← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

من سلم وللآخر عليه مثله، فتتاركا على المباراة، فإنّ كلّ واحد منها لم يخرج من ذمّته ومن تحت ذمّته ما يقتضيه، ولكنّه باع ماله بما عليه لمن اشترى ذلك منه، صورة ممنوعة وهي بيع الطّعام قبل قبضه. وأيضًا إنّه إذا لم يقع التّناجز في ذلك، دخله النّساء في بيع الطّعام، والدّين بالدّين. لكن إنّما تتحقّق هاتان العلّتان بعد تحقّق البيع، والبيع ممنوع. ويصحّ أن يُجتزأ به في المنع من المقاصّة. لكن علم أنّ الإقالة رخصة مستثناة من بيع الطّعام قبل قبضه. ولكن من شرْط جوازه أن يكون برأس المال جنسًا ومقدارًا. وإذا اختلف الثّمن في الإقالة، خرجت عن قصد المعروف الّذي هو سبب جوازها والتّرخيص فيها إلى حدّ المبايعة والمكايسة، فبقيت في المنع على الأصل. والذّمم قد تختلف في الغنيّ والفقير، فتقع المكايسة في المقاصّة لأجلا اعتقاد كلّ واحد من هذين المتعاملين في ذمّة صاحبه. ولو كان لرجل على رجل طعام مؤجّل، لجاز تعجيله، ولم يحمل ذلك على المكايسة لما كانت ذمّة واحدة فيها هذا الدّين المؤجّل، ثمّ صار معجّلًا. بخلاف ذمّتين يختلف حالهما في حين المقاصّة. فإذا تساوت رؤوس المالين في المسلمين، جازت المتاركة على معنى الإقالة. فإذا كان هذان قادرين على المتاركة بالتّقايل ولا يتّهمان على العدول إلى ما لا يجوز، مع كونهما لهما سبيل إلى اجتنابه لفعل ما يجوز. ورأى ابن القاسم أنّ هذا لمّا لم يقصد به الإقالة تُصوّر فيه حقيقة المبايعة مع اختلاف الذّمّتين اللّتين وقع التّبايع بما فيهما، فمنع ولم يجر مجرى الإقالة. وإن تساوى السبب أيضًا ولكنّهما طعامان متماثلان قرضًا (١)، فإنّ المقاصّة جائزة على الإطلاق، تساوى الأجل أو اختلف حلّ الأجل أو لم يحلّ، وهذا لأجل بيع الطّعام القرض قبل قبضه جائز. فارتفعت هذه العلّة الّتي تصوّرت في السلم، فمنعت منه، فجاز ذلك في القرض. وأيضًا فإنّ طريقه المعروف والرفق، وما كان هذا شأنه لا يتطرّق إليه من التّهم ما يتطرّق إلى ما

стр. 1612

طريقه المكايسة. لكن قد ذكر اختلاف في جواز المقاصة بين ذهبين متساويين في الجنس والسكّة. وأجاز ذلك في المدوّنة على الإطلاق، ومنعه ابن نافع إلاّ بشرط أن يحلّ أجل الذّهبين، وروي أيضًا عن مالك منعه إذا اختلف الأجل، وتوقّف فيه إذا تساوى الأجل على ما سنذكره بعد هذا. فبعض الأشياخ يجري هذا الخلاف الّذي ذكرناه في جواز المقاصّة بين ذهبين وفي جواز المقاصّة بين طعامين قرضين لكون الذّهب يجوز بيعه قبل قبضه، والطّعام يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان قرضًا، ولا يحلّ النّساء في بيع الذّهب بالذّهب والطّعام بالطّعام. ورأى إجراء الخلاف المذكور في الطّعامين بأن يكون أحدهما من قرض والآخر من سلم. فمذهب ابن القاسم المنع إلاّ بشرط أن يحلّ أجل الطّعامين جميعًا. واختلف قول أشهب، فروي عنه الجواز إذا حلاّ جميعًا أو حلّ أحدهما. وروي عنه التقييد في ذلك بأن يكون الّذي حلّ منهما هو السلم. وأجاز ابن حبيب المقاصّة إذا اتّفق الأجلان وإن لم يحلاّ جميعًا. وقد قدّمنا لك من التّنبيه على علل المنع والجواز في هذا الباب ما يجري في هذا الخلاف. وذلك أنّا ذكرنا أنّ الطّعامين إذا كانا سلمين، منعت المقاصّة من أجل أنّ كلّ واحد منهما بُني الأمر فيه على المكايسة وقصد المبايعة. وإن كانا قرضين جازت المقاصّة لكون كلّ واحد منهم ابن ي على المعروف، فإذا افترق حالهما في هذا، فكان أحدهما، وهو السلم، بني على المكايسة، والطّرف الآخر، وهو القرض، بني على المعروف. فغلّب ابن القاسم حكم المعروف على حكم المكايسة بشرط أن يحلاّ, لأنّهما إذا حلاّ، ارتفعت الأغراض، وإذا كانا لم يحلاّ أو حلّ أحدهما، تصوّرت الأغراض لأجل اختلاف الذّمم، فوجب المنع. ورأى ابن حبيب تغليب حكم المعروف، فأجاز ذلك وإن لم يحلّ إذًا الآجال (١) لتقارب الأغراض مع تساوي الآجال. ورأى أشهب أنّ بحلول أحدهما يمنع من تصوّر تباعد الأغراض, لأنّ ما حلّ قد أُمِن على الذّمّة فيه، وما لم يحلّ، فإنّه وإن لم يؤمن على الذّمّة فيه، فإنّه لا يقابل هذا التّخوّف على الذّمّة التخوّفَ على ذمّة

стр. 1613

أخرى. ورأى مرّة أخرى أنّ الأجل في السلم حق لهما جميعًا، فلا يجبر من هو عليه على تعجيله قبل أجله، ولا من هو له على قبوله قبل أجله، فصار عدم الحلول يوجب قصد المكايسة منهما جميعًا لكون الأجل فيه حقًّا لهما، فاعتبر حلولهما خاصة. والقرض الآجل حقّ لمن هو عليه لا لمن هو له، فلم يتّضح اختلاف الغرض فيه لكون الأجل حقًّا لواحد منهما دون الآخر، بخلاف السلم الّذي الأجل فيه حقّ لهما جميعًا. هذا حكم الطّعامين إذا كانا متماثلين. ولو كانا جنسين وقد حلاّ جميعًا، فإنّ ذلك يمنع، إلاّ أن يكونا من قرضين. لأنّه إذا كان لأحد الرّجلين على الآخر قمح، ولهذا عليه تمر، فإنّ المقاصّة بين التّمر والقمح ليست مقاصّة على الحقيقة، وإنّما هي بيع طعام بطعام فيهما الأغراض (١) فمنع، إلاّ أن يكونا حلاّ جميعأوهما من قرض، فإنّه ترتفع علل المنع إذا تناجزا في التّقابض. وقد علم أنّ بيع القرض قبل قبضه جائز. وأمّا إن لم يحلاّ جميعًا، فإنّ ثبوت الأجل فيهما أو في أحدهما يقتضي النّساء والتّأخير في بيع طعام بخلافه. وقد علم أنّ من شرط بيع الطعام التّناجز كالصرف، وحصول الأجل فيهما أو في أحدهما يمنع التّناجز. هذا هو الطّريق المشهور من المذهب. لكن إذا قلنا: إنّ المقاصّة القصد بها المتاركة والمباراة لا مبايعة منسي بمنسيّ، وأنّ ما في الذّمم من المؤجّل كالحال، اقتضى هذا جواز ما منعناه في هذا الوجه لأجل علّة النّساء. وهكذا إذا جرى فيما تقدّم من المسائل اقتضى جواز كثير مِمّا منعناه فيما تقدّم وما نمنعه في ذلك مِمّا يعدّ إذا كان علّة المنع النّساء والتأّخير. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا العروض، فإنّ التّقاصص فيها يتنوّع إلى ما ذكرناه من اختلاف الآجال واختلاف الأسباب. فإذا كان لرجل على رجل عروض وللآخر عليه مثلها في الجنسيّة والصفة، فإنّ المقاصّة بينهما جائزة

стр. 1614

على الإطلاق من غير التفات إلى تماثل الآجال واختلافها أو تساوي الأسباب واختلافها. وهذا لأنّه لا غرض ها هنا يقتضي التّهمة على القصد على الوقوع في إحدى المحرّمات الّتي تقدّم ذكرها, لكون المتاركة ها هنا والمباراة لا يظهر فيها قصد إلى المكايسة والمغابنة في التّعاوض، لكون كلّ واحد منهما إنّما أعطى مثل ما أخذ سواء بسواء، فكأنّهما لم يتعاوضا، وإذا قدّر كذلك، فلا يتصوّر القصد إلى التّحريم الّذي اعتبرناه في المعاوضة. ولا يتصوّر في هذا من ناحية اختلاف الآجال أيضًا, لأنّ كلّ واحد منهما يقدّر فيه أنّه إن حلّ الأجل، وهو موسر، فإنّه يؤخذ بقضاء ما عليه. وإن حلّ، وهو معسر، فإنّ الطّالب له حبس ما عليه فيما له عنده. وهو أيضًا يوجب أن لا يلتفت لاختلاف الأسباب من كون الدّينين من بيعين أو من قرضين أو أحدهما من قرض والآخر من بيع، لما قدّمناه من أنّ التّماثل يرفع تصوّر اختلاف الأغراض من ناحية الآجال، فكذلك يرفعها من ناحية اختلاف الأسباب. وأمّا إن اختلف جنسا العرضين مثل أن يكون أحدهما أكسية والآخر أردية، فإنّ الآجال ها هنا إذا اتّفقت، جازت المقاصّة، لكون اتّفاق الآجال يرفع تصوّر القصد إلى المكايسة كما رفعها تساوي العرضين في الصفات. فإذا تماثل العرضان -لم يلتفت إلى اختلاف من ناحيتين بأن تختلف الأجناس وتختلف الآجال- لم تجر المقاصّة إلاّ بشرط أن يحلّ الدّينان جميعًا, لأنّهما إذا حلاّ جميعًا، صارا بحلولهما كمتّفقي الأجلين في مبدإ المعاملة، وارتفع بحلولهما القصد إلى المكايسة. واختلف المذهب إذا حلّ أجل أحدهما، ففي المدوّنة جواز المقاصّة، وقدّر أنه بحلول أحدهما، ارتفع قصد المكايسة فيه، وما يقع في النّفس من التخوّف على الدّين قد أمن منه في جانب ما حلّ، فضعفت التّهمة بالقصد إلى المكايسة. بخلاف أن لا يحل واحد منهما لأنّ المكايسة دائرة فيهما من الطّرفين جميعًا. وفي الموّازيّة المنع من هذا وإن حلّ أحدهما لأجل ما يتصوّر في الّذي لم يحلّ من القصد إلى المكايسة والمخاطرة فيه لكونه مؤجّلًا. هذا حكم المقاصّة بالعرضين المختلفين بالأجناس والمتّفقين في الأجناس والصفات.

