مجرى وارثين اختلفا على حسب ما قدّمناه.
وإن كان مع الرّشداء وصيّان اختلفا ردّ (١) قول الوصيّين، وأمضى قول المصيب منهما. وعاد المصيب كالوصيّ المنفرد يخالفه بقيّة الورثة الرشداء.
وقد ذكر في المدوّنة الحكم في رجلين اشتريا سلعة بالخيار، واختلفا في القبول أو الرّدّ. أو اشترياها ثمّ اطّلعا على عيب، فاختلفا في الرّضا به أو الرّدّ.
وهذه المسئلة فيها قولان:
١ - هل لكلّ واحد منهما حكم نفسه، ولا مقال للبائع في التّبعيض لكونه عقد البيع من رجلين، وهو يعلم أنّهما قد يختلفان فيما رأيان (٢) من ردّ أو قبول، فيصير كالرّاضي بالتّبعيض لمّا عقد صفقة واحدة من اثنين، فأشبه لو عقد منهما صفقتين، انفرد كلّ واحد منهما بعقدة؟
٢ - أو يقدّر أنّهما كالرّجل الواحد، لمّا عقدا عقدًا واحدًا، فيمنعهما من التّبعيض؟ فإن قلنا بهذا القول عاد الحكم في اختلافهما إلى ما قدّمناه من اختلاف الورثة، على حسب التّفصيل الّذي قدّمناه.
وذكر في المدوّنة مسئلة متعلّقة بوراثة الخيار، فقال في امرأة شرط لها زوجها أنّه إن تزوّج عليها أو تسرّى فأمرها بيد أمّها. فروى عن علي بن زياد (٣) أنّ هذا متعلّق بعين الأمّ، لا ينتقل إلى غيرها بعد وفاتها, ولا يورث عنها ولا لها أن تنقل ذلك من يدها إلى يد غيرها، ومنع من ميراث هذا الخيار والتّمليك لمّا كان عنده أن القصد تعليقه بعين هذه الأمّ.
وذهب ابن القاسم إلى أنّه لا يتعلّق بعين الأمّ. ولها أن توصي بذلك إذا ماتت. فإذا وصّت فلم تذكر هذا الّذي حصل بيدها من التّمليك دلّ ذلك على أنّها (أسقطت، بقي بكونه ساقطًا) (٤) وإن لم قوس بشيء، فأضاف إلى مالك،
стр. 1752
رضي الله عنه، أن يجعل ذلك إلى ابنتها فهْمًا فهمه عن مالك، أو نصًّا سمعه منه.
والتّحقيق في هذه المسئلة الرّجوع إلى اعتبار قصد الزّوج، هل قصد جعل هذا التّمليك متعلّقًا بعين الأمّ، فإذ عُدِمت عينها عدم ما تعلّق بها. أو الغرض به التّمليك الّذي ينقله من ملكه إلى ملك غيره.
ولو أرادت الأمّ أن تقضي بالفراق ومنعتها ابنتها من ذلك، فإنّه يعتبر أيضًا القصد بهذا التّمليك، هل قصد به الزّوج سرور زوجته والتّحبّب إليها، فيكون من حقّها أن تمنع أمّها من القضاء بالفراق لكون ذلك مخالفًا لقصد الزّوج فيما قصد من التّمليك، فإن لم يقصد الزّوج إلى إسناد شيء من ذلك إلى الزّوجة بل جعله من حقوق الأمّ، لم يكن لابنتها أن تمنعها من إيقاع الفراق. ولو قصد الزّوج مسرّة زوجته بهذا التّمليك وطلب رضاها، فإنّ الأمّ لو أوقعت الفراق قبل أن تنكر ابنتها عليها ذلك، لوقع الفراق ولا يردّ لأجل كون التّمليك قصد به مسرّة البنت. لأنّ الأمر وإن كان كذلك، فقد رضيت البنت بتفويض هذا الأمر إلى أمّها وجعلتها كالوكيلة لها، والوكيل للموكّل أن يعزله قبل أن ينفّذ ما وكّله عليه، وأمّا شيء أنفذه، فإنّه لا يؤثّر في ذلك عزله.
وذكر في المدوّنة تأخير الورثة والغرماء لرجل حلف: ليقضينّ فلانا ما له عليه من الدّين، إلاّ أن يؤخّره، فمات من له الدّين، وأخره لمّا حلّ الأجل من يرث هذا الدّين، فإنّه يبرّ بتأخير الوارث. وهذا إنّما يصحّ على القول بمراعاة المقاصد في اليمين دون اعتبار مقتضى اللّفظ. لأنّ مقتضاه تعليق المشيئة بالتّأخير لمن سمّاه، وهو الّذي له الدّين، ووارث من له الدّين غيره، فينبغي أن لا يبرّ بتأخيره. لكنّ القصد بمثل هذه اليمين ألاّ يلدّ عن قضاء الحقّ لمن يستحقّه عليه، وارثًا كان لهذا الدّين أو لمن في معناه. ولو كان الوارث في ولاء وصي، ففي جواز تأخير الوصيّ لهذا المديان اختلاف، أجازه ابن القاسم، لكون التّأخير قد يكون فيه مصلحة للمولّى عليه لاستيلاف من يعامله. ومنعه أشهب لكونه لا
стр. 1753
يظهر له وجه في المصلحة غالبًا، ألا ترى أنّه لو تبيّن أن ذلك سوء نظر للمولى عليه، وإتلاف لماله، لم يجز للوصيّ التأخير. فكذلك إذا كان هذا هو الغالب في العرف. ولأجل هذا الّذي أشرنا إليه من مراعاة المقاصد باليمين يبرّ الحالف بتأخير الغرماء بشرط أن يُبرِؤُوا ذمّةَ الميّت من دينهم بالتحوّل على هذا الغريم، فإنّهم إذا برّؤوا ذمّة الميّت وتحوّلوا عليه، صاروا بذلك مستحقّين لهذا الدّين، فحلّوا في هذا محلّ الوارثين.
واشترط في المدوّنة شرطًا آخر، وهو كون مَالَهم من الدّين يستغرق تركة الميّت. وهذا الاشتراط دليله أنّ الدّين الّذي لهم إذا كان لا يستغرق جميع ما تركه الميّت، فإنّ الحالف لا يبِرّ بتأخير الغرماء. وقد عورض هذا، وأُشير إلى أنّه ينبغي أن يبرّ في يمينه إذا أبرأوا ذمّة الغريم الميّت، وأسقطوا الطّلب عن تركته، وتحوّلوا بدينهم على هذا الغريم.
وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأنّ الدّين إذا كان يستغرق جميع تركة الميّت، سقط حقّ الوارث، وصار المستحقّ لجميع التّركة (١) لا الغرماء دون الوارثين. فإذا كان الغرماء إنّما يستحقّون بعض التّركة من جنس منها دون جنس لم ينفردوا بالتحكّم فيها بأن يأخذوا الدّين دون رضي الورثة، إذ لم تكن لهم فائدة في تعيين جنس دون جنس. فإذا لم ينفردوا باستحقاق الأخذ من هذا الغريم الحالف دون رضي الورثة، صاروا كرجل لا حقّ له في هذه التّركة أخّر هذا الغريم.
وكذلك يجري الأمر في ميراث الغرماء مشيئةَ الميّت المشتري سلعة بالخيار. فإنّ الإعتبار في هذا يكون هذه السلعة يرجى فيها فضل إن أُجيز شراؤها. فإنّ الأمر إن كان كذلك، كان له (٢) أخذ هذه السلعة، ولا مقال للورثة في منعهم من ذلك؛ لأنّ منعهم من ذلك يؤدّي إلى انتقاص دينهم،
стр. 1754
ومنعهم من استيفائه. لكنّ بعض الأشياخ قال: إنّهم لا يمكّنوا (١) من أخذه هذه السلعة التّي فيها فضل ربح إلاّ بشرط أن يكون الرّبح يُقضَى به دين الميّت. وإن وقعت فيه خسارة، كانت عليهم. بخلاف المفلس إذا فلس، وقد اشترى سلعة فقضى لبائعها، فإنّه أحقّ بها من غيره من الغرماء، إذا لم يكن قبض الثّمن. فإن اختار مَن سواه من الغرماء أن يدفعوا إليه الثّمن الّذي باع به السلعة ويأخذوها ليبيعوها لرجاء فضل فيها، فإنّهم يمكّنون من ذلك، وإن كانت خسارة، فعلى الميّت.
وإنّما افترق حكم الخسارة في هذين السؤالين في كونها في أحدهما على الغرماء وهو فيما اشتراه بالخيار، وفي المسئلة الأخرى على الغريم المفلس، لأنّ الغريم المفلس قد اشترى على البتات، واستقرّ الثّمن في ذمّته ثبوتًا لا انفكاك له منه. وهذا الّذي اشترى سلعة بالخيار لم يثبت ثمنها في ذمّته لجواز أن يختار ردّها. فسقط عنه الثّمن. وإذا كان الأمر كذلك، صار غرماؤه كمن أثبت دينًا على الميّت لم يثبته عليه الشّرع، ولا ألزمه على كلّ حال. فلهذا كانت الخسارة عليهم ها هنا.
وإذا قلنا: إنّ الغرماء ها هنا لهم أيضًا ما اشتراه الميّت بالخيار إذا كان فيه فضل، فإنّما المراد بهذا أنّ ذلك حقّ لهم لما بيّناه من فائدته لهم وللميّت. ولا يكون ذلك حقًّا عليهم لأنّهم لا يلزمهم أن يتركوا أخذ دينهم مِمّا تركه الميّت، من ناضّ أو غيره، مِمّا يأخذون دينهم منه في الحال، ويكلفون الانصراف عن هذا إلى أخذه من ثمن سلعة يتكلّفون بيعها، وربّما تستحقّ عليهم، أو تردّ بعيب. وقد وضح حكم ميراث المشيئة والاختيار وما يتعلّق به مِمّا بيّناه فاعلم.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد بيّنا، فيما تقدّم في كتاب بيوع الآجال والبيوع الفاسدة، منع سلف جرّ منفعة، وكلِّ ما أدّى إليه، كبيع وسلف، أو التردّد بين كون عوض السلعة ثمنًا أو سلفًا. ومقتضى هذا الّذي قلناه يمنع من
стр. 1755
اشتراط النّقد في بيع الخيار، لكون من اشترى سلعة بالخيار واشترط البائع عليه أن ينقده ثمنًا، فإنّ هذا المنقود متردّد بين أن يكون ثمنًا، إن أمضى المشتري الشّراء، أو يكون سلفًا إن ردّ ما اشتراه. وهذا ممنوع اشتراطه، لكون السلف متحقّقًا. فإذا وضّح علّة المنع من هذا وأنّه يجري من جهة المعنى مجرى البيع والسلف، فإنّا كنّا قدّمنا أنّ البيع بشرط السلف فيه اختلاف: هل يصحّ البيع إذا أسقط السلف أم لا يصحّ؟ على ما تقدّم بيانه؟.
وقد اضطرب المتأخّرون في هذه المسئلة الّتي نحن بصددها، هل يجري ترقب السلف مجرى تحقّقه؟ فيقال، فيمن باع بالخيار واشترط النّقد: إنّه (١) أسقط اشتراطه، صحّ البيع، كما يصحّ، على ما ذكره في المدوّنة، في اشتراط السلف في عقد البيع.
فذكر ابن سحنون أن اشتراط النّقد في بيع الخيار لا يجوز، وهو كالبيع والسلف. وظاهر هذا يقتضي أنّ اشتراط النّقد إذا أسقط صحّ البيع على المذهب المشهور في بيع وقع بشرط السلف، وإن كان بعض الأشياخ حمل هذا على أنّ مراده بهذا التّشبيه كون السلف قد قبض، وهو إذا قبض لم يصحّ إسقاط الشّرط، على حسب ما كنّا قدّمنا ذكره وما قيل فيه. وهذا من هذا المتأوّل إشارة إلى استبعاد تصحيح البيع إذا أسقط فيه شرط النّقد، وكأنّه يقدّر أنّ الفساد ها هنا في نفس الثّمن بجملته، والفساد إذا كان من نفس الثّمن، لم ينصلح البيع بإزالة الفساد من الثّمن. كمن باع سلعة بثمن إلى أجل مجهول كموت زيد، فإنّ البيع فاسد وإن عجّل الثّمن لمّا كان الفساد في جملة نفس الثّمن، كما قدّمنا ذكر هذا في موضعه، واشتراط السلف معنى خارج عن الثّمن والمثمون، فحسن أن يصحّ العقد بإسقاط الشّرط.
