← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

عقد على فساد، فإنّ إشارة الأشياخ اختلفت في ضبط المذهب في ضمان الأمة المبيعة على خيار بشرط النّقد. فأشار بعضهم إلى أنّها إذا هلكت السلعة المبيعة بشرط النّقد في بيع الخيار، ولم تذهب أيّام الخيار، فإنّ المذهب لم يختلف في كون ضمانها من البائع, لأنّه إذا كان ضمانها من البائع في بيع الخيار المعقود على الصحّة، فأحرى أن يكون ضمانها من البائع في البيع الفاسد، لكون العقود الصحيحة توجب ضمان المشتري ما لا توجب العقود الفاسدة، كما تقدّم بيانه في موضعه. وإنّما اختلف المذهب فيمن اشترى سلعة بالخيار، وضرب للخيار مدّة يجوز أن تضرب في عقد الخيار، فإنّ هذا قيل فيه: إنّ الضّمان من البائع، لما قدّمناه من التّعليل، وقيل: بل الضّمان فيه للمشتري. وأشار ابن سحنون إلى التّفرقة بينه وبين فساد بيع الخيار لأجل ما قارنه من شرط النّقد، لم (١) يفسد من قبل ذاته، ولكن من قبل امرئ (٢) آخر ضامّه، فلا يسري فساد ما ضامّه إليه، ويبقى على أحكام الخيار الصّحيح في كون الضّمان من البائع. وأمّا ما اشترط فيه من الخيار أمد بعيد، فإنّ الخيار فسد من ذاته ليس من جهة معنى آخر سار إليه الفسادُ منه. فإن فسد من ذاته، صار لا حكم له، وإذا لم يكن له حكم، صار المبيع بِيعَ بيعًا فاسدًا من غير خيار، فيضمن بالقبض على حسب ما توجبه أحكام البياعات الفاسدة. وهذا الّذي بسطناه نحن مِمّا أشار إليه ابن سحنون يظهر وجهه على طريقة من يقول: إنّ من اشترط النّقد في بيع الخيار إذا أسقط مشترط النقد شرطه، صحّ العقد، كما يصحّ إذا أسقط مشترط السلف شرطه في البيع الّذي عقد على

стр. 1787

سلف، لكون الفساد لم ينصرف إلى الثّمن ولا المثمون والعقد، بل لمعنى آخر. فكذلك يكون حكم هذا الفساد باشتراط النّقد في الخيار. واعلم أنّه لو تنازع المتبايعان في الأمد الّذي هلك فيه المبيع في أيّام الخيار، فيقول البائع: هلكت السلعة بعد إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ. ويقول المشتري: بل هلكت قبل إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ. فإنّ القول قول البائع لكون المشتري يدّعي حلّ العقد الّذي كان بينهما. وتأوّل هذا ابن أبي زيد على أنّ أيّام الخيار انقضت، واختلفا بعد انقضائها. وأمّا إن لم يتّفقا على انقضائها، فإنّ القول قول المشتري لكون البيع لم ينعقد. وسنبسط الكلام على هذا في كلامنا على اختلاف المتبايعين في موت العبد في أيّام العهدة. وإذا ادّعى المشتري ذهاب العبد بالإباق، أو غير ذلك من الحيوان الّذي لا يغاب عليه، فإنّه يصدق في ذلك إذا لم يتبيّن كذبه. بخلاف الموت إذا ادّعاه وهو بموضع لا يكاد يخفى، فإنّه لا يقبل قوله إلاّ أن يصدقه من حضر من العدول. واستظهر ابن حبيب عليه باليمين أنّ العبد ما أبق إلاّ قبل أن يختار إمضاء العقد. فإذا حكمنا بتصديق المشتري في دعواه الإباق، إذا لم يتبيّن كذبه، فإنّه أيضًا يستظهر عليه باليمين على صحّة ما قال. وذهب بعض الأشياخ إلى أنّه يستحلف في هذا المتّهم وغير المتّهم. وكذلك في دعوى ذهاب ما يستعار مِمّا لا يغاب عليه، أو يستأجر، فإنّه يستحلف المتّهم وغير المتّهم، لكون هؤلاء إنّما قبضوا ما قبضوه لمنفعة أنفسهم، وقد تعرّضوا للضّمان. بخلاف ما قيل في الوديعة من التّفرقة بين المتّهم وغير المتّهم، في كون من لا يتّهم لا يستحلف على الضّياع، لكونه أؤتمن على ما قبضه قبضًا لا منفعة له فيه مع كونه بعيدًا من الخيانة، فلهذا أسقط عنه اليمين. وسنبسط نحن هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. كما أنّا نذكر

стр. 1788

ها هنا سؤالًا ذكره في المدوّنة في كتاب بيع الخيار. ونبسط ما تعلّق به في موضعه إن شاء الله تعالى. وذلك أنّه ذكر في المدوّنة فيمن باع رقيقًا أو غنمًا على أنّه بالخيار إلى أن ينظر إليها فيرضاها أو يردّها. فذكر أنّه إذانظر إلى بعضها وسكت، ثمّ استوفى النّظر إلى جميعها. وقال: لا أرضى، فإنّ البيع لا يلزمه. وذكر في الطّعام إذا نظر إلى بعضه فرضيه، ثمّ نظر إلى بقيّته فقال: لا أرضى، فإنّه تلزمه البقيّة إذا كانت على صفة ما رءاه فرضيه. لأنّ قوله لمّا رأى البعض: رضيتُه، وقد عقد على الكلّ، فإنّ قوله هذا كالنّطق بأنّه رضي بالكلّ. ويعدّ قوله بعد هذا ندمًا منه. وأشار بعض الأشياخ إلى أنّه لو قال في العبيد والسلع، وقد رأى بعضها: رضيتُه؛ فإنّه يلزمه البقيّة إذا كانت مثل ما رضي. ولا يقبل قوله، لمّا رأى البقيّة، إنّي لا أرضى. ولا عذر له بأن يقول: ظننت أنّ الّذي بقي خير مِمّا رأيت. ولو قبل هذا منه لكان الطّعام والسلع فيه سيّان في قبول هذا العذر منه. وإنّما افترق الجواب لافتراق السؤالين. وذلك أنّه ذكر في الطّعام أنّه رضي ببعضه، ولم يذكر رضاه بالبعض في السلع. فلو أسقط في آخر السؤالين، ما أسقطه في الآخر من الرّضا، أو أثبت في أحد السؤالين من الرّضا ما أثبته في الآخر، لاستوى الجواب فيهما. وقد يقال ها هنا إنّ الطّعام مِمّا لا تختلف الأغراض فيه اختلافًا بيّنًا، فالرّضا ببعضه رضا ببقيّته إذا كانت على صفته. والعبيد والسلع تختلف الأغراض فيهما اختلافًا بيّنًا، وقد يظنّ قوم أنّ هذا العبد مثل هذا، ويختلف شأنهما عند آخرين اختلافًا بيّنًا. ولو أراد البائع أن يُلزم المشتري مقدار ما رضي به من الطّعام، وأسقط عنه المطالبة بما بقي مِمّا قال: لا أرضاه، فإنّ هذا يجري مجرى من اشترى طعامًا فاستُحِقَ من يديه بعضه، فإنّ المستحقّ إن كان كثيرًا، وهو مقدار الثّلث

стр. 1789

ونحوه عند ابن القاسم، فإنّه لا تلزمه البقيّة. وإن كان يسيرًا، كالخمس ونحوه، لزمته البقيّة. وما عدا الطّعام، من مكيل أو موزون أو عروض، فإنّ النِّصْف عنده في حكم اليسير، فلا يكون للمشتري مقال في ردّ ما لم يستحقّ. ولو كان المشتري ها هنا أراد التمسّك بما رضيه من الطّعام وامتنع البائع، فإنّه لا يفرّق ها هنا بين القليل من الكثير من الطّعام، ولا في غيره من مكيل أو موزون، لكون البائع يعتلّ بأنّ المكيل والموزون، طعامًا كان أو غيره، إذا أفرد المعيب منه بالبيع دون السالم، لم يرغب فيه. وإذا أُضيف المعيب إلى السالم رغب فيه لتشابه أجزائه. بخلاف السلع. فإنّه يراعى في المعيب منها أكثر الصفقة أو أقلّها كما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثّالث عشر أن يقال: إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا بالخيار، ثمّ اشترى من رجل ثوبًا آخر بالخيار فاختلطا عليه، فإنّه اختلف في هذا. فذكر مالك أنّه يضمن بالغلط ها هنا. وذكر ابن كنانة، في كتب المدنييّن، أنّه لا يضمن. فإذا قلنا بالضّمان. فإنّ مالكًا قال: يضمن الثّمن إذا تقارّا على الأثمان، وادّعى كلّ واحد من المتبايعين الثّوب الأرفع، ولم يعلم المشتري الصادقَ منهما, لأنّه لو علم بذلك لكان القول قوله في تعيين مالك لّ واحد منهما؛ كما قدّمناه قبل هذا، في كون المشتري مصدقًا في عين ما اشتراه بالخيار إذا ردّه على بائعه. وأمّا ابن كنانة فأسقط الضّمان عن المشتري، وقضى عليه بردّ الأرفع الّذي تنازع فيه البائعان، فيتحالفان ويتقاسمانه، كالحكم في مال يدّعيه رجلان، ويبقى الثّوب الّذي (.....) (١) البائعان على أنّه ليس ثوبهما موقوفًا حتّى ينظر فيمن يدّعيه. وسبب هذا الإختلاف الإلتفات إلى حكم ما أتلف غلطًا، فإنّه إن وقع

стр. 1790

وقوع الغلط والخطأ فيما أذن الشّرع في التصرّف فيه كالعمد في تلف الأموال، كمن تصرف في الطّرقات الّتي أباح الشّرع له التصرّف فيها ولغيره من النّاس. فمن عثر على مال فأتلفه فإنّه يضمنه، لمّا دعت الضّرورة إلى صيانة الأموال عمّا لا قدرة عليه لمالكها في صيانتها. فإذا كان الخطأ على إذن خاصّ وقع في هذا الإختلاف. كما اختلف المذهب عندنا فيمن أذن لرجل في دخول بيته فمرّ على مال فأتلفه غلطًا منه. وحسّن الخلاف في هذا لكون المالك قادرًا على أن يصون ماله عن هذا الّذي زعم أنّه أتلفه غلطًا بأن لا يأذن له في دخول بيته. وكذلك ما نحن فيه قد سلّم كلّ واحد من المتبايعين ثوبه للمشتري بالخيار مع تجويزه أن يشتري ثوبًا غيره، فيختلط عليه الثّوبان. فصار كالدّافع عنه بإذنه عهدة النّسيان والغلط. أو يقال: إتلاف المال غلطًا كإتلافه عمدًا، والبائع لم يأذن له فيما يؤدّي إلى تلف ماله، فاستوى العمد فيه والخطأ، كما قلناه في الإذن العام. وإذا قلنا بأنّه يضمن الثّمنين، فإنّ له أن يدفع الثّوب الأرفع، الّذي تداعى فيه البائعان لأحدهما، ويغرم للآخر ثمن الثّوب، لأجل أنّه لو أراد التمسك بكلّ واحد من الثّوبين ودفع ثمنه لبائعه، لم يكن لبائعه أن يمنعه من ذلك. فإذا أسلم لكلّ واحد الثّمن، الّذي اشترى به ثوبه منه، لم يكن للبائع مقال. وكذلك إذا أسلم أحدَهما ثمن الثّوب صار كراضٍ باشترائه. وإذا ردّ على أحدهما الثوب الجيّد صار كمن فسخ البيع فيما اشتراه بالخيار. ولو اختلف ثمن الثّوبين، لكان أيضًا الحكم كذلك في تخييره بين أن يغرم لكلّ واحد الثّمن الّذي عقده به، أو يضمن لأحدهما الثّوب ويعطي للآخر هذا الثّوب الأرفع الّذي تنازعا فيه، لأجل ما ذكرناه من التّعليل في كونه محكَّما في إمضاء الشّراء أو ردّه. وقد ذكر ابن كنانة أنّ المشتري لو قطّع أحد الثّوبين، وأتى بالآخر ليردّه،

