← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بفوت يمنع الرد. وهو بالخيار. إن شاء رده وما نقصه العيب عنده، وإن شاء تمسك به وأخذ الأرش. قال الإِمام ﵀ يتعلَّق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما أقسام العيوب الحادثة عند المشتري؟ ٢ - وما حكم كل قسم منها؟ ٣ - وما وجه إسقاط مطالبة المشري بالعيب اليسير إذا حدث عنده؟ ٤ - وما الدليل على ما ذكره القاضي أبو محمَّد من تخيير المشتري؟ ٥ - وهل بي سقط التخيير بإسقاط البائع طلب قيمة العيب الحادث؟ فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: العيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام: عيب يسير ومثله في المدونة بالحمى والصداع والرمد والكي والدماميل. وأشار إلى كل عيب محتقر لا يؤثر كبير نقص في، الثمن. وقد خولف في أحد ما مثل به وهو الحمى. فرأى سحنون أئَّها ليست من العيوب اليسيرة التي يعفى عنها. وأشار بعض الأشياخ إلى أنَّ مراد ابن القاسم الحمَّى اللطيفة التي يقرب زوالها وانقشاعها. وكذلك الرمد يختلف حاله. وذهب ابن كنانة إلى التوقف عن الرد للمبيع حتَّى ينكشف حال المرض، هل يموت العبد أو يفيق؟ وهو اختيار بعض أشياخي فيما ذكره ابن القاسم في المدونة في الرمد والحمى. وفي رواية ابن القاسم أنَّ المرض لا يمنع من الرد إلَاّ أن يكون مخوفا. وبالجملة فإنَّ مرجع الاختلاف والاضطراب في هذه المسائل راجع إلى ما يغلب على ظن الفقيه: من كون العيب الحادث يبطل الغرض المقصود فيمنع من الرد ويوجب قيمة العيب، أو لا يبطل الغرض المقصود فيثبت الخيار بين الرد وغرامة قيمة العيب الحادث، أو التمسك وأخذ قيمة العيب القديم، فيما غلب على ظنه من هذه الأحوال حكم للعيب بحكم ما قيل فيها. (١)

стр. 1822

والجواب كن السؤال الثاني أن يقال: أمَا العيب اليسير الحادث عند المشتري، فالحكم أن يعفى، ولا يلزم المشتري غرامته إذا اختار الرد. وأمَّا العيب الذي ينقص من الثمن مما له مقدار وبال، ولكنَّه لا يبطل الغرض المقصود من المبيع، فإنَّ مذهب مالك رضي النه عنه أنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد المبيع وقيمة العيب الحادث عنده، أو يتمسَّك ويأخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنَّ المشتري لا حقَّ له في رد المبيع، وإنَّما حقه أخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع. وظاهر مذهب أبي ثور أن ذلك لا يمنع الرد كما قاله مالك وإن (١) رد ما نقص عنده، لكنَّه إن أمسك، لم يأخذ قيمة العيب خلافًا لما حكيناه عن مالك ﵁. وذكر الطحاوي أنَّه قد خالف بعض من تقدَّم ومن تأخَّر في حكم العيب الحادث، فقال عطاء: لا عهدة بعد الموت. وقال محمَّد بن شجاع: لا مطالبة للمشتري بالعيب القديم قال: وهو القياس, لأنَّ العيب ليس بمثمون، ولو كان مثمونًا لأخذ قيمة العيب مع قيام المبيع. فأشار إلى أنَّ الحكم الرد بالعيب القديم. ولكن إذا رد المبيع على البائع، على حسب ما أخذه منه، فإذا لم يمكنه ذلك، لم يمكن من رده، وإذا لم يمكن من رده، بطل حقه في القيام به. وهذه جملة المذاهب في هذا القسم. وأمَّا حكم العيب الذي يبطل الغرض المقصود فإنِّه يمنع من الرد، لكون الرد لعين المبيع يكون في معنى المستحيل. وإذا امتنع، كان من حقه أن يطلب ثمن الجزء الذي عاوض عليه ولم يدفعه البائع. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا وجه العفو للمشتري عن غرامة

стр. 1823

العيب اليسير الحادث عنده، فإنَّ الأبهري أشار إلى أن هذا الحكم إنَّما يختص بعيب حدث عنده لا يؤثر نقصًا بشرط أن يكون النقص يسيرًا. وقال بعض المتأخرين: إنَّما كان الأمر هكذا لأنَّ العيب من جهة البائع. فإن كان عالمًا به، فقد دلس وفعل ما لا يحل، وظلم والظالم أحق أن يحمل عليه. فإن لم يعلم، فإنَّه مفرط. إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، والمفرط كالمتعمد في هذا المعنى، مع كون الغالب حدوث هذه العيوب اليسيرة، فيقدر البائع كالعاقد على أن يتجاوز عن المشتري فيها. ومال بعض المتأخرين إلى أن لا يعفى للبائع عن العيب اليسير إذا اطلع عليه المشتري، ولا فرق بين البائع والمشتري في هذا. وقد أشرنا نحن إلى ما قيل من الفرق بينهما من كون البائع مدلسًا ومفرطًا، فوجب أن يحمل عليه. ومال بعض أشياخي إلى أنَّه لا يصفح للمشتري عن ذلك إذا لم يكن البائع مدلسًا، لأنَّه يرى المدلس ظالمًا يحمل عليه بخلاف من لا يدلس. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أمَّا ما ذكرناه عن محمَّد بن شجاع فقد وجَّهناه. وأمَّا ما ذكرناه عن أبي ثور فإنَّه يحتج بحديث المصراة. وقد قال فيه ﷺ : "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين إمَّا أمسكها أو رد وصاعًا من تمر" (١) الحديث المشهور. فقدر ما حلب المشتري كالنقص الحادث عنده، فرد عوضه وجعل له الإمساك من غير غرامة يطالب بها البائع. والإنفصال عن هذا الذي قال أنَّ الذي احتلبه المشتري ليس كالعيب الحادث عنده، وإنَّما هو لبن فيه حق البائع، وهو ما كان حين العقد، وفيه حق للمشتري، وهو ما كان بعد العقد، لا يتميَّز هذا من هذا، فجعل ﵇ عوض اللبن الذي من حق البائع مع الشاة. فأفاته قبل الرد.

стр. 1824

وأمَّا سبب الخلاف بين مالك والشافعي فإنه يلتفت فيه إلى تغليب أحد الضررين. فالبائع يلحقه الضرر إذا رد عليه ما باعه وقد تغيَّر، وعوض النقص ليس هو عين النقص، فكأن المردود ليس بعين ما باع. وكذلك المشتري يلحقه الضرر إذا أمسك المعيب وغرم (١) عوض النقص لأنَّه لم يدخل على ذلك. فإذا تقابل الضرران، رُجِّحَ أحدهما على الآخر. فرجَّح مالك جنبة المشتري بما قدَّمناه من كون البائع متعمدًا للتدليس أو مفرطًا في ترك الكشف عن العيب، فكان أولى بأن يحمل عليه فترد سلعته إليه. ورأى الشافعي وأبو حنيفة أن البائع يريد استدامة العقد، والمشتري إذا أراد الرد فقد أراد فسخه، واستصحاب انعقاد البيع أولى من إحداث حكم آخر، وهو فسخه، ألا ترى أنَّ العنين إذا ضرب له الأجل فقال: وطئت. وقالت المرأة: لم يطأ، فإن مالكًا لا يصدقها, لمَّا كانت تحاول فسخ العقد والزوج يحاول استدامته. وأجيب عن هذا التشبيه بأنَّ الزوج إذا قال: وطئت، فإنَّه لم يسلم العيب الذي ترد به المرأة النكاح. ومسئلتنا في عيب اتفق عليه المتبايعان. ألا ترى أنَّ الزوج إذا طلق وقال: كنت ارتجعت، فإنه لا يصدق، وإن كان يدعي ما يستديم العقد، لمَّا كان الطلاق وانقضاء العدَّة قد ثبت، وهو يحاول رفع ما ثبت من ذلك. وأمَّا حديث المصراة، فإنَّ المخالف يقول فيه: ما فعله المشتري إنَّما هو استعلام العيب. والحادث المفتقر إليه في استعلام العيب لا يؤثر بخلاف ما حدث مما لاتعلَّق له بالكشف عن العيب. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا حاول المشتري الذي حدث عنده عيب رد المبيع لعيب قديم، فلا قدرة للبائع أن يصده عن ذلك. وإن حاول

стр. 1825

التمسك بالمبيع ومطالبة البائع بقيمة العيب القديم فقال البائع: أنا أحط عنك قيمة العيب الحادث عندك، فلا يكون لك الخيار إلَاّ في التمسك، ولا مطالبة لك علي أوتردَّ علىَّ ولا شيء على ولا شيء عليك. كما لو اطلعت على عيب كان عندي ولم يحدث عندك عيب، فإنَّك لا تمكن من مطالبتي بقيمة العيب. فإسقاط غرامة العيب الحادث عندك يصيره كما لم يحدث عندك فإنَّه يمكن من ذلك في المشهور من المذهب. وحكى ابن مزين عن عيسى ابن دينار أنَّه لا يقبل هذا من البائع، بل يبقى المشتري على خياره بين أن يردَّ ويأخذ ما نقص أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. ولم يقدر أنَّ علَّة إثبات التخيير للمشتري ما توجَّه عليه من غرامة. ألا ترى أنَّه قد قيل في إحدى الروايتين في الحيوان الهزيل إذا سمن: إنَّه يرده، إن شاء، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب وإن لم تتوتجَّه عليه غرامة. وهذا التشبيه ضعيف لأنَّ الخسارة للسمن كالغرامة لأخذ قيمة العيب. وقد قال بعض الأشياخ إنَّ مذهب عيسى يقتضي تمكين المشتري من المطالبة بقيمة العيب وإن لم يحدث عنده عيب لأنَّ البائع لمّا أسقط عن المشتري غرامة ما حديث عنده، صار كمن لم يحدث عنده شيء. وهذا قد ينفصل عنه بأنَّ تخير المشتري حق له قد ثبت، وإن كانت علَّته الغرامة التي تلحقه مرتفعة، فرفع الغرامة بعد أن استقرَّ حكمها كما قيل في المسائل التي ترتفع عللها ولا يرتفع حكمها على ما سيبسط في أصول الفقه. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب قبل هذا: فإن فات، لم يكن له إلَاّ الأرش. والفوت هو ما لا يمكن الرد معه إمَّا لتلف المبيع كالموت والزمانة والهرم الذي لا يبقى معه انتفاع به، وإمَّا لتلف الملك كالعتق والتدبير والاستيلاد والكتابة، وفي بيعه خلاف. والصحيح أنَّه فوت يوجب الأرش. والإباق فوت. قال الإِمام ﵀ يتعلَّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال: ١ - ما أقسام التغير الحادث عند المشتري على التفصيل. ٢ - ما يتوقَّع

стр. 1826

منها مثل تغير الأسواق.٣ - والاختلاف بنقص. مثل تغيرها بزيادة؟ ٤ - ومثل تغير البدن بزيادة ومثل تغيره بنقص أو زيادة؟ ٥ - ومثل ولادة الأمة؟ (١) ٦ - وما الحكم في تلف الملك بالبيع؟ ٧ - وما حكم المعيب إذا عاد إلى يد مشتريه؟ ٨ - وما حكم تكرار البيع فيه بتدليس وغير تدليس؟ ٩ - وما حكم المشتري إذا باع بعض المبيع؟ ١٠ - وما حكم وطء الأمة المبيعة؟ ١١ - وما حكم رهن العبد المعيب وإجارته؟ ١٢ - وما حكم العيب في بعض الصفقة؟ فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: التغيير الحادث عند المشتري على قسمين: تغيير من ناحية القيمة، وتغيير من ناحية العين والتغيير من ناحية القيمة على قسمين: زيادة من ناحية القيمة، وزيادة من ناحية الجسم. والتي من ناحية القيمة على قسمين أيضًا: زيادة من ناحية السوق، وزيادة من ناحية لا تشاهد في الجسم. ولكل واحد من هذه الأقسام حكم وفروع يسيرة. فأمَّا حكم الزيادة من ناحية القيمة، فإنه لم يختلف عندنا في أنَّها لا تأثير لها. ولا تغير ما قلناه في حكم العيب المطلع عليه من كون المشتري بالخيار إمَّا أن يتمسَّك ولا شيء له، وإمَّا أن يرد ولا شيء عليه. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمَّا التغيير من ناحية السوق، فقد ذكرنا أنَّه لا تأثير له. ومال بعض الأشياخ إلى اعتباره. وقد اعتبر أهل المذهب في البيع الفاسد تغيير السوق وجعله أهل المذهب فوتًا يمنع من فسخ البيع الفاسد. وما ذلك إلَاّ لأجل الضرر اللاحق بالفسخ، لكون السوق إذا زاد، أضرَّ بالمشتري فسخ البيع، وإذا نقص، أضرَّ ذلك بالبائع لكونه ترجع إليه سلعته وهو يخسر فيها. فجعل حوالة الأسواق فوتًا على الإطلاق، لمَّا تساوى هذا الضرر بين البائع والمشتري، فعدل بينهما بأن جعل تغير السوق بزيادة أو نقص فوتًا في حقهما جميعًا. وكان مقتضى التعليل الذي أشرنا إليه أن يكون الفوت في حق