ومن المتأخّرين من يشير إلى تصحيح هذا البيع إذا أسقط البائع اشتراط النّقد تعلّقًا بظاهر كلام ابن سحنون. وقد نوقض هؤلاء بما وقع لابن القاسم في
стр. 1756
المدوّنة فيمن اشترط النّقد واطّلع على عيب قديم، وحدث عنده عيب، أنّ القيمة تجب، ولم يعتبر فيها الأكثر والأقلّ كما اعتبر ذلك في البيع بشرط.
وأشار البراذعي في تمهيده إلى أنّ هذا كالمخالف لما ذكره ابن سحنون. وهكذا ذكر بعض الأندلسيين أنّ هذا بخلاف البيع بشرط السلف، فإنّ العقد لا يصحّ بإسقاط شرط النّقد في بيع الخيار.
وإذا تقرّر حكم اشتراط النقد، فإنّ التطوّع به بعد العقد جائز. إلاّ أن يؤدّي ذلك إلى ممنوع وهو الوقوع في معاوضة عن دين بتأخير، ومضاهاة فسخ الدّين في الدّين. فإذا عقد سلمًا على خيار اليوم واليومين، وهو ما يجوز تحديدها في الخيار في هذا، كتحديد تأخير رأس المال السلم، فإنّه لا يجوز اشتراط تأخيره أيّامًا كثيرة, لأنّه بعد هذه الأيّام إذا أمضاه من له الخيار فيه، قدّر كأنّه لم يزل ماضيًا من حين العقد، وتأخير (١) رأس مال السلم فيه أيّامًا كثيرة.
فإذا عقد الخيار في السلم على هذا الوجه الجائز، فإنّه لا يجوز التّطوّع بالنّقد برأس المال، لكون هذا التطوّع بالنّقد إذا أمضي عقد السلم بعد التّطوّع به، وقد كان لمن أمضاه أن يفسخ البيع، صار إمضاؤه العقد كأخذ ما أسلم فيه عن دين، وهو ما تطوّع بنقده.
لكنّ بعض أشياخي لم ير المنع من هذا يقتضي فسخ العقد إذا وقع وردّ ما أمضاه من السلم، لكون هذا إنّما نقد على أن يكون في الذّمّة ثمنًا لما أمضى من السلم، فلا يحلّ هذا محلّ دين ثبت في الذّمّة غير متعلّق بالسلعة المأخوذة عنه بعد طول زمن.
وعلى هذا الأسلوب يجري منع التطوّع في جارية عليّة بيعت بالمواضعة.
وشرط فيها الخيار، أو سلعت غائبة اشتريت على البتّ، أو منافع اكتريت بشر الخيار، على حسب ما كنّا قدّمناه من بيان طريق ابن القاسم في منعه أخذ هذه الأشياء عن ديون مستقرّة في الذمّة.
стр. 1757
وقد قال بعض المتأخّرين: لو تنازع المتبايعان بشرط الخيار في إيقاف الثّمن، لم يجب إيقافه. وأشار إلى أنّه لا يختلف فيه، كما اختلف في إيجاب قبول الثّمن في الأمة الّتي بيعت على المواضعة، وفي بيع السلعة الغائبة، لكون هذين عقدين منبرمين ثابتين، وثبوت العقد يقتضي ثبوت الثّمن، وما ثبت حسنت المطالبة به، وبيع الخيار، المثمون لم ينبرم العقد فيه ولا ثبت، فكذلك ثمنه لم يثبت، وما لم يثبت لا يجب إيقافه.
وقد ذكر في المدوّنة فيمن اشترى سلعة على البتّ، ثمّ بعد ذلك جعل فيها الخيار للبائع، أو جعله البائع له، أنّ ذلك جائز. وأطلق الجواب.
وقيّده بعض حذّاق الأشياخ بأنّ معناه أنّ الثّمن قد نقده المشتري، ولو كان لم ينقده ما جاز هذا الخيار, لأنّه إذا لم ينقده، صار الخيار في هذه السلعة يؤدّي إلى أخذ سلعة على خيار عن دين. وقد قدّمنا المنع من هذا. وأنكر هذا بعض أشياخي، ورأى أنّ هذا لا يتصوّر بمجرّد مطلقه أخذه سلعة بخيار من دين, لأنّ المعاملة الأولى كانت على البتّ، فإذا جعل المشتري بعد ذلك لمن باعها منه الخيارَ فيها، فقد صار المشتري كبائع باع سلعة من آخر على الخيار، وكأنّها سلعة ثانية لا تعلّق لها بالأولى، كما لا تعلق للعقد الثّاني الّذي عقد على الخيار بالعقد الأوّل الّذي عقد على البتّ، وإذا لم يكن له به تعلّق، وجب نقد الثّمن الّذي اقتضاه على البتّ، وبقي حكم الثّمن في العقد الثّاني الواقع بالخيار على مقتضى حكمه.
وهذا الّذي قاله شيخنا هو مقتضى الحكم على مقتضى اللّفظ، والّذي ذهب إليه غيره مبنيّ على أنّ المفهوم في مثل هذا كون هذه السلعة الّتي جعل فيها الخيار إنّما جعل فيها الخيار ليؤخذ عوضها عن الثّمن المستقرّ في الذّمّة بالعقد الّذي وقع على البتّ. وإذا قصد المتعاقدان ذلك، فلا شكّ أنّه يمنع كما يمنع أخذ سلعة بشرط الخيار عوضًا عن دين مستقرّ في الذّمّة.
وأجاز في المدوّنة في هذه المسئلة أن يجعل المشتري الخيار للبائع أو
стр. 1758
يجعل البائع الخيار للمشتري، بمعنى أنّه أراد أن يجبر المشتري في أن يلزمه شراء ما كان باعه بالأمس منه إن شاء ذلك، وإن شاء لم يلزمه.
ولو هلكت هذه السلعة في أيّام الخيار والمشتري هو الّذي جعل الخيار للبائع، لكان ضمانها من المشتري, لأنّه كان بالأمس مشتريًا لهذه السلعة على البتّ وهو اليوم بائع لها على خيار من اشتراها منه، وهو الّذي باعها بالأمس منه. ولو كان البائع هو الّذي جعل الخيار للمشتري، على حسب ما فسرناه، لكان ظاهر المدوّنة والمذهب أنّ الضّمان من المشتري أيضًا، لكونه كبائع باع له على الخيار.
وخالف في هذا المغيرة، ورأى أنّ الضّمان ها هنا من هذا البائع الّذي خيّر المشتري، وحكَّمه في ردّ هذه السلعة إليه إن شاء، لكون هذا العقد الثّاني لمّا وقع في هذه السلعة على الخيار، وقد كان وقع فيها قبل ذلك على البتّ، صار العقد الثّاني كالملحق بالأوّل، فكأنّ العقد الأوّل وقع أيضًا، وإذا كان قد وقع أيضًا على الخيار، فالضّمان من البائع.
وإنّما ذكرنا حكم الضّمان ها هنا والخلاف فيه لأنّ فيه ملاحة لما حكيناه من اختلاف شيخنا وغيره, لأنّا ذكرنا أنّ من خالف شيخنا قدّر أنّ هذا العقد الثّاني كالمقارن للعقد الأوّل على رأي المغيرة، وإذا كان كالمقارن له اقتضى هذا أيضًا أنّ معنى الخيار كون هذه السلعة الّتي عقد فيها البيع على البتّ لا ينقد ثمنها، وإنّ ما عقد فيها أخذها عوضًا عن الثّمن إذا شاء من خيّر فيها. على المذهب الآخر المعتبر كلّ عقد بحكم نفسه لا يتصوّر ما قاله شيخنا من كون العقد الأوّل يقتضي دفع الثّمن، وعقد الخيار يقرّ على حكم نفسه.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا أراد المشتري بالخيار أن يمضي البيع والّذي باع منه حاضر، فإنّه يمكّن من ذلك. وكذلك إذا أراد فسخه، ولا يلتفت في هذا إلى رضا البائع بالإجازة أو الفسخ. وهذا لا خلاف فيه لأنّه مقتضى كون العقد منبرمًا من جانب أحد المتعاقدين، ومخيّرًا فيه من جهة أخرى.
стр. 1759
ولو جعلنا الخيار أيضًا للبائع في ممانعة المشتري على الخيار مِمّا أراد لكان نقضًا لما قرّرناه من مقتضى العقد.
فإذا أراد المشتري أن يمضي العقد والبائع غائب، فإنّ ذلك له.
وإن أراد أن يفسخه فاختلف النّاس في ذلك. فذهب مالك والشّافعي وأبو يوسف إلى أنّ ذلك له. ومذهب أبي حنيفة ومحمّد ابن الحسن إلى أنّه لا يمكن من ذلك.
وأشار ابن القصّار إلى أنّ مذهب أبي حنيفة مِمّا يحتمله مذهبنا. وذكر أنّ مالكًا اختلف قوله في جواز تصرّف المشتري في السلعة إذا اختار إمضاء الشّراء، فمنعه مرّة حتّى يعلم البائع، وأجازه مرّة أخرى إذا أشهد. وهذا الّذي قاله إنّما يتّضح إذا تكلّمنا على أحكام تصرّف المشتري بالخيار. وهذا الّذي ذكره مِمّا يفتقر إلى بسط.
لأنّ إجازة المشتري لا تفتقر إلى حضور البائع. وإنّما الخلاف الّذي حكيناه عن فقهاء الأمصار في اشتراط حضور البائع في الفسخ، قياسًا عندهم على العُنّة الّتي توجب فسخ النّكاح إذا طلبت ذلك المرأة، ولا يصحّ الفسخ إلاّ بحكم. وقد اعتمد من نصر مذهبنا ومذهب الشّافعي في أنّ الفسخ يصحّ وإن لم يحضر البائع، يكون الإجازة تصحّ وإن لم يحضر، وكذلك الفسخ، لا سيما إذا قلنا إنّ الخيار إنّما هو موضوع للإجازة عندنا لا للفسخ، كما قاله أبو حنيفة والشّافعي.
وإذا كان إنّما وضع للإجازة فإنّ التّقدير أَلَاّ عقد بينهما فيفتقر فيه إلى حضور البائع. وأيضًا فإنّ البائع إذا حضر ولم يرض، لم يلتفت إلى عدم رضاه باتّفاق، وإذا كان لا يلتفت إلى رضاه، فكذلك لا يلتفت إلى حضوره، ألا ترى أنّ الطّلاق لمّا لم يعتبر فيه رضي المرأة لم يعتبر حضورها، وهو أيضًا حلّ لعقد النّكاح. وإنّما افتقرت العنة إلى فسخ الحاكم للنّكاح لأنّها مسئلة من مسائل الإجتهاد، فلهذا افتقرت إلى قضيّة قاض. وعزلة الوكيل نفسه على القول بتمكينه من ذلك يجري على الخلاف في افتقارها إلى حضور الموكّل على حسب ما قدّمناه.
стр. 1760
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا عقد البيع على خيار رجل ثالث غيرِ المتعاقدين، فإن ذلك جائز عند جمهور الفقهاء. وذهب ابن حنبل إلى المنع من ذلك.
وذكر بعض أصحاب الشّافعي أنّ المنع هو أحد الوجهين عندهم في مذهبهم.
وقد روى أصبغ عن ابن القاسم أنّه لا يحجبه اشتراط خيار الثّالث.
وذكر ابن الحارث عن سحنون أنّه رأى في بعض الكتب أنّ ذلك لا يجوز وهو مفسوخ.
وكأن ابن حنبل ومن وافقه قدّروا أنّ بيع الخيار رخصة لأجل ما قدّمنا ذكره من العلل، والشّرع إنّما ورد بإباحة الخيار للمتعاقدين لحاجتهما إلى ذلك، ولا حاجة بثالث غير المتعاقدين إلى إثبات الخيار له، فوجب المنع لفقد العلّة الموجبة للتّرخيص للمتعاقدين.
ونحن نتعلّق بعموم قوله ﵇: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلاّ بيع الخيار" (١). ولم يقيّد الخيار بل استثناه مطلقًا في كلّ أحد، فاقتضى عمومه جواز هذا إلاّ ما خرج بدليل.
وأيضًا فإنّ الحاجة قد تمس إلى إسناد الخيار لرجل ثالث، لكون من أسند الخيار له من المتعاقدين غير بصير بالقيمة ولا بالمبيع، فتدعوه الضّرورة إلى إسناد هذا لغيره، كما جازت الوكالة لحاجة المالكين لمن ينوب عنهم في التصرّف في أملاكهم بالبيع والشّراء والأخذ والإعطاء.