стр. 1791

فأنكره البائعان، وادّعى كلّ واحد منهما أنّ الثّوب المقطوع هو ثوبه، أنّ المشتري يضمن الثّمنين. وهذا قد يُحَسُّ في النّفس أنّه كالنّقض لما أصَّل من كون الغلط لا يضمن به المشتري. لكن العذر عن هذا عندي أنّ المشتري إذا قطع الثّوب، لم يكن له ردّه، لكونه فعل فيه ما هو رضي بالشّراء والتزامًا (١) له، أو فعل ما أتلف الثّوب به، فلا يكون له ردّه. وإذا منع الرّدّ لأجل هذا، واستقرّ عليه ثمن الثّوب المقطوع، وكلّ واحد يطالبه بثمن ما باعه منه، وهو لا يدري عين من يستحقّ عليه ثمن هذا المقطوع من هذين البائعين، وجب عليه أن يغرم له هذا الثّمن لكونه شاكًا في وجوب ذلك عليه لهذا البائع. كما نقول فيمن ادّعى على رجل بمال، والمدّعى عليه يشكّ في صدق المدّعي، فإنّ المدّعي يأخذ ما ادّعاه، لكونه موقنًا باستحقاق هذا المال على هذا المدّعى عليه، وكون المدّعى عليه شاكًّا، فينظر في يمين المدّعي الموقن. فإذا لم يُحدث في واحد من الثّوبين حادثًا يكون به مختارًا للشّراء أو متلفًا، فإنه لا سبب حدث منه يوجب تضمينه، فلا يناقض ابن كنانة بهذا. وقد تأوّل بعض أشياخي عليه أنّه أراد أنّ هذا المقطوع جهله البائعان أيضًا لمّا تغيّر بالقطع ك ماجهله قاطعه. فلمّا تساووا في الجهالة بذلك، تعلّق به الضّمان. بخلاف إذا ادّعى كلّ واحد منهما أنّه يتحقّق أنّ المقطوع له، فإنّ قوله: إنّ المقطوع لم (٢) يتضمّن إبراءَ المشتري، كما قال ابن كنانة في هذين الثّوبين إذا كانا قائمين فادّعى كلّ واحد من البائعين الأرفع من الثّوبين، فإنّ دعواه قد تضمّنت إبراء المشتري من كونه قد أمسك ثوبه، أو تعدّى فيه لكونه عنده لا يضمن بالنّسيان.

стр. 1792

وهذا الّذي أشار إليه بعض أشياخي من تأويل ابن كنانة قد تغني عنه الطّريقة الّتي أريناك نحن في الإعتذار منه. وقد ذكر ابن حبيب عن مالك في هذا أنّه يغرم ثمن الثّوب المقطوع، ويغرم قيمته، ويَقسم هذه القيمة، وهذا الثّمن، المتبايعان جميعًا. كأنّه قدّر أنّ البائع إنّما التزم بالقطع ثمن الثّوب لكونه التزم الشّراء لما قطع الثّوب، فلا يلزمه إلاّ ثمن واحد. ولكنّه لمّا أتلف على الآخر أخْذَ عين الثّوب الّذي باع منه، ولم يرض بالشّراء منه، وجبت عليه القيمة، فوجب من هذا وجوب مطالبة المشتري بثمن وبقيمة، وقد جهل من يستحقّ منهما الثّمن، ومن يستحقّ القيمة، فوجب أن يُقسم جميع ذلك بينهما. وإذا قلنا بالتّضمين، فإنّه لا بدّ أن يحلف البائعان، فإن نكلا عن اليمين، سلّم المشتري إليهما الأرفع، وبقي الثّوب الأدنى موقوفًا حتّى يفعل فيه الواجب. والجواب عن السؤال الرّابع عشر أن يقال: أمّا العقد على ثوب من أحد ثوبين، فإنّه إن كان الثّوبان متماثلين، والثّمن شيء واحد، فإنّ ذلك جائز إذا صرف الخيار في ذلك إلى المشتري، لكون التّماثل في المثمون وفي الثّمن يرفع الغرر. وأمّا إن اختلف المثمون مثل أن يعقد على ثوب أو دابّة يختار المشتري أيّهما شاء، فيلزم البائعَ العقدُ فيه، فإنّ ذلك لا يجوز لما يحصل فيه من الغرر والمخاطرة من جانب البائع، لكونه لا يدري ما الّذي باعه بدينار هل هو ثوب أو حمار؛ وهذا فيه خِطار. لكن لو كان المشتري إذا اختار الثّوب أو الحمار، عاد الخيار أيضًا للبائع، في إمضاء العقد أو ردّه، لجاز ذلك لارتفاع الغرر لعدم إلزام البيع للبائع. وكذلك إن اختلف جنس الثّمن وتماثل المثمون، فإنّ حصول الغرَر وارتفاعه جار على ما فصّلناه.

стр. 1793

وأمّا إن تماثل المثمون، وتماثل جنس الثّمن ولكن اختلف في المقدار خاصّة، مثل أن يبيع منه ثوبًا من أحد ثوبين على أنّه جعل ثمن أحدهما، وأشار إليه، خمسة دنانير، وثمن الآخر سبعة دنانير، فإنّ هذا ممنوع عندنا أيضًا لحصول الغرر باختلاف مقدار الثّمن. وأجازه عبد العزيز ابن أبي سلمة، وهو اختيار ابن حبيب من أصحابنا. وكأن عبد العزيز ابن أبي سلمة قدّر أنّ المشتري اختار أخذ الثّوب الّذي بسبعة، ثمّ ردّه وهضم عن نفسه دينارين من السبعة، وأخذ الثّوب الّذي بخمسة بدينارين التّي (١) هضم وبالثّوب الآخر، فلا يكون في هذا ربا ولا تخاطر. لكنّه يمنع هذا إذا كانت الدّنانير مختلفة الوزن، ولو تساوى العدد، لكونه يقدّر فيه أنّه باع دنانير ناقصة بوازنة، فيقع بذلك في الرّبا. هذا حكم جواز هذا العقد. وأمّا حكم الضّمان، فإنّه لا يخلو هذا العقد من أن يقع على ثلاثة أنحاء. إمّا أن يقع العقد على أنّه إن شاء ردّهما جميعًا وإن شاء أخذهما. فيكون المشتري ها هنا مخيّرًا في العقد وفي التّعيين. أو يقع على أنّه قد لزمه أحدهما والآخر مردود، ولكنّه مخيّر في تعيين ما لزم العقد فيه دون التّخيير في العقد، فأحَد الثّوبين في هذين القسمين مردود بلا بدّ، والآخر لازم بلا بدّ، ومخيّر في قبوله أو ردّه. والقسم الثّالث: وقوع العقد على أنّ أحدهما لازم بلا بدّ، والآخر مخيّر في قبوله أو ردّه يكون التّخيير في أحدهما في العقد وفي التّعيين، وفي الآخر في التّعيين خاصّة دون العقد. فإن وقع العقد على الوجه الأوّل من هذه الوجوه الثّلاثة وهو كون المشتري له ردّ أحدهما، ويخيّر في الآخر بين أن يقبله أو يردّه، والتّعيين في ذلك إليه، فإنّهما إن ضاعا جميعًا، فإنّ ابن القاسم لا يضمنه إلاّ أحدهما،

стр. 1794

وأشهب يضمنه الثّوبين جميعًا. وذكر في الموّازيّة عن ابن القاسم قولًا ثالثًا في هذا، فقال، فيمن اشترى ثوبًا من أربعة ثياب فقبض الأربعة، فضاعت في يديه، إنّ البائع إن كان هو المتطوّع بدفع الجميع ابتداءً منه، فإنّ المشتري لا يضمن إلاّ واحدًا منها. وإن كان المشتري هو السائل في تسليم الأربعة إليه ليختار ثوبًا منها، فإنّه يضمن جميعها. وأشار ابن الموّاز إلى أنّه لا فرق بين أن يقبضها المشتري عن سؤال منه للبائع أو عن تطوّع البائع بذلك من غير سؤال، لكونه إنّما دفع جميعها حرصًا على البيع. وسبب هذا الإختلاف أنّه قد علم أنّ أحد الثّوبين مردود للبائع بلا بدّ، والآخر يخيّر فيه المشتري، والمردود بلا بدّ حكمه حكم الأمانة لمّا كان لم يقبضه المشتري على بتات البيع فيه ولا على خيار، والثّوب الآخر قبضه على خيار فيه، وقد علم أنّ ما قبض على جهة الأمانة لا يضمن، وما قبض على جهة الخيار يضمن. وهذان الثّوبان لم يتميّز منهما ما هو أمانة مِمّا هو مقبوض على خيار، فوجب أن يضمن أحدهما، لكونه قد علم على الجملة أنّ أحدهما مقبوض على خيار. فكأن صاحب هذا المذهب اعتبر مآلَ هذا العقد، وهو كون أحد الثّوبين مردودًا بلا بدّ، فتحقّقت فيه الأمانة لأجل هذا. وأمّا من ضمَّن المشتري الثّوبين جميعًا، فإنّه اعتبر الحال ولم يعتبر المآل. وقد وقع العقد على أنّ له التنقّلَ من أحدهما إلى الآخر مقتضى الخيار، والمبيع بالخيار مضمون، فكأن كلّ واحد من الثّوبين عقد عليه بانفراده على الخيار. وأمّا ما وقع من التّفرقة في الموّازيّة، فكأنّه قدّر أنّ البائع إذا كان هو المتطوّع بدفع الثّياب، فإنّ ذلك لم يقع منه إلاّ لمنفعة نفسه، وليتمّ له البيع، فغلب في الثّلاثة الأثواب حكم الأمانة. وأمّا إذا كان المشتري هو السائل في قبض الجميع، فإنّ البائع لا منفعة له في تسليم الجميع بل لمنفعة المشتري

стр. 1795

السائل في هذا، فغلب حكم الخيار في كلّ ثوب. فانحصر الخلاف في هذا إلى تغليب حكم الأمانة في أحد الثّوبين اعتبارًا بالمآل، أو تغليب حكم الخيار اعتبارًا بالحال، واستدلالًا على حصول المنفعة بما ذكرنا من التّفصيل. وقد قدّمنا أنّ الضّمان في هذا وفي غيره مِمّا ذكرناه يعتبر فيه المنفعة للقابض أو للدّافع. فإذا قلنا بالضّمان فيما يضمن هل بالقيمة أو بالثمن، فإنّ هذا ينبغي أن يعلم أنّ الثّوب الواحد إذا اشتري بالخيار، فإنّ ابن القاسم يرى أنّ المشتري يضمنه إذا قبضه بالثّمن، سواء كان الخيار له أو للبائع؛ لأنّه قادر لمّا كان الخيار له أن يقبل البيع ويدفع الثمن، ولا يقدر البائع أن يمنعه من ذلك، فله أن يقول: أنا أقبله، فلا يلتفت إلى ضياعه، سواء كانت قيمته أكثر من الثّمن أو أقلّ. وكذلك إن كان الخيار للبائع، فإنّ المشتري يضمنه بالثّمن، لكون البائع سلّمه إليه على أنّ عوضه الثّمن الّذي اتّفقا عليه، وكان للبائع أن يلزمه إيّاه، فلا يلزم المشتري أكثر من ذلك، ولو كانت القيمة أكثر من الثّمن، لكنّه يحلف المشتري ها هنا على الضّياع لئلاّ يكون لمّا فسخ البائع العقد طلب ارتجاع الثّوب فحبسه عنه تعدّيًا، فيلزمه قيمته، فيستظهر عليه باليمين أنّه ضاع لتسقط المطالبة عنه بما زادت القيمة على الثّمن. وأمّا أشهب فإنّه يرى أنّ الخيار إذا كان للمشتري، فإنّه يضمنه بالأقلّ من القيمة أو الثّمن. فإن كان الثّمن أقلّ من القيمة، قال: أجزت له إمضاء البيع بالتزام الثّمن. وإن كانت القيمة أقلّ من الثّمن، لم يطلب بأكثر منها, لأنّ له أن يقول: لا أمضي الشّراء بل أردّ الثّوب، فيجده قد ضاع فيغرم قيمته. لكنّه يحلف ها هنا على الضّياع لإمكان أن يكون قد حبسه عن نفسه بأنّه لا يختار إمضاء الشّراء، فتجب عليه قيمته لأجل منع البائع منه، فيحلف ليسقط عنه ما زاد من القيمة على الثّمن لأجل إمساكه الثّوب على البائع.