стр. 1827

المشتري إذا زادت الأسواق وفي حق البائع خاصة إذا نقصت الأسواق. لكن لما تساوى الإمكان في الزيادة والنقصان من الطرفين جميعًا جعل ذلك حكمًا عامًا. وقد أشار المتقدمون إلى الفرق بين البيع الفاسد والرد بالعيب، فإنَّ البيع الفاسد دخل فيه المتعاقدان، ولا مزية لأحدهما فيه على الآخر. والعيب من جهة البائع؛ لأنِّه إن تعمَّد، كان مدلسًا. وإن لم يتعقَّد، كان مقصرًا إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، فلم يكن لاعتبار التدليس من غير جهته معنى، مع كونه مدلسًا أو مقصرًا. وإذا لم يعتبر ذلك من جهته، لم يعتبر أيضًا من المشتري زيادة السوق عدل أبي نهما. وأمَّا إن كان تغير القيمة ليس من ناحية السوق لأمر أثر في البدن لحدوث سرقة العبد أو زناه أو إباقه عند المشتري، فإن هذا وإن نقص من ثمنه، فقد قال ابن حبيب: لا مطالبة على المشتري إذا ردَّ بالعيب بقيمة هذا العيب الحادث عنده. وأنكر أشياخنا مذهبه هذا ورأوه خلاف الأصول. وحاول بعضهم إثبات خلاف في هذا، فأشار ما رآه (١) ابن القاسم في المستخرجة من أن مشتري جارية اطلع فيها على عيب بعد أن أزوجها وولدت، أنَّه إن اختار ردَّها بالعيب، لم يرد قيمة عيب النكاح الحادث عنده، وقدر هذا المتأول أنَّه إنَّما قال ذلك لكون عيب النكاح نقصًا في القية لم يؤثر في العين، فأشبه حوالة السوق. وهذا عندي قد يعتذر عنه بأنَّه ذكر في الرواية أنَّ الأمة ولدت، ويمكن أن يكون ولدها جبر عيب النكاح ومحا أثر نقصه، فلم يتوجه لأجل ذلك على المشتري غرامة، كما سنحكيه عن المدونة بعد هذا في جبر عيب النكاح بقيمة الولد. وإنَّما يبعد هذا التأول الذي تأولناه كونه لم يقيد الجواب كما قيَّده في المدونة باعتبار قيمة الولد، هل يجبر عيب النكاح؟ فلهذا أطلق الجواب ولم يقيده. وقد روى محمَّد ابن صدقة في المدنية عن مالك فيمن اشترى أمة فأزوجها ثُمَّ اطلع على عيب، أنَّه له أخذ قيمة العيب أو ردَّا مع ما نقص النكاح. وهذا الذي قاله هو أصل

стр. 1828

المذهب لمَّا لم يكن ها هنا ولد حادث يجبر به. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا تغير القيمة بزيادة من ناحية السوق، فقد تكلَّمنا عليه. وأمَّا تغيرها بزيادة من ناحية تعلم صناعات، فإنَّ المشهور من المذهب أن من اشترى عبدًا فعلَّمه صناعة زاد بها ثمنه، أو جارية علَّمها صناعة زاد بها ثمنها، فإنَّ المشتري إذا اطلع على عيب لم يكن له أخذ قيمة العيب لأجل هذه الزيادة، بل يخير بين الرد ولا شيء عليه (١) أو الإستمساك ولا شيء له. هذا هو المنصوص في المذهب. وحاول الأشياخ فيه تخريج خلاف. فقال بعضهم: قد وقع في الموّازيّة فيمن اشترى عبدًا فأعتقه وعليه دين فردَّ السلطان عتقه وباعه عليه في الدين، ثم أيسر المديان ثم أعسر، فاطلع المشتري من السلطان على عيب قديم كان عند البائع، أنَّ للمشتري أخذ قيمة العيب, لأنَّه إن ردَّه بالعيب أعتق على المديان المبيع عليه العبد لأجل ما حدث له من اليسر. وإذا أعتق عليه وقد صار معسرًا، لم يجد مشتريه عنده ما يأخذ منه الثمن، فكان تخوف هذه الخسارة عذرًا له يوجب له أخذ قيمة العيب. وكذلك خسارة ما أنفق عليه المشتري من أجرة في تعليم صناعة. وهذا يجاب عنه بأن يقال: العذر في مسألة ابن الموّاز كون المشتري لمَّا اختار الرد تضمَّن الردَّ المطالبة بالثمن، وهذا لا يجد ثمنًا، فلم يلزمه تسليم المثمون من غير أخذ ثمنه. وما أنفق من أجرة في تعليم صنعة لا تعلق له بالرد ولا بالثمن، فلهذا لم يكن للمشتري فيه مقال. وحاول بعض أشياخي أن يخرج خلافًا في المسألة مما وقع في المبسوط من أنَّ من تزوَّج امرأة، وأصدقها خادما، وعلمتها صناعة أن فيها أجرة، فطلقها الزوج قبل البناء ووجب له ارتجاع نصف الأمة، أنَّه يجب عليه غرم نصف الأجرة، فلمَّا أوجب على الزوج غرامة ما أنفقته الزوجة التي هي مشترية (٢) للأمة، فكذلك يجب أيضًا للمشتري عبدا فردَّه بعيب أن يكون له مقال فيما أنفق.

стр. 1829

وهذا الذي قاله شيخنا فيه نظر أيضًا عندي، لأنَّه قد قيل في أحد القولين: إنَّ الزوجة إذا اغتلت الجارية، التي هي الصداق، ثمَّ طلَّقها الزوج، أنه يرجع عليه ابن صف ما أغتلت، لأجل أنَّه يقدر أن نصف الصداق لم ينتقل عن ملكه، وإئَّما يستقر لها ملك جميعه إذا دخل بها. والمشتري المطلع على عيب لا يرد الغلَّة باتفاق لكون ملكه مستقرًا. فهذا التعقب الذي يظهر لي في التخريجين جميعًا. وإن كان ما ذكرته من التعقب على تخريج شيخي أظهر من التعقب الآخر على غيره. وأشار بعض الأشياخ أنَّ هذا ينبني على ما ذكره ابن حبيب من كون الإباق الحادث عند المشتري لا مطالبة عليه بقيمته لكونه عيبًا لم يؤثر في الخلق بل في الأخلاق. فكذلك المطالبة في هذه الزيادة لا تجب لكونها ليست بزيادة في الجسم. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا اشترى حيوانًا عبدًا أو دابَّة وهو سمين فهزل أو عجف، أو هزيل أو أعجف فسمن، فإنَّ المذهب اضطرب في ذلك. فذكر ابن حبيب أنَّ ذلك فوت. وذكر عن مالك أنَّ ذلك ليس بفوت. وذكر عن ابن القاسم أنَّه يرى الهز الذي ذلك فوتًا ولا يرى السمن فوتًا. وفي الموّازية أنَّه إذا عجفت الدابة التي اشتراها، فإنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد ويرد ما نقص العجف، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. وفي الموّازية أيضًا أنَّ الأمة إذا سمنت يردها ولا شيء له أو يمسكها ولا شيء له. وذهب ابن مسلمة إلى أنَّ العجف فوت يوجب أخذ قيمة العيب ولا يمكن المشتري من الرد. وكذلك ذكر في المدونة في صغير كبر أو كبير هرم، أنَّ ذلك

стр. 1830

فوت والحكم فيه أخذ قيمة العيب. وذكر أيضًا أنَّه بالخيار في الصغير إذا كبر بين أن يرده ولا شىء له، أو يمسكه ويأخذ قيمة العيب. وذكر أيضًا في الهرم أنَّه يرده ويرد ما نقص. وذكر في الموازية أنَّ من اشترى أمة مريضة فصحَّت، أو هزيلة فسمنت، أو سمينة فهزلت، أنَّ ذلك لا تأثير له، وهو بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له أو يرد. وجميع هذا يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة، هل هذه الأمور تؤثر تأثيرًا يغير المقصود، ويصير المبيع كأنَّه ليس بالعين المبيعة، فيكون ذلك فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب، أو لا يكون ذلك تغييرًا مؤثرًا فيسقط حكمه، أو مؤثرًا تأثيرًا له بال لم يغيو المقصود فيكون بالخيار. وقد علم أنَّ المذهب أنَّ تكليف المشتري غرامة قيمة عيب حدث عنده عذر له وإضرار به يوجب له أخذ قيمة العيب. وأمَّا خسارته سمنا أو إنفاقًا على صغير كبر، فإنَّ هذا فيه الإضطراب الذي حكيناه. وقد ذهب بعض الأشياخ إلى أنَّ ما يؤدي من قبالة السلطان على شراء ما يشترى، أنَّ ذلك عذر للمشتري يوجب له أخذ قيمة العيب إذا شاء. وخرَّجه بعض الأشياخ على ما قدمناه من أداء إجارة على تعليم العبد صناعة. وقد قيل في الغاصب إذا نقل ما أدى عليه ثمنًا من طعام وشبهه، فإن ذلك يوجب له حقًا في أن لا يؤخذ منه عين الطعام، على ما سنبيِّنه في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى. وهكذا قال بعض الأشياخ إنَّه إذا حمل سلعة ثقيلة اشتراها وأدَّى في العمل إجارة، أنَّ ذلك يوجب تمكينه من أخذ قيمة العيب إذا شاء ذلك، لئلَاّ يخسر ما أدَّاه من أجرة العمل. وبعض أشياخي يخرج فيه اختلافًا على حسب ما ذكرناه. وقد روى أبو قرة

стр. 1831

عن مالك فيمن اشترى سلعة فنقلها وأدَّى في نقلها أجرة، أن له أخذ قيمة العيب من البائع، إذ القيمة (١) بالموضع الذي نقلها إليه. وعلى هذا الكلام في تغير البدن بنقص. فالمشهور من المذهب أنَّ الشلل والعمى ومصير العبد مقعدًا ليس بفوت يوجب أخذ قيمة العيب. بل المشتري بالخيار بين أن يرد ويردَّ ما نقص، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. ورأى ابن مسلمة أنَّ هذا فوت يمنع الرد ويوجب أخذ قيمة العيب. وكذلك رأى قطع ذنب البغلة المركوبة أو الفرس المركوب. وهذا كلّه اختلاف في شهادة بعادة. والمعتبر ما قدَّمناه من ذهاب المقصود بالمبيع أو بقائه. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اشترى أمة فأزوجها، ثُمَّ اطلع على عيب قديم، قد تقدَّم كلامنا على العيب من ناحية نقص النكاح، وأشرنا إلى ماوقع من الإضطراب عليه، وأن بعض المتأخرين أشار إلى إسقاط الغرامة عن المشتري لأجل عيب النكاح؛ لأنَّه رآه كعيب من ناحية الأخلاق. وقد قدَّمنا عن ابن حبيب أنَّه لا يرى ما حدث من عيب من ناحية الخلق، لا من ناحية الخلْق، يوجب على المتشري غرامة. ويتعلَّق هذا التأويل بما وقع في المستخرجة من رواية ابن القاسم فيمن أزوج أمة فولدت ثمَّ اطلع على عيب قديم، أنَّ له أن يرد ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له. وقلنا نحن: يحتمل أن يكون مراد ابن القاسم أنَّ الوالد يجبر عيب النكاح. ألا ترى أنَّه قد وقع لمالك في المدوّنة أنَّ المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويرد ما نقص. ولكن هذا الذي وقع في المدنية أنَّ الأمة ولدت. وأجاب عن ذلك على مقتضى الأصل. وحاول بعض الأشياخ تخريج قول على النقيض من هذا، وقال: إنَّما لم يجعل في المدوّنة إنكاح الأمة فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب ويمنع من الرد مع ما نقص بناء على

