← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

يأتي ببيّنة بمشاهدته (١) إن كان مشاهدًا أو بالبيّنة إن كان غير مشاهد. ثمّ لا يخلو أن يكون مِمّا لا يحدث عند المشتري أو يكون مِمّا لا (٢) يعلم أنّه لم يكن عند البائع. والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه. أو يكون محتملًا، فالقول قول البائع مع يمينه، إلَاّ أن ينكل فيحلف. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال: ١ - لم حرم على البائع أن يكتم عيبًا بالمبيع؟ ٢ - وما حكم التّداعي في العيوب؟ ٣ - وما صفة اليمين في التّداعي؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا الدّلالة على منع التّدليس. وتكلّمنا على قوله ﵇: "من غشنا فليس منّا" (٣). وذكر ما قيل في تأويل هذا الحديث من أقوال كثيرة. والغشّ هو كتمان العيب، والتّدليس، والتغرير بالمشتري فيه. وذلك مِمّا لا ينحصر. لكن منه أمور ظاهرة لا يحتاج إلى تبيينها، ومنه ما يفتقر إلى تبيينه. مثل ما وقع في الرّواية من منع الفّرايين من أن يُتَرِّبوا وجوه الأفْرية ليتزيّن ويستر ذلك عيوبها. وهذا التّحسين ربّما اعتقد المشتري أنّه صفة ثابتة لها في الأصل غير مصنوعة. وربّما اعتقد أنّ ذلك لا يستر عيبًا فيرغب المشتري، فهذا من الغشّ. لكنّ البيع إِذا وقع والمشتري عالم بأنّه قد ترّبها بائعها، فلا ردّ له. وقال ابن الموّاز: إلاّ أن يكون اطّلع على عيب، فإن لم يكن علم بأنّها مترّبة، فله الرّدّ قبل أن يطّلع على عيب. وهذا الّذي قاله تمكينه من الرّدّ قبل ظهور عيب يوجب الرّدّ إِذا لم يعلم بكونها مترّبة، إنّما صار إليه لأجل أنّ المشتري يكره التّمسك بها مع كونه يجوّز

стр. 1927

عيوبًا سترت عنه، وستظهر له في ثاني حال. وأمّا إطلاق الرّواية بأنّه إِذا علم بالتّتريب فلا ردّ له، فإنما ذلك إنّما صار إليه لأجل هذا العيب الّذي تخشى عاقبته. لكن استدرك ابن الموّاز في هذه الرواية أنّ له الرّدّ بعيب يَظْهَر يمكن أن يكون رأى أنّ ذلك، وإن دخل عليه المشتري، كالبراءة من العيب، والبراءة من العيوب في العروض لا تصحّ، ولا يصح العقد على أنّ المشتري لا قيام له بالعيب متى ظهر له. وهذا وإن (١) لم يكن البائع عالمًا بالعيب. وأمّا إِذا كان عالمًا به، فلا تصحّ البراءة منه ومن سائر العيوب على الإجمال. ومن الغشّ أيضًا خلط طعام جيّد برديء، كخلط تمر جيّد برديء، أو عسل جيّد برديء، أو لحم هزيل بسمين. ويُنهَى الجزّار عن خلط اللّحم الجيّد بالرّديء. وإن نقص له ذلك. فإن اشترى مشترِ منهم على ذلك، فإنّ البيع ماضٍ فيما قلّ كأرطال يسيرة، وأمّا أرطال كثيرة كعشرين أو ثلاثين، فإنّ ذلك لا يجوز حتّى يعلم مقدار السمين من الهزيل. وإنّما فرّق بين اليسير والكثير في هذا لأن اليسير يفرز حميده ورديه، ويعلم فيه أحدهما من الآخر على جهة التّخمين، بخلاف ما كثر من ذلك. ويتصدّق بما قلّ من لحم أو طعام إِذا كان يسيرًا عقوبة في المال مع الأدب. بخلاف الكثير الّذي يشتدّ الضّرر بإتلافه على صاحبه ويباع عليه مِمّن يؤمن أن يدلّس به، ويعاقب من غشّ بضرب أو حبس أو إخراج من السوق إِذا كان معتادًا لذلك. وقد قال مالك في الموّازيّة فيمن يفجُر في السوق ينبغي أن يُخرج، فهو أشدّ عليه من الضّرب. والتّحقيق في هذا صرف العقوبة إلى الاجتهاد في جنسها ومقدارها لاختلاف موقعها في العصاة. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: لا يخلو العيب من أن يكون

стр. 1928

مشكوكًا فيه أو متحقّقًا. والشّك فيه على قسمين: أحدهما: أن يشكّ في وجوده وحصوله. والثّاني: أن يتحقّق وجوده ويشكّ في زمن ابتداء وجوده. وإن كان متحقّقًا، فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يتحقّق كونه عند البائع أو عند المشتري. فأمّا إِذا كان الشّكّ في وجوده وحصوله، فإنّه لا يقضى للمشتري بردّ المبيع، لكون البيع أصله الانعقاد، واتّفق المتبايعان على لزومه وثبوت الثّمن على المشتري، وانتقال ملك المبيع إليه. فعلى من يّدعي حلّ هذا المنعقد عليه إثبات ما يحلّه والمشكوك فيه غير ثابت. وقد قال ابن الموّاز لا يردّ المبيع بالعيب إلاّ أن يجتمع عليه رجلان عدلان من أهل البصر والمعرفة، أوامرأتان فيما لا يطّلع عليه إلاّ النّساء، كعيوب الفرج والحمل وشبهه، فإنّ امرأتين تقومان مقام رجلين للضرورة إليهما. ومن يعلم علمه، وقرأ كتبه، وصحب علماءه، فإنّ هذا ينبغي أيضًا أن يتطلّب فيه ثبوته بشهادة من كان عدلًا عارفًا بهذه الأدواء الّتي لا يعرفها إلاّ الأطبّاء. فإن لم يوجد من يعرف هذا إلاّ من ليس بعدل من أهل الإِسلام أو من غيرهم من اليهود والنّصارى اكتفى بهم في هذا .... (١). ومن هذه الطّريق تقبل للضّرورة إليه كما تقبل شهادة الصبيان في الجرإح للضّرورة إليها. ولو اختلف الشّهود فقال عدلان: هذا عيب ينقص الثّمن، وأكذبهما اَخران، فإنّ هذا التّكاذب يسقط الشّهادتين ويعود العيب غير ثابت، فلا يجب به الرّدّ. وكذلك لو اشترط المشتري جنسًا اختلف فيه الشّهود، هل هو من المشترَط أم لا؟ فإنّه لا يلزم ردّ البيع لهذا الاختلاف. فمحمل هذا على أنّ