стр. 1796

وإن كان الخيار للبائع، فإنّ المشتري يغرم الأكثر من الثّمن أو القيمة. فإن كان الثّمن أكثر، قال البائع: أنا أختار إمضاء البيع، فيلزمك الثّمن. وإن كانت القيمة أكثر، قال البائع: أنا أختار فسخ البيع، فلا يلزمني أخذ الثمن، بل الطالب (١) بالقيمة الّتي وجبت عليك. فإذا علمت الحكم فيما يضمن به الثّوب الواحد المشتريَ بالخيار، فإنّ هذين الثّوبين المشترى أحدهما بالخيار مذهب ابن القاسم أنّ أحدهما هو المضمون. فإذا ضمن، فإنّما يضمن بالثّمن كمَا قدّمناه. ومذهب أشهب أنّ أحدهما مضمون بالقيمة، والآخر بالأقلّ من الثّمن أو القيمة. فأمّا كون أحدهما مضمونًا بالقيمة، فلأجل أنّه لا بدّ من ردّه فيضمّن بقيمته. وأمّا الآخر، فالمشتري قادر على أن يلتزمه بالثّمن فكان له ألاّ يغرم إلاّ الثّمن، وقادر أيضًا على أن لا يلتزم الشّراء ويضمنه بالقيمة، على حسب ما قدّمناه قبل هذا. وذهب (٢) إلى طريقة أشهب في كون المشتري ضامنًا للثّوبين جميعًا، وذكره عن أصحاب مالك، وقال: إنّه ليس بمؤتمن في واحد منهما لما أخذهما على أن يختار هذا أو هذا. لكنّه إنّما يضمنه إيّاهما بالثّمن. وكأنّه قدّر أنّه إذا كان الضمان إنّما ثبت فيهما لكون كلّ واحد منهما إنّما عقد على انفراده على الخيار، والثّوب المنفرد إذا عقد على الخيار ضمن بالثّمن، كما قدّمناه عن ابن القاسم، فكذلك هذا يضمن كلّ واحد منهما بالثّمن. وقد ذكرنا عنه أنّه يجيز كون ثمن الثّوبين مختلفًا في المقدار، على حسب ما قدّمناه عن عبد العزيز ابن أبي سلمة. وعنه هذا الحكم فيهما إذا ضاعا جميعًا. وأمّا إن ضاع أحدهما، فإنّه إنّما يضمن عند ابن القاسم نصف ثمن الّذي ضاع، لكون الضّائع متردّدًا بين أن يكون هو الّذي اشتراه بالخيار، أو هو الّذي

стр. 1797

بحكم الأمانة، فلمّا تساوى فيه الأمْرَان قسم الضياع فيه، على أصله في كونه لا يَضْمن، إذا ضاعا جميعًا، إلاّ ثوبًا واحدًا، فكذلك إذا ضاع أحدهما لا يضمن إلاّ نصف ثوب. وأمّا أشهب، فإنّه يضمَّنه الضّائعَ كلَّه، لكونه يضمنها جميعًا إذا ضاعا. فإن قلنا أنّه لا يضمن إلاّ نصف ثوب، كان له ردّ الثّوب الآخر بحكم مقتضى الخيار الّذي عقد عليه من كونه لا يلزمه واحد منهما إذا شاء. وإن أراد الإستمساك بحكم مقتضى الخيار في كونه له أن يمسك أحد الثّوبين، فإنّ ابن القاسم مكّنه من ذلك وفي الموّازيّة أنّه لا يمكن منه, لأنّه إذا مكّناه من ذلك، صار اشتراؤه ثوبًا واحدًا، فأخذ ثوبًا ونصف الثّوبَ الباقيَ بحكم اختياره الآن، ونصفَ الثّوب الّذي وَزَنَ نصفَ ثمنه يتّهم على أنّه حبسه، فصار اشترى ثوبًا واحدًا من ثوبين فأخذ ثوبًا ونصفًا. فكأن من ذهب إلى هذا حمل عليه أنّه لم يضع له الثوّب ولكنّه حبسه، فصار بحبسه وغرامة نصف ثمنه كمن اشترى ثوبًا وأخذ ثوبًا ونصف ثوب. وكأن ابن القاسم قدّر أنّه لمّا حلف على الضّياع، صدق في ذلك. وإنّما غرم نصف الثّمن بحكم الضّمان لا بحكم الشّراء. فلا يقدّر أنّه اشترى هذا الثّوب لمّا غرم ثمنه بحكم التّضمين، فيقضى له بإمساك جميع الثّوب إذا شاء كما يقضى له بردّ جميعه. ولم يظنّ به أنّه حبس نصف الثّوب، فصار مشتريًا لنصف ثوب، وإنّما بيع منه ثوب كامل إذا شاء. ولأجل هذا قلنا، فيمن اشترى ثوبين على أنّه بالخيار في قبولهما أو ردّهما فضاع أحدهما: إنّ له ردّ الثّوب الباقي. ولو ظنّ أنّه حبس الّذي ادّعى ضياعه، لم يكن له ردّ الثّوب الباقي، كما ليس له ردّ أحد الثّوبين وإمساك الآخر. وقال بعض الأشياخ: لو ضاع أحد هذين الثّوبين اللّذين اشتراهما بالخيار بين قبولهما أو ردّهما، فإنّه إنّما يمكن من ردّ الباقي إذا لم يكن الّذي زعم أنّه ضاع وجهَ الصفقة وجلَّها. لأنّه إذا كان الّذي زعم أنّه ضاع وجه الصفقة وردّ الثّوب الباقي وهو أقلّها في القيمة، صار مضرًّا بالبائع في ردّه عليه أقلّ الصفقة،

стр. 1798

فلا يمكن من هذا، كما لا يمكن البائع لثياب كثيرة استحق جلّها أن يُلزم المشتري ما لم يستحقّ منها إذا كان هو الأقلّ. هذا حكم أحد الأقسام الّتي قدّمنا. وأمّا إن عقد البيع على أنّ أحد الثّوبين لازم للمشتري ولكنّه بالخيار في تعيينه دون عقده، فإنّ الإختلاف في هذا جار على ما قدّمناه. فإنّ ابن القاسم لا يضمنه إذا ضاعا إلاّ أحدهما. وأشهب يضمنه الثّوبين جميعًا. والتّعليل للمذهبين هو ما قدّمناه. ولو قامت بيّنة على ضياعهما، فإنّ ضمان أحدهما يسقط عند ابن القاسم، كما يسقط لو اشتراه منفردًا على الخيار وقامت البيّنة بضياعه. وأشهب يضمنه كما يضمن العواري والرّهان، وإن قامت البيّنة على الضيّاع. وقد يتخرّج فيها قول ثالث، أنّه لا يضمن، إذا قامت البيّنة، ولا واحدًا منها. وقد قيل فيمن اشترى أحد عبدين على الالتزام، لكنّه بالخيار في التّعيين، إنّ أحدهما إن هلك فإنّه لا يضمنه ولو ردّ الباقي. وهذ ابن اء على أنّه لم ينعقد البيع فيما التزم انعقاده للبيع فيه إلاّ بعد أن يختار، فإذا هلك أحد العبدين قبل أن يختار، لم يلزم اختيار الباقيَ والتزامَه, لأنّه لم يلتزم عقد الاختيار فيه، وإنّما التزم عقدًا تخيّر فيه بين إثنين، وإذا لم يبق إلاّ واحد، استحال هذا التّخيير فيه. وقد قال سحنون، في أحد قولين، فيمن أعتق أحد عبديه، فمات أحدهما قبل أن يختار؛ إنّ الثّاني يبقى رقيقًا, لأنّه إنّما التزم عتقًا فيه الخيار بين اثنين، وهذا الخيار يستحيل إذا بقي عبد واحد. وقال في قوله الآخر: بل يعتق العبد الباقي. وقدّر أنّ عتق أحدهما قد لزم السيّد لزومًا لا انفكاك منه. واستحالة التّخيير في واحد لا يرفع هذا الّذي التزم من العتق. وتكون مصيبة الامتناع من التّخيير ها هنا جائحة عليه.

стр. 1799

وقد ذكر ابن الموّاز أنّه يلزمه العقد في العبد الباقي إذا اشتراه على الإلتزام بشرط التّخيير بينه وبين آخر. وهذا جار على هذا المسلك الّذي ذكرناه في أحد قولي سحنون ﵀. والمشهور من المذهب أنّ الضائع من أحد الثوبين اللّذين التزم شراء أحدهما يكون من المتبايعين، والباقي بينهما على حسب مقتضى حكم الشركة في عبد بين رجلين. وهكذا ذكر ابن الموّاز وذكر ابن سحنون (أنّ الضّائع منهما لو ردّ الباقي من الثّوبين) (١). وكأنّه قدّر أنّ مقتضى الشركة إن اشتركا في الثوب الباقي، لكن الشركة فيه عيب، فلا يلزم المشتري شراء معيب، وقد عقد البيع فيه على السلامة من العيب، فلا يقدّر أنّه إذا كان مقتضى الالتزام ضمانَ أحدهما بلا بدّ، وجهلنا الثّوب الملتزم منهما، صار المتعاقدان كشريكين في الثّوبين، فما طرأ فيهما من ضياع وعيب، فذلك عليهما. وقد ذكر ابن حبيب أنّ هذا التّخيير لو كان في ثياب كثيرة فضاع أحدهما، فإنّه يضمنه. وضمانه إياه لا يسقط ما اقتضاه الحكم الّذي قدّمناه، فله أن يختار ثوبًا من الثّياب الباقية، أو يردّه وسائر الثّياب. ولو عقد على واحد منها على التزامه، فإنّه يضمن الواحد الضّائع، ويلزمه اختيار ثوب من الثّياب الباقية. ورأى أنّ التضمين للثّوب الضّائع لا يدفع الحكم الّذي قدّمناه في الثّوبين إذا ضاع أحدهما. وقد احتجّ في المدوّنة ابن القاسم، على ما قدّمناه عنه من مصيره إلى أنّه إنّما يضمن أحدهما ولا يضمن الآخر لكونه فيه مؤتمنًا، بأنّ مالكًا ذكر فيمن طلب رجلًا بدينار له عليه فدفع إليه ثلاثة ليختار واحدًا منها ويردّ عليه الدّينارين، فضاع من الثّلاثة ديناران قبْل أن يختار، أنّ الدّينارين الضّائعين (٢) يكون على حكم الشّركة بين الدّافع والقابض. لأنّ القابض إنّما استحقّ مِمّا