стр. 1832

قوله إنَّ العمى والشلل والقطع ليس بفوت يمنع من الرد. وقد ذكرنا عن ابن مسلمة أنَّه يرى ذلك فوتًا يمنع من الرد ويوجب أخذ قيمة العيب. وينبغي أن يكون إنكاح الأمة كذلك لأنَّه يتلف المقصود منها, لا سيَّما إن كانت سريَّة, لأنَّ الغرض من السريَّة وطؤها، وقد امتنع لسبب التزويج. وإن كانت من الوخش فتردّد الزوج إلى دار سيدها يقتضي التمكين من وطئها مما يعظم الضرر فيه، فوجب أن يكون ذلك فوتًا. فأنت ترى كيف بالغ بعضهم في تحقيره حتَّى لم يجعل له تاثيرًا، وبالغ بعضهم في تعظيمه حتَّى جعله فوتًا يمنع من الرد. فإذا تقرَّر هذا وثبت أنَّ المشهور من المذهب تمكين المشتري من رد الأمَّة وما نقص منها عيب النكاح، فإنَّها إن كانت ولدت من هذا النكاح فردَّها على سيدها بالعيب القديم فإنَّه لا يمكن البائع الذي ردَّت عليه من فسخ هذا النكاح لكونه عقد بوجه جائز. ولكنَّه في المدونة اعتبر قيمة الولد، هل في قيمته ما يجبر به عيب النكاح؟ فيرتفع هذا العيب ويكون المشتري بالخيار بين أن يردَّها بالعيب القديم ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له، كما لو لم يحدث عنده عيب. وذكر سحنون في المدونة أنَّ غيره لا يجبر عيب النكاح بقيمة الولد، كما لا يجبره بالنماء الحادث فيها. وقد اشتهر عن الشيخ أبي القاسم السيوري أنَّه كان يذهب إلى أنَّ الولد غلة، كاللبن والصوف. وإذا كان كذلك كان الولد للمشتري. ويعتضد بهذا الذي وقع في المدوّنة من قوله إنَّ المشتري يجبر به عيب النكاح. فلولا أنَّه له كما تكون الغلات ما جبر به ما لزمه من عيب النكاح، وأدَّاه في غرامة وجبت للبائع عليه. وهذا الذي يشير إليه مما يصعب الانفصال عنه من ناحية الفقه. لكن من ناحية ما يؤدي إليه من تناقض في الرواية يسهل الانفصال عنه. وذلك أنَّه في هذه الرواية أوجب رد الولد وجبر به عيب النكاح. وعيب النكاح إنَّما يلزم فيه قيمة، ولا يلزم فيه أن يدفع المشتري عرضًا بغير اختياره. ولا يلزم البائع أيضًا قبول عرض عن دنانير وجبت له على المشتري إلَاّ باختياره. وها هنا جعل الحكم ردّ عين الولد، وهذا يقتضي أنَّه أنزل الولد

стр. 1833

منزلة بعض أعضائها، فلهذا أوجب ردَّه معها. وبعض أعضائها لا يكون غلة، ألا ترى أنَّ ولد المدبرة مدبر والمعتقة معتق والمكاتبة مكاتب وولد الأمة عبد وإن كان أبوه حرًا. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكم أحد أعضائها. وأيضًا فإنَّه أوجب رد الولد وإن كانت قيمته أضعاف ما لزم المشتري من قيمة عيب النكاح. فلو كان الولد للمشتري كما تكون الغلة له، لم يخرج من يده ما فضل من قيمة عيب النكاح. وقد اعتذر بعض أشياخي عن هذه الرواية بأنَّه إنَّما راعى نفي الضرر. فإذا رجع إلى البائع مثل ما دفع من غير خسارة عليه، لم يكن له مقال. فإذا لحقته خسارة، كان له مقال. كما قيل فيمن باع عبدًا ثمَّ اطَّلع على عيب قديم وقد أخذ في العبد مثل الثمن الذي يرجع به على البائع لو ردَّ عليه بالعيب: أنَّه لا مقال له. وهذا الإعتذار يلزمه على مقتضاه أن يجبر عيب النكاح بنماء الجارية في بدنها حتَّى يكون هذا النماء يزيد في قيمتها ما يجبر به عيب النكاح، لكون الضرر أيضًا قد ارتفع على حسب ما ارتفع بجبران الولد قيمة عيبها. والذي يظهر لي من الاعتذار طريقة أخرى، لولا أنَّه وقع أيضًا في الرواية ما يعارضها. وذلك أنَّ الولد إذا أخذه البائع، وهو زيادة على ما كان باعه، فإنَّ هذه الزيادة لولا هذا النقص الذي هو عيب النكاح لم يحصل البائع (١). فمن البعيد أن يأخذ زيادة ويرضى بها ويقدر أنَّها لم تكن إلَاّ على ملكه ثمَّ يطلب عوض جنايتها وما كان سببًا في وجودها، فإنَّ هذا كالمتناقض. وهذا عذر واضح. ولكن مقتضاه ألَاّ يجبر الولد عيبًا آخر حدث بالمشتري ليس هو عيب النكاح. وقد وقع في الموازية أنَّه يجبر به عيبًا آخر حدث عنده ليس هو عيب النكاح. فإن لم نقل بهذا الذي ذكر ابن المواز كان اعتذارًا عما وقع في هذه الرواية اعتذارًا صحيحًا.

стр. 1834

وهذا الذي ذكره من العذر يكون انفصالًا عمَّا احتجَّ به أشهب على ابن القاسم من مباينته الولد على النماء كجزء من جسمها حسًا وحقيقة، فهو كأحد أعضائها, ولم يكن من أمر طلب البائع أن يعطي عوضه. وهذا الذي ناقض به أشهب ابن القاسم قد وقع في رواية أيضًا التزامه. وذكر في كتاب الوديعة من المدونة أنَّ ابن القاسم روى عن مالك أنَّه يجبر عيب النكاح بزيادة قيمتها. وحملوا ذلك على أنَّ المراد زيادة قيمتها من ناحية نماء بدنها. وهكذا رواه ابن شعبان في مختصره عن مالك. ولا يلزم على هذا المذهب أن يجبر عيب النكاح بزيادة سوقها من ناحية انتقال الأسعار لا من ناحية نماء البدن, لأنَّ التقويم إنَّما يكون في العيوب أخذًا لقيمتها أو ردًا معتبرًا يوم الصفقة، وما كانت تساوي حينئذ يوم العقد، فلا معنى لاعتبار زيادة السوق بعد ذلك في جبران عيب النكاح. وإذا قلت بمذهب ابن القاسم في جبران عيب النكاح بقيمة الولد، فإنَّ صفة هذا الجبر أن يقال: ما قيمة هذه الأمة يوم الصفقة وهي سالمة؟ فيقال: مائة دينار. ثُمَّ يقال: ما قيمتها بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانون. ثُمَّ يقال: ما قيمتها بعيب التدليس وعيب النكاح على أنَّ معها ولدها. فإن قيل: ثمانون، فقد علمنا أنَّ النكاح لم يؤثر نقصًا لأجل الولد. وإن قيل: قيمتها سبعون، فقد علمنا أنَّه أثر نقصًا، فيطالب بمقدار هذا النقص الذي كان عن النكاح بنسبته من الثمن على حسب ما يأتي بيانه في تقويم العيوب إن شاء الله تعالى. ولمَّا ذكرنا عن الشيخ أبي القاسم السيوري ما انفرد به عن أهل المذهب من كون الولد غلة عنده. وذكرنا تعلقه بما وقع في هذه المسألة، فلنذكر تعلقه بما وقع في مسألة أخرى. وذلك أنَّه ذكر ابن الموّاز عن مالك أنَّه إذا باع أمة فأزوجها المشتري فولدت عنده فباع الولد، أنَّ البائع، إذ فلس هذا المشتري، فأراد ارتجاع ما باع (١)، فإنَّه يأخذ الأمة ولا مطالبة له بما أخذ المشتري في ثمن

стр. 1835

ولدها. قال: لأنَّ الولد غلَّة، بخلاف أن يرد الأمة بعيب وقد باع ولدها، فإنَّه يرد ما أخذ من ثمن ولدها. فأنت تراه كيف نصَّ ها هنا على أنَّ الولد غلة، ولكنَّه لم يطرد هذا في رد الأمَّة بعيب. وكان مقتضى هذا الذي قال أيضًا ألا يرد أيضًا ثمن الولد إذا باعه ورد أمَّه بعيب. وقد حاول بعض المتأخرين اعتذارًا عن هذا بأنَّ من مُكّن من الرد بالعيب فإنَّه له أخذ جميع الثمن. فإذا كان قادرًا على أن يردَّ هذه الأمة ويأخذ جميع الثمن، فإنَّه يحاسب بما أخذ من ثمن الولد، لأنَّ هذا الردَّ والنقص باختياره. وفي التفليس البائع هو المختار لرد هذا البيع وارتجاع الأمَّة، فلا يحاسب المشتري بما أخذ في ولدها. وهذا الفرق كما تراه لا يروح (١) ما أشرنا إليه من المناقضة الذي يقتضيها الولد بأنَّ الولد غلة. وأشير أيضًا إلى فرق آخر وهو أنَّ الأصل في التفليس ألَاّ يرد البائع ما عقده على نفسه من البيع. لكن أوجب الخروج عن هذا الأصل ورود الحديث بذلك، وهو قوله ﷺ (من أدرك ماله بعينه فهو أحق به) (٢) الحديث المشهور. فلعل استحقاق البائع رد المبيع في التفليس يكون ما باعه باقيًا بعينه. والولد إذا بيع فليس هو عين ما باعه البائع. ولو قرَّر أنَّه كعضو من أمه. فهذا العضو ليس ما نصًا (٣) ولا موجود، فبقي حكمه على مقتضى الأصل، لكون الحديث الناقل عن هذا ليس دليل الخطاب فيه إلَاّ أنَّ للبائع حقا إذا لم يكن ما باع موجودًا، ورد الولد إذا بيعت أمُه أو ردَّ ثمنه، لم يرد حديث يمنع من رد ثمن الولد. فلمَّا وجب عين رد الولد (٣)، وجب رد ثمنه. وأشير أيضًا إلى فرق آخر وهو أنَّ البائع ليس له في التفليس أن يحاص

стр. 1836

بثمن الأم وثمن الولد إذا اختار الحصاص, لأنَّه ليس له إلَاّ ثمن واحد وهو ثمن الأمة. فلمَّا لم يكن له إذا اختار الحصاص المحاصة بثمنه، فكذلك لا يكون له إذا اختار ترك الحصى وجعل (١) ما عقد من البيع أن يطالب بثمن الولد. هذه الفروق التي يمكن أن يقال في هذا. ولكن التحقيق يقتضي إذا قيل: إنَّ الولد غلة، أن يكون الحكم ألَاّ يرد الولد في عيب ولا تدليس، وإن كان قائمًا بعينه، فأحرى ألَاّ يرد ثمنه. وإن قيل: إنّه ليس بغلة، بل كعضو منها، أن يكون يرد الولد في الجميع، وإذا وجب رد عينه، وجب رد ثمنه. ويتضح وجوب الثمن في الرد بالعيب وفي التفليس قد يقال فيه ما أشرنا إليه من الفروق، وجميعها لا يكاد يسلم من مناقضة وممانعة فلمَّا كان ما ذكرناه عن كتاب ابن الموّاز من أوضح ما يتعلَّق به الشيخ أبو القاسم السيوري لذكره أنَّ الولد غلَّة، دعا هذا بعض أشياخي إلى أن قال: لم يرد أنَّه غلَّة على الحقيقة في سائر أحكام الغلة، ولكنه أراد أن الأمة إذا ردَّها في التفليس بعينها قدَّر كأنَّ الولد لم يكن لمَّا رجعت بعينها على كمالها، كما لو أصابتها موضحة فأخذ أرش الموضحة وردَّها على بائعها ولم تشنها الموضحة، ولا نقصتها، فإنَّه لا يرد ما أخذ من أرش الموضحة لمَّا ردَّ عين المبيع سالمة. ومقتضى هذا الذي قال شيخنا من التعليل ألَاّ يرد الولد، وإن كان باقيًا، لكونه إذا ردَّ أمَّه دونه فقد ردَّها على الكمال، فلا يجب رد الولد، وهو قد جعل قولهم: إنَّ الولد يرد، فغير ماح أن يستقرَّ من هذا الذي قالوه في ثمن الولد كون الولد غلَّة. فإذا تقرَّر هذا، فإنَّ هذا الولد إذا كان قائمًا هو وأمه لم ينص على خلاف في المذهب في أنه يرد مع أمه، إلَاّ ما أشرنا إلى ما خرَّجه الشيخ أبوالقاسم السيوري. وقد أشار غيره إلى تخريجه مما رواه عبد الرحمان ابن دينار عن ابن كنانة فيمن اشترى أمة حاملًا فولدت فأخذ ولدها، أنَّه إذا لم يختر أخذ قيمة العيب واختار ردَّها، أنَّه يرد معها ما نقص من ثمنها لأجل ما كان يرجى من