стр. 1615

وأمّا العرضان المتّفقان في الجنسيّة المختلفان في الصفة، فإنّ أجليهما إذا اتّفقا جازت المقاصّة، لما قدّمنا من كون اتّفاق الآجال يضعف مع (١) التّهمة بالقصد إلى المكايسة. وأمّا إن اختلفت الآجال ولم يحلاّ، فإنّك تلتفت ها هنا إلى تنوّع الأسباب، فإن كان الدّينان من مبايعة منعت المقاصّة إذا كان أحد الدّينين أجود من الآخر, لأنّا نمنع في العرض إذا كان دينًا مؤجّلًا أن يعجّل ما هو أدنى منه، لأنّ ذلك وضع على تعجيل، وقد قدّمنا المنع منه، أو يعجّل ما هو أجود منه، لأنّ ذلك معاوضة على طرح الضّمان كما تقدّم بيانه في موضعه. وكذلك إذا كانا من قرضين، فإنّ أحدهما إذا أخذ أجود من الآخر، صار من قِبل الأدنى من حقه رضي بتعجيل على إسقاط بعض حقّه، وقد قدّمنا أنّ ذلك لا يجوز. وإن كانا مختلفي الأسباب أحدهما من بيع والآخر من قرض، فإن كان ما حلّ منهما أو ما هو أقرب حلولًا هو القرض، لم تجز المقاصّة على حال, لأنّ الّذي حلّ أو كان الأقرب حلولًا إن كان خيرًا من المبيع، فقد حطّ الضّمان الّذي يجب عليه في السلم على ما بذله من زيادة جودة القرض الّذي له. وإن كان القرض الّذي حلّ هو الأدنى، فقد وضع من السلم، الّذي له، على أن عجّل. وأنت إذا علمت أنّ ما يُوقع في ضع وتعجّل، أو حطّ الضّمان وأزيدك، ممنوع، اعتبرت فيما يكثر تعداده من هذه الأقسام كونَ ما حلّ، أو كان أقرب حلولًا كالمقبوض المدفوع عن الدّين الآخر الّذي يتأخّر حلوله، فيعتبر هل يوقع في أحد هذين الوجهين الممنوعين، فيمنع منه؟ وقد علمت أنّ ما كان من العروض سلفًا في الذّمّة يمنع تعجيل ما هو أجود منه في الصفة أو أدنى، وما كان قرضًا يمنع من تعجيل ما هو أدنى منه في الصفة لِمَا تصوّر فيه من وضع بشرط التّعجيل، إذ لا يلزم من عليه القرض أن يعجّله قبل أجله إلاّ برضاه، ولا يمنع تعجيل ما هو أجود منه في الصفة لكون من عليه القرض له أن يعجّله وإن

стр. 1616

كره ذلك من له القرض. فإذا كان ذلك من حقّه، فلا يفتقر إلى أن يبذل زيادة ليرضى من له الحقّ بقبوله منه. ونبّهناك أيضًا على أنّ الأجلين وإن لم يحلاّ، فإنّه يعتبر فيهما الأقرب حلولًا، فيقدّر أنّه كالحال. ثمّ تتفقّد فيه هذه الوجوه الممنوعة في القرض والبيع من وضع على تعجيل. ويفترق حكم البيع والقرض في زيادة عوض الرّضى بقبول التّعجيل، فيمنع ذلك فيما كان بيعًا، ويجوز فيما كان قرضًا. ويعتبر أيضًا في القرض وجه آخر وهو كونه قد زيد في عدده على أصل القرض، فإنّا كنّا قدّمنا أنّ قضاء القرض لا تمنع منه الزّيادة في جودة الصفات ويمنع منه الزّيادة في العدد في المشهور من المذهب. وذكرنا ما فيه من الاختلاف فيتفقّد أيضًا ها هنا، هل توقع المقاصة في زيادة من اقترض في عدد ما اقترض فيمنع على المذهب المشهور أم لا؟ فتستعمل هذه النّكت في المقاصّة بالدّينين الّلذين حلاّ، أو لم يحلاّ، أو أحدهما أقرب حلولًا، أو حل أحدهما دون الآخر، وهما قرضان أو بيعان، أو أحدهما قرض والآخر بيع. فلا تنفك مسئلة من هذه الأقسام من اعتبار ما نبّهناك عليه مِمّا منع أو يجوز. ويتصوّر أنّ الّذي حلّ أو كان أقرب حلولًا، كأنّه عجّل عن الدّين الآخر المتأخّر، فيعتبر في صفة التّعجيل ما قدّمناه من التّنبيه على ما يجوز وما لا يجوز. وما نبّهنا عليه من منع الزّيادة في عدد ما يقضى في القرض لا الزّيادة في جودته. واعلم أنّ في المدوّنة (١) ذكر في المقاصّة بذهبين متساويين في الجنسيّة والصفة، مختلفين في العدد، وهما قرضان، أنّ ذلك يمنع، قولًا مطلقًا. وكان بعض أشياخي يعتبر في هذا أجل المداينة في القرض، فإن ما اقترض (٢) أوّلًا أقلّ عددًا، أو ما اقترض بعد ذلك أكثر عددًا، منعت المقاصّة، وقدّر أنّ المقاصّة

стр. 1617

كاللّغو، والقضاء إنّما تصوّر حين الاقتراض الثّاني. فكأن من اقترض أولًا سبعين دينارًا، ثمّ اقترضه من له ذلك عليه مائة دينار، فإنّ ذلك كالقضاء عن القرض بزيادة عدد فيه، وذلك ممنوع. وظاهر نقل أهل المذهب اعتبار الزّيادة في العدد حين المقاصّة من غير التفات إلى زمن أحد القرضين. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا كان لرجل على رجل دنانير، وللآخر عليه مثلها في السكّة والجودة والوزن، فإنّ المقاصّة بينهما جائزة على الإطلاق، في المشهور من المذهب، من غير التفات إلى اختلاف أسباب الدّين ولاختلاف (١) الآجال، لما قدّمناه في القرضين من كون اتّفاقهما في الجنسيّة والصفة توجب ألاّ يلتفت إلى الاختلاف في الآجال. فإن اتّفقت، فإنّه سئل عن ذلك فقال: هاه، إشارة إلى ترخيص في هذا مع تردّد فيه. وهذا الخلاف الّذي ذكرناه عن ابن نافع وعن رواة أشهب أجراه بعض أشياخي في المقاصّة بالقرضين إذا اتّفقا. وأمّا إن كان العينان مختلفي الجنس كدنانير على رجل، وله على الآخر دراهم، فإنّ المقاصّة لا تجوز إلاّ بشرط أن يحلاّ على حسب ما ذكره القاضي عبد الوهاب ها هنا فيما نقلناه عنه وبسطناه هذا البسط. وأشار من لقيته من الأشياخ وبعض من تقدّمهم من أشياخهم على أنّ جميع ما قدّمناه فيما منعناه من المقاصّة في سائر هذه الأقسام، يتخرّج جوازه على القول بأنّ ما في الذّمم حكمه، كحكم المقاصّة، حكمُ ما حلّ. لأنّ القصد على هذه الطّريقة بالمقاصّة المتاركة والمباراة من الطّلب لا التّعاوض من دين بدين حتّى ينظر في ذلك إلى ما يحلّ ويحرم من الوجوه الّتي قدّمناها. وإذا كان هذا هو القصد بالمقاصّة وخرجت عن حكم المعاوضة على هذا المذهب، لم يمنع منها إلاّ ما يمنع من المقاصّة بدينين حلاّ جميعًا لوجه يقتضي المنع من ذلك مع حلول الدّينين جميعًا. وأنت ينبغي أن تجري ما قدّمناه من التّنبيه لك في المقاصّة بالعروض من اعتبار الوقوع في ضع وتعجّل، أو الزّيادة في عدد

стр. 1618

القرض في مسائل المقاصّة بالذهبين المتساويين. لكن تعلم أنّ الذّهب لا يدخله حطّ الضّمان على زيادة, لأنّ من هو عليه له تعجيله. ويدخله ضع وتعجّل، كما يدخله المنع من الزّيادة في عدد القرض في القضاء، على حسب ما تقدّم تفصيله، وذكر ما وقع فيه من الرّوايات وما قاله بعض أشياخي. وقد أشار بعض الأشياخ إلى أنّه يجب جواز المقاصّة بالعرضين إذا اختلف جنسهما واتّفق أجلهما, ولكنّه لم يحل أجل واحد منهما. كما منع المقاصّة والمطارحة بذهب عن فضّة إذا لم يحلاّ وإن اتّفقت آجالهما. وأشار إلى أنّه قد يفرّق بين السؤالين بأنّ الدّين الواحد المؤجّل يجوز أن يؤخذ عنه قبل أجله جنس آخر مخالف له، إذا كان الدّين وما أخذ عنه من العروض الّتي يجوز قضاء بعضها عن بعض. ويمنع في الدّين الواحد، إذا كان دنانير أو دراهم، أن يأخذ أحد النّوعين من هذين عوضًا عن الآخر إذا لم يحلّ الأجل. وهذا لا يتّضح إلاّ بأن يقال فيه: إنّا إذا أجزنا المقاصّة بين العرضين المختلفين إذا اتّفقت آجالهما ولم يحلاّ، فإنّا إنّما رخّصنا في وجه واحد وهو بيع الدّين بالدّين. وإذا أجزنا ذلك بالمقاصّة بدنانير عن دراهم قبل الأجل، انضاف إلى هذا الوجه الصرف المستأخر وهو نوع من أنواع الرّبا، فوجب المنع فيه لأجل أنّه انفرد في التّعليل بهذه العلّة الّتي لا توجد في العروض. وأمّا إذا أجرينا على أسلوب الطريقة الّتي نبّه عليها بعض الشّيوخ، وفي تقدير المقاصّة بدينين مؤجّلين كالمقاصّة بدينين حالين، فإنّ مقتضى هذا إجراء الجميع على حكم واحد. وعلى هذا يجري القول في المقاصّة ما بين طعامين مختلفي الجنس لكون تعليل المنع يتصوّر فيها منه ما يتصوّر في العروض. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا تقرّر ما يمنع من المقاصّة لما صوّرنا فيها من العلل الّتي نبّهناك على اعتبارها، فإنّ بعض الأشياخ نبّه على تفقّد طريقة أخرى، وهي اعتبار أهل المعاملة حتّى يعلم منه ما يجوز أن يؤخذ عمّا تقرّر في الذّمّة من الدّين، وتعتبر فيه الشّروط الّتي قدّمنا لك في كتاب السلم. وإذا أسلم رجل لرجل في عروض دنانير، وأسلم إليه الآخر في عروض مثلها

стр. 1619

دراهم، فإن هذا تمنع فيه المقاصّة، وإن كنّا قدّمنا إجازة المقاصّة في العرضين المتماثلين، وذلك أنّه ها هنا اختلف رأس المال، فكان رأس مال أحد العرضين دنانير، ورأس مال العرض الآخر دراهم، فإذا تقاصّا، قدّرت المقاصّة مطرحة على حسب ما نبّهنا عليه في أوّل هذا الكتاب. وإذا قدّر ذلك في المقاصّة، حصل منهما أنّ أحدهما دفع دنانير وأخذ عنها بعد مدّة دراهم. وهذا صورة الصرف المستأخر وهو ممنوع. واستشهد من ذهب إلى هذا بما ذكرناه في كتاب السلم فيمن أسلم دنانير في عروض وأخذ رهنًا بالسلم مِمّا يضمن بالدّراهم، فإنّه اعتبرنا فيه هناك ما يجوز أن يؤخذ عن رأس المال أيضًا. فهكذا يعتبر ها هنا. هذه أحكام المقاصّة مع اختلاف الأجناس والأسباب والآجال، وقد بيّناها. وذكر في كتاب الآجال في المدوّنة مسئلة من أخذ عن دنانير من له دين على رجل سلعةً بعينها حاضرة، ثمّ دخل صاحب السلعة إلى بيته قبل أن يقبضها من له الدّين، ثمّ خرج، أنّ هذه المفارقة لا توجب فسخ هذه المعاوضة لأجل الافتراق قبل القبض فيما عاوض به عن دين. وذكر في كتاب البيوع الفاسدة في هذا السؤال أنّ هذا يُمنع ويؤثّر في هذه المعاوضة. ولكنّه لم يذكر في كتاب البيوع الفاسدة أنّه أخذ عن الدّين سلعة بعينها حاضرة، ولكنّه قال: أخذ سلعة. فأشار يبيح أنّ ذلك اختلاف قول. ومال قوم من الأشياخ إلى أنّه ليس باختلاف قول. واختلف اعتذارهم عن ذلك، فقال بعضهم: إن كانت السلعة حاضرة معيّنة، فقد صارت في ضمان مشتريها بالدّين الّذي له وإن لم يقبضها. وإن لم تكن السلعة حاضرة ولا معيّنة، فإنّها باقية في ضمان من عليه الدّين، وبقاء الضّمان عليه يتصوّر فيه معنى فسخ الدّين في الدّين، لكون الدّين الأوّل مضمونًا في ذمّته، وكون هذا العرض الّذي أخذ مضمونًا أيضًا. وقدح بعضهم في هذا الاعتذار، وقال: لا يعتبر في مثل هذا الضّمانُ، وإنّما يعتبر تأخير القبض لأنه كالتّأخير (١) يشبه فسخ الدّين في الدّين، ألا ترى أنّ ابن القاسم يمنع أن يؤخذ من دين دار معيّنة غائبة، وإن كانت الديار إذا بيعت على الصفة وهي

стр. 1620

غائبة ضمانُها من مشتريها بالعقد، دلّ هذا على أنّه لا وجه لاعتبار الضّمان عنده. ولكن العذر عن اختلاف وقع في الكتابين أنّه ذكر في أحدهما مقدار التأخير عن القبض وهو دخول البيت والخروج منها، وهذا زمن يسير معفوّ عنه في مثل هذا. وأطلق الافتراق في الكتاب الآخر، فيحمل على أنّ القبض وقع فيه تأخير ممنوع منه. وقد كنّا ذكرنا أحكام ما يؤخذ عن الدّين وفسخ الدّين في الدّين. وذكرنا هذا في هذا الموضع لذكره ذلك في المدوّنة.