وإذا تقرّر جواز هذا على الجملة، فإنّا نشترط أن يكون هذا الثّالث، المسند هذا الخيار إليه، حاضرًا أو قريب الغيبة بحيث يستعلم ما عنده في أمد يجوز أن يجعل أجلًا لهذا المبيع على الخيار.
فإذا كان بعيد الغيبة ووقف إمضاء البيع على إجازته أو ردّه، صار هذا
стр. 1761
كبيع بخيار ضرب فيه أجل بعيد، وقد قدّمنا أنّ ذلك ممنوع، وذكرنا علّة منعه.
فإذا أسند الخيار في هذا إلى ثالث، وكان هذا الإسناد من قِبَل البائع مثل أن يقول: بعتك سلعتي هذه على خيار فلان، أو على رضي فلان. أو يكون هذا الإسناد من قبل المشتري كقوله: أشتري منك على خيار فلان أو رضي فلان.
فإنّ النّظر في هذا يتعلّق بوجهين:
أحدهما: تقدمة إظهار معنى إليه يستند الحكم في هذه المسئلة ويعرف الصّواب منها.
والثّاني: ضبط روايات المذهب في هذا.
فأمّا إظهار المعنى الّذي منه نشأ النّظر في هذه المسئلة، فإنّك ينبغي لك أن تعلم أنّ كلّ واحد من المتعاقدين للبيع إذا اشترط شرطًا يسوغ له اشتراطه، وله فائدة فيه وغرض صحيح، فإنّ من حقّه المطالبة به إذا انفرد بمنفعة هذا الشّرط. وكذلك إذا شاركه في المنفعة أيضًا من عاقده في هذا البيع. وأمّا إن اشترط شرطًا ينفرد به ولا حقّ فيه لمن عاقده ولا منفعة، فإنّ هذا من حقّه أن يطالب به إن شاء. فإذا تمهّدت هذه القاعدة، قلنا بعد هذا:
إذا اشترط البائع رضي فلان رجل ثالث، وكان هذا الشرط دائرًا بينه وبين صاحبه قصد باشتراطه تحصيل غرض لمشترطه وللآخر الّذي عاقده البيع، فإنّه يتّضح ها هنا وقف الأمر على رضي هذا الرّجل الثّالث. فإن أمضى البيع حكم بإمضائه، ولو كره ذلك مشترط هذا الشّرط، أو كره ذلك المعاقد الآخر الّذي لم يشترط. إلاّ أن يتّفق المتعاقدان على اطّراح ما يقول الثّالث، ويلتزما إمضاء البيع أو ردّه، فإنّه يسقط ها هنا حقّ هذا الثّالث، إلاّ أن يكون هذا أمد (١) مُلَّكَهُ وجعل حقًّا من حقّه، فإنّ له المطالبة بذلك وإن اتّفق المتعاقدان على مخالفة قوله.
وأمّا لو قصدا كونه كالوكيل لهما، سقط اعتبار قوله إذا اتّفقا على عزله قبل أن يمضي البيع أو يردّه، فإنْ إمضاه أو ردّه قبل أن يتّفقا على عزلته، نفذ عليهما من
стр. 1762
ذلك ما قضى به وكيلهما.
وإذا كان هذا الإشتراط يختصّ به مشترطه، والقصد به تحصيل غرضه، دون أن يجعل للآخر الّذي عاقده فيه حقًّا، فإنّ هذا يعتبر فيه ما قدّمناه إن كان تمليكًا، فلا بدّ من اعتبار ما عند هذا الّذي ملك هذا الحقّ، ولا يقتصر على اعتبار ما عند الّذي مَلّكه. وإن كان وكيلًا لمن اشترط هذا، جرى الأمر على ما قدّمناه من إمضاء ما قضى به من سبق بالقضيّة من موكّل أو وكيل.
هذه النّكتة الّتي تعتبر ها هنا وعليها يعتمد الحذّاق. لكن وقع في الرّوايات ما يصعب معه ضبط المذهب على التّحقيق. فلهذا أكثر المتأخّرون الكلام في هذا الوجه، واختلفت طرائقهم في تأويل الرّوايات فيه. لا سيما ما وقع في المدوّنة في هذه من ألفاظ موهمة تكاد أن تشوّش الخاطر.
وذلك أنّه ذكر أنّ المشتري إذا قال: أشتري على إن رَضِيَ فلان. فإنّ المشتري لا يعتمد على ما يبدو منه من إمضاء البيع أو ردّه، وإنّما يكون الإمضاء والرّدّ الموقوفين على هذا الثّالث الّذي اشترط المشتري رضاه.
وذكر في البائع إذا باع على رضى فلان، فرضي البائع أو رضي فلان، فإنّ البيع نافذ. فعلق نفوذه برضى البائع المشترط هذا الشّرط إن سبق إلى ذلك، أو برضى الثّالث إن سبق إلى ذلك.
وقد اعتمد جماعة من الأشياخ الحذّاق أنّ هذا منه تفرقة بين حكم البائع في هذا الاشتراط وبين حكم المشتري إذا كان هو المشترط. وإلى هذا ذهب الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد ومن بعده من حذّاق المتأخّرين من القرويين وإليه ذهب ابن لبابه.
وذهب غير هؤلاء إلى أنّه لم يقصد في المدوّنة إلى تفرقة بين البائع والمشتري. واعتذروا عن ظاهر هذه التّفرقة بأنّ المراد ما ذكره في المشتري كونه اشترط هذا الشّرط لكون ذلك حقًّا له في نفسه وحقًّا للبائع. وقد قدّمنا أنّ هذا
стр. 1763
الشّرط إذا قصد به الاشتراط بين المتبايعين، لم يقض على مشترطه بحقّ الآخر فيه. فقدّر هؤلاء الجواب إنّما اختلف لاختلاف السؤالين.
ومنهم أيضًا من صار في تأويل ما وقع في المدوّنة إلى طريقة أخرى.
فقال: قد وقع في بعض ألفاظها: إن رضي البائع نفذ البيع. فلم يذكر ها هنا سوى رضي البائع. ولم يتكلّم على رضي هذا الثّالث إن سبق بالرّضى إلى هذا البيع. فظاهر هذا وقف الأمر على رضاه خاصّة. وهكذا يجب أن يوقف أيضًا الأمر على ردّه. فيقدّر هؤلاء أنّ هذا يشير إلى اعتبار ما يقوله المشترط دون ما يقوله هذا الثّالث. ويقتضي هذا أن يكون المشتري كذلك. ويكون هذا مطابقًا لما ذكره ابن حبيب في واضحته (من البائع والمشتري) (١) استويا في قصد هذا الإشتراط على من اشترطه منهما, ولا اعتبار بما يقوله الثّالث المشترط رضاه. إلى هذا ذهب ابن لبابة.
ومن المتأخّرين من جعل هذا الاشتراط حقًّا مشتركًا بين البائع والمبتاع، وجعل لكلّ واحد من المتبايعين حقًّا في الإمضاء خاصّة مشترك أبي نهما. فإن اشترط البائع رضي فلان فرضي البائع إمضاء البيع وردّه هذا الثّالث، فإنّ من حقّ البائع الّذي اشترطه أن يمضي هذا البيع على المشتري وإن كرهه، ولا مقال للمشتري لأجل ردّ هذا الرّجل الثّالث له. وإن رضي الثّالث إمضاء البيع وردّه البائع، فإنّ للمشتري التمسّك بالبيع لأجل إمضاء الثّالث له لمّا تعلّق له به حقّ.
وكذلك إذا اشترط هذا المشتري رضي رجل ثالث، فإنّ هذا الثّالث إن أمضى البيع وردّه المشتري، فإنّ للبائع أن يطالب المشتري بإمضائه، لجرى (٢) في المشتري على الأسلوب الّذي قدّمنا في البائع. ويتعلّق هؤلاء بقوله في المدوّنة: إن اشترط البائع رضي فلان فرضي البائع أو رضي فلان، نفذ البيع. فقصد اعتبار السبق على الإمضاء لا على الفسخ.
стр. 1764
والأظهر من هذه التأويلات أنّه في المدوّنة فرّق بين البائع والمشتري.
وإليه يشير القاضي أبو محمّد عبد الوهاب، وذلك أنّه ذكر أنّ البائع إذا كان هو المشترط رضي هذا الثّالث، فإنّ له مخالفة هذا الثّالث. وإن كان المشتري هو الّذي اشترط رضي هذا الثّالث، فإنّ ابن القاسم اختلف هل له مخالفة هذا الثّالث أم لا؟ فأشار إلى ارتفاع الخلاف في جنبة البائع وحصوله في جنبة المشتري.
واعتُلّ بالمساواة بينهما، في كون كل واحد منهما له مخالفة هذا الثّالث، بأنّ هذا الثّالث فرع عنهما, ولا يمكن أن يثبت الحقّ للفرع ولا يثبت للأصل.
واعتلّ للتّفرقة بأنّ البائع أقوى سببًا من المشتري لكون الملك ثابتًا له، فلا يكون غيره أكثر تحكّمًا في ملكه الثّابت منه هو في نفسه. والمشتري لا ملك له على المبيع، وعقده لأجل الخيار محلول، ولا يملك التحكّم في هذا وهو لم يستقرّ ملكه عليه دون من اشترط رضاه.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى فرق آخر، فقال: إنّ المشتري إذا اشترط رضي فلان، فإنّه يمكن أن يكون اشترى له شراء وكالة. وإذا اشترى له شراء وكالة على أنّ الخيار له، فإنّه لا يختلف في أنّه لا يتحكّم في هذا دون من اشترى له هذه السلعة على الخيار. وإذا كان فعله محتملًا لوجه يتّضح أنّه لا ينفرد فيه بالخيار، حمل على كونه لا ينفرد بالخيار على الإطلاق. والبائع لا يتصوّر هذا فيه غالبًا لأنّ السلعة في يديه، واليد دليل الملك، والإنسان إذا باع ملك نفسه، فلا يقال: إنّه باع ذلك لغيره.
فأنت ترى كثرة هذا الإضطراب في ضبط المذهب. وإنّما ذكرناه حتّى يتحقّق عندك ما قدّمناه من كون المذهب قد يعسر ضبطه في هذه المسئلة على التّحقيق.
ولو لم يجعل للثّالثّ إلاّ المشورة، فإنّ الظّاهر من المذهب أنّ هذا الإشتراط لا يلزم مشترطه لإشعار المشاورة بجواز المخالفة. بخلاف أن يشترط رضاه أو خياره.
стр. 1765
ونقل الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد أنّ ابن مزين حكى عن ابن نافع أنّه يرى لفظ المشورة كلفظ الخيار والرّضا.
وتعقّب عليه هذا النّقل بأنّ الّذي ذكر ابن مزين عن ابن نافع أنّه باع على مشورة فلان، على أنّ فلانا إن أمضى البيع بينهما، وهذا يقتضي وقف البيع على اختيار فلان، بخلاف اشتراط المشورة لفظًا مطلقًا غير مقيّد بما ذكرناه.
وقد قال الشيخ أبو سعيد بن أخي هشام: لو مات الثّالث المشترط له الخيار لا يفسخ البيع، لكونه موقوفًا على رضي رجل يستحيل بعد موته أن يعلم رضاه. وهذا الّذي قاله إنّما يتخرّج على أحد الطرق الّتي قدّمنا، وهي كون الحكم يقتضي قصد الإمضاء والإجازة على اختيار هذا الثّالث.
وقال بعض الأشياخ: لو وكّل رجل رجلًا على أن يشتري له فاشترى له الوكيل على خيار آخر - لم يجز ذلك لأنّه كوكالة منه، وليس للوكيل أن يوكّل.
والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: إذا أمر رجل رجلًا أن يشتري له سلعة على البتّ فاشتراها، واشترط على بائعها أن يريها لغيره، فضاعت بيد هذا المأمور. فإنّ مالكا ذكر في الموازيّة أنّ الضّمان من الأمر (١). وقدّر أنّه لو اشتراها على البتّ على حسب ما أمره من وكّله، لكان ضمانها من الآمر. فإذا اشترط للآمر الخيار فما زاده إلاّ خيرًا.