стр. 1837

ولادتها. فلم يعتبر كون الولد كعضو منها استحقَّ البائع عليه رده بعينه، فإذا أتلفه، كانت عليه قيمته، بل راعى ما يكون من النقص من ناحية ما يرجو من ولادتها. وأشار أيضًا إلى إجرائه على الخلاف في السمن، وقد تقدَّم ذكرنا الخلاف فيه لمَّا كان السمن غير متفصل من الأمة، والولد كأنَّه غير منفصل منها لمَّا لم تَجز التفرقة بينهما. وهذا الولد لو مات وبقيت أمه، لكان الحكم تخيير المشتري في رد أمه وما نقصها النكاح، أو التمسك وأخذ قيمة العيب، ويقدر الولد كأنَّه لم يخلق. وهذا أيضًا قد يقال فيه إذا قدَّرتموه كعضو من أعضائها وجزء منها, ولهذا أوجبتم رده بعينه على البائع. فإذا مات وهو في يد المشتري، اقتضى ذلك أيضًا أن يرد قيمته كما يرد قيمة يدها لو شلَّت عنده. قيل: اليد إذا شلت عنده، وجب رد قيمتها إذا اختار الرد لأنَّ لها حصَّة من أصل الثمن. فلو ماتت الأم خاصَّة وبقي الولد وحده، فالظاهر أنَّ المذهب على قولين: مذهب ابن القاسم أنَّ الواجب قيمة العيب، ومذهب أشهب أنَّ البائع مخيَّر بين أن يعطي قيمة العيب أو يمنع من ذلك، ويخيَّر المشتري بين أن يتمسَّك بالولد ولا يسترد من الثمن شيئًا، أو يرد عليه الولد ويرد البائع جميع الثمن. فكأن ابن القاسم قدَّر أنَّ الولد في حكم التبع وكجزء منها، فإذا ذهب المتبوع وهو الأم، صار التابع وهو الولد في حكم الذاهب أيضًا، ووجوده كلا وجود، ولو ماتا جميعًا، لكان الحكم أخذ قيمة العيب. وكذلك إذا ماتت الأم وقدَّرنا أنَّ الولد الباقي كالميت بحكم كونه تبعًا لأمه. وكأنَّ أشهب قدَّر أنَّه كمبيع ذهب بعض أجزائه عند المشتري وبقيت منه أجزاء، فتكون الأجزاء الباقية إذا رضي البائع بها، يأخذها على أن يغرم المشتري قيمة ما ذهب عنده، كان ذلك من حقه إلا أن يشاء المشتري التمسك بها, ولا يرد عمَّا قلناه من كون المذهب المشهور أنَّ البائع إذا أسقط عن المشتري غرامة ما ذهب عنده، صار المبيع كأئَّه لم يذهب عند المشتري منه

стр. 1838

شيء، فإنَّما يكون له أن يقبل بجميع الثمن أو يرد ويأخذ جميع الثمن. وقد كنَّا حكينا عن عيسى أنَّه لم يمكن البائع من هذا، وأبقى المشتري على خياره في أن يأخذ قيمة العيب. فإن قيل: فإلكم ذكرتم عن أشهب أنَّه يرى بتمكين البائع من أن يؤدي قيمة العيب، فإن لم يفعل مُكن إذًا من ارتجاع الولد وردَّ جميع الثمن، إلَاّ أن يرضى المشتري بالتمسك. والحكم في عيب حدث عند المشتري أن يكون هو المبدَّأ بالتخيير، ولا يبدأ البائع بأن يعطي قيمة العيب. وفي مسألة الولد بدأ أشهب بتخيير البائع. قيل: إنَّ الفوت ربَّما كان في حق البائع والمشتري إذا لم يمكن رد العين، كمن اشترى أمة فاطَّلع على عيب بها بعد موتها، فليس إلَاّ قيمة العيب. وقد يكون الفوت في حقِّ المشتري خاصَّة، كمن اشترى أمة فشلت يدها عنده، فيكون المشتري مخيرًا بين أن يقدرها كالفائتة ويأخذ قيمة العيب، أو يقدرها كمن لم تفت فيردها ويرد معها ما نقص العيب الحادث عنده على ما سننبه عليه بعد هذا. فيمكن أن يكون أشهب قدَّر هذا كالفوت في حقَّ البائع خاصَّة. وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنَّ ابن القاسم غير مخالف لأشهب في هذه المسألة. واعتقد هذا لأجل أنَّه قد أورد في المدونة في باب بعد هذه المسألة، فقال: يأخذ المشتري قيمة العيب إلَاّ أن يشاء البائع أن يسترد الولد خاصَّة ويرد جميع الثمن، فيعود التخيير للمشتري في أن يقبل منه هذا، أو يتمسك بالولد ولا مطالبة له بقيمة العيب. فقدَّر هذا أن الجواب الأوَّل وقع مطلقًا ووقع بعد ذلك مقيدًا، فيجب رد المطلق إلى المقيد. وأنكر غيره من المتأخرين هذا الإعتقاد، وقال: قد قال سحنون عقيب هذا: هذا مذهب أشهب. وهذا ينفي إضافة هذا المذهب لابن القاسم. وأجاب غيره عن هذا بأنَّ المراد بقوله: هذا مذهب أشهب. أي إنَّ هذا الذي قاله ابن القاسم مثل مذهب أشهب. ولو بيعت الأم دون الولد لجرى الأم فيها على هذا الذي ذكرناه من اختلاف ابن القاسم وأشهب.

стр. 1839

فعلى طريقة ابن القاسم الذاهب إلى أن الولد الباقي كالمعدوم، إذا عدمت هي يكون الحكم في هذا كالحكم لو باعاهما جميعًا، الأم والولد، فإنه لا مقال له. وعلى مذهب أشهب الذي يراه كجزء ذهب من المبيع، وهي جزء آخر، إن باعها بأقلَّ من الثمن وأراد البائع أن يرد الثمن كله ويسترجع الولد، كان ذلك له إن يشأ المشتري أن يستمسك بالولد ولا مطالبة له بالعيب. وأمَّا إن باع الولد خاصَّة فإنَّ له ردَّ أمه بالعيب، ويقدر أنَّه لمَّا ردَّ أمَّه بالعيب، انتقض العقد الذي كان بينهما، وإذا انتقض في الولد. ولا سبيل إلى نقض عقد المشتري فيه، فوجب أن يطالبه أن يردَّ الثمن الذي أخذ فيه. وقال أصبغ بأن يرد من ثمن الولد قيمته، وكأنَّه باعه مع أمِّه مولودًا. وكأنَّه قدَّر أنَّ ردَّ قيمته كرد عينه، وما كان من نماء أو زيادة فله. ولو قتلت الأم دون الولد، لجرى الأمر فيها أيضًا على هذا الذي بيَّناه من الإختلاف في كون الولد كالعدم، وإن كان باقيًا أو يقدر كبعض من المبيع بقي وذهب بعض آخر. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: أمَّا إذا فات المبيع المعيب ببيع المشتري له، فإنَّه إن باعه عالمًا بعيبه، فلا خفاء يكون ذلك رضي منه بالعيب وإسقاطًا لحقه في القيام به. وأمَّا إن باعه، وهو لم يطلع على العيب، فإنَّ المذهب في هذا على روايات. أحدها ما روي عن مالك، ﵁، من كون المشتري لا مقال له إذا باع. وإلى هذا ذهب ابن القاسم واعتلَّ بأنَّ المشتري إن كان علم بالعيب قبل أن يبيع، فقد رضي به، وإن كان لم يعلم، فإنَّه لم يحط من أجله من الثمن. فإذا لم يلحقه ضرر من ناحية العيب في الغبن لأنِّها خرجت من يده، ولا في الثمن لأنَّه لم يبخس، لأجل العيب، منه شيء سقط مقاله. وهذا اختيار ابن الموّاز أيضًا. وبه قال الشافعي. واختلف أصحابه في تعليل هذا. فقال بعضهم: إنَّما قال هذا لأجل أنَّ المشتري قد استدرك الظلامة. وهذا إشارة إلى ما ذكرناه

стр. 1840

من تعليل ابن القاسم من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب شيء. وقال بعضهم: إنَّما العلَّة في ذلك كون المشتري لم ييأس من الرد لجواز أن يرجع المبيع إليه فيرده على بائعه. وروي عن مالك أنَّ المشتري يعتبر ما حصل في يده من الثمن، فإن كان الذي حصل له مثل الثمن الذي دفع فأكثر، فلا مقال له، لأنَّه لم يبع وقضينا له بالرد، لم يكن له سوى الرجوع بالثمن. والذي يقضى له بالرجوع به قد حصل في يديه. فكأنَّه ردَّ بالعيب وارتجع الثمن. وإن كان الثمن الذي باع به أقل مما اشتراه هو به، كان البائع مخيرًا بين أن يكمل له الثمن. فإذا أكمله له، سقط مقاله لأجل ما قدَّمناه. وإن لم يكمله له أعطاه قيمة العيب من الثمن الذي قبض منه, لأنَّه يقول قد فاتت العين المبيعة المعيبة ولا قدرة لك على ردها، فلا يكون لك إلَاّ قيمة العيب، كما لو ماتت في يدك. وهذا أيضًا فيه إشارة ممَّا كنَّا قلَّمناه من كون الفوت يقدَّر في حق البائع خاصَّة. فإن شاء البائع ها هنا أن يجعل ما باعه المشتري كالفائت أعطى قيمة العيب. وإن شاء أن يجعله كالقائم، أكمل له بقيَّة الثمن. هذا مذهب أشهب، وهو اختيار ابن حبيب. وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يقضي للمشتري بقيمة العيب. وقدَّر أن ذلك كالفوت في حقَّهما جميعًا كالحكم في الموت. وهو اختيار محمَّد ابن عبد الحكم وأضاف ذلك إلى موطإ مالك، فقال: قد قال مالك في موطئه: إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت. وهذا المذهب هو اختيار أبي محمَّد عبد الوهاب. فقد ينفصل عن تعليل ابن القاسم بأنَّ المشتري الأوَّل يمكن أن يكون غير البائع، أو حال السوق بزيادة، فرأى المشتري العيب فحطَّ لأجله من الثمن ولم يعلم المشتري الأول أنَّ الذي اشترى منه حطَّ من الثمن شيئًا لأجل عيب رآه، ولو كان المبيع سالمًا لبذل له المشتري أكثر ممَّا عقده عليه من الثمن. فالضرر لم ينتف عن المشتري. وبهذا أيضًا يتعقَّب مذهب أشهب من اعتباره

стр. 1841

حصول الثمن موفرًا في يد المشتري الأوَّل، لأنَّه يقول: إنَّ ما حصل في يدي مثل ما دفعت للبائع لأجل معرفتي بالتجارة وبالأسواق وبزيادتها وجهل الذي باع مني بذلك. فلا يحسب له هذه الزيادة، وسببها لم يكن منه، بل إنَّما كان مني. فهذا يقتضي كون البيع فوتًا يوجب قيمة العيب. وإذا وضح مأخذ مذهب ابن القاسم وهو كون المشثري الذي باع هذا المبيع لم يلحقه ضرر من جهة العيب، فيقال على هذا التعليل: إنَّه متى لحقه الضرر، كان له القيام بالعيب، مثل أن يفوت المبيع عند المشتري الثاني فيرجع على المشتري الأوَّل بقيمة العيب، فيصير المشتري الأوَّل قد لحقه الضرر من ناحية العيب، فيكون له أن يطالب البائع بما غرم له, لأنَّه إذا طالبه بما غرم، ارتفع الضرر عنه. إلَاّ أن يكون قيمة العيب من الثمن الذي اشترى به الأوَّل أقل مقدارًا من هذا الذي أخذه المشتري الثاني من المشتري الأوَّل، فيكون من حق البائع أن يغرم له هذا, ولا يلزم أن يعطيه ما غرم هو، لأنَّه قد يكون حال السوق بزيادة أو غبن المشتري منه. فكانت قيمة العيب من الثمن الثاني أكثر من قيمة العيب من الثمن الأوَّل. قال ابن الموّاز إلَاّ أن يكون إكمال الثمن أقل من هذين فلا يلزم البائع إلَاّ إكمال الثمن؛ لأنَّه إذا أكمله سقط مقال المشتري لأرتفاع الضرر عنه لأجل العيب. وإن الثمن لو عاد إليه كما دفعه، لم يبخسه العيب شيئًا. فلهذا قلنا: إن البائع عليه الأقل من ثلاثة أشياء. إمَّا ما غرمه المشتري منه، أو قيمة العيب من الثمن الذي قبض، أو ما بقي على المشتري من خسارة من الذي دفع البائع. وقد أشار بعض أشياخي إلى أنَّ هذا التخيير بين هذه الوجوه الثلاثة هو مذهب ابن القاسم. وأشار غيره إلى أنَّ ذلك إنَّما يستقيم على مذهب أشهب الذي قدَّمناه عنه. واحتجَّ هذا المتأوَّل بما وقع في العتبيَّه لابن القاسم فيمن اشترى عبدًا به عيب فباعه ثمَّ علم بالعيب وقد حدث عند المشتري عيب اختار أن يغرم البائع منه وهو المشتري الأوَّل قية العيب، أنَّ هذا المشتري الأوَّل إذا غرم للمشتري الآخر قيمة العيب رجع هذا الأوسط على الأوَّل بقيمة العيب. فلم يلتفت إلى ما كان بين الأوسط والآخر. وهو أيضًا لا يعتبر تغير الأسواق في

