← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فصل في مسائل ذكرت في كتاب البيوع الفاسدة من المدوّنة فمنها حكم المعادن ومن يحكم فيها. وهي إذا لم تكن مملوكة لرجل بل من حقوق سائر المسلمين، كان النّظر فيها للإمام الّذي أقيم في الشّرع للنّظر في الحقوق العامّة لجميع النّاس. وإن كان المعدن ظهر في أرض مملوكة لرجل بعينه، ففيه قولان، هل يكون الحكم فيه لصاحب الأرض بناء على أنّ من ملك ظاهر الأرض، ملك باطنها. أو الحكم فيه إلى الإِمام بناء على أنّ مالك ظاهر الأرض لا يملك باطنها. والمعدن إذا قطعه الإِمام لأحد من النّاس يعمل فيه، فأدرك نيلًا، فإنّه لا يباع لكون النّيل لا يعلم مقداره ولا يحاط به، وبيع هذا غرر، والغرر ممنوع في البيع. لكنّه إن مات بعد أن وصل إلى النّيل، فإنّ في كلام ابن القاسم في هذا احتمالًا. ورأى بعض الأشياخ أنّ القياس يقتضي كونه موروثًا. وهذا الّذي أشار إليه صحيح إذا كان النّيل قد صار في حكم ما قبض عامل المعدن وحازه. وأمّا إذا لم يتحصّل على هذه الصّفة، فإنّ في المذهب قولين، في (١) إذا مات العامل في المعدن وقد عمل فيه ولكنّه لم يدرك النّيل، هل يكون ورثته أحقّ بها (٢) في العمل حتّى يصلوا إلى النّيل، لكون العامل فيه الّذي ورثوه قد تكلّف فيما مضى من العمل مشقّة وخسارة استحقّ من أجلها إكمال العمل لئلاّ يذهب عمله باطلًا، وإذا استحقّ ذلك وُرِث عنه ما استحقّه، كما يورث

стр. 1717

عنه سائر أمواله وحقوقه. أو يقدّر أنّ هذا إنّما قُطع مِنه يتحصّل من نيل، ولم يملك إلا ذلك. فإذا مات قبل وجود الشّرط الّذي شرط له في التّمليك، لم يملك شيئًا فيورث عنه. وذكر أيضًا في هذا الكتاب أنّ من له أرض فيها غدير أو بركة فيها سمك، فإنّه لا يمنع النّاس منه. وتأوّل بعض الأشياخ على أنّ الأرض ليست بمملوكة له, لأنّها لو كانت مملوكة له لكان له أن يمنع النّاس ما فيها، كما له أن يمنع ماء بئر احتفره في داره لنفسه، أو ماجن احتفره في دار نفسه. ولكنّه إنّما أراد أنّها أرض خراج سلّمت لرجل ليعمل فيها ويؤخذ منه الخراج والّذي فيها لم يملكه، فلم يكن له منع ما لم يملكه. وإنّما أُضيفت الأرض إليه إضافة اختصاص وولاية حيازة لا إضافة ملك. وتأوّل غيره من الأشياخ أنّ الأرض مملوكة لهذا, ولكنّه لا يتصيّد ما فيها, ولا يمكنه بيع, لأنّ بيع ما فيها لا يجوز، لكونه لا يحاط به. فإذا لم تكن له منفعة في هذا السمك بتصيّد، ولا في ثمنه ببيع، كان منعه مِمّا يفيد النّاس من غير ضرر به، ولا فائدة فيه، من الإضرار بالمسلمين من غير سبب يقتضي ذلك. وقد ورد الشّرع بالأمر للمالك أن يأذن في مثل هذا، كما ذكر في الحديث أنّه "لا يحلّ لأحدكم أن يمنع أخاه أن يغرز خشبة في جداره" (١). وإن كان قد اختلف في مثل هذا، هل يجبر عليه من امتنع منه؟ أم لا يجبر عليه، وإنّما يندب إليه؟ وقد نُهي من له أرض أنبتت كلأ لا حاجة به إليه في رعي ولا بيع أن يمنع النّاس منه, لأنّه من الإضرار بالنّاس من غير غرض صحيح له في هذا الإضرار. فكذلك المنع من هذه الحيتان الّتي ذكرها في مسئلة هذا الكتاب. وذكر في هذا الكتاب من المدوّنة أيضًا فيمن كانت له مواشي شأنها أن تعدْوَ على زراع النّاس، فإنّها تباع عليه إذا لم يمنعها من إفساد الزّرع، وتُغرَّب إلى أرض لا زرع فيها. وينبغي إذا بيعت لأجل هذا أن يبيّن للمشتري هذا السبب

стр. 1718

الّذي بيعت من أجله، لئلاّ يبيعها هو من أرض بها زرع، فلا يجدي بيعها منه فائدة. ويكون هذا أيضًا عيْبًا فيها دُلِّسَ عليه. وإن اشتراها وقد علم هذا العيب منها بيعت عليه كما تباع على الأوّل. وإذا علم مالكها بإفسادها للزّرع وغيره، وقدم (١) إليه فلم يصنها ليلًا ولا نهارًا، فإنّه يضمن ما أفسدت بليل أو نهار. ويكون بإهمالها كمن تولّى إتلاف ما أفسدت بنفسه فيضمنه، وإن كثر، بخلاف جنايات عبيده، فإنّه لا يلزمه القيام عنهم بقيمة ما أتلفوه، على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. وأمّا إذا كانت هذه المواشي ليس من شأنها أن تعدو في زراع النّاس فعدت على زروعهم، فإنّ مالكها يضمن ما أصابت ليلًا، لأجل أنّ على أربابها صيانتها باللّيل لكونهم يقولون حفظها (٢) لأنفسهم ولئلاّ يؤدي النّاس ولا حاجة بهم حينئذ إلى تسريحها، فضمنوا ما تلف بسبب إهمالهم لما لزمهم أن يصونوه ويحفظوه من مواشيهم. فإذا كان إفسادها نهارًا، فإن بهم حاجة إلى تسريحها للرّعي، وأرباب الزّرع حينئذ أيْقاظ يمكنهم حفظ زراعهم وطرد المواشي عنها، فإن لم يفعلوا صاروا هم كالمتلفين لزروعهم. وأصل هذه الموازنة بين الضّررين. وقد اختلف حكم اللّيل والنّهار لمّا وازن بين الضّررين على حسب ما نبّهناك عنه. وقد اختلف على قولين في قرية أراد بعض أهلها أن يتّخذ فيها حمامًا أو نحلًا، وهو إذا اتّخذها، أضرّت ببعض ما تنبته النّاس فيها، هل يمنع من اتّخاذ هذه الحمام والنّحل لكونه منعه من ذلك الضّرر فيه أخفّ من الضّرر في منع الآخرين من الإنتفاع بما أنبتوه من شجر وغيره؟ أو يباح اتّخاذ ذلك فيها، ويؤمر الآخرون بطرد هذا الّذي يضرّ بهم عن ثمارهم لكون هذا الضّرر الّذي تكلّفوه من طرد هذا الطّير أخفّ من منع أولئك من أن يتّخذ في أملاكهم ما ينتفعون به؟

стр. 1719

وقد ذكر ابن سحنون أنّ الحديث الوارد فيما أفسدت المواشي من الزّراع من كون أرباب المواشي يضمنون ذلك نهارًا ولا يضمنونه ليلًا (١)، ليس على عمومه، وإنّما المقصود به مدينة النبي، ﵇، وأمثالها مِمّا لمزدرعاتها حيطان وحصائر تحصر بها، فيصير أهلها بما فعلوه من تحضير قد بذلوا الجهد في صيانة أموالهم. وأمّا ما كان مهملًا غير محضر قال: كزرع السواحل، فإنّ أرباب المواشي يضمنون ما أصابت ليلًا أو نهارًا، لكون أهلها لم يتولّوا صيانتها بالتّحضير عليها، وإنّما عوّلوا على ما أوجبه الشّرع من تحريم إفساد مال المسلم والتّسليط عليه. فإذا أتوا، أربابُ المواشي، شاهدوا الزّرع غير محضر عليه علموا أنّ مواشيهم إن سرّحوها أفسدت الزّراع، فإذا سرّحوها ولم يمنعوها من الإفساد، صاروا هم المفسدين للزّراع. والّذي قدّمناه لك من التّنبيه على المُوازنة بين الضّررين هو المعتمد عندي في هذا الباب. وذكر في المدوّنة أنّ من وصّى في مرضه أن يشتري عبد ولده بثمن لم يحاب فيه، أنّ ذلك نافذ. وكذلك إذا أوصَى أن يبتاع عبدًا من ولده بقيمته ولم يحابه، والمحاباة ها هنا تعتبر في القيمة، وتعتبر في عين العبد، فإنّه لا تنفذ وصيّته إذا أوصى أن يباع منه عبد من خيار عبيده مِمّا يتنافس فيه الورثة ويشحّون عليه لعينه. وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى. ولو وصّى أن يباع عبده من ولده، جرى الولد ها هنا مجرى الأجنبيّ، لكون هذه الوصيّة لا منفعة للولد فيها، وإنّما منفعتها للعبد الموصى بعتقه. ولو قال: اشتروا عبده للعتق، لكان في ذلك اختلاف، لكون الولد يزاد على القيمة، فيصير انتفاعه وصيّة لوارث. أو يقدّر أنّ القصد إعتاق العبد وخروجه من ملك الولد وتنفيذ الوصيّة. ولعلّنا أن نبسط هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى. ونشير إليه أيضًا في كتاب النّكاح إذا زوّجه ابنته في مرضه، وحمل عن الزّوج

стр. 1720

صداقها، فإنْ هذا الحمْل أيضًا فيه اشتراك بين ابنته، وهي وارثة، وبين زوجها، وهو غير وارث. وذكر في المدوّنة من باع سلعة ورقم عليها ثمنًا (١) أنّ مالكًا شدّد الكراهة فيه، واتّقى فيه وجه الخلابة. ومعنى الخلابة الّتي أشار إليها ها هنا أنّه إذا رقم على السلعة ثمنًا ليس هو الثّمن الّذي اشتراها به، وباعها مساومة أو مرابحة بثمن دون ما رقم عليها، فإنّ في هذا تغريرًا بالمشتري وخلابة وخداعًا, لأنّه قد يظنّ أن الّذي أرقم عليها هو الّذي اشتراها به لكنّه حطّ منه على جهة الغلط منه، ولضرورة دعته إلى ذلك. والتّدليس والتّغرير في البياعات ممنوع. نجز كتاب البيوع الفاسدة والحمد لله

стр. 1721

كتاب بيع الخيار

стр. 1722

بسم الله الرحمان الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم كتاب بيع الخيار قال القاضي أبو محمّد قدّس الله روحه في فصل تكلّم فيه على بيع الخيار، فقال: وليس خيار المجلس من مقتضى العقد، ومجرّد القول المطلق كافٍ في لزومه. ويجوز شرط الخيار لمن شرطه من المتعاقدين ولهما (١). ثمّ لمن يثبت (٢) له أن يمضي أو يفسخ. ولا حدّ في مدّته إلاّ قدر ما يختبر المبيع في مثله، وذلك يختلف باختلاف أنواع المبيعات، فإنّ عين (٣) مدّة تحتمل ذلك، جاز. وإن أطلقها (٤) ضرب له (٥) خيار المثل. وإذا اختلفا في الرّد والإمضاء. فالقول قول مختار الرّدّ. ويقوم الوارث فيه مقام الموروث (٦). ويحكم بالإمضاء في كلّ تصرّف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج في اختيار المبيع إليه، وذلك كالوطء والإستمتاع بما دونه، والإعتاق والتّدبير

