والمفيت لهذه العقود الفاسدة أربعة:
١ - تغير الذّوات
٢ - أو تغيّر الأسواق
٣ - أو إخراج عن الملك
٤ - أو تعلّق حقّ آخر بهذا المبيع.
فنبدأ بالكلام على حصول الفوت بمجرّد القبض من غير أن ينضاف إلى ذلك أحد هذه الأربعة أقسام.
فاعلم أنّ المعروف من المذهب أنّ مجرّد القبض لا يكون فوتًا في البياعات الفاسدة. لكن ذكر ابن مسلمة أنّ الفسخ بعد القبض استحسان. وهذا إشارة منه إلى أنّ القياس كون مجرّد القبض مانعًا من الفسخ. وهو مقتضى المذهب الّذي حكيناه من كون العقد الفاسد إذا اتّصل به القبض ينقل الأملاك. وإذا تحقّق نقل الملك لم يتصوّر الفسخ. وقد أطلق القول بعض أشياخي على ذلك الخلاف في البيع الفاسد، هل يفوت بالعقد أو القبض، تخريجًا منه ذلك من مسئلة من أسلم في ثمر بعينه على الكيل لمّا زهي بشرط أن يأخذه تمرًا. فإنّا كنّا قدّمنا في كتاب السلم ذكر الاختلاف، هل يكره ذلك وينهى عن العقد؟ فإنْ وقع العقد، فسخ إذا لم يقبض، أو يمضي بمجرّد العقد ويفوت المبيع بالقبض؟ وهذا التّخريج عندي لا يحسن إطلاقه, لأنّ هذه المسئلة وأمثالها إنّما يحمل النّهي فيها على الكراهة لا على التّحريم المتّضح. والكراهة لا تلحق بالتّحريم ويحسن أن يقال فيها: ينهى عن هذا العقد لكونه مكروهًا. فإن عقد، لم يفسخ لكونه ليس محرّمًا. وهكذا قال ابن القاسم فيمن باع نخلًا مثمرًا على أن يختار منها نخلات، أي لَكُره هذا البيع. فإن وقع أمضيته، لقول مالك فيه. فشتّان ما بين مكروه ومحرّم، ومجمع عليه ومختلف فيه. وقد قال مالك: ما كراهة النّاس فيه من هذه العقود، فإنّه يفسخه إلاّ أن يفوت فيمضي، فعبّر عن ذلك بالكراهة.
لكن ابن مسلمة لمّا أطلق القول بأنّ الفسخ بعد القبض في البياعات الفاسدة استحسان، صار هذا منه كالمسهّل لهذا التّخريج. وقد قدّمنا نحن من ذكر المذاهب في تأثير العقد الفاسد المتّصل به القبض ما تبنى عليه هذه المسئلة.
وإذا وضح ما قلناه في مجرّد العقد المتّصل به القبض، فلنذكر ها هنا ما
стр. 1647
ذكرنا من الأقسام المفيتة، ونذكر حكمها في كلّ قسم من الأجناس المبيعة.
فأمّا العقار، فإنّ ذهاب عينه، واندراسَه الّذي يقوم مقام ذهاب العين، فلا خفاء يكون ذلك فوتًا يمنع الرّدّ للمبيع. لأنّ ردّ عين المبيع مع ذهابها يستحيل، وكذلك اندراسها المقارب لذهاب عينها. وأمّا التّغيير لها، فإنّها إن كانت ديارًا فإنّ الهدم يفيتها. والأبنية في أرضها تفيتها. والأرضون يفيتها الغرس أو قطعه، وحفر الآبار وشقّ العيون، وما في معنى ذلك. لكون هذه الأحوال يتحوّل معها الغرض المقصود من العقار. والغرض المقصود إذا تبدّل في العين فصارت (١) العين كأنّها غير موجودة. وهذا الّذي قلناه يشير لك إلى توجيه ما قاله أصبغ فيمن اشترى أرضًا شراء فاسدًا، فغرس فيها غرسًا، فإنّه قسّمه على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يغرس جميع ما أحاط بالأرض ويبقي جلّها بياضًا، فإنّ ذلك فوت.
وإن غرس منها ناحية بعينها، مِمّا لها مقدار بالنّسبة إلى ما بقي، فإنّ المغروس خاصّة هو الّذي يفوت.
وإن كانت هذه النّاحية لا مقدار لها, لم يفت شيء من الأرض وتردّ إلى بائعها ويقضى عليه بقيمة الغرس. والأشبه أن يقضى عليه بقيمته قائمًا لكونه غرس بوجه شبهة. وإن كان أصبغ لم يصرّح بهذا, ولكن مقتضى المذهب هذا الّذي قلناه.
فأنت تراه كيف جعل الغرس فوتًا للجميع، أو ليس بفوت في الجميع، أو فوتًا في المغروس دون ما لم يغرس. وما ذلك إلاّ لما قلناه من اتّضاح اختلاف الأغراض وتباينها أو تقاربها. فاعتبار ذلك ودّاه إلى هذا التّقسيم الّذي قسمه.
وقد اضطرب الأشياخ في مسئلة المدوّنة إذا باع جارية بجاريتين بيعًا فاسدًا، فإنّه ذكر في المدوّنة فسخ العقد وإلزام القيمة مع ذوات المبيع. وتنازع
стр. 1648
الأشياخ إذا كان الفوت في الجارية الرّفيعة من الجاريتين اللتّين بيعتا بيعًا فاسدًا، والجارية الّتي هي الحقيرة من الصفقة لم تفت، هل ينسحب حكم فوت الرّفيعة على المحتقرة حتّى يقدّر أنها كالفائتة لكونها تابعًا لما فات، والتّابع يجري عليه حكم المتبوع، على حسب ما نقوله في أحكام الاستحقاق لإحدى الجاريتين، أو ردّ إحداهما بعيب، أو يفسخ البيع في الّتي لم تفت، وإن كانت محتقرة، لكون الفسخ حقًّا لله سبحانه، وحقّه غير مبنيّ على الأغراض. فلا يعقد في المحتقرة عقد فاسد من غير حصول فوت، بخلاف أحكام البيوع والاستحقاق، فإنّها مبنيّة على حقوق الخلق واعتبار أغراضهم. فإذا استحقّت الرّفيعة من الجارتين وانتقض البيع فيها، كان لمن استحق ذلك من يده ردّ المحتقرة الّتي لم تستحقّ لبطلان غرضه في الصفقة لمّا استحقّ جلّها والمقصود. وقد رأى أصبغ أنّ مرور السنين الكثيرة كالعشرين ونحوها على الدّيار المبيعة بيعًا فاسدًا يفيتها، واعتلّ بأنّ ذلك لا يكون حتّى تتغيّر بالبلى. وهذا لا يخالَف فيه. والرّوايات المذكور فيها أنّ مجرّد الطّول لا يكون فوتًا، إنما أطلقت على أنّ طول الزّمان لم يغيّر عينها.
وأمّا حوَالة الأسواق في العقار، ففيه اختلاف: هل يفيت البيع الفاسد أم لا؟ فالأشهر لا يفيته. وقال ابن وهب: إنّ ذلك يفيته. وأجرى العقّار مجرى العروض. وإذا كان السبب المانع من الفسخ المعادلة بين المتبايعين في رفع الضّرر عنهما. ومن الضّرر إذا زادت قيمة السلعة في يد المشتري أن يؤخذ من يديه، فيخسر ما اشتراها لأجله من الرّبح. وإذا نقصت قيمتها فرددناها على البائع، أضررنا أيضًا به.
فكان من العدل بينهما المساواة في نفي هذا الضّرر عنهما. فجعلتَ اختلاف الأسواق بزيادة أو نقصان يفيت البيع الفاسد، ولا فرق بين العروض والعقار في اعتبار هذا الضّرر. وأشار بعض الأشياخ إلى الاعتذار عن المذهب المشهور من التّفرقة بين العقار والعروض بأنّ الغالب في الدّيار أنّها لا تشترى للتّجارة بل للقنية والسكنى أو الاغتلال. فلم يؤثّر اختلاف الأسواق لمّا لم يكن ذلك مقصودًا عند المتعاقدين فيها. والغالب في العروض شراؤها
стр. 1649
للتّجارة. وإذا كان مقصود المتعاقدين زيادة الأسواق فيها وانخفاضها، أثّر ذلك في العقد ومنع من الفسخ، وتغيّر الحكم في الفسخ لمّا تغيّر المقصود. وإذا نقض البيع في العقار المبيع بيعًا فاسدًا قبل الفوت ولم ينقض بعد الفوت وقد بيّنا وجوه الفوت، فإنّ الزّرع في الأرض لا يفيتها ولا الإثمار في النّخل. فأمّا الزّرع فإنّه من حقّ المشتري للأرض شراء فاسدًا أن يبقى زرعه فيها إلى أن يحصده من غير أن يجب عليه كراء، لكونه كمحتلّ بوجه شبهة، وضامنًا لما اغتلّه. وقد قال ﵇: "الخراج بالضّمان" (١). إلاّ أن يتوجّه الحكم عليه بفسخ البيع، وإبّانُ الزّراعة لم يفت، فإنّه يجب عليه كراء الأرض, لأنّ الأصل إذا حكم بالفسخ، قلع زرعه وردّ الأرض فارغة إلى بائعها على حسب ما أخذها منه، لكن في ذلك إتلاف مال المشتري وإضرار. وقد قدّمنا أنّ حوّالة الأسواق تمنع من ردّ المبيع لنفي الضّرر عن المشتري إن زاد سوق السلعة، وهي في يديه، وعن البائع إن نقص سوقها، وهي في يد المشتري، فكذلك يجب مراعاة حقّ المشتري في أن لا يُتلَف زرعه فيجب إبقاؤه لأجل هذا, ولكن في إبقائه أيضًا منع البائع من زراعة أرضه، وإبّانُ زراعته لم يفت، فيجب أيضًا ألاّ يُضَرَّ بالبائع ويُحرَم الانتفاع بأرضه. فكان العدل بينهما إقرار زرع المشتري وإعطاء البائع كراء ما حُرِم الانتفاعَ به. فإذا وقع الفسخ بعد الإبّان، فإنّ البائع لم يحرم انتفاعًا يجب أن يعاوض عنه. وأمّا لو كانت نخلًا أثمرت وقد اشتريت شراء فاسدًا، فإنّ الثّمرة تردّ على البائع لمّا وجب ردّ النّخل، إلاّ أن يحصل لها حكم كونها غلّة، فيكون للمشتري لكونه ضامنًا، والخراج بالضّمان. واختلف متى يكون ها هنا غلّة، فقيل بطيابها، فإذا طابت كانت للمشتري ولا بدّ مع النّخل، كما لو قبضها المشتري وأكلها، ثمّ وقع الفسخ بعد ذلك. وقيل: بل يكون لها ها هنا حكم الغلّة بالإِبّار وتكون للمشتري. وسنبسط الكلام على هذا وأمثاله في الحال الّتي تكون بها الثّمرة غلّة إذا ردّت النّخل بعيب أو استحقّت أو أخذت بشفعة أو بحكم تفليس، وأحكام نفقة المشتري عليها وسقيه لها في
стр. 1650
المواضع الّتي تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. فإذا تقرّر حكم الفوت في العقار، فإنّ العروض يفيتها في البيع الفاسد ذهاب عينها، وتغيّرها في ذاتها، أو تغيّر أسواقها. وهذا لمَا قدّمناه من المعادلة بين المتبايعين في نفي الضّرر عنهما. فلو قضينا بردّ العين بعد تغيير (١) ذاتها أو تغيير (١) سوقها لألحقنا بأحدهما ضررًا دون صاحبه، وهما قد استويا في سبب الفسخ دخلا فيه مدخلًا واحدًا. بخلاف الرّدّ بالعيب، فإنّ العروض لا يمنع من ردّها تغيّر سوقها لمّا كان العيب من جهة البائع دون المشتري. وقد يظنّ بالبائع أنّه علم به، فلم يبيّنه أو فرّط في الكشف عنه لمّا باع سلعهُ على أنّها سالمة، والمشتري يقدّر أنّ الأمر على ما أظهره البائع له. وكذلك يفيت العروض أيضًا، في البيع الفاسد، نقلُها من بلد إلى بلد، لكون ردّها إلى البلد الّذي بيعت فيه لا يمكن في غالب العادة إلاّ بمشقّة سفرها وأداء إجارة على حملها.