стр. 1621

كتب البيوع الفاسدة

стр. 1622

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما كتاب البيوع الفاسدة (١) قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀: كتاب البيوع. كلّ بيع فالأصل فيه الجواز، إلاّ ما تعلّق به ضرب من ضروب المنع. وفساد البيع يكون بوجوه: ١ - منها ما يرجع إلى المبيع، ٢ - ومنها ما يرجع إلى الثّمن، ٣ - ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين، ٤ - ومنها ما يرجع إلى صفة العقد، ٥ - ومنها ما يرجع إلى الحال الّتي وقع فيها البيع (٢). وربّما انفرد بعض هذه الأقسام بنفسه وربّما تداخلت. فأمّا ما يرجع إلى المبيع فككونه (٣) مِمّا لا يصحّ بيعه، وذلك كبيع الحرّ والخمر والخنزير في حقّ المسلم، وبيع النّجاسات وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والكلاب. واختلف فيما يجوز الانتفاع به منها. وما (٤) يرجع إلى الثّمن فككونه مِمّا لا يصحّ المعاوضة بجنسه. ويرجع ذلك إلى أنّه لا يصحّ بيعه. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا منها أن يقال:

стр. 1623

١ - ما حقيقة البيع؟ ٢ - وما يجوز العقد عليه أو يمنع؟ ٣ - وهل يجوز بيع المائعات النجسة؟ ٤ - وهل يجوز بيع جلود الميتة؟ ٥ - وهل يجوز بيع فضلات غذاء الحيوان؟ ٦ - وما حكم شعر الميتة؟ ٧ - وهل يجوز بيع المسك؟ ٨ - وهل يجوز بيع الكلب؟ ٩ - وهل يجوز بيع الصور؟ ١٠ - وهل يجوز بيع جلد الضحايا والهدايا؟ ١١ - وهل يجوز بيع الماء؟ ١٢ - وهل يجوز بيع ما يستعان به على ما لا يحلّ؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: البيع هو نقل الملك بعوض. وهذا الكلام يتضمّن إثبات ثمن ومثمون، وناقل، ومنقول إليه، وصفة النّقل. وهذا يحوج إلى الكلام في المعقود عليه، وصفة العقد، وصفة المتعاقدين. وإذا قلنا: إنّ البيع الفاسد ينقل الملك كان بيعًا على الحقيقة. وإن قلنا: لا ينقل الملك، لم يكن بيعًا على مقتضى هذا الرّسم الّذي رسمنا به الحدّ من جهة معناه. لكن العرب قد تكون التّسمية عندهم حقيقة لاعتقادهم أنّ الملك قد انتقل، على حكمهم في الجاهليّة، وإن كان لم ينتقل، على حكم الإِسلام، فتكون التّسمية حقيقيّة على مقتضى أصل وضعهم، ومجازًا على ما اشتقوا منه التّسمية بالإضافة إلى اعتقاد أهل الشّرع. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: ينبغي للفقيه أن يعتني بالنّظر في هذا الفصل، فإنّه تتفرّع عنه مسائل كثيرة. فيعلم أنّ سائر الموجودات الّتي يَحوزُها الإنسان للمنفعة بها لا تخلو من أن تكون مِمّا لا يصحّ تملكها ولا انتفاع بشيء

стр. 1624

من منافعها، أو تكون مِمّا يصحّ تملّكها والانتفاع بمنافعها كلّها، أو مِمّا يصحّ تملّكها ويحلّ الانتفاع ببعض منافعها دون بعض. فإن كانت مِمّا لا يصحّ تملّكها، فلا خفاء أنّ بيعها لا يصحّ. لأنّا كنّا قدّمنا أن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، وإذًا لم يتصوّر البيع الّذي هو تابع للملك وفرع، كما أنّ الملك وصحّته قد يكون تابعًا لجواز الانتفاع وفرعًا عنه. وهذا القسم أحد أمثلته الخمر، فإن بيعها لا يصحّ لمّا كان ملكها لا يصحّ، وملكها إنّما لم يصحّ لأنّ الانتفاع بسائر منافعها لا يجوز لتحريمه. وقد نبّه ﷺ على هذا المعنى بأحسن تنبيه. فخرج في الصحيحين أنّه ﵇ ذكر أنّ الله تعالى حرّم بيع الخمر والميتة والدّم والأصنام. (١) فقيل: يا رسول الله، إنّ شحوم الميتة تطلى به السفن ويستصبح. فقال: "لا، هو حرام، لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" (١) الحديث المشهور. فنبّه ﷺ على أنّ الشّحم لما حرّم على اليهود أكله وهو المقصود، وجب أن يمنع البيع كالمعاوضة عمّا لا ينتفع به، وذلك من أكل المال بالباطل. وقد ورد في الكتاب والسنّة النّهي عنه. وهذا جار على ما أصّلناه وبيّناه في الخمر. وكذلك ما ذكر معه من الميتة والدّم وغير ذلك مِمّا في معناهما مِمّا ذكر في هذا الحديث. وفي غيره علّة المنع من بيعه ما نبّهنا عليه من تحريم الانتفاع به، وتحريم الانتفاع به يمنع من تملّكه. ولا ينقض هذا يكون الإنسان يملك أباه ولا يحلّ له استخدامه والانتفاع به في مثل هذا المعنى، ثمّ لم يكن المنع من الانتفاع به يحيل صحّة ملكه لأنّ الأب يُملك بالشّراء. ولولا أنّه يملك بالشّراء لما عَتَق على ولده. فقد صحّ ها هنا الملك مع تحريم الانتفاع بالمملوك. لأنّ هذا إنّما أبحنا شراءه، وإن كان لا ينتفع به، وجعلناه مملوكًا بالشّراء، لأنّه قد تضمّن فعل قربة لله سبحانه وهو برّ الوالدين، والقُرَبُ إلى الله سبحانه أعظم المنافع. فإذا فات ها هنا تصوّر المنفعة بالأب من ناحية الدّنيا، لم يفت تصوّر ذلك من ناحية الآخرة.

стр. 1625

فلم ينخرم ما أصّلناه، ولم يُبَح البيع والشّراء إلاّ في منتفع به في الدّنيا والآخرة. وأمّا ما يصح بيعه وتملّكه فإنّه كلّ ما يجوز الانتفاع بسائر منافعه المقصودة فيه، كالثّوب والدّار والدّابة، وغير ذلك مِمّا في معناه. فإنّ ما ذكرنا من ثوب ودابّة ودار يصحّ الانتفاع بسائر منافعه المقصودة منه، فلهذا جاز تملّكه وبيعه. وأمّا ما اختلف حكم منافعه بأن حلّ بعضها وحرّم بعضها، فإنّك تنظر ها هنا، فإن كانت المنفعة المحرّمة مقصودة مرادة في نفسها، والمنفعة المباحة مقصودة مرادة في نفسها، فإنّ هذا القسم يصحّ تملّكه ولا يصحّ بيعه. أمّا جواز تملّكه وبقائه في اليد، فلأجل حاجة مالكه إلى تلك المباحة فيه. وأمّا منع بيعه فلأجل أنّ الثّمن المبتذل فيه إنّما بذل عن سائر منافعه من غير تخصيص ولا تعيين. وإذا كان الأمر هكذا، فقد صار الثّمن مبذولًا عن محرّم ومحلّل، فوجب فسخ العقد وإبطاله كلّه, لأنّ الّذي يقابل المنفعة المحلّلة من الثّمن مجهول حين العقد، والّذي يقابل المنفعة (١) ممنوع فيه البيع والمعاوضة، فبطل الجميع، هذا لكونه ثمنًا لمحرّم، وهذا لكونه ثمنًا مجهولًا عوضًا عن مباح، ومن اشترى ما يحلّ تملّكه وبيعه بثمن مجهول، فإنّ ذلك فاسد لا يجوز. وقد مضى هذا فيما تقدّم لمّا تكلّمنا على حكمٍ صفتُه (٢) جمعت حلالأوحرامًا، كبيع قلّة خلّ وقلّة خمر بثمن واحد في عقد واحد. لكن قد يقع في هذا الامتزاج إشكال بأن تكون المنفعة المحرّمة لا يتّضح كونها مقصودة في بعض المتملّكات أو المنفعة المباحة. فيُفرض ها هنا إشكال: هل هذا المقصود عليه الّذي اختلف حكم منافعه يلحق بما حرُم سائر منافعه لمّا كان ما يباح منه يشكل أمره، هل هو غير مقصود في حكم العدم؟ أو يكون هذا الإشك الذي المنفعة المحرّمة، فيلحق بما أبيح سائر منافعه (فيلحق) (٣) ها هنا اختلاف في المذاهب، أو يزول بهذا عن طبقة التّحريم إلى الكراهيّة؟ فهذا هو السرّ الّذي من انكشف له وأجراه كما ينبغي

стр. 1626

في سائر فروع هذا الباب (١) وصحّ له وجه الاتّفاق أو الاختلاف في المذاهب فيها. وقد تكلّمنا على هذا في كتابنا المترجم بالمعلم (٢). والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: الأصل في منع بيع النّجاسات ما تقدّم من الحديث المذكور فيه أنّه ﵇ لمّا نهى عن بيع الميتة قيل له: إنّها تطلى بها السفن ويستصبح بها. فقال: "لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" الحديث المشهور. فأشار إلى أنّ ما منع الانتفاع به منع أخذ ثمنه، لمَّا بسطنا وجْه المنع منه فيما تقدّم. فمن هذا النّوع الزّيت الّذي ماتت فيه فأرة، فإنّه لا يجوز بيعه في المشهور من المذهب. وأجاز بيعه ابن وهب إذا بيّن. واشترط غيره في جواز بيعه ألاّ يباع من مسلم. فإذا عرضت هذه المذاهب على ما تقدّم بيانه من التّعليل، علمت سبب هذا الاختلاف. وأنت قد علمت أنّ الزّيت أحد منافعه أكله، وهي منفعة مقصودة فيه، وفيه منفعة أخرى وهي وقيد ودهن ما يحتاج فيه إلى ترطيبه أو حفظه بالزّيت. فأمّا الأكل فإنّه ممنوع منه ما دام نجسًا، لا سيما إذا كانت النجاسة ظاهرة فيه. وأمّا وقيده في غير المساجد الّتي يحترم (٣) أن يوقد فيها النّجاسات، فإنّ المشهور من المذهب جوازه. وقال ابن الماجشون: لا يجوز ذلك، ولو أجزناه لأجزنا الانتفاع بشحم الميتة. فأشار إلى الانتفاع بشحمٍ لا يخالَف فيه، ولذلك جعله حجّة على من أجاز الاستصباح. بشحم (٤) الميتة، والانتفاع به يجوز على مقتضى من أجاز الاستصباح بالزّيت النّجس. ويمكن عندي ألاّ يلزم هذا المذهب ما ألزم عليه شيخنا لكون أجزاء شحم الميتة نجسة كلّها نجاسة ترجع إلى العين، ولا يمكن تطهيرها. والزّيت النّجس إنّما اجتنب لأن فيه أجزاء يسيرة وهي ما يحلّ فيه من أجزاء ميتة أو غيرها, ولو تميّز هذا النّجس من الأجزاء