стр. 1929

المشتري قبض المبيع مصدّقًا للبائع أنّه من الجنس الّذي اشترط. فيكون البائع هو المدّعي والمّدعي إلزام المشتري البيع، فلا يصدق إلَاّ بإثبات. وأمّا لو قبضه مصدّقًا للبائع أنّه على الصّفة الّتي اشترط، لكان المشتري ها هنا هو المدّعي، والمدّعي لحلّ منعقد يكون عليه الإثبات. وقد قدح في هذا الّذي أصّلناه بأنّ اختلاف الشّهادة والشّكّ في حصول العيب عيب، د ان لم يكن العيب متحقّقًا، لكون النّاس يجتنبون في المبيع ما التبس أمره ويقفون عن شرائه. وقد كنّا قدّمنا أنّ الأمة إِذا ادّعت أن سيّدها أَوْلَدها أو أعتقها, ولم يثبت لها ذلك، وباعها سيّدها مِمّن لا يعلم دعواها هذه، أنّ ذلك عيب، لكون النّاس يجتنبون شراء ما وقع فيه هذا الشّكّ والالتباس. ولكن العذر عن هذا أنّ هذه الشّكوك حدثت بعد انعقاد العقود وانبرامها فلم يؤثّر في المنعقد شكّ حدث بعد انعقاده بخلاف شكّ يحدث ويثبت حصوله بعد (١) انعقاد البيع. وأمّا العيب (٢) من ناحية زمن العيب، فإنّ البائع والمشتري لو اختلفا في زمن عقد البيع في المحرّم. مثل أن يقول البائع: لم يكن في المحرّم انعقاد البيع، ويقول المشتري: بل كان انعقاد البيع فيه، فإنّ أصبغ ذكر أنّ القول قول البائع، لأنّ المشتري يدّعي تاريخًا يوجب نقض البيع المنعقد. وساوى بين أن يكون المشتري نقد الثّمن أو لم ينقده. وأشار إلى المسألة الّتي اختلف فيها ابن القاسم في أحد الثّوبين إِذا فات، وردّ الآخر بالعيب، واختلفا في قيمة الفائت. وقد ذكرنا مذهب ابن القاسم في التّفرقة فيها بين أن يكون البائع انتقد الثّمن أو لم ينتقده. وهذا الأصل في اختلاف التّواريخ الّتي يختلف الضمان باختلافها مختلف فيه، سنتكلّم عليه في اختلافهما في العهدة وغيرها. وإذا تقرّر هذا، فإنّ العيب المشكوك فيه وإن لم يوجب الرّدّ، فإنّه يوجب

стр. 1930

تحليف البائع أنّ هذا العيب لم يكن عنده، لأجل هذه الشّبهة الّتي وقعت في النّفس من إشكال الأمر على الشهود، وتجويزهم قدم العيب وحدوثه. وليس كلّ شكّ يوجب تحليف المدّعى عليه. لكن لمّا كان هذا الشّكّ له مستند حاصل مشاهد وهو العيب، قويت هذه الشّبهة حتّى أوجبت اليمين على البائع مع هذا الشّكّ. ولو كان المشتري قاطعًا بأنّه لم يحدث عنده والبائع قاطع بأنّه لم يحدث عنده، لخرجت اليمين ها هنا عن تعلّقهما بالشّكوك ووجبت اتّباعًا للأصول في الدّعاوي. ألا ترى أنّ من شكّ: هل له عند رجل مال، فإنّه لا يستحلفه بالشّكّ، ولا يمكن من خصومته، لمّا لم يكن لهذا الشّكّ مستند ولا شبهة يستند إليها. ولو كان عليه دين فشكّ. هلا قضاه أم لا؛ فإنّ تمكينه من تحليف من له الدّين فيه اختلاف في المذهب. فكأنّ من نفى اليمين عن صاحب الدّين يرى أن شكّ الغريم في قضاء الدّين لا مستند له، ولا شبهة توجب تعلّق اليمين لمن له الدّين. ومن أوجب على من له الدّين يمينًا رأى أنّ الشّكّ في قضاء الدّين يصيّر الدّين مشكوكًا في ثبوته في ذمّة الغريم، وصاحب الدّين يقطع أنّه لم يقضه شيئًا، وأنّ الدّين ثابت، فيكون القول قول الطّالب ها هنا ولكن مع يمينه لحصول شكّ في عمارة ذمّة الغريم. وهذه مسائل كما ترى تارة يقوى مستند الشّكّ، وتارة يضعف فيسقط اليمين. ومن احتاط للأقدار ألاّ ستهضم (١) بالاستحلاف بالتّجويز والشّكّ أسقط اليمين. ومن نظر لصيانة الأموال على أربابها أوجب اليمين. ألا ترى أنّ رجلًا لو اشترى عبدًا فزنى عنده أو أبق، وحقّق الدّعوى على بائع العبد، أنّ ذلك كان عنده لم يُعلم به حين العقد المشتريَ، وإنّما استفاد علمه الآن وثبت أنّ العبد أبق عند المشتري أو زنى، فإنّ البائع يحلف ها هنا من غير خلاف لوجود العيب المشاهد. وهو سبب تستند إليه الدّعوى وقارنه تحقيق الدّعوى على البائع. وأمّا