стр. 1800

قبضه ثلثه، وثلثاه عنده بحكم الأمانة. وغلّط ابنُ حبيب ابنَ القاسم في هذا الإستدلال بالدّينارين على الثّياب. وأشار إلى أنّ الدّينارين يتّضح كونهما قبضا على الأمانة، بخلاف الثّوبين المخيّر فيهما. وأنكر بعض الأشياخ هذه التفرقة عليه لمّا كان الدّينار مخيّرًا فيه كما كان الثّوب مخيّرًا فيه. فإذا كان التّخيير يوجب ضمان الجميع، فلا فرق في هذا بين ثياب أو دنانير. واستعظم إطلاقه الغلط على ابن القاسم. وذكر ابن حبيب أنّ الّذي ذكره مالك، من كون الدّنانير فيها مضمون، ومؤتمن عليه، إنّما يتّضح إذا كانت من الكثرة بحيث يعلم أنّ فيها وازنًا يأخذه قابضها قضاء عن دينه. فإذا لم يكن كذلك، فإنّه يحلف أنّه ما علم فيها وازنا ولا يضمن منها شيئًا. وذكر أنّ هكذا قال له من كاشفه من أصحاب مالك. وقد ذكر في الموّازيّة عن ابن القاسم، فيمن طلب رجلًا بعشرة دنانير دينًا له عليه، فأعطاه دنانير ليزنها ويستوفي حقّه منها ويردّ ما زاد على حقّه، وإن نقصت عن حقّه، عاد إليه ليوفّيه، أنّها مضمونة، لكونها لا تنفكّ أن تكون قضاء أو كالرّهن بحقّه. وأشار أصبغ إلى حملها على كونها قضاء لمّا كانت لا ترجع إلى يد صاحبها. وذكر أنّه سأل ابن القاسم عن الحالف لرجل ليقضينّه حقّه إلى أجل سماه، فدفع إليه عند حلول الأجل دنانير على مثل الصفة، أنّه يحنث إن لم يدفعها إليه على وجه القضاء. فإذا تقرّر هذا، فإنّ من في يده الثّوبان، اللّذان زعم أن أحدهما ضاع، إذا ادّعى أنّه ما ضاع إلاّ بعد أن اختار الباقي، فإنّه اختلف في هذا، هل يصدق فيه ويكون لا ضمان عليه فيما ضاع لكونه بقي في يديه على حكم الأمانة لمّا أسقط خياره فيه؟ أو لا يصدق في هذا، ويتّهم أنّهْ إنّما ادّعى ذلك ليسقط الضّمان عن نفسه؟

стр. 1801

ولو ذهبت أيّام الخيار وتباعدت فإنّه إذا اشترى أحدهما على الالتزام، اقتضى ذهابها التزام الشّركة في الثّوبين، وإن اشترى أحدهما على التّخيير في عقده وفي تعيينه، بطل العقد وسقط خياره، سواء كان الثّوبان في يد البائع أو المشتري في هذين القسمين. وأمّا لو اشترى الثوبين جميعًا بالخيار فيهما، فإنّ الحكم فيه ما قدّمناه من كون ذهاب أيّام الخيار وما قرب منها يقتضي إقرار الثّوبين في يَدِ من هُما في يديه من بائع أو مشتر، لما قدّمناه من التّعليل. والتّعليل الّذي قدّمناه يبيّن لك وجه التّفصيل الّذي فضلناه في هذه الأقسام. وأمّا القسم الآخر من أقسام العقد على أحد ثوبين، فإنّه يعلم حكمه مِمّا قدّمناه، من أن يشتري ثوبًا من أحد ثوبين على الالتزام لعقده، والثّوب الآخر هو مخيّر في قبوله أو ردّه. فإنّهما إن ضاعا أو ضاع أحدهما ضمن ما ضاع بغير خلاف. وإن قامت البيّنة جرى ذلك على ما قدّمناه من الاختلاف وإن ضاع أحدهما، جرى الأمر أيضًا فيه على حسب ما قدمناه. ويعتبر أيضًا في إمساكه للثّوب الباقي ما قدمناه أيضًا من منعه من ذلك لئلاّ يكون اشترى ثوبًا ونصفا ولم يعقد على ذلك، فجميع ما قدّمناه يجري في هذا القسم إذا قامت البيّنة على الضياع. وقد ذكر في المدوّنة فيمن اشترى عبدين بثمن إلى أجل على أنّه يردّ أحدهما عند الأجل، أنّ ذلك جائز. وهذا جار على ما قدّمناه من جواز اشتراء أحد الثّوبين على الإلزام. فكذلك هذا اشترى أحد العبدين شراءً منعقدًا لازمًا والآخر يستخدمه إلى الأجل، فكأن الثمن المؤجّل عوض أحد العبدين وعوض منفعة العبد الآخر. والتّخيير في هذا لا يمنع صحّة العقد، كما لم يمنعه فيما قدّمناه من الأقسام. لكن من شرط جواز هذا البيع أن يعيّن المردود عند الأجل قبل الشروع في الاستخدام. وعلى ذلك جملوا ما وقع في المدوّنة من إطلاق الجواز.

стр. 1802

وهذا التأويل تقتضيه الأصول لأنّ الأصل منع بيع الغرر إذا كان الغرر مقصودًا. فإذا عقد على عبد من أحد عبدين أو ثوب من أحد ثوبين، فإنّ التّخيير في ذلك لا يتضمّن غررًا في هذا العقد، لأنّا إنّما نجيز هذا إذا تماثل الشّيئان المخيّر في أحدهما. وقد سامح في ذلك مالك، وإن اختلفت قيمة الثّوبين، فقال فيمن اشترى عددًا من ثياب في - عدل يختارها، إنّ ذلك جائز، إذا وصف ما في العدل من الثّياب، وإن اختلفت قيمة الثّياب. قال: ولكن بعد أن تكون مَرويّة كلّها أو هَروبة كلها. فأشار بهذا أنّ اختلاف أجناسها يتضمّن غررًا مقصودًا، فينهى عنه لما ورد في الحديث من النّهي عن بيعتين في بيعة (١). فكذلك ما ذكره في مسئلة العبدين، وتأوّلنا ما وقع في المدوّنة عليها, لأنّه إذا لم يعين العبد المردود عند الأجل، واستخدم العبدين طول الأجل، فإنّه لا يعلم كيفيّة تأثير الإستخدام في كلّ واحد منهما, ولا ما يحدث عليه من التغيّر في خلال الأجل، فيصير المستمسك به مجهولًا صفته، والمردود أيضًا كذلك، وهذا غرر يمنع منه، ويقتضي أن يشترط في جواز هذا العقد أن يعيّن قبل الشّروع في الاستخدام من يستخدمه بحقّ الملك ومن يستخدمه بحقّ الإجارة. وإن لم يفعل ذلك ووقع العقد عاريًا من التّعيين، واستخدمهما ملكًا في خلال الأجل، فإنّه يضمن نصف قيمتهما، لكون أحدهما بيع بيعًا فاسدًا والآخر استؤجر إجارة فاسدة ولم يعلم هذا من هذا، فيضمن نصف قيمتهما جميعًا، لكون كلّ واحد منهما يصلح أن يكون محلاّ في هذا العقد الفاسد. والجواب عن السؤال الخامس عشر أن يقال: أمّا الوجوه الّتي تمنع في اشتراط التّخيير في التّعيين، فإنّا قدّمنا الكلام على بعضها. وهو شراء صنف من صنفين مختلفين على إلزام البائع ما اختار المشتري منها. وذلك لما قدّمناه من كون العقد على هذا يتضمّن غررًا مقصودًا. ومنه ما فرغنا الآن من الكلام عليه في مسئلة العبدين المذكورة في المدوّنة.

стр. 1803

ومن الوجوه الممنوعة أيضًا التخوّف من الوقوع في الرّبا، مثل أن يشتري رجل ثمرة نخلات يختارها من ثمر نخل كثير، لكن ثمر النّخل كلّه صنف واحد, لأنّه إذا كان من صنفين صار من بيعتين في بيعة، ولحق بما تقدم بيانه. وإذا كان من صنف واحد منع أيضًا لعلّة أخرى، وهو أنّ المشتري يمكن أن يختار نخلة، ثمّ ينتقل بعد اختياره لها إلى نخلة أخرى، وثمرة النّخلتين لا يتساويان في المقدار، فيكون قد باع ثمرة الأولى بثمرة الثّانية وبينهما تفاضل، فيقع في الرِّبا والرّبا محرّم. ولو كان الخيار لبائع ثمرات هذا النّخيل لكان فيه اختلاف. فأمّا مالك فإنّه أجازه، قال: كما يجوز ذلك في اختيار كباش من جملة غنم باعها. وقال ابن القاسم: لا يعجبني ذلك، ولكنّه إن وقع لم أفسخه. مراعاةً منه لمذهب مالك. وهذا الاختلاف خُزج على اختلاف أهل المذهب في المستثنى هل هو مُبقًى على ملك البائع أو مشترى من المشتري؟ فإذا قلنا: إنّ المستثنى مبقًى، فلا يمنع من هذا في جنبة البائع، لكونه أبقى ما اختار على ملكه، وإنما باع ما (١) بعد ما يختاره، فلا يتصوّر في هذا الرّبا. وإن قلنا: إنّ المستثنى مشترى من المشتري، فيمنع كما قال ابن القاسم. كما اتّفق هو ومالك على منع شراء ثمر نخلات يختارها. وقد وقع لابن القاسم ما يقتضي خلاف هذا الّذي بنينا عليه هذه المسئلة، وذلك أنّه قال فيمن باع دارًا واستثنى سكناها سنة فانهدمت الدّار، فإن البائع لا يرجع على المشتري بقيمة السكنى لكونه أبقاها على ملكه لم يبعها، وما كان على ملكه فلا يضمنه له غيره. وإن كان أصبغ قد قال في هذه المسئلة: إن البائع يرجع على المشتري بقيمة السكنى. وقدّر أنّ البائع باع الدّار بمائة دينار مثلًا وبسكناها سنة، والسكنى تساوي عشرة دنانير، فكأنّها عرض أضافه إلى الثّمن، واستحق من يديه، فيرجع بقيمته على من باع منه داره، على حسب ما توجبه