стр. 1627

الظّاهرة لحلّ الأكل والاستصباح، ولكن منع الجميع لعدم التّمييز الآن، أو لامتناعه على ظاهر الرّوايات. وإن كان قد روي عن مالك أنّه أجاز استعماله إذا طُهِّر. وبهذا كان يفتي ابن اللباد، ويستشهد بما وقع لابن القاسم (١) في ما سقطت فيه فأرة أنّ الدّهن الأوّل يستعمل بالماء مرّتين أو ثلاثة (١). فإذا تحقّقت حكم الانتفاع في الأكل وفي الاستصباح، فإنّا إن منعنا الاستصباح به منعنا أكله. وذهابنا إلى أنّه لا يطهر بالماء اقتضى هذا منع بيعه لكون جملة منافعه المقصودة ممنوع استباحتها, ولا يرجى ذلك منها. وإن قلنا: إنّ الاستصباح به مباح وهو على حالته، فإنّ البيع أيضًا لا يجوز لكون منفعة مقصودة فيه محرّمة وهي الأكل. وقد تقدّم بيان علّة المنع من هذا الوجه. وإن قلنا مع هذا: إنّ تطهيره بالماء يميّز منه أجزاءَ النجاسة حتّى يعود طاهرًا يجوز الانتفاع به أكلًا واستصباحًا، حسن أن يقال على هذا: إنّ بيعه جائز كما يجوز بيع الثّوب النّجس، وإن كان لا يصلّى به، لما أمكن زوال السبب المانع من الصّلاة به بإزالته نجاسته بالتّطهير. وقد يعترض على هذا بأنّ الخمر لا يجوز بيعها، وإن قلنا: إنّها إذا تخلّلت جاز شربها, لما أشرنا إليه من كون الخمر جميع أجزائها نجسة العين، فتكون المعاوضة عليها معاوضة عمّا جميعه نجس حرام، والمعاوضة على الزّيت النّجس معاوضة عمّا أكثر أجزائه حلال، ويمكن تمييز الأجزاء النّجسة منه من غير تغيير أعيان، بخلاف الخمر الّتي جميع أجزائها نجسة، والتّحليل إنّما يكون بالتّخليل وهو أيضًا لا يباح ابتداء، ولكنّه إن فعل، جاز شربها على أحد القولين. وعلى هذا الأسلوب يجري الانتفاع بالماء الّذي غلبت عليه النجاسة، فإنّ

стр. 1628

شربه ممنوع، والانتفاع به جائز على أحد القولين. فأجاز في المدوّنة أن يعلف العسل النّجس للنّحل. وأجاز أيضًا ما في جباب انطابلس (١) إذا سقطت فيه دابّة، أن يسقي المواشي. ولكنّه لم يذكر كون نجاسة هذه الدّابّة غلبت على الماء. وقيل: لا يطعم ما عجن به لداجن ولا لكافر، وأجراه مجرى الميتة. وقيل: يقصر هذا المنع على تغذية حيوان يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه، لكون ما يؤكل لحمه قد يستباح بالتّذكية فيؤكل وقد خالط لحمه شيء من الأجزاء النّجسة، بخلاف سقي الشّجر به والزّرع، لكون هذه الأجزاء النّجسة استحالت، وكأنّها انعدمت في الزرع والشّجر إذا صار الزّرع حبًّا وأثمر الشجّر. وأنت إذا أجريت هذه الرّوايات على أسلوب واحد، علمت أنّ الانتفاع بالنّجس مختلف فيه في المذهب على قولين. وقد (٢) أشار إلى التّفرقة بين الحيوان المأكول وما لا يؤكل، فإنّما ذلك لمعنى آخر وهو كون تغذية ما يؤكل لحمه بذلك يقتضي إباحة أكل النّجس أو شربه. وقد وقع في الحديث الّذي تقدّم ذكره أنّه ﵇ لمّا قيل له في شحوم الميتة: إنها تطلى بها السفن ويستصبح بها النّاس، فقال: "لا، هو حرام". وقد ذكرنا في كتابنا المعلم ما المراد بقوله: "لا، هو حرام" هل هو البيع، الّذي ذكره في صدر الحديث، وما اعتذر له به من الحاجة إلى استعماله مباح (٣)، ولكنّه ليس بعذر في جواز البيع؟ أو المراد بقوله: لا، هو حرام، الاستصباح بذلك وطلي السفن. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا جلود الميتة، فإنّ الانتفاع بها قبل الدّباغ ممنوع عندنا لكونها نجسة. والنّجَس لا ينتفع به على حسب ما قدّمناه. وأمّا حكمها إذا دبغت، فإنّ المذهب على قولين: هل تطهير بالدّباغ طهارة كاملة فإن بيعها جائز لإباحة جملة منافعها. وإن قلنا: إنّها لا تطهير

стр. 1629

بالدّباغ طهارة كاملة فإنّا لا نجيز بيعها لكون بعض منافعها لا تباح وإن دبغت. وقد تقدّم كون حكم الشّيء، مختلفًا أحكام منافعه منها محلّل ومنها محرّم، هل يجوز بيعه أم لا؟ واتّقى مالك استعمالها في المائعات دون اليابسات الّتي يؤمن أن تميّع شيئًا من أجزاء الجلد. ولكنّه لم يحرّم هذا، بل أشار إلى إباحة الانتفاع باستعمالها وعاء للجمادات وللمائع، ولكنّه استثقل المائع تورّعًا واحتياطًا. وقد تكلّمنا على حسب هذا الاختلاف في كتابنا المعلم وعلى جملة مذاهب النّاس فيه وما ورد من الأحاديث. وخرّجنا ذلك على أصول الفقه وشواهد الأصول. وذكرناه أيضًا في شرح التّلقين بما يغني عن إعادته ها هنا. ونبّهنا على ما وقع من اختلاف الرّواة في جلد الشّاة الّتي ماتت، وإباحته أن ينتفع (١) قولًا مطلقًا. وتقييد هذا القول في رواية أخرى بقوله: ألا أخذوه فدبغوه وانتفعوا به. لكن إذا قلنا ها هنا إنّه نجس قبل الدّباغ وأنّه يطهَر بالدّباغ، فهل يباع قبل الدّباغ لكونه يمكن فيه كون فعلٍ مّا يصيّره طاهرًا، كما قلنا في الزّيت النجس؟ أو لا يسوغ ذلك لما أشرنا إليه من الفرق بين بيع الخمر قبل أن يخلّل وبين بيع الزّيت النجس؟ فإذا قلنا: إنّ الدّباغ يصيّره طاهرًا، ونجاسته ليست راجعة لعينه لكن أجزاء تخلّلت الجلد تذهب بالدّباغ، فإنّ هذا يوجب إلحاقه بالزّيت النّجس. وقد أشرنا في كتاب المعلم وغيره إلى علّة كون الدّباغ يصيّره طاهرًا لكونه حافظًا له من الفساد كما تحفظ الحياة من الفساد. وأمّا عظام الميتة، فإنّه قد اختلف في الإدِّهان بدهن وضع في أنياب الفيل، على أنّ النّاب من الفيل ليس كالعظام الباطنة، وإنّما هو كقرن مقلوب، واختلف في قرون الميتة وأظلافها، فقيل: إنّ ذلك نجس. وقيل: أمّا ما قطع منها وهي حيّة وكان لا يؤلمها، فإنّه طاهر، سواء أخذ في حياتها أو مماتها. وعلى هذا يجري حكم الأظفار. وقد أوعبنا الكلام على عظام الميتة فيما تقدّم من هذا الكتاب في موضعه الّذي يليق به. وقد ذكر في المدوّنة من كتاب البيوع الفاسدة أنّه لا يوقد عظم الميتة تحت قدر فيها ما يستعمل لوضوء أو عجين. وقال بعض الأشياخ: إنّ ذلك إذا فعل لا

стр. 1630

يوجب نجاسة الماء الّذي سخن بها ولا نجاسة الطّعام الّذي طبخت به، إذا لم يوضع الطّعام على عظام الميتة وضعًا (١) وقدت العظام فتصاعد دخانها. ورأى بعض أشياخي أنّ هذا الدّخان إذا انعكس إلى الطّعام أو الماء نجّسه. وهذا الاختلاف من هؤلاء المتأخّرين يلتفت فيه إلى النّظر في استحالة أعيان الجواهر النّجسة حتّى ينتقل اسمها وهيئتها، هل يرفع حكم النجاسة أم لا؟ وهذا أيضًا بسطناه في موضعه. وقد قال في المدوّنة في كتاب البيوع الفاسدة أيضًا: إذا أوقدت عظام الميتة على الجير والقدور، فإنّه لا بأس (٢) بذلك. فقال بعض: إنّما مراده أنّ ذلك لا يكون نجسًا، ولم يرد إباحة هذا الفعل ابتداء, لأنّ نقل الميتة وحيازتها على جهة التملّك لها منهيّ عنه. كما قال ابن الموّاز: إنّ عظام الميتة يجوز أن ينقل الرّجل كلابه إليها لتأكل منها, ولا ينقل الميتة إلى كلابه. ورأى أنّ نقل الميتة إلى كلابه حيازة للميتة على جهة التملّك. فكذا ينبغي أن ينهى هذا عن نقل هذه العظام ليوقد بها على جير أو قدور. وبعض أشياخي يحمل ذلك على ظاهره وأنّه يقتضي جواز الفعل. وقد اختلف الشيخ أبو الحسن بن القابسي والشيخ أبو القاسم بن شبلون في قدر طبخت بعظام ميتة. فقال الشّيخ أبو الحسن: لا يطهّرها الغسل بالماء، وإذا لم يطهّرها ذلك، فإنّها لا يطبخ فيها. وقال أبو القاسم بن شبلون: بل تطهير بالماء إذا غسلت كما ينبغي. واستشهد بجواز أكل ما يطبخ في قدور المجوس إذا غسلت وهم يطبخون فيها الميتة. وانفصل عن هذا بأنّ قدور المجوس إنّما نجست لأجل ما يطبخ فيها من ميتة، فكذلك تطهير بالماء المطبوخ فيها. والقدور الّتي أوقد على طبخها عظام الميتة نجست نجاسة باطنة لا يزيلها الماء. وقد ذكر الطّحاوي في كتاب مسائل الخلاف له عن مالك أنّه رأى أنّ ما طبخ بعظام الميتة من الطّين حتّى صار قدرًا لا يطهر بالماء. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: ذكر في المدوّنة ابن القاسم أنّه لم