وأمّا الحيوان، فإنّه يفيته حوَالة الأسواق أيضًا، وأمّا نقله من بلد إلى بلد، فإنّ ذلك لا يفيته لكونه لا يفتقر إلى حمل بل يمشي بنفسه. بخلاف العروض الّتي لا تنتقل بنفسها. وإذا انتفت المضرّة في ردّه وكان علة الفوت لحوق المضرّة بأحد المتبايعين وجب في الحيوان أن لا يكون نقله فوتًا. لكن مقتضى هذا التّعليل أن يكون إذا تصوّر فيه الضّرر بركوب غرر في ردّه أو غير ذلك مِمّا في معناه أن يلحق بالعروض ويكون نقله فوتًا. واختلف في مجرّد طول زمان مرّ على الحيوان ولم يتغيّر الحيوان في ذاته ولا في سوقه، هل يكون فوتًا؟ فذكر في كتاب العيوب من المدوّنة أنّ مرور شهر عليه يكون فوتًا له. وذكر في كتاب السلم أنّ الشّهر والشّهرين لا يكون فوتًا. واعتقد بعض أشايخي أنّ هذا قول على الإطلاق. وليس الأمر كذلك، وإنّما هو اختلاف قول في شهادة بعادة (٢).
لأنّه أشار في المدوّنة إلى أنّ المقدار الّذي حدّه من الزّمان لا يمضي إلاّ وقد
стр. 1651
تغيّر الحيوان، فلهذا رآه مفيتًا. فحصل من هذا أنّ الاعتبار بالتّعيين (١) بالذّات أو السوق. والتغيّر قد يكون مدركًا محسوسًا، وقد يكون مستدلاّ عليه بطول زمان، فيقع الاختلاف في تحديد هذا الزّمن الّذي يستدلّ به على التّغيّر.
وأمّا المكيل والموزون فإنّه إذا لم يتغيّر في ذاته ولا في سوقه، فإنّه يفسخ البيع فيه لعدم ما يفيته. وإن تغيّر في ذاته أو انعدمت ذاته ولم يتغيّر في سوقه، فإنّ الواجب ردّ مثله لأنّ مثله يقوم مقام عينه. وقد فرضنا أنّ عينه إذا لم تتغيّر ولا تغيّر سوقه أنّ الفسخ فيه واقع.
فإذا تغيّرت عينه أو انعدمت، وانضاف إلى ذلك تغيّر سوقه، فإنّ في المذهب قولين: أحدهما، وهو المشهور، أنّ تغيّر السوق فيه لا تأثير له، ولا يعدّ فوتًا. وذهب ابن وهب وغيره إلى أنّ تغير السوق فيه يعدّ فوتًا مع قيام العين أو انعدامها. وهذا الّذي قاله مقتضى طرد التّعليل الّذي قدّمناه مرارًا، من الالتفات إلى المعادلة بين المتبائعين في كون أحدهما لا يختصّ بضرر، إذا وقع الفسخ، دون صاحبه. ومقتضى هذا أن يوجب القيمة إذا وقع الفسخ في المكيل والموزون لأجل تغير سوقه. فإذا قضينا بذلك، انتفى الضّرر عن اختصاصه بأحدهما دون الآخر.
وكأن من ذهب إلى القول المشهور يرى أنّ العرض إذا تلف، قضى بقيمته. وإذا تغيّرت سوقه مع وجود عينه، جرى ذلك مجرى تلف عينه فتجب القيمة. فلمّا كان الإتلاف لعين العرض كتغيّر سوقه، وكان إتلاف عين الموزون والمكيل يوجب مثله، وجب أن يكون تغيّر سوقه كإتلاف عينه أيضًا، فيجب فيه المثل إن عدمت عينه، ويردّ بعينه إن بقيت العين موجودة، لكون عينه بالرّدّ أولى من ردّ مثلها. فمقتضى هذا لا تؤثّر حوّالة السوق فيه لما بيّناه. ولا يجب العدول عن أصل الشّرع المقرّر فيه في غرامة مثله إن أتلف إلى غرامة قيمته من غير دليل يلجي إلى الخروج عن هذا الأصل المقرّر فيه.
стр. 1652
وأمّا نقله من بلد إلى بلد فيجري مجرى العروض لكونه لا ينقل بنفسه، بل يفتقر إلى كلفة في نقله وإجارة على حمله.
وهذا إذا اشترى المكيل والموزون على الكيل والوزن. وأمّا إن بيع جزافًا، فإنّه لا يصحّ أن يقضي بمثله لكون مقداره مجهولًا، ولا يلحق حكمه بالمكيل والموزون في الفوت، بل يلحق بأحكام فوت العروض لمّا كان الواجب فيه عند انعدام عينه القيمة كما يجب في العروض. لكن وقع اختلاف بين المدوّنة والموّازيّة في السيف المحلّى إذا بيع بيعًا فاسدًا، هل يمنع من ردّ عين الحلية حوالة السوق فيه أو لا؟ وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصرف. وقد كان بعض أشياخي يذهب إلى أنّ هذا المكيل المبيع جزافًا إذا أراد بائعه أن يقضى له بأقلّ ما يقدر فيه من المكيلة، أنّ ذلك له، ويصير حينئذ كالمبيع على الوزن أو الكيل، وكذلك إذا أراد المشتري أن يغرم ما يتحقّق أنّ الّذي يغرمه أكثر مِمّا أتلف. وذهب إلى أنّ المذهب على قولين فيما بيع جزافًا، ثمّ علم كيله بعد ذلك، هل يعود الحكم إلى ما علم من حاله بعد عقد البيع فيقضي فيه بالمثل، أو يبقى على حكمه حين عقد البيع على كون المبيع غير متيقّن مقداره. وقد أشار الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد إلى إمكان ارتفاع الخلاف في هذا لما نقل المذهب فيمن باع ثمرة قبل الزهُوّ فجذّها المشتري رُطَبًا، أنّ البيع يفسخ ويردّ المكيلة تمرًا إن كان جدها بعد أن صارت تمرًا. وسنذكر ما أشار إليه إذا تكلّمنا على المسئلة بعد هذا. وأمّا إذا تقرّر (١) أحكام نوعين من المفيتات وهما تغيّر السوق أو الذّات في جميع أجناس المبيعات.
فلنذكر الفوت بالقسم الثّالث وهو خروج المبيع من الملك. فإذا بيع أحد أجناس المبيعات بيعًا فاسدًا ثمّ باعه مشتريه بعد قبضه بيعًا صحيحًا، فإنّه لا يخلو: أن يكون فساد البيع واضحًا متّفقًا على فساده لا إشك الذي الدّليل الّذي منع منه. فإنّ المذهب على قولين في كون البيع الصحيح الّذي عقده المشتري
стр. 1653
مفيتًا للبيع الفاسد. وقد قدّمنا ذكرهما وأشرنا إلى أنّ سحنونًا يرى هذا العقد الفاسد لا ينقل الملك ولا شبهة الملك، وأنّ القبض فيه يلحق بقبض الرّهان.
والرّهن إذا باعه من هو في يديه لم ينفذ بيعه فيه. وذكرنا أنه المشهور من المذهب، وأنّ عقدة الصحيح مفيتة لشرائه إيّاه شراء فاسدًا، لتعلّق حقّ المشتري به، وكون البائع سلم المبيع إليه، وهو قد أذن له في التّصرّف فيه، ومن التصرّف فيه بيعه إيّاه، فلو قرّرنا أنّ الملك لم ينتقل ولا شبهة الملك، لكنّا ننفذ هذا العقد الثّاني لكون البائع أذن فيه وسلّط المشتري على عقده.
وأمّا إن كان العقد الفاسد مختلفًا فيه اختلاف طرق الاجتهاد، فإنّه يمضي بيعه فيه، ويكون ذلك فوتًا للبيع الفاسد إذا كان المشتري لم يبعه بيعًا صحيحًا إلاّ بعد أن قبضه وصار في يديه. فأمّا إن باعه قبل قبضه وهو في يد بائعه لم يمكنه منه، فإنّ الظّاهر كون المذهب على قولين في انعقاد بيعه فيه. وقد تنازع الأشياخ ما مقتضى المدوّنة من هذين القولين، فقال بعضهم: مقتضاها كون هذا البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد، لقوله في كتاب العيوب من المدوّنة فيمن اشترى سلعة شراء فاسدًا ثمّ باعها بيعًا صحيحًا: إنّ عليه قيمتها يوم قبضها وينفذ (١) بيعه الصحيح فيها إن كان قبضها. فرأى هؤلاء أنّه لمّا اشترط في نفوذ بيعه كون بيعه واقعًا بعد أن قبضها، كان دليل هذا الخطاب يقتضي أنّه لا ينفذ بيعه فيها إذا باعها قبل قبضها. ورأى من خالفهم في هذا التّأويل أنّه يمكن أن يكون أراد بهذا الاشتراط صرفه إلى ما قدّمه من قوله: عليه قيمتها يوم قبضها.
وقصد أن يبيّن أنّ قوله: عليه قيمتها يوم قبضها، أنّ ذلك إنّما يتصوّر إن كان قبضها، وتعلّق هؤلاء أيضًا بقوله: ولو تصدّق بها قبل قبضها, للزمه قيمتها يوم تصدّق بها. فإذا نفذت الصدقة قبل القبض، فأحرى أن ينفذ البيع قبل القبض لكونه آكد من الصدقة. وهذه المبالغة الّتي أشاروا إليها قد لا يسلمها لهم الآخرون، ويقولون: لا يكون البيع أحرى من الصدقة لأنّ البيع إذا نقض رجع المشتري بالثّمن، فلم يلحقه ضرر بالفسخ. والصدقة إذا نقضت بعد أن قبضها
стр. 1654
المتصدّق عليه، لم يرجع عليه بشيء ففاته ملك من غير عوض يأخذُهُ عنه. هذا مِمّا يمكن عندي أن يدافعهم به الآخرون. وتعلّق أيضًا من ذهب إلى أنّ المدوّنة تقتضي كون البيع الواقع قبل القبض لا ينفذ بقوله في كتاب السلم فيمن اكترى دارًا كراءًا فاسدًا ثمّ أكراها كراءًا صحيحًا: إنّ المكتري كراءًا فاسدًا يردّ الغلّة.
وإذا وجب عليه ردّها اقتضى ذلك أنّه لم ينفذ عقده الصحيح فيها. وقال الآخرون: المراد بردّ الغلّة قيمة الغلّة. والتعلّق بهذه المسئلة فيه نظر عندي، وذلك أنّ المكتري لهذه الدّار كراء فاسدًا إذا سلّمت إليه، فقد صار قابضًا لها وكالقابض لمنافعها الّتي أكراهًا، لا سيما وقد أتلف من هذه المنافع من اكتراها منه كراء صحيحًا. فيحصل من هذا أنّ عقد البيع الصحيح إنّما وقع بعد قبض المبيع، وقد قدّمنا أنّ وقوعه بعد قبض المبيع لا يختلف فيه إذا كان الفساد غير مجمع عليه. والمراد ها هنا تطلب حلّ البيع الصحيح قبل القبض. وهذا الّذي اعتذرنا عنه به نحن في هذه المسئلة لا يمنع من تصوّره كونُ ضمان المنافع من الّذي باعها بيعًا فاسدًا، وكونُ الضّمان منه يصيِّر القبضَ كالعدم. لأنّ الأمر لو كان كذلك لم يختلف في منع أخذ دار معيّنة عوضًا عن دين مضمون في الذّمّة.
وقد قدّمنا نحن اختلاف ابن القاسم وأشهب في ذلك، وأنّ القول بإجازة ذلك مبنيّ على أن قبض أوّل المنافع كالقبض لجميعها، أو لغير ذلك مِمّا أشرنا إليه، مع كون الضّمان لم يختلف أنّه باق على المديان الّذي سلّم منافع هذه الدّار عوضًا عن دين عليه. وكذلك أيضًا تعلّق بعض الأشياخ بمسئلة الموّازيّة فيمن اشترى ثمرًا قبل الزّهوّ على التّبقية، ثمّ باعه بيعًا صحيحًا. فذكر ابن الموّاز عن مالك أنّه قال: عليه قيمته يوم بدا صلاحه. وقال ابن الموّاز: بل إنّما تكون عليه القيمة يوم أفاته بالبيع الصحيح. وحكي عن مالك أيضًا أنّه قال: يردّ مثل المكيلة. وقوله هذا يقتضي أنّ البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد, لأنّه لو أفاته لم تردّ المكيلة الّتي قبضت عن بيع صحيح يجب إنفاذه، وإنّما يكون الواجب عليه قيمة ما اشتراه يوم أفاته بالبيع، كما قال ابن الموّاز، أو قيمته يوم بدا صلاحه. ويكون وجه هذا القول أنّ البائع دخل مع المشتري على
стр. 1655
أنّه مكّنه من جدّ هذه الثّمرة إذا بدا صلاحها. والتّمكين يعدّ كالقبض على أحد القولين. والبيع الصّحيح بعد حصول القبض ينفذ بغير خلاف على حسب ما قدّمناه. وقد تأوّل أيضًا من خالف أصحاب هذا المذهب هذه الرّواية على المراد بها أنّه يردّ مثل المكيلة يوم باعها وأفاتها بالبيع، وقد علم كيلها يوم أفاتها بالبيع. فلمّا وجب نقض البيع الأوّل الفاسد ردّ مثل المبيع لكون المبيع مكيلًا، كما يردّ قيمة العرض إذا فات، وقد وجب نقض البيع فيه.