стр. 1842

مثل هذا إذا قام المشتري بالعيب بعد أن باع وهو لم يعلم به. ألا تراه يقول، فيمن اشترى عبدًا به عيب لم يعلم به فقتل العبد في يديه فأخذ من القاتل قيمة العبد، فإنَّه يرجع بقيمة العيب على من باع. ولم يلتفت إلى القيمة المأخوذة في القتل، هل مثل الثمن فأكثر، فلا يكون له مطالبة بقيمة العيب لحصول الثمن الذي دفعه في يديه موفرًا. خلافًا لأشهب الذاهب في هذا إلى أنَّ القيمة المأخوذة عن القتل إذا كانت مثل الثمن فأكثر، فلا رجوع للمشتري بقيمة العيب، طردًا لأصله الذي قدَّمناه عنه. وبعض أشياخي الذي حمل ما ذكره ابن الموّاز من التخيير بين الثلاثة أوجه يعد ما قاله ابن القاسم في مسألة القتل كالمناقض لما ذكره ابن المواز من التخيير في الأوجه الثلاثة. وقد يؤكد في نفسه ما تأوَّله على ابن المواز من أنه ساق ما ذكره من التخيير عن ابن القاسم كونه يذهب فيمن باع ولم يعلم بالعيب إلى مذهب ابن القاسم في أنَّ المشتري لا مقال له لما قدَّمناه من التعليل. وقد نقل ها هنا أنَّ ابن القاسم إنَّما يذهب إلى سقوط مقال المشتري إذا لم ينله ضرر من جهة هذا العيب. فإذا ناله الضرر بأن خوصم فيه وحوكم وأغرمه المشتري منه قيمة هذا العيب، فقد انتقض في هذا الجزء المبيع لمَّا أخذت قيمته فيما بين المشتري الأوَّل والثاني. فكذلك انتقض البيع في هذا الجزء وفيما بين المشتري الأوَّل والبائع الأول الذي (١) منه، فيرجع بالقيمة على حسب ما ذكره في العتبيَّة كما قدَّمناه عنه. أو يعود الأمر إلى التخيير لأجل ما ذكرناه من التعليل لكل وجه من الأوجه الثلاثة المخيَّر فيها. وذكرت عن بعض أشياخي أنَّه ناقض ابن القاسم في مسألة القتل بما ذكره ابن المواز من التخيير بين الأوجه الثلاثة. وأنَّ مقتضى التخيير فيها أنَّ المشتري إذا حصل في يديه مثل الثمن فأكثر، فلا مقال له. وكنت قدَّمت عن الشافعيَّة اختلافًا في تعليل ما ذهبوا إليه من كون

стр. 1843

المشتري إذا باع فلم يعلم بالعيب، فإنَّه لا مقال له، أنَّ منهم من قال: العلَّة في ذلك كون المشتري استدرك الظلامة. وأشار بهذا إلى ما بسطه ابن القاسم من التعليل من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب. ومنهم من علَّل بأنَّه لم يويس من رد المبيع المعيب، فإذا أمكن رده على المشتري الذي باعه، لم يمكن الآن من القيام بالعيب. بخلاف عتق المشتري للعبد المعيب لأنَّ العتق يقتضي الإياس من الرد. فقد يقال أيضًا على هذا التعليل: إنَّ القتل يقتضي الإياس من الرد بخلاف الطلب بقيمة العيب والعبد قائم لم يفت. وعلى هذا الأسلوب من التعليل يجري الأمر في هذا المشتري إذا باع وهو عالم بالعيب معتقدًا أنه حدث عنده، ثمَّ علم أنَّه كان عند البائع، فإنَّ له مطالبة الذي باع منه بقيمة العيب من الثمن الذي دفعه أو إكمال الثمن. وسقط الوجه الثالث لكونه لم يغرم لمن يشتري منه شيئًا إذا باع وبين العيب. وكذلك إن وكَّل وكيلًا على البيع فباع الوكيل وبيَّن العيب معتقدًا أنَّ الذي وكَّله حدث العيب عنده، فإنَّ التخيير الذي ذكرنا ها هنا مأخوذ ممَّا تقدَّم بيانه. ولو توجَّه للمشتري الآخر على المشتري الطلب بقيمة العيب لفوت المبيع في يديه فألفاه مفلسًا فأراد أن يرجع بما وجب له على البائع الأوَّل إذا كان هو الأقل (١) من الثلاثة الأوجه التي يجب للمشتري الأوَّل على من باع منه، فقيل يمكن من ذلك. كما يمكن من ذلك لو استحقَّ المبيع من يديه لكون البائع الأوَّل غريمًا لغريمه، فما وجب له على غريمه كان له أخذه، إذا فقد غريمه، من غريم غريمه. وقيل لا يمكن من ذلك. لأنَّ هذا الوجوب لم يتيقَّن لإمكان أن يكون المشتري الأوَّل راضيًا بالعيب. وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا اشترى معيبًا باعه قبل أن يعلم بالعيب ثُمَّ عاد إليه، فإنَّ هذا ممَّا اختلف الناس فيه. فذكر الطحاوي أنَّ أبا حنيفة لم يمكنه من رد هذا المعيب على من باعه،

стр. 1844

ولو ردَّه عليه المشترى منه بعيب. وذكر عن أبي يوسف أنَّه يمكن من رده على الذي باعه منه إذا ردَّ عليه بعيب. واختار الطحاوي ألَاّ يمكن من الرد إلَاّ أن يرجع إليه باختياره من غير أمر وجب عليه، فإنَّه يمكن من الرد. والمذهب عندنا تمكينه من الرد على أي حال، عاد ذلك إليه بعسب ردَّ به عليه أو بميراث أو هبة. وتردَّد بعض المتأخرين من الأشياخ في النظر في هذا لأجل أنَّ ابن القاسم إنَّما علَّل منع من اشترى معيبًا، ثُمَّ باعه قبل أن يعلم بالعيب، من القيام بالعيب، لكونه لم يلحقه ضرر من أجل هذا العيب، ولا بخس في الثمن لأجله شيئًا على حسب ما قدَّمنا بيانه. ومقتضى هذا ألَاّ يمكن من الردِّ إذا اشتراه لأنَّ هذا ملك مستأنف والبيع الأوَّل باق على حاله لم يلحقه فيه ضرر لأجل العيب. فأشار إلى التردد ما بين المذهب وما حكيناه عن أبي حنيفة. فإذا تقرَّر أنَّ المذهب تمكينه من الردِّ إذا اشتراه، فإنَّ ابن حبيب ذكر أنَّه لا يمكن من الرد إذا اشتراه بشرط إن لم يكن خاصم فيه قبل أن يشتريه، فحكم القاضي عليه بمذهب ابن القاسم وأنَّه لا مقال له لانتفاء الضرر عنه كما بيناه. فأمَّا إن خاصم فقضي عليه بأن لا مقال له، فإنَّه إن اشتراه، لن يمكن من الرد لكون القضيَّة نفذت بسقوط حقه في هذا. وأنكر الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد هذا فقال: هذا بعيد من أصولهم. فإن قيل: لم قال الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد هذا بعيد من أصولهم، وقد ذكر في المدوّنة في نكاح فسد لكونه انعقد بغير ولي فرفع إلى قاض يرى جوازه فأقرَّه، أنَّ هذا الحكم لا يفسخه غيره. وقدَّر أنَّ الترك ها هنا والإقدار على الفعل كاستئناف فعل؟ قيل: القاضي إذا حكم بإجازة هذا النكاح، فإنَّه قضى بذلك قضيَّة مؤبَّدة غير معلقة بشرط ولا علَّة. والقاضي إذا قضى بمنع هذا من المطالبة

стр. 1845

بالعيب، فإنَّما ذلك لكون رد المبيع المعيب لا يمكنه، فإذا أمكنه ذلك، سقط الحكم لكونه معلقًا بشرط وعلَّة، فإذا زال ذلك، زال الحكم. وقد قال في المدونة: لا يمكن من خصام من باع منه، فإن اشتراه فله الرد. وقد يقتضي هذا أنَّ له الرد، وإن اشتراه عالمًا بالعيب مع كونه لما اشتراه عالمًا بالعيب مسقطًا لحقه في القيام به على هذا الذي اشتراه غير عالم بالعيب. ولو كان هذا المبيع المعيب باعه من اشتراه فتداولته الأملاك فاشتراه مشتريه الأوَّل من مشتريه الآخر، فقد ذكر في المدوَّنة أنَّ لهذا الذي اشتراه أولًا ممن اشتراه آخرًا، أن يرد، على من اشتراه منه آخرًا. ووقع في بعض روايات المدوَّنة: له أن يرد عليه. وظاهر هذا الضمير عند بعض المتأخرين أنَّه يعود على من اشتراه منه أولًا. وقد تعقب هو وغيره من الأشياخ رده على الأوَّل بأن ردَّه على الآخر يتضح ما قرَّرناه. وردَّه على الأوَّل إنَّما يتضح لو وقع التراد من واحد على آخر حتى ينتهي الأمر إلى هذا المشتري الأوَّل. فإذا انتهى إليه لحقه الضرر، فكان من حقِّه الرد. فإذا لم يقع التراد وعلم أنَّ في هؤلاء الجماعة المشترين من مراده ترك الرد إذا كان من حسن النظر له عند نفسه ألَاّ يرد لخسارة تلحقه في ذلك، ومنهم من يختار الرد لكون الرد أنفع. وهذا الإمكان لو خرج إلى الوجود وخرج أحدهم بأنَّه قد التزم هذا المبيع المعيب بعينه وقطع التراجع حتَّى لا يصل الرد إلى المشتري الأوَّل، لسقط حق المقال في هذا العيب لكون المبيع لم يرجع إليه على حسب ما قدَّمناه من مذهب ابن القاسم. وهذا يقتضي ألَاّ يمكن من الرد على الأوَّل. وقد رأى بعض أشياخي أنَّ هذا قد يجيء على القولين في مسألة كتاب البيوع الفاسدة. وهي إذا اشترى سلعة شراء فاسدًا ثمَّ باعها بيعًا صحيحًا ثمَّ اشتراها، أن في ذلك قولين، أحدهما: قد ارتفع حكم الفوت لمَّا عادت السلعة إلى يديه ولم يحل سوقها، فيقدر كأنَّها لم تخرج من يديه. والقول الآخر: إنَّ

стр. 1846

ذلك يمنع من الرد لاختلاف الأملاك واختلاف العهد. فكذلك ينبغي عنده أن يخرج الخلاف ها هنا. وهذا التخريج عندي فيه نظر. وذلك أنَّ الفسخ في البيع الفاسد حق لله سبحانه لا يسقط تراضي (١) المتبايعين على إسقاطه. والرد بالعيب يجوز الرضى به، ويسقط الحق إذا رضي مشتريه به. وقد ذكرنا إمكان رضي أحد هؤلاء الجماعة به، وإذا رضي به سقط مقال من كان قبله، فيسقط مقال المشتري الأوَّل لأجل هذا على حسب ما ذكرنا أنَّ بعض المتأخرين نَّبه عليه، مع كون هذه المسألة متصورة في التراجع ما بين ثلاثة أشخاص في البيع الفاسد. ونحن نذكر حكم التراجع بينهم في العيب، وهو أنَّ يشتري رجل سلعة معيبة ثُمَّ يبيعها قبل علمه بالعيب ويبيعها أيضًا من اشتراها منه من رجل آخر، فإنَّ هذا المشتري الآخر له أن يرد على الأوسط. فإذا ردَّ عليه كان الأوسط (٢) أن يرد على الأوَّل إذا لم يعلم بالعيب قبل أن يبيعها, لأنَّه إذا علم به ودلس به على المشتري الآخر، صار رضي منه بالعيب، وإذا لم يعلم، لم يكن راضيًا بالعيب، فكان له الرد على من باع منه وهو الآخر، وله الرد على الأوَّل لرجوع السلعة إليه، على حسب ما قدَّمناه وذكرنا اختلاف الناس فيه، لكون المبيع لمَّا انتقض البيع فيه بينه وبين الآخر، صار كأنَّه لم يبع، وهو إذا لم يبع فظهر له عيب قام به. وإذا تداولت السلعة أملاك كثيرة، أمكن أن يكون أحدهم لا يختار نقض البيع على حسب ما نبَّهنا عليه ممَّا تعقَّبه قوم من الأشياخ على المذهب. ولو أنَّ هذا الأوسط اشتراه من الآخر بأكثر من الثمن الذي باعه، فإنَّه إذا اختار ردَّه على الأوَّل لم يكن له مطالبة الآخر بشيء, لأنَّه لمَّا كان قادرًا على الرد عليه واسترجاع ما زاد عنده من الثمن فعدل عن ذلك إلى الرجوع إلى الأوَّل، فكأنَّه رضي بإمضاء البيع من الآخر.