стр. 1631

يسمع من مالك في جواز بيع الزّبل شيئًا، ولكنّه سمع منه أنّه كره بيع العذرة لنجاستها. قال: كذلك ينبغي أن يكره بيع الزّبل لنجاسته، وأنا لا أرى ببيعه بأسًا. فساوى ابن القاسم في إلزامه مالكًا ما بين حكم العذرة والزّبل، فمقتضى هذا جواز بيعها عنده، والنّهي عنه على رأي مالك. وقد قيل في الزّبل: المشتري أعذر فيه من البائع، وأمّا العذرة فلا خير فيها. وقيل أيضًا: إنّ المشتري العذرة أعذر من البائع. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله سبحانه واحدًا منهما وهما سيّان في الإثم. وقد قدّمنا لك ما تعلم منه سبب هذا الاختلاف. لكن عرض في هذا ضرورة، وهي حاجة النّاس للتّسميد لبقولهم لأنّها محتاجة إلى التّسميد بالعذرة أو روث الدّواب. وهذه الضّرورة تبيح المحظور وتنقل الأحكام. فحرّم ابن عبد الحكم البيع لأجل كون هذه نجسة، والنّجس لا يباع كما قدّمناه لمّا ذكرنا الحديث الوارد في مثل هذا. ورأى ابن القاسم أنّ هذه الضّرورة تبيح المحظور. وأشير في بعض الرّوايات إلى أنّ الزّبل أخفّ في هذا من العذرة، لكون العذرة متّفق على نجاستها. وفرق في العذرة بين البائع والمشتري. لكون المشتري لا مندوحة له عن الشّراء، وكون البائع يمكنه بذل ذلك بغير عوض. فالضّرورة متحقّقة في حقّ المشتري، وغير متحقّقة في غير (١) البائع. وقد كره ابن عمر أكل البقل الّذي ينبت بهذا. ذكر عنه ابن الموّاز، وقال: وأنا لا أرى بأكله بأسًا. فكأن ابن عمر لا يرى استحالة عين النجاسة مؤثّرًا. وهذا الّذي ذكرناه في هذه المسئلة مأخوذ حكمه وتعليله مِمّا قدّمناه وأصّلناه فيما قبل. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: الشّعر كأنّه متكوّن عن أبخرة وغيرها مِمّا ينبعث من البدن على رأي صناعة أهل الطّبّ. وقد اختلف العلماء في طهارة شعر الميتة. فقال مالك إنّه طاهر. وقال الشّافعي: إنّه نجس. وسبب هذا الخلاف ما قدّمناه مرارًا من كون ما كانت به حياة ثمّ ذهبت بأمر إلهي، فإنّها به ميتة، وما لم تخلق فيه حياة قطّ، فلا يقال: إنّه ميتة، في عرف التّخاطب،

стр. 1632

ولكنّه جماد أو موات. فإن سلّمنا أنّ الشّعر كان حيًّا أيّام حياة ذي الشّعر، ثمّ مات ذو الشّعر، فإنّ الشّعر يموت بموته، وإذا مات وذهبت منه الحياة وتعقبّها الموت، كان ميتة. والميتة ليست بطاهرة، ويستدلّ على كونه حيًّا بنمائه وزيادة أجزائه، على حسب ما تنمي أجزاء بدن الحيوان الحيّة كسائر أعضائه وغيرها. وإن قلنا: إنّه لم تخلق فيه حياة قطّ، فإنّه لا يكون ميتة بموت ذي الشّعر، لما قدّمنا من كون هذه التّسمية إنّما يراد بها ما كان حيًّا فمات حتف أنفه. ويستدلّ لهذا المذهب بكونه لا يحسّ الألم، ولا يحسه ذو الشّعر إذا قصّ ذلك عنه. وإنّما يستدلّ على وجود الحياة أو فقدها بإحساس الألم أو فقده, لأنّ الإحساس للأم أو اللّذّة إنّما تكون في الحسّاس الدّارك، ولا يكون حسّاسًا درّاكًا من الحيوان إلاّ وله إدراك وحياة، فإذا لم تدرك الآلام ولا اللّذّات، فقد فَقَد الحسّ والإدراك، وذلك يشعر بكونه جمادًا أو مواتًا، إذا لم توجد آفة منعت من الإدراك، فإذا ذهبت عاد الحسّ والإدراك إلى ما كانا عليه. والاستدلال على الحياة بوجدان الحسّ والألم أولى من الاستدلال بالنّماء وانبساط الجسم في الجهات, لأنّ النّبات ينمي ويزيد، ثمّ ليس هو بحي. وشعر الخنزير يجري مجرى شعر الميتة من الحيوان الّذي يحلّ أكله. لكن أصبغ خالف في هذا، ورأى أنّ شعر الخنزير نجس على كلّ حال حيًّا أو ميّتًا، كما كان الخنزير نجسًا حيًّا وميّتًا. بخلاف الشّاة والبقرة فإنّ أعيانهما طاهرة حال الحياة، فكذلك شعورهما بعد الموت لكونها غير مشاركة في الحياة. والجواب عن السؤال السابع أن يقال: المسك طاهر عند جمهور العلماء. وشذّ قوم، فقال وابن جاسته. وكأنّهم قدّروه كفضلة انبعثت من جسم الغزال الّذي يؤخذ منها المسك، حتّى صارت كعضو منها (١) تلحق فيه الحياة، ثمّ تخلق (٢) فيه الموت إذا فارق الجسم الّذي أخذ منه وانفصل عنه، عاد كإصبع قطع من

стр. 1633

الحيوان، فإنّه يكون نجسًا لكون حياته عدمت من غير تذكية. وأمّا الجمهور الذّاهبون إلى طهارته، فإنّهم يشيرون إلى حصول الاتّفاق على استعماله والتطيّب به في زمن السلف حتّى صار كالإجماع. وقد أشار البخاري إلى الاستدلال على جواز بيعه بحديث أبي موسى أنّ النبيّ ﷺ قال: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحديد لا يعدمك من صاحب المسك إمّا تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحدّاد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد ريحًا خبيثة" (١). فأشار البخاري إلى الاستدلال بقوله: "إمّا تشتريه". وظاهر هذا إباحة الشّراء، ولو كان نجسًا لم يبع ولم يشتر، على حسب ما أصّلناه في منع بيع النّجاسات الّتي لم تضطرّ ضرورة إلى إباحة بيعها. كما لم يجز بيع الخمر لنجاستها وكونها لا ضرورة بالإنسان إلى الانتفاع بها، بل يضرّه الانتفاع بها لكونها تصدّ عن ذكر الله في حقّ الصّلاة، كما قال سبحانه. وقد ذكر أيضًا في الصّحيح دم الشّهداء وشبهه بالمسك في طيب رائحته (٢). وهذا يشعر بطهارته لكون الحديث ساقته (٣) تدلّ على المدحة والثّناء. وأيضًا فإنّا لو سلّمنا أنّه نجس وأنّه من دم الغزلان الّتي يؤخذ منها المسك، كما أشار إليه المتنبّي في قوله يمدح سيف الدّولة: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال فإنّه قد استحال عن كونه دمأوتبدّلت أعراضه وصفاته. وقد قدّمنا أنّ تبدّل الصفات وتغيّر الأسماء والأشكال للأجسام تقتضي تبدّل الأحكام في النجاسة. وهذا إذا سلّمنا كون المسك كلّه صفة واحدة. ويمكن أن يكون يؤخذ منه ذلك بعد التذكية المبيحة لأكله فيكون هذا المقدار من جنسه طاهرًا أيضًا. ويمكن أيضًا أن يكون يؤخذ منه ولا يؤلمه، وليس الطّريقين اللذين ذكرناهما. وقد وقع اضطراب في الطّرطر الّذي يشبّب به الصوف إذا صبغ باللّكّ (٤)، هل

стр. 1634

يجوز أم لا؟ فإن قدّرنا أنّه ليس بنجس لأنّه استحال عن كونه خمرًا استحالة غيّرت اسمه وصفاته لكونه يابسًا والخمر مائعة، ولكون الخمر يسكر وهو لا يسكر، لم نقل بنجاسته. وإن قلنا: إنّه بعض أجزائه (١) الخمر الكثيفة والجواهر الغليظة المعتصرة من الأعناب وإنّه أحد أجزاء الخمر الّتي غلت ونشّت، والاستحالة لا تنقله عن حكم النجاسة، قضين ابن جاسته ونظرنا في تصوّر الحاجة إلى إجازة بيعه. فإن تصوّر في ذلك ما تصوّر في بيع الرّجيع والأزبال، جرى الأمر فيه على ما قدّمناه فيها. وقد اختلف عندنا في عرق السكران، هل هو نجس أو طاهر؟ فقيل بطهارته, لأنّا، وإن قدّرناه دفعته القوّة الطبيعيّة من أجزاء الخمر المشروبة، فما دفعته إلى صحن الجسم إلَاّ وقد استحال وتبدّلت صفاته لمّا كان خمرًا. والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: اختلف المذهب في جواز بيع الكلب المباح اقتناؤه على قولين. وسبب هذا الاختلاف فيما مضى التّنبيه عليه لمّا ذكرنا كون جواز البيع متعلّقًا بجواز الانتفاع. فالكلب الّذي لا ينتفع به منفعة مأذونًا فيها لا يجوز بيعه، لما قدّمناه من كون إجازة بيعه إجازة لأكل المال بالباطل. والّذي أذن في الانتفاع به قد تقرّر من جملة منافعه أكله. وأكله منهيّ عنه لأنّه داخل في ظاهر قوله: أكل كلّ ذي ناب من السباع (٢). ومن منافعه المباحة الاصطياد به وحراسته الزّرع والضّرع. وأمّا حراسة الدّيار وما فيها من الأموال، فإنّ ذلك مِمّا اختلف النّاس فيه. فمنهم من ذهب إلى إباحة ذلك قياسًا على حراسته الزّرع والضّرع. ومنهم من منع ذلك لأنّه ﵇ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب" (٣). فحصر هذا الذم بالبيوت الّتي فيها الكلاب. والزّرع والضّرع إنّما يكون غالبًا في الفيافي والقفار الغير مسكونة، فلا يصحّ قياس حراسة البيوت على حراسة الزّرع والضّرع لما ذكرناه. على أنّه يمكن أن

стр. 1635

يقال: إنّ الغنم المحروسة بالكلاب في الفيافي والقفار ربّما باتت في المداين في ديار أربابها. وإِذْن الشّرع في اتّخاذ الكلب لحراسة الزّرع وقع مطلقًا لم يفرّق فيه بين نهار ولا ليل ولا مكان. وقد رأيت بعض أصحابنا البغداديين يحتجّ للقول بالمنع من اتّخاذ الكلب حارسًا للدّيار بأنّه قد يطرق الدّار الضيفان والزوّار فيروّعهم وقد يؤذيهم. وأيضًا فإنّه لا يباح تسليط الكلب عليه ولا يعلم مبلغ أذاه له وقد يؤدّي إلى تلاف (١). ورأيت في بعض التّعاليق عن أشياخ القرويين تنازعًا فيه. وقد اختلف النّاس أيضًا فيما أبيح اتّخاذه لصيد أو لحراسة ضرع أو زرع، هل من شرط الإباحة حصول الزّرع والضّرع أو إمكان الاصطياد والعزم عليه، أو يجوز ذلك وإن لم يكن عند، متّخذه زرع ولا ضرع ولكنّه إنّما اقتناه لأجل كونه قد يكسب ذلك ويحتاج إليه؟ فإذا تقرّر ما يجوز من الانتفاع بالكلب وما لا يجوز، وكانت منافعه منها مقصود محرّم ومنها مقصود محلّل، وجب المنع من البيع، لأجل ما قدّمناه فيما سلف. ولا يلزم إذا أُلزِم قاتلُه القيمةَ أن يجوَّز البيع، لأنّ البيع معاوضة عن جملة منافع منها محلّل ومحرّم، ومقدار ما ينوب كلّ واحد من الثّمن لا يتميّز، والتّقويم إنّما يكون مبنيًّا على ما يقابل ما أتلف عليه مِمّا يصحّ له ملكه والانتفاع به. وإلزام القيمة وهي مجهولة قبل النّظر فيها لا أصل له في المنع كما يلزم من أتلف ثوبًا قيمته، وبعد إلزامه ذلك ينظر في مقدارها. والجواب عن السؤال التّاسع أن يقال: أمّا الصّور فممنوع بيعها، وممنوع إنشاؤها لما ورد من الأخبار في وعيد المصوّرين بعذاب، على حسب ما وقع في الأخبار. وهذا على مذهبنا فيما سوى الأرقام الّتي يحاكى بها الصّور وهي تمتهن، على حسب ما ذكره في المدوّنة، وما ورد به الحديث المستثنى فيه الثيّاب الّتي ترقم (٢). وإذا ثبت منع التّصوير واستعماله، منع البيع لكونه معاوضة على ما لا ينتفع به.