وذهب ابن الموّاز إلى كون الرّسول متعدّيًا، يكون ضمانها منه لمخالفة أمر الآمر. إلاّ أن يكون بيّن للبائع أنّ فلانا بعثه ليشتري له ما اشتراه، فإنّه يسقط الضّمان عن هذا الرّسول ويكون ضمانها من بائعها. وهذا الإختلاف الّذي وقع بين مالك وابن الموّاز قد ينصرف إلى أنّ اشتراط الخيار يفتقر فيه إلى زيادة في الثّمن، فيكون هذا تعدّيًا على الآمر لكونه لو لم يشترط الخيار لاشتراها بأقلّ مِمّا اشتراها به، أو يكون لا زيادة في الثّمن لأجل الخيار، فيكون الحكم ما قاله مالك لا سيما على طريقة من رأى أنّ اشتراط ما لا يفيد لا يقضى به.
стр. 1766
وقد عورض ابن الموّاز في قوله: إنّ الضّمان من البائع، إذا أعلمه المشتري بأنّه وكيل، لأجل أنّ إعلامه بأنّه وكيل لا يسقط تباعة البائع عنه، إلاّ أن يصرّح بأنّه رسول لا تباعة عليه. فيقول: أرْسَلني فلان إليك لتبيع منه. وقد جرى بالقيروان قديمًا سؤال يتعلّق بهذا ذكره عمرون في كتابه وغيره. وهو أنّ السماسرة إذا طاف أحدهم بالسوق وقد أمره رجل بأن يشتري له سلعة، فقال: من عنده كذا؟ سلعةً سمّاها. فاستدعاه أحد التّجار فأعطاه ما طلب، فضاع في يد السمسار. فقيل: إنّ ضمانه من الّذي أرسله لأنّه وكيل له وليس بوكيل لدافع السلعة إليه. والفقه في هذا يتّضح إذا اتّضح من هو وكيل له. والّذي يتحقّق أنّه وكيل له، يكون الضّياع منه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: الخيار يقتضي كون من هو له الإجازة أو الرّدّ. وذلك يكون منه بالنّطق والنّص على أحد الوجهين. فإن كان منه الأمر كذلك، فلا خفاء بأنّه يقضى بمقتضى ما اختار. أو يكون ما يدلّ منه على أحد الأمرين، وذلك على وجهين ترك وفعل.
فأمّا التّرك فمثل أن تذهب أيّام الخيار والمدّة الّتي جعلا الخيار إليها، فلا يكون مِمّن له الخيار نطق ولا إحداث فعل، فإنّه قد يستدلّ بتركه على قصده: فإن كان الخيار للبائع والسلعة في يده، كان مضيّ أمد الخيار دليلًا على أنّه اختار الفسخ. إذ لو اختار الإجازة لاستدعى المشتري لقبضها وصرفها إليه، أو أشهد بالإجازة. وإن كانت في يد المشتري، كان ترك ارتجاعها واستدعاءِ البائع ردّها دليلًا على أنّه اختار الإجازة للبيع.
وإن كانت السلعة بيد المشتري والخيار له، فإن إبقاءها في يديه دليل على اختياره الإجازة، كما أنّ إبقاءه لها في يد من باعها دليل على أنّه اختار الفسخ وجملة الأمر أنّ السلعة تبقى لمن هي في يديه، على مقتضى ما ذكرناه.
فأمّا إن أحدث المشترط للخيار فعلًا، فالّذي ينبغي أن يَعتمد عليه من أراد معرفة وجوه الرّوايات في هذا، والتّحقيقَ في الفتوى في هذا الّذي يحدث،
стр. 1767
أن ينظر إلى الفعل الّذي أحدثه مشترط الخيار. فإن وجده في العادة لا يقع إلاّ وهو دالّ على الإجازة أجزت. وإن كان دالاّ على الفسخ فسخت. وإن أشكل الأمر، لم يسقط حق من له الخيار بالتّجويز والاحتمال، ويبقى على حقّه، وينظر في الإستظهار عليه باليمين، على حسب ما ننبّهك عليه. وهكذا ينبغي أن يسلك فيما وقع من الاضطراب والاختلاف فيما يدلّ على سقوط القيام بالعيب أو القيام بالشّفعة. وسننبّه على هذين الفصلين في موضعهما إن شاء الله تعالى.
فمن الأفعال الّتي يحدثها من له الخيار الإعتاق، والكتابة، والاستيلاد على أنّه أمضى الشّراء، ومن البائع، إذا كان الخيار له، على أنّه فسخ العقد.
وإنّما كان الأمر كذلك لما قدّمناه من كون هذه المعاني إنّما يفعلها المالك، فإذا فعلها فيما لم يتقرّر ملكه عليه (تقرّرًا لا خيار فيه) (١)، فإنّها تدلّ على رضاه بالملك لما فعل ذلك (منه) (١).
ولو كان الخيار للمتبايعين جميعًا، فوقعت هذه الأفعال من أحدهما، لدلّت أيضًا على قصد الفاعل حسب دلالتها على قصده لو انفرد باشتراط الخيار.
لكن مِمّا يشكل إذا عُرض على هذا الأصل لو أنّ رجلًا اشترى أمة بعبد، على أنّ الخيار له، فأعتقهما معًا في لفظ واحد، فإنّ الإشكال قد يعرض ها هنا إذا عرضت هذه المسئلة على الأصل الّذي قدّمناه، من جهة أنّا قلنا: إنّ العتق علم على الرّضى بالتمسّك بإمضاء العقد. وهذا المشتري له الخيار فيما باعه، وهو العبد، وله الخيار فيما اشتراه، وهي الأمة. فإذا أعتق عبده قدر ذلك رضىً منه؛ بفسخ البيع فيتمّ عتقه فيه. وإذا أعتق الأمة الّتي اشتراها قدّر ذلك رضي منه بقبولها وإمضاء الشّراء لها، فيتمّ عتقها. وتقديرنا أنّه إمضاء الشّراء فيها يتضمّن أنّه سلم الملك في العبد لمن باعه منه، وتسليمه لذلك يمنع من نفوذ عتقه، ونفوذ عتقه يدلّ على فسخه للعقد، وذلك يمنع من نفوذ عتقه في الأمة. فمن
стр. 1768
أجل هذا التّدافع في الدّلالة على القصود (١) إذا عرض على ما قلناه يقع الإشكال. لكن بعض أشياخي مال إلى إنفاذ عتقه في عبده، لكونه قد علم أنّ أصل الملك له، وهذا الّذي علم من كون الملك له في الأصل يقتضي إنفاذ عتقه، ولا يرد مقتضى هذا الأصل بأمر محتمل ومشكل، ويقدّر أنّه لمّا أعتق الأمة، صار بعتقها ملتزمًا بتسليم ملك عبده لسيّدها، فإذا أعتق العبد، صار كمن أراد أن يملك الأمة بغير عوض، وهذا لا سبيل إليه.
وهذه المسئلة ينظر فيها، ينفذ عتق العبد لأجل هذا الّذي وقع فيه من تدافع الأحكام، فيغلَّب إيقاع العتق لحرمته، على ردّه. كما قيل فيمن قال: إن بعتك فأنت حرّ: إنّ الأحكام تتدافع أيضًا، ولكن مع تدافعها يغلّب إيقاع العتق إن شاء الله تعالى. وتعتق الأمة لكون بائعها سلّمها إليه ومكّنه من التصرّف فيها بحكم الخيار. وهذه مسئلة تعرض أيضًا على أصْلٍ سنبسطه، إن شاء الله تعالى. وذلك أنّ بيع الخيار مِمّا اختلف النّاس فيه.
وللشّافعي فيه ثلاثة أقوال، أحدها أنّ الملك ينتقل فيه بنفس العقد.
والثّاني أنّه مترقّب، فإن أُجيز البيع، كشف الغيب أنّ الملك لم يزل (٢) من حين العقد، وإن فسخ العقد، كشف الغيب أنّه باق على الملك الأوّل كما كان.
والقول الثّالث أنّه إنّما ينتقل بانقطاع الخيار في عقد متقدّم.
ومذهبنا نحن يتخرّج فيه اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى.
وأبو حنيفة يرى أنّ الملك لا ينتقل إلاّ بانقطاع الخيار، إلاّ أن يكون الخيار للمشتري، فيقدّر المبيع غير مملوك للبائع لكونه قد جعل الخيار فيه لغيره، ولا مملوك للمشتري أيضًا لأنّه لم يختر الإمضاء.
والشّافعيّة تفرّع هذه المسئلة على الثلاثة مذاهب، فتقول: إن قلنا بأحد الأقوال الثّلاثة، فجميعها يقتضي نفوذ عتق البائع إذا كان الخيار له، لكون
стр. 1769
الملك لم ينتقل عند من اعتبر في انتقاله انقطاع الخيار، والعتق حصل فيه قبل أن ينقطع، ولا عند من جعله مترقّبًا, لأنّ ما يترقّب من الإمضاء لم يحصل، ولا عند من جعله ينتقل بنفس العقد, لأنّ للبائع الخيار في الفسخ في العقد، وإعتاقه العبد فسخ للعقد.
لكن لو كان الخيار للمشتري خاصّة، لم ينفذ عتق البائع فيه, لأنّ إمضاء عتقه إبطال لحقّ المشتري المتقدّم على العتق، فليس للبائع أن يحدث ما يبطل حقّ المشتري من إجازة الشّراء أو إمضائه (١).
لكنّه عندنا إن ردّه المشتري عليه، نفذ عتقه فيه.
وأطلق بعض الشّافعيّة القول إنّ عتق البائع لا ينفذ إذا كان الخيار للمشتري خاصّة. وإذا كان الخيار للمشتري خاصّة، نفذ عتقه فيه لأنّه استحقّ الإمضاء، والعتق علم عليه، على الأقوال الثّلاثة أيضًا.
ولو كان الخيار للبائع خاصّة فأعتقه المشتري، لكان عتقه لا ينفذ إذا اختار البائع فسخ العقد. وأمّا إن اختار إمضاء العقد، فإنّه يتخرّج على القولين.
فإذا قلنا: إنّ الملك إنّما ينتقل بانقطاع الخيار، لم يلزم عتق المشتري لكون عتقه لم يصادف الملك. وإن قلنا: إنّ الملك ينتقل بنفس العقد حتّى يرفعه الفسخ، فإنّه ينفذ عتق المشتري فيه.
وأمّا إن اختار البائع الفسخ، فإنّا إن قلنا: إنّ الملك لا ينتقل إلاّ بانقطاع الخيار، أو قلنا: إنّ الملك مترقّب، فإن أمضى البيع فكأنّه لم يزل ملكًا للمشتري من حين العقد. وإن فسخ البيع فكأنّ العقد لم يكن. فإنّه يتّضح على هذا أنّ عتق المشتري غير نافذ.
وإن قلنا أنّه ينتقل بنفس العقد، فها هنا اختلف النّاس في التّخريج على ذلك عند الشّافعية. فذكر عن الشّافعي أنّ العتق لا ينفذ لكون الملك، وإن انتقل
стр. 1770
بالعقد، فإنّه ملك غير تامّ، فإنّه لا يقع فيه العتق. وحكى ابن شريح، من أصحابه: أنّ العتق ينفذ. فكأنّ الشّافعي رأى أنّ المشتري ممنوع من التصرّف فيه بالبيع والإجارة، إذا كان الخيار للبائع خاصّة، والمالك لا يمنع من التصرّف، فدلّ أنّ ملكه غير تامّ، فاقتضى هذا ردّ العتق. ولأنّ العتق لو نفذ لمنع من حقّ تقدّم للبائع، وهو الفسخ. وليس للمشتري أن يمنعه من حقّ استحقّه البائع بالعقد وانفرد ابن شريح بهذا المذهب دون الشّافعيّة. لكنّ أبا حامد نصره واختاره، وأشار إلى أنّ المشتري إذا كان له الخيار وللبائع أيضًا، فاختار المشتري الإجازة، فإنّ ذلك لا يمنع من الفسخ الّذي يستحقّه، لكون الخيار له، فكذلك يجب في العتق ألاّ يمنع البائع من حقّه في الفسخ، لكون العتق علمًا على الإجازة. فإذا كان نفس الإجازة تمنع البائع من الفسخ، فكذلك ما هو يحلّ محلّ الإجازة، مع كون البائع غير ممنوع من حقّه في الفسخ، ولكنّه إذا وقع الفسخ لأجل حقّه فيه، صادف العبد، المفسوخ فيه البيعُ، حرًّا، لا يمكن ردّه.
فيلزمه ردّ قيمته لتعدّيه في إفاتته على مستحقّه. ونحن قد كنّا قدّمنا الكلام على من اشترى أمة بعبد على أنّ الخيار له فأعتقهما معًا، وترجّحنا (١) في المسئلة، وحاولنا تخريج خلاف فيها، وإلزامَ المشتري عتق العبد والأمة جميعًا، لكون العبد تدافع فيه حكمان ردّه وعتقه، فغلّب العتق، وهذا الّذي حكيناه عن ابن شريح فيه إشارة إلى هذا المذهب من كون بائع العبد له ارتجاعه، ولكنّه لمّا وجده معتقًا، لم يمكّن منه، واستحقّ قيمته.
