمّد بن أبي زيد وغيره عنه. وقد قيّد الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد هذا النّقد عن ربيعة بأنّ المشتري لم ينقد العشرة دنانير. وتابعه على هذا بعض الأشياخ، فقال: يجوز للمشتري إذا نقد أن يزيد لأنّها بيعة ثانية لمّا نقد ثمن الأولى.
فأشار إلى إباحة الزّيادة مطلقة.
وأنكر هذا التّقييد بعض المتأخّرين، وقال: قد يتصوّر البيع والسلف وإن (١) نقد المشتري لأنّه يقدّر فيه أنّه اشترى الحمار بتسعة من الدّنانير الّتي نقدها على أن أسلفه قابضها الدّينار العاشر ليأخذ منه إلى أجل. فإذا وضح أيضًا ما نصّ عليه ربيعة من هذا الفرع الواحد الّذي ذكره في بيعة النّقد، فلنفرّع عليه أيضًا كما فرّعنا في السؤال الّذي قبله.
стр. 1576
واعلم أنّ الشريعة تمنع ها هنا أن يزيد دراهم أو عرضًا إلى أجل؛ لأنّه ردّ الحمار ببعض ما وجب عليه أن ينقده، وبقيت العشرة دنانير الّتي كان وجب عليه نقدها فسخت في "رهم أو عرض إلى أجل. وأمّا إذا زاد دينارًا وهو من سكّة الثّمن الّذي اشترى به نقدًا، فإنّ ذلك جائز, لأنّه قضى بعض ما عليه من العشرة، ودفع عن بقيّتها حمارًا. وأمّا إن كان الدّينار الّذي زاد غير سكّة الثّمن، لم يجز ذلك, لأنّه قضى ما عليه من العشرة دنانير حمارًا ودينارًا من غير سكّة الثّمن الّذي في ذمّته لم ينقده. وإن زاد دراهم، فإنّ ذلك يجري على الاختلاف في البيع والصرف, لأنّه دفع الحمار عن بعض ما عليه من العشرة دنانير دراهم وذلك صرف. فيجوز منه عند ابن القاسم ما تقاصر عن مقدار الدّينار، ويجوز عند أشهب على الإطلاق.
وأمّا لو كانت الزّيادة من البائع، لكان الحكم فيها كحكم ما قدّمناه من زيادة في بيعة النّسيئة، فيجوز له أن يزيد ما شاء نقدًا أو مؤجّلًا، إلاّ أن يزيده من صنف الحمار الّذي ارتجع، فيكون ذلك سلفًا، فيتصوّر فيه ما بيّناه في المسئلة الّتي قبل هذا.
ومِمّا يلحق بما نحن فيه، وذكره في المدوّنة فيمن باع عبده بعشرة دنانير على أن يبيع منه الآخر عبده بعشرة دنانير، أنّ ذلك إن كان على جهة المقاصّة العشرة بالعشرة، جاز ذلك, لأنّ المعتبر بالأفعال الّتي حصل عليها المتبايعان لا بالألفاظ الّتي تحسن أو لا تحسن. والّذي حصل عليه ها هنا المتبايعان بيع عبد بعبد، ومقابلته الدّنانير بالدّنانير لا محصول له إذا لم يخرج مضمون ذلك إلى الفعل. فلو وقع العقد على أن يخرج هذا العشرة مع العبد وهذا العشرة مع العبد، لكان ذلك ممنوعًا, لأنّ (١) حصل من فعلهما أنّ أحدهما دفع عبدًا وعشرة دنانير في عبد وعشرة دنانير، وقد تقدّم وجه المنع من هذا. ولا خفاء في أنّ هذين المتبايعين إن شرطا ألاّ يخرج واحد منهما الدّنانير، فإنّ ذلك لا يجوز.
стр. 1577
وإن لم يذكر إخراجًا للدّنانير ولا مقاصّة لها، فإنّ ذلك محمول على الوجه الجائز وهو وجوب المقاصّة. وإنّما كان ذلك كذلك ولم يحمل هذا العقد على المعنى الآخر الّذي هو الفساد لأجل أنّ الأصل فيمن له على رجل دين، وللآخر مثله أنّه لا يكلّف واحد منهما إخراج ما عليه، بل الواجب المقاصّة والمحاسبة بمالك لّ واحد على الآخر، ما لم يمنع من اتباع هذا الأصل مانع. والمانع ها هنا اختلاف السكك أو اختلاف الآجال. ولو وقع بيع هذا عبده بعشرة دنانير من سكّة منعوتة على أن يبيع له الآخر عبده بعشرة دنانير من سكّة أخرى، لحمل هذا على الفساد, لأنّ الّذي يستحقّه أحدهما على الآخر من هذه الدّنانير خلاف ما يستحقّه صاحبه عليه. وإذا اختلفت السكك، لم تجب المقاصّة إلاّ بالتّراضي، فإذا لم يصرّحا بالتّراضي على ذلك، بقيا على مقتضى الأصل.