стр. 1636

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: قد تكلّمنا في كتاب الضّحايا على منع بيع جلودها لكونها تذبح على جهة التّقرّب إلى الله سبحانه، وقصدًا لأنْ يكون العوض عنها ثوابَه، فلا يصحّ أن يباح طلب العوض من جهة أخرى مخالفة للجهة الّتي أريقت دماء الأضاحي عليها. وكان الأصل منع أكل لحومها ومنع أكل لحوم الهدايا لكونها قصد بها وجه الله تعالى واتّخاذها قربة إليه ولا يرجع فيما تقرّب به. لكنّ الشّرع أن في أكل اللّحوم، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١). وإذا جرى هذا مجرى التّرخيص لم يخرج بالرّخصة عمّا وجد فيها. وهذا مبسوط في كتاب الضّحايا. والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: أمّا الماء فقد اختلف في بيعه العلماء. وقد وقع في الآثار النّهي عن بيعه مطلقًا. وفي بعضها أنّه نهى عن بيع فضل الماء (٢). والانتفاع بالماء مباح وليس فيه منفعة مقصودة محرّمة، فكان الأصل جواز بيعه لكون سائر منافعه محلّلة، ولهذا أجزنا بيع ما في دار الإنسان من ماء في ماجل أو في بئر قد احتفره لحاجته إليه واختزن فيه الماء لشربه وطهوره، فتسوغ له المعاوضة عن هذه المنافع المباح جميعها. وإنّما يمنع بيع فضل الماء لكون منبع هذا الماء بالحفر وغير ذلك إذا قصد به تحبيس (٣) ما زاد على مقدار حاجته إليه على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثّاني عشر أن يقال: قد تقرّر أنّ ما حرّمت منافعه حرّم بيعه. فكذلك ما أدّى إلى الوقوع في التّحريم، مثل أن يبيع عنبًا مِمّن يعصره خمرًا، فإنّ العنب مباح الانتفاع به، فجاز لهذا بيعه، فإذا صار خمرًا حرم شرب الخمر. فإذا باعه مِمّن يصنعه خمرًا لشربه، صار معينًا على ما لا يحلّ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤). وكذلك بيع ثوب

стр. 1637

الحرير مِمّن يلبسه. وألحق بعض الأشياخ شراء بعض الصقالبة، فقال: إن كان الشّراء لم يحمل النّاس على خصاهم لكونهم يثمنون في ذلك منع من شرائهم. وإن كان شراؤهم لا يحمل على خصاهم، ولا يكون باعثًا لأرباب العبيد على خصاهم ولا داعيًا لهم إلى ذلك جاز شراؤهم. وهذا الّذي قال ينبغي أن يقيّد يكون المخصي لهم لا يعتقون عليه لأجل ما فعل مِمّا لا يحلّ له. وقد اختلف المذهب عندنا في النّصراني إذا أخصى عبده، هل يعتق عليه أم لا؟ فإذا وجب عتق من صار خصيًّا لجناية سيّده عليه، وقضي عليه بذلك، لم يجز الشّراء، كما لا يجوز شراء الأحرار. وبيع السلاح مِمّن يقاتل بها من لا يحلّ قتاله لا يجوز أيضًا لكون ذلك معونة على ما لا يحلّ، كما قلناه في بيع العنب مِمّن يتّخذه خمرًا إلى غير ذلك مِمّا في معناه.

стр. 1638

فصل آخر يتعلّق بما ذكره القاضي عبد الوهاب ها هنا وهو قوله: كلّ بيع فالأصل فيه الجواز، إلاّ ما تعلّق به ضرب من ضروب المنع. قال الشّيخ ﵀: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال: ١ - هل ينقل البيع الفاسد الملك أم لا؟ ٢ - وما سبب الاختلاف في ذلك؟ ٣ - وهل ينقل الضّمانَ العقدُ الفاسد؟ ٤ - وما الّذي يفيت البيع الفاسد (١)؟. فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: اختلف النّاس في البيع الفاسد، هل ينقل الملك أو لا ينقله؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنّه ينقل الملك إذا اتصل به القبض وذهب الشافعي إلى أنه لا ينقل الملك ولو اتّصل به القبض. وبعض أصحابنا يحكي أنّ مذهب مالك أنّه لا ينقل الملك، ولكن نقل شبهة الملك. إلى هذا يشير بعض البغداديين من أصحابنا. وقال بعض أشياخ القرويين: إنّ مذهب مالك أنّه لم (٢) ينقل الملك. وعوّل في هذا على قوله في المدوّنة (٣) في كتاب الحبس والصدقة. فيمن باع بيعًا فاسدًا ثمّ وهب المبيع قبل أن يفوت في يد المشتري، فذكر التّعليل بأن قال: بأنّ البيع ها هنا إذا نقض عاد الملك إلى البائع الأوّل فنفذت الهبة، ولو كانت الهبة بعد الفوت لم تنفذ. فاعتمد على قوله: إنّ

стр. 1639

البيع إذا نقض لفساده عاد على الملك الأوّل، ورأى أنّه لو نقل الملك، لم يعد على الملك الأوّل، بل يكون ملكًا مستأنفًا. وهذا الّذي قال قد يقتضي ظاهره صحّة ما تعلّق به هذا من كون اللّفظ يقتضي كون البيع الفاسد لم ينقل الملك. لكنّه قد يتأوّل فيه: إنّما أراد: الملك انتقل، ولكنّه انتقل عن هذا الانتقال بفسخ هذا العقد. كما يقال: إنّ المبيع المعيب قد انتقل الملك فيه للمشتري، ولكنّه إذا ردّ بالعيب، كان ردّه بالعيب حل (١) للبيع من أصله على أحد القولين. وهذا وإن صح تأويله لأنّه (٢) الأظهر فيه ما قاله بعض الأشياخ. لكن قد ظهر لي لفظ آخر قد وقع في المدوّنة ربّما كان التعلّق به في عكس هذا الحدّ. وذلك أنّه قال في كتاب العتق فيمن قال لعبد: إن اشتريتك أو ملكتك، فأنت حرّ. فاشتراه أو ملكه: إنّه يعتق عليه إذا اشتراه شراء فاسدًا. فلو كان الشّراء الفاسد لا ينقل الملك، لم يعتق عليه، لعدم الشّرط الّذي علق به العتق، وهو: لو صحّ ملكه بشراء صحيح. ولكن لو علق اليمين بشرط غير هذا فقال: إن اشتريتك فضربتك فأنت حرّ، فإنّه لا يعتق عليه إذا اشتراه ولم يضرِبْه. فكذلك إذا قال: إن ملكتك فأنت حرّ. فاشتراه شراء لا يملكه به، فإنّه لا يعتق عليه لعدم الشّرط الّذي علق به العتق. فإن سلّمنا التعلّق بما في كتاب الحبس والصدقة، كان المذهبان المذكوران عن أبي حنيفة والشّافعي موجودين عند نافي المذهب. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: ما سبب الاختلاف في كون البيع الفاسد ينقل الملك؟ فإنّ له تعلّقًا بمسئلة أصولية هو كون النّهي دالاّ على فساد المنهيّ عنه ونقضه وكونه مرفوعًا من أصله، قولًا على الإطلاق، وهو أصل الشّافعيّة. وأصل الحنفيّة تسليم هذا إذا كان النّهي يعود إلى نفس المنهيّ عنه. فأمّا إن كان يعود إلى معنى غيره (٣)، ولكنّه. متّصل به، فإنّه لا يصير المنهيّ عنه مرفوعًا كأنّه لم يكن. ولكنّه، وإن لم يرفع الأصل، رفع بعض أوصافه الشّرعيّة.

стр. 1640

وأمّا إن لم يكن النّهي راجعًا إلى نفس المنهيّ عنه، ولا إلى معنى متّصل به حتّى يصير كحرمته، فإنّه لا يرفع الفعل من أصله ولا وصفه الشّرعي المختصّ به. فهذه ثلاثة أقسام: مثال الأوّل منها، وهو ما يعود إلى عين المنهيّ عنه، بيع سلعة دم (١) أو ميْتة، فإنّ ذلك منهيّ عنه. وهذا النّهي لمّا رجع إلى العين أبطل العقد من أصله، ورفعه حتّى لا يصحّ الملك به. ومثال الثّاني إذا باع بخمر أو خنزير، فإنّ الخمر والخنزير فيهما معنى الماليّة، ولكنّهما لا يتقوّمان في الشّريعة، ولا قيمة على المسلم إذا أتلفهما على مسلم. وكأن كونهما مِمّا يتقوّمان وصف زايد على المعنى الذّاتي وهو الماليّة، فإذا بيعت بهما سلعة انتقل بهذا العقد ملك السلعة، وبطل العقد فيهما، وصار كالثّمن المستحقّ، فإنّ استحقاقه لا يمنع من كون السلعة المستحقّ ثمنها انتقل الملك فيها, ولكن منع النّهي وصفًا من أوصاف هذا العقد وهو الصحّة والجواز، ولم يمنع ما يعود إلى ذاته وهو كون حقيقة البيع المعاوضة عن مال بمال. ومثال الثّالث: بيع وقت الجمعة، فإنّه لا يمنع عندهم انعقاد البيع ولا صحّته, لأنّ النّهي لم يعد إلى عين المبيع ولا إلى معنى متّصل به، وإنّما عاد إلى معنى منفصل عن العقد وهو الاشتغال عن صلاة الجمعة، حتّى لو باع في طريقه إلى الجمعة ولم يشغله البيع عنها، فإنّه لا يمنع من ذلك. ولو اشتغل بغير البيع من المباحات لمنع من ذلك. فلم يؤثّر هذا النّهي في صحّة العقد، كما لم يؤثّر النّهي عن الصّلاة في الدّار المغصوبة في إجزائها, لكون النّهي تعلّق بمنع اشتغال الغير بأن يشتغل كلّ صلاة أو غيرها (٢). وأيضًا فإنّ أصل البيع الجواز

стр. 1641

لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وما نهي عنه إنّما يتعلّق بحاصل موجود يكون إيجابه باكتساب، وكفّه عن ذلك باكتسابه. فلو كان العقد لا ينقل الملك لما تصوّر الملك، وإذا لم يتصوّر عنه وهو منهيّ عنه، صار النّهي كالمتعلّق بما لا يمكن، وذلك مِمّا لا يحسن النّهي عنه، كما لا يحسن أن يقال للأعمى: لا تر كذا, ولا تقرأْ كذا. فإذا أشعر تعلّق النّهي يكون المنهيّ عنه يمكن إيقاعه، ولا يمكن إيقاع البيع الفاسد إلاّ بأن يتصوّر فيه انتقال الملك، وهذا يقتضي كون البيع الفاسد ينقل الملك ما لم يقع بميْتة أو دم، لكون ذلك مِمّا لا تتصوّر فيه حقيقة الماليّة. والبيع لا يتصوّر فيه حقيقة إلَاّ محلّ (٢)، والمحلّ لا بدّ أن يكون له حقيقة الماليّة، وعاقد له حقيقة الأهليّة، وهو العاقل المميّز الّذي يكون أهلًا للبيع. بخلاف العقد بخمر أو خنزير، فإنّ له حقيقة الماليّة، ولكن فقد وصفا شرعيّأوهو كونه مِمّا يقوّم. وكان مقتضى هذا التّقسيم والتّركيب أن ينقل الملك بمجرّد العقد، لكن لمّا ضعف العقد يكون الشّرع سلبه وصف الجواز والصحّة، احتاج هذا الضّعيف إلى ما يقوّيه حتّى يحصل انتقال الملك وما ذاك إلَاّ القبض. ألا ترى أنّ الهبة لمّا ضعف القول فيها, لم ينقل مجرّده الملك حتّى احتاج إلى ما يقوّي هذا الضعف وهو القبض، ولم يلزم هذا في عقد نكاح وقع على فساد, لأنّ العقد في الأنكحة له حرمة، بخلاف حرمة البيع، قوي من أجلها، فاستغنى عمّا يقوّيه في نقل الملك، وجرى مجرى الوطء في النّكاح الفاسد الّذي ينقل الملك. وأيضًا فإنّ العقد الفاسد يسلبه النّهي وصف الحلّ والجواز، وحقيقة النّكاح أن يكون حلالًا. ومن آكد ما يستدلّ به الكتابة الفاسدة، فإنّها يثبت معها العتق عندهم وعند الشّافعيّة. وأجيبوا عن هذا بأنّ اتّفاقهم عليها إنّما كان لأجل حرمة العتق، ألا ترى أن من أعتق جزء عبد عتق عليه ما لا يملكه منه تغليبًا لحرمة العتق. بخلاف أن يبيع نصيبه منه. وأيضًا فإنّ الكتابة كأنّها عتق معلّق بصفة، والتّعليق بالصّفة ينفذ فيه العتق سواء كانت