стр. 1723

والكتابة، وتزويج الأمة والعبد، وغير ذلك مِمّا في معناه. وتلفه من البائع إن كان في يده أو في يد غيرهما، ومن المشتري إن كان في يده وكان مِمّا يغاب عليه. قام الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل خمسة عشر سؤالًا منها أن يقال: ١ - لِمَ أسقط خيار المجلس مع ورود الحديث الصحيح به؟ ٢ - وهل بيع الخيار أصل في نفسه أو رخصة خارجة عن الأصول؟ ٣ - وهل يجوز الخيار لكلّ واحد من المتبايعين أو لأحدهما؟ ٤ - وهل الخيار المشترط محدود في الشرع؟ ٥ - وهل يجوز اشتراط النّقد في بيع الخيار؟ ٦ - وهل للمشتري بالخيار أن يفسخ العقد والبائع غائب؟ ٧ - وهل يجوز عقد البيع على رجل ثالث غير المتعاقدين؟ ٨ - وما حكم وكيل وُكَّل أن يشتري على البتّ فاشترى على الخيار؟ ٩ - وما الأفعال الدّالّة على الإجازة أو الرّدّ؟ ١٠ - وما حكم ولد الأمة المبيعة على خيار؟ ١١ - وما حكم اختلاف المتعاقدين في الخيار؟ ١٢ - وما حكم الضّمان في المبيع على خيار (١)؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: اختلف النّاس في البيع بماذا، ينعقد؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنّه ينعقد بمجرّد القول، وإن لم يقع بعده افتراق. وليس لأحد المتبايعين فسخ البيع بعد انعقاده بالقول ولو كانا في مجلسهما.

стр. 1724

وذهب الشّافعي إلى أنّه إنّما ينعقد انعقادًا ليسَ لأحد المتعاقدين فسخه إذا افترقا بالأبدان بعد انعقاد البيع باللّفظ. وبما قاله الشّافعي قال خمسة من الصحابة ﵃: علي وابن عبّاس وأبو برزة الأسلمي وأبو هريرة وقال به ابن عمر ورواه عن النبيّ ﷺ . وقال مالك في الموطّأ: حدّثني نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: (المتبايعان كلّ واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلاّ بيع الخيار) (١). ورواه غير مالك عن ابن عمر وغيره. ولكن وقع في الروايات زيادات. فوقع في بعضها: (ما لم يفترقا من مكانهما)، ووقع في بعضها: (ولا يحلّ له أن يفارقه خشية أن يستقيله) (٢)، وفي بعضها (ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر) (٣)، ووقع في بعضها (فإذا افترقا وجب البيع). وهذه الألفاظ الّتي زادها بعض الرّواة قد يتعلّق بها فوائد، فلهذا أوردناها. وينبغي أن نقدّم الأهمّ وهو النّظر فيما ندافع به هذا الحديث قبل أن نخوض في الأقيسة. فاعلم أنّه قد ذكر (٤) أكثر النّاس الخوض في هذا الحديث وتشاغلوا بالنّظر في مدافعته. ولو عددناهم وذكرنا اختلاف مراميهم لاتسع الأمر. ولكن محصول ما يشترون أنّ مدافعة هذا الحديث يكون بوجهين: إمّا ادّعاء نسخه، وإمّا النّظر في تأويله واحتماله. وقد سلك أصحابنا هاتين الطّريقتين، فزعم أشهب أنّه منسوخ. وتابعه على هذا غيره من أصحابنا عبد الملك وابن المعدل، وأشار إليه أبو الفرج أيضًا. وذكر أشهب أنّ النّاسخ له قوله ﵇ "إذا اختلف المتبائعان

стр. 1725

استحلف البائع". فلو كان له الفسخ في المجلس، لم يكن في استحلافه إذا خولف في الثّمن فائدة. وأشار مالك، ﵁، إلى هذه الطّريقة في الموطّأ، فذكر حديث المتبايعان بالخيار. ثم عقبه بأنّه بلغه أنّ النبيّ ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادّان" (١). فأشار إلى ما تعلّق به أشهب من هذا الحديث. وأشار غير أشهب من أصحابنا مِمّن ذكرنا أنّه سلك مسلكه في ادّعاء النّسخ إلى الإستدلال على حصول النّاسخ من غير تعيينه. فذكر أنّ هذا مِمّا يتكرّر. ولم ينقل عن أحد من العلماء الماضين الّذين يُنتهَى إلى قولهم، ويحكَّمون في هذا أنّه أثبت هذا الخيار ولا قضى به. ولو كان ذلك لنقل واشتهر. فلمّا لم ينقل ولم يشتهر دلّ ذلك على أنّ الحديث منسوخ. واكتفوا عن ذكر النّاسخ يكون العمل مضى بخلاف هذا الحديث. وقد يشير كلام مالك ﵁، إلى هذا المعنى أيضًا. وذلك أنّه قال في الموطّأ: وليس لهذا عندنا حدّ ولا أمر معمول به (٢). على أنّ أصحابنا اختلفوا على قولين في تأويل هذا الكلام: فقال بعضهم: المراد به نفي التحديد عن الخيار المشترط في أصل العقد، والتّنبيه على مخالفة أبي حنيفة والشّافعي في ذهابهما إلى أنّ اشتراط الخيار من كلّ مبيع لا يجوز أن يكون أكثر من ثلاثة أيّام. بل يختلف عنده الأجل المشترط في هذا باختلاف أصناف المبيعات، على حسب ما نذكره إن شاء الله تعالى. ومنهم من ذهب إلى أنّ مراده بهذا أنّ خيار المجلس لم يرد فيه تحديد بوقت معلوم. قال ابن المعدل: لم يرد بهذا الطّعن في الحديث، وإنّما أراد به أنّه لو كان هذا أمرًا معمولًا به لتشاغل النّاس بتحديد هذا المجلس وتوقيت لزوم البيع. وقال المعامي: قد نهى ﵇ عن بيع الحصاة، وهي لزوم البيع إذا

стр. 1726

وقعت الحصاة من يده، ووقت وقوعها من يده مجهول، فكذلك يجب أن يكون خيار المجلس إذا علق انعقاد البيع فيه على أمر مجهول وقته، وينبغي أن يمنع كما منع بيع الحصاة. ومنهم من أشار إلى الإستدلال بالعمل من طريقة أخرى. فقال يحيى ابن أكثم: قد أجمع المسلمون على أنّ المشتري لا يجوز له إذا اشترى شيئًا على أنّ الخيار فيه للبائع، أن يتصرّف فيه تصرّفًا يتلفه. ثمّ اتّفقوا على أنّ المشتري من الساقي ما يشربه، أو المشتري طعامًا يأكله له أن يشرب الماء ويأكل الطّعام، وإن لم يفارق من باع ذلك منه. ولو كان لبائع الماء والطّعام خيار في فسخ ذلك، لحرم على المشتري شرب هذا الماء وأكل هذا الطّعام. وسلك غيره هذه الطّريقة معتمدًا فيها على ظاهر القرآن، فقال: قال الله جلّ ذكره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ...﴾ (١) الآية. والتّجارة تحصل بعقد البيع باللّفظ وإن لم يفترق المتبايعان. وهذا الظّاهر يقتضي إباحة الأكل حينئذ. فلو كان الخيار للبائع ما أُبيح الأكل. وعلى هذا الأسلوب يجري الإستدلال بأنّه ﵇ نهى عن بيع الطّعام قبل أن يستوفى (٢). فدلّ ذلك على أنّه إذا استوفي، جاز بيعه وإن لم يفترق المتبايعان. ولو كان الخيار للبائع لم يجز للمشتري أن يبيع طعاما الخيار في فسخه. وعلى هذه الطّريقة من الإستدلال يستدلّ بقوله ﵇: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلاّ أن يشترطه المبتاع" (٣). فاقتضى هذا كون المشتري يملك هذا المال بمجرّد اشتراطه وإن لم يفارق بائعه، والملك لا يحصل إلاّ بعد انبرام البيع وانعقاده.

стр. 1727

وقد استدلّ أيضًا بقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١). فلو كان لكلّ واحد من المتبايعين فسخ العقد قبل الإفتراق، لم يكن للإشهاد فائدة. وهذا نحو ما ذكرناه من الاستدلال الّذي أشار إليه مالك وأشهب بحديث اختلاف المتبائعين في الثّمن. وأنّه لو كان لكلّ واحد منهما خيار في فسخ البيع ما دام (٢) بالمجلس، لم يكن لاستحلاف البائع فائدة. ومن النّاس من أشار إلى دفع هذا الحديث باستحالة هذا الشّرط في بعض المواضع. فقال أبو حنيفة: أرأيت لو كانا في سفينة؟. وقال غيره: لو وقف انعقاد البيع على الافتراق بالأبدان، لم يصحّ أن يَعْقد الإنسان بيعًا على (٣) من هو في ولاية (٤) لمن هو في ولاية (٤)، أو يبيع شيئًا من ماله لمن هو في ولأنه (٤) لاستحالة أن يفارق الإنسان نفسه. ومنهم من يشير إلى الإستدلال بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥). هذه جملة ما يتعلّق به أصحاب هذه الطّريقة. فاعلم أنّهم إن (٦) تعمّقوا في معانيهم، فإنّهم لم يُصَب شيء من مراميهم. والإنصاف يمنع من أن يكون يُترك حكمُ مسئلة من النبيّ ﷺ من كلام أورده مختصًّا بها (معلّقًا حكمها من) (٧) كلام آخر قصده ببيان معان أُخر لا تدخل هذه المسئلة فيها إلاّ بحكم العَرض أو الاتفاق أو دعوى عموم بَعُدَ ادّعاؤُه. وجميع ما أوردناه عن أصحاب هذه الطّريقة هذا شأنهم فيه. كيف يتعلّق بنهيه ﵇ عن بيع الطّعام قبل أن يستوفى،

стр. 1728

والغرض بيان الشّرط الّذي يجوز معه البيع وهو الإستيفاء. والبيع يقع غالبًا بعد الإستيفاء والإفتراق. فحمْله على المقصود بيانه أو الغالب اعتياده يمنع من أخذ حكم خيار المجلس منه. هذا ولو ادّعينا عمومه كيف يُعدَل عن لفظ يختّص بالمسئلة إلى لفظ يعمّها ويعمّ تغيرها، مع كون هذا مخصّصًا للعموم؟! وهكذا التعلّق باختلاف المتبايعين في الثّمن وحكم مال العبد، إلى غير ذلك مِمّا ذكرناه من آي القرآن القصد بها بيان ما نزلت فيه من إباحة التّجارة على الجملة والتوثّق بالإشهاد خوفًا من التّجاحد بعد الإفتراق أو من الاختلاف في الثّمن قبل الإفتراق، إلى غير ذلك مِمّا يعلم مِمّا نبّهناك عليه. وأمثلها التعلّق بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. ولكن هذا عموم في كلّ عقد. وحديث ابن عمر خاص في هذا العقد مع الإفتقار إلى تسمية هذا عقدًا، مع ورود الحديث بأنّ العقد إنّما يحصل بعد الإفتراق. وهكذا ما تعلّق به أشهب من قوله ﵇: "المسلمون على شروطهم". وهو عامّ أيضًا، إن سلّمنا كون البيع شرطًا، فيخصّ بحديث ابن عمر. والاستدلال على ثبوت ناسخ مجهول بالعمل لا حقيقة له، إذا (١) لم يقل بأنّ عمل أهل المدينة حجّة بمجرّده، على حسب ما حكي عن مالك على ما ذُكر من تأويله في كتب أصول الفقه, لأنّ المراد بهذا عمل بعض الأمّة وعمل بعضهم ليس بحجّة. وقد كنّا حكينا عن خمسة من الصحابة، ﵃، ذهابهم إلى خلاف ما زعم هؤلاء أنّ العمل وقع به. وتابعهم على ذلك من التّابعين الحسن وابن المسيّب، ومن الفقهاء الزّهري وابن شهاب (٢) والثّوريّ وأحمد وإسحاق. وقد عمل بهذا الحديث راويه وهو ابن عمر وعمل الرّاوي بالحديث موجبَه (٣) مع مشاهدته للنبيّ ﷺ ، ومعرفته بسياقة قوله، وقرائن أحواله فيه، أولى أن يقتدى به من عمل غيره.