وأشار بعض أشياخي إلى تأويل آخر وهو أنّ الضّمان في الثّمرة على بائعها ما دامت محتاجة إلى السقي، على ما سيأتي في كتاب الجوائح، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الجائحة يطلب بها المشتري الأوّل، الّذي اشترى شراءًا فاسدًا، مَن باع الثّمرة منه. فإذا كان لكلّ واحد منهما على من (١) باع منه الطّلب بحكم الجائحة، وكان الضّمان من البائع وجب أن يردّ مثل المكيلة تمرًا، وهي الحالة الّتي سقط بها الضّمان عن البائع الأوّل وعن البائع الثّاني.
وكأن هذا اعتذار منه عن وجوب ردّها تمرًا، وهو لم يفتها بالبيع إلاّ قبل أن تصير تمرًا، على مقتضى ظاهر الرّوايات في وجوب ردّ مثل المكيلة تمرًا، وإن وقع البيع الصحيح قبل أن يصير تمرًا.
وهذا الاعتذار منه يتعلّق بالكلام على مسئلة أخرى، وهي أنّ من باع قبل الزّهوّ فتركه حتّى زهي فجدّه رطبًا، فإنّ البيع فاسد، ويجب عليه ردّ قيمة الرّطب إذا فات، وفات إبّانه حتّى لا يوجد مثله ولو كان مكيلًا.
(أمّا عقد البيع على كونه جزافًا وتعذّر وجود ردّ مثل المكيلة تمرًا وإن وقع البيع صحيحًا قبل أن يصير تمرًا) (٢). وأمّا لو لم يتعذّر وجود مثله، ولكنّه علم كيله بعد العقد، فإنّا قدّمنا ما وقع في ذلك لبعض أشياخي من إضافته إلى المذهب قولين في هذا.
стр. 1656
وأشار الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد إلى تأويل يرفع الخلاف فيه.
واضطرب الأشياخ في من باع تمرًا قبل الزّهو على التّبقية، فجدّه مشتريه عقيب العقد، هل تعتبر فيه القيمة إذا وجبت على المشتري على الرّجاء أن تبقى حتّى تصير تمرًا، أو يُعَاهُ قبل ذلك، أو يجب فيه القيمة مطلقًا على حالته الّتي جدّ عليها. فذهب بعضهم إلى أنّ القيمة تجب على الرّجاء والخوف قياسًا على من تعدّى على زرع قبل زهوه فأتلفه، فإنّ القيمة الواجبة عليه يعتبر فيها رجاء سلامته والتخوّف من عاهته.
وأنكر أبو القاسم بن الكاتب هذا القياس، وقال: إنّما وجب على المتعدّي القيمة على الرّجاء والخوف لأجل أنّه لم يؤذن له في حصد هذا الزّرع وإتلافه قبل بلوغه الغرض المقصود منه، وهذا الّذي اشترى تمرًا على التّبقيه شراء فاسدًا قد أذن له البائع في التصرّف فيه بالجدّ وغيره، فلم يلزمه إلَاّ قيمته على الحالة الّتي جدّه عليها, لأنّ الّذي منع منه من رجاء بقاء الثّمرة حتّى تصير تمرًا، لم يكن منه إلاّ بإذن البائع، فلا مطالبة عليه بأن حرمه منفعة هو أذن له في حرمانه إيّاها.
وأشار بعض الأشياخ إلى اعتبار هذا الشّرط للتّبقية، هل هو حقّ للمشتري خاصّة إن شاء أبقى الثّمرة إلى أن تصير تمرًا، وإن شاء لم يبقها، فيكون ما قاله ابن الكاتب هو الصّوَاب، لكون المشتري لم يمنع البائع من حقّ له ولا منفعة.
أو يكون للبائع في هذا حقّ، لكون الجدّ قبل الطّياب يؤدي شجره ويضرّبه، ومن حقّه أن يمنع ما يضرّبه، فيحسن ما قاله الآخرون من اعتبار القيمة على الرّجاء والخوف.
وهذا التّفصيل يقتضي أن يكون حقّ البائع في المطالبة بما لحقه من الضّرر في شجره، لا قيمة ما حُرِمه من رجاء طِياب الثّمرة، إذ لا حقّ له في ذلك إذا لم يكن له فيه منفعة ولا تلحقه مضرّة.
وكان بعض أشياخي يرى أنّ من باع ثمرة قبل الزّهو، فتركها مشتريها
стр. 1657
حتّى صارت رطبًا فجدّها، أنّ البائع لا يلزمه أخذ عين الرّطب المجدود، ولو كان قائمًا، لكون الواجب على المشتري القيمة على الرّجاء والخوف. وإذا أخذه رطبًا هضم من حقّه المنفعة الّتي كان يرجوها، وهذا منه ذهاب إلى إحدى الطّريقتين الّتي ذكرناها عن بعض الأشياخ.
فإذا تقرّر أحد الأسباب المفيتة، وهو إخراج المبيع بيعًا فاسدًا عن يد مشتريه، فإنّ ذلك يكون بأنواع منها البيع، وقد استقصينا الكلام عليه إذا وقع بعد قبض المبيع أو قبل قبضه. ومنها الهبة والصدقة والعتق، وحكم ذلك حكم البيع الواقع بعد القبض أو قبل القبض. وكذلك ما يؤدّي إلى الخروج عن الملك كالكتابة والتّدبير والاستيلاد والعتق إلى أجل، فإنّ جميع هذه الأمور مفيتات للبيع الفاسد، والحكم فيها كالحكم في البيع إذا وقع قبل قبض المبيع أو بعده، جميع ذلك يجري على أسلوب واحد.
ومن الأسباب المفيتات ما ذكرناه فيما تقدّم من تعلّق حقّ غير البائع والمشتري بهذا المبيع بيعًا فاسدًا، وذلك كرهن السلعة المبيعة بيعًا فاسدًا أو إجارتها أو إخدامها إن كانت حيوانًا، ووقعت الخدمة إلى أجل حتّى تجري مجرى الإجارات في حكم الفوت.
وممّا قد يعدّ قسمًا خامسًا في المفيتات الوطء للأمة اشتريت شراء فاسدًا، فإنّ في الموّازيّة أنّ ذلك فوت. وإنّما لم نثبته نحن قسمًا لأنّ التّعليل لهذا المذهب يلحق هذا القسم بأحد ما ذكرناه من الأقسام المفيتة، وذلك أنّ الوطء يوجب منع البائع من وطء هذه الأمة الّتي باعها بيعًا فاسدًا، ويوجب إيقافها لأجل الاستبراء، وهذا أمر يحول بينه وبين ملكه، ويمنعه من الانتفاع به، فلهذا وجبت القيمة فيه. وجرى ذلك مجرى نقل العروض والطّعام من بلد إلى بلد في كون ذلك فوتًا، لمّا حال بين البائع وبين قبضه، لمّا وجب أن يُرَدَّ عليه. ولكن مقتضى هذا التّعليل أنّ الأمة المبيعة بيعًا فاسدًا لو كانت من الوخش اللاّتي لا يردن للوطْء، لم يكن الوطْء فوتًا لكونه لم يمنع البائع إذا ردّت هذه الأمة عليه
стр. 1658
من منفعة مقصودة منها. لكنّه يمنع من بيعها لأجل حقّ الله سبحانه في منع بيع أمّهات الأولاد، ولكون أن يكون المشتري الّذي وطئها قد عَلِقت منه، فيصير من حقّه منع البائع من بيعها ووطئها لأجل حقّه في الولد أيضًا. لكن إذا لم يثبت وطْء المشتري ببيّنة ولا إقرار منه، ولكنّه غاب عليها، فإنّ البائع إن صدّقه في ذلك، كان ذلك فوتًا لاتّفاقهما على أنّه لا يسوغ ردّها إلى البائع. وإن أكذبه البائع في ذلك لم يتحقّق الفوت، ولكن ينظر في حكم الإيقاف لحقّ الله تعالى في ذلك. ويفترق فيه حكم الجارية المرتفعة من الوخش، على حسب ما سيأتي بيانه في كتاب الاستبراء إن شاء الله تعالى. وكذلك نبيّن أيضًا سبب الاختلاف في الوطء، هل يمنع من الرّدّ بالعيب وكون الغيبة بمجرّدها لا تمنع من الرّدّ بالعيب إذا صدق البائع المشتري في أنّه لم يطأ، بخلاف الغيبة على أمة أخذت على وجه الغصب، فإنّ الغيبة عليها عيب فيها، والغاصب يضمن بالعيب اليسير، فهذا كلّه يَرِدُ في مواضعه مستقصًى أحكامه، وحكم الغيبة على أمة أراد الأب أن يعتصرها أو محلّلة غاب عليها من حلّلت له.
والجواب عن السؤال الخامس (١) أن يقال: قد تقرّر، فيما تقدّم، المبيعات بيعًا فاسدًا والأنواع المفيتة لها. فإذا تحقّق الوجه المفيت للبيع، وحكم بموجبه، وقضى القاضي بردّ العين أو القيمة أو المثل، لم يرتفع حكم ما قضاه بارتفاع الأسباب الموجبة للفوت. وإن حصل السبب الموجب للفوت فلم ينظر فيه حتّى ارتفع، فهل يرتفع حكم الفوت بارتفاع سببه أم لا؟ هذا فيه اختلاف في المذهب كثير فروعه.
فذكر في المدوّنة فيمن باع سلعة بيعًا فاسدًا، فحالت سوقها وهي بيد المشتري، ثمّ عادت السوق إلى ما كانت عليه حين عقد البيع، فإنّ الفوت قد حصل في القيمة قد لزمت (٢) وارتفع السبب الموجب لها وهو تغيّر السوق. وأمّا إن كان السبب المفيت لها بيع مشتريها لها بيعًا صحيحًا ثمّ عادت إليه بميراث أو
стр. 1659
هبة أو اشتراء أوردت عليه بعيب، فإنّه ذكر في المدوّنة اختلافًا في هذا، وأنّ ابن القاسم يرى أنّ حكم الفوت قد ارتفع لمّا ارتفع حكم البيع الّذي وقع من المشتري. وأن أشهب يرى أنّ حكم الفوت لم يرتفع لمّا لم يرتفع، عنده وعند ابن القاسم، حكم الفوت بارتفاع تغيّر السوق وكون القيمة لزمت، فلا يرتفع ما لزمه بارتفاع سببه. وقد أكثر المتأخّرون الاعتذار عن ابن القاسم في تفرقته بين هذين السببين المفيتين.
فرأى أنّ المفيت إذا كان تغيّر السوق ثمّ ارتفع، فإنّ حكم الفوت لا يرتفع. وإن كان السبب المفيت عقد بيع صحيح، ثمّ ارتفع، فإنّ حكم الفوت يرتفع. فأشار الشّيخ أبو الحسن ابن القابسي، ﵀، إلى أنّ السوق إذا تغيّرت ثمّ عادت، فإنّ السوق الثّانية ليست هي السوق الأولى بعينها وإنّما هي مثلها، والسلعة الّتي اشتريت شراء فاسدًا، فإنّا نقطع قطعًا أنّ المبيع بعينه عاد على ما هو عليه؛ فلم يؤثر سبب الفوت لمّا ارتفع ارتفاعًا مقطوعًا به. وكأنّه، ﵀، يشير إلى أنّ عدم اليقين والقطع على كون السوق الّتي تغيّرت ارتفع (١) تغيّرها يمنع من ارتفاع حكم الفوت، والقطع على أنّ السلعة المبيعة بعينها، عادت، تقتضي ارتفاع سبب الفوت. وهذا الّذي قاله لا يشفي الغليل.
وذلك أنّ البيع هو المفيت لهذا الّذي اشتُرِي شراء فاسدًا، ونحن نقطع قطعًا أنّه قد وقع، فلا معنى للتعرّض إلى كون السلعة بعينها عادت لأنّ نفس السلعة وعينها ليس هو السبب المفيت، وإنما المفيت بيعها، فلا فرق بين سوق تغيّرت ثمّ عادت، أو سلعة بيعت ثمّ عادت، بل ربّما قيل: إنّ التغيّر المفيت قد لا يقطع به ووقوع البيع مِمّا يقطع به في الظّاهر المحسوس.
وسلك الشّيخ أبو عمران، ﵀، قريبًا من مسلكه فقال: السلعة الّتي بيعت بيعًا صحيحًا وقد اشتريت شراء فاسدًا، يجب نقض البيع الفاسد الّذي وقع فيها, ولكن يد المشتري شراء صحيحًا صارت حاجزة بيننا وبين ردّ هذا
стр. 1660
المبيع، فإذا زال الحاجز، تمكّن من إيقاع الحكم. وتغيّر السوق أوجب منع الرّدّ، وعودُه إلى ما كان عليه أمر ثان غير الأوّل. وهذا أيضًا قريب من مسلك الشّيخ أبي الحسن.