стр. 1931

لو لم يأبق عند المشتري ولا زنى، ولا حقّق الدّعوى على البائع بأنّ ذلك كان عنده، ولا أسند هذه الدّعوى أنّ ذلك كان عند البائع إلى خبر مخبر، فإنّه ها هنا لا يستحلف البائع بغير خلاف، إذ هذا التّجويز لا مستند له أصلًا وهو مِمّا يتكرّر ويتعدّد أجناسه، فسقطت لما فيها من الإضرار بالبائعين مع كونها لا مستند لها. ولو أنّه قال: أخبرني مخبر بهذا أنّه كان عندك هذا العيب، ولم يدّعِ المشتري أنّه رآه منه وهو عنده ولا حدث عند المشتري، ولكن إنّما عوّل في الدّعوى على خبر مخبر، فإنّ هذا يوجب استحلاف البائع على أصل ابن القاسم، ولا يوجب استحلافه على أصل أشهب على حسب ما اختلف ابن القاسم وأشهب في المشتري إِذا قام بعيب، فقال البائع للمشتري: تحلف لي أنّك ما رأيته، أو ما رضيته، أو ما سوقت بالمبيع مع علمك بالعيب. فإنّ ابن القاسم قال في هذا: لا يلزم المشتري يمينًا، إلاّ أن يزعم البائع أن مخبرًا أخبره عن المشتري بهذا، فيحلف المشتري حينئذٍ على هذا. وذكر ابن أبي زمنين عن مشائخه زيادة شرط آخر وهو أن يحلف البائع: لقد أخبره مخبر. وأسقط أشهب اليمين في هذا, ولو زعم البائع أنّ مخبرًا أخبره. فكأنّ ابن القاسم رأى أنّه إِذا لم تستند هذه الدّعوى إلى قطع ولا إلى ظنّ من ناحية الأخبار، صارت ضربًا من التّجويز الّذي لا مستند له ولم يلزم به يمين. فإِذا ذكر أنّ مخبرًا أخبره، صار للدّعوى مستند وهو ظنّ المدّعي، فكان لهذا التّجويز تأثير لاستناده إلى ظنّ. ومن اشترط من المشائخ الّذين أشرنا إليهم استحلاف البائع أنّ مخبرًا أخبره أراد تقوية الظّنّ لئلاّ يكون البائع كذب في قوله: أخبرني مخبر صدق. فلو سمّى المخبر وأحال على رجل بعينه، لاستغنى عن هذا اليمين. وبالجملة إن هذا اختلاف في حال، هل للأخبار والمخبر ها هنا شبهة ولطخ يستند إليه هذا الشّكّ أم لا؟ ولو ذكر أنّ المخبرين جماعة يقع له العلم بخبرهم حتّى يكون من حقّ

стр. 1932

المشتري أن يردّ اليمين على البائع الّذي أدّعى أنّ المشتري رضي بالعيب. فتعلّقت اليمين ها هنا على من ردّها على البائع الّذي يحاول استحلافه على هذه الدّعوى. ولو ثبت إباق العبد عند المشتري ولم يثبت أنّه كان عند البائع، ولكن المشتري استدلّ بهذا أنّه ما كان عنده إلاّ وكان عند البائع، فإنّ في تمكينه من تحليف البائع اختلافًا. وهو أيضًا راجح إلى ما قلناه. فمن رأى أنّ حصول العيب عند المشتري وثبوت ذلك مستند لهذا التّجويز، مكّن المشتري من استحلاف البائع. ومن لم يرَ ذلك مستندًا اقتصر على تجويز المشتري في دعواه على البائع، لم يستحلف البائع قياسًا على ما قدّمنا في مثل هذا. ولو كان الإباق لم يثبته كونه عند المشتري ولا عند البائع، ولكن المشتري زعم أنّه كان عنده، واستدلّ بذلك على كونه كان عند البائع، لكان أيضًا في صفة استحلاف البائع خلاف. وهذا القسم دون الّذي قبله, لأنّ السبب الّذي يستند إليه ثبت في القسم الّذي قبل هذا بالبيّنة، فهذا القسم الآخر لم يثبت إلاّ باقتصار المشتري على الدّعوى. ولو قال العبد: إنّي زنيت أو سرقت وأنا عند مولاي. لاستحلف البائع، لكون قول العبد لطخًا. وهو أيضًا أضعف من الأقسام الّتي تقدّمته. فإِذا تقرّر حكم العيب المشكوك فيه وأنّ القول قول البائع لكون البيع منعقدًا، والمشتري يدّعي سببًا يحلّه، فإنّه لو كان بالمبيع مع هذا العيب المشكوك فيه عيب ثبت قدمه عند البائع، فإنّ هذا العيب القديم يوجب حلّ هذا البيع المنعقد. فيكون القول قول المشتري في هذا العيب المشكوك فيه: إنّه لم يحدث عندي. لأنّ لمّا انحلّ بالعيب القديم، صار البائع مدّعيًا على المشتري غرامة تلزمه له، وهو أن يردّ قيمة هذا العيب الّذي زعم البائع أنّه حدث عند المشتري، والأصل براءة ذمّة المشتري، وقد قدّمنا استصحاب الأصل، وهو ما

стр. 1933

اتّفق المتبايعان هو الّذي تسند الأحكام إليه (١). فإِذا كان العيب المشكوك فيه منفردًا، استصحبنا حال انعقاد البيع، فلا يصدّق المشتري في حلّه وردّه. وإِذا وجب ردّ البيع بالعيب القديم، استصحبنا براءة ذمّة المشتري من غرامة، فيكون هو المصدّق فيما ينفيها عنه. ولو كان بالمبيع ثلاثة عيوب: عيب ثبت قدمه عند البائع، وعيب ثبت حدوثه عند المشتري، وعيب شكّ فيه هل هو حدث عند البائع أو عند المشتري، لبدأنا باستعلام ما عند المشتري. فإن اختار الرّدّ بالعيب القديم، فقد انحلّ البيع. فيكون القول قوله في العيب المشكوك فيه: أنّه لم يحدث عندي، استصحابًا لكونه بريء الذّمّة من الغرامة، فيردّ العبد ولا يردّ معه قيمة نقص. وإن اختار المشتري التمسّك بالمبيع وأخذ قيمة العيب كان القول قول البائع في العيب المشكوك فيه: أنّه لم يحدث عندي، استصحابًا أيضًا لبراءة ذمّته من غرامة. والمشتري لم يثبت له عليه إلاّ غرامة عيب واحد، والآخر الذي هو مشكوك فيه لم يثبت ما يوجب على البائع غرامته، فلهذا صدق فيه. وإِذا ادّعى المشتري على أنّه دلّس عليه بالعيب وقد اشترى ثوبًا فقطعه أو أحدث فيه ما يوجب ردّ قيمة النّقص مِمّا يسقط عنه لو ثبت تدليس البائع، فإنّ القول قول البائع أنّه لم يدلّس، أو أنّه أنسي ذكر العيب عند عقد البيع، لكون الأصل عدم علمه. فيستصحب هذا الأصل على ما قرّرناه. لكن اشترط في المّوازيّة في (٢) استحلاف البائع على هذا لأنّه لا يقضى للمشتري إلاّ إِذا اختار أن يردّ المبيع بالعيب، فيلزمه ردّ ما نقص، فيحلف البائع