وأمّا وطء المشتري لها، والخيار له، فإنّه يرتفع الحدّ. ولو قلنا بأحد الأقوال الثّلاثة من أنّ بيع الخيار لا ينتقل فيه الملك للمشتري إلاّ عند إمضاء البيع؛ لأنّ وطأه وقع بشبهة، والحدود تدرأ بالشّبهات.
وقد ذكر في الموازية فيمن باع أمة واحتبسها بالثّمن، ثمّ وطئها بائعها، أنّ الحدّ يدرأ عنه بالشبهة، لأجل الاختلاف في كون ضمانها منه أو من
стр. 1771
المشتري. ورأى أنّ هذا الإختلاف في الضّمان شبهة، مع كون الملك قد انتقل للمشتري انتقالًا محقّقًا بغير خلاف. فما اختلف فيه، هل هو باقٍ على ملك البائع أم لا؟ أَحْرَى أن يسقط فيه عن الواطىء لكونه قد ملك (١) من وطئه، على أحد الأقوال.
وهكذا حكى أبو الفرج عن مالك فيمن اشترى أمة بالخيار له، فوطئها البائع، أنّه لا حدّ عليه.
ولو حملت من وطء البائع الّذي وطئها، والخيار للمشتري خاصّة، أو من وطء البائع المحتبس لها بالثّمن، لجرى حكمها حكم الأمة المستحقّة إذا استولدها مشتريها. وقد أشار أبو حامد الإسفراييني إلى ارتفاع الخلاف في الحدّ، على الأقوال الثّلاثة في الملك في بيع الخيار، وأجرى الخلاف في الولد على حسب مقتضاها، على الطّريقة التي أريناك من تخريج الخلاف في العتق عليها.
وأمّا لو وطئها المشتري والخيار له خاصّة، فإنّه لا خلاف عندنا في أنّ ذلك رضي منه، كما قلناه في إعتاقه لها.
وبين أصحاب الشّافعي اختلاف في كون الوطء الواقع من المشتري رضىً بإجازة البيع أم لا؟ فذهب أبو سعيد منهم إلى أنّه رضىً منه كالعتق. وذهب أبو إسحاق إلى أنّه ليس برضى بخلاف العتق. وفرّق بينهما بأنّ الموطوءة يمكن ردّها إلى الملك، والمعتقة لا يمكن ردّها إلى الملك، فلا يعدّ وطء مشتريها
بالخيار رضىً بالبيع.
ونحن كنّا قدّمنا أنّ المعتمد على ما تقتضي العوائد كونه علَما على الإجازة أو الفسخ وسَواء في ذلك البائع أو المشتري.
وأصحاب الشّافعي متّفقون على تسليم هذا لنا في جنبة البائع ومختلفون في المشتري. فمنهم من أجراه مجرى البائع على حسب ما صرنا نحن إليه.
ومنهم من يجريه مجراه إلاّ فيما لا يمكن ردّه إلى الملك كالمعتق. وإمّا
стр. 1772
يمكن (١) ردّه إلى الملك فإنّه لا يكون رضي كالوطء والبيع.
واعلم أنّ المذهب عندنا على قولين في البيع إذا وقع من المشتري بالخيار، هل يعدّ ذلك رضي منه بالإجازة، أو لا يعدّ ذلك منه رضي بالإجازة؟ كما حكاه في المدوّنة عن ابن زياد عن مالك: أنّه لا يبيع حتّى يختار. فإن باع فإنّ البائع بالخيار في أن يردّ بيعه أو يجيزه ويأخذ الثّمن الّذي باع به المشتري.
وأنكر سحنون تخيير البائع المذكور في هذه الرّواية، وإنّما سلم منها كون الرّبح الّذي يحصل للمشتري يستحقّه البائع. ولم يسلّم تمكينَه من فسخ البيع إذا أقرّ أنّه باع قبل أن يختار. وأمّا إن زعم أنّه لم يبع إلاّ بعد أن اختار، فإنّ القول قوله مع يمينه ويكون الرّبح له.
واعتلّ ابن الموّاز في منع المشتري من الرّبح بأنّ تمكين المشتري منه منهيّ عنه للحديث الوارد بالنهي عن ربح ما لم يضمن (٢).
وقد ذكرنا عن أصحاب الشافعي أنّ عندهم قولين في بيع المشتري بالخيار، هل يكون رضي بالإجازة أم لا؟ كما حكينا الخلاف فيه أيضًا عن مذهبنا؟ وقد يهجس في النفّس أنّ الخلاف إنّما وقع عندنا في البيع، هل يكون رضي أم لا؟ لكون المبيع بالخيار مِمّا يمكن ردّه بعد أن يباع، على حسب ما حكيناه عن بعضهم في تعليله المنع من كون الوطء رضي بخلاف العتق. وسلوك هذه الطّريقة تقتضي أن يكون عندنا اختلاف أيضًا في وطء المشتري. لكن العذر عن هذا عندي أنّ وطء المشتري لها يوجب المنع من ردّها على بائعها حتّى يستبرىء. فقد صار المشتري أحدث ما منع من ردّها، فأشبه ذلك العتق المتّفق على أنّه رضىً لكونه مانعًا من الرّدّ. وإن كان العتق يمنع من الرّدّ منعًا مؤبّدًا، والوطء يمنع منه منعًا مؤقّتًا، وقد يكون مؤبّدًا إن حملت من الوطء.
وهذا المنع يوجب غرامة ما منع المتعدّي من تمكين مالكه.
стр. 1773
كما أنّه أيضًا يقال في الإعتراض على الشّافعيّة: إنّهم يرون أنّ الزّوج إذا طلّق طلقة رجعيّة، فإنّ وطأه لا يكون ارتجاعًا. وهم مختلفون في وطء المشتري بالخيار، هل يكون رضي أم لا؟ فيعتذرون على أحد القولين، والوطء لا يمكن الإشهاد عليه، والله سبحانه قد أوجب الإشهاد، فاقتضى هذا أنّ ما لا يمكن الإشهاد عليه لا يكون ارتجاعًا. ووطء المشتري بالخيار لم يرد في الشّرع إباحته، مشترطًا في الإباحة الإشهاد عليه. فلهذا حسن الخلاف فيه عندهم، ولم يحسن في وطء المطلق.
وممّا أيضًا يقع الاعتراض فيه ها هنا أنّ المشتري إذا اشترى عبدًا بالخيار فأزوجه، فإنّ ابن القاسم جعل هذا رضي بالإجازة للشّراء. ولم يجعله أشهب علمًا على الإجازة، إذا حلف المشتري أنّه لم يرض بالشّراء.
والفرق بين المسئلتين أيضًا أنّ المشتري للأمة لمّا زوّجها. كان الحكم إذا فسخ النّكاح منع سيّدها منها حتّى تستبرىء من وطء الزّوج. والمنع من ردّها يوجب غرامة قيمتها. بخلاف العبد الّذي يردّ إلى سيّده على الفور.
إلى هذا الفرق أشار أبو القاسم بن الكاتب. وهو إنّما يتصوّر إذا دخل بها الزّوج. لكنه قد يقال: وإن لم يدخل بها الزّوج، فإنّ المشتري مكّنه من الدّخول لمّا زوّجه، والتّمكين من الدّخول يتضمّن المنع من ردّها فجرى العقد عليها للنّكاح مجرى الوطء لمّا كان يتضمّن الوطء.
وقد قيل: إنّ الفرق بين العبد والأمة أنّ العبد يحلّ عن نفسه بالطّلاق، والأمة لا قدرة لها على حلّ هذا العقد، فصار مشتريها أحدث مانعًا على التّأبيد.
وقد قيل: إنّ نكاح العبد كاشتراء متعة له، وهذا لا يقدّر رضي بالإجازة.
وإنكاح الأمة بيع لمنافع فرجها، والبيع علم على الرّضى، لا سيما مع كون نكاحها لا ينعقد إلاّ بإذن مالكها، فلمّا زوّجها المشتري. وفعل فعلًا لا يفعله إلاّ المالك، عدّ ذلك رضي منه.
وعندنا قولان أيضًا في رهن المشتري بالخيار ما اشتراه أو إجارته. فعدّ
стр. 1774
ابن القاسم ذلك رضي بالإجازة. ولم يجعله أشهب رضي بالإجازة، إذا حلف المشتري أيضًا على أنّه لم يرض.
وكذلك تزويج العبد عند ابن القاسم رضي. وليس هو رضي عند أشهب بعد أن يحلف أيضًا.
وكذلك اختلف ابن القاسم وأشهب أيضًا في السوم بالعبد وإسلامه للكتاب أو الصناعة. فقال ابن القاسم إنّ ذلك رضي، وقال أشهب ليس برضى.
وروي عنه أنّه استحلفه على أنّ هذة الأمور الّتي ذكرناها ليست برضى، كما استحلفه فيما قدّمناه من تزويج العبد وإجارته ورهنه. وفي بعض الرّوايات عنه ما ظاهره أنّه قصر اليمين على تزويج العبد وإجارته ورهنه.
وأمّا الجناية على العبد فإن كانت خطأ. فليستَ برضى. وإن كانت محمدًا فجعلها ابن القاسم, أيضًا، علمًا على القصد، يكون من المشتري رضىً بالقبول، ومن البائع رضي بالفسخ.
فأمّا جناية الخطإ فواضح أنّها لا تكون علمًا على القصد, لأنّ وصفها بكونها خطأ ينافى وصفها بالقصد إلى كونها علمًا على سخْط أو رضي. لكن روي عن ابن القاسم أنّه استحلفه في الخطإ. وإنّما استظهر عليه باليمين في هذا لإمكان ألاّ يكون.
وأمّا جناية العمد، فإنّ أشهب يقدّر أنّه قد (سقط عليها الغيظ) (١) من غير أن يخطر بالبال إمضاء المبيع أو ردّه. وقدّر ابن القاسم أنّه حين الجناية، وهو عالم أنّ ذلك لا يفعله إلاّ المالك، كالقصد إلى جعل الجناية علمًا على القصد.
وإذا وقعت من المشتري جناية، أتت على نفس العبد أو عابته عيبًا مفسدًا، فإنّ ابن القاسم قال: إنّه يضمن الثّمن. وقال سحنون: إنّه يضمن القيمة.
стр. 1775
وهذا الخلاف في جناية الخطإ، أو جناية العمد، على الخلاف أنّها ليست بعلم على الرّضى. أمّا إذا قيل إنّها علم على الرّضى، فإنّ الواجب الثّمن, لأنّ المشتري إذا رضي بالقبول لزمه الثّمن وصار جانيًا على ملكه. وقد قيل: إنّ مراد ابن القاسم بإلزامه الثّمن، القيمة، كما قال سحنون. وهذا لا يقتضيه ظاهر قوله، بل اسم القيمة تدلّ على مقدار ما يساوي الشّيء المقوّم. والثمن يدلّ على ما وقع التّراضي بكونه عوضًا.
وقال بعض المتأوّلين: لعلّه إنّما ألزم الثّمن لمن رضي بالقبول قبل أن يجني. وهذا تأويل فيه تعسّف.
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، هل يضمن الثّمن الّذي وقفت عليه أم لا؟ ولكن بعض أشياخي أنكر تخريج الخلاف في الجناية على ما اشترى بالخيار على الخلاف في مستهلك سلعة وقفت على ثمن. وأشار إلى أنّ المراد بقوله: وقفت على ثمن، ما تمالأ عليه جماعة من المشترين حتّى صار ذلك كالعاطل (١). وهذا الّذي أشار إليه لا يمنع أيضًا من أن يجري البائع بالخيار على ثمن سمّاه مجرى الممنوع بإتلاف المشتري ما اشتراه منه, لأنّه إذا باع السلعة بالخيار له بثمن التزمه مشتريها منه فأتلفها مشتريها منه، فإنّه قد منع البائع بإتلافه مِمّا كان من حقّ البائع أن يلزمه إيّاه.
ولو كانت الجناية من البائع والخيار له وقبل البائع العبد، فلا مطالبة للمشتري عليه, لأنّه كان قادرًا على فسخ البيع ومنع المشتري من المبيع.