стр. 1729

وأمّا الإستدلال بما ذكرناه عن يحيى بن أكتم، إن سلم له الإجماع، فما ذلك إلاّ لكون البائع إذا تصرّف فيما باع بحضرته ولم ينكِر، صار كمن خيّر في الفسخ أو الإمضاء فاختار الإمضاء. وقد ذكرنا أنّ في بعض طرق الحديث أنّه ﵇ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر" (١) على حسب ما وقع في هذه الرّواية. وقد قال الشافعي: إنّ معنى هذا أنّه إذا خيّر أحدهما صاحبه، وهو بالمجلس، بين أن يمضي البيع أو يردّه، فاختار الإمضاء، فإنّه يسقط ما كان له من خيار المجلس. وتعدّى هذه المرتبة بعض أصحابه فقال: وكذلك لو تعاقدا البيع على أنه لا خيار لأحدهما، وإن لم يفترقا، فإنّ ذلك يبطل خيار المجلس. فإذا كان من مذهب القول هذا، فإنّ لهم أن يقولوا: إنّما جاز شرب الماء قبل الإفتراق، على حسب ما قدّمناه، لكون البائع كالمسقط لخياره. ومذهبنا أنّ إسقاط الخيار يمنع من ثبوته في المجلس. ولا شكّ أنّ إسقاط الخيار بعد الإستيجاب بالقول منهما جميعًا آكد من إسقاطه في حين التّعاقد، كما زعم بعض أصحاب الشّافعي. لأنّه يعدّ الإستيجاب إسقاط خيار المجلس بعد وجوبه، وفي حين الإنعقاد إسقاط له قبل وجوبه، وإسقاط الشّيء بعد وجوبه لازم كإسقاط الشّفعة بعد وجوبها، وإسقاطه قبل وجوبه لا يلزم على مذهب جماعة من العلماء، كإسقاط الشّفعة قبل وجوبها. وقد حاول أصحابنا أن يستنبطوا من هذه الزّيادة الّتي وقعت في بعض طرق الحديث مناقضة الشّافعي واستدلالًا عليه. فقالوا: إذا تعاقدا البيع بالقول، فقد تراضيا به، فإن لم ينفع هذا التّراضي ما داما في المجلس، فلا ينفع التّراضي بإمضاء البيع بعد قول أحدهما لصاحبه: اختر. لأنّ كلا القولين تراض، والمجلس لم يفترقا منه. وينفصل أصحاب الشّافعي عن هذا بأن إسقاط الخيار والتّراضي بذلك بعد

стр. 1730

وجوبه، بخلاف التّراضي الأوّل الّذي لم يتقدّمه وجوب خيار، فتراضيا بإسقاطه. وعندي أنّ لهم أن ينفصلوا عن هذا أيضًا بأنّ خيار المجلس جعل تلافيًا للنّدم على ما يقع من غبن، فأثبته الشّرع توسعة على النّادم، لكونه قد يبادر الالتزام من غير رويّة. فإذا قرّر عليه الأمر وقيل له: تثبت في أمرك، وتأمّل حالك في البيع، فإن كنت مغبونًا فردّ البيع، فإنّه لا يجاوب حينئذ باختيار إمضائه إلاّ وهو على بصيرة فيه. وأمّا من سلك مدافعة الحديث باستحالة تصوّره في بعض البياعات، كقول أبي حنيفة: أرأيت إن كانا في سفينة؛ فإنّ أصحاب الشّافعي ينفصلون عنه بأنّ السفينة إن كانت كبيرة أمكن فيها افتراقهما بالأبدان، وإن كانت لطيفة، أمكن أن يخيّر أحدهما صاحبه فيختار الإمضاء، فيلزمه ذلك. وإن لم يفترقا. وكذلك ينفصلون عن شراء الإنسان لمن في ولأنه (١) مِمّن هو في ولأنه (١) بأنه يختار الإمضاء بعد الإستيجاب، فيرتفع الخيار، أو يفارق مكانه وينتقل عنه، فيكون ذلك كالمفارقة بالأبدان بين اثنين لمّا كان هو عقد (٢) على اثنين، فجعل انتقاله عن مكانه محلّ اثنين عن مكانهما. وأمّا من سلك طريق التّأويل، فإنّهم اختلفوا أيضًا. فالأكثر منهم على أنّ المراد ها هنا بالمتبايعين المتساومان، واستشهدوا على جريان هذه التّسمية عليهما بقوله ﷺ : "لا يبع أحدكم على بيع أخيه" (٣). والمراد أنّه لا يسُم على سومه، بعد التّراكن إلى البيع. قالوا: والمراد أيضًا بالافتراق ها هنا افتراقهما بالأقوال، بأن يقول البائع: بعتك بكذا، فيقول المشتري: قبلت. واستشهدوا أيضًا على جريان هذا اللّفظ على الإفتراق بالأقوال بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ

стр. 1731

أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١). والمراد افتراقهم بالأديان والمذاهب. وبقوله جلّ ذكره في الزّوجين: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢). والمراد ها هنا الإفتراق بالطّلاق لا بالأبدان. وقد أجيب عن هذا بأنّ هذا إنّما يستعمل مجازًا، وقد وقع في بعض طرق الحديث ما لم يفترقا من مكانهما (٣). وذكر المكان إشارة إلى الإفتراق بالأبدان. وأجيب عن حمل الحديث على المساومة بأنّ هذا تَجَوُّزٌ في العبارة، وإنّما التّحقيق اشتقاق اسم الفاعل من فعله، إذا وجد، كقولنا: شاتم وضارب، فإنّهما إنّما يسمّيان بذلك إذا وجد الضّرب والشّتم، لا قبل وجود ذلك. واستشهدوا على هذا أيضًا بأن من قال لعبده: إن بعتك فامرأتي طالق، فإنّها لا تطلّق عليه بالمساومة في العبد. فلو كانت المساومة بيعًا لوقع الحنث. وأجاب بعض أصحابنا عن هذا بأنّ الحنث إنّما لم يقع ها هنا لأجل أنّه علقه بفعل يقع لمّا قال إن بعتك، والمساوم لم يبع. وأشار إلى أنّه لو قال للمتساومين إن كنتما متبايعين فامرأتي طالق، لحنث في يمينه. وهو الّذي قاله في التّحنيث بقوله: إن كنتما متبايعين فيه نظر، وتفصيل حكمه مِمّا قدّمناه في كتاب الإيمان والنّذور. وسلك آخرون طريقة أخرى في التأويل فقالوا: المراد أن أحدهما أوجب البيع على نفسه بأن قال البائع: أوجبت على نفسي أن أبيعك بكذا. فإنّ المشتري يخيّر بين القبول أو الرّدّ، ما داما بالمجلس، ولو أقاما فيه اليوم واليومين. فإذا افترقا ولم يقبل المشتري، سقط ما كان له من الخيار بالافتراق بالأبدان. وقيل: الإفتراق لا يسقط خياره عند أصحاب أبي حنيفة. وإن كان أصحاب الشّافعي يسقطون خياره وإن لم يفترقا من المجلس إذا لم يقبل من البائع ما جعل له على

стр. 1732

الفور. وبعض أصحابنا يشير أيضًا إلى أنّ الافتراق يسقط خياره. وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في التّمليك، هل يثبت للمرأة بعد الافتراق من المجلس، على ما سنبيّنه في موضعه إن شاء الله تعالى. وقدح في هذا التّأويل بأنّ الحديث يقتضي كون الخيار لكلّ واحد من المتبايعين مثل ما هو لصاحبه. وهذا التّأويل خروج عن ظاهر الحديث. لأنّ هذا المتأوّل جعل الخيار في المجلس للبائع الّذي أوجب البيع بمقتضى ما أوجبه الشّرع من خيار المجلس، وجعل للمشتري الخيار بمقتضى ما جعله البائع له. فطريق التّخيير مختلفة، والحديث يقتضي تساويها (١) وأيضًا فإنّه ﵇، علق هذا الخيار بتلازمهما، وجعل غاية سقوطه افتراقهما. ومقتضى هذه الغاية أن تكون بخلاف ما بعدها, ولا تكون خلاف ما بعدها إلاّ بأن يكون الافتراق يوجب البيع ويرفع الخيار منه، وما قبلها يثبت الخيار فيه. وهذا المتأوّل جعل الافتراق يوجب ارتفاعَ البيع وكونَه غير لازم، مثلما كان قبل الإفتراق غير لازم، وهذا إبطال لمقتضى دليل الخطاب، وما هو كالغاية فيه، لا سيما وقد وقع في بعض الطرق: "فإذا افترقا فقد وجب البيع". وهذا كالنّصّ على فساد هذا التّأويل. وقد اختلف في تأويل قوله ﷺ في بعض طرق هذا الحديث "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلاّ بيع الخيار". ما المراد بهذا الإستثناء؟ فقال أصحاب الشّافعي: المراد به التّخيير في المجلس. فإذا رضي المخيّر بالإمضاء، لم يكن له الفسخ، وإن لم يفترقا، على حسب ما قدّمناه من مذاهبهم في هذا. وقال أصحابنا: إنّما المراد به البيع المشترط فيه الخيار، فإنّ الخيار يثبت فيه إلى الأمد المضروب الّذي حدّاه ولو افترقا بالأقوال أو بالأبدان. وأنكر أصحاب الشّافعي هذا التّأويل بأن قالوا: الأصل في الإستثناء أن يكون ما بعد حرف الإستثناء مخالفًا لما قبله. فإن كان الّذي قبله إثباتًا، كان ما بعد حرف الإستثناء