стр. 1934

على نفي التّدليس لتثبت له غرامة. وأمّا إن أراد المشتري التمسّك وأخذ قيمة العيب، يجب (١) على البائع، سواء دلّس أو لم يدلّس. فلا فائدة في استحلافه على أنّه لم يدلّس، والأيمان إنّما تتعلّق فيما يفيد المدّعي. وهذا مثل ما يقال فيمن ملك زوجته، فقضت بالثّلاث، فناكرها في عدد الطّلاق وزعم أنّه أراد تمليكها طلقة واحدة، فإنّ القول قوله مع يمينه، ولكن (٢) يستعجل استحلافه عند المناكرة، إلاّ إِذا أراد الرّجعة وإستباحة الزّوجة فيمنع من ذلك حتّى يحلف، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثاّلث أن يقال: إذا ثبت قدم العيب، لم يحلف المشتري إِذا ردّ لثبوت ما يستحلف عليه وهو قدم العيب. وقد قدّمنا فيما سلف أنّ العيب القديم يوجب الرّدّ ولو كان عيبًا ظاهرًا. قال ابن الموّاز: طال الزّمان أو لم يطل. وذكرنا أنّه لا يمين. وإنّ القول الآخر استحلاف المشتري في هذا العيب إِذا كان ظاهرًا. وأمّا العيب المشكوك فيه، فإنّه إن كان خفيًّا، استحلف البائع على العلم، ويكتفَى بذلك, لأنّ قصارى ما فيه أنّه إِذا كان ظاهرًا، فإنّ البائع عالم به. وهو إِذا قال في يمينه: إنّي لم أعلم به، فقد كذب وفجر في يمينه. والأيمان إنّما وضعت لزجر الفاجر عن يمينه الكاذبة. وقال ابن القاسم: بل يحلف في العيب الظّاهر على البتّ, لأنّ الأظهر أنّ البائع لا يخفى عنه العيب الظاهر، وإِذا كان لا يخفى عنه، حلف على القطع: أنّه لم يكن عنده. والأصل في هذا أنّ كلّ من استحلف على إثبات فعل فعله هو أو فعله غيره، فإنّه يحلف على البتّ والقطع. لكونه يعلم فعل نفسه، ويعلم فعل غيره إِذا شاهده ورآه. وكلّ من استحلف على نفي فعل، فإن كان فعل نفسه حلف على البتّ لأنّه يعلم ما فعل وما ترك. وإن استحلف على أنّ غيره لم يفعل، حلف على العلم. لأنّه لا يمكن في غالب الأمران يقطع على غيره أنّه لم يفعل

стр. 1935

كذا إلاّ في صور نادرة بتقييد وتحديد. وذهب ابن نافع في المدوّنة إلى أنّه يحلف على البتّ. ولم يفترق بين عيب خفيّ أو ظاهر. واحتجّ بأنّه لو ثبت قدم الغيب والبائع غير عالم به، لم يسقط حقّ المشتري في الرّدّ كونُ البائع لم يعلم بالعيب. وإِذا كان الأمر كذلك، فلا يجزيه أيضًا أن يقتصر على نفي علمه بالعيب لما قدّمناه من كون عدم علمه بالعيب لا عذر له به إِذا قامت البيّنة. وهذا الاحتجاج يجاب عنه بأنّ البيّنة إِذا ثبتت عدم (١) العيب فقد ثبت السبب الموجب للرّدّ ووجب حلّ البيع المنعقد. وإِذا لم يثبت العيب وكان مشكوكًا فيه، لم يجب حلّ البيع المنعقد يكون البائع غير عالم بالعيب. فهذا وجه هذه الأقوال الثّلاثة في العيب المشكوك فيه، تحليف البائع على البتّ في الوجهين، أو على العلم في الوجهين، أو تفرقة ابن القاسم بينهما. ولو نكل البائع عن اليمين فإنّ المشتري يحلف أنّ ذلك لم يكن عنده ويردّ البيع. واختلف قول ابن القاسم في صفة يمينه. فقال مرّة يحلف على حسب ما كان يحلف البائع في اليمين الّتي ردّها عليه إن كان العيب ظاهرًا، حلف على البتّ، وإن كان خفيًا، حلف على العلم. وهذا يشير إلى اختلاف قوله في صفة يمين البائع أيضًا. وأنّه قد يرى تحليف البائع في الوجهين على أنّه لم يعلم العيب على حسب ما قاله ها هنا في المشتري. ويكون هذا موافقة منه لما حكيناه عن أشهب أنّه يفرّق بين البائع والمشتري، ولا يقول في البائع أنّه يحلف في الوجهين على العلم لأجل أنّ العيب من جهته، ويمكن أن يكون دلّس به، فكان العمل عليه بأن يحلف على البتّ أوْلى من أن يحمل بذلك على المشتري.