стр. 1804

النّسبة في هذه السكنى من جملة الثّمن. وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّه لا فرق بين البائع والمشتري في هذا لكون البائع يقدّر فيه أيضًا أنّه اختار ثمرة نخلة، ثم انتقل إلى خيار ثمرة أخرى، فيكون أيضًا باع تمرًا بتمر متفاضلًا. ومال إلى أن هذا ينبغي أن يوكل إلى أمانة البائع والمشتري، وينهيان عن الوقوع في هذا، ويصَدَّقان في أنّهما لم يقعا فيه. وأشار بعض المتأخّرين إلى فرق بينهما، وهو أنّ المشتري تَصوُّر تنقّله يمكن لكونه جاهلًا بثمرات هذا النّخل، فلهذا اتّفق على منعه من هذا، وأمّا البائع ثمرات نخله، فيقصد إلى جيّدها فيختار، ولا يتّهم في التنقّل لاستغنائه عنه. وقدح في هذا الفرق غيره بأن قال: لو كان عالمًا بهذا لاستثناه معيّنا, ولم يفتقرْ إلى اشتراط خيار فيه، فلمّا اشترطه دلّ على أنّه محتاج إلى الاختيار والاختبار، كما يحتاج إليه المشتري. وبالجملة فإنّ هذه الطّرائق، من الفروق وغيرها الّتي ذكرنا في هذه المسئلة، إنّما يحسن إيرادها إذا قيل: إنّ اختيار البائع أو المشتري لنخلة بخواطر القلب دون نطق اللّسان بذلك يصيّرها ملكًا له، ويَحرم عليه التنقّل، كما يحرم عليه التنقّل وقد نطق باختيار صبرة إلى صبرة أو ثمرة إلى ثمرة أخرى. وأمّا إذا قيل: إنّ الشرع إنّما علق أحكام الملك على ما ينطق به اللّسان دون ما يضمر في الفؤاد أو يهجس في النفس، فإنّه لا يحتاج عندي إلى شيء من هذه المعاني، وإنّما التّحقيق فيها النظر في هذا الأصل الذي أشرف إليه. ثم إذا ثبت تعلّق الأحكام بما تتحدّث به النّفس في هذا دون ما نطق به نظر حينئذ هل تحمى الذّريعة في هذا فيمنع منه، ولا يوكل النّاس إلى أمانتهم فيه، كما قدّمناه في بياعات الآجال؟ أو لا توجب حماية في مثل هذا المبنيُّ التّحريمُ فيه على ما يضمَر في الفؤاد؟ ولو كان هذا الثّمن أو غيره، من أنواع الأطعمة المخيّر فيها، مِمّا لا ربا فيه، وهو صنف واحد متساوٍ مِمّا يجوز اشتراط التّخيير فيه، أو كان عروضًا،

стр. 1805

فإن هذا يسقط فيه اعتبار الرّبا. وإنّما يعتبر فيه ألاّ يقع فيه تراخ, لأنّه إذا وقع فيه تراخ، أو وقع (١) في بيع الطّعام بالطّعام على خيار وتراخ، فلا يجوز ذلك كما لا يجوز ذلك في الصّرف. ولو كان هذا الطّعام لا ربا فيه، صنفين لمنع التّخيير، لما قدّمناه من كونه من بيعتين في بيعة. وقد ذكر في الحاوي أنّه لا يجوز التّخيير في الطّعام. وتأوّله الشّيخ أبو القاسم ابن الكاتب على ما وقع فيه تراخ، لأجل ما نبّهنا عليه من اشتراط المناجزة في هذا وفي الصّرف. ولو كان المختار من هذا الطّعام، الّذي فيه الرّبا أو لا ربا فيه، بيع على الكيل لم يكن في التنقّل بيع له قبل قبضه، وإن كان على الكيل، لكون هذا كالمبادلة. وقد قدّمنا في كلامنا على بيع الطّعام قبل قبضه ما يجوز في ذلك وما يمنع، وأن أخذ سمراء من محمولة كيلًا متساويًا جائز، لكونه مبادلة لا مبايعة. وينبغي أن يعلم أنّا نجيز للمشتري اشتراط اختيار عدد من جملة متماثلة. وسواء كان العدد المشترى أكثرَها أو أقلَّها، مثل أن يشتري ثوبًا يختاره من عشرة أثواب، أو يشتري تشعة أثواب يختارها من عشرة. وأمّا البائع فإنّه يجوز له الخيار إذا اشترط اختيار الأقلّ في العدد. مثل أن يبيع عشرة من الثِّياب على أن يختار ثوبًا أو أربعة. وأمّا إن اشترط خيار ثمانية أو تسعة، فإنّه يمنع من ذلك عند ابن القاسم، ولا يمنع منه عند سحنون، لكون المشتري مفتقرًا إلى اختيار المبيع واشتراط الخيار فيه، فلا يتّهم أنّه قصد الغرر والتّخاطر لأجل حاجته إلى الخيار، والبائع في الغالب مستغن عنه، فإنّما يجوز له منه ما لا يتصوّر فيه القصد إلى الغرر غالبًا، فإذا اشترط البائع اختيار ثوب أو ثوبين من عشرة، فإنّ المشتري يعلم أنّ جلّ الصفقة تبقى له، فلا يتحسّس إلى العدد الّذي يختاره البائع. فإذا اشترط البائع اختيار سبعة أو ثمانية، تَحسّس المشتري إلى ذلك لو قدّر أنّه إنّما يحصل له رديء الثياب. وأمّا سحنون فإنه رأى أن لا فرق بين البائع والمشتري في هذا، وفي احتياجهما إلى شرط الخيار،

стр. 1806

فأجاز ذلك للبائع، وإن كثر عدد ما يختاره. هذا في اشتراطه اختيار عدد، وأمّا في اشتراطه عددًا مقدّرًا ولم يشترط فيه خيارًا، فإنّا نجيز ذلك للبائع، والمشتري. إذا عَلِم مبلغ عدد الجملة، يكون شريكًا بمقدار العدد. مثل أن يشتري عشر نخلات من مائة نخلة ولا تمر فيها، أو عشرة ثياب من مائة ثوب، فإنّه يكون شريكًا في جميع النّخل بعشرها، ولكنّه يفتقر في هذا إلى معرفة عدد النّخل، ليحصل الجزء المشترى معلومًا. وأمّا إن اشترط خيار عشرة ثياب، فإنّه لا يفتقر إلى معرفة عدد في هذا, لأنّ الّذي اشترى معلومًا يتميّز بالإختيار، والّذي اشترى عشرة غير متميّزة في العقد ولا بالإختيار، وإنّما اشترى أجزاء من المبيع، فمن شرط صحّته أن يكون الجزء معلومًا. إلى هذا أشار بعض الأشياخ، وهو مبنيّ على ما قدّمناه من اعتبار رفع الغرر في الشّراء لما يختار. وقد أجاز أهل المذهب أن يشتري صبرة من طعام كلّ قفيز بدرهم، وإن لم يعلم عدد ما فيها من الأقفزة، لما كان شراؤها جملة على غير قيل يجوز، وكذلك هذا. ولو أنّ البائع استثنى مِمّا باع جزءًا معلومًا بالنّسبة لا بالعدد، أو اشترى ذلك المشتري لأجزناه من غير اعتبار لهذا الجزء، هل هو الأقلّ من الجملة أو الأكثر. لأنه إذا استثنى منه من هذه الصبرة ربعها أو ثلاثة أرباعها. أو باعها البائع واستثنى ربعها أو ثلاثة أرباعها، فإنّه يعود الأمر فيه إلى معاوضة على جزء معلوم محدود فلا يمنع. وعلى هذا الأسلوب يجري فيمن اشترى جزءًا محدودًا، واختيار عدد معدود، مثل أن يشتري نصف هذه النّخل، أو (١) عشر نخلات يختارها من النّصف الآخر، فإنّه لا يمنع من هذا إذا اشتراه المشتري على هذه الصفة سواء كان العدد المختار هو الأقلَّ في النّصف الباقي أو الأكثرَ. وأمّا البائع، فلو باع النّصف واشترط خيار عشر نخلات من النصْف

стр. 1807

الآخر، لجاز ذلك. ولو اشترط خيار أربعين من النّصف الآخر، لمنع من ذلك. فيكون النّصف ها هنا كالكلّ، في العقد عليه، يعتبر فيه الأقلّ والأكثر في جنبة البائع دون المشتري. وقد ذكر ابن حبيب أنه لا يجوز أن يبيع عشرة من جملة غنم، ويبيع بقيّتها من رجل آخر. قال: بخلاف الصبرة. وقد كنّا نحن قدّمنا في هذا الفصل ذكر الخلاف فيمن باع كلّ شاة بدرهم، هل يجوز ذلك أم لا؟ مع اتّفاق أهل المذهب على جواز أن يبيع صبرة من طعام، كلّ قفيز بدرهم. وذكرنا أنّ الذاهب إلى المنع يرى أنّ الغنم لمّا كان لا يجوز بيعها جزافًا منع أن يباع كلّ شاة منها بدرهم من غير أن يعلم منتهى العدد. لأنّه إذا لم يعلم منتهى العدد، صار ذلك كبيع الغنم جزافًا. وكذلك أشار بعض الأشياخ ها هنا إلى أنّ الفرق بين بيع مكيل من الصبرة من رجل، وبيع بقيّتها من رجل آخر أنّ ذلك جائز، ولا يجوز مثل هذا في الغنم على حسب ما حكيناه عن ابن حبيب أنّ الجزاف يجوز في بيع الطّعام ولا يجوز في بيع الغنم. وإن كان بعض أشياخي تأوّل عن ابن حبيب غير هذا التأويل، وذكر أنّه إنّما يمنع من هذا في الغنم إذا كانت قليلة، فإذا اختار المشتري ما اختار، ولم يبق إلا الشّرار، فيكون تخصيصها بالبيع غررا. فإذا كانت الغنم كثيرة، ولا يتحسّس إلى مقدار ما يأخذه المشتري الأوّل من خيارها، جاز ذلك لارتفاع الغرر فيه. وقد وقع في الموّازيّة في بائع باع مائة رأس من الغنم واستثنى رأسًا من شرارها، "أنّ ذلك يُتَّقَى لما فيه من الخطر. وقال ابن الموّاز في كتابه: القياس جوازه. ولو باع من مشتر عشرة من الغنم، يختارها من الجملة، ثمّ باع منه عشرة أخرى، يختارها أيضًا، فإنّ ذلك جائز، ويقدّر أنّ المشتري اشترط خيار عشرين. وقد قدّمنا أنّه يجوز له أن يستثني خيار الأقلّ من العدد. وأنّ أكثر فيه

стр. 1808

قولان. ويختلف في النصف هو كالقليل أو كالكثير ها هنا. ومن لم يجز هذا قدّر تصوّر الغرر يكون الثّاني إنّما يختار ما فَضُل عن خيار الأول، وهو لا يدري موقع اختياره، فصار في هذا البيع تخاطر. ولو أنّ البائع استثنى من مائة شاةٍ باعها شاةً، فردّها (١) عليه المشتري بثمنها، فإنّ ذلك لا يجوز. ولو سمّى مقدار الثّمن الّذي يردّها به، لجاز ذلك. هكذا ذكر ابن الموّاز وفي المستخرجة: لو اشترى مائة رأس من الغنم، وفيها كبش معتلّ، واشترط المشتري الخيار فيه، إمّا أن يقبله أو يردّه بحصّته من الثّمن، أنّ ذلك يفسخ ويقضى فيه بالقيمة، على حسب ما يقضى به في البياعات الفاسدة. وأشار الشّيخ أبو إسحاق إلى أن هذا مبنيّ على مذهب ابن القاسم في منعه رجلين أن يجمعا سلعتيهما ويبيعانها بثمن معلوم، لكون كلّ واحد منهما إنما يعلم مقدار ما باع به بعد الفضّ واعتبار القيم. وكذلك ها هنا قد اشترى هذه المائة رأس بمائة دينار، واشترط ردّ شاة منها بحصّتها من الثّمن، إنّما يطّلع عليه بعد العقد. وهذا الّذي قاله الشّيخ أبو إسحاق من إشارته إلى إجازة هذا على مذهب أشهب الّذي يجيز لرجلين أن يجمعا سلعتيهما في البيع قد يقدح فيه بأنّ المشتري للسلعتين عالم بجملة ما يدفعه من الثّمن، وتحقّق ذلك حين العقد، وإنّما تبقى الجهالة في جنبة البائعين. والجهالة في مسئلتنا هذه في الطّرفين معًا؛ لأنّ المشتري لا يعلم حين العقد ما ينوب هذه الشّاة المردودة من الثّمن، وإذا لم يعلم ذلك لم يعلم مبلغ ما يزنه في التّسعة والتّسعين المنعقد فيها الشّراء. وكذلك البائع أيضًا لا يعلم المبلغ الّذي يقبضه فيها، فهذا مِمّا ينظر وقد منع أشهب من اشترى عشرة من الغنم يختارها من الجملة أن يبيع العشرة من آخر قبل أن يختار, لما في هذا من الغرر. لكون المشتري من المشتري الأوّل لا يعلم حقيقة ما اشتراه، ولا صفة ما يختاره الأوّل، واختيار