وهكذا الحكم إذا اختلفت الآجال مثل أن يبيع أحدهما عبده من رجل بعشرة دنانير إلى شهر على أن يبيعه الآخر عبده بعشرة دنانير إلى شهرين، فإنّ هذا فاسد, لأنّ المقاصّة لا تجب لكون أحد الدّينين يستحقّ على أحدهما قبلُ، فيلزمه إخراجه قبل أن يستحقّ على الآخر ما عليه لهذا من دين.
стр. 1578
فصل
قال القاضي أبو محمّد عبد الوهاب ﵀: والدّين بالدّين ممنوع إذا كان من الطّرفين. والوضع على التّعجيل ممنوع، وهو أن يكون له عليه كُرّ (١) حنطة جيّدة إلى أجل سنة فيعطيه قبل الأجل دون صفته، فلا يجوز لأنّه وضع الصفة الّتي له ليتعجّل له القبض، وما كان خارجًا عن أصل الرّفق والمعروف، فلا يقاس عليه.
قال الفقيه الإِمام ﵀: أمّا هذا الّذي ذكره من منع الدّين بالدّين، فقد تقدّم ذكره والتّنبيه عليه في أثناء فروع كثيرة تقدّمت في كتاب السلم. والأصل فيه ما روي عن النبيّ ﷺ : "أنّه نهى عن الكاليء بالكاليء" (٢) والكاليء هو المؤخَّر. فكأنّه قال نهى عن بيع مؤخّر بمؤخّر. وقول القاضي أبي محمّد ها هنا: (من الطّرفين) تأكيد للبيان، وإلاّ إذا كان المراد بذكر الدّين ما يؤخر كان مقنعًا قوله: الكالي بالكالي, لأنّ أحدهما إن كان منقودًا فلا يسمّى دينًا، وإن كان غير منقود وهو في الذّمّة، فإنّه يسمّى دينًا. ولكن يكون الدّين حالًا ومؤجّلًا، فإن كان حالًا فباعه مِمّن هو عليه بجنس آخر مؤجّل، فهو فسخ الدّين في الدّين، وذلك من معنى ربا الجاهليّة الّذي حرّمه الله تعالى في كتابه على حسب ما تقدّم بياننا له من الاختلاف في تأويل الآية الّتي نزلت في ذلك. وقد كانت الجاهليّة (٣) إمّا أن تقضي وإمّا أن تربى. فإذا حلّ أجل الدّين وهو في المثل عين، فإنّه إذا أخّره
стр. 1579
بزيادة فيه فهذا يحرّم, لأنّ التّأخير للدّين بعد استحقاق قبضه كسلفه لمن هو عليه. والزّيادة في مقدارٍ عوضَ التّأخير هي زيادة عوض السلف، وقد علم تحريم سلف جرّ نفعًا. وإن فسخ ذلك في جنس آخر من دراهم أو عروض، فإنّ التّأخير لا يقع غالبًا إلاّ وقد زاده في مقدار ما يعطيه بعد الأجل الثّاني على قيمة ما يعطيه له لو عاوضه عن دينه من غير تأخّر. وهذه الزّيادة في القيمة لأجل التّأخير كسلف جرّ نفعًا. وينضاف إلى هذا -إذا فَسَخَ ذلك في دراهم- عَقد الصرف على التّأخير، وهو ممنوع منه.
وكذلك لو كان الدّين الّذي حلّ عروضًا فسخها في عروض أخرى إلى أجل، فإنّه يزيده في قيمة العروض الثّانية لأجل إنظاره له وتأخيره بدينه. ولو عاوضه عن دينه المؤجّل قبل أن يحلّ أجله بجنس آخر مؤجّل إلى مثل الأجل الأوّل، فإنّ هذا يمنع أيضًا لكونه فسخًا لدين في دين. وقد قال بعض أشياخي: ليس هذا التّحريم بمعلّل, لأنّا صوّرنا في فسخ الدّين الحال في جنس آخر مؤجّل إلى أنّه يزيده في مقدار الثّاني لأجل تأخيره الأوّل. وها هنا إذا كان الفسخ قبل حلول الأجل والعرض الثّاني إنّما يؤخذ عند الأجل الأوّل، فإنّه لم يستحقّ قبض شيء فيقدّر أنّه أخّره لأجل ما زاد في مقدار الثّاني.