стр. 1936

فقد قدّمنا نحن ما يشير إلى هذه التّفرقة لمّا اعتذرنا عن قول أهل المذهب إنّ المشتري إِذا حدث عنده عيب يسير لا يغرمه، أنّ البائع يردّ عليه المبيع بمثل هذا العيب لمّا كان العيب من جهة البائع، ويتّهم أن يكون علم به ولم يذكره. وكذلك أيضًا أشرنا إلى هذا المعنى في منشأ الخلاف بين مالك والشّافعي في المبيع إِذا حدث عند المشتري به عيب فاطّلع على عيب قديم، وإنّ الشّافعي يرى ذلك فوتًا يمنع من الرّدّ على البائع لكون البائع لا يلزمه أن يردّ عليه إلاّ ما باع بعينه، على حسب ما كان عليه. وأنّ مالكًا يرى أيضًا أنّ المشتري لا يلزمه قبول ما لم يدخل عليه، فلمّا تقابل الأمران، غلب مالك ﵁ جنبة المشتري لكونه لم يظلم بكونه مدلّسًا ولا جوز ذلك عليه. وذهب ابن نافع إلى أنّ المشتري يحلف على البتّ طردًا لما كنّا حكيناه عنه وذكرنا اعتلاله فيه. وإِذا نكل المشتري أيضًا عن هذه اليمين بعد نكول البائع، بقي البيع منعقدًا على حسب ما كان عليه. هذا المعروف من المذهب. وفي المدوّنة عن ابن نافع في هذا اللّفظ قد يقتضي ظاهره تمكين المشتري بعد هذا النّكول من الرّجوع إلى اليمين لأنّه ذكر في المدنيّة أنّ المشتري إِذا نكل لزم البيع. وظاهر هذا يقتضي أنّه لا رجوع له إلى اليمين بعد هذا النّكول. وقال ابن نافع: لا يردّ المشتري بالعيب إلَاّ حتّى (١) يحلف. وقد يوهم ظاهر هذا أنّه يمكن من الرّجوع إلى اليمين بعد النّكول عنها. ومال بعض المتأخّرين إلى إثبات هذا القول اختلافًا في المذهب. وهو لفظ فيه إشكال. لكن أصل المذهب يقتضي أنّ النّاكل لا يمكن من الرّجوع إلى اليمين بعد أن نكل عنها إِذا تعلّق لخصمه بنكوله حقّ ومنفعة. ولهذا لا يمكن البائع لو نكل عن اليمين في هذا وردّها على المشتري من الرّجوع عن ذلك قبل أن يحلف المشتري. لكون المشتري قد استحقّ بهذا النّكول أن يحلف

стр. 1937

ويردّ البيع. وهاهنا إِذا نكل البائع وتعلّق للمشتري حقّ بنكوله فلم يحلف، بقي البيع على ما كان عليه منعقدًا وبقي موقوفًا على معاودة المشتري إلى اليمين الّتي نكل عنها. لكن أيضًا قد يتعلّق للبائع حقّ في إقرار البيع على ما هو عليه. وهذا يستقصى في أحكام الأيمان والنّكول في موضعه إن شاء الله تعالى. وذكر ابن المواز أنّ السلعة إِذا باعها رجل من آخر ثمّ اشتراها بائعها مِمّن اشتراها منه. فلمّا صارت في يديه وعادت إليه، ظهر فيها عيب مشكوك فيه، أنّ البائع الأوّل يحلف ويبرأ من هذا العيب. فإن نكل حلف المشتري وردّ البيع. ومعنى ردّه ها هنا أن يستردّ منه بقيّة الثّمن إِذا كان مشتريها قد باعها من بائعها بأقلّ مِمّا اشتراها منه. وأنت إِذا تأمّلت ما أصلنا لك من كون البيع المنعقد لا ينحلّ بالشّكّ. والقول فيه قول البائع استصحابًا لحال الانعقاد، وأنّ من كان ذمّته برية من غرامة، فإنّه لا يغرم بالشّكّ، علمت ما يتفرعّ من وجوه هذه المسألة، وحكم كُلّ قسم منها، وأنّ زيدًا إِذا باع من عمرو سلعة بمائة دينار، ثمّ رجع زيد فاشتراها من عمرو بثمانين دينارًا، فظهر فيها عيب مشكوك فيه وهي بيد زيد، فإنّ هذا العيب إِذا شكّ فيه هل كان عند زيد قبل أن يبيعها من عمرو أو حدث عند عمرو قبل أن يبيعها من زيد، فإنّ عمرًا لا يردّ عليه بالشّكّ هل كان هذا العيب عنده أم لا؟ وكذلك لا يطالب عمرو وزيدًا بأنّ يردّ عليه عشرين دينارًا بقيّة الثّمن بالشّكّ، هل كان العيب عند زيد قبل أن يبيعها من عمرو، فيكون من حقّ عمرو أن يردّها على زيد بالعيب، وهي قد رجعت إلى يد زيد فيطالبه عمرو ببقيّة الثّمن؟ فإِذا تبعت هذا الأصل، علمت هذا الشّكّ لو شكّ في هذا العيب، هل كان عند زيد قبل أن يبيع من عمرو، أو حدث عنده بعد أن اشترى من عمرو أو حدث عند عمرو وتعلّق اليمين بهما جميعًا، إِذا طلب أحدهما حلّ البيع على مقتضى دعواه، وطلب الآخر إكمال الثّمن على مقتضى دعواه؟ وقد تقدّم الكلام على من وجد عيبًا بمكيل أو موزون وقد أفاته وأتلف عينه. وذكر الخلاف فيه هل يردّ المثل أو يخيّره بين ردّه أو يأخذ قيمة العيب. وذكر أنّ قيمة العيب ينسب

стр. 1938

إلى الثّمن الّذي عقده به البيع. وكذلك ينسب منه أيضًا قيمة العيب الحادث عند المشتري. فلو كان الثّمن ليس بمال معلوم مثل أن يتزوّج امرأة بعبد فيموت في يدها بعد أن اطّلعت فيه على عيب، فإنّ الرّجوع لها بمقدار العيب إنّما ينسب من قيمة العبد لمّا كان ثمنه البضع الّذي هو ليس بمال معلوم. وقد اختلف المذهب فيمن أسلم في عبد فلمّا قبضه اطّلع على عيب فيه وقد فات في يده، فقال ابن القاسم: يغرم قيمة هذا المقبوض ويرجع العبد الّذي كان له في الذّمّة. وقدّر أنّ هذا المقبوض لمّا كان معيبًا، صار كأنّه كجنس آخر غير الّذي له في الذّمّة. فإِذا علم بعد أن أخذه أنّه كجنس آخر، وقد فات في يديه، فإنّه يردّ قيمة ما فات في يديه، ويرجع بعبد سليم من العيب على ما كان له ذلك في ذمّته. ورأى سحنون أن يعتبر مقدار هذا العيب من العبد المقبوض، فإن كان ربعه رجع على المسلم إليه بربع عبد على ما كان له في ذمّته. وقدّر أنّ ثلاثة. أرباع العبد قد قبضت، وهي غير ما كان في الذّمّة، والرّبع الآخر كأنّه استحقّ من يديه، فيرجع بمقدار ما استحقّ من يديه شريكًا به في عبد، وكأنّه لم يعتبر ضرر الشّركة فتمسّك بالحقّ في العين. وابن القاسم اعتبرها فأوجب غرامة قيمة العبد المعيب والرجوع بعبد سليم كامل. وقد كنّا نحن أشرنا في تعدّي الوكيل إلى اعتبار نقص في بعض صفات الشّيء، هل يصيّره ذلك كجنس آخر لمّا انقضت صفته، أو يبقى ما سوى النّقص كأنّه العين السالمة من النّقص. وهذا قد يتصرّف (١) في هذه المسألة أيضًا. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنّه إنّما يرجع قابض هذا العبد من سلم بمقدار العيب من قيمة العبد. فيقال: ما قيمة العبد سليمًا؟ فيقال: مائة (٢) دينار. ثمّ يقال: ما قيمته معيبًا؟ فيقال مائة دينار. فيرجع قابض العبد بمائة دينار. وهذا مثل ما قدّمناه نحن في العبد الّذي جعل صداقًا فاطّلع فيه على عيب بعد أن فات لمّا كان ليس لهذا العبد الّذي هو الصّداق ثمن معلوم. فكذلك ها هنا لمّا لم يجب الرّجوع بمقدار العيب من رأس مال السلم، لكون العبد المسلم فيه في