стр. 1809

الناس يختلف اختلافًا كثيرًا بقدر تفاوتهم في الميز والحذق. وكذلك منع أيضًا أن يُربحه آخر دينارًا على أن يجعله مكانه في الإختيار، فيختار لنفسه العشرة الّتي اشتراها الأوّل على خياره. وبعض الاْشياخ أشار إلى تعقّب هذا ورأى أنّ مقتضى ما قاله أشهب المنع من أن يأتي المشتري الأوّل برجل يختار له. وهذا لا وجه لمنعه, لأنه خلاف ما يدخل النّاس عليه، وربّما أدّى اشتراط منعه من استشارة غيره وقصره على اختيار نفسه، إلى المخاطرة، والظّن بالبائع إنّما منعه من أن يستشهر (١) لاعتقاده قلّة بصره وميزه لما يختار، فصار هذا نوعًا من الخطار. قال القاضي أبو محمّد قدّس الله روحه: والبيع جائز منجّز (٢) وبشرط الخيار. والخيار يثبت في البيع بأمرين: أحدهما بمقتضى العقد، والآخر بالشّرط. فالأوّل ضربان: أحدهما أن يخرج المبيع من الصفة أو بأن يجد به عيبًا (٣). والآخر مختلف فيه: وهو أن يكون فيه مغابنة خارجة عن حدّ ما يتغابن النّاس بمثله. فقيل إنّ البيع لازم ولا خيار. وقيل: للمغبون منهما (٤) الخيار إذا دخل على بيع النّاس المعتاد. قال الإِمام ﵁: هذا الفصل يشتمل على حكم الرّدّ بالعيب. ونحن سنتكلّم عليه في الفصل المختصّ به من كتاب التّلقين. واشتمل على حكم الغبن في البيع، والخلافُ في ثبوت الخيار بذلك مشهور في المذهب عندنا. وبأن لا خيار للمغبون قال أبو حنيفة والشّافعي. وعندي أنّه قد يتعلق بما وقع في المدوّنة من وكيل وكّل على شراء سلعة فاشتراها بأضعاف قيمتها، فإنّ ذلك لا يلزم الآمر. قال في المدوّنة: ويلزم المأمور. ولا يلتفت في هذا الإطلاق

стр. 1810

إلى كون المأمور مغبونًا. لكنّه قد يعتذَر عنه بأنّه لم يُرِدْ الكلام على حكم الغبن، وإنّما أراد أنّ ذلك يلزم المأمور، وأن يكون اشترى وهو عارف بالقيمة. واختلف أصحابنا أيضًا في تقدير الغبن الموجب للخيار عند من رأى ذلك من أصحابنا. فقيل: هو محدود بالثلث فأكثر. وقيل: لا حدّ له، والمعتبر فيه العوائد بين التّجّار، فما علم أنّه من التّغابن الّذي يكثر بينهم ويتكرّر وتختلف فيه اَراؤههم فإنّه لا مقال فيه للمغبون باتّفاق. وما خرج عما اعتادوه من ذلك، فإنّ للمغبون الخيار. وأمّا من حدّه بالثّلث، فإنّه مضى على ما تقتضيه شواهد الأصول الّتي حدّ فيها الكثير الثّلث. وقد قال ﵇: "الثلث، والثلث كثير" (١). وأمّا من أحاله على العادة، فإنّه يقول: ما لم يرد الشّرع فيه بتحديد فإنّه يرجع فيه إلى مقتضى العوائد. وقد اختلف عندنا في الثّلث في المسائل اتتي وقع فيها التّحديد، هل هو كثير أوقليل، على ما سنبيّنه إن شاء الله تعالى في موضعه. وينبغي أن تعلم أنّ الخلاف في هذا لا يقع في الغبن علي الإطلاق، وإنّما هو مقيّد بأن يكون المغبون لم يستسلم لمن باع منه، ولا هو أيضًا من أهل المعرفة وبقيمة ما اشتراه، وإنما وقع في الغبن غلطأوهو يعتقد أنّه لم يغلط. وأمّا إن علم القيمة فزاد عليها، فإنّه يقدّر كالواهب إن فعل ذلك لغرض له فيه. وكذلك إن استسلم البائع وأخبره أنّه غير عارف بالقيمة، فذكر له البائع ما أغراه به، مثل أن يقول: أعطيت فيها كذا، أو قيمتها كذا، أو سمّى الّذي باعها به منه، فإنّ هذا ممنوع منه باتّفاق.

стр. 1811

وغبن المستسلم لا يجوز، فإن وقع كان للمغبون المقال في الغبن، كما يكون له في النّجش، على حسب ما تكلّمنا عليه في كتابنا المعلم. وهذا الإختلاف سببه ما وقع من ظواهر تجاذبها المختلفان. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) الآية. فيقول من يرى الخيار للمغبون: إنّ الغبن أكل مال بالباطل، فلا يقضى به، لنهي الله تعالى عنه. ويقول من لا يرى الخيار للمغبون: قد استثنى تعالى من ذلك التّجارة استثناء عامًا. وكلّ تجارة الأكل فيها جائز على الإطلاق، كان فيه غبن أو لم يكن. ويقول الآخرون: هذا الاستثناء كأنّه ليس من الجنس ولا عائد للأوّل، وتقدير الكلام: لكنْ التّجارة عن تراض جائزة. وأمّا أكل المال بالباطل، فلا يقع فيه استثناء. وكذلك نهيه ﵇ عن إضاعة المال (٢) يتعلّق به من قال: للمغبون الخيار ويقول الآخرون: المراد بإضاعة المال إتلافه في غير غرض صحيح يقتضيه العقل، فأفا ما اقتضاه رأى رجل لغرض صحيح، أخطأ فيه أو أصاب، فغير مراد بهذا الحديث. وكذلك أيضًا تجاذب حديث حبّان لما شَكَا إلى النبي ﷺ أنّه يخدع في البيوع فقال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" (٣). ولم يحكم له بردّ ما تقدّم من الغبن. فلو كان يجب لبيّن ذلك، ولقضى له به. ويقول الآخرون: هذا لا حجّة فيه لأنّه لم يثبت عنده الّذي شكاه من الغبن ولا مقداره، ولا يلزم القضاء بما لم يثبت. ويقول الآخرون: قد قال ﵇: "لا خلابة"، وهذا يقتضي نفيها، اشترطت أو لم تشترط. ويقول الآخرون: إنّما يقتضي ردّ الغبن إذا اشترط: لا مغابنة. وأمّا إذا لم يشترط ذلك، فلا يردّ. والمراد بهذا اشتراط ألاّ مغابنة، ولو كان للمغبون مقال، لم يفتقر إلى اشتراط.

стр. 1812

وكذلك أيضًا يُتعلّق في هذ ابن هيه ﵇ أن يبيع حاضر لباد (١)، وإنّما هذا ليُغْبَن البادي، ولو كان الغبن حرامًا ما نهي عن أمر يؤدّي إلى رفعه. ويقول الآخرون: إنّما شُرِع هذا لكون أهل البدو وأموالهم غلاّت إن ذهبت تعود. لا أثمان يَبذلُونها في هذه الغلاّت، وأهل الحضر يشترون غلاّت أهل البدو بالدّنانير والدّراهم، ويعسر عليهم خلفها. فوازن بين الضررين، فرخح حقّ من يدفع ما لَايمكنه خلفه إلاّ بمشقّة، على حق من يمكنه الخلف من غيرمشقّة. فلا مدخل لهذا فيما نحن فيه؛ لأنّا نتكلّم على حضرييّن أو بدوييّن تبايعا فتغابنا. وكذلك يُتعلّق في هذ ابن هيه ﵇ عن تلقّي الركبان (٢). وقد وقع في كتاب مسلم أنّ البائع بالخيار إذا أتى السوق (٣). فأثبت النبي ﵇ الخيار للجالب لأجل ما يلحقه من الغبن. وهذا من أمثل ما يتعلَّق به أهل هذا المذهب. على أنه يجيب عنه الآخرون بأنَّه ﵇ إنَّما نهى عن التلقي لحق أهل السوق، لئلَاّ ينفرد الخارج عن المدينة بالأرباح دونهم. وإن خرجوا كلهم، فقد أضرَّ بالناس فقد جميع أهل السوق فنهي المتلقي عن ذلك لحق أهل السوق. فإذا باع منه الجالب وأتى إلى السوق، فكان العقد قد منع الشرع منه المشتري لحق أهل السوق، وجب فسخه، فلم يلزم البائع إلَاّ أن يختار إمضاء على نفسه بعد الإطلاع على الغبن، فيكون كالواهب لماله فلا يمنع من هذا. فأنت ترى كيف وقعت المشاركة في هذه الظواهر والمزاحمة عليها. وينبغي أن تعلم أنَّا قدَّمنا أنَّ المستسلم وإن لم يشترط ألَاّ غبن، فإنَّ استسلامه لمن باع منه كالشرط عليه بان لا يغبنه. واتفق على أن للمغبون مقالًا. كما أنَّ من علم القيمة فزاد عليها، اتفق على أنَّه لا مقال له, لأنَّه كالواهب.

стр. 1813

والمغبون غلطًا منه على نفسه، هل يقدر أنَّه كمشترط في رضاه ألَاّ يكون غبنًا فيكون له الرد؟ أو لا يقدر مشترطًا بل هو راضٍ بما عقد على نفسه على أي حال كان، فيلزمه ذلك؟ وقد ضمن القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب إلى هذا المعنى الذي نبهتك عليه بأن قال في آخر كلامه؟ إذا دخل على بيع النَّاس المعتاد. فأشار بهذا إلى ما قلناه وبالله التوفيق.