стр. 1733

نفيًا، وإن كان ما قبله نفيًا، كان ما بعده إثباتًا. والّذي كان قبل هذا الحرف المذكور في الحديث إثبات الخيار، فلا يكون ما بعد حرف الاستثناء إثباتًا للخيار أيضًا. وإنّما تصحّ حقيقة الإستثناء إذا كان المراد بقوله: إلاّ بيع الخيار، أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر. فإنّه إذا قال له ذلك واختار الإمضاء، لزمه البيع وارتفع خياره. فيكون هذا استثناء نفي من إثبات. وأصحابنا وأصحاب أبي حنيفة يصرفون هذا الإستثناء إلى مضمر، وتقدير الكلام ما لم يفترقا، فإنّهما إذا افترقا لزمهما البيع إلاّ في الخيار المشترِط فيه أيّامًا، فيكون استثناء نفي من إثبات. ولكن بعض (١) إظهار ما أضمر مِمّا يقتضيه هذا الكلام. ومن المتأوّلين من تأوّل تأويلًا آخر، فقال: المراد بقوله كلّ واحد منهما بالخيار في الإقالة، لا في الفسخ من غير رضي صاحبه. بدليل ما وقع في الحديث الآخر: ولا يحلّ له أن يفارقه خشية أن يستقيله. فصرّح ها هنا في هذا الحديث بالإقالة، وكنّى عنها في الحديث الآخر. وأنكر هذا المتأوّل (٢) هذا التأويل بأن الاستقالة ممكنة قبل الافتراق وبعد الافتراق، وحلال قبل الافتراق وبعد الإفتراق على حدّ سواء. وإذا كان الأمر كذلك، صار التّقييد بالإفتراق لغوًا لا فائدة فيه. وأشار بعض أصحابنا إلى الانفصال عن هذا بأنّ فيه فائدة، وهي كون البيع لازمًا بالقول حتّى يفتقر في حلّه إلى الإستقالة، ووقع النّهي عن الفرار خوفًا منها. وأشار القاضي أبو الفرج من أصحابنا إلى معنى آخر، وهو أنّ الإقالة في المجلس سنّة، لكون الإفتراق لم يحصل، والمشتري لم يغب على السلعة. فتكون الإقالة في هذه الحالة سنّة، وبعد الإفتراق فضيلة. وقد تختلف مراتب المندوب إليه، فيكون بعضه سنة وبعضه فضيلة، على حسب ما تقدّم بيانه في كتاب الصّلاة.

стр. 1734

وأصحاب الشّافعي يعكسون هذا التّأويل ويرون أنّ المراد بالإقالة ها هنا الفسخ، الّذي جعله له الشّرع ما دام في المجلس. والمراد بالحديث نهي أحدهما عن أن يفرّ من صاحبه مخافة أن يفسخ البيع عليه. فهؤلاء حملوا لفظ الإقالة ها هنا على الفسخ. والآخرون حملوا لفظ الفسخ على الإقالة، كما حكيناه عنهم. فيفتقر ها هنا إلى الموازنة بين هذين التأويلين، أيّهما أرجح وأظهر في مقتضى السياق وحكم اللّغة، ويصار إليه؟ وهكذا ما قدّمناه من التّأويلات الأُخر، فتفتقر إلى الموازنة فيها بحسب ما ذكرناه. فقد قال أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة للشّافعيّة: أنتم أثبتم الخيار في المجلس بعد أن وقع التبايع وانقضى. وتسمية من كان باع: بائعًا، مجازًا (١). كما دافعتمونا عن تأويلنا بأنّ تسمية المتساومين: متبايعين، مجازًا (١). فقال أصحاب الشّافعي: تجوّزنا نحن من جهة واحدة، وتجوّزتم أنتم من جهات. وكلّما قلّ المجاز وقرب من الحقيقة، كان أولى. فهذه النكتة، التي نبّهناك إليها ترجح هذه المذاهب والتّأويلات، وهي الّتي تحكَم في هذه المذاهب والتأويلات. وقد أشرنا إليك بما عندنا في ذلك وإلى ما ينحصر الأمر إليه فيها. وبالجملة فالنّصوص في أعيان الحوادث لا تُدَافَع بعمومات فيها احتمال. والتّأويلات الّتي يَسبق إلى النّفس خلافها ويقع فيها تعسف واستكراه لا ينبغي يعدل (٢) إليها، ويترك ما هو السابق إلى اللهم من الكلام والأظهر فيه في حكم اللّغة. وقد استقصينا تتبّع ما قيل في هذا الخبر. وأمّا مسلك القياس والنّظر، فإنّ أصحاب الشّافعي يرون أنّ الشّرع إنّما أباح التّجارات لما فيها من الأرباح والفوائد، وهي المقصود منها. والغبن فيها محاذر مجتنب. وكثير ما يقع من الإنسان إمضاء وعزم من غير رويّة وإمعان في الفكرة، ثمّ يثوب إليه أنّه غلط فيندم. فوسّع الشّرع هذا المضيق، بأن جعل

стр. 1735

للنّادم الخيار ما دام في المجلس، وجعل غاية هذا المجلس كأوّله، وقد كان أوّله قبل انعقاده كلّ واحد منهما بالخيار، فكذلك غايته وآخره. وأجابهم الآخرون عن هذا بأنّ هذا النّدم يمكن الإنسان أن يتحرّز منه بأن يجود رؤيته قبل أن يلتزم البيع. فإن لم يفعل فهو المفرّط في حال نفسه. ولا حاجة إلى تحسين الشّرع النّظر له. ويمكّن أيضًا إن بادر للعقد قبل الرّؤية (١) أن يشترط فيه الخيار. فتركه اشتراط الخيار تفريط في الحزم أتى من قِبَله، ولم تدعه ضرورة مع هذا إلى أن يحسن الشّرع النّظر له. ومن فرّط في هذا فرّط في خيار المجلس، وإن جعله الشّرع إليه. وقد استدلّ أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة عليهم بأنّهم لا يثبتون خيار المجلس في النّكاح وإن كان عقد معاوضة. وهم يجيبون عن هذا بما قدّمناه من أنّ القصد بإثبات خيار المجلس تلافي النّدم على الغبن. وهذا إنّما يعرض في الأموال، وأمّا النّكاح فالمراد به الأعيان، بدليل أنّ من وكّل رجلًا على إنكاحه، فإنّه لا بدّ من إعلام المرأة به. ومن وكّل رجلًا على شراء سلعة، فإنّ العقد يصحّ وإن لم يعلم البائع بالموكّل. وما ذلك إلاّ لكون الغرض في النّكاح الأعيان، وفي البياعات الأثمانَ. وإذا كان الغرض الأعيان سقط اعتبار الغبن في الأثمان. فلهذا لم يثبت في النّكاح خيار المجلس. ألا ترى أنّ الخيار المشترط يثبت في البياعات، ولا يجوز في النّكاحات. فكذلك خيار المجلس يجوز في البيع ولا يثبت في النّكاح. وناقضهم أصحابنا بالكتابة لما أسقطوا فيها خيار المجلس. ثمّ هم يجيبون عن هذا بأنّ السّيد باع ماله بماله، وليس هذا حقيقة البيع. فإذا سامح بمثل هذا التّفريط، لم يظنّ به قصد النّظر في العوض والنّدم على الغبن. والمكاتب له أن يُعجز نفسه إذا ندم (أو لم يندم) (٢). فلهذا عندهم سقط خيار المجلس في الكتابة.

стр. 1736

والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: اختلف في بيع الخيار، هل هو أصل من الأصول في نفسه، أو رخصة خارجة عن الأصول؟ فمن النّاس من يشير إلى أنّه أصل في نفسه مناسب للأصول, لأنّ القصد بإباحة المعاملات والتّجارة طلب الرّبح وتحصيل الفوائد. وإنّما تحصل الأرباح والفوائد مع نفي الغبن في البيع في حقّ المغبون. فإذا جعل له الخيار فيما عقده على نفسه من بيع، كان ذلك أقرب إلى تحصيل المقصود بالتّجارة من طلب الفوائد والأرباح، ونفي الغبن عن المغبون إذا ظهر له في مدّة كونه مخيّرًا أنّه قد غُبِن ففسخ البيع (١). فهذا معنى مناسب للأصل الّذي وضع في التّجارة. ومنهم من يشير إلى أنّه كالرّخصة الخارجة عن الأصول. وذلك أنّ الغرر نُهي عنه في البياعات. وإثبات الخيار وإباحة اشتراطه في عقد البيع يُحدث في البيع غررًا. وإلى هذه الطّريقة أشار مالك، ﵁، فقال، في علّة منع اشتراطه (٢) أجل طويل في الخيار: لا يدري كيف تكون السلعة عند انقضاء أمد الخيار ولا كيف ترجع إليه. ومراده بهذا أنّ الأجل إذا كان طويلًا مثل أن يبيع عبدًا بشرط الخيار سنة أو سنتين، فإنّه لا يدري كيف يكون العبد عند انقضاء السنتين، هل يحدث به عيوب فيردّه المشتري وقد نمى (٣) في يديه؟ وكذلك إذا كان الخيار للبائع، فإنّه لا يدري المشتري، هل يمضي البائع البيع؟ وقد يقرّ (٤) العبد بنقص كثير. وهذا يُصيّر حالة الإمضاء للبيع كالمعاقدة على أمر مجهول، فالجهالة بالبيع تفسد العقد. ومن النّاس من يشير إلى أنّ بيع الخيار يخرج العقد عن مقتضاه. وذلك

стр. 1737

أنّ مقتضى العقد التتميم وانتقال الملك من البائع إلى المشتري. والملك المطلق يقتضي جواز التصرّف المطلق. وبيع الخيار يمنع من تصرف من لا خيار له في المبيع. فإذا ثبت أنّ البائع إذا اشترط على المشتري أنّه لا يتصرّف في المبيع أبدًا، أنّ هذا الشّرط يفسد البيع، فكذلك يجب أن يكون إذا اشترط عليه المنع من التصرّف مدّة محدودة. لكن الشّرع استثنى ما قلّ (١) (من المدّة لمسيس الحاجة إليه، وكونه من مصالح العقود، وإبقاء المدّة الطّويلة على أصلها في المبيع على علّة هؤلاء، وكذلك أيضًا على) (١) طريقة مالك، ﵁، في التّعليل. فإنّه إذا علّل بالغرر وصحّ تصوّر الغرر في المدّة الطّويلة وكثرت المخاطرة فيها، وقلّ الغرر في المدّة اللّطيفة، والغرر القليل معفوّ عنه في الشّرع. وأشار أشهب من أصحابنا إلى طريقة أخرى في التّحليل. وذلك أنّه قد تقرّر أنّ الضّمان لا يصحّ أن يؤخذ عنه عوض، مثل أن يقول إنسان لآخر: اضمن لي سلعتي هذه سنة، وأنا أعطيك كذا وكذا دينارًا. لأنّ هذا من الخطر، وربّما اقتضى أكل المال بالباطل، على ما تقدّم بيانه في مواضعه. فإذا كان هذا ممنوعًا، تُصوِّرت التّهمة في قصد المتبايعين إليه بأن يكونا أظهرا بيع الخيار وأبطنا بيع البتّ. وإذا وقع بيعهما في الباطن على البتّ، وأظهرا الخيار تحيّلا على أن يبقي الضّمان على البائع بالخيار مدّة طويلة، صار ذلك معاوضة عن ضمان مجرّد، وقد ثبت المنع من ذلك، كما أشرنا إليه. وهذه الطّراق التّي ذكرناها من اختلاف الإشارات إلى كونه مناسبًا للأصول أو مخالفًا لها، وإذا كان مخالفًا لها ما سبب الرّخصة فيه، قد تتعلّق بها مسائل نحن ننبّهك عليها فيما بعد، إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: أمّا الخيار فإنّه يشترط لأحد ثلاثة أغراض. أحدها: اختبار المبيع. كمن اشترى عبدًا فأراد اختبار نشاطه في الخدمة