стр. 1847

ولو تصوَّرت مسألة في رجلين بأن كانت عند رجل سلعة فباعها من رجل ثمَّ اشتراها منه فظهر فيها عيب قديم لم يعلما به، فإنَّ هذا المشتري الذي كان هو البائع الأوَّل من حقه أن يردها على هذا الذي اشتراها منه، لكن إذا كان الثمنان في البيعتين متساويين، (١) فلا فائدة في هذا التراد, لأنَّه إذا باعها الأوَّل بعشرة ثُمَّ اشتراها من مشتريها منه بعشرة فردَّها بالعيب على هذا المشتري الآخر وطالبه بعشرة، كان من حق هذا أيضًا أن يردها عليه ويطالبه بعشرة، فيتقاصان وتبقى السلعة في يد من هي في يديه الآن وهو البائع الأوَّل. ولو كان اشتراها البائع الأوَّل بأقل من الثمن الذي باعها به، لكان من حق هذا البائع الثاني أن يطالبه ببقيَّة الثمن الذي دفع إليه, لأن من حقه لمَّا ظهر العيب أن يرد عليه وقد صارت السلعة قد ردَّت إليه بالشراء، أو كأنَّها ردَّت إليه بالعيب (٢) وإذا ردَّت إليه بالعيب، طولب بالثمن. وقد حاول بعض أشياخي أن يخرج في هذا اختلافًا من اختلاف عبد الملك وابن القاسم في امرأة خالعت زوجها بمال دفعته إليه، فبعد الخلع ظهر لها أنَّ بالزوج عيبًا يوجب لها الخروج من عصمته وردَّ نكاحه بهذا العيب. فقال ابن الماجشون لها أن ترجع عليه بما دفعته إليه. وقال ابن القاسم لا رجوع لها عليه. وسبب هذا الاختلاف أنَّ ابن الماجشون يرى أنَّها لمَّا أرادت التخلص منه، ولم تقدر عليه إلَاّ ببذل عوض في ظاهر الأمر، وكانت في باطنه قادرة عليه من غير دفع عوض، كان لها ارتجاع ما دفعت من العوض، لأنَّها لو علمت بالحكم وأنَّها قادرة على التخلص، لم تبذل له عوضًا على ذلك. ورأى ابن القاسم أنَّها لمَّا دفعت ذلك باختيارها، مع إمكان رضاها بالعيب، لم يكن لها ارتجاع ما دفعت. فكذلك ها هنا لا يختار أن يكون هذا البائع الآخر لمَّا رضي أن يعيدها على بائعها بخسارة، وهو قادر على ألَاّ يخسر ويرد عليه بالعيب ويأخذ

стр. 1848

جميع ما دفع إليه من غير خسارة، فإنَّه لا يمكن من طلب هذه الخسارة، كما لا تمكن المختلعة من طلب ما خسرت بسبب الخلع. ويقدَّر على هذا المذهب أنَّ رجوعها بحكم الشراء ملك ثان محقق يستأنف من غير خلاف، وردَّها بالعيب إعادة لها على الملك الأول على أحد الطريقتين عندنا في كون الرد بالعيب نقضًا من أصله. وقد كنَّا أشرنا إلى ما قاله المخالف في أن اشتراءها لا يوجب تمكينه من الرد بالعيب، وما أشار إليه قوم من الأشياخ في تصحيح هذا المذهب وترددهم فيه. لكن قد يقال عندي في الاعتذار عن ابن القاسم: إنَّ طريقة الأعواض في الخلع بخلاف طريقة الأعواض في البيع، ألا ترى أنَّها لو خالعت بخمر أو خنزير فأبطلنا ذلك ونقضناه أو بغير ذلك ممَّا يتملَّك ويجب نقضه، فإنَّا إذا نقضنا هذه المعاوضة لم ترد إلى الزوج، مع علمنا بأنَّه إنَّما ترك سبيلها وباع منها منافع بضعها بما بذلته له، ثُمَّ مع هذا حكم عليه برد ما أخذه عوضًا عن ذلك، ولم يمكَّن هو من ارتجاع ما دفعه عوضًا عن ذلك لحرمة الفرج، ولكون الطلاق إذا وقع وبانت الزوجة، لم يحل التراضي على التراجع واستباحة الوطء من غير شروطه الشرعيَّه. ولو تصوَّر مثل هذا في البيع المحض بأن باع إنسان عبده بخمر أو خنزير أو بجنين في بطن أمِّه فنقضنا البيع، ورددنا ما في يديه، لكان من حقِّه أن يرتجع عبده الذي عاوض به عن هذا. وكأنَّ هذه الحقوق ماليَّه إبطال أحد العوضين إبطال للآخر. (١) والخلع ليس من الحقوق المالية المحضة، ولهذا أجيز وأمضي عقده بغرر وما (٢) لا يجوز في عقود البياعات. فهذا يمكن أن يكون انفصالًا عمَّا ألزمه بعض أشياخي. وهذا الذي صوَّرناه في مسألة العيب من ترادد هذا البيع ما بين هذين الرجلين محمله على أنَّ العيب تحقَّق قدمه. ولو كان مشكوكًا فيه هل هو قديم

стр. 1849

كان عند البائع الأوَّل أو حدث عند المشتري، لجرت فروع هذا على ما سنؤصله في حكم العيب المشكوك فيه. وهو أنَّ العيب ربَّما أوجب ردَّ المبيع بعينه أو طلب بعض الثمن، وكلا الأمرين لا يثبت إلَاّ بيقين، وأمَّا مع الشك، فلا تجب غرامة ولا ينتقض عقد بيع. فمن طلب غرامة أو طلب نقض بيع، فهو المدعي وعليه البيِّنة، والآخر مدَّعى عليه فالقول قوله مع يمينه. ولهذا قال ابن الموّاز في هذه المسألة: إذا كان العيب مشكوكًا فيه، واشترى السلعة البائع الأوَّل بأقَّل، فالقول قوله في أنَّ العيب لم يكن عنده, لأنَّ المشتري منه يقول له: العيب كان عندك، فمن حقي أن أردَّ السلعة عليك، وها هي في يديك، فادفع إليَّ بقيَّة الثمن. ولو اشتراها على هذا الذي ذكره ابن الموّاز بأكثر ممَّا باعها به، لكان هو الطالب لردها على البائع الآخر ليستردَّ منه ما زاده على الثمن بعد أن دفعه راضيًا به، ونحن على شك هل العيب كان عنده أو عند هذا المطلوب؟ فالقول قول المطلوب أيضًا لأنَّه تلزمه (١) غرامة بالشك. وهذا إذا كان الطلب في تقديم أحدهما للآخر. وأمَّا إن تصوَّر الطلب منهما جميعًا، هذا في غرامة مال واسترجاعه، وهذا في حل عقد، فإنَّهما يحلفان جميعًا لما قلَّمناه من أنَّ الغرامة لا تكون بالشك، ولا ينحل أيضًا العقد بالشك. ولو صوَّرنا الشك في هذا العيب في ثلاثة أحوال، وهي إمكان كونه عند البائع الأوَّل قبل أن يبيعه، أو عنده بعد أن اشتراه، أو حدث عند المشتري منه، وكان الاشتراء بأقل من الثمن، تحالفا جميعًا على حسب ما صوَّرناه. وكذلك لو كان بأكثر، فإنَّه يجري على ما قدَّمناه من كون المخاصمة في طلب غرامة أو حل عقد أو فيهما جميعًا.

стр. 1850

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إذا اشترى عبدًا آبقًا دلس البائع بإباقه فباعه المشتري، وهو لا يعلم بإباقه، فأبق عند الثالث فهلك بسبب إباقه، فها هنا حكم التبعيض المختلف بأنَّ البيعة الأولى التي دلس فيها بالإباق يجب على بائعها رد الثمن الذي قبض، والبيعة الثانية لم يدلس بائعها، فتجب قيمة العيب بهلاك المبيع. فها هنا اختلف المذهب في هذا، لمَّا اجتمع هذان الأمران المختلف حكمهما. فالأصل أن يرجع الثالث على الثاني بقيمة العيب, لأنَّ الأوسط الذي باع من الثالث لم يدلَّس فإنَّما عليه قيمة العيب. والأوَّل حكمه مع الثاني إذا وجب له القيام عليه أن يأخذ منه جميع الثمن. هذا حكم كل واحد مع صاحبه على الإنفراد. فإذا اجتمع الثلاثة أشخاص، فقال ابن القاسم يؤخذ جميع الثمن من الأوَّل فيدفع إلى الثالث، إلَاّ أن يزيد هذا الثمن المقبوض من الأوَّل على ما دفعه الثاني من الثمن وعقد به، فإنَّ هذه الزيادة تكون للأوسط، لكون الآخر قد رجع إليه جميع الثمن الذي دفع، فالزيادة عليه لا حقَّ له فيها. أو يكون الثمن الذي يأخذ الأوَّل نقص عن قيمة العيب من الثمن الذي دفعه الثالث، فإنَّ من حق الثالث أن يرجع بتمام قيمة العيب على الأوسط الذي باع منه. كما كان ذلك من حقه لو انفرد. فكأنَّ ابن القاسم قدَّر في هذا أنَّ الثالث، وإن لم يدلس عليه من باشره بالبيع، فإنَّ المدلس على من باع منه يقدَّر مدلسًا عليه. وحكم من دلس عليه ها هنا أن يرجع بجميع الثمن. ويؤكد عنده كون الأول كالمدلس على الثالث، أنَّ الثالث يقول له: لو أعلمت الأوسط الذي باع مني بالإباق لأعلمني به، فلم أشتر هذا العبد منه، وإن لم يعلمني به، كان به مدلسًا علي، فأنت سبب في إتلاف الثمن علي. ومتلف الشيء بسبب يقتضيه بلا بدٍ كمتلفه بمباشرة، فلهذا قضي على البائع الأوَّل برد الثمن كلِّه وإعطاء الثالث ما لم يكن أكثر مما دفع الثالث أو أقلَّ من قيمة عيبه من ثمنه. وذكر أصبغ أنَّ الثمن إذا أخذ من الأوَّل، دفع منه إلى الثالث قيمة العيب الذي يستحقه على الثاني لو انفرد به، وسلَّم. بقيته إلى الأوسط. فإما أخذ جميعه