стр. 1814

كتاب الرّدّ بالعيب

стр. 1815

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كتاب الرد بالعيب قال القاضي أبو محمَّد ﵁: ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر (١) بها عيب يوجب الرد، فهو بالخيار بين أن يرد ويرجع بالثمن، شاء البائع أو أبى، أو يمسك، ولا شيء له: أرش ولا غيره، إلَاّ أن يبذل له البائع الأرش. ولا يلزم في الأرش بذله ولا أخذه بالتراضي (٢) ما دام رد العين ممكنًا. قال الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة، منها أن يقال: ١ - ما الدليل على تحريم البيع بالعيب؟ ٢ - وهل يمنع التدليس من صحَّة البيع؟ ٣ - وما حكم العيب إذا اطلع عليه المشتري؟ ٤ - وهل تختلف العقود في الرد بالعيب؟ فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: أمَّا الغش والتدليس في البياعات فمحرَّم. والدليل عليه من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة. فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. (٣) فإذا باع سلعة وكتم ما بها، فقد أخذ ما زاد من الثمن،

стр. 1816

وهي سليمة، على ثمنها معيبة. وفي الصحيح أنَّه ﵇ قال: "لا تصرُّوا الإبل" (١) الحديث. فنهى عن التصرية، وهي ترك اللبن في الضرع ليعظم جرمه في العين، فيعتقد المشتري أنَّ ذلك عادتها في الحلاب، فيزيد في الثمن لأجل هذا التدليس. وقد خرج مسلم في صحيحه أنَّه ﵇ مرَّ بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنال أصابعه بلل، فقال: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله أصابته السماء، فقال: هلَاّ جعلتموه على وجه الصبرة حتَّى يراه الناس، من غشَّ فليس منَّا. (٢) وقد ذكر في الحديث أنَّه أوحي إليه: بأن أدخل يدك فيها، فبالغ ﷺ في التغليظ في المنع من الغش حتَّى أورد كلامًا ظاهره إخراج الغاش من الدين. وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، وهو قوله ﵇: "من غشَّنا فليس منَّا" على خمسة أقوال. فمنهم من قال: المراد به أنَّ من غشَّ فليس على ديننا. قال ابن داوود: هذا غلط لأنَّ الغاش ليس بكافر. وهذا الذي قدح به ابن داوود في هذا التأويل بعض الناس إلى أن حمل الحديث على أنَّ المراد به: من غشَّنا مستحلا لغشنا، وهذا لا شكَّ أنَّه يكفر به الغاش؛ لأنَّ استحلال ذلك مع أنَّ الشرع حرَّمه تكذيب للشرع، ومن كذَّب الشرع فهو كافر. وكان يقال في المذاكرة، فيصير هذا الإستدراك قولًا ثانيًا. وقد قيل: إنَّه ليس مثلنا. وطعن ابن داوود في هذا التأويل، وقال: النبي ﵇ لا مثل له. هذا الذي طعن به ضعيف، لأنَّه صدق في أن النبي لا مثل له منا في نبوَّته وعصمته وشرفه عند الله تعالى، وليس المراد بقول هؤلاء: ليس مثلنا في ذلك، وإنَّما المراد ليس مثلنا في تحريم ما يحرم وتحليل ما يحل والكف عن المحرَّمات. وقيل: المراد ليس منا في فعلنا وسنَّتنا. وأنكر ابن داوود هذا أيضًا، وقال: الغش غير الغاش، وإنَّما ذكر في الحديث الغاش لا فعل الغاش. وهذا

стр. 1817

أيضًا قد يجاب عنه، قد يراد بهذا التأويل: الكناية عن الغاش. وقيل المراد: ليس هو على مثل فعلنا وسنَّتنا. وهذا الذي اختاره ابن داوود لأجل ما قدَّمه من القدح في التأويلات التي ذكرناها. وقد ذكر ابن حبيب من أصحاب مالك أنَّ المراد ليس مثلنا ولا على سنتنا. فأنت ترى ابن حبيب كيف استسهل الجمع بين تأويلين مما قدمنا، وهما نفي المثلية والإتباع على الفعل، فدلَّ على أنَّ المراد بهذين متقارب. وإنَّما المقصود ليس على سنَّتنا ولا متبع لنا. كما حكي في الكتاب العزيز عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (١) ومعلوم أنَّ مراد إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: "فإنَّه مني لما أي على سنَّتي وطريقتي وهديي. وكذلك قوله ﵇: "من غشَّ فليس منَّا" المراد به على سنتنا وهدينا. ومما يدل أيضًا على تحريم التدليس ما رواه عقبة ابن عامر الجهني أنَّه ﵇ قال: "لا يحل لمسلم أن يبيع من أخيه بيعابه عيب إلَاّ أن يبينه" (٢). وقال أيضًا ﵇ في المتبايعين: "إن صدقا وبيَّنا بورك لها وإن سكتا وكتما محقت بركة بيعهما" (٣). وأمَّا الإجماع فليس بين المسلمين خلاف في تحريم الغش والتدليس في البياعات. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا ثبت تحريم الغش والتدليس في البياعات لأجل ما قدَّمناه من الأدلَّة، فإن البيع إذا وقع على ذلك لم يمنع من صحَّته وانعقاده. ولا يكون البيع فاسدًا يفسخ وإن رضي به المتبايعان. هذا مذهب فقهاء الأمصار. ومن الناس من ذهب إلى أنَّ البيع يفسد بذلك، وقرَّر أن التدليس لما ورد

стр. 1818

الشرع بتحريمه، صار البائع قد عقد بيعًا منهيًا عنه محرمًا عليه. والنهي يدل على فساد المنهي عنه عند بعض أهل الأصول. وهذه الطريقة التي استند إليها من صار إلى هذا المذهب. وقد أجيب عن هذا بأنَّ النَّهي إنَّما يدل على فساد المنهي عنه إذا كان النهي لحق الله تعالى، وأمَّا إذا كان لحق الخلق، فإنَّه لا يدل على فساد العقد، والنهي عن التدليس لحق الخلق وكون المشتري لا يحل ظلمه وأخذ ماله بالباطل، فلم يقتض هذا النهي فساد العقد. وهذا الذي ذكرناه عن ذهاب أصحاب هذه الطريقة إلى اعتبار النهي، هل يتعلَّق بحق الله سبحانه أو بحق الخلق؟ قد ينتقض عليهم بغاصب غصب سلعة فباعها فأراد ربها لما مكن منها أن يجيز البيع، فإنَّ المشهور عندنا من المذهب أنَّ ذلك له. وحكى ابن شعبان قولًا ثانيًا: أنَّه يفسخ، ولا يمكن رب السلعة المغصوبة من إجازة البيع. وهذا لأن هؤلاء اعتقدوا أنَّ هذا إذا اشتراه منه كان منهيًا عنه، اقتضى ذلك فساد العقد. ولكن قد يقال في هذا: إنَّ الغصب لو علم به المشتري لم يمكن رب السلعة من إجازة ذلك وإمضائه، لكون المشتري قد دخل على غرر وهو ترقب إمضاء رب السلعة للبيع أو رده، كما قيل في أحد القولين عندنا في هذا. والعيب لو علم به المشتري ولم يكن (١) فعل البائع منهيًا عنه إذا علم أنَّ المشتري قد علم به، ولا يتعلَّق بعقده خيار لغيره، فيكون العقد فيه غرر. ومن آكد ما يدل على أنَّ التدليس لا يمنع من صحَّة البيع حديث النهي عن التصرية فإنَّه ﵇ قال: "لا تصروا الإبل فمن اشتراها فهو بخير النظرين إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يردها وصاعا من تمر" (٢) الحديث المشهور. فنصَّ ها هنا على أنَّ المشتري له الإستمساك بالبيع الذي دلس البائع فيه بالعيب.

стр. 1819

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: حكم المبيع إذا اطلع فيه على عيب فخير المشتى بين الرضا بالمبيع معيبًا ولا يسترد من الثمن شيئًا، أو يرد المبيع ويأخذ جميع الثمن على ما اقتضاه حديث المصراة. وسنعتذر عن ذكر الصالح في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأيضًا فإن المشتري لا يلزمه أن يأخذ معيبا، وقد نقد الثمن في سليم من العيب, لأنَّ ذلك تجارة لم يرض بها. وكذلك لا يلزم المشتري إذا بذل البائع له قيمة العيب قبول ذلك منه لأنَّه لم يرض إلَاّ بشراء سليم من العيب. وكذلك أيضًا لا يجبر البائع على دفع قيمة العيب لأنَّه لم يرض أن يبيع إلَاّ بالثمن الذي أخذه فلا يلزمه البيع بأقل منه. فإن قيل: قد قلتم في استحقاق الأقل من المبيع إذا كان جملة عدد: إنَّ البيع منعقد في الأكثر، ويرجع المشتري بما استحق، فهلَاّ كان حكم العيب كذلك, لأنَّه جزء ذهب من المبيع كما ذهب الجزء بالاستحاق؟ قيل: استحقاق ثوب من عشرة أثواب لا يعيب الثياب الباقية ولا يزهد في المقصود منها. وإذا اشترى ثوبًا فوجد قطعًا أو خرقًا، فإنَّ ذلك الجزء الذاهب، وإن اختص بمحله، فإنَّه يسري إلى جملة الثوب، وكأنَّ العيب وجد في كل جزء منه، فصار المقصود من المبيع لم يحصل، فأشبه استحقاق الأكثر من العدد في المبيع. فإذا علم أنَّ الحكم مع قيام المبيع وكونه لم يتغيَّر تخيير المشتري من الرد وأخذ الثمن، أو يتمسك بالمبيع ولا شيء له، فإنَّ التراضي على أخذ الأرش وهو قيمة العيب جائز. قال القاضي أبو محمَّد في غير هذا: خلافًا لمن منعه. والذي أشار إليه بأنَّه معه هو الشافعي, لأنَّه منع من ذلك. منع من أخذ عوض عما ثبت للشفيع عن إسقاطه ما له من التخيير في الأخذ بالشفعة أو إسقاطها على مالًا يأخذه, لأنَّه يقدر أنَّ التخيير المستحق في مثل هذا ليس بمال فيصح أن يعاوض عنه بمال. وخالفه ابن شريح من أصحابه فاجاز التراضي على أخذ الأرش، كما يجوز الترانحي على إسقاط القصاص، لكون ذلك مما يرجع إلى م الذي بعض الأحوال.

стр. 1820

وهذا الذي أشار إليه القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا من أنَّ مذهبنا جواز التراضي على أخذ الأرش، ومذهب غيرنا المنع منه، يجب عندي أن يفصل القول فيه إذا قصد إلى حكايته المذهب. فيقال: إن علم المتبايعان بمقدار قيمة العيب قبل التراضي به، فإنَّ هذا لا يمنع، ولا يتصوَّر فيه وجه يوجب المنع منه، لارتفاع الجهالة مع هذا التراضي، ويقدر أنَّهما استأنفا عقدا ثانيا بثمن معلوم. وأمَّا إن تراضيا على الرجوع بقيمة العيب، وهما غير عارفين بقيمته، فإنَّ هذا يجري عندي على القولين في مسألة استحقاق أكثر الصفقة المبيعة، كمشتري عشر ثباب استحق منها ثمانية، فإنَّ المشهور من المذهب منع المشتري من الاستمساك بالثوبين الباقيين بمقدار حصتهما، لكون ذلك كابتداء عقد بثمن مجهول. وأجاز له لك في كتاب ابن حبيب وكذلك التراضي بأخذ الأرش مع كون المشتري قادرًا على أن يرد المبيع المعيب ويسترجع الثمن المعلوم الذي دفع، فعدوله عن ذلك، كاستئناف عقد بثمن مجهول، فبمنع على المذهب المشهور. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: العقود ثلاثة ١ - عقد معاوضة مبني على المكايسة كالبيع المحض، فهذا يثبت فيه الرد بالعيب. ٢ - وعقد طريقه الصلة المحضة كالهبة والصدقة، وهذا لا يتصوَّر فيه حكم الرد بالعيب، إذ لا عوض له يرتجعه بالرد بالعيب. وعقد ظاهرة المكارمة وباطنه المعاوضة كالهبة المقصود بها طلب المكافأة، فهذا نبسط القول فيه في كتاب الهبات، إن شاء الله تعالى. وحكى القاضي إسماعيل، ﵁ عبد الملك ابن الماجشون أنَّ الموهوب لا يرد الهبة بالعيب. وقاله المغيرة إلَاّ في العيب المفسد. وكأنَّ من ذهب إلى هذا يقدر أنَّ الموهوب إنَّما قبل الهبة ليبذل أكثر من قيمتها، فإذا لم يكن قصد الموهوب المكافأة بالقيمة بل بأكثر منها, لم يكن له مقال, لأنَّ سبب وجوب الرد بالعيب ما يؤدي إلى الانتقاص ممَّا دخل عليه المشتري. قال القاضي أبو محمَّد. ﵁: وحدوث عيب عند المشتري ليس