وقال غيرهما: إنّما الفرق عند ابن القاسم أنّ تغيّر السوق مِمّا لا يدخل تحت قدرة العباد، وما لا يكتسب لا يتّهم النّاس فيه، والبيع مِمّا يكتسب، فيمكن أن يكون المشتري للسلعة شراء فاسدًا أظهر البيع ليمنع من نقض ما اشترى شراء فاسدًا، فلمّا تطرّقت التّهمة إليه في ذلك، وتأكّدت التّهمة بأن عادت السلعة إلى يده، فظنّ به أنّ ذلك البيع إنّما كان زورًا فلم يؤثّر وقوعه.
والسوق إذا تغيّرت لا يتّهم المشتري ولا البائع على أنّهما تواطآ على تغيّرها قصدًا للمنع من نقض فعلها. ألا ترى أنّه ذكر في كتاب العتق فيمن حلف بعتق عبده إلاّ فعل فعلًا، ثمّ باع العبد ثمّ اشتراه، فإنّ اليمين يبقى حكمها لمّا اتّهم أن يكون أظهر البيع زورًا ليرفع حكم اليمين.
وهذا الفرق أيضًا والتّمثيل يقدح فيه بأنّه ذكر في المدوّنة في هذا الّذي اشترى سلعة شراء فاسدًا، ثمّ باعها بيعًا صحيحًا، ثم عادت إليه بشراء أو ميراث أو عطيّة، أنّ حكم الفوت ارتفع، وقد علم أنّه لا يتّهم في الميراث أن يكون قصدا إلى أن يموت حتّى يورث عنه، فلا ينتقض بيعه. كما لم يتّهمه في المدوّنة فيمن حلف ألاّ يفعل فعلًا بحرّية عبده ثم باعه ثمّ ورثه، أنّ اليمين ارتفعت لمّا لم يتّهم في الميراث بخلاف البيع هذا أيضًا.
وقد اضطرب المذهب فيمن قصد إلى التّفويت لما اشتراه شراء فاسدًا لئلاّ يُقضَى بأخذه من يده، فإنّه إذا فعل ذلك قبل أن يقام عليه، فإنّ التّفويت حاصل ولا يمنع منه لكونه قاصدًا لذلك. وإن كان فعل ذلك بعد أن قام عليه البائع لينقض بيعه، ففيه اختلاف. هكذا ذكره بعض أشياخي مطلقًا. والّذي في المستخرجة أنّ ذلك لا يكون فوتًا إلاّ أن يكون التّفويت بالعتق، فإنّ التّفويت حاصل لأجل حرمة العتق. فهذه الفروق كلّها مطلوبة كما أريناك.
стр. 1661
وقد قال بعض الأشياخ: إنّ مقتضى القياس ما قاله أشهب لكون العُهَدِ اختلف محلّها باختلاف هذه البياعات. واختلاف العهد، وتبدّل الأملاك أولى أن يكون موجبًا للفوت، ولا يقدّر السبب المفيت كالمرتفع. ألا ترى أنّ من باع سلعة بثمن إلى أجل، ثمّ باعها، ثمّ اشتراها وفلس، فإنّ البائع منه الأوّل لا يكون أحقّ بها من الغرماء، وإن كانت عينَ السلعة، لمّا تخلّل ذلك اختلاف العُهَد وتبدّل الأملاك.
وإذا تقرّر هذا، فإنّ بعض الأشياخ مال إلى افتراق حكم الأسباب الّتي رجعت السلعة بها إلى يده، فقال: إذا ردّت عليه بعيب ينبغي ألاّ يمنع ذلك الفوت, لأنّ البيع قد انتقض من أصله حتى كأنّه ارتفع، لا سيما على أصل أشهب الذي يرى أنّ الرّدّ بالعيب كنقض بيع. وقد جمع في المدوّنة هذه الأسباب على حكم واحد، فقال: إن اشتراها أو ورثها أو وهبت أو ردّت عليه بعيب. وهذا الّذي قاله في المدوّنة إنّما يحسن إجراؤه مجرى الشّراء على القول بأنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع.
وعلى هذا التّوجيه والأسلوب الّذي ذكرناه تجري بقيّة فروع هذا الباب، مثل أن يشتري عبدًا شراء فاسدًا ثمّ يدبّره أو يعتقه فيردّ غرماؤه تدبيره وعتقه، فهل يرتفع حكم الفوت بردّ الغرماء بسببه؟ في ذلك قولان. وهكذا يجري الأمر فيه لو سافر به ثمّ عاد، أو مرض ثمّ صحّ، أو طرأ عليه عيب ثمّ زال، أو أجّره، أو رهنه ثمّ افتكّه بالقرب، فإنّ هذا كلّه يجري على القولين. هذا إذا سافر به سفرًا يكون مفيتًا. وقد تكلّمنا على حكم نقل العبيد من بلد إلى بلد. وقد ذكر في المدوّنة في هذا الكتاب أنّ من باع ثمرة قبل الزّهو فجدّها مشتريها قبل الزّهو، أنّ البيع جائز إذا لم يشترط التّبقية.
وقد ذكرنا نحن فيما تقدّم كلامُنا عليه في كتاب السلم أحكام بيع الثّمرة قبل الزّهو بشرط التّبقية أو بشرط الجذاذ إذا وقع العقد عاريًا من هذين الشّرطين.
стр. 1662
وقد تعلّق بعض الأشياخ بهذا اللّفظ الّذي ذكرناه عن المدوّنة فقال: إنّه يقتضي جواز البيع إذا وقع العقد عاريًا من شرط التّبقية, لأنّه أجاب بجواز البيع قبل الزّهو، وعلّق المنع بشرط التّبقية، والساكت عن الشّرطين لم يشترط التّبقية. وتأوّل الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد وغيره هذا اللّفظ على أنّ المراد أنّهما تفاهما بشرط الجدّ وعلى ذلك عقدًا.
ويؤكّد هذا التأويل عندهم (١) قوله: إذا اشترى تمرًا قبل الزّهو فجدّه قبل الزّهو، وكأن ما فعله من الجدّ قبل الزّهو إشارة إلى أنّهما عقدا على هذا الفعل الّذي وقع من المشتري.
والتّحقيق في هذا أنّ مقتضى العقد يقتضي المناجزة في الثّمن والمثمون، والتّأخير في أحدهما لا يكون إلاّ بالتّراضي، والتّراضي يكون مشترطًا نصًا أو متفاهمًا من جهة العادة أو غيرها، فإن ثبت النّصّ على التّبقية أو استُدِلّ عليه بعادة أو قرينة حال، فسد البيع. والبغداديّون من أصحابنا يرون فساد البيع قبل الزّهو (٢) إلاّ أن يشترط القطع. ويتعلّقون بنهيه ﵇ عن بيع الثّمرة قبل الزّهو، ولم يفصل وهو على عمومه إلاّ ما استثناه الدّليل. وقد وسعنا الكلام على هذا فيما تقدّم، وإنّما ذكرنا ها هنا منه ما تعلّق بلفظ المدوّنة.
قال القاضي أبو محمّد عبد الوهاب ﵀، في فصل قدّمنا ذكره افتتح به البيوع:
وفساد البيع يكون بوجوه منها ما يرجع إلى المبيع ومنها ما يرجع إلى الثّمن ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين ومنها ما يرجع إلى صفة العقد ومنها ما يرجع إلى الحالة الّتي وقع فيها العقد. الفصلَ إلى آخره على ما قدّمنا ذكره عنه وشرحنا كثيرًا منه.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل سؤالان:
стр. 1663
١ - أحدهما أن يقال ما أقسام ما يرجع إليه فساد البيع؟
٢ - وما حكم كلّ واحد من هذه الأقسام؟
فالجواب عن السؤال الأوّل: أمّا ما يرجع إليه فساد البيع، فإنّه لا يخلو من أربعة أقسام:
١ - أحدها أن يرجع إلى العقد.
٢ - والثّاني أن يرجع إلى الثّمن.
٣ - والثّالث أن يرجع إليهما.
٤ - والرّابع أن يرجع إلى شرط قارن العقد.
فالجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد تكلّمنا على حكم الشّروط الفاسدة المقارنة للعقد في كتاب بيوع الآجال. وذكرنا الاختلاف في البيع الّذي قارنه شرط السلف، هل يقف فساد البيع على التمسّك بالشّرط أم لا؟ وقد ذكر القاضي أبو محمّد في شرح الرّسالة أحد قولين عندنا في وصف فساد البيع على التمسّك بالشّرط، وصحّته على إسقاط الشّرط، كالبيع بشرط السلف أو بشرط أن يتّخذ الأمة المبيعة أمّ ولد أو لا يخرجها من البلد. فقال: إنّ هذه الشّروط المقارنة للبيع يصح العقد إذا أسقط الشّرط. واستثنى مسئلة واحدة وهي إذا اشترى سلعة واشترط خيار أمد طويل لا يجوز اشتراطه. فذكر القاضي أبو محمّد أنّ إسقاط هذا الشّرط لا يصحّح البيع بخلاف غيره من الشّروط. وأشار إلى أنّ إسقاطه صورته كصورة التمسّك به. لأنّ مشترط هذا الأمر إنّما اشترط أن يكون له الخيار طول هذا الأمد، بين أن يتمسّك بالسلعة أو يردّها، فإذا قال: أسقطت الشّرط، فمعناه أنّي تمسّكت بها. وقد كان له التمسّك بحكم مقتضى الخيار لو كان صحيحًا، وصورة تمسّكه بها بحكم كصورة تمسّكه بها إذا أسقط الشّرط ليصحّ له التمسّك بها. وهذا الّذي قاله، وإن كان رمى مرمى خفيًّا، فإنّه عندي قد يختلف، تخريجًا من مسئلة من أسلم في ثمر سلمًا فاسدًا، فلمّا فسخ عليه وقضي برأس المال أراد أن يأخذ منه تمرًا مثل الّذي منع منه بفسخ العقد، فقد قيل: إنّ ذلك لا يجوز لأنّه يتّهمه للفساد الّذي منع المتعاقدان منه وكأن
стр. 1664
الفسخ لم يفد. وقيل: يجوز له ذلك.
وينبغي أن ينظر في إسقاط هذا الشّرط إذا مضى من أمد الخيار ما لا يجوز أن يشترط، هل لا يؤثّر إسقاطه لكون الفساد قد حصل بطول الأمد، كأحد القولين في إسقاط السلف المقارن للبيع بعد أن قبض؟ هذا ينظر فيه على الطّريقة الثّانية الّتي أشرنا إلى تخريجها من مسئلة السلم الفاسد. وأمّا على طريقة القاضي أبي محمّد عبد الوهاب فلا فرق، على مقتضى تعليله بين إسقاط الشّرط وقد مضى من الأمد قليل أو كثير. ولعلّنا أن نعيد الكلام على المسئلة في كتاب بيع الخيار.
وذكر القاضى أبو محمّد في فصل بعد هذا آخر ذكر فيه فروع ما يرجع إلى الحال الّتي وقع فيها العقد. قال: منه البيع يوم الجمعة بعد النّداء مِمّن تلزمه الجمعة أو أحدهما، فيفسخ إن وقع.
فاعلم أنّ الله سبحانه قال في كتابه ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١). فإنّ هذا البيعُ المنهيّ عنه. فاختلف المذهب، هل يفسخ أم لا؟ ثلاثة أقوال: فالمشهور وهو المذكور في المدوّنة أنّه يفسخ. وفي المجموعة أنّه لا يفسخ. وفي ثمانية أبي زيد أنّ عبد الملك بن الماجشون فسخه في حقّ من اعتاد ذلك، وتكرّر منه، ولم يفسخه في حقّ من لم يتكرّر ذلك منه.
وسبب الاختلاف في فسخه أنّ هذا بيع نهى الله تعالى عنه. فإن قلنا: إنّ النّهي لا يدلّ على فساد المنهيّ عنه، لم يجب الفسخ على ظاهر ما في المجموعة وبه قال أبو حنيفة والشّافعي. وكذلك إن قلنا: إنّ النّهي يدلّ على الفساد إذا تعلّق بالذّات المنهيّ عنها أو بخاصّيّة من خواصّها اللاّزمة لها، وأمّا إن تعلّق بأمر خارج عن هذين، فإنّه لا يجب الفسخ، فإنّ مقتضى هذا المذهب لا يفسخ البيع المعقود بعد النّداء لصلاة الجمعة، لكون هذا النّهي نهيًا
стр. 1665
عن مباشرة الفعل لا يعود إلى نفس المبيع أو خاصيّة من خواصّه وصفة لازمة له. وإن قلنا: إنّ النّهي يدلّ على الفساد، قولًا مطلقًا، اقتضى هذا فسخ العقد.