стр. 1851

من الأوَّل، كما قدَّمناه من التعليل، وإما اقتصاره، في هذه الرواية على ألَاّ يعطى منه الثالث إلَاّ قيمة العيب خاصَّة. فلأجل أنَّ الثالث لم يدلس عليه من باع منه، ولا يقدَّر أنَّ الأول كالمدلس عليه, لأنَّه وإنْ كان كالسبب في هذا، فإنَّ السبب إذا ضعف لا يؤثر، وإذا قوي أثَّر. وهو فيما بين الأوَّل والثاني. فلهذا وجب رد الأوَّل على الثاني ما قبض منه وهو ضعيف فيما بين الأوَّل والثالث، فلهذا لم يجب أن يرد على الثالث جميع ما دفع. واختار ابن الموّاز مذهبًا ثالثًا وهو كون الأوَّل لم يضر الثاني بتدليس، فصار تدليسه لا تأثير له، على حسب ما علَّلناه في مذهب ابن القاسم فيمن باع عبدًا معيبًا فباعه مشتريه قبل أن يعلم بالعيب ثمَّ علم به، فإنَّه لا رجوع له على من باع منه، لكون هذا العيب لم يلحق المشتري منه ضرر لمَّا باع، على حسب ما قدَّمنا بيانه، فكذلك ها هنا لمَّا باع الأوسط ولم يبخس لأجل العيب شيء فيسقط حكم التدليس فيما بينه وبين البائع. وهذا الأوسط لمَّا باع هو غير مدلس أيضًا. فالتدليس لا يتصوَّر ها هنا. لكن كنَّا قدَّمنا في المسألة التي مثلنا بها ها هنا فيمن باع عبدًا اشتراه معيبًا أنه لا مقال له عند ابن القاسم ألَاّ (١) يفوت العبد في يد مشتريه الثاني، فإنَّ المشتري الأوَّل إذا رجع عليه المشتري الآخر بقيمة العيب رجع هو أيضًا على من باع منه بما غرم من ذلك للحوق الضرر له بهذه الغرامة، أو بإكمال الثمن الذي دفعه أو قيمة العيب من الثمن الذي دفعه أيضًا، يرجع بالأقل من هذه الثلاثة أوجه على حسب ما قدَّمنا بيانه وتعليله. وكذلك يجب أن يكون للثالث أن يرجع ها هنا على الأوَّل المدلس بما كان يرجع به عليه الثاني إذ طالبه الثالث بالواجب في هذا، وهو الأقل ممَّا يغرمه الأوَّل للثالث ممَّا غرم الثالث، أو إكمال رأس ماله أو قيمة العيب من ثمنه. وكأنَّ ابن المواز قدَّر أنَّ حكم التدليس قد ارتفع لما بيَّناه، فلا يكون للأوسط في العيب مقال، إلَاّ أن يلحقه ضرر منه. فإذا لحقه الضرر أزيح ذلك الضرر بما يدفعه، وهو أحد هذه الوجوه الثلاثة.

стр. 1852

ويقدح في المذهبين المتقدمين اللذين تضمَّنا إيجاب غرامة الأوَّل وجميع ما قبض، بأنَّ هذا الأوسط قد أخذ عوضًا عن هذا العبد الذي دلس عليه ودفع إليه جميع ما هو عوض إلَاّ الجزء الذي دلس به؛ لأنَّ ماله رجوع بقيمة ذلك. وأمَّا أن يجتمع له أخذ عوض ما اشتراه ودلس عليه به بالرجوع بثمنه، فإنَّ هذا خلاف مقتضى الأصول وخارج عمَّا يجب في أحكام التدليس. والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: إذا اشترى عبدًا به عيب فباع نصفه قبل أن يعلم بعيبه، فإنَّ هذا النصف المبيع يجري حكم العيب فيه على ما قدَّمناه من الإختلاف في بيع ما بيع قبل أن يعلم بعيبه. فمذهب ابن القاسم أن لا مقال له فيه. ومذهب أشهب أنَّه يرجع بالأقل ممَّا نقص قبضه فيه كما دفعه فيه أو قيمة نصف العيب في هذا النصف، وعلى المذهب الثالث يرجع بقيمة العيب على الإطلاق. وأمَّا النصف الثاني يبدَّأ بالتخيير فيه بين أن يدفع نصف قيمة العيب المختص بهذا النصف الباقي، فيسقط مقال المشتري فيه، أو يقبله من المشتري بعيب الشركة والتبعيض الذي ذكره، فيكون المشتري مخير أبي ن أن يقبل هذا النصف بجميع الثمن، أو يرده ويأخذ نصف الثمن. وكأنَّه يرى أن حكم الفوت إذا أوجب التخيير جعل التخيير في جنبة من لحقه الضرر. فإذا كان المشتري هو الذي يلحقه الضرر بغرامة تلزمه إذا ردَّ لكونه حدث عنده نقص، كان مخير أبي ن الرد والإمساك وأخذ قيمة العيب. وإن كان الضرر في الرد يختص بالبائع. كان البائع هو المبدَّأ بالخيار، فله أن يعطي نصف قيمة العيب ويمنع المشتري من الرد لأجل ما يلحقه من الضرر. ولو قضينا للبائع بهذا فدفع نصف قيمة العيب ثمَّ ردَّ هذا النصف المبيع على المشتري الأوَّل الذي باعه، فإنَّ الأشياخ اختلفوا إذا دّعا (١) أحدهما إلى نقض هذا الحكم ورد نصف قيمة العيب، وتخيير المشتري بين أن يقبل بجميع الثمن أو يرد. فمنهم من ذهب إلى أن ذلك حكم مضى ولا يرد. ومنهم من

стр. 1853

ذهب إلى أنَّ هذا حكم إنَّما أمضي لعلة وهو ضرر البائع بالتبعيض، فإذا ارتفعت العلَّة، وجب ارتفاع هذا الحكم الذي تعلق بها. وأشار بعضهم إلى أنَّ هذا نحو ما قدَّمناه من الاختلاف. وما حكيناه عن ابن حبيب من كون القاضي إذا منع المشتري لمَّا باع من القيام بالعيب ثمَّ استرجع المبيع، أنَّه لا يرده. وذكرنا عن الشيخ أبي محمَّد ابن أبي زيد قال: هذا بعيد من أصولهم، فكذلك ها هنا. وقد يقال: بل هذه المسألة آكد، لأجل أنَّ الذي ذكرناه ممَّا استبعده الشيخ أبو محمَّد كأنَّه قضيَّة وقعت بإقرأر وترك، وهذه وقعت لغرامة وفعل فيجب أن تكون آكد. ولو أنَّ المشتري لهذا العبد لم يبع نصفه ولكن تصدَّق بالنصف، فإنَّ هذا النصف المتصدق به يجب للمتصدق أخذ قيمة عيب هذا النصف كما لو تصدَّق بجميع العبد. وأمَّا النصف الآخر فإنَّه يحكم فيه بما ذكرناه من تخيير البائع بين أن يعطي قيمة نصف العيب المختص بهذا النصف، أو يمتنع فيخيَّر المشتري بين رده وقبوله لأجل ما قدَّمناه من التعليل هكذا. وروى عيسى عن ابن القاسم وقال عيسى عنه أيضًا: إنَّ للبائع التخيير إليه إذا زاد الثمن زيادة بينة، قال: أنا أختار أن نبيع نصف قيمة العيب في النصف المتصدق به. كأنَّه قدَّر أنَّ هذا البائع لمَّا باع، وهو يعلم أنَّ المشتري منه يمكن أن يبيع كلَّ المبيع أو يبيع نصفه بأن التراضي بعيب التبعيض، فلا يقدم في التخيير. وأما الفوت من ناحية الصدقة، فإنَّه لا يختلف فيه أنَّ من اشترى عبدًا ثمَّ تصدَّق به أو وهبه، فإنَّ له قيمة العيب لكونه خرج عن ملكه ولا يمكن رده، مع كونه لم يستدرك الظلامة بأن أخذ عن العيب ولا عن جهة العبد عوضًا. وقد تتوزع في الهبة لو كانت من المشتري لهذا العبد المعيب على ولد له يمكن اعتصار هذه الهبة منه، فقيل: ليس له أخذ قيمة العيب لما كان قادرًا على ارتجاع العبد إلى ملكه من غير اختيار الموهوب، فكأنَّه على هذا التقدير لم يخرج عن يده ولا عن ملكه. والعبد إذا لم يخرج عن يده ولا تغيَّر في نفسه، فإنه لا يمكن من أخذ قيمة العيب. إلى هذا ذهب الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب.

стр. 1854

وعلى تعليله لو كان ذلك صدقة لا يمكن اعتصارها لكان لهذا المشتري المتصدق أخذ قيمة العيب، لكونه غير قادر على ارتجاعه إلى ملكه، لكون الصدقة لا تعتصر. وذهب ابن حبيب إلى أنَّه يأخذ قيمة العيب إذا وهب لابنه لكونه الآن قد خرج عن ملك المشتري، وقدرتُه على أن يرتجعه إلى ملكه لا يثبت بها حكم مارجع إلى ملكه. وقد اشتهر ما تقتضيه أصول المذهب من الاختلاف فيمن قدر أن يملك، هل يعد كالمالك أم لا؟ وهذا الذي نحن فيه جار على الخلاف في هذا الأصل. فإذا تقرَّر أن الهبة توجب أخذ القيمة للعيب إذا كانت هبة لا تعتصر، فالعتق أيضًا أولى بذلك، وبكونه فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب، لكون الملك قد خرج به من يد المشتري خروجًا لا يأخذ عنه عوضًا، ولا استدرك به الظلامة، وهو ميؤوس من رجوعه إلى الملك. فكان أحرى بكونه فوتًا. ولا اعتبار ها هنا لحصول الثواب عن العتق، وتقديره عوضًا جعل له, لأنَّ هذا العوض ليس من جنس ما أخذه منه البائع هو المقصود في التعاوض بالأملاك. مع كون الرقية السالمة من العيب أكثر أجرًا في العتق من الرقبة المعيبة. فمقدار العيب لم يحصل عنه عوض لا من ناحية أعواض الدنيا ولا من أعواض الآخرة. وإن كان ربَّما حصل عوض الآخرة من ناحية نيّه المعتق. فكذلك الكتابة هي أيضًا فوت لأنَّها في معنى العتق، فأجري عليها حكم العتق ها هنا. ولا أعتبار بما يأخذ من المكاتب من عوض, لأنَّ النجوم ليست بدين ثابت مستقر في ذمَّة المكاتب. فالعوض الذي دفع للبائع قد حصل له، والعوض الذي يأخذ هو من المكاتب لم يحصل له ولا هو مستقر في الذمَّة. وكون المكاتب يرتجى عجزه وعوده إلى الملك لا يمنع من كون الكتابة فوتًا يوجب الرجوع بقيمة العيب؛ لأنَّا إنما نعلِّل البيع على مذهب ابن القاسم بأنَّه قد استدرك الظلامة، على ما تقدَّم بيانه، وها هنا لم يستدركها، كما بيَّناه، مع كونه غير قادر على التصرُّف في المكاتب، فصار ذلك العتق في تمكينه من طلب قيمة العيب. لكن هذا المكاتب لو عجز بعد ما أخذ مشتريه الذي كاتبه قيمة العيب لأجل كون الكتابة فوتًا، فإن بعض

стр. 1855

الأشياخ قال: هذا حكم مضى لا ينقض. ويمكن (١) من أراد نقضه وارتجاع قيمة العيب من ذلك. وكذلك لو مرض المشتري وبلغ بموجبه السياق حتَّى وجبت قيمة العيب ثمَّ صحَّ العبد، فإنَّ ذلك أيضًا حكم قد مضى. وهذا قد قدَّمنا نحن اختلاف الأشياخ في مسألة لمَّا تكلَّمنا على من باع نصف عبد اشتراه واختار البائع أخذ قيمة العيب ثمَّ رجع النصف الآخر إلى المشتري، فما ذكرناه يجري ها هنا. والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: اختلف الناس فيمن اشترى أمة فوطئها، ثمَّ اطلع على عيب كان عند البائع، ولم يعلم به حتَّى وطئ، فمذهب مالك أنَّ ذلك ليس بفوت يوجب أخذ قيمة العيب. هذا المشهور عنه وعن أصحابه. لكن إن كانت الأمة بكرًا فافتضها، أنَّه يخيَّر بين أن يأخذ قيمة العيب لأجل ما يلحقه من الغرامة، أو يرد الأمَّة ويرد ما نقصها الافتضاض. وقال بعض المتأخرين: إنَّما ينقصها الافتضاض إذا كانت علية، وأمَّا إن كانت من الوخش، فإنَّ الافتضاض لا ينقصها. وهذا الذي قاله إن ثبت له من جهة العادة، فلا بدَّ من تقييد المسألة بما أشار إليه من كون الافتضاض يوجب التخيير في العليات دون الوخش. وأمَّا الافتضاض للوخش فكوطء الثيبات الذي لا يوجب التمكين من أخذ قيمة العيب. ولهذا قال الشافعي من كون وطء الثيِّب ليس بفوت ولا يوجب أخذ قيمة العيب. لكن لو كان ذلك في الأبكار فكان ذلك عيبًا فيهن لكان الحكم ما قدَّمناه عنه في حكم حدوث عيب عند المشتري وقد اطَّلع على عيب. وذكر ابن حبيب عن ابن نافع وابن وهب وأصبغ أنَّهم يرون الوطء فوتًا يوجب أخذ قيمة العيب. ولهذا قال أبو حنيفة ويذكر ذلك عن علي بن أبي طالب، ﵁، ذكره ابن حبيب وذكره بعض البغداديين من أصحابنا، ومن أصحاب الشافعي عن علي ﵁. وبه قال الليث وابن شهاب. وذهب عمر بن الخطَّاب رضي