فإذا كان الخيار للمشتري، والقتل خطأ وقع من البائع، فلا مطالبة للمشتري عليه, لأنّ المشتري لم يتقرّر له الملك فأتلفه عليه البائع فيطالب متلفه بما أتلف. لكن لو كان قتله البائع له محمدًا وقيمة العبد أكثر من الثّمن، لكان من حقّ المشتري أن يطالبه بزيادة القيمة على الثّمن، لكونه له عليه أن يوفّيه بما باعه منه، ويمكنه من قبضه. فإذا منعه من التمكّن منه والقبض، صار كالغاصب له.
стр. 1776
والغاصب يضمن ما غصب.
وإن كانت الجناية من المشتري، فقد تقدّم الكلام عليها خطؤها وعمدها.
وإن كانت من أجنبيّ أخذ (١) لها أرش، فإنّ المشهور من المذهب أنّ الأرش للبائع لكون الملك لم يتحقّق خروجه من يده، فعِوَض ما تلف منه عائد إليه. وإذا كان ضمان هذا المبيع منه، كان له نماؤه وعليه نقصانه.
وذهب ابن حبيب إلى أنّ الأرش للمشتري إذا أُمضِي له البيع، بناء على ما قدّمناه من الخلاف في كون بيع الخيار معقودًا حتّى يُحَلّ بالفسخ، أو مترقَّبا، فإذا وقعت الإجازة قُدِّر كأنّ العقد لم يزل مجازًا من وقت التّراضي. ولكنّ هذا التّخريج يقتضي أنّ العبد إذا مات في أيّام الخيار فأجيز البيع بعد موته فإنّ ضمان العبد من المشتري، لأنّه يقدر أيضًا كأنه مات بعد حصول انعقادِ منبرمٍ. ولكن هذا لم يذكره ابن حبيب ولا صار إليه، وكأنّه قدّر أنّ هذا الإختلاف في كون بيع الخيار منعقدًا أو غير منعقد أو مترقّبًا إنّما يتصوّر مع بقاء عين المبيع ووجود الغرض فيه، فإذا صار عدَمًا لم يكن هناك شيء يخيّر فيه. ولعلّ ابن القاسم سلك هذا المعنى في قوله: إنّ أرش الجناية للبائع؛ لأنّها أيضًا ثمن عضو قد عُدِم. وعلى مقتضى هذا قال الأشياخ: لو كان الخيار للمشتري وجنى جناية خطأً ثمّ قَبِل المشتري، فإن أرش الجناية للبائع، ويكون المشتري كأجنبيّ في هذا، لما قدّمناه من التّعليل. هكذا نصّ عليه ابن الكاتب وغيره من الأشياخ.
هذا حكم الجناية على العبد في أيّام الخيار.
وأمّا لو كان العبد المبيع بالخيار هو الجاني، فإنّ لسيّده أن يُسلِمه. فإن أسلمه والخيار له، عدّ ذلك ردًّا للمبيع. وإن افتداه عاد العبد إلى ما كان عليه من الخيار لبائعه في أن يمضي البيع على المشتري أو يفسخه. لكنّه إن كانت الجناية عمدًا صار ذلك عيبًا في العبد المبيع، وللمشتري أن يمتنع من القبول لحدوث هذا العيب.
стр. 1777
وأمّا إن كان الخيار للمشتري وافتداه سيّده، فإنّ المشتري باقٍ على خياره في أن يقبل العبد أو يردّه، كحكم ما قدّمناه في العيوب الحادثة في أيام الخيار.
وإن أسلمه سيّده، والثّمن أكثر من قيمة الجناية، فإنّ للمشتري أن يدفع الثّمن فيأخذ منه المجنيّ عليه قيمة جنايته، ويكون ما فضل من الثّمن لسيّد العبد. وليس لسيّد العبد أن يمنع من ذلك لكونه في منعه من ذلك مسقطًا لما ثبت من حقّ المشتري في القبول للمبيع، ومضرًّا بنفسه في إبطال دنانير يأخذها، وهي ما فَضُل عن قيمة الجناية، ولا غرض صحيح في الامتناع من هذه الفضلة من الثّمن.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: إذا ولدت الأمة الّتي اشتريت بالخيار، فإن اختير الفسخ، بقي الولد تبعًا في الملك لأمه. وإن اختير إمضاء العقد، ففي المذهب قولان.
مذهب ابن القاسم أنّ الولد للمشتري الّذي أمضى عليه العقد في الأمّ.
ومذهب أشهب أنّ الولد للبائع.
لكنّه ذكر في المدوّنة أنّ المتعاقدين يؤمران بأن يجمعا بين الأمّ وولدها.
فإن لم يفعلا نقض البيع.
واختلفت إشارة المتأخّرين في تأويل قوله: يجمعان بينهما. هل المراد جمعهما في ملك أو حوْز؛ وهذا يبيَّن أصلُه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف أيضًا في فسخ هذا البيع لأجل التّفرقة. فقيل بفسخه. وقيل: هذا لا يفسخ, لأنّ أصل البيع كان جائزًا لم يعقد على التّفرقة. ويقدح في هذا التّعليل بأنّ الحامل إذا كانت على الولادة، والمتعاقدان يعلمان أنّ الولد للبائع، صار كمن عقد على التّفرقة.
وقد عارض ابن أبي زمنين هذه المسئلة بأن قال: الحامل مريضة وبيع المريض لا يجوز عند أصحاب مالك. وأشار إلى أنّه يمكن أن يكون ما وقع
стр. 1778
من هذا الإختلاف، الّذي ذكرناه، محمولًا على أنّ هذه الأمة لم يعلم بحملها حين العقد.
وهذا الّذي اعتذر به فيه بعد، ولا يكاد يخفى حمل امرأة قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة إلاّ في صورة نادرة.
وهذا الّذي ذكره ابن أبي زمنين من كون أصحاب مالك يمنعون من بيع المريضة، والحاملُ مريضة. وقد ذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن عبد الملك بن الماجشون أنّ الحامل إذا جاوزت ستّة أشهر. جازت عطيّتها في الثّلث، كالمريضة. ومنع من بيعها إن كانت أمة كما يمنع من بيع المريض المدنف. وسنبسط الكلام على حكم الحامل في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأمّا سبب الإختلاف في كون الولد للبائع أو المشتري، فإنّه يلتفت فيه إلى أصلين، أحدهما: هل للحمل حصّة من الثّمن أم لا حصّة له من الثّمن؟ فإن قلنا: إنّ له حصّة من الثّمن، فينبغي ألاّ يختلف في كونه للمشتري.
لأنّه إذا كان له حصّة من الثّمن، صار المشتري كأنّه دفع الثّمن عن سلعتين، وهما الأمّ وجنينها. ومن اشترى بثمن واحد سلعتين فلا يقال: إنّ إحداهما تبقى للبائع. واستدلّ من قال: إنّ له حصّة من الثّمن، بأنّ اللّبن المغيَّب في الضّرع له حصّة من الثّمن، ألا تراه ﷺ حكم في المصراة إذا ردّت أن يردّ معها صاعًا من تمر عوض لبنها (١)، لكون اللّبن الّذي في الضّرع يجب أن يردّ للبائع إذا ردّت عليه، وما حدث بعد ذلك فهو للمشتري. فلمّا اختلط ما يجب ردّه وما لا يجب، عوِّض عن الجميع بصاع من تمر.
وإن قلنا: إنّ العمل لا حصّة له من الثّمن، كيَدِها أو رجْلها أو سمنها، فإنّه يجري حكم الولد على ما تقدّم من الاختلاف في بيع الخيار، هل هو محلول حتّى يعقد بالإجازة؟ فيقتضي هذا كون الولد للبائع, لأنّ البيع إنّما انعقد بعوإنفصال الولد عنها، فلم يشتمل العقد عليهما كما لم يشتمل على بيع أمة
стр. 1779
أخرى للبائع. وإن قلنا: إنّه معقود حتّى يحلّ بالفسخ أو إنّه مترقَّب، حسن ها هنا أن يكون للمشتري, لأنّه حدث بعد انعقاد البيع له.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنّ هذه الجارية المبيعة بالخيار لو كانت عَلِيّة، فإنّ للبائع مقالًا في هذا النّماء الحادث في أيّام الخيار، وذلك أنّ حملها عيب، فإذا وضعت زال هذا العيب، وزواله في الخيار كنماء حادث، والنّماء الحادث للبائع، كما أنّ النّقص عليه على ما سننبّه عليه إن شاء الله تعالى.
وقد يقال في (١) أنّ هذا النّماء ليس كالحادث لأنّهما حين العقد يظنّان أنّه يحصل بخلاف نماء حادث لم يخطر ببالهما حين العقد. وقد ذكرنا فيما قدّمنا المعتمد في اعتبار ما يكون رضي، وبسطنا القول في فروع هذا الباب.
وقد قال سحنون: كلّ ما كان إذا وقع من المشتري كان علمًا على القبول، فهو إذا وقع من البائع، والخيار له، كان علمًا على الرّدّ.
وهذا فيه نظر, لأنّ المشتري إذا اشترى بالخيار فأجّر المبيع، أو رهنه إلى انقضاء مدّة الخيار، فإنّ هذا قد لا يعدّ منه علمًا على القبول. وقد ذكر سحنون أنّ الغرس والبناء والهدم عَلم أيضًا على المقاصد إذا فَعَل ذلك من له الخيار.
وإن فعله من المتعاقدين من ليس له الخيار، فإنّه إذا انحلّ العقد بالفسخ أعطى قيمة بنائه منقوضًا لتعدّيه في البناء. ولم يجعل كون العقد والخيار لغيره، ويمكن أيضًا أن يُقْضَى عليه - شبهةً توجب إعطاعَه قيمة البناء قائمًا، لا سيما عند رأي أنّ بيع الخيار معقود حتّى يحلّ بالفسخ.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: إذا اختلف المتبايعان بالخيار فقال أحدهما: تعاقدنا على البتّ، وقال الآخر: بل على أنّ الخيار لي. فقال ابن القاسم: القول قول مدّعي البتّ. وقال أشهب: القول قول مدّعى الخيار.
وهذا الإختلاف بين المذهبين راجع إلى أصل معروف اختلف فيه ابن القاسم وأشهب.
стр. 1780
وذلك أنّ ابن القاسم يبعض الجُمَل، وإن سيقت في سياق واحد، فيعطي الجملة الأولى حكم نفسها. وإذا فعل ذلك فقد تصير الثّانية كالرّجوع عمّا تضمّنته الأولى. فإذا قال: بعتك هذا الثّوب، فإنّ هذه الجملة ظاهرها أنّها تستقلّ في بتات البيع. فإذا قرن بها جملة ثانية فقال: وشرطي في الخيار، صار ذلك كدعوى رفع بها حكم الأوّل فلا يقبل منه.
وقدّر أشهب أنّ الفائدة والعلم بالمقصد إنّما يحصل بعد استيفاء المتكلّم جميع الجمل. فإذا فرغ منها حكم عليه بما اقتضاه مجموعها, لأنّه لم يقرّ إلاّ على صفة أو شرط، فلا يؤخذ بأكثر مِمّا أقرّ به. فإذا قال: بعتك وشرطت الخيار، لم يتضمّن هذا الإقرار أكثر من عقد بخيار. فلا يقدّر أنّه صار مقرًّا مدّعيًا.
وهذا مثل اختلافهما في قول رجل: أخذت منك هذا المال وديعة؛ وقال الآخر: بل أسلفتك إيّاه. فإن ابن القاسم يقدّر أنّ إقراره تضمّن تسليم ملك ما أخذ للمقرّ له. فإذا سلّم ذلك، صار مُدَّعىً عليه أنّه ائتمنه عليه. فلا يقبل دعواه ما يرفع حكم تسليم الملك للمقرّ له.
وقدّر أشهب أنّه لم يقرّ له بتسليم الملك مطلقًا، بل على صفة، وهو كونه سلم ملكه إليه مؤتمنًا عليه.
ولم ينقل عنهما اختلاف فيمن قال: عندي لك دين وقضيتك إيّاه. لأنّ هذه الجُمل يترتّب بعضها على بعض في حكم العقل، فيترتّب أيضًا في حكم الشّرع. وذلك أنّه معلوم أنّ القضاء للدّين لا يكون إلاّ بعد استقراره في ذمّة، وإذا استقرّ في الذّمّة، فحينئذ يمكن قضاؤه. فيصير (١) المقرّ قد تضمّن إقراره بدين ترتّب في الذّمّة، ثمّ يدّعي أنّه قضاه بعد ذلك فلا يقبل منه، كما لو أقرّ بدين، إقرارًا مطلقًا، ثمّ زعم بعد مدّة أنّه قضاه. وهذا تبسط فروعه في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 1781
ولو كان اختلافهما بأن ادّعى كلّ واحد منهما الخيار لنفسه دون صاحبه، فإنّه اختلف في ذلك أيضًا.