وقد بيّنّا هذا أيضًا على اعتبار هذا النّهي، هل هو لحقّ الله سبحانه، لئلا يشتغل عن الصّلاة المفروضة فيفسخ البيع. أو هو لحقّ الخلق، لئلاّ ينفرد من لم يحضر الصّلاة بالأرباح دون عامّة النّاس، كما نَهى عن تلقّي الرّكبان مصلحة لعامّة النّاس، فلا يفسخ هذا البيع، كما لا يفسخ بيع المصرّاة لمّا كان النّهي عن التّصرية راجعًا لحق الخلق.
وأمّا ما وقع في الثّمانية، فهو راجع إلى أنّ الفسخ لا يلزم، ولكنّه عاقب من تكرّر هذا منه بفسخ عقوده.
وإذا قلنا بالفسخ، فمذهب سحنون وابن عبدوس أنّه يمضي بالثّمن إذا فات المبيع. ومذهب أشهب وابن القاسم أنّه يقدَّم فيه القيمةَ إذا فات المبيع.
واختلفا في الوقت الّذي تعتبر فيه القيمة. فقال ابن القاسم: حين القبض، قياسًا على سائر العقود الفاسدة. وقال أشهب: بل بعد فراغ الصّلاة وذهاب الزّمن الّذي يحرم فيه العقد. وكأنّه رأى أنّ التّقويم كضرب من المعاوضة، والمعاوضات حينئذٍ نهي عنها. واختار ابن حبيب مذهب أشهب، واحتجّ أنّه لا يختلف في بيع ثمرة بيعت قبل الزّهوّ أنّ التّقويم إنما يكون بعد أن حلّ بيعها.
وهذا الّذي قاله لا يُسَلَّمُ. بل لوْ جدّ الثّمرة قبل الزّهو، لقوّمت حينئذٍ، وإن كانت حينئذٍ لا يحلّ بيعها على التّبقية.
وإذا وضح ما قلناه في بيع الجمعة وعلّة المنع، فإنّه يتصوّر فيه صورة أخرى مشاركة لبيع الجمعة. وذلك فيمن أخّر صلاة العصر حتّى بقي بينه وبين الغروب ما إن اشتغل بالبيع، فاتته الصلاة، وكان إيقاعها بعد ذلك قضاء لا أداء، فإنّه محرّم عليه الاشتغال بالبيع عن صلاة استحقّت هذا الوقت. وقد اختلف فيمن فعل هذا، فقال إسماعيل القاضي يفسخ بيعه. وهو اختيار الشّيخ أبي عمران لوجود العلّة المذكورة في صلاة الجمعة في هذه المسئلة. وقال ابن سحنون: لا يفسخ.
стр. 1666
ويمكن أن يقال: لا يفسخ في هذه، ويفسخ في الجمعة، لكون الجماعة شرطًا في إقامة الجمعة، فمن المصلحة منع كلّ ما يؤدّي إلى افتراق جمعهم والإخلال بشرط لا تصحّ الجمعة إلاّ به، مع كون البيع يوم الجمعة قد يتكرّر. والّذي يخشى أن تفوته صلاة العصر إن اشتغل، لم يشترط عليه إيقاعها في جماعة فيفتقر إلى حماية الذّريعة في أن لا يخلّ بالجماعة. وقد كان شيخنا ﵀ يقول: كثير من العوام يؤخّرون صلاة العصر اشتغالًا بما يبيعونه في الأسواق ويبتاعونه. وهذا يقتضي منع معاملتهم حينئذٍ ومنع أكل ما يشترى منهم إذا قيل بالفسخ.
وأمّا ما يرجع فساده إلى الثّمن، فإنّه يفسخ إن كانت السلعة قائمة. وإن فاتت، فإن كان الفساد مجمعًا عليه، أغرمت القيمة، وإن كان مختلفًا فيه، فإنّ الواجب أيضًا القيمة. وروي عن مالك أنّه يمضي بالثّمن وهذا مراعاة للخلاف.
وقد كنّا ذكرنا نحن فيما تقدّم مذهب ابن مسلمة وأنّه يرى أنّ الفسخ بعد القبض استحسان، وإذا كان استحسانًا مضى بالثّمن. وبيع الجمعة، وإن رجع الفساد إلى العقد، فإنّه يفوت بحوالة الأسواق. وبيع المدبر، وإن رجع إلى العقد، فإنّه لا يفوت بحوالة الأسواق بل بالعتق أو الموت، وهذا لحُرمة عقد الحرّيّة الّتي حصلت فيه. وهكذا رأى ابن عبدوس أنّ بيع التّفرقة بين الأمّ وولدها لا يفوت يحوّالة السوق.
قال القاضي أبو محمّد ﵀:
وبيع المباطيخ (١) جائز ببدوّ صلاح أوّله وإن لم يظهر ما بعده. وكذلك الأصول المغيّبة في الأرض كالبصل والجزر والفجل. وكذلك الورد والياسمين إذا انتُفِع به. ويكون للمشتري لآخر (٢) إبّانه. وكذلك الموز إذا ضرب فيه أجل.
ولا يجوز اشتراء الكتّان إذا استثنى البائع حبّه، ولا القرط واستثنى برسيمه
стр. 1667
إلى حال يبسه. ولا يجوز بيع الحنطة في سنبلها. ويجوز بيع السنبل على جهته.
ويجوز بيع الجوز والباقلا، في قشره الأعلى.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما شرط جواز ما يباع مِمّا له خِلفة؟
٢ - وما حكم شراء الخلفة؟
٣ - وما حكم شراء هذه الأصول؟
٤ - وما يتفرعّ منها إذا صارت إلى حال لا يجوز اشتراطها في أصل العقد؟
٥ - وما حكم شراء الثّمرة المحجوبة؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: أمّا بيع الفواكه والقصيل والبقول وغير ذلك مِمّا في معناه، فمن شرطه أن يباع بعد أن يظهر، ويبلغ إلى حالة ينتفع به حين أخذه، من أكل أو رعي أو ما في معنى ذلك, لأنّه إذا بيع قبل ذلك، كان المبيع غير مرئيّ ولا موصوف، وما لم يشاهد ولا يوسف فهو مجهول. واشترطنا أن يكون بلغ إلى حدّ الانتفاع به لكون المعاوضة إنّما تصحّ على ما ينتفع به، كما قدّمناه في صدر هذا الكتاب، وما لا ينتفع به المعاوضة به من أكل المال بالباطل، وقد نهى الله عنه، ومن إضاعة المال، وقد نهى رسول الله ﷺ عنه. فإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الغرر ورد الشّرع بالنّهي عنه كما ورد بالعفو عن يسيره. قال ابن الجهم من أصحابنا: الغرر اليسير يجوز بإجماع، ولهذا لو قال له: بعني قطن جبّتك، وهو مغيب لم يجز. ولو قال له: بعني جبّتك بقطنها, لجاز. وكذلك لو قال له: بعني جنين أمتك، لم يجز. ولو قال له: بعني أمتك الحامل بجنينها, لجاز. وقال أبو الفرج من أصحابنا: الغرر الكثير الّذي لا مرفق في إباحته، ولا حاجة إلى التّرخيص فيه ممنوع، بدليل منع بيع الثّمرة قبل الزّهو على التّبقية. وإذا أزهى بعض الثّمر، بيع جميعه بزهو بعض، لكون هذا وإن كان غررًا, لأنّ ما لم يزه من هذا الّذي قد أزهى بعضه كالثّمرة إذا لم تزه كلّها, ولكن لمّا كان في إباحة بيع الثّمر بزهو بعضه مرفق
стр. 1668
وحاجة إلى التّرخيص فيه، سومح بهذا الغرر. وكذلك يمنع بيع الساج المدرج في جرابه. ويجوز بيع ما في العدل المشدود على متاع على الصفة، لما في ذلك من المرفق والحاجة إليه، هذا معنى ما أشار إليه. وقد بسطناه نحن فيما تقدّم. وذكرنا أنّ الشّرب من الساقي جائز، وإن اختلف مقدار شرب النّاس. وكذلك دخول الحمّام، وإن اختلف مدّة مقام الدّاخل فيه، ومقدار ما يغتسل به من الماء. وكلّ هذا بياعات فيها غرر، ولكنّه غير مقصود، وفي حكم اليسير فعفيَ عنه.
والجواب عن السّؤال الثّاني أن يقال: إذا اشترى قصيلًا على الوجه الجائز وأراد أن يدخل في العقد ما ينبت منه بعد جزّه، أو اشترى قثّاء أو بطّيخًا وأراد أن يدخل في العقد ما يخلف بعد ما جناه منه، فإنّ المعروف من مذهبنا جواز ذلك إذا كانت الخلفة مأمونة. ومنع من ذلك أبو حنيفة والشّافعي. فحاول بعض الأشياخ أن يضيف إلى المذهب قولًا بالمنع مثل ما قال أبو حنيفة والشّافعي.
فقال: قد ذكر في الموّازيّة أنّه لا يجوز مساقاة قصب السكّر واشتراط دخول خلفته في المساقاة، كما لا يجوز مساقاة الخلفة ولا بيعها. وحمل هذا على المنع من جواز بيعها على الإطلاق، عقد عليها وعلى الأصول الّتي تفرّعت الخلفة عنها عقدًا واحدًا، أو عقد على الخلفة على انفرادها. وهذا الّذي نقلناه من اختلاف الأئمّة جار في كلّ ما جرى مجرى القصيل في البطّيخ والقثّاء كالورد والياسمين وشبه ذلك.
واعلم أنّ مدار هذا الخلاف على ما قدّمناه من ورود الشّرع بالمنع من بيع الغرر والتّرخيص في الغرر اليسير أو الكثير الّذي تدعو الضّرورة إليه، فاعتقد أبو حنيفة والشّافعي أنّ اشتراء الخلفة منفردة لا يجوز لكون ذلك غررًا لا إشكال فيه، وعقْدًا على ما لم يشاهد ولا وصف وهو مجهول. واعتقد مالك وأصحابه أنّ هذا غير مقصود إلى التّخاطر فيه، بل في إجازته مصلحة، وإلى هذا أشار القاضي. وقد أشار القاضي أبو محمّد في غير كتابه هذا، فقال: إن منعنا من اشتراط الخلفة في عقد البيع أدّى ذلك إلى اختلاط المبيع مع ما لم يبع وهو
стр. 1669
الخلفة، ويعسر التّمييز، فلا يمكن تسليم المبيع متميّزًا، وإن منعنا من بيع الأصل حتّى يتكامل ما يتفرّع منه، أدّى ذلك إلى فساد الأصل وبطلان الانتفاع به، فدعت هذه الضّرورة إلى التّرخيص في هذا الغرر.
وقد أشار في المدوّنة إلى اشتراط كون الخلفة مأمونة الغالب كونها ستوجد على وجه يرتفع معه الغرر.
واعلم أنّ العقد على هذا الّذي لم يخلق يتنوعّ:
فتارة يعقد عليه بانفراده فيمنع، كشراء الخِلفة بانفرادها من غير أن يتقدّم تعاقد على أصولها.
وتارة يتقدّم العقد على أصولها، وهذا على قسمين:
إن وقع الشّراء للخلفة بانفرادها بعد أن جنيت الأصول، فإنّ ذلك لا يجوز.
وإن وقع العقد عليها بانفرادها، بعد أن تقدّم العقد على أصولها ولم يجد ما اشتراه من أصولها، فإنّ المذهب على قولين: يمنع ذلك، لكون العقد عليها منفردًا، والعقد المنفرد عليها خاصة ممنوع لأجل ما فيه من الغرر. أو يجوز ذلك، لكون العقد الثّاني ملحق بأصله الذي تفرعّ منه، فجرى حكمه، وإن كان متأخّرًا، مجرى حكم العقد الواحد على هذه الثّمرة، أصولِها وما يُجنَى منها بعد جناها.
وهذا كالاختلاف أيضًا في شراء مال العبد بعد أن وقع العقد على العبد دون ماله. وكاشتراء النّخل المثمرة دون ثمرها، ثمّ اشترى الثّمر الّذي لم يُزْهَ بعد ذلك (١). فمن جعل لكلّ عقد حكم نفسه، منع هذا الثّاني، ومن جعل العقدين ها هنا كالعقد الواحد أمضى ذلك. وقد تتجاذب الفئتان (٢) المختلفتان (٢) في جواز اشتراط الخِلفة في العقد على أصولها، مسئلةُ اشتراط
стр. 1670
النّخل، فقال أصحابنا: لمّا جاز بيع الثّمرة الّتي لم تطب بطياب بعضها، وكان ما لم يطلب منها تبعًا لما طاب، فكذلك يجوز اشتراط الخلفة في العقد على أصولها لكونها تبعًا لها أيضًا. وقال الآخرون: قد علم أنّه لا يجوز لمن اشترى ثمرة نخل هذا العام أن يشترط ثمرة العام الآخر، ولا يصحّ أن يجعل ثمرة العام الثّاني كالبيع لثمرة العام الّذي اشتراه. وكذلك لا يجعل الخلفة الّتي توجد في ثاني حالٍ بيعًا لأصولها الموجودة في حين العقد.