стр. 1856

الله عنه، إلى أنَّه ليس بفوت، كما ذهبنا إليه في الثياب (١) وفصَّلنا القول فيه في الأبكار، ولكنَّه يوجب، مع تمكين الواطىء من الرد، غرامة صداق مثل الأمة. وبه قال ابن أبي ليلى. وذكر سحنون ﵁ عن بعض من ذهب إلى أنَّه ليس بفوت أنه يرد في الشيب نصف عشر قيمتها، وفي البكر عشر قيمتها. هذا جملة الخلاف في هذه المسألة. وأمَّا الذاهبون إلى أنَّ ذلك فوت يمْنع من الرد، فإنَّهم قد يذهبون لذلك أخذا بحماية الذريعة لمَّا كانت الفروج لا يحلُّ استباحتها إلَاّ بنكاح أو ملك يمين. وملك اليمين ها هنا قد بطل لأجل الرد بالعيب، وانحلَّ البيع من أصله، فحصل (٢) الوطء كأنَّه في غير ملك ولا نكاح ها هنا. فوجب أن يتلافى هذا بإيجاب الصداق حتَّى يقدَّر بأنَّه وطئ بحكم استباحة النكاح. واستبعد آخرون هذا التعليل لمَّا كان العيب من سبب البائع ولم يكن للمشتري فيه مدخل، والوطء حصل من المشتري بحكم الملك، لو شاء لأبقاه في يده على التأييد، فلا يلزمه عوض عنه، وإنَّما يقدر سقوط ملكه الآن لمَّا اختار ردَّه، لا سيَّما إذا قلنا: إنَّ الردَّ بالعيب كابتداء بيع. ولا معنى لحماية الذريعة لأجل أنَّ الذريعة إنَّما تجب في أمر دخل المتعاقدان فيه مدخلًا واحدًا، فيُتصوَّر إتَّهامُهما على التحيل على ما لا يحل، وعارية الفروج وإباحة الوطء. بغير عوض دخل فيه مالك الأمة وواطئها. وها هنا لم يدخل الواطىء على هذا، فيبعد أن يظنَّ به أنَّه واطأ مالك الأمة على أن يزن له الثمن ثمَّ يرد بالعيب عليه ويظهر أنَّه لم يعلم به. وقد كان بعض أشياخي يعلل في هذا أن الوطء إذا حصل على وجه يمنع من إباحة وطء الأمة لمن يملكها، أو يمنعه من التصرف فيها بحكم الملك التصرف المطلق، أنَّه يوجب على الواطىء إغرام القيمة، على ما سنبيَّنه في

стр. 1857

وطء أحد الشريكين أمة مشتركة بين الواطىء أو بين رجل آخر. وقد احتجَّ بعض من ذهب إلى أنَّ الوطء ليس بفوت بأنَّ الأمَّة لو كانت ذات زوج فوطئها الزوج، فإنَّ وطأه لا يكون فوتًا. وهذا قد يجاب عنه بأنَّ استحقاق هذا الوطء كان عن عوض، وهذا أمر لم يُستحق بمجرد عقد شراء الأمة، فكان هذا بخلاف وطء مشتريها له الذي لم يُستبح إلَاّ بالعقد الذي قد فُسخ ورُدَّ بالعيب. وقد أشار بعض أصحاب الشافعي إلى ضعف هذا الفرق، ورأى أنَّ ما يحدث عند المشتري من نقص بحكمه، وإن اقتضاه العقد. ومثَّل هذا بمن اشترى عبدًا سارقًا توجَّه عليه قطع يده في السرقة، ولكنَّه لم يقطع حتَّى اشتراه، فإنَّه إذا قطع عند المشتري، كان ذلك نقصًا مانعًا من ردِّه، وإن قدَّر أنَّ البائع كأنَّه باع العبد واستثنى هذه اليد كما يقدَّر في مشتري أمة ذات زوج أنَّ وطء الزوج كالمستثنى حين العقد. وهذا الذي قاله في قطع هذا العبد السارق قد لا يسلمه أصحابنا، ويرون أنَّ للمشتري ردَّه بالعيب من غير غرامة لأرش اليد, لأن المشتري لم يدفع عنها عوضًا، فيكون له الطلب بقيمة هذا الجزء الذي قطع. وكذلك لا يكون للبائع المطالبة بأرش هذا الجزء الذي قطع عند المشتري، لأنه لم يملكه المشتري ولا عاوضه عليه، ويطالب (١) به المشتري إذا ردَّ. وقد اختلف الأشياخ المتأخرون من أصحابنا فيمن اشترى عبدًا به ورم، لم يعلم به، فزاد الورم عند المشتري، ثُمَّ اطلع عليه، هل على المشتري إذا ردَّ بالعيب أن يغرم قيمة ما زاد في هذا الورم أم لا؟ قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان لا غرامة عليه. لأنَّه إنَّما ردَّ هذا المبيع لأجل العيب الذي نقصه/ بهذا الورم، فإذا كان الورم هو سبب الرد، ولأجله مُكَّنَ المشتري من حل العقد، فلا يطالب بغرامة هذه الزيادة. فإن كان البائع لم

стр. 1858

يدلس بهذا الورم لأجل أنَّه لمَّا كان أصل الورم عنده قُدر كان نماءه عند المشتري كان عنده. وخالفه غيره من الأشياخ في هذا، ورأى أنَّ المشتري مطالب بغرامة هذه الزيادة لما حدث عنده، والبائع لم يدلس بها, لأنَّه إذا دلَّس بها لم يطالب بعهدة هذا الورم، ولا بما كان عنه، كما لا يطالب بموت العبد من عيب دلَّس به، وإذا لم يدلس فإنَّ المشتري ضامن لجميع الأجزاء التي دفع إليه. فما ذهب منها طالب به كما يطالب بالجملة. وزيادة الورم تقدَّر كأجزاء ذهبت من العبد لفساد الجسم بهذا الورم. فأنت ترى ما قاله الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان من أنَّ المشتري لا يغرم هذه الزيادة، وإن لم تشترط عليه ولا علمْ بها هو ولا البائع منه، فكيف بهذا العبد المشترط أنَّه سارق قد حكم بقطع يده، فقد صار الدخول بهذا الشرط يدفع الطلب بهذا النقص بخلاف الورم الذي لم يعلم به البائع ولا المشتري. والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: اختلف المذهب فيمن اشترى عبدًا فرهنه أو أجَّره، ثمَّ اطَّلع على عيب كان عند البائع. فذهب ابن القاسم إلى أنَّ الردَّ بالعيب لمَّا امتنع لأجل حق المرتهن والمتسأجر بهذا العبد بقي حكم الرد للعبد الذي استحقَّه المشتري على الوقف. فمتى رجع إلى يده، ردَّه إلى من باعه منه. وذهب أشهب إلى أنَّه إذا لم يخلصه من الرهن معجلًا ولا من الإجارة، فإنَّه يحكم له بقيمة العيب. واختار ابن حبيب مذهب أشهب إذا بَعُد أمد تخليصه من الإجارة أو من الرهن. ومذهبَ ابن القاسم إذ قرب زمن تخلصه كالشهر ونحوه. فكأنَّ ابن القاسم رأى أنَّ الحكم الرد بهذا العيب. فإذا لم يمكنه ذلك لما تعلَّق به من حق بقي الأمر موقوفًا، فإذا أمكنه الرد، حكم له بما تقرَّر من حقَّه في ذلك, لأنَّ المنع من الرد إنَّما كان لعلَّة، فإذا زالت زال حكمها، كما لو باعه

стр. 1859

المشتري، فإنَّه عند ابن القاسم لا مقال له، فمتى ردَّ عليه، كان له رده على البائع، على حسب ما قدَّمناه فيما سلف، لا سيَّما والعبد المبيع خرج من ملكه ثمَّ عاد إليه، وهذا لم يخرج من ملكه بالإجارة والرهن، ولكنَّه حال بينه وبين الرد مانع، فأشبه اطلاعه على عيب في سلعة اشتراها وقد غابت عن يده، فلم يمكنه الرد الآن. وكأنَّ أشهب قدَّر أنَّه لمَّا منع من التصرُّف في العبد الآن، صار ذلك كموت العبد في يده، أو خروجه عن يده بصدقة أو هبة أو كالكتابة التي توجب له أخذ قيمة العيب لمَّا منع من التصرُّف في العبد، وإن كان ممكنًا رجوعه إلى يده، لعجز العبد عن أداء الكتابة. وترجَّح ابن حبيب في هذا ورأى أنَّ أمد التخلص لهذا العبد إذا طال صار ما عقد فيه كعقد الهبة والصدقة، وإذا قصر صار كأنَّه يمكن رده الآن. وقد أشار بعض الأشياخ إلى أنَّ تكليف مشتري العبد النظر في (١) فكأنَّه قبل حلول أجل الدين يوجب له أخذ قيمة العيب، لأجل ما يتوجَّب عليه من غرامة دين لم يحلَّ عليه، فصار ذلك عذرًا له في تمكينه من طلب قيمة العيب، كما يمكن من ذلك إذا حدث عنده نقص لا يمكن به الرد إلَاّ مع غرامة قيمة النقص. والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: أمَّا التبعيض للعقد من ناحية تعدّد من باع واشترى، فإنَّه: إنَّ تعدَّد من ناحية من باع، مثل أن يبيع رجلان عبدًا لرجل واحد هو شركة بينهما، فإنَّ المشتري إذا اطَّلع على عيب فأراد أن يردَّ على أحدهما النصف الذي باعه منه ويمسك نصيب الآخر، فإن ذلك له، وتقدَّر الصفقة الواحدة ها هنا كصفقتين. وأمَّا إن كان التعدد من ناحية المشتري، مثل أن يشتري رجلان عبدًا من

стр. 1860

بائع واحد، فأراد أحدهما الرد وأراد الآخر أن يمسك، فإنَّ في هذا روايتين عن مالك. إحداهما أنَّ المشتري يمكن من ذلك. وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وأبو يوسف. والرواية الأخرى رواها أشهب عنه أنَّه لا يمكن من ذلك. وبه قال أبو حنيفة. وسبب هذا الإختلاف النظر في هذه الصفقة والعقد الواحد هل يقدر كصفقتين وعقدين أو كصفقة واحدة وعقد واحد. فمن قدَّره كصفقتين، مكَّن أحد الشريكين من رد نصيبه، وإن لم يرد شريكه. ومن رآه كصفقة واحدة، لم يمكنه من الرد. فيحتج من رآه كصفقتين بأنَّ التعدد إذا كان من ناحية البائع، كما مثلَّنا به في المسألة الأولى، أنَّ الصفقة تعد كصفقتين، ولهذا مكن المشتري الواحد أن يردَّ على أحد البائعين. وكذلك إذا كان التعدد من ناحية من اشترى. وأجيب عن هذا القياس بأنَّ التعدُّد إذا كان من جهة من باع، فإنَّ المشتري لعبد من رجلين إذا ردَّ على أحدهما نصف العبد وهو جميع ما اشتراه منه، هل يلحق هذا البائع مضرَّة في تبعيض صفقته إذ لا علاقة بينه وبين شريكه في هذا وملكه يتبعض عليه. وإذا كان التعدد من جهة من اشترى، فإنَّ أحد المشتريين لهذا العبد إذا ردَّ نصيبه على بائعه هو رجل واحد تبعَّضت عليه صفقته، والتبعيض إضرار به، فوجب أن يكون من حقِّه الامتناع من هذا الضرر. ويؤكِّد كون العقد الواحد صفقتين أيضًا أنَّ كلَّ واحد من المشتريين مختص بحكمه في العهدة والمطالبة بما عليه من الثمن، إلى غير ذلك من أحكام العقود. وكذلك يجب أن يخصَّ حكمه في العيب ويكون ذلك صفقتين. ومن يرى ذلك كالصفقة الواحدة يقول: لو باع رجل من رجلين عبدين، فأراد أحدهما أن يقبل أحد العبدين المتساويين، وأراد الآخر ردَّ العقد، فإنَّه لا يمكن مَنْ قَبِلَ أحد العبدين من هذا القبول. وهذا يقتضي كون الصفقة ها هنا واحدة لا تقدَّر كصفقتين، إذ لو قدَّرت كذلك، لمكن هذا من أخذ أحد العبدين.
следующие страницы →