стр. 1821

بفوت يمنع الرد. وهو بالخيار. إن شاء رده وما نقصه العيب عنده، وإن شاء تمسك به وأخذ الأرش. قال الإِمام ﵀ يتعلَّق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما أقسام العيوب الحادثة عند المشتري؟ ٢ - وما حكم كل قسم منها؟ ٣ - وما وجه إسقاط مطالبة المشري بالعيب اليسير إذا حدث عنده؟ ٤ - وما الدليل على ما ذكره القاضي أبو محمَّد من تخيير المشتري؟ ٥ - وهل بي سقط التخيير بإسقاط البائع طلب قيمة العيب الحادث؟ فالجواب عن السؤال الأوَّل أن يقال: العيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام: عيب يسير ومثله في المدونة بالحمى والصداع والرمد والكي والدماميل. وأشار إلى كل عيب محتقر لا يؤثر كبير نقص في، الثمن. وقد خولف في أحد ما مثل به وهو الحمى. فرأى سحنون أئَّها ليست من العيوب اليسيرة التي يعفى عنها. وأشار بعض الأشياخ إلى أنَّ مراد ابن القاسم الحمَّى اللطيفة التي يقرب زوالها وانقشاعها. وكذلك الرمد يختلف حاله. وذهب ابن كنانة إلى التوقف عن الرد للمبيع حتَّى ينكشف حال المرض، هل يموت العبد أو يفيق؟ وهو اختيار بعض أشياخي فيما ذكره ابن القاسم في المدونة في الرمد والحمى. وفي رواية ابن القاسم أنَّ المرض لا يمنع من الرد إلَاّ أن يكون مخوفا. وبالجملة فإنَّ مرجع الاختلاف والاضطراب في هذه المسائل راجع إلى ما يغلب على ظن الفقيه: من كون العيب الحادث يبطل الغرض المقصود فيمنع من الرد ويوجب قيمة العيب، أو لا يبطل الغرض المقصود فيثبت الخيار بين الرد وغرامة قيمة العيب الحادث، أو التمسك وأخذ قيمة العيب القديم، فيما غلب على ظنه من هذه الأحوال حكم للعيب بحكم ما قيل فيها. (١)

стр. 1822

والجواب كن السؤال الثاني أن يقال: أمَا العيب اليسير الحادث عند المشتري، فالحكم أن يعفى، ولا يلزم المشتري غرامته إذا اختار الرد. وأمَّا العيب الذي ينقص من الثمن مما له مقدار وبال، ولكنَّه لا يبطل الغرض المقصود من المبيع، فإنَّ مذهب مالك رضي النه عنه أنَّ المشتري بالخيار بين أن يرد المبيع وقيمة العيب الحادث عنده، أو يتمسَّك ويأخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنَّ المشتري لا حقَّ له في رد المبيع، وإنَّما حقه أخذ قيمة العيب الذي كان عند البائع. وظاهر مذهب أبي ثور أن ذلك لا يمنع الرد كما قاله مالك وإن (١) رد ما نقص عنده، لكنَّه إن أمسك، لم يأخذ قيمة العيب خلافًا لما حكيناه عن مالك ﵁. وذكر الطحاوي أنَّه قد خالف بعض من تقدَّم ومن تأخَّر في حكم العيب الحادث، فقال عطاء: لا عهدة بعد الموت. وقال محمَّد بن شجاع: لا مطالبة للمشتري بالعيب القديم قال: وهو القياس, لأنَّ العيب ليس بمثمون، ولو كان مثمونًا لأخذ قيمة العيب مع قيام المبيع. فأشار إلى أنَّ الحكم الرد بالعيب القديم. ولكن إذا رد المبيع على البائع، على حسب ما أخذه منه، فإذا لم يمكنه ذلك، لم يمكن من رده، وإذا لم يمكن من رده، بطل حقه في القيام به. وهذه جملة المذاهب في هذا القسم. وأمَّا حكم العيب الذي يبطل الغرض المقصود فإنِّه يمنع من الرد، لكون الرد لعين المبيع يكون في معنى المستحيل. وإذا امتنع، كان من حقه أن يطلب ثمن الجزء الذي عاوض عليه ولم يدفعه البائع. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أمَّا وجه العفو للمشتري عن غرامة

стр. 1823

العيب اليسير الحادث عنده، فإنَّ الأبهري أشار إلى أن هذا الحكم إنَّما يختص بعيب حدث عنده لا يؤثر نقصًا بشرط أن يكون النقص يسيرًا. وقال بعض المتأخرين: إنَّما كان الأمر هكذا لأنَّ العيب من جهة البائع. فإن كان عالمًا به، فقد دلس وفعل ما لا يحل، وظلم والظالم أحق أن يحمل عليه. فإن لم يعلم، فإنَّه مفرط. إذ لم يكشف عن العيب قبل أن يبيع، والمفرط كالمتعمد في هذا المعنى، مع كون الغالب حدوث هذه العيوب اليسيرة، فيقدر البائع كالعاقد على أن يتجاوز عن المشتري فيها. ومال بعض المتأخرين إلى أن لا يعفى للبائع عن العيب اليسير إذا اطلع عليه المشتري، ولا فرق بين البائع والمشتري في هذا. وقد أشرنا نحن إلى ما قيل من الفرق بينهما من كون البائع مدلسًا ومفرطًا، فوجب أن يحمل عليه. ومال بعض أشياخي إلى أنَّه لا يصفح للمشتري عن ذلك إذا لم يكن البائع مدلسًا، لأنَّه يرى المدلس ظالمًا يحمل عليه بخلاف من لا يدلس. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أمَّا ما ذكرناه عن محمَّد بن شجاع فقد وجَّهناه. وأمَّا ما ذكرناه عن أبي ثور فإنَّه يحتج بحديث المصراة. وقد قال فيه ﷺ : "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين إمَّا أمسكها أو رد وصاعًا من تمر" (١) الحديث المشهور. فقدر ما حلب المشتري كالنقص الحادث عنده، فرد عوضه وجعل له الإمساك من غير غرامة يطالب بها البائع. والإنفصال عن هذا الذي قال أنَّ الذي احتلبه المشتري ليس كالعيب الحادث عنده، وإنَّما هو لبن فيه حق البائع، وهو ما كان حين العقد، وفيه حق للمشتري، وهو ما كان بعد العقد، لا يتميَّز هذا من هذا، فجعل ﵇ عوض اللبن الذي من حق البائع مع الشاة. فأفاته قبل الرد.

стр. 1824

وأمَّا سبب الخلاف بين مالك والشافعي فإنه يلتفت فيه إلى تغليب أحد الضررين. فالبائع يلحقه الضرر إذا رد عليه ما باعه وقد تغيَّر، وعوض النقص ليس هو عين النقص، فكأن المردود ليس بعين ما باع. وكذلك المشتري يلحقه الضرر إذا أمسك المعيب وغرم (١) عوض النقص لأنَّه لم يدخل على ذلك. فإذا تقابل الضرران، رُجِّحَ أحدهما على الآخر. فرجَّح مالك جنبة المشتري بما قدَّمناه من كون البائع متعمدًا للتدليس أو مفرطًا في ترك الكشف عن العيب، فكان أولى بأن يحمل عليه فترد سلعته إليه. ورأى الشافعي وأبو حنيفة أن البائع يريد استدامة العقد، والمشتري إذا أراد الرد فقد أراد فسخه، واستصحاب انعقاد البيع أولى من إحداث حكم آخر، وهو فسخه، ألا ترى أنَّ العنين إذا ضرب له الأجل فقال: وطئت. وقالت المرأة: لم يطأ، فإن مالكًا لا يصدقها, لمَّا كانت تحاول فسخ العقد والزوج يحاول استدامته. وأجيب عن هذا التشبيه بأنَّ الزوج إذا قال: وطئت، فإنَّه لم يسلم العيب الذي ترد به المرأة النكاح. ومسئلتنا في عيب اتفق عليه المتبايعان. ألا ترى أنَّ الزوج إذا طلق وقال: كنت ارتجعت، فإنه لا يصدق، وإن كان يدعي ما يستديم العقد، لمَّا كان الطلاق وانقضاء العدَّة قد ثبت، وهو يحاول رفع ما ثبت من ذلك. وأمَّا حديث المصراة، فإنَّ المخالف يقول فيه: ما فعله المشتري إنَّما هو استعلام العيب. والحادث المفتقر إليه في استعلام العيب لا يؤثر بخلاف ما حدث مما لاتعلَّق له بالكشف عن العيب. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا حاول المشتري الذي حدث عنده عيب رد المبيع لعيب قديم، فلا قدرة للبائع أن يصده عن ذلك. وإن حاول

стр. 1825

التمسك بالمبيع ومطالبة البائع بقيمة العيب القديم فقال البائع: أنا أحط عنك قيمة العيب الحادث عندك، فلا يكون لك الخيار إلَاّ في التمسك، ولا مطالبة لك علي أوتردَّ علىَّ ولا شيء على ولا شيء عليك. كما لو اطلعت على عيب كان عندي ولم يحدث عندك عيب، فإنَّك لا تمكن من مطالبتي بقيمة العيب. فإسقاط غرامة العيب الحادث عندك يصيره كما لم يحدث عندك فإنَّه يمكن من ذلك في المشهور من المذهب. وحكى ابن مزين عن عيسى ابن دينار أنَّه لا يقبل هذا من البائع، بل يبقى المشتري على خياره بين أن يردَّ ويأخذ ما نقص أو يمسك ويأخذ قيمة العيب. ولم يقدر أنَّ علَّة إثبات التخيير للمشتري ما توجَّه عليه من غرامة. ألا ترى أنَّه قد قيل في إحدى الروايتين في الحيوان الهزيل إذا سمن: إنَّه يرده، إن شاء، أو يمسك ويأخذ قيمة العيب وإن لم تتوتجَّه عليه غرامة. وهذا التشبيه ضعيف لأنَّ الخسارة للسمن كالغرامة لأخذ قيمة العيب. وقد قال بعض الأشياخ إنَّ مذهب عيسى يقتضي تمكين المشتري من المطالبة بقيمة العيب وإن لم يحدث عنده عيب لأنَّ البائع لمّا أسقط عن المشتري غرامة ما حديث عنده، صار كمن لم يحدث عنده شيء. وهذا قد ينفصل عنه بأنَّ تخير المشتري حق له قد ثبت، وإن كانت علَّته الغرامة التي تلحقه مرتفعة، فرفع الغرامة بعد أن استقرَّ حكمها كما قيل في المسائل التي ترتفع عللها ولا يرتفع حكمها على ما سيبسط في أصول الفقه. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب قبل هذا: فإن فات، لم يكن له إلَاّ الأرش. والفوت هو ما لا يمكن الرد معه إمَّا لتلف المبيع كالموت والزمانة والهرم الذي لا يبقى معه انتفاع به، وإمَّا لتلف الملك كالعتق والتدبير والاستيلاد والكتابة، وفي بيعه خلاف. والصحيح أنَّه فوت يوجب الأرش. والإباق فوت. قال الإِمام ﵀ يتعلَّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال: ١ - ما أقسام التغير الحادث عند المشتري على التفصيل. ٢ - ما يتوقَّع
следующие страницы →