وينفصل أصحابنا عن هذا بأنّ ثمرة العام الثّاني لم يتّصل وجودها بوجود ثمرة العام الأوّل، بل تخلّل بينها عام فصل بين الوجودين، فكلّ وجود له حكم نفسه، ولا يصحّ أن يجعل تبعًا لغيره. بخلاف الخلفة الّتي يتّصل وجودها بوجود أصولها من غير فصل، فصار الاتّصال ها هنا معتبرًا دافعًا للغرر ومقتضيًا للجواز، كما أجزنا إجارة الضّئر وإن كان لبنها الّذي ترضعه بعد عقد الإجارة غير موجود حين العقد، لكن تتابُعُ الوجود يصيّر الثّاني حاصلًا كالأوّل في الحكم. فكذلك منافع الدّيار يجوز العقد عليها وإن كان ما يحدث من المنافع بعد العقد غير موجود حين العقد ولم يخلق بعد. وقد مرّ أبو حنيفة على منع بيع ما لم يخلق حتّى منع من بيع ثمرة بعد الزّهوّ بشرط التّبقية إلى أن يصير ثمرًا، لكون ما يخلق من الألوان والطّعوم في الثّمرة بعد زهوّها لم يخلق بعد، وشراء ما لم يخلق لا يجوز. وأجازه الشّافعي ومالك. فأمّا الشّافعي فإنّه يرى أنّ هذا التّغير تغيّر أعراض لا تغيّر زيادة أجسام إلى أجسام، فلهذا أجازه، بخلاف اشتراط الخلفة الّتي هي عنده أجسام لم تخلق. ولهذا أشار مالك أيضًا لمّا منع من شراء القصيل بشرط أن يقيم أيّامًا ليعظم، وشراء صوف على ظهور الغنم بشرط أن يقيم أيّامًا ليطول، فقال: هذا يمنع، بخلاف اشتراط تبقية الثّمرة لتصير تمرًا, لأنّ الثّمرة إنّما تحدث فيها زيادة نضج وحلاوة، فأشار أيضًا إلى أن تبدّل الأعراض بخلاف زيادة الأجسام. وهكذا مرّ أيضًا أبو حنيفة على هذا الأسلوب، فمنع من شراء طعام أو غيره في الذّمّة، إلاّ بشرط أن يكون المسلم فيه موجودًا في الطّرفين، حين العقد وحين القبض. فأمّا اشتراطه وجوده حين القبض فلا
стр. 1671
يخالف فيه. وأمّا اشتراطه وجوده حين عقد السلم، فنحن والشّافعي نخالفه فيه، على ما بيّناه في كتاب السلم من سبب الاختلاف بيننا وبينه في هذا. وهذا بيان حكم شراء ما لم يخلق وهو في الذّمّة أو مسند إلى معيّن.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: قد تقدّم فيما سلف ذكر المنع من شراء ثمرة قبل الزّهوّ بشرط التّبقية، وذكرنا ها هنا في هذا السؤال الّذي فرغنا من جوابه الآن أنّ مالكًا إنّما يجيز بيع القصيل بشرط تأخيره إذا كان التّأخير المقصود به حضور الحاجة إليه. ويَمنع منه إذا كان القصد به أن تزيد أجرامه وتظهر أجسامه, لأنّ ذلك شراء المجهول لم يخلق بعد. وإذا منع ذلك إذا كان القصد بشرط التّأخير إلى أن يتحبّب, لأنّ هذا يمنع منه للحديث الوارد:
"بالمنع من بيع الثّمر حتّى يزهى وبيع الزّرع حتّى يبيضّ" (١) الحديث كما تقدّم ذكره. فإن لم يشترط مشتريه تأخيره حتّى يصير حبًّا, ولكنه تحبّب قبل أن يجذّه فالبيع فاسد، كما يفسد إذا اشترى ثمرة قبل الزّهوّ على القطع، فيتركها حتّى أزهت. ويكون الحكم ها هنا في تركها من غير شرط كحكمها إذا تركت بشرط في أصل العقد. فإن اشترى الرّأس كلّه واشترط خليفته فتحبّب الرأس كله، فإنّ البيع يبطل في جميع الصفقة كلّها في الرّأس وفي الخلفة, لأنّ الخلفة إنّما جازت لكونها تبعًا، فإذا بطل البيع في المتبوع، بطل في التّابع. وهذا إذا تحبّب الرّأس بتعمّد منهما وتراخ يتّهمان معه على أنّهما أضمرا اشتراط ذلك حين العقد. وأمّا إن كان ذلك بتواني المشتري وامتناعه من جزّ القصيل، فإنّه يجري على القولين في الغلبة في الصّرف. وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصّرف وذكرنا ما قيل في ذلك في هذه المسئلة أيضًا هناك.
وإذا تحبّب بعض الرّأس، وكان العقد على الرّأس خاصّة دون الخلفة، فإنّه يبطل البيع فيما تحبّب منه خاصّة، وفيما قابل ذلك من الخلفة المشترطة،
стр. 1672
كما يبطل البيع إذا تحبّب كلّه فيه وفي خلفته. وزعم بعض أنّ ظاهر الرّواية عن ابن القاسم يقتضي أنّه لا بدّ من اعتبار التّقويم إذا اشترط في شراء الرّأس الخلفة. وإنّما سقط التّقويم إذا اشترى الرّأس خاصّة فتحبّب بعضه فإن ما تحبّب إنّما تسقط حصّته من الثّمن بالنّسبة، أو مذارعة أو فدادين لا بالتّقويم، إذا لم يختلف نباته.
وأمّا إذا تحببت الخلفة دون الرّأس، فلا بدّ من التّقويم. فذكر سحنون أنّ التّقويم للرّأس يكون يوم عقد البيع، وكذلك التّقويم للخلفة، ومراده أنّ الخلفة تقوّم وقت العقد على أسواقها أوقات جناها لكون سوق الثّمرة يختلف فلا بدّ من اعتبار ذلك.
ولو تحبّب بعض الرأس ولكنّه لا يتميّز عمّا لم يتحبّب، لانتقض البيع كلّه، لعدم التّمييز بين ما تحبّب بعضه والّذي لم يتحبّب بعضه. وقد ذكر في المدوّنة في صفة التّقويم مثالًا، مثل أن يكون الّذي تحبّب ثلث القصيل أو ثلثيه أو ثلاثة أرباعه، فإنّه يرجع من الثّمن بقدر ذلك. وقال بعض المتأخّرين: هذه إشارة منه إلى أنّه لا يمكّن من ردّ ما لم يتحبّب، وإن كان يسيرًا بخلاف من اشترى ثيابًا فاستحقّ أكثرها، فإنّه يردّ الأقلّ لبطلان جلّ الصفقة. وكذلك إذا ردّ ذلك بعيب. وهكذا في الثّمار إذا طرأت عليها جوائح أكثر من الثّلث حتّى يكون للمشتري مقال في الجائحة. فإنّ المشتري لا ردّ له، وإن أجيح أكثر الثّمرة؛ لأنّ هذه الجائحة طرأت بعد صحّة العقد، لكون المعقود عليه كلّه قد ملكه ملكًا صحيحًا، لم يكن من جهة البائع تدليس عليه ولا تفريط، فلم يكن للمشتري مقال في بطلان أكثر صفقته بأمر لا صنعَ للبائع فيه، ولا تهمة تتطرّق إليه، بخلاف ما استحقّ من يده أو رده بعيب. وكذلك ما تحبّب يرجع بمقداره من الثّمن، لكونه إذا ردّ الثّمن لا يأخذ عنه عوضًا، ولغير ذلك لما يذكر في كتاب الجوائح إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: قد تلخّص مما ذكرناه أنّ اشتراط ما
стр. 1673
لم يخلق في العقد على ما خلق يتنوّع إلى ثلاثة أنواع:
فمنه ما يتتابع وجوده، ويتميّز منه كلّ بطن على الذي قبله (١)، كشراء ثمرة هذا النّخل هذا العام بعد أن أزهي الثّمر، ويشترط في العقد شراء ثمرة العام الثّاني، وهذا لا يجوز من غير خلاف.
ومنه ما يتتابع في الوجود ولكنّه يتميّز بعضه عن بعض، مثل القصيل والقرط والقصب يشتري منه ما شوهد على صفة يجوز العقد عليها، ويشترط دخول ما لم يخلق في العقد، فهل يجوز فيه اشتراط الخلف عددًا محدودًا من البطون، وشراؤها إلى أن يفنى؟ ظاهر المذهب فيه على قولين: المعروف منهما جواز ذلك لأنّه في حكم المعلوم بالعادة، وإنّما أجيز شراء الخلفة لكونها في حكم المعلوم. وقد قدّمنا ما خرج من الخلاف في ذلك.
وإذا قيل بالمنع من هذا، فإنّما ذلك لأنّ في اشتراطها في حين العقد وجهًا من الغرر، لكن عفي عنه لأجل الضّرورة إليه وما فيه من المرفق، ولم تدع ضرورة إلى إحالة ذلك على فناء هذه الخلفة لأنّ ذلك في حكم المجهول، والغرر إنّما يسامح به إذا لم يوجد معْدِل عنه.
والنّوع الثّالث ما يتتابع وجوده ولكنّه لا تتميّز بعض بطونه عن بعض كالمقثاة، فإنّه تعلّق اشتراط الخلفة بفنائها وذهاب إبّانها، إذ لا يقدر على العدول عن ذلك بتعليق العقد فيها على عدد من البطون لعدم التّمييز في البطون، ولا يصحّ تعليق الشّراء فيها على التّحديد بزمن. فقد منع في المدوّنة أن تشترى المقثاة وما تخلف شهرًا. وعلّل يكون اختلاف الهواء عليها يختلف معه حكم نباتها. ورأى بعض أشياخي أنّ هذا التّعليل يقدح فيه جواز تعليق شرائها على فنائها وذهاب إبّانها مع اختلاف الأهوية في ذلك أيضًا. وقد ينفصل عن هذا عندي بأنّ اعتبار اختلاف الهواء في شهر بعينه يعظم التّخاطر فيه، وإذا علق العقد على الجميع خفّ الغرر لاستيعاب أزمنتها. وقد علم وجه العادة في
стр. 1674
حملها في جميع الأزمنة ولم يعلم عادة العمل في زمن بعينه في إبّانها.
وقد أجيز شراء الموز وخلفته زمنًا محدودًا، ويشتري أيضًا بطونًا محدودة، خلاف المقثاة، لكون البطون لا يتميّز فيها، والزّمان فيه من الغرر ما أشرنا إليه. ولعلّ من أجاز ذلك في الموز رأى أنّه لا يختلف الحال فيه باختلاف الأزمنة. وقد نصّ بعض الأشياخ على ما يطعمه أشجار التّين في أوّل إثمارها مِمّا يسمّيه أهل صقليّة البيفر وأهل الأندلس الباكور، لا يجوز العقد عليه وعلى ما تخلفه تلك الشّجر بعده من التّين، لكون ذلك لا يتتابع في الوجود، بل يذهب زمن هذا الباكور وتبقى الأشجار بعده عارية، ثمّ بعد حين تطلع التّين.
وهذا واضح لما قدّمناه من الاتّفاق على منع اشتراط ثمرة عامين.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أمّا شراء ما لم يشاهد، اكتفاء بما شوهد مِمّا يشتريه، في أصل الخلقة، مثل أن يشتري من الثّمار ما هو في جلباب وكِمام، فإنّه على قسمين:
أحدهما أن يشتري ما تحت الكمام، ويقصد بالعقد المأكول الّذي تحته، فهذا لا يجوز أن يقصد بالشّراء لبّ هذه الثّمرة. كمن اشترى حبّ الرّمّان دون ما عليه من قشر، أو قلب الجوز واللّوز دون ما عليهما من قشر، لكون المشترى ها هنا مقصودًا بالعقد مغيبًا غير مشاهد.
وأمّا إن اشترى هذه الأجرام على ما هي عليه، فإنّه لا يخلو أيضًا من قسمين:
أحدهما أن يشتري ذلك وعليه جلباب واحد من أصل الخلقة، لا يحفظه إلاّ هو ولا يمكن إدّخاره إلاّ به، كالرّمّان، فإنّ ذلك جائز لأجل ما دعت إليه الضّرورة من هذا، وكون العدول عنه إفساد للمال وإضاعة له.