стр. 1939

الذّمّة، وجب اعتبار مقدار العيب من قيمة العيب (١) نفسه. وأنكر الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد هذا القول وقال: لم يجعله قبض بعض سلمه، فيرجع شريكًا، كما قال سحنون، ولم يقبض شيئًا منه فيردّ قيمة ما قبض ويرجع بعبد كامل. وقد ذكر في المدوّنة فيمن باع سلعة بمائة دينار، ثمّ أخذ عن ثمنها سلعة أخرى فوجد بالسلعة الثانية عيبًا، أنّه إنّما يردّ هذه السلعة الثّانية بالعيب. وتبقى المائة دينار ثابتة في ذمّة المشتري يطالبه بها بائع السلعة الأولى. قال: وهذا ما لا اختلاف فيه. وهو كمن باع طعامًا فأخذ بثمنه طعامًا، فإنّ الفسخ إنّما يكون في السلعة الأخيرة. وهذا الّذي أشار إليه في الاقتضاء من ثمن الطّعام طعامًا قد كنّا نحن تكلّمنا عليه وذكرنا الاختلاف في بياعات الآجال إِذا باع سلعة بثمن مؤجّل ثمّ اشتراها بثمن نقدًا أقلّ مِمّا باعها به، أنّ البيعتين جميعًا يفسخان على أحد القولين على التّفصيل الّذي قدّمناه، من تهمتهما على أنّ الثّمن لغو عندهما، وإنّما دفع دنانير سلفًا ليردّ إليه دنانير أكثر منها قياسًا أيضًا على الأخذ من ثمن الطّعام طعامًا. ولو كان العيب وجد في السلعة الأولى، كان أيضًا الثّمن الّذي هو مائة دينار ثابتًا. لأنّ استحقاق السلعة الأولى إنّما يقتضي استحقاق ثمنها، واستحقاق الثّمن لا يوجب بطلان البيع، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى. قال القاضي أبو محمّد ﵁: وإِذا رضي المبتاع بالعيب لم يكن له ردّه. وكذلك إِذا تصرّف في المبيع أو استعمله بعد علمه بالعيب، كان ذلك رضي منه، ولم يكن له الرّدّ. فإن تصرّف مضطّرًا، ففيها روايتان. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال: ١ - هل يمكّن المشتري من التصرّف في المبيع المعيب إِذا علم بعيبه أم لا؟

стр. 1940

٢ - وما الّذي يعد منه عَلَمًا على الرّضا بالعيب؟ ٣ - وما صفة الرّضا بالعيب؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: المبيع ها هنا ثلاثة أقسام: عقّار وثياب وحيوان. فأمّا الدّور وما في معناها، فإنّ المشتري لا يقضى عليه بإخلائها والانتقال عنها، وهو يخاصمه في العيب, لأنّ ذلك غلّة وخراج، والخراج بالضّمان، وضمانها منه. وأمّا الثّياب، فليس له أن يلبسها, لكون اللّباس نقصًا من أجزائها, وليس له إتلاف بعض المبيع وهو يحاول ردّه بالعيب. وأمّا الحيوان، فإن كانت جارية، فليس له أن يطأها, لأن الوطء إنّما يباح فيما يستقرّ ملكه استقرارًا مؤبدًّا. (في هذا) (١) والمشتري إِذا وطئها وهو يحاول نقض ملكه فيها، وردّ البيع من أصله، لم يصغ (٢) له ذلك احتياطًا للفروج. وأمّا استخدام العبد وركوب الدّابّة ففيه قولان. المشهور أنّه يمنع من ذلك. وذهب ابن حبيب إلى أنّه لا يمنع منه قياسًا على العقار، ولأنّ الخراج له والنّفقة عليه، فلا يمنع من الإنتفاع بالمبيع. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: أمّا كلّ فعل لا يقع في العادة إلاّ رضي من المشتري بالتمسك بالمبيع، فإنّه إِذا ظهر ذلك منه، لم يكن له ردّ البيع. وما كان من التّصرّف مشكلًا، لم يقض عليه، بكونه علمًا على الرّضا. وهذا هو الأصل المعتبر في أمثال هذا. وقد كنّا قدّمنا ذكره مبسوطًا في كتاب بيع الخيار. فأمّا اختلاف قول مالك ﵁ في تصرّف المضطّر، فإن ابن القاسم روى عنه أنّ المسافر إِذا اطّلع على عيب بالدّابّة فركبها إلى أن أعادها وقدم بها