стр. 1738

وأمانته وطاعته فيما يؤمر به. أو اشترى دارًا وأراد اختبار حال جيرانها إلى غير ذلك مِمّا يفتقر إلى اختباره في المبيعات. والثّاني: أن يشترط الخيار استقصاءً للنّظر والبحث عن الثّمن، هل هو غال أو رخيص؟ والثّالث: أن يشترط، مع الإستغناء عن الإختبار للثّمن والمثمون، للنّظر فيما يتعلّق بالمبيع من البواعث على إمضاء البيع أو ردّه. وهذه الأغراض تمس الحاجة إليها. فلأجل ذلك أباح الشّرع اشتراط الخيار. فأمّا جواز اشتراط الخيار للمشتري فلا خلاف فيه. وأمّا جواز اشتراطه للبائع، ففقهاء الأمصار وجمهور العلماء على إجازته، لكون البائع قد تدعو الحاجة إلى أن يشترط الخيار للاختبار، هل هو غابن أو مغبون، أو ليحسن نظره في إمضاء عزيمته على البيع أو ردّه. وأمّا لاختبار المبيع، فلا حاجة به إلى ذلك. وذهب ابن شبرمة والثّوري إلى المنع من اشتراط البائع الخيار. ورأى الثّوريّ أنّ اشتراطه الخيار يفسد البيع. وما أرى هذين ذهبا إلى هذا المذهب إلاّ بناء على أنّ الأصل يقتضي المنع من بيع الخيار لما قدّمناه. ولكن رخّص فيه للضّرورة إليه. والضّرورة تتحقّق، في جهة المشتري، وتتّضح، لحاجته إلى اختبار المبيع، هو أكثر في الأغراض الّتي يشترط لأجلها الخيار. والبائع لا حاجة به إلى اختبار المبيع إذا طال مقامه عنده. فإذا لم تكن به حاجة إلى هذا الغرض الّذي هو الأكثر، وجب منعه من ذلك، لارتفاع علّة التّرخيص في حقّه. أو يكونا رأيا أنّ الشرع إنّما ورد بإباحة الخيار للمشتري في حديث المصرّاة، وهو قوله ﵇ "فمن اشتراها فهو بخير النّظرين -ثلاثًا-" (١) الحديث، كما وقع. وسنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.

стр. 1739

وكذلك ما جعله ﵇ لحبّان بن منقذ لمّا قال له: "إذا بايعت - فقل لا خِلابة" (١) وذلك للخيار -ثلاثًا- لكنّ هذا الحديث إن حملوه على أنّ المراد به بايعت بمعنى اشتريت، لكونهما عثرا على قصّة تشكَّى الغبن فيها وهو مُشْتَرٍ، أو لغير ذلك، كان الإستدلال به مثل حديث المصراة. وإن لم يكن الأمر كذلك، فقدله: بايعت، يقتضي عمومُه كونَه بائعًا أو مشتريًا. ويتضمّن عمومه جواز الخيار للبائع، على ما سننبّه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. وإذا تقرّر أنّ اشتراط الخيار إنّما سُمِحَ به لأغراض، أحدها: الحاجة إلى اختبار المبيع. فإنّ اختباره يحوج إلى تسليم المبيع للمشتري، إذ لا يمكن اختباره في غالب الأمر وهو في يد البائع. فإذا بيّن المشتري للبائع أنّ غرض في اشتراط الاختيار الاختبارَ، مكَّن من قبض المبيع، وصار ذلك كالشّرط على البائع. وإن بيّن له إنّما اشترطه ليرى رأيه في إمضاء عزيمته لا لاختبار المبيع، فإنّه لا يسلم إليه لكونه لا حاجة به، والحالة هذه، إلى قبض. ولا يلزم البائع أن يخرج ملكه من يده من غير حاجة المشتري إليه. وينبغي إذا اختلف الحكم في تسليم السلعة إليه أن يبيّن حين العقد الغرض في اشتراط الخيار لئلاّ يتنازعا في تسليم السلعة. فإن لم يبيّن ذلك حين العقد، فإنّ بعض أشياخي رأى أنّ الحكم أن لا تسلّم السلعة للمشتري, لأنّ ظاهر اللّفظ في قوله: أَشتَري لي منك بالخيار، يقتضي أنّ الخيار في إمضاء العقد أو ردّه. وهذا الّذي قالت له ثبت أنّه المتفاهم بين المتعاقدين صِير إليه. وأمّا إن لم يثبت ذلك وادّعى كلّ واحد منهما أنّ قصده خلاف قصد صاحبه، فإنّ هذا لا يصحّ أن يقضي فيه برجوع أحدهما إلى الآخر. وربّما اقتضى فسخ البيع، على ما سننبّه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، إذا تكلّمنا على الأصل الّذي يؤخذ منه.

стр. 1740

فإذا وجب تسليم السلعة للاختبار، فهل يكون على المشتري إجارة الإنتفاع بها أيّام الخيار. مثل أن يكون عبدًا استخبره بالاستخدام، أو دارًا اختبرها بالسكنى، فإنّ ذلك ينبغي أن يكون بإجارة معلومة إذا كان المشتري انتفع بهذا الاختبار، بأن وإن به ماله مثل أن يسكن الدّار الّتي أخذها ليختبرها، ولولا سكناه فيها لاكترى مسكنًا. لأن هذا إذا لم يكن بإجارة، صار في أصل العقد تخاطرًا. والمشتري إذا ردّ بعد انقضاء أمد الخيار، ذهب بمال البائع باطلًا. والبائع يقول لعلّه لا يذهب به باطلًا. وإن أمضى البيع، صار كمنتفع بمال نفسه إذا قلنا: إنّ بيع الخيار إذا أمضي، فكأنّه لم يزل ماضيًا من حين العقد. وأمّا إن لم تكن له منفعة في هذا الاختبار، وَقَى بها ماله، ولا استفاد من الاختبار منفعة أكثر من اختبار المبيع، وكان البائع أيضًا مِمّن لا قدر لهذا عنده، ولا يقصد فيه إلى مخاطرة، فإنّ هذا مِمّا ينظر فيه، وربما كان الأظهر جوازه، لكون العقد إنّما وقع على مجرّد الدّار، ولم يقع على الدّار ومنفعتها. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: الخَيار المشترط يقع على وجهين: مطلق، ومقيّد بوقت. فأمّا المطلق، فمثل أن يقول المشتري: أشتري منك على أنّي بالخيار. ولم يَحُدَّ ميقاتًا معلومًا. فإنّ هذا اختلف النّاس فيه. فمنهم من ذهب إلى أنّه يفسد البيع، وبه قال أبو حنيفة والشّافعي. لكون هذا اللّفظ متردّدًا بين أن يكون قصد المشترط لهذا خيار مدّة قريبة، أو مدّة بعيدة لا يجوز اشتراطها في الخيار. واختلاف هذين الحالين يختلف معهما الحكم بالصحّة والفساد. ويختلف الثّمن معهما, لأنّ من أحبّ أن يوسّع له في أمد الخيار إذا اشترى زاد في الثّمن. فإذا اختلفت هذه الأحوال، صار البيع فاسدًا لما تضمّنه من الغرر. ومنهم من ذهب إلى أنّ البيع صحيح، ويقضى يكون الخيار على الفور لأنّه أمد متحقّق، وما زاد عليه لا يقتضيه اللّفظ نصًّا، فوجب إطّراحه. وإذا وجب إطراحه وحمل اللّفظ على الفور، لم يكن في هذا البيع غرر، ولا يتضمّن

стр. 1741

اختلاف الأحوال الّتي ذكرنا. وقد قيل في أحد القولين عندنا في القائل لزوجته اختاري، أنّ ذلك لا يحمل على التّراخي الطّويل، ولا يثبت خيارها فيه بعد افتراقهما في المجلس، لكون هذا اللّفظ يقتضي الفور، لا سيما إذا قلنا: إنّ الأمر على الفور، كما ذهب إليه بعض الأصوليين. والرّواية الثّانية أنّ لها الخيار، وإن قامت من المجلس، لكون اللّفظ يقتضي الفور والبدار، لا سيما إذا قلنا بحمله على العموم في الأزمان. ذهب إلى هذا في بيع الخيار الطّبري وحمل المطلق منه على كون هذا الخيار المشترط يقتضي الفور. ومذهب مالك ﵁ أنّ البيع صحيح، ويضرب من أمد الخيار الّذي أطلقاه ما جرت به العادة في اختبار جنس ذلك المبيع، وتحصيل الغرض الّذي من أجله شرط الخيار. وقَدَّر أنّهما لمّا اشترطا الخيار ولم يؤقّتاه، فكأنّهما اشترطا الميقات المعلوم قدْره من جهة العادة. فصار ذلك كاشتراط ميقات محدود بالنصّ عليه. وأمّا إن وقع الخيار مقيّدًا بزمان محدود، فإنّ هذا أيضًا مِمّا اختلف النّاس فيه. فذهب أبو حنيفة والشّافعي إلى منع اشتراط الزّيادة على ثلاثة أيّام، أو أقلّ منها، مِمّا يَحُدَّانه. لكن إن اشترطا الزّيادة على ثلاثة أيّام، فإنّهما اختلفا في صحّة هذا البيع إذا أسقط المشتري المشترط للثّلاث خيارَه فيما زاد عليها، والثلاث لم تنقض. فرءاه أبو حنيفة مِمّا يصحّح هذا العقد. وأجرى ذلك مجرى الشّروط الّتي يصحّ العقد إذا أسقطت كالبيع والسلف في القول المشهور عندنا. وذهب الشّافعي إلى أنّه لمّا عقد هذا البيع على فساد لم يرتفع الفساد بإسقاط هذا الشّرط الّذي أفسده، كأحد القولين عندنا في البيع والسلف وما في معناه، وقدّر أنّ الخيار له حصّة من الثّمن، وإسقاطه كإسقاطه بعض الثّمن، والفساد إذا وقع في الثّمن أو في المثمون لم ينصلح العقد بإسقاط الفساد. وقدّر أبو حنيفة أنّ هذا كالشّروط الخارجة عن الثّمن والمثمون، فإمضاء العقد إذا أسقطت. ولكنّه إنّما يمضي العقد إذا أسقطت، إذا كان الإسقاط قبل أن تذهب الثّلاث، الّتي أجاز الشّرع اشتراطها. فأمّا إن ذهبت وحصل المتعاقدان على إثبات الخيار في