ومنه ما يكون له جلبابان، كالجوز واللّوز، إذا كان عليهما كمامان، والفول إذا كان في غلفه (الّتي نبت) (١) خضرًا، فإنّ هذا أيضًا يجوز، عندنا وعند
стр. 1675
أبي حنيفة، العقد عليه، لكونه غير مقصود إلى التّخاطر فيه. ويستدلّ على الأجرام المأكولة وأحوالها وهي في أكمامها. ومنع الشّافعي من هذا. وقال الأصطخري من أصحابه وغيره: بجواز العقد على القول وهو في غُلُفِه العليا.
وردّ الشّافعي هذا بأنّ اللّحم منع من بيعه وهو مغيب في جلوده، مع كونه قد يعرف سننه من هزاله بالجسّ، فأحرى أن يمنع هذا في القول لكونه لا طريق له إلى معرفة علم ما في باطنه من صفة القول وجرمه وصفته الّتي يختلف الثّمن باختلافها إذا انكشف له. واستدلّ المجيزون بأنّ الأعصار مضت في سائر الأمصار على ترك إنكار البيع لهذا في غلفه العليا، فصار هذا كالإجماع. وأشار بعض أصحاب الشّافعي، في الاعتذار عن هذا، إلى أنّ هذه أمور قد تقع على جهة التّساهل في هذا, ولا يكون التسهّل فيه كالنّصّ على جوازه، ألا ترى أنّ أصحاب أبي حنيفة يمنعون الإجارة على تعلّم القرآن، وهم ينفرون أولادهم إلى المكاتب.
وهذا انفصال لا يقنع به. ولو صحّ الإجماع من سائر العلماء على فعل هذا من قوم وترك إنكاره من آخرين، لكان ذلك حجّة في الجواز, لأنّا لو لم نقل بذلك لكانت الأمّة أجمعت على الخطإ بين ناطق به وساكت عن إنكاره.
وأمّا شراء القمح في سنبله وهو قائم على سوقه، فإنّ ذلك جائز عندنا، وعند الشّافعي في أحد قوليه. ومنعه في قول آخر.
واستدلّ من قال بالجواز بما وقع في الحديث: "أنّه نهى عن بيع القمح في سنبله قبل أن يبيضّ" (١). جاز (٢) ذلك بعد أن يبيض، وقياسًا على بيع الشّعير في سنبله وهو قائم على سوقه.
ومن منع ذلك رأى أنّه مبيع في كِمامه الّتي يصحّ ادّخاره دونها، فأشبه عنده بيع القول في كمامه.
وهذا حكم بيع القمح في سنبله وهو قائم على سوقه.
стр. 1676
وأمّا بيعه بعد أن حصد، فقيل بجواز ذلك. واشترط في قول آخر أن يكون على صفة يمكن حزره ومعرفته وهو عليها.
وأمّا إذا حصد ودرس، فإنّه لا يجوز بيعه مخلوطًا بتبْنِه للجهالة بمقدار القمح مِمّا خالطه. لكن إن بيع على الكيل، على أن يكتال وقد صُفّي، جاز ذلك إذا شاهد القمح وعرف صفته.
قال القاضي أبو محمّد ﵀: ويجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف، أحدها: تعذّر التّسليم غالبًا. والثّاني: الجهل. والثّالث: الخطر والقمار. فأمّا ما يرجع إلى تعذّر التّسليم، فكالآبق والضّالّة والمغصوب، والطّير في الهواء، والسمك في الماء، وبيع الأجنّة واستثنائها، وحَبَل الحبلة، وهو نتاج ما تنتج النّاقة، والمضامين وهي ما في ظهور الفحول.
قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما حكم بيع الآبق والضّالّة؟
٢ - وما حكم بيع الأجنّة واستثنائها؟
٣ - وما حكم بيع حبل الحبلة والمضامين والملاقيح؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: بيع الآبق لا يجوز، عند مالك والشّافعي وأبي حنيفة، علم موضعه أم لا. وأجاز ذلك ابن سيرين إذا علم موضعه. وإذا لم يجز العقد عليه عند فقهاء الأمصار لا يصحّح العقد المجيء بالغائب عندنا وعند الشّافعي. ولا يجب تسليمه، لارتفاع الغرر لمّا حضر، لكون العقد الّذي التّسليم فرع عنه وقع فاسدًا. وأمضى ذلك أبو حنيفة وأجاز التّسليم، لأنّه يرى أنّ العقود ثلاثة: عقد صحيح وهو ما لا ترقّب في إبطاله، وعقد باطل وهو ما لا ترقّب في صحّته، وعقد فاسد وهو مِمّا تترقّب صحّته، كبياعات الشّروط الفاسدة كالبيع والسلف أو بيع أمة على أن يتْخذها المشتري أمّ ولد. وقد قدّمنا نحن أحد القولين عند إمضاء العقد إذا أسقط الشّرط الفاسد.
стр. 1677
وهذا رأي أبي حنيفة أنّ سبب منع العقد على الآبق كونه لا يمكن تسليمه. فإذا صار إلى حال لا يمكن (١) فيها تسليمه جاز تسليمه لأجل ما تقدّم من العقد فيه.
وهذا لا وجه له لأنّ التّسليم والتّقابض والتّمكين من المبيع إنّما يلزم ويجب بمقتضى العقد، فإذا كان العقد ممنوعًا محرّمًا، كان فرعه ونتيجته كذلك.
والّذي قاله فقهاء الأمصار، من منع العقد عليه وإن علم موضعه، واضح، لعدم القدرة على التّسليم. وبيع ما لا يمكن تسليمه باطل, لأنّه من أكل المال بالباطل. وأمّا ما ذهب إليه ابن سيرين، فإنّه إن أراد جواز البيع إذا علم موضعه، وهو معتقل فيه على حكم مالكه، ولا خصومة فيه ولا نزاع، وقد علمت حاله بالمشاهدة أو بالصّفة، فإنّ ذلك يجري مجرى بيع الغائب، فيجوز العقد دون شرط النّقد فيه، على ما يأتي بيانه في كتاب بيع الغائب إن شاء الله تعالى. وأمّا لو كان بموضع معلوم وصفته معلومة، ولكن يفتقر مالكه، إلى تمكينه منه ورفع يد القاضي بعد اعتقاله له، إلى بيّنة أو خصام أو منازعة، فإنّه منع سحنون من بيعه على هذه الصفة لأجل ما يقع فيه من مدافعة مالكه عنه حتّى يثبت ما يوجب تسليمه إليه. وكان بعض أشياخي يرى تجويز العقد عليه دون النّقد، بشرط أن يتمكّن منه على صفة تواصفاها وعلماها عليه. وقد كنّا قدّمنا عنه سلوك هذه الطّريقة في جواز بيع الثّمر قبل بدو الصّلاح بشرط أن تسلم وهي على صفة معلومة. ويحتجّ لهذا بأنّه منع في المدوّنة شراء زيت زيتون بعينه إذا كان يختلف خروجه. وأجاز إذا وقف إمضاء العقد على خروجه على صفة معلومة عندهما، من غير أن يشترط النّقد. وقد كنّا نحن قدّمنا، فيما أظنّ حكايته هذا عنه.
وإذا وقع بيع آبق على الوجه الممنوع فإنّه يفسخ، ولو قبض مشتريه، ما لم يفت عنده بعد قبضه بتغيّر سوق أو بدن، فيلزمه قيمته يوم قبضه. وإن لم يفت وتوجّه فسخه، وقد جعل المشتري جعلا لمن جاء به حتّى حصل في يديه، ولكنّه بعد هذا فسخ البيع عليه، فإنّ في رجوعه على بائعه بما أنفق على هذا
стр. 1678
الآبق حتّى حصل في يديه قولان: فقيل: يرجع بذلك على البائع لكونه أنفق على من لا ملك له عليه، ولا يستحقّ أن يُقَرّ في يديه، ولولا هذه النّفقة ما حصل عليه بائعه ولا رجع إليه. فكان للمنفق الرّجوع بهذه النّفقة لمّا أنفقها على ما هو في ضمان بائعه حين الإنفاق، كما أنفق، عند بعض أشياخي، على أنّ (١) من اشترى ثمرة قبل الزهوّ بشرط التّبقية فسقاها وعالجها، فإنّه إذا فسخ عقده رجع على البائع بقيمة ما سقى وعالج، لمّا كانت نفقته هذه على ما ضمانه من بائعه، ولم يتحقّق له ملكه، فكذلك الآبق.
بخلاف من اشترى نخلًا مجرّدة من الثّمر شراء فاسدًا فأثمرت عنده ولم تطب، فإنّ البيع إذا نقض في النّخل ووجب ردّها إلى بائعها، ردّت معها الثّمرة الّتي لم تطب، لكونها بعد الطّياب غلّة، والغلّة للمشتري وهي قبل الطّياب ليست بغلّة، بل هي كبعض أجزاء النّخل، فوجب ردّها مع النّخل. إذا وجب ردّ هذه الثّمرة، ففي رجوع المشتري بقيمَة ما أنفق في السقي قولان في المذهب: أحدهما أنّه لا رجوع له, لأنّه أنفق على ما هو يملكه وله فيه شبهة الملك، ومن أنفق على ملكه لا يرجع به على أحد. ألا ترى أنّ من اشترى عبدًا شراء صحيحًا فأبق له ثمّ أنفق نفقة في استرجاعه ثمّ استحقّ من يديه أو ردّه بعيب، فإنّه لا يرجع على بائعه بهذه النّفقة لأنّه أنفقها على ملكه فيما يعتقد، وعلى ما ضمانهُ منه، والبائع لم يأذن له. بخلاف من اشترى آبقًا شراء فاسدًا فأنفق عليه حتّى حصل في يديه، فإنّ البائع يقدّر هنا كالآذن له في النّفقة.
ولو خرج رجل بعبد رجل آخر من بلد الحرب، لكان له ما أنفق عليه. ولو خرج به وقد وهب له، فإنّه يرجع أيضًا بما أنفق عليه لأنّه أنفق على ملك غيره، بدلالة أنّه لو أعتقه لم ينفذ عتقه فيه، وما ذلك إلاّ لكونه باقيًا على ملك صاحبه. ولو اشتراه من بلد الحرب فأنفق عليه حتّى خرج به، لم يرجع بما أنفق, لأنّه لو أعتقه لنفذ عتقه فيه كما ينفذ عتقه في عبده الّذي ملكه ملكًا محقّقًا.
стр. 1679
هذه طريقة سلكها بعض الأشياخ، وأشار إلى اعتبار كون الإنفاق واقعًا على ملك المنفق، والعبد على ملك المنفق أو على ملك مستحق العبد. وما فيه أيضًا أنّ البائع كالآذن في هذه النّفقة أو ليس بآذن.
وقد اختلف المذهب على قولين فيمن فدى سلعة من أيدي اللّصوص، هل يأخذها صاحبها منه من غير أن يعطيه ما فداها به، أو يلزمه، إذا أخذها، ما فداها به وهو ها هنا أنفق على ملك غيره، وليس كالآذن له في هذا.
ثم مع هذا وقع فيه الاختلاف لمّا كانت نفقات وقعت بشبهة وتأويل، ولولاها ما حصل المال المردود على صاحبه. ولكن هذه النّفقات ليست بأعيانها موجودة في ملك من ردّ عليه ملكه، وهي كالمستهلكة وليست بعين قائمة يطلب مالكها أخذها من ملك غيره، كبناء المشتري بوجه شبهة. لكن من اعتبر كون هذه النّفقات زادت في الأملاك أو حطّتها (١)، ولولاها كانت الأملاك كالعدم، أوْجَب الرّجوع بها. ومن رأى أنّ مخرج النّفقة من يده لا يطالب بعين قائمة صارت من ملكه إلى ملك غيره، أسقط الرّجوع بهذه النّفقات.
ولو حدث بالآبق عيب بعد بيعه وقبل قبضه، لكان مصيبته ذلك (٢) من البائع. فإن قبضه المشتري، وفيه عيوب حدثت بعد العقد وحال سوقُه عنده بعد قبضه، فإنّ الفسخ قد ارتفع لأجل حوالة الأسواق عليه وهو في يديه، ولكنّه يقوم عليه على حسب ما قبضه بعيوبه الحادثة قبل قبضه وبعد بيعه، كما قدّمناه من كونها حدثت والعبد في ضمان بائعه.