стр. 1642

الصفة جائزة، كقوله: إن دخلت الدّ فأنت حرّ، أو ممنوعة كقوله: إن قتلت مسلمًا فأنت حرّ. وأمّا الشّافعيّة، فإنّها ترى أنّ النّهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه وارتفاعه، سواء كان النّهي يعود لعين المنهيّ عنه أو لمعنى متّصل بها. لأنّ ما اتّصل بها وكان لازمًا لها فإنّه يكون كالرّافع (١) إلى العين، فلا معنى لهذه التّفرقة. وأيضًا فإنّ القبض من مقتضى العقد، وهو تابع للعقد، فإذا لم يحصل الملك والضّمان بمجرّد العقد الّذي هو الأصل، فأحرى ألاّ يحصل بما يتبعه وهو متفرّع عنه وهو القبض. ويرون أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) على حسب ما قدّمنا نحن ذكر اختلافهم فيه. وقد تقرّر في الشّريعة أنّ ما نهى الله عنه ورسوله غير مأذون فيه، وهو مردود. ولا يصحّ الجمع بين كونه منهيًّا عن مباشرته وفعله وبين كونه منعقدًا منبرمًا ناقلًا للملك, لأنّ هذا يصير كالمتناقض من الأحكام. وقد يتعلّق في هذه المسئلة بحديث بريدة (٣) وهو كون اشتراط الولاء للبائع لا يجوز. ثمّ مع هذا قال لها ﵇: "اشتري واشترطي لهم الولاء فإنّ الولاء لمن أعتق" (٣). فإنفاذ عتقها يدلّ على صحّة ملكها، وكون هذا العقد نقل الملك إليها. وهذا الاستدلال إنّما يصحّ لو قلنا: إنّ عقدها كان فاسدًا، وأنّهم اشترطت لهم الولاء حين العقد. وهذا لا يصحّ أن يضاف إليها، وهي قد فعلت ما فعلته بعد مشاورة النبيّ ﵇. وقد قيل: معنى: اشترطي لهم الولاء اشترطي عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٤) يعني فعليها. وقيل: إنّ هذا مِمّا خصّت به عائشة ﵂، فأجيز لها فعل ذلك ليكون فسخ الشّرط، والزّجر عنه بالفعل والقول والبيان لجميع النّاس آكد في المنع

стр. 1643

منه. وقد بسطنا الكلام على هذا الوجه في كتابنا المعلم (١). والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: مجرّد العقد الفاسد في البياعات لا ينقل ضمانها. لكن إن أمكن البائع المشتري من القبض، فترك ذلك باختياره، فعندنا فيه قولان: ١ - هل ينقل الضّمان إلى المشتري كما ينقل الضّمان إليه في التّمكين في البيع الصحيح. ويعَدّ التّمكين كالقبض لمّا ترك المشتري المبيع باختياره وكأنّه أبقاه بعد قبضه في يد بائعه كالوديعة؟ ٢ - أو لا ينقل التّمكين ضمانًا لكون الشرع نهى المشتري عن التّمادي على هذا العقد، ونهاه عن قبضه، وأمره بفسخه. فلا يعدّ تمكين البائع منه كقبض المشتري له لمّا فعل المشتري، من اجتناب القبض، ما أمره به الشّرع. بخلاف البيع الصحيح، فإنّ الشّرع لم يمنع فيه من القبض منه ولا نهى عنه وصار التّمكين فيه كالقبض. وأمّا إذا حصل القبض في البيع الفاسد، فإنّ الضّمان ينتقل، ولكنّه عندنا انتقال مقتضية شبهة الملك لا حقيقة الملك، على ما قدّمناه وحكيناه عن بعض أصحابنا، وذكرنا نحن ما فيه عندنا وما قاله غيرنا من الأشياخ. وقد قال القاضي إسماعيل: إنّ بعض من حدّث يقول: إذا مات العبد المشترى شراء فاسدًا في يد مشتريه، فإنّ ضمانه من البائع، لكون هذا القبض عند هذا كقبض الوديعة الّتي يكون ضمانها من مالكها الّذي أودعها. وهذا الّذي ذكره خلاف طريقة فقهاء الأمصار، ولهذا أضافه القاضي إسماعيل لبعض من حدّث مشيرًا بهذا القول إلى كون هذا القائل شذّ عن الجماعة. فأمّا الحنفيّة، فإنّها تراه ضامنًا بالقبض, لأنّ حقيقة البيع حصلت، ولهذا نقلت الملك وحقيقة البيع نقل الملك بعوض، والأصل في العوض المعادلة، والمعادلة إنّما تكون بالقيمة. لكنّهما إذا تراضيا بتسمية قضي بها إذا كانت جائزة. فإذا أبطلها الشّرع، رجع إلى الأصل وهو كون القيمة عوضًا من هذا المقبوض. ولو زادت في المقبوض زوائد متّصلة به لردّت معه عندهم لكونها

стр. 1644

بيعًا للعين التّي زيدت، وحكم التّابع حكم المتبوع. وأمّا الشّافعيّة، فإنّها لمّا صارت إلى أنّ البيع لم ينقل الملك، والمشتري يردّ المبيع، صار في يده كالمغصوب، والغاصب يضمن ما قبضه غصبًا، وكون المشتري قبض بإذن البائع لا يخرجه عن أحكام الغصب، لكون البائع إنّما أَذِن له لاعتقاده أنّه يملك بهذا العقد السلعة، ويتمّ لهما ما تعاقدا عليه. فإذا ظهر الأمر بخلاف ما اعتقد، صار كالقابض بغير إذن حتّى قالوا على هذا: لو كانت أمة فاستخدمها لردّ إجارة الخدمة، ولو باعها لنقض بيعه، ولو فاتت في يد مشتريها شراء فاسدًا لغرم أغلى قيمتها في الأزمنة التّي كانت في يده كما يغرم الغاصب أغلى القيم. ونحن نرى أنّه ليس كالغاصب لكون البائع أذن له في القبض والتصرّف، ولا كالمودع لأنّه قبض ما قبضه لمنفعة نفسه فتعلّق به الضّمان. ولكنّا نعدل بين المشتري والبائع، فنرى أنّ تغيّر الأسواق يمنع من ردّ المبيع، ويوجب أخذ القيم على حكم ما سنبيّنه في أحكام القيم. وسحنون يجريه مجرى الرّهان إذا كان البيع الفاسد متّفقًا على تحريمه، فيضمن قابض السلعة على عقد فاسد ما يغاب عليه، إلاّ أن تقوم البيّنة بهلاكه، ولا يضمن ما لا يغاب عليه. ويُجري الأمر في ذلك على أحكام ضمان الرّهان لمّا لم يقبض المشتري ذلك لمنفعة دافعه خاصّة حتّى يكون مثل الوديعة بل لمنفعة نفسه، فصار شبه الرّهان. لكن شَرَط أن يكون الفساد والتّحريم واضحًا متّفقًا عليه لأجل أنّ المختلف فيه من ذلك يحسن أن يراعى فيه خلاف من أجازه، فيضمن كضمان البيع الصحيح. لكن يشترط في هذا القبضُ، لأجل تحريم العقد عند من صار إليه وتقاصره بمجرّده عن نقل الملك حتّى ينضاف إليه القبض على حسب ما قدّمناه. فتلخّص من هذا أنّ هذا القبض تتصوّر فيه المذاهب المختلفة في إسنادها إلى ما يسند ذلك إليه، هل يمنع من نقل الملك، وإن اتّصل العقد بالقبض،

стр. 1645

فيبقى المقبوض على ملك دافعه كالوديعة على حسب ما ذكرناه من حكايته القاضي إسماعيل وإشارته إلى التّنبيه بالوديعة، أو يلحق بالرّهان وإن لم ينقل ذلك القبض الملك لكون القابض ها هنا قبض لمنفعة نفسه، أو يضمن ضمان الغصوب، لأجل ما أشرنا إليه من كونه عند هؤلاء لم ينقل الملك ولا شبهة الملك. وللإذن في التصرّف لهما وقع بشرط أن يكون البيع نافذًا غير مردود، أو يكون قبض المبيعات الّتي صحّ ملكها بالمعاوضة عليها، كما قال أبو حنيفة، أو شبهة الملك، كما حكيناه عن بعض أصحابنا، وإسناد ذلك إلى المذهب، وحكينا نحن ما عندنا في ذلك مِمّا أسندناه إلى المذهب. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: يحسن ها هنا أن نصدر هذا الفصل بتقاسيم تتعلّق بهذا الكتاب فمن ذلك أنّ عقود المعاوضة أربعة: ١ - عقد صحيح منحتم. ٢ - وعقد صحيح غير منحتم كعقد الخيار. ٣ - وعقد فاسد منحتم فساده، كبيع الغرر وشبهه. ٤ - وعقد غير منحتم فساده، كبيوع الشّروط التّي فسد العقد لأجل ما قارنه من الشّرط. فيجب للمشترط الفسخ إن تمسّك المشترط، وإن سمح بإسقاطه انحتم العقد وصحّ، مثل البيع بشرط السلف، وبيع جارية على أن يتّخذها المشتري أمّ ولد، على أحد القولين في وقف الفسخ على التمسّك بالشّرط، والإمضاء على إسقاط الشرط. والفساد يلحق العقد من ثلاثة أنحاء: ١ - من ناحية العقد. ٢ - أو من ناحية الثّمن. ٣ - أو منهما جميعًا. والمتملّكات التّي يتصوّر فيها العقد الفاسد في البياعات أربعة: ١ - عقار ٢ - وعروض ٣ - وحيوان ٤ - ومكيل وموزون.