стр. 1742

وقت لا يجوز إثباته فيه، فإنّ إسقاط الشّرط لا يصحّح العقد. وأمّا ما نذهب إليه نحن في هذه المسئلة، فإنّ القاضي أبا محمّد عبد الوهاب ذكر في شرح الرّسالة أنّ الشّروط الفاسدة إذا أسقطت، صحّ العقد. لكنّه استثنى هذه المسئلة، فقال: إذا اشترط في العقد خيار أيّام كثيرة، فإنّ ذلك لا يجوز، ولو أسقط الشّرط، بخلاف غير هذا من بياعات الشّروط. وقرّر أنّ إسقاط الشّرط ها هنا إمضاء البيع، وقد كان له فسخه وإمضاؤه بحكم مقتضى شرط الخيار البعيد ميقاته. وإسقاط الشّرط ها هنا لا تتحقّق صورته كما يتحقّق ذلك في إسقاط السلف المشترط، فإنّ إسقاطه نقيض اشتراطه. والمناقضة والمضادّة لا يمكن معها تخيّل كون الضّدّين شيئًا واحدًا. وإسقاط ما زاد على أيّام الخيار ليصحّ العقد لا يتصوّر، بينه وبين إمضاء العقد للخيار المشترط، فرقٌ. فلهذ عنده لم يؤثّر إسقاطه في تصحيح البيع. وهذه الطّريقة الّتي أشار إليها، وإن كانت خفيّة، فإنّها قد تلاحظ ما كنّا قدّمناه في كتاب السلم الثّاني فيمن أسلم في طعام سلمًا فاسدًا، ثمّ فسخ العقد وأراد المتعاقدان بعد العقد أن يتعوّضا عن رأس المال بمثل ذلك الطّعام الّذي وجب الفسخ فيه. فقد كنّا حكينا أنّ أحد القولين أنّهما لا يمكّنان من ذلك، لأنّهما يتّهمان في هذا الفعل على تتميم الفساد الّذي فسخ العقد فيه. وقيل: إنّ ذلك جائز. وإذا كان إسقاط ما زاد من أيّام الخيار على القدر الجائز يتضمّن إمضاء البيع واختيار انعقاده، فيحسن سلوك هذه الطّريقة. وأمّا إذا قال المشتري في أوّل يوم: أنا أسقط الزّائد من هذه الأيّام على ما يجوز، وأبقَى على خياري في إمضاء العقد أو ردّه. فإنّ هذا قد ظهر له تأثير خلاف مقتضى ما يتّهمان عليه من كون إسقاط الشّرط لتصحيح البيع قصدا به التزام البيع بحكم موجب الخيار المشترط. وهذا مِمّا يتردّد النّظر فيه على طريقة القاضي أبي محمّد عبد الوهاب إن شاء الله. وأشار شيخنا أبو الحسن اللّخمي، ﵀، إلى تخريج فسخ هذا البيع

стр. 1743

لأجل هذا الخيار، على ما تقدّم بيانه من الخلاف في بياعات الآجال، لأجل التّهمة على التحيّل على ضمان بعوض، على حسب ما قدّمنا عن أشهب. فلمّا اجتمعا عنده في أنّ المنع للتّهمة، وجب أن يجتمعا في حكم الفسخ. وهذا الّذي قاله، ﵀، لا يصحّ على طريقة من حكينا عنه، فيما تقدّم، أنّ الأجل البعيد إنّما منع في بيع الخيار لما تضمّنه (١) الغرر. لأنّ الفسخ لأجل الغرر ليس لأجل التّهمة، بل لورود الشّرع بالمنع منه. وكذلك على طريقة من علّل بأنّ علّة المنع كون الخيار المشترط كالمناقض لمقتضى العقد وكان الأصل منعه وقد قال الشّافعي، ﵁، لولا ورود الخبر بجواز الخيار ثلاثًا ما أجزنا من الخيار ما قلّ من أيّامه أو كثر. وأمّا طريقة أشهب في التّعليل بالتّهمة، فيمكن أن يكون ذكر هذه العلّة، وهو ملتفت إلى غيرها من العلل الّتي قدّمناها، فيجب عنده الفسخ، خلاف بياعات الآجال الّتي لا تعلّل بأكثر من التّهمة. وقد تقدّمت الإشارة إلى سبب اقتصار أبي حنيفة والشّافعي على كون الخيار ثلاثًا، لحديث المصراة، الّذي ذكره، لكون الثّلاث في حكم القليل، والقليل من الغرر يعفى عنه بخلاف الكثير. وأمّا مالك ﵁، فإنّه يرى أنّه لم يرد خبر بالمنع من اشتراط الزّيادة على ثلاثة أيّام، وحديث المصراة ليس بنصّ في المنع من الزّيادة على ثلاثة أيّام، ولا الخيار المذكور فيه مشترط في أصل البيع، وإنّما علّته ما سننبّه عليه في كلامنا على التّصرية، إن شاء الله تعالى. وإذا لم يثبت عنده دليل بالمنع، وكان أصل الخيار إنّما أجيز لأجل الحاجة إليه، وجب أن يكون يجوز أن يضرب من الأجل بقدر ما يحتاج إليه من أجناس المبيعات. ومعلوم من جهة العادة أنّ الأجل في ذلك لا يتساوى، وإمكان مقتضى الأصل أن يباح منه كلّ ما دعت الحاجة إليه، والحاجة إليه تختلف باختلاف الأجناس.

стр. 1744

وقد قال ﷺ "المسلمون على شروطهم" (١). فأمّا الثّوب، فإنّه يضرب فيه اليوم واليومان، والعبد الخمسة أيّام والسبعة. والدّابّة اليوم، أو البريد إن كان غرضه باشتراط الخيار اختبار سيرها. والدّار الشهر ونحوه. وهذا هو المشهور من المذهب. وقد قيل: في اختبار سير الدّابّة بريدان. وقيل: في العبد شهران. وهذا كلّه لا ضابط له من ناحية النّصوص أو الظواهر، وإنّما يَضبطه مقتضى العادات في الاختبارات لِمَا شرط فيه الخيار. والخلاف الّذي ذكرناه عن المذهب في هذا التّحديد اختلاف في شهادة بعادة. فإذا تقرّر حكم الخيار المطلق والمحدود بوقت معيّن، فإنّه لو وقع مشارًا فيه إلى التّأييد، كقول البائع للمشتري: لك متى شئت، فإنّ هذا مِمّا اختلف النّاس فيه. فذهب الشّافعي إلى فساد هذا البيع، لأجل كون الشّرط قد زاد على الثّلاث. وذُكر عن أبي حنيفة أنّه أفسد البيع والشّرط أيضًا. وقد يقتضي ما حكيناه عنه في اشتراط الزّيادة على الثّلاث أنّ المشتري إذا أسقط ها هنا ما جعل إليه من المشيئة على التّأييد، واقتصر على الثّلاث قبل تقضّيها، أنّ البيع يصحّ ويذهب فساده. وذهب ابن شبرمة إلى أنّ البيع والشرط صحيح. وذهب ابن أبي ليلى إلى أنّ البيع صحيح والشّرط باطل. وقد حكى عبد الصمد ابن عبد الوارث أنّه دخل الكوفة (٢)، فأتى أبا حنيفة فسأله عن رجل اشترى سلعة على أنّه بالخيار متى شاء. فقال له: البيع والشّرط

стр. 1745

باطلان. وأتى ابن شبرمة فسأله عن ذلك فقال: هما صحيحان. وأتى ابن أبي ليلى فقال له: البيع صحيح والشّرط باطل. فقال: فعدت إلى أبي حنيفة فأعلمته بما قال الرّجلان. فقال: لا أدري ما قالا. نهى النبيّ ﷺ عن بيع وشرط (١). وعدت لابن شبرمة فذكرت ما قالا أيضًا. فقال: لا أدري ما قالا. قال النبيّ ﷺ : "المسلمون على شروطهم" (٢). وأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته أيضًا فقال: لا أدري ما قالا. وذكر حديث بريرة المذكور فيه صحّة البيع وإسقاط اشتراط الولاء (٢). وقد ذكر عن ابن أبي ليلى أنّه أجاز اشتراط الخيار وإن طال زمانه كالسنتين والثّلاث. وبه قال محمّد بن الحسن وأبو يوسف، وخالفا أستاذهما أبا حنيفة، فيما حكيناه عنه من فساد هذا البيع إذا لم يسقط الشّرط. وِهؤلاء يرون أنّ الإعتبار يكون الأجل محدودًا، ولا يؤثَّر كونه طويلًا، كما لا يؤثَّر في صحة البيع إلى أجل طول زمن الأجل المضروب لاستيفاء الثّمن على وجه لا يلحقه مخاطرة، على حسب ما تقدّم بيانه في البيع إلى أجل ثمانين سنة أو مائة سنة. ويدافعون عن هذا القياس بما تقدّم ذكره من كون الخيار رخصة لما فيه من الغرر، على حسب ما تقدّم بيانه، مِمّا يباح فيه الغرر اليسير الّذي تدعو الحاجة إليه، مع كون الغرض في الخيار النّظر في العين، وتحصيلَ الرّبح والفائدة، الّتي وضعت التّجارة لأجلها. وهذا الغرض حاصل في الأمر اليسير، ولا حاجة بنا إلى إباحة الكثير. والغرض من الأجل أيضًا التصرّف، وطلب الفائدة المأخوذة من الأجل، وهذا المعنى محقّق في الأجل وإن طال، مع كونه لا تحجير فيه في المبيع يخالف مقتضى العقد، وإنّما ضرب لاستحقاق المطالبة بالثّمن، واستحقاق المطالبة بالثّمن إنّما تكون بعد صحّة العقد وحصول مقتضاه. فإذا تقرّر أحكام الخيار المشترط مطلقه ومقيّده، فاعلم:

стр. 1746

أنّ مشترط الخيار إن عاقه عائق عن النّظر فيما اشترط الخيار من أجله، مثل أن يشترط المشتري الخيار مدّة فيجنّ أو يغمى عليه أو يفقد، فإنّه إذا عاقَه عن النظر شيء من هذه المعاني، وذهب أمد الخيار، ولحق البائع الضرر في الإنتظار، كان للقاضي أن يفسخ هذا البيع لحق البائع في إزالة الضّرر عنه. فإن أراد أن يمضي الشراء له، فأمّا فيمن جنّ جنونًا مطبقًا فإنّ له ذلك. وأمّا المغمى عليه فإنّ ابن القاسم منع من ذلك لكون الإغماء مرضًا يرجى زواله عن قريب. وإذا كان كذلك لم يمكن أن يشتري لرشيد حال بينه وبين النّظر لنفسه حائل يرجى زواله عن قرب. وأجاز أشهب ذلك قياسًا على من جنّ، وأمّا على من فقد، فإنّه يجري على هذين القولين أيضًا. وقد عورض ابن القاسم بما ذكر في المعير أرضًا لمن يبني فيها إلى أجل محدود، فحلّ الأجل والمعير غائب، فإنّه أجاز للقاضي أن يأخذ له البناء بقيمته منقوضًا. فأباح للقاضي أن يشتري له لأجل غيبته، وإن لم يبح ذلك له في المغمى عليه. وقد فُرّق بينهما بأنّ الإغماء مرض يذهب عن قرب، والغيبة تطول. وقد يقال أيضًا: إنّ النّظر، الّذي يدعو إلى الشّراء له، ما يرجى من ربح إذا أخذ له ما اشتراه على خيار. وهذا الّذي يرجى لانقطع بحصوله لجواز حوالة الأسواق أو تلف ما أخذ له. (والتّلفيق الّذي حصل في البناء كسلعة ملك الغائب أخذها، والهدم إتلاف لها, وللقاضي أن يمنع من إتلاف ملك الغائب. وهذا سنبسط الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى) (١). وإذا تقرّر أنّ الإغماء يمنع من الاختيار ووجب الانتظار، فهل يسقط الإعتبار بأمد الإغماء، مثل أن يشترط المشتري الخيار ثلاثًا فيغمى عليه فيفيق في اليوم الثّالث، أم لا؟