стр. 1941

على صاحبها، فإنّ ذلك لا يعدّ رضي منه. وروى أشهب أنّ ذلك لا (١) يعدّ رضي منه. فقدر ابن القاسم أنّ المضطّر ها هنا للتّصرّف علمًا كالمكره على التّصرّف. والمكره على الفعل لا يُعتقد فيه أنّه مريد الفعل إرادة رضا به كإرادة المختار. وقدّر أشهب أنّه لمّا كان اعتقاده ردّها ونقض البيع، لم يعذر بركوبه ولا صار كالمكره عليه لقدرته على ركوب غيرها، أو التّوصّل بأمر سواها، فكان ذلك رضي منه. ولو أنّ المشتري اطّلع على عيب وربّ السلعة غائب ببلد آخر، وأشهد بالعيب وباعها، فإنّ في الموّازيّة أنّ ذلك يسقط حقّه في العيب. فقال ابن الموّاز إلاّ أن يكون ببلد لا سلطان فيه، أو متناول (٢) بعيد، فلا يسقط حقّه. وقدّره معذورًا بهذا لمّا صار مغلوبًا على ما فعل. ولو أنّ العيب لم يثبت ولكن اعترف البائع به، وهو مِمّا لا يشاهد، فإنّ المشتري بالخيار بين أن يصدّقه فيردّ البيع بالعيب، أو يكذّبه ويتّهمه بأن يكون قال الكذب ندمًا على البيع، ويبقى ما أقرّ به موقوفًا حتّى يظهر صحّة ما قال، فيكون للمشتري حينئذٍ الرّدّ. وذكر في الموّازيّة أنه إِذا ردّ المشتري إقراره بالعيب ولم يقبله منه ثمّ أراد أن يرجع إلى قبول ذلك منه ويردّ المبيع، فإنّه لا يمكن من ذلك إِذا لم يثبت العيب، إلاّ أن يكون البائع متماديًا على إقراره بالعيب. وهذا الّذي ذكره ابن الموّاز أجراه مجرى من أقرّ لإنسان بدين فكذّبه في إقراره له، فإنّ هذا المكّذب للإقرار إن رجع إلى تصديق المقرّ، قبل أن يرجع عن إقراره، فإنّه يؤخذ بمقتضى إقراره. ورأى أنّه قد تعلّق للمقرّ بالعيب حقّ في إسقاط الرّجوع عليه، فلا يمكن المشتري من الرّجوع فيما أسقطه إلاّ أن يتمادى

стр. 1942

هذا على الإقرار، فيصير كالمستأنف إقرارًا بحقّ. وذكر عن أشهب أنّ هذا العيب الّذيْ أقرّ به البائع لو قامت بيّنة به، فإنّ المشتري لا يسقط تخييره بين الاستمساك بالبيع أو ردّه، إلاّ أن يوقفه القاضي ويقضي عليه بالواجب. وقال بعض الأشياخ: إنّ البائع لو قال: إنّ عبدي أبق، فلم يصدّقه المشتري، فأبق العبد فمات، فإنّ للمشتري ارتجاع الثمّن، لكون البائع مقرًّا على نفسه أنّه لا يستحقّ المال الّذي أخذ. وهذا الّذي قاله يصحّ إِذا تمادى البائع مقرًّا على نفسه إقراره، ورجع المشتري إلى تصديقه على حسب ما كنّا أشرنا إليه. وإِذا تقرّر هذا فاعلم أنّ العيب أيضًا إِذا وجب للمشتري الرّدّ به وقضى له القاضي بذلك ونفذ الحكم بردّ المبيع، فإنّه لا إشك الذي أنّ البيع انفسخ. ولو تراضى المتبايعان بالفسخ وعقداه على أنفسهما، لكان ذلك كحكم الحاكم عليها أيضًا. فإن لم يقع حكم بالفسخ ولا تراضٍ به لكن قال المشتري بعد ثبوت العيب: إنّي فسخت البيع. فإنّ هذا مِمّا اختلف النَّاس فيه. فذكر ابن القصّار من أصحابنا أنّ مذهب مالك والشافعي وقوع الفسخ بمجرّد قول المشتري، وإن لم يقع، حكم به. وذهب أبو حنيفة إلى ما قالاه في هذا إِذا كان المبيع لم يقبضه المشتري. فأمّا إِذا كان قد قبضه المشتري فإنّه لا يفسخ البيع إلاّ بحكم حاكم أو تراض بالفسخ. وعمدته في هذا أنّ الموجب للرّدّ ها هنا إنّما (١) اختلف في حصوله، وربّما اتّفق على حصوله، واتّفق في كونه عيبًا حتى يقول قوم هذا عيب ويقول آخرون ليس بعيب. وإِذا كان الأمر كذلك، صار ذلك كالمسائل الاجتهاديّة لا

стр. 1943

يثبت الحكم فيها إلاّ بإنفاذ حاكم له، يرفع بحكمه هذا الاختلاف الّذي أشرنا إليه. وأصحابنا وأصحاب الشّافعي يناقضونه في هذا الّذي قال بتسليمه وقوع الفسخ بقول المشتري: فسخت البيع، إِذا كان لم يقبض المبيع. وما اعتلّ به يتصوّر قبل القبض وبعد القبض، وكون المبيع مستقرًا بعد القبض استقرارًا متمكّنًا. وقد كثر التّنازع في مسائل خلافية، هل يفتقر إلى حكم أم لا؟ كما اختلف عندنا فيمن مثّل بعبده، هل يفتقر عتق العبد إلى حكم أم لا؟ إلى غير ذلك من المسائل. ويقول أصحاب أبي حنيفة في مسئلتنا هذه يفتقر الفسخ بالعيب إلى حكم. كتخيير الأمة المعتقة تحت عبد لأجل ما طرأ عليها من عيب في هذا النّكاح، مع اختلاف النّاس في اشتراط العبوديّة في الزّوج، أو إثبات تخييرها ولو كان الزّوج حرًا. والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: إِذا وقَّف البائع المشتري على عيب، عيّن موضعه، وأراه إيّاه، وأعلم جنسه ومقداره ظاهرًا وباطنًا، وعقد البيع على ذلك، فلا إشك الذي كون هذا رضي به. وأمّا إِذا لم يكن الأمر كذلك ولكن اقتصر في رؤية العيب على مشاهدة لا تقتضي الإحاطة به، أو تبرأ إليه منه بخبر ولفظ وفيه احتمال، فإنّه إِذا باع منه دابّة ولها دبرة، فأراه البائع الدّبرة، ولم يحط المشتري علمًا بباطنها، وظهر من باطنها ما لم يُنْبِ عنه ظاهرها، فإنّ البائع إِذا كان عالمًا بذلك، ولم يبيّنه، كان للمشتري الرّدّ به، لكون البائع كالمدلّس، ومن دلّس بعيب ردّ عليه به. وإن كان البائع لا يعلم باطنها وإنّما يعلم منها ما يعلم المشتري، فإنّه يجري ذلك على حكم العيب الباطن في الخشب وما في معناها. وقد كنّا قدّمنا اختلاف قول مالك فيها، وإنّ المشهور من المذهب ألاّ ردّ بذلك. وهكذا ذكر ابن حبيب عن أصحاب مالك في هذا الوجه إِذا استوى علم البائع والمشتري بباطن هذه الدّبرة.