ولكن عندي أنّ هذا، وإن لم يتصوّر فيه هذا المعنى، فإنّه يتصوّر فيه بيع دين بدين، وقد ورد الحديث بالنّهي عنه. لكن قد يعرض في فسخ دين في دين ما يُشْكِل من ناحية كونه كالدّين أو كالمنقود، مثل أن يحلّ له دين فيأخذ عنه سكنى دار معَيَّنة إلى أجل معلوم أو ركوب دابّة معيّنة، فإنّ هذا يصحّ أنّه إذا أخذ فيه سكنى أو ركوبًا مضمونًا في الذّمّة، أنّ ذلك لا يجوز لكون المضمون من سكنى أو ركوب لا شكّ في تسميته دينًا.
وإن أخذ فيه سكنى دار معيّنة أو ركوب دابّة معيّنة, فها هنا عرض الإشكال: هل ذلك كالدّين لمّا كان ضمانُ هذه المنافع من صاحب الدّار والدّابّة وهي لم تقبض منه جملة واحدة فتلحق بأحكام الدّيون الّتي لا يجوز فسخ دين فيها كما قاله ابن القاسم؟ أو تلحق بالمعيّنات المقبوضة لمّا أسندت هذه المنافع إلى دار معيّنة ودابّة معيّنة؟ وقد علم أنّه لو أخذ الدّار أو الدّابّة عن دينه
стр. 1580
الّذي حلّ وقبضها على أن ذلك جائز. فكذلك المنافع المسندة إليها والمأخوذة منها يقدّر أنّ قبض أوّلها كالقبض لآخرها, لمّا كان لا يتصوّر القبض في هذه المعاني ولا يُقدَر عليه إلاّ على هذه الصّورة.
وقد وقع في الموّازيّة فيمن استعمل غريمه عملًا قبل حلول أجل دينه بالدّين الّذي له عليه، أنّه لا خير في ذلك, لأنّه قد يمرض الأجير فيتأخّر العمل إلى ما بعد حلول الأجل. وحمل بعض أشياخي على المذهب أنّ هذا قول ثالث ليس بالإجازة على الإطلاق، كما ينسب لأشهب، ولا بالمنع مطلقًا كما ينسب لابن القاسم لأنّه إنّما علّل بجواز المرض المقتضي أخذ المنافع بعد حلول الأجل، فدلّ ذلك على أنّه إنّما يمنع ذلك إذا وقع فسخ الدّين في هذه المنافع عن دين قد حلّ، لكون ما عرض من الإشك الذي كون هذه المنافع كالدّين أوْ لا، كما بيّناه، فيتصوّر فيها معنى ربا الجاهليّة: تقضي أو تربي. فإذا كان ذلك قبل الأجل، فلا يتصوّر فيه معنى ربا الجاهليّة كما قدّمناه عن بعض أشياخنا أنّه يرى فسخ دين في دين قبل حلول الأجل شرعًا غير معلّل. وقد نصّ (١) بعض المتأخّرين طريقةَ أشهب في الجواز بأن قال: اتفق على جواز اكتراء هذه المنافع بدين في ذمّة المكتري ولم يقدّر ذلك دينًا بدين فيمنع. فهذا يقتضي صحّة ما ذهب إليه أشهب من كون هذه المنافع لا تعدّ دينًا. وأشار بعضهم إلى التّفرقة بين هذين, لأنّ عقد دينين في ذمّتين كانتا خاليتين من الدّين أخفّ من فسخ دين عمرت الذّمّة به في دين آخر. ألا ترى أنّا لا نسامح بتأخير عوضٍ أُخذ عن دين في الذّمّة يومًا واحدًا، ويسامح في جواز اشتراط تأخير رأس المال في السلم اليوم واليومين, لأنّ ما على المسلم والمسلم إليه وقع العقد عليه، والذّمّتان خاليتان منه. وقد أشار الشيخ أبو إسحاق. إلى أنّ في كتاب ابن الموّاز ما قد يتناول منه منع شراء هذه المنافع بدين يكون لمشتريها على رجل آخر، فاختلف فيه أيضأهل يجوز أو يمنع؟ ووقع في كتاب الخيار من المدوّنة جواز اشتراط