ولو اطّلع على عيب قديم أيضًا إلى هذه العيوب الحادثة بعد العقد وقبل القبض، لم يمنع الرّدّ بهذا العيب القديم الّذي سبق البيع حوَالةُ سوق هذا العبد الآبق بعد قبض المشتري له, لأنّ الرّدّ بالعيب لا يفيته حوالة السوق، وإنّما يفيت حوّالةُ السوق البيعَ الفاسد، وقد ألزمنا المشتري لأجل الفوت بحوَالة السوق قيمة العبد بعيوبه الحادثة قبل قبضه وبعد عقد بيعه، فصارت القيمة
стр. 1680
كثمن اشتُريَ به العبد شراءً صحيحًا، ثمّ اطّلع فيه على عيب وقد حال سوق العبد، فإنّه إنّما يقضى له بتخييره بين أن يقبل العبد بالعيب القديم للعيب على حالته من العيوب الحادثة بعد العقد وقبل القبض خاصة، وإن شاء ردّ العبد بالعيب القديم، وانتفض ما لزمه من القيمة.
ولو كان فوت العبد عند المشتري بعيوب حدثت عنده، فإنّ له ها هنا أن يطلب قيمة العيب القديم، وتلزمه قيمة هذا الّذي قبضه على حالته من العيوب التّي قبضها عليه، القديمة والحديثة. كما يجري الحكم في ذلك في البيع الصحيح إذا اطّلع المشتري على عيب قديم وقد حدث عنده عيب آخر، ويكون ها هنا اللاّزم له قيمة العبد يوم قبضه على ما هو عليه من عيب قديم أو حديث.
وإن اختار الرّدّ بالعيب القديم، قوّم قيمة ثانية ليعلم منها مقدار ما نقصه العيب الّذي حدث عنده.
وأمّا الضالّة فتجري مجرى الآبق في جميع ما قدّمناه.
وقد تكلّم ابن القاسم وغيره على شراء الإبل المهملة في الرّعي ومنعوا ذلك. فمنهم من أشار في علّة المنع إلى كونها لا تعلم صفتها، ومنهم من أشار إلى كونها لا يمكن قبضها إلاّ بإرهاق وأمر سياق، فاشترط في المنع كونها على هذه الحالة ليلحق بما منع من بيعه لعدم القدرة على تسليمه والتّمكين منه.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: أمّا شراء الجنين فإنّه لا يجوز لما تحقّق فيه الجهالة لكلّ ما يقصد من جنسه من المبيع. وإلى هذا أشار مالك في الموطأ فقال: إنه لا يدري أحيّ أم ميّت، أذكر أم أنثى، إلى غير ذلك من الصفات التّي ذكرها. وقال أيضًا: إنّه إذا اشترى العبد الآبق الّذي قيمته خمسون دينارًا بعشرين دينارًا، فإنّ المشتري إن وجده ذهب من مال البائع ثلاثون دينارًا، وإن لم يجده ذهب من مال المشتري عشرون دينارًا. فأشار في علّة المنع إلى الجهالة بالمبيع وإلى المخاطرة في الثّمن.
وأمّا استثناؤه فإنّه ممنوع أيضًا لكون البائع قد حطّ من الثّمن كأنّه اشترى به الجنين. وقد قدّمنا أنّ شراءه لا يجوز لما فيه من المخاطرة في المثمون
стр. 1681
والثّمن. وهذا التّعليل إنّما يتّضح على القول بأنّ المستثنى مشترَى بأن يقدّر أنّ البائع باع الأمة بجنينها، وصار بالعقد ملكًا للمشتري فاشتراه هو بما وضعه من الثّمن الّذي يجب له لو لم يشترطه، ويستثنيه. وقد بولغ في المنع من هذا حتّى ذكر في الموّازيّة أنّه لو باع رمكة على أنّها عقوق، لم يجز هذا البيع. ورأى أنّ اشتراط كونها حاملًا حين العقد يصيّر الجنين مقصودًا في العقد، وما كان مقصودًا في العقد فله حصّة من الثّمن، وقد ذكرنا أنّ الثّمن الّذي هو عوض الجنين فيه من المخاطرة ما بيّنّاه. ولو ذكر أنّها عقوق لا على جهة الاشتراط لكونها حاملًا حتّى يكون لذلك حصّة من الثّمن، بل على جهة الإخبار بحالها والتبرّي من حملها لجاز العقد، لكونه إذا وقع على هذه الصفة لم يكن له حصّة من الثّمن ولم يكن مشترَى مع أمّه.
والجواب عن السّؤال الثّالث أن يقال: ما معنى النّهي عن حبل الحبلة؟ فإن فيه تفسيرين، أحدهما: أنّ المراد به بيع نتاج ما تنتجه النّاقة. وإلى هذا ذهب ابن وهب. وذهب مالك إلى أنّ المراد به بيع سلعة بثمن يقضَى عند نتاج النّاقة. والمعنيان جميعًا يتّضح فسادهما. وقد بّينّا وجه المنع من شراء جنين ناقة، والجنين موجود حين العقد في بطن أمّه، فشراء جنين يخلق من هذا الجنين الأوّل أوضح في المنع.
وكذلك إذا كان المراد ضرب هذا أجلًا لثمن سلعة باعها، فإنّ ذلك أيضًا ممنوع لكون الثّمن لا يعلم متى يقبض، ولا الزّمن الّذي تنتجه ما تنتجه ناقة مشار إليها. كيف ولو كان الزّمن محدودًا معلومًا مبلغه، ولكنّه من الطّول بحيث الغالب فيه تغيير الذّمم وعدم الثّقة بحصول الثّمن، وكون الغالب منه أنّه لا يبقي مشتريه إليه وإن بقي يتغيّر حاله في الكسب، ولو كان الأجل عشرين عامًا لكره ذلك، ولكنّه لا يفسخ البيع فيه. ولو كان لعشر سنين لكان ذلك جائزًا. وهذا التّفصيل الّذي وقع في هذه الرّواية ما بين جواز وكراهة وتحريم لا ينبغي أن يساق مساقًا واحدًا في سائر النّاس، فإنّه ربّما كانت بعض الذّمم في قوم، السنين (١) الكثيرة في حقّهم بالإضافة إلى
стр. 1682
كسبهم كالسنين القليلة في حقّ آخرين.
وأمّا النّهي عن بيع المضامين والملاقيح، فإنّ فيه قولين، أحدهما: أنّ المضامين ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في ظهور الفحول. وإلى هذا ذهب مالك واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (١). والرّياح محرّكة لتوليد الشّجر ثمارها لا حاملة للثّمار. وقيل: عكس هذا، إنّ الملاقيح ما في بطون الإناث، والمضامين ما في ظهور الفحول. وإلى هذا ذهب ابن حبيب وأنشدوا في هذا:
ملقوحة في بطن ناب حائل
وفي الاستشهاد بهذا البيت نظر.
وأمّا بيع الحصاة ففيه أقوال في تفسيره. فقيل: معنى الخبر الوارد بالنّهي عن أن يكون في يد إنسان حصاة، فيقول للآخر: إذا سقطت من يدي لزمني ما بعته منك. وقيل: المراد إذا سقطت الحصاة من يدي على ثوب بعينه، فإنّ البيع لازم. وقيل: معناه أن يبيعه منتهى ما يبلغه رميه بحصاة.
وقد تكلّمنا في كتابنا المعلم على هذه التّأويلات وذكرنا أنّ التّعليق بسقوط الحصاة من يده إذا كان المراد إسقاطها باختياره، فإنّه كبيع خيار إذا قدّر في ذلك أجل يجوز الخيار إليه. وكذلك إذا أراد إن سقطت الحصاة على ثوب بعينه من ثياب فقد عينت ذلك للبيع والثّياب متساوية، فإنّ هذا أيضًا كبيع ثوب من ثوبين يختاره البائع.
стр. 1683
فصل
ذكره في المدوّنة يتعلّق بما نحن فيه. فقال فيمن باع عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري: إنّ ذلك جائز.
قال الإِمام ﵀ يتعلّق بهذا الفصل سبعة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ما تقسيم الشّروط المقارنة للبيع؟.
٢ - وما حكم هذا الشّرط للعتق هل يفسد البيع أم لا؟.
٣ - وهل يجبر المشتري على إيقاع العتق؟.
٤ - وهل يجوز اشتراط الانتقاد في هذا البيع؟.
٥ - وهل يجوز تأخير العتق؟.
٦ - وما حكمه إن فات المبيع قبل إيقاع هذا الشّرط؟.
٧ - وما حكم البيع بشرط تحجير ممنوع منه؟.
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: حكم الشّروط المقارنة للبيع ثلاثة أنواع:
١ - إمّا أن يكون من مقتضى العقد.
٢ - أو من مصلحته.
٣ - أو ليس من مقتضاه ولا من مصلحته.
والّذي من مقتضاه ثلاثة أقسام أيضًا:
١ - وجوب التّسليم للبيع.
٢ - والقيام بالعيب.
٣ - والمطالبة بردّ العوض عند انتقاض البيع.
стр. 1684
والّذي من مصلحته ثلاثة أقسام أيضًا:
١ - التوثّق برهن أو حميل.
٢ - والمرفِق بالتّأجيل.
٣ - أو الخيار لاختيار المبيع.
وأمّا القسم الثّالث من الأقسام الأولى، وهو ما خرج عن مقتضى العقد وعن مصلحته، وذلك أيضًا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - أن يشترط إيقاع فعل في المبيع لا يلزمه في مقتضى الملك.
٢ - أو يمنع من فعل في المبيع مِمّا يقتضيه الملك.
٣ - أو يعود إلى جهالته في () (١)، أو ما في معنى ذلك.
فأمّا الذي من مقتضى العقد فإنّه يلزم وإن لم يشترط. والنّطق باشتراطه تأكيد للأمر اللاّزم فيه لكون البائع مجبورًا على التّمكين من المبيع، وعلى ردّ العوض عند القيام بعيب أو استحقاق.
وأمّا الّذي من مصلحته فيجوز، ولا يلزم إذا لم يشترط، كالرّهن، والحميل، والتّأجيل في الثّمن، والخيار في المبيع.
وأمّا ما خرج عن هذين فإنّه يمنع من اشتراطه كمن باع على أن يدبّر الأمة التّي اشتراها، أو يتّخذها أمّ ولد، أو على ألاّ يبيع ما اشتراه، ولا يهبه، أو على ألاّ خَسارة على المشتري في الثّمن إذا باع، أو على اشتراط سلف وما فيه معنى هذه الأمور.
فهذه التّقاسيم المشتملة على الشرّوط المقارنة للبيع على الجملة، وتفصيلها يردّ كلّ قسم في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد ذكرنا فيما تقدّم من هذا الكتاب الاختلاف في العقد المقارن لشروط ممنوعة كالبيع والسلف وبيع الأمة على أن
стр. 1685
يتّخذها أمّ ولد إلى غير ذلك مِمّا ذكره. وذكرنا أيضًا في كتابنا المترجم بالمعلم الحكاية المأثورة عن سائل سأل ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبا حنيفة عن بيع وشرط. فابن شبرمة أفتاه بإمضاء البيع والشّرط. ولمّا سأله السّائل وأعلمه بخلاف ما خالفه فيه من (١) ابن أبي ليلى بأنّ البيع صحيح والشّرط باطل. فاحتجّ له بقوله ﵇: "المسلمون على شروطهم" (٢). وأفتاه ابن أبي ليلى بأنّ البيع صحيح والشّرط باطل. واحتجّ له لمّا أعلمه بخلاف من خالفه بحديث بريرة وأنّه ﵇ أمضى شراء عائشة وأبطل شرط الولاء، وصعد المنبر فقال: "كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٣) الحديث. وأنّ أبا حنيفة أفتاه لمّا سأله ببطلان البيع والشّرط، واحتجّ لمّا علم بمن خالفه بنهيه ﵇ عن بيع وشرط (٤). وقد ذكرنا في التّقاسيم التّي قدّمنا أنّ من جملتها اشتراط البائع على المشتري أن يوقع في المبيع معنى لا يلزمه بحقّ الملك. وذلك أيضًا يكون على قسمين، أحدهما: أن يوقعه بعوإنقضاء ملكه، كبائع يشترط على المشتري إذا أعتق أن يكون الولاء له. فإنّ الولاء إنّما يثبت بعد ذهاب الملك عن العبد المعتق. وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ هذا قسم له حكم على حياله، والحكم فيه إمضاء البيع وإبطال الشّرط. فبطلان الشّرط لكونه إنّما يوقع بعد تقضّي الملك، وإمضاء البيع, لأنّ الشرط الّذي يتعلّق بالملك لا يؤثّر في صحّة الملك. وأشار إلى أنّ هذا الحكم متّفق عليه. وليس كما ظنّ، بل هذا جار على أسلوب ما قدّمنا ذكر الخلاف فيه، وما سنذكره في كتاب النّكاح، إن شاء الله تعالى، من اشتراط ألاّ توارث بين الزّوجين، وانعقاد النّكاح بهذا الشّرط لأنّ التّوارث إنّما يكون بعد زوال ملك العصمة.
والقسم الثّاني أن يوقع المشتري معنى في المبيع في حال كونه مالكًا له.