стр. 1747

والنّظر في هذا يستند إلى هذا المصاب الطارئ، هل تكون العهدة فيه على البائع، فيستأنف المشتري إكمال الثلاث بزيادة يومين على اليوم الثّالث الّذي أفاق، كما اختاره بعض أشياخي، وقدّر أنّ هذا المانع درْكه على البائع، فيقضى عليه بالزّيادة على ما اشترط في أيّام الخيار. أو يقال: إنّ هذا مصاب طرأ على المشتري فدركه عليه، وقد فعل البائع أكثر ما عليه من التّمكين من الإختبار، فحيل بين المشتري وبين ذلك بأمر لا صنع للبائع فيه. هذا عندي مِمّا ينظر فيه. وقد حكينا عن ابن القاسم أنّ مجرّد ذهاب أيّام الخيار والمشتري الّذي اشترط الخيار مغمى عليه لا يوجب الفسخ حتّى يطول انتظار إفاقته طولًا يلحق البائعَ الضّرر منه. وهذا يشير إلى أنّه جعل الدّرك في هذا المصاب على البائع. وإن كان قد قال أشهب: إنّ القاضي يأخذ له ما دام أيّام الخيار لم تذهب. وأشار إلى أنّها إذا ذهبت لم يكن له أن يأخذ له. وقد أشار بعض أشياخي إلى أنّ هذه طريقة تخالف طريقة ابن القاسم الّتي ذكرناها، من كونه لا يرى الفسخ بمجرّد تقضّي أيّام الخيار. ويمكن أن يكون أشهب اعتبر تقضّيها في الأخذ للمغمى عليه لمّا كان جواز الأخذ له مختلفًا فيه بينه وبين ابن القاسم، لكونه استئناف شراء. وأمّا الفسخ فإنّه من حقّ القاضي، فلا يعتبر فيه ذهاب أيّام الخيار. لكون الفسخ مِمّا اتّفق ابن القاسم وأشهب عليه ورأياه مِمّا يجوز للقاضي فعله. وأمّا إن كان العائق الّذي منع من الإختبار مِمّا يتأبّد كموت المشتري بالخيار أو البائع بالخيار، فإنّ هذا مِمّا اختلف فيه: فذهب مالك والشّافعي إلى أنّ هذا يورث عن الميّت لمّا كان هذا الخيار المشترط متعلّقًا بالمال ومن الحقوق الماليّة، فيجب أن يورث كما يورث المال نفسه. وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يورث, لأنّ الّذي ملك مشترط الخيار مشيئة

стр. 1748

وإرادة، بالإرادة (١) تعدم بموته، ويستحيل وجودها مع كونه ميّتًا، وقد علق إمضاء البيع عليها. وهذا الّذي علّق إمضاء البيع عليه يستحيل وجوده في الميّت، فإذا استحال ذلك استحال المبيع (٢) الّذي علق به. واعلم أنّ الظّاهر الّذي ورد في الشّرع مِمّا يتعلّق به هؤلاء المختلفون من قوله تعالى في آية المواريث ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٣) الآية. وكذلك قوله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٤) وكذلك ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٥) الآية. إلى غير ذلك مِمّا ذكر في الفروض. فيرى مالك والشّافعي أنّ هذا مِمّا تركه الميّت، فوجب أن يورث عنه كسائر أمواله. ويرى أبو حنيفة أنّه لم يملك سوى مشيئة وإرادة متعلّقة بهذا المبيع. فلا يقال: إنّ هذا مِمّا ترك, لأنّها لم يتركها، فوجب أن لا يدخل في هذا الظّاهر. وقد قال في الحديث أيضًا: "من ترك مالًا أو حقًّا فلورثته" (٦). فالنّزاع أيضًا في كون هذا الحقّ مِمّا ترك. واعتمد أصحابنا وأصحاب الشّافعي على القياس على الرّدّ بالعيب، فإنّ المشتري يملك الخيار بين أن يردّ بالعيب أو يتمسك بالمبيع المعيب، فإذا مات ورث هذا الخيار عنه ورثته وحلّوا محلّه. فكذلك يجب أن يكون الخيار في الشفعة، والخيار في قبول الوصيّة بمال ينتقل فيه الخيار إلى الوارث. وأصحاب أبي حنيفة يمنعون من قياس هذه المسائل على الخيار لأجل العيب. لأنّ الخيار في العيب إنّما ثبت للمشتري للنّقص الّذي اطّلع عليه في المبيع, لأنّه اشترى أجزاءًا فأمسِك له منها جُزء، وهذا الّذي أُمسِك له حصّة من الثّمن،

стр. 1749

وقد أُمسِك عوض هذه الحصّة، فوجب للمشتري المطالبة بثمن ما أُمسِك له، فإذا مات قبل المطالبة فإنّما مات عن مال، وهو الّذي يقابل هذا الجزء النّاقص، ومن مات عن مال ورث عنه، وفي البيع بالخيار والشّفعة والوصيّة لم يمت عن مال ثبت له، فلهذا لم يورث عنه. وكذلك أصحاب أبي حنيفة يعتمدون أيضًا على قياس، فيقولون: إنّ الثّمن إذا كان مؤجّلًا على المشتري، فإنّ الملك من توابع العقد، كما أنّ الخيار من توابع العقد، فإذا مات من اشترى بثمن إلى أجل، حلّ الثّمن عليه، ولم يرث ذلك عنه ورثته فيؤجّل عليهم، فكذلك الخيار لا يورث أيضًا. ويجيب أصحابنا عن هذا بأنّ الثّمن المؤجّل إنّما أوجب حلولَه كونُ المشتري إنّما عامل ذمّة، فلا يلزمه التنقّل إلى ذمّة أخرى لم يعاملها، مع كون الله سبحانه قدّم قضاء الدّين على الميراث، فلا يصحّ أن يمكّن الورثة من وراثة هذا المال، وعلى الميّت دين، وإذا لم يمكّنوا من ذلك فلا فائدة في إيقافه وجب (١) حلوله، واستعجل لهم ميراث ما فضُل عن الدّين. فإذا تقرّر هذا وأنّ الخيار يورث، فإنّ المشتري بالخيار إذا مات وخلّى وارثأواحدًا يرث المال كلّه، فإنّه يحلّ محلّه، فيخيّر بين قبول المبيع كلّه أو ردّه كلّه. فإن ترك ورثة فاتّفقوا على ردّ أو قبول، كان ذلك من حقّهم، كما كان ذلك من حقّ من ورثوا هذا الخيار عنه. فإن اختلفوا فاختار بعضهم إمضاء الشّراء، واختار الآخرون ردّه، فإنّ من حقّ البائع من المتبايعين أن يمنع من هذا التّبعيض، وقد باعها على الكمال، وذلك ضرر به. فإن رضي بهذا التّبعيض وقبل نصيب من ردّ عليه، كان له المطالبة لمن التزم الشّراء بما ينوب نصيبه من الثّمن. ولا مقال ها هنا للملتزم الشّراء لكونه قد وصل إلى غرض، واستكمل جميع حقّه في الميراث. فإن لم يرض البائع بهذا التّبعيض كلف من اختار الإجازة أن يردّ ما في يديه حتّى يستكمل البائع جميع المبيع، لئلاّ يتبعّض عليه.

стр. 1750

هذا هو القياس عند أشهب لأجل ما قلناه. والاستحسان عنده أن يمكّن من أراد الإجازة من أخذ نصيب من ردّ على البائع ويدفع للبائع الثّمن على كماله. فإذا حصل البائع على الثّمن كاملًا، فقد ارتفعت العلّة التّي شكاها بإزالة التّبعيض عنه. هذا هو الاستحسان. ولكنّ القياس ما قدّمناه من كون البائع لمّا ردّ عليه الممتنع من الإجازة لشراء نصيبه، عاد ذلك إلى ملكه على حسب ما كان. فلا يلزمه أن يبيعه إلاّ مِمّن اختار. وهذا التّفصيل يجري في موت البائع، وللبائع ورثة اختلفوا فيما كان للبائع من الخيار، فقال بعضهم: نردّ بيع البائع. وقال آخرون: بل نجيزه ونمضيه. فإنّ المشتري لا يلزمه نصيب من أجاز لأجل التّبعيض، كما لا يلزمه ذلك لو أراد منه البائع الّذي عامله، فكذلك ورثته الحالّون محلّه. وإن أراد قبول هذا التّبعيض وإسقاط حقّه فيه كان ذلك له. ولا يفترق ها هنا حكم القياس والاستحسان في أنّ من ردّ من الورثة لا يأخذ نصيب من أجاز، لكون نصيبه بقي في يديه بحكم الميراث لمّا عاد لملك الميّت على حسب ما كان، فكأنّه لم يقع من الميّت عقد، فليس له أن يأخذ نصيب أخيه الّذي أجاز، فلم يقبل المشتري بغير اختيار أخيه. كمن عَرض ثوبًا على إنسان بثمن سمّاه ليشتريه، فلم يفعل، فإنّه ليس لآخر أن يشتريه منه بغير اختياره. وإذا كان الورثة كلّهم في ولاية وصيّ، كان الحكم انفراده بالقبول أو الرّدّ كوارث واحد. وإن كانا وصيّين فاختلفا ردّ السلطان أحدهما إلى الآخر قضي (١) بمقتضى قول من قدّم السلطان قوله وصار كوصيّ منفرد. وإن كان مع الوصيّ المنفرد ورثة رشداء، فاختلفوا معه، جرى الحكم

стр. 1751

مجرى وارثين اختلفا على حسب ما قدّمناه. وإن كان مع الرّشداء وصيّان اختلفا ردّ (١) قول الوصيّين، وأمضى قول المصيب منهما. وعاد المصيب كالوصيّ المنفرد يخالفه بقيّة الورثة الرشداء. وقد ذكر في المدوّنة الحكم في رجلين اشتريا سلعة بالخيار، واختلفا في القبول أو الرّدّ. أو اشترياها ثمّ اطّلعا على عيب، فاختلفا في الرّضا به أو الرّدّ. وهذه المسئلة فيها قولان: ١ - هل لكلّ واحد منهما حكم نفسه، ولا مقال للبائع في التّبعيض لكونه عقد البيع من رجلين، وهو يعلم أنّهما قد يختلفان فيما رأيان (٢) من ردّ أو قبول، فيصير كالرّاضي بالتّبعيض لمّا عقد صفقة واحدة من اثنين، فأشبه لو عقد منهما صفقتين، انفرد كلّ واحد منهما بعقدة؟ ٢ - أو يقدّر أنّهما كالرّجل الواحد، لمّا عقدا عقدًا واحدًا، فيمنعهما من التّبعيض؟ فإن قلنا بهذا القول عاد الحكم في اختلافهما إلى ما قدّمناه من اختلاف الورثة، على حسب التّفصيل الّذي قدّمناه. وذكر في المدوّنة مسئلة متعلّقة بوراثة الخيار، فقال في امرأة شرط لها زوجها أنّه إن تزوّج عليها أو تسرّى فأمرها بيد أمّها. فروى عن علي بن زياد (٣) أنّ هذا متعلّق بعين الأمّ، لا ينتقل إلى غيرها بعد وفاتها, ولا يورث عنها ولا لها أن تنقل ذلك من يدها إلى يد غيرها، ومنع من ميراث هذا الخيار والتّمليك لمّا كان عنده أن القصد تعليقه بعين هذه الأمّ. وذهب ابن القاسم إلى أنّه لا يتعلّق بعين الأمّ. ولها أن توصي بذلك إذا ماتت. فإذا وصّت فلم تذكر هذا الّذي حصل بيدها من التّمليك دلّ ذلك على أنّها (أسقطت، بقي بكونه ساقطًا) (٤) وإن لم قوس بشيء، فأضاف إلى مالك،