стр. 1646

والمفيت لهذه العقود الفاسدة أربعة: ١ - تغير الذّوات ٢ - أو تغيّر الأسواق ٣ - أو إخراج عن الملك ٤ - أو تعلّق حقّ آخر بهذا المبيع. فنبدأ بالكلام على حصول الفوت بمجرّد القبض من غير أن ينضاف إلى ذلك أحد هذه الأربعة أقسام. فاعلم أنّ المعروف من المذهب أنّ مجرّد القبض لا يكون فوتًا في البياعات الفاسدة. لكن ذكر ابن مسلمة أنّ الفسخ بعد القبض استحسان. وهذا إشارة منه إلى أنّ القياس كون مجرّد القبض مانعًا من الفسخ. وهو مقتضى المذهب الّذي حكيناه من كون العقد الفاسد إذا اتّصل به القبض ينقل الأملاك. وإذا تحقّق نقل الملك لم يتصوّر الفسخ. وقد أطلق القول بعض أشياخي على ذلك الخلاف في البيع الفاسد، هل يفوت بالعقد أو القبض، تخريجًا منه ذلك من مسئلة من أسلم في ثمر بعينه على الكيل لمّا زهي بشرط أن يأخذه تمرًا. فإنّا كنّا قدّمنا في كتاب السلم ذكر الاختلاف، هل يكره ذلك وينهى عن العقد؟ فإنْ وقع العقد، فسخ إذا لم يقبض، أو يمضي بمجرّد العقد ويفوت المبيع بالقبض؟ وهذا التّخريج عندي لا يحسن إطلاقه, لأنّ هذه المسئلة وأمثالها إنّما يحمل النّهي فيها على الكراهة لا على التّحريم المتّضح. والكراهة لا تلحق بالتّحريم ويحسن أن يقال فيها: ينهى عن هذا العقد لكونه مكروهًا. فإن عقد، لم يفسخ لكونه ليس محرّمًا. وهكذا قال ابن القاسم فيمن باع نخلًا مثمرًا على أن يختار منها نخلات، أي لَكُره هذا البيع. فإن وقع أمضيته، لقول مالك فيه. فشتّان ما بين مكروه ومحرّم، ومجمع عليه ومختلف فيه. وقد قال مالك: ما كراهة النّاس فيه من هذه العقود، فإنّه يفسخه إلاّ أن يفوت فيمضي، فعبّر عن ذلك بالكراهة. لكن ابن مسلمة لمّا أطلق القول بأنّ الفسخ بعد القبض في البياعات الفاسدة استحسان، صار هذا منه كالمسهّل لهذا التّخريج. وقد قدّمنا نحن من ذكر المذاهب في تأثير العقد الفاسد المتّصل به القبض ما تبنى عليه هذه المسئلة. وإذا وضح ما قلناه في مجرّد العقد المتّصل به القبض، فلنذكر ها هنا ما

стр. 1647

ذكرنا من الأقسام المفيتة، ونذكر حكمها في كلّ قسم من الأجناس المبيعة. فأمّا العقار، فإنّ ذهاب عينه، واندراسَه الّذي يقوم مقام ذهاب العين، فلا خفاء يكون ذلك فوتًا يمنع الرّدّ للمبيع. لأنّ ردّ عين المبيع مع ذهابها يستحيل، وكذلك اندراسها المقارب لذهاب عينها. وأمّا التّغيير لها، فإنّها إن كانت ديارًا فإنّ الهدم يفيتها. والأبنية في أرضها تفيتها. والأرضون يفيتها الغرس أو قطعه، وحفر الآبار وشقّ العيون، وما في معنى ذلك. لكون هذه الأحوال يتحوّل معها الغرض المقصود من العقار. والغرض المقصود إذا تبدّل في العين فصارت (١) العين كأنّها غير موجودة. وهذا الّذي قلناه يشير لك إلى توجيه ما قاله أصبغ فيمن اشترى أرضًا شراء فاسدًا، فغرس فيها غرسًا، فإنّه قسّمه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يغرس جميع ما أحاط بالأرض ويبقي جلّها بياضًا، فإنّ ذلك فوت. وإن غرس منها ناحية بعينها، مِمّا لها مقدار بالنّسبة إلى ما بقي، فإنّ المغروس خاصّة هو الّذي يفوت. وإن كانت هذه النّاحية لا مقدار لها, لم يفت شيء من الأرض وتردّ إلى بائعها ويقضى عليه بقيمة الغرس. والأشبه أن يقضى عليه بقيمته قائمًا لكونه غرس بوجه شبهة. وإن كان أصبغ لم يصرّح بهذا, ولكن مقتضى المذهب هذا الّذي قلناه. فأنت تراه كيف جعل الغرس فوتًا للجميع، أو ليس بفوت في الجميع، أو فوتًا في المغروس دون ما لم يغرس. وما ذلك إلاّ لما قلناه من اتّضاح اختلاف الأغراض وتباينها أو تقاربها. فاعتبار ذلك ودّاه إلى هذا التّقسيم الّذي قسمه. وقد اضطرب الأشياخ في مسئلة المدوّنة إذا باع جارية بجاريتين بيعًا فاسدًا، فإنّه ذكر في المدوّنة فسخ العقد وإلزام القيمة مع ذوات المبيع. وتنازع

стр. 1648

الأشياخ إذا كان الفوت في الجارية الرّفيعة من الجاريتين اللتّين بيعتا بيعًا فاسدًا، والجارية الّتي هي الحقيرة من الصفقة لم تفت، هل ينسحب حكم فوت الرّفيعة على المحتقرة حتّى يقدّر أنها كالفائتة لكونها تابعًا لما فات، والتّابع يجري عليه حكم المتبوع، على حسب ما نقوله في أحكام الاستحقاق لإحدى الجاريتين، أو ردّ إحداهما بعيب، أو يفسخ البيع في الّتي لم تفت، وإن كانت محتقرة، لكون الفسخ حقًّا لله سبحانه، وحقّه غير مبنيّ على الأغراض. فلا يعقد في المحتقرة عقد فاسد من غير حصول فوت، بخلاف أحكام البيوع والاستحقاق، فإنّها مبنيّة على حقوق الخلق واعتبار أغراضهم. فإذا استحقّت الرّفيعة من الجارتين وانتقض البيع فيها، كان لمن استحق ذلك من يده ردّ المحتقرة الّتي لم تستحقّ لبطلان غرضه في الصفقة لمّا استحقّ جلّها والمقصود. وقد رأى أصبغ أنّ مرور السنين الكثيرة كالعشرين ونحوها على الدّيار المبيعة بيعًا فاسدًا يفيتها، واعتلّ بأنّ ذلك لا يكون حتّى تتغيّر بالبلى. وهذا لا يخالَف فيه. والرّوايات المذكور فيها أنّ مجرّد الطّول لا يكون فوتًا، إنما أطلقت على أنّ طول الزّمان لم يغيّر عينها. وأمّا حوَالة الأسواق في العقار، ففيه اختلاف: هل يفيت البيع الفاسد أم لا؟ فالأشهر لا يفيته. وقال ابن وهب: إنّ ذلك يفيته. وأجرى العقّار مجرى العروض. وإذا كان السبب المانع من الفسخ المعادلة بين المتبايعين في رفع الضّرر عنهما. ومن الضّرر إذا زادت قيمة السلعة في يد المشتري أن يؤخذ من يديه، فيخسر ما اشتراها لأجله من الرّبح. وإذا نقصت قيمتها فرددناها على البائع، أضررنا أيضًا به. فكان من العدل بينهما المساواة في نفي هذا الضّرر عنهما. فجعلتَ اختلاف الأسواق بزيادة أو نقصان يفيت البيع الفاسد، ولا فرق بين العروض والعقار في اعتبار هذا الضّرر. وأشار بعض الأشياخ إلى الاعتذار عن المذهب المشهور من التّفرقة بين العقار والعروض بأنّ الغالب في الدّيار أنّها لا تشترى للتّجارة بل للقنية والسكنى أو الاغتلال. فلم يؤثّر اختلاف الأسواق لمّا لم يكن ذلك مقصودًا عند المتعاقدين فيها. والغالب في العروض شراؤها

стр. 1649

للتّجارة. وإذا كان مقصود المتعاقدين زيادة الأسواق فيها وانخفاضها، أثّر ذلك في العقد ومنع من الفسخ، وتغيّر الحكم في الفسخ لمّا تغيّر المقصود. وإذا نقض البيع في العقار المبيع بيعًا فاسدًا قبل الفوت ولم ينقض بعد الفوت وقد بيّنا وجوه الفوت، فإنّ الزّرع في الأرض لا يفيتها ولا الإثمار في النّخل. فأمّا الزّرع فإنّه من حقّ المشتري للأرض شراء فاسدًا أن يبقى زرعه فيها إلى أن يحصده من غير أن يجب عليه كراء، لكونه كمحتلّ بوجه شبهة، وضامنًا لما اغتلّه. وقد قال ﵇: "الخراج بالضّمان" (١). إلاّ أن يتوجّه الحكم عليه بفسخ البيع، وإبّانُ الزّراعة لم يفت، فإنّه يجب عليه كراء الأرض, لأنّ الأصل إذا حكم بالفسخ، قلع زرعه وردّ الأرض فارغة إلى بائعها على حسب ما أخذها منه، لكن في ذلك إتلاف مال المشتري وإضرار. وقد قدّمنا أنّ حوّالة الأسواق تمنع من ردّ المبيع لنفي الضّرر عن المشتري إن زاد سوق السلعة، وهي في يديه، وعن البائع إن نقص سوقها، وهي في يد المشتري، فكذلك يجب مراعاة حقّ المشتري في أن لا يُتلَف زرعه فيجب إبقاؤه لأجل هذا, ولكن في إبقائه أيضًا منع البائع من زراعة أرضه، وإبّانُ زراعته لم يفت، فيجب أيضًا ألاّ يُضَرَّ بالبائع ويُحرَم الانتفاع بأرضه. فكان العدل بينهما إقرار زرع المشتري وإعطاء البائع كراء ما حُرِم الانتفاعَ به. فإذا وقع الفسخ بعد الإبّان، فإنّ البائع لم يحرم انتفاعًا يجب أن يعاوض عنه. وأمّا لو كانت نخلًا أثمرت وقد اشتريت شراء فاسدًا، فإنّ الثّمرة تردّ على البائع لمّا وجب ردّ النّخل، إلاّ أن يحصل لها حكم كونها غلّة، فيكون للمشتري لكونه ضامنًا، والخراج بالضّمان. واختلف متى يكون ها هنا غلّة، فقيل بطيابها، فإذا طابت كانت للمشتري ولا بدّ مع النّخل، كما لو قبضها المشتري وأكلها، ثمّ وقع الفسخ بعد ذلك. وقيل: بل يكون لها ها هنا حكم الغلّة بالإِبّار وتكون للمشتري. وسنبسط الكلام على هذا وأمثاله في الحال الّتي تكون بها الثّمرة غلّة إذا ردّت النّخل بعيب أو استحقّت أو أخذت بشفعة أو بحكم تفليس، وأحكام نفقة المشتري عليها وسقيه لها في

стр. 1650

المواضع الّتي تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. فإذا تقرّر حكم الفوت في العقار، فإنّ العروض يفيتها في البيع الفاسد ذهاب عينها، وتغيّرها في ذاتها، أو تغيّر أسواقها. وهذا لمَا قدّمناه من المعادلة بين المتبايعين في نفي الضّرر عنهما. فلو قضينا بردّ العين بعد تغيير (١) ذاتها أو تغيير (١) سوقها لألحقنا بأحدهما ضررًا دون صاحبه، وهما قد استويا في سبب الفسخ دخلا فيه مدخلًا واحدًا. بخلاف الرّدّ بالعيب، فإنّ العروض لا يمنع من ردّها تغيّر سوقها لمّا كان العيب من جهة البائع دون المشتري. وقد يظنّ بالبائع أنّه علم به، فلم يبيّنه أو فرّط في الكشف عنه لمّا باع سلعهُ على أنّها سالمة، والمشتري يقدّر أنّ الأمر على ما أظهره البائع له. وكذلك يفيت العروض أيضًا، في البيع الفاسد، نقلُها من بلد إلى بلد، لكون ردّها إلى البلد الّذي بيعت فيه لا يمكن في غالب العادة إلاّ بمشقّة سفرها وأداء إجارة على حملها. وأمّا الحيوان، فإنّه يفيته حوَالة الأسواق أيضًا، وأمّا نقله من بلد إلى بلد، فإنّ ذلك لا يفيته لكونه لا يفتقر إلى حمل بل يمشي بنفسه. بخلاف العروض الّتي لا تنتقل بنفسها. وإذا انتفت المضرّة في ردّه وكان علة الفوت لحوق المضرّة بأحد المتبايعين وجب في الحيوان أن لا يكون نقله فوتًا. لكن مقتضى هذا التّعليل أن يكون إذا تصوّر فيه الضّرر بركوب غرر في ردّه أو غير ذلك مِمّا في معناه أن يلحق بالعروض ويكون نقله فوتًا. واختلف في مجرّد طول زمان مرّ على الحيوان ولم يتغيّر الحيوان في ذاته ولا في سوقه، هل يكون فوتًا؟ فذكر في كتاب العيوب من المدوّنة أنّ مرور شهر عليه يكون فوتًا له. وذكر في كتاب السلم أنّ الشّهر والشّهرين لا يكون فوتًا. واعتقد بعض أشايخي أنّ هذا قول على الإطلاق. وليس الأمر كذلك، وإنّما هو اختلاف قول في شهادة بعادة (٢). لأنّه أشار في المدوّنة إلى أنّ المقدار الّذي حدّه من الزّمان لا يمضي إلاّ وقد
следующие страницы →