فقيل: يتحالفان، ويحكم لمن أراد إمضاء البيع دون من أراد ردّه.
وقيل: يتحالفان، ويحكم لمن أراد ردّه دون من أراد إمضاءه.
وقال ابن الموّاز: القول قول من أراد إمضاء البيع.
وهذا الإختلاف راجع إلى ما قدّمناه، هل يقبل قول من ادّعى البتّ؟ فيقضى ها هنا لمن أراد الإمضاء على طريقة ابن القاسم. وإليها أشار ابن الموّاز, لأن من أراد الإمضاء، صار كمدّعي البتّ. لكن ابن الموّاز لمّا رأى أنّ أحد المتبايعين إذا ادّعى الخيار، وادّعى الآخر البت، فإنّ مدّعي البت يصدق مع يمينه عند ابن القاسم، ولا يستحلف مدّعي الخيار إذ لا فائدة في يمينه، إذا حلف مدّعي البتّ، أجاب ها هنا بأنّ الإقتصار على تحليف مدّعى الإمضاء خاصّة.
وقد أشار بعض حذّاق الأشياخ إلى أنّه لا وجه لما وقع ها هنا من أنّهما يتحالفان.
وعلى طريقة أشهب يكون القول قول من أراد الرّدّ, لأنّه إذا اختار الرّدّ، صار حين اختياره كمدّعي انعقاد البيع على خيار، ومن ادّعى انعقاد البيع على خيار لم يؤخذ عنده بأكثر مِمّا أقرّ به، لأجل ما قدّمناه، لا سيما إذا قلنا: إنّ بيع الخيار محلول حتّى يعقد بالإمضاء، فإنّ هذا يقتضي أنّ مدّعي الخيار ما أقرّ ببيع، ولا عقد قطُّ، فلا تقبل دعوى أخري عليه في ذلك. والّذي أشار إليه بعض الأشياخ من كون استحلافهما جميعًا لا وجه له. وأشار إلى أنّه يمكن أن يراد بالقول: يتحالفان، أنّ أحدهما يحلف، ولكن لمّا كانت يمينه باستدعاء صاحبه، وباختلاف وقع بينهما فيما اتّفقا على ثبوته واختلفا في محمله وهو الخيار، صارت يمين أحدهما يحسن العبارة عنها بالتّحالف.
стр. 1782
وهذا تأويل فيه تعسّف. فإن كان ما قيل من أنّهما يتحالفان أريد به أنّ تحالفهما يقع بعد سماع قول أحدهما: ردَدْتُ؛ وقول الآخر: أمضيت، فإنّه لا وجه له. وأمّا إن لم يقل واحد منهما ما عنده من ردّ أو إمضاء وقال: لا أبوح بما عندي إلاّ بعد أن أعرف هل القول قولي، فأحلف عليه أو أردّ اليمين فيه. أو القول قول صاحبي، وإنّما أحلف إذا نكل؟ فهذا يمكن أن يتصوّر فيه غرض يقتضي تحالفهما.
هذا قصارى ما يمكن عندي أن تصرف إليه الرّوايات.
والجواب عن السؤال الثّاني عشر أن يقال: الأصل الّذي يعتبر فيه حكم ما يضمن وما لا يضمن ممّا اختلف النّاس في ضمانه من هذه المعاني، كالرّهان والعواري وما يصنعه الصّنّاع، إلى غير ذلك ممّا في معناه، سنبيّنه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولكن نشير ها هنا إليه. فاعلم:
أنّ الوديعة متّفق على أنّه لا يضمنها من هي في يديه، لكون الملك لم ينتقل فيها إلى من هي في يديه، ولا قبضها من هي في يديه لمنفعة نفسه، بل لمنفعة ربها.
والمبيع بالخيار يعرض على هذا الأصل.
وقد ذكرنا ما وقع من الإضطراب في بيع الخيار، هل هو محلول حتّى يعقد؟ أو معقود حتّى يحلّ؟ وكيف جرت الحال فإنّ الملك لم ينتقل فيه انتقالاً تامّاً، ولكن يجب أن ينظر فيه من ناحية المنفعة فيه لمن تحصل. فإذا تقرّر هذا الأصل فاعلم:
أنّ المذهب أنّ السلعة المبيعة بالخيار إذا كانت في يد البائع فإنّ ضمانها منه، سواء كان الخيار له أو للمشتري أو لهما جميعاً. لأنّها إذا كانت في يديه وقلنا: إنّ عقد الخيار لا يقدّر عقداً إلاّ حين إمضائه، ولا ينقل ملكاً، فإنّه يتّضح كون الضّمان منه لتلف ملكه في يديه. وكذلك إن قلنا: إنّه منعقد حتّى يفسخ، فإنّه أيضاً لا يقتضي هذا الملكَ التّامّ للمشتري، وإذا لم يكن الملك تامّاً، بقي
стр. 1783
الملك على ما كان عليه، فيكون ضمانه من صاحبه.
وأمّا إن كان المبيع بالخيار في يد المشتري والخيار له، فإنّ المذهب أنّ ما يغاب عليه يكون ضامنًا له. ولا يصدق في ضياعه إذا لم تقم له بيّنة على ذلك.
فإن قامت له بيّنة بضياعه فذلك على قولين، فعلى أصل ابن القاسم يسقط الضّمان إذا قامت البيّنة، لكون الأصل سقوط الضّمان عن المشتري لأجل ما قدّمناه. وإنّما ضمن ها هنا للتّهمة أنّه أخفى المبيع وادّعى ضياعه مع كون هذا المبيع في يديه لمنفعة نفسه، وكون البيع فيه منعقدًا حتّى يفسخ على أحد
الطّرق.
وأمّا إن كانت السلعة في يد المشتري، والخيار للبائع خاصّة، فالمشهور من المذهب أيضًا أنّ المشتري ضامن لما يغاب عليه، لكون ذلك في يديه على جهة البتات، والعقد اللاّزم له الّذي لا قدرة له على حلّه.
وذهب ابن كنانة إلى أنّ الضّمان ها هنا من البائع. وكأنّه قدّر أنّ المنفعة في إيقاف هذا المبيع للبائع خاصّة دون المشتري, لأنّ المشتري قد قبض السلعة على أنّ ثمنها لازم له لا إنفكاك له منه إذا شاء البائع، فوقفه البائع عن التّصرّف فيها كما يتصرّف المالك، والانتفاع بها لمنفعة نفسه في تدبير رأيه في إمضاء البيع أو ردّه، وقد قدّمنا أنّ الضّمان تعتبر فيه المنفعة لمن هي، فيكون الضّمان منه، على حسب ما تقدّمت الإشارة إليه. فهذا سبب الخلاف الّذي وقع في المذهب في هذا الوجه الّذي عقد فيه الخيار للبائع خاصّة، وقد قبض المشتري السلعة.
وإذا علمت حكم ضمان الرقبة المبيعة كلّها، فإنّك تعلم من ذلك ضمان أجزائها. فإذا باع أمة على أنّ الخيار للمشتري أو للبائع أو لهما جميعًا، وكان ضمانها من المشتري إذا قبضها على حسب ما قدّمناه، اقتضى هذا أنّه إن حدث بها عيب في أيّام الخيار فإنّ مصيبة هذا العيب من البائع، كما لو ماتت الأمة.
стр. 1784
كانت مصيبتها منه. لكن يكون للمشتري الخيار في ردّها بهذا العيب، لكونه في ضمان البائع كما بيّناه. فصار كعيب بالجارية سبق العقدَ فإنّ له الرّدّ به. فإن رضي به المشتري ثمّ اطّلع على عيب قديم بعد إمضاء البيع، فإنّ له الرّدّ به، لكونه وقع العقد على أنّ المبيع سالم منه، وليس له أخذ قيمته كما سنبيّن في كتاب الرّدّ بالعيب هذا، إن شاء الله تعالى.
ولو حدث عنده عيب مفسد واطّلع على هذا العيب القديم، لجرى الأمر فيه على ما سنبيّنه من كونه بالخيار بين أن يأخذ قيمة العيب، أو يردّ الأمة ويردّ ما نقَصَ من ثمنها هذا العيب الحادث عنده. فإن اختار أخذ قيمة العيب قوّمت على أنّها بعيب الخيار، لكون العقد إنّما أمضي بعد الإطّلاع عليه والرضا به، فصار كمن اشتراها سليمة، فيقال: ما قيمتها بالعيب الحادث في أيّام الخيار؟ فإن قيل: مائة، قيل: ما قيمتها بالعيب القديم؛ فإن قيل: ثمانون؛ فقد تبيّن أنّ البائع أمسك مقدار خمسها, لكون العشرين من المائة خمسًا. فينظر إلى الثّمن الّذي عقد به، فإن وجدناه مثلًا خمسين دينارًا، حطّ عنه من الخمسين دينارًا خمسها, لأنّ البائع إنّما أمسك له ما هو عوض عن خمس الثّمن الّذي وقع العقد به. وإنّما رجعنا إلى القيمة حين العقد (١) البيع بذهاب أيّام الخيار، وبخروجها عن المواضعة إن كانت عليه، ليستدلّ بذلك على خمس الثّمن الّذي تراضيا به، لكونه قد يكون فيه غبن علي البائع أو المشتري.
وإن أراد أن يردّ ويردّ ما نقص. زدنا قيمة ثالثه، فقلنا: وكم تساوي إذا أضفنا إلى ما تقدّم هذا العيبَ الحادثَ عند المشتري؟ فإن قيل: ستّون دينارًا، فقد علمنا أنّه قد نقصها العيبُ الحادث عنده ربعَ ما حصل في يديه منها، ما يقابل الثّمانين دينارًا، والعشرون منها ربعها. وهي أيضًا خمس آخر من المائة، الّتي هي مبدأ التّقويم. فيكلّف المشتري أن يردّ معها مقدار خمس الثّمن كلّه أو مقدار ربع ما حصل عليه من الأمة، وذلك عشرة دنانير. فإذا اختار أخذ القيمة
стр. 1785
عوضَ العيب القديم كان عوضُ هذا العيب عشرة دنانير من الخمسين دينارًا.
وإن اختار أن يردّ ويردّ ما نقص عنده العيب الحادث، ردّ أيضًا عشرة دنانير وهي ربع الأربعين دينارًا الّتي كانت تستقرّ عليه إذا رجع بقيمة العيب. وهي أيضًا خمس الثّمن المتّفق عليه عند العقد.
ولو عقد بيع هذه الأمة المبيعة بالخيار عقدًا فاسدًا، لأجل اشتراط النّقد، أو لغير ذلك مِمّا في معناه، فإنّ الثّمن المتّفق عليه ساقط، ويجري الأمر فيها مجرى البيوع الفاسدة. فيفسخ البيع إن كانت قائمة، لم يحُلْ سوقها, ولا حدث عند المشتري عيب. فإن حال سوقها كان المشتري بالخيار بين أن يرضى بالعيب القديم الّذي اطّلع عليه، فتلزمه قيمتها يوم مصير مصيرها في ضمانه وقبضه لها.
فيقال: ما قيمتها بالعيب الحادث في أيّام الخيار؟ وبالعيب القديم الّذي اطّلع عليه المشتري بعد إمضاء الشّراء؟ فما قيل: إنّه قيمتها, لم يكن على المشتري أكثر منه، فإن شاء أن يردّها بالعيب القديم، كان له ذلك, لأنّ الرّدّ بالعيب لا يفتيه حوَالة الأسواق. هذا مذهب سحنون.
وذهب ابن القاسم وأشهب إلى أنّه إذا أسقط حقّه في القيام بهذا العيب القديم، وقام بحكم البيع الفاسد، فإنّه يلزمه قيمتها بعيب الخيار خاصّة، لكونه لما قدر على الرّدّ بالعيب القديم فعدل عن ذلك إلى إسقاط حقّه فيه، صار كالرّضا به، وكأن العقد وقع على الرّضا به، فتلزمه قيمة الأمة سالمة منه لكونه كالرّاضي به. وإذا قرّرناه كالرّاضي به، صار كعيب حدث، فإذا ألزمناه القيمة، فإنّما تقوم سالمة من العيب الذي حدث عنده. ولو أسقطنا عنه في التّقويم هذا العيب الّذي حدث عنده، لكنّا كمن قضى بأخذ قيمة العيب الّذي يطّلع عليه المشتري في البيع الصحيح ولم يحدث عنده عيب, لأنّ حطيطة مقداره من القيمة كحطيطة مقداره من الثّمن الّذي عقد به البيع الصحيح.