стр. 1752

رضي الله عنه، أن يجعل ذلك إلى ابنتها فهْمًا فهمه عن مالك، أو نصًّا سمعه منه. والتّحقيق في هذه المسئلة الرّجوع إلى اعتبار قصد الزّوج، هل قصد جعل هذا التّمليك متعلّقًا بعين الأمّ، فإذ عُدِمت عينها عدم ما تعلّق بها. أو الغرض به التّمليك الّذي ينقله من ملكه إلى ملك غيره. ولو أرادت الأمّ أن تقضي بالفراق ومنعتها ابنتها من ذلك، فإنّه يعتبر أيضًا القصد بهذا التّمليك، هل قصد به الزّوج سرور زوجته والتّحبّب إليها، فيكون من حقّها أن تمنع أمّها من القضاء بالفراق لكون ذلك مخالفًا لقصد الزّوج فيما قصد من التّمليك، فإن لم يقصد الزّوج إلى إسناد شيء من ذلك إلى الزّوجة بل جعله من حقوق الأمّ، لم يكن لابنتها أن تمنعها من إيقاع الفراق. ولو قصد الزّوج مسرّة زوجته بهذا التّمليك وطلب رضاها، فإنّ الأمّ لو أوقعت الفراق قبل أن تنكر ابنتها عليها ذلك، لوقع الفراق ولا يردّ لأجل كون التّمليك قصد به مسرّة البنت. لأنّ الأمر وإن كان كذلك، فقد رضيت البنت بتفويض هذا الأمر إلى أمّها وجعلتها كالوكيلة لها، والوكيل للموكّل أن يعزله قبل أن ينفّذ ما وكّله عليه، وأمّا شيء أنفذه، فإنّه لا يؤثّر في ذلك عزله. وذكر في المدوّنة تأخير الورثة والغرماء لرجل حلف: ليقضينّ فلانا ما له عليه من الدّين، إلاّ أن يؤخّره، فمات من له الدّين، وأخره لمّا حلّ الأجل من يرث هذا الدّين، فإنّه يبرّ بتأخير الوارث. وهذا إنّما يصحّ على القول بمراعاة المقاصد في اليمين دون اعتبار مقتضى اللّفظ. لأنّ مقتضاه تعليق المشيئة بالتّأخير لمن سمّاه، وهو الّذي له الدّين، ووارث من له الدّين غيره، فينبغي أن لا يبرّ بتأخيره. لكنّ القصد بمثل هذه اليمين ألاّ يلدّ عن قضاء الحقّ لمن يستحقّه عليه، وارثًا كان لهذا الدّين أو لمن في معناه. ولو كان الوارث في ولاء وصي، ففي جواز تأخير الوصيّ لهذا المديان اختلاف، أجازه ابن القاسم، لكون التّأخير قد يكون فيه مصلحة للمولّى عليه لاستيلاف من يعامله. ومنعه أشهب لكونه لا

стр. 1753

يظهر له وجه في المصلحة غالبًا، ألا ترى أنّه لو تبيّن أن ذلك سوء نظر للمولى عليه، وإتلاف لماله، لم يجز للوصيّ التأخير. فكذلك إذا كان هذا هو الغالب في العرف. ولأجل هذا الّذي أشرنا إليه من مراعاة المقاصد باليمين يبرّ الحالف بتأخير الغرماء بشرط أن يُبرِؤُوا ذمّةَ الميّت من دينهم بالتحوّل على هذا الغريم، فإنّهم إذا برّؤوا ذمّة الميّت وتحوّلوا عليه، صاروا بذلك مستحقّين لهذا الدّين، فحلّوا في هذا محلّ الوارثين. واشترط في المدوّنة شرطًا آخر، وهو كون مَالَهم من الدّين يستغرق تركة الميّت. وهذا الاشتراط دليله أنّ الدّين الّذي لهم إذا كان لا يستغرق جميع ما تركه الميّت، فإنّ الحالف لا يبِرّ بتأخير الغرماء. وقد عورض هذا، وأُشير إلى أنّه ينبغي أن يبرّ في يمينه إذا أبرأوا ذمّة الغريم الميّت، وأسقطوا الطّلب عن تركته، وتحوّلوا بدينهم على هذا الغريم. وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنّ الدّين إذا كان يستغرق جميع تركة الميّت، سقط حقّ الوارث، وصار المستحقّ لجميع التّركة (١) لا الغرماء دون الوارثين. فإذا كان الغرماء إنّما يستحقّون بعض التّركة من جنس منها دون جنس لم ينفردوا بالتحكّم فيها بأن يأخذوا الدّين دون رضي الورثة، إذ لم تكن لهم فائدة في تعيين جنس دون جنس. فإذا لم ينفردوا باستحقاق الأخذ من هذا الغريم الحالف دون رضي الورثة، صاروا كرجل لا حقّ له في هذه التّركة أخّر هذا الغريم. وكذلك يجري الأمر في ميراث الغرماء مشيئةَ الميّت المشتري سلعة بالخيار. فإنّ الإعتبار في هذا يكون هذه السلعة يرجى فيها فضل إن أُجيز شراؤها. فإنّ الأمر إن كان كذلك، كان له (٢) أخذ هذه السلعة، ولا مقال للورثة في منعهم من ذلك؛ لأنّ منعهم من ذلك يؤدّي إلى انتقاص دينهم،

стр. 1754

ومنعهم من استيفائه. لكنّ بعض الأشياخ قال: إنّهم لا يمكّنوا (١) من أخذه هذه السلعة التّي فيها فضل ربح إلاّ بشرط أن يكون الرّبح يُقضَى به دين الميّت. وإن وقعت فيه خسارة، كانت عليهم. بخلاف المفلس إذا فلس، وقد اشترى سلعة فقضى لبائعها، فإنّه أحقّ بها من غيره من الغرماء، إذا لم يكن قبض الثّمن. فإن اختار مَن سواه من الغرماء أن يدفعوا إليه الثّمن الّذي باع به السلعة ويأخذوها ليبيعوها لرجاء فضل فيها، فإنّهم يمكّنون من ذلك، وإن كانت خسارة، فعلى الميّت. وإنّما افترق حكم الخسارة في هذين السؤالين في كونها في أحدهما على الغرماء وهو فيما اشتراه بالخيار، وفي المسئلة الأخرى على الغريم المفلس، لأنّ الغريم المفلس قد اشترى على البتات، واستقرّ الثّمن في ذمّته ثبوتًا لا انفكاك له منه. وهذا الّذي اشترى سلعة بالخيار لم يثبت ثمنها في ذمّته لجواز أن يختار ردّها. فسقط عنه الثّمن. وإذا كان الأمر كذلك، صار غرماؤه كمن أثبت دينًا على الميّت لم يثبته عليه الشّرع، ولا ألزمه على كلّ حال. فلهذا كانت الخسارة عليهم ها هنا. وإذا قلنا: إنّ الغرماء ها هنا لهم أيضًا ما اشتراه الميّت بالخيار إذا كان فيه فضل، فإنّما المراد بهذا أنّ ذلك حقّ لهم لما بيّناه من فائدته لهم وللميّت. ولا يكون ذلك حقًّا عليهم لأنّهم لا يلزمهم أن يتركوا أخذ دينهم مِمّا تركه الميّت، من ناضّ أو غيره، مِمّا يأخذون دينهم منه في الحال، ويكلفون الانصراف عن هذا إلى أخذه من ثمن سلعة يتكلّفون بيعها، وربّما تستحقّ عليهم، أو تردّ بعيب. وقد وضح حكم ميراث المشيئة والاختيار وما يتعلّق به مِمّا بيّناه فاعلم. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد بيّنا، فيما تقدّم في كتاب بيوع الآجال والبيوع الفاسدة، منع سلف جرّ منفعة، وكلِّ ما أدّى إليه، كبيع وسلف، أو التردّد بين كون عوض السلعة ثمنًا أو سلفًا. ومقتضى هذا الّذي قلناه يمنع من

стр. 1755

اشتراط النّقد في بيع الخيار، لكون من اشترى سلعة بالخيار واشترط البائع عليه أن ينقده ثمنًا، فإنّ هذا المنقود متردّد بين أن يكون ثمنًا، إن أمضى المشتري الشّراء، أو يكون سلفًا إن ردّ ما اشتراه. وهذا ممنوع اشتراطه، لكون السلف متحقّقًا. فإذا وضّح علّة المنع من هذا وأنّه يجري من جهة المعنى مجرى البيع والسلف، فإنّا كنّا قدّمنا أنّ البيع بشرط السلف فيه اختلاف: هل يصحّ البيع إذا أسقط السلف أم لا يصحّ؟ على ما تقدّم بيانه؟. وقد اضطرب المتأخّرون في هذه المسئلة الّتي نحن بصددها، هل يجري ترقب السلف مجرى تحقّقه؟ فيقال، فيمن باع بالخيار واشترط النّقد: إنّه (١) أسقط اشتراطه، صحّ البيع، كما يصحّ، على ما ذكره في المدوّنة، في اشتراط السلف في عقد البيع. فذكر ابن سحنون أن اشتراط النّقد في بيع الخيار لا يجوز، وهو كالبيع والسلف. وظاهر هذا يقتضي أنّ اشتراط النّقد إذا أسقط صحّ البيع على المذهب المشهور في بيع وقع بشرط السلف، وإن كان بعض الأشياخ حمل هذا على أنّ مراده بهذا التّشبيه كون السلف قد قبض، وهو إذا قبض لم يصحّ إسقاط الشّرط، على حسب ما كنّا قدّمنا ذكره وما قيل فيه. وهذا من هذا المتأوّل إشارة إلى استبعاد تصحيح البيع إذا أسقط فيه شرط النّقد، وكأنّه يقدّر أنّ الفساد ها هنا في نفس الثّمن بجملته، والفساد إذا كان من نفس الثّمن، لم ينصلح البيع بإزالة الفساد من الثّمن. كمن باع سلعة بثمن إلى أجل مجهول كموت زيد، فإنّ البيع فاسد وإن عجّل الثّمن لمّا كان الفساد في جملة نفس الثّمن، كما قدّمنا ذكر هذا في موضعه، واشتراط السلف معنى خارج عن الثّمن والمثمون، فحسن أن يصحّ العقد بإسقاط الشّرط. ومن المتأخّرين من يشير إلى تصحيح هذا البيع إذا أسقط البائع اشتراط النّقد تعلّقًا بظاهر كلام ابن سحنون. وقد نوقض هؤلاء بما وقع لابن القاسم في
следующие страницы →