فإذا تقرّر حكم الضّمان في البيع الصحيح وحكم العيوب الحادثة في أيّام الخيار في البيع الصحيح أيضًا، وحكم ما حدث من العيب في البيع بالخيار إذا
стр. 1786
عقد على فساد، فإنّ إشارة الأشياخ اختلفت في ضبط المذهب في ضمان الأمة المبيعة على خيار بشرط النّقد.
فأشار بعضهم إلى أنّها إذا هلكت السلعة المبيعة بشرط النّقد في بيع الخيار، ولم تذهب أيّام الخيار، فإنّ المذهب لم يختلف في كون ضمانها من البائع, لأنّه إذا كان ضمانها من البائع في بيع الخيار المعقود على الصحّة، فأحرى أن يكون ضمانها من البائع في البيع الفاسد، لكون العقود الصحيحة توجب ضمان المشتري ما لا توجب العقود الفاسدة، كما تقدّم بيانه في موضعه.
وإنّما اختلف المذهب فيمن اشترى سلعة بالخيار، وضرب للخيار مدّة يجوز أن تضرب في عقد الخيار، فإنّ هذا قيل فيه: إنّ الضّمان من البائع، لما قدّمناه من التّعليل، وقيل: بل الضّمان فيه للمشتري. وأشار ابن سحنون إلى التّفرقة بينه وبين فساد بيع الخيار لأجل ما قارنه من شرط النّقد، لم (١) يفسد من قبل ذاته، ولكن من قبل امرئ (٢) آخر ضامّه، فلا يسري فساد ما ضامّه إليه، ويبقى على أحكام الخيار الصّحيح في كون الضّمان من البائع.
وأمّا ما اشترط فيه من الخيار أمد بعيد، فإنّ الخيار فسد من ذاته ليس من جهة معنى آخر سار إليه الفسادُ منه.
فإن فسد من ذاته، صار لا حكم له، وإذا لم يكن له حكم، صار المبيع بِيعَ بيعًا فاسدًا من غير خيار، فيضمن بالقبض على حسب ما توجبه أحكام البياعات الفاسدة.
وهذا الّذي بسطناه نحن مِمّا أشار إليه ابن سحنون يظهر وجهه على طريقة من يقول: إنّ من اشترط النّقد في بيع الخيار إذا أسقط مشترط النقد شرطه، صحّ العقد، كما يصحّ إذا أسقط مشترط السلف شرطه في البيع الّذي عقد على
стр. 1787
سلف، لكون الفساد لم ينصرف إلى الثّمن ولا المثمون والعقد، بل لمعنى آخر.
فكذلك يكون حكم هذا الفساد باشتراط النّقد في الخيار.
واعلم أنّه لو تنازع المتبايعان في الأمد الّذي هلك فيه المبيع في أيّام الخيار، فيقول البائع: هلكت السلعة بعد إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ. ويقول المشتري: بل هلكت قبل إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ. فإنّ القول قول البائع لكون المشتري يدّعي حلّ العقد الّذي كان بينهما.
وتأوّل هذا ابن أبي زيد على أنّ أيّام الخيار انقضت، واختلفا بعد انقضائها. وأمّا إن لم يتّفقا على انقضائها، فإنّ القول قول المشتري لكون البيع لم ينعقد. وسنبسط الكلام على هذا في كلامنا على اختلاف المتبايعين في موت العبد في أيّام العهدة.
وإذا ادّعى المشتري ذهاب العبد بالإباق، أو غير ذلك من الحيوان الّذي لا يغاب عليه، فإنّه يصدق في ذلك إذا لم يتبيّن كذبه.
بخلاف الموت إذا ادّعاه وهو بموضع لا يكاد يخفى، فإنّه لا يقبل قوله إلاّ أن يصدقه من حضر من العدول. واستظهر ابن حبيب عليه باليمين أنّ العبد ما أبق إلاّ قبل أن يختار إمضاء العقد. فإذا حكمنا بتصديق المشتري في دعواه الإباق، إذا لم يتبيّن كذبه، فإنّه أيضًا يستظهر عليه باليمين على صحّة ما قال.
وذهب بعض الأشياخ إلى أنّه يستحلف في هذا المتّهم وغير المتّهم.
وكذلك في دعوى ذهاب ما يستعار مِمّا لا يغاب عليه، أو يستأجر، فإنّه يستحلف المتّهم وغير المتّهم، لكون هؤلاء إنّما قبضوا ما قبضوه لمنفعة أنفسهم، وقد تعرّضوا للضّمان. بخلاف ما قيل في الوديعة من التّفرقة بين المتّهم وغير المتّهم، في كون من لا يتّهم لا يستحلف على الضّياع، لكونه أؤتمن على ما قبضه قبضًا لا منفعة له فيه مع كونه بعيدًا من الخيانة، فلهذا أسقط عنه اليمين. وسنبسط نحن هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. كما أنّا نذكر
стр. 1788
ها هنا سؤالًا ذكره في المدوّنة في كتاب بيع الخيار. ونبسط ما تعلّق به في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذلك أنّه ذكر في المدوّنة فيمن باع رقيقًا أو غنمًا على أنّه بالخيار إلى أن ينظر إليها فيرضاها أو يردّها. فذكر أنّه إذانظر إلى بعضها وسكت، ثمّ استوفى النّظر إلى جميعها. وقال: لا أرضى، فإنّ البيع لا يلزمه.
وذكر في الطّعام إذا نظر إلى بعضه فرضيه، ثمّ نظر إلى بقيّته فقال: لا أرضى، فإنّه تلزمه البقيّة إذا كانت على صفة ما رءاه فرضيه. لأنّ قوله لمّا رأى البعض: رضيتُه، وقد عقد على الكلّ، فإنّ قوله هذا كالنّطق بأنّه رضي بالكلّ.
ويعدّ قوله بعد هذا ندمًا منه.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنّه لو قال في العبيد والسلع، وقد رأى بعضها: رضيتُه؛ فإنّه يلزمه البقيّة إذا كانت مثل ما رضي. ولا يقبل قوله، لمّا رأى البقيّة، إنّي لا أرضى. ولا عذر له بأن يقول: ظننت أنّ الّذي بقي خير مِمّا رأيت. ولو قبل هذا منه لكان الطّعام والسلع فيه سيّان في قبول هذا العذر منه.
وإنّما افترق الجواب لافتراق السؤالين.
وذلك أنّه ذكر في الطّعام أنّه رضي ببعضه، ولم يذكر رضاه بالبعض في السلع. فلو أسقط في آخر السؤالين، ما أسقطه في الآخر من الرّضا، أو أثبت في أحد السؤالين من الرّضا ما أثبته في الآخر، لاستوى الجواب فيهما.
وقد يقال ها هنا إنّ الطّعام مِمّا لا تختلف الأغراض فيه اختلافًا بيّنًا، فالرّضا ببعضه رضا ببقيّته إذا كانت على صفته. والعبيد والسلع تختلف الأغراض فيهما اختلافًا بيّنًا، وقد يظنّ قوم أنّ هذا العبد مثل هذا، ويختلف شأنهما عند آخرين اختلافًا بيّنًا.
ولو أراد البائع أن يُلزم المشتري مقدار ما رضي به من الطّعام، وأسقط عنه المطالبة بما بقي مِمّا قال: لا أرضاه، فإنّ هذا يجري مجرى من اشترى طعامًا فاستُحِقَ من يديه بعضه، فإنّ المستحقّ إن كان كثيرًا، وهو مقدار الثّلث
стр. 1789
ونحوه عند ابن القاسم، فإنّه لا تلزمه البقيّة. وإن كان يسيرًا، كالخمس ونحوه، لزمته البقيّة. وما عدا الطّعام، من مكيل أو موزون أو عروض، فإنّ النِّصْف عنده في حكم اليسير، فلا يكون للمشتري مقال في ردّ ما لم يستحقّ.
ولو كان المشتري ها هنا أراد التمسّك بما رضيه من الطّعام وامتنع البائع، فإنّه لا يفرّق ها هنا بين القليل من الكثير من الطّعام، ولا في غيره من مكيل أو موزون، لكون البائع يعتلّ بأنّ المكيل والموزون، طعامًا كان أو غيره، إذا أفرد المعيب منه بالبيع دون السالم، لم يرغب فيه. وإذا أُضيف المعيب إلى السالم رغب فيه لتشابه أجزائه. بخلاف السلع. فإنّه يراعى في المعيب منها أكثر الصفقة أو أقلّها كما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثّالث عشر أن يقال: إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا بالخيار، ثمّ اشترى من رجل ثوبًا آخر بالخيار فاختلطا عليه، فإنّه اختلف في هذا. فذكر مالك أنّه يضمن بالغلط ها هنا. وذكر ابن كنانة، في كتب المدنييّن، أنّه لا يضمن.
فإذا قلنا بالضّمان. فإنّ مالكًا قال: يضمن الثّمن إذا تقارّا على الأثمان، وادّعى كلّ واحد من المتبايعين الثّوب الأرفع، ولم يعلم المشتري الصادقَ منهما, لأنّه لو علم بذلك لكان القول قوله في تعيين مالك لّ واحد منهما؛ كما قدّمناه قبل هذا، في كون المشتري مصدقًا في عين ما اشتراه بالخيار إذا ردّه على
بائعه.
وأمّا ابن كنانة فأسقط الضّمان عن المشتري، وقضى عليه بردّ الأرفع الّذي تنازع فيه البائعان، فيتحالفان ويتقاسمانه، كالحكم في مال يدّعيه رجلان، ويبقى الثّوب الّذي (.....) (١) البائعان على أنّه ليس ثوبهما موقوفًا حتّى ينظر فيمن يدّعيه.
وسبب هذا الإختلاف الإلتفات إلى حكم ما أتلف غلطًا، فإنّه إن وقع
стр. 1790
وقوع الغلط والخطأ فيما أذن الشّرع في التصرّف فيه كالعمد في تلف الأموال، كمن تصرف في الطّرقات الّتي أباح الشّرع له التصرّف فيها ولغيره من النّاس.
فمن عثر على مال فأتلفه فإنّه يضمنه، لمّا دعت الضّرورة إلى صيانة الأموال عمّا لا قدرة عليه لمالكها في صيانتها.
فإذا كان الخطأ على إذن خاصّ وقع في هذا الإختلاف. كما اختلف المذهب عندنا فيمن أذن لرجل في دخول بيته فمرّ على مال فأتلفه غلطًا منه.
وحسّن الخلاف في هذا لكون المالك قادرًا على أن يصون ماله عن هذا الّذي زعم أنّه أتلفه غلطًا بأن لا يأذن له في دخول بيته.
وكذلك ما نحن فيه قد سلّم كلّ واحد من المتبايعين ثوبه للمشتري بالخيار مع تجويزه أن يشتري ثوبًا غيره، فيختلط عليه الثّوبان. فصار كالدّافع عنه بإذنه عهدة النّسيان والغلط.
أو يقال: إتلاف المال غلطًا كإتلافه عمدًا، والبائع لم يأذن له فيما يؤدّي إلى تلف ماله، فاستوى العمد فيه والخطأ، كما قلناه في الإذن العام.
وإذا قلنا بأنّه يضمن الثّمنين، فإنّ له أن يدفع الثّوب الأرفع، الّذي تداعى فيه البائعان لأحدهما، ويغرم للآخر ثمن الثّوب، لأجل أنّه لو أراد التمسك بكلّ واحد من الثّوبين ودفع ثمنه لبائعه، لم يكن لبائعه أن يمنعه من ذلك. فإذا أسلم لكلّ واحد الثّمن، الّذي اشترى به ثوبه منه، لم يكن للبائع مقال. وكذلك إذا أسلم أحدَهما ثمن الثّوب صار كراضٍ باشترائه. وإذا ردّ على أحدهما الثوب الجيّد صار كمن فسخ البيع فيما اشتراه بالخيار.
ولو اختلف ثمن الثّوبين، لكان أيضًا الحكم كذلك في تخييره بين أن يغرم لكلّ واحد الثّمن الّذي عقده به، أو يضمن لأحدهما الثّوب ويعطي للآخر هذا الثّوب الأرفع الّذي تنازعا فيه، لأجل ما ذكرناه من التّعليل في كونه محكَّما في إمضاء الشّراء أو ردّه.
وقد ذكر ابن كنانة أنّ المشتري لو قطّع أحد الثّوبين، وأتى بالآخر ليردّه،