стр. 1944

وعارضه بعض المتأخّرين فناقضه بقوله في الخشب إنّما لا يردّ بالعيب الباطن إِذا كان ذلك من أصل الخلقة، أو حدث بعد الخلقة، لكون ما حدث بعد الخلقة قد يعلمه قوم دون قوم (أم لا) (١)؟ هذا إِذا اقتصر في التبرّي من هذا العيب على النّظر. وأمّا إن اقتصر فيه على الخبر مجملًا، مثل أن يقول البائع: أبرأ إليك من دبرة بظهر هذه الدّابّة. والدّبر يختلف، فإنّ مذهب ابن القاسم صحّة هذا البيع، وكون البراءة لا تتضمّن إلاّ اليسير من هذا العيب. وذهب أشهب أنّ البيع فاسد. وكذلك لو برىء من كيّ بالعبد، فإنّ الخلاف فيه على حسب ما ذكرناه. ومقتضى هذا أن تكون البراءة من الإباق مجملًا تقتضي فساد البيع على رأي أشهب. لكن ذكر ابن الموّاز عن أشهب أنّه وافق ابن القاسم في الإباق، وأنّ البيع لا يفسد ويبرأ من الإباق اليسير. فإن كان إلى موضع بعيد أو أبق مرّتين، فإنّ المشتري له الرّدّ. قال ابن الموّاز: ومذهب ابن القاسم أحبّ إلينا، وقد أضعف أشهب جوابه لِما قال في الإباق. وأشار بعض الأشياخ إلى أنّ هذا اختلاف من قول أشهب. وكان بعض أشياخي يرى أنّ هذا اللّفظ إن تفاهما منه العيب اليسير، فإنّ البيع لا يفسد ويبرأ البائع من اليسير. ولا يحسن الخلاف في هذا كما لو صرّح به. وإن تفاهما إلزام البيع المشتري، على أيّ حال كان العيب من عظم وصغر يختلف فيه الثّمن اختلافًا كثيرًا، فإنّ هذا يفسد به البيع. ولا يحسن أيضًا الخلاف في هذا. فهذا حكم الاقتصار من عيب على نظر أو خبر. والأظهر في الرّوايات جواز الاقتصار فيه على خبر يتضمّن حقيقة. وإن

стр. 1945

كان قد وقع في بعض الرّوايات ما يوهم جواز الاشتراط للنّظر. وقد ذكر في الآثار أنّه لا يبرأ بقوله: أبيعك لحمًا على بارئة (١) من العيوب. قال النّخعي: لا يبرأ حتّى يضع على العيب يده. والتّحقيق في هذا أن ينظر إلى الخبر عن العيب. فإن كان لا يقوم مقام مشاهدة، ولا يقتضي الإحاطة بالعيب، بل كون الاقتصار على الخبر ركوبًا للغدر، فإنّ ذلك لا يجوز الاقتصار عليه مع القدرة على المشاهدة. وإن كان خبرًا يقوم مقام العيان، فهذا لا يمنع من الاقتصار عليه. وسنستقصي حكم الاقتصار على الخبر عن المبيع مع إمكان النّظر من غير ضرورة في موضعه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر في الموّازيّة أنّ العيب لا يبرأ منه البائع، ولو ذكره، إلاّ أن يقول: هو بالمبيع. وقدّر أنه إِذا قال: أبيعك هذه الدّابّة وأبرأ إليك من كذا. ولم يقل: إنّه بها، فإنّ ذلك لا يجزي، لما يمكن من اعتقاد المشتري أنّ هذا القول أوْردَهُ البائع على جهة المبالغة والاحتياط، وإن لم يكن بها هذا العيب. ورأى بعض أشياخنا أنّ المفهوم من هذا كون هذا العيب بها، فتصحّ البراءة، وإن لم يقل إنّه بها. وكذلك لو ذكر عيوبًا كثيرة بالمبيع، منها ما ليس بالمبيع، فإنّه لا يبرأ البائع بذلك لكونه لفف العيوب الحاصلة، والمشتري قد يعتقد أنّ بالمبيع من العيب من جملة ما لفف، وهو ليس بالمبيع، بل المبيع سالم منه. ولهذا قال ابن الموّاز لا يبرأ إلاّ أن يذكر العيب مفردًا، لا يخلطه بغيره، ويقول: إنّه به. وإلى هذا أشار ابن حبيب أيضًا. ولكنّه. قال القاضي أبو محمّد ﵁: ويجوز البيع بشرط البراءة في الرقيق دون غيره، ويبرأ من كلّ عيب لم يعلمه، ولا يبرأ مِمّا علمه فكتمه. قال الإِمام ﵀ يتعلّق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها أن يقال:

стр. 1946

١ - هل يجوز اشتراط البراءة من العيوب في عقد البيع أم لا؟ ٢ - وهل يشترط في جوازها أن يكون البائع غير عالم بما تبرّأ منه أم لا؟ ٣ - وهل تجوز في سائر المتملكات أم لا؟ ٤ - وهل تجوز في سائر العقود أم لا؟ ٥ - وهل تجوز في كلّ العيوب أم لا؟ ٦ - وما حكم التّداعي في البراءة؟ ٧ - وما الحكم في الأيمان إِذا طُلبت (١)؟. فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: اختلف النّاس في جواز البيع على البراءة على الجملة، فمنعه قوم وأجازه آخرون. فالمشهور من مذهبنا جوازها على الجملة. وهو مذهب أبي حنيفة واحد أقوال الشّافعي. لأنّ من أصحاب الشّافعي من يحكي ثلاثة أقوال: المنع على الإطلاق، والجواز على الإطلاق، والتّفرقة بين ما علمه البائع وما لم يعلمه في البراءة في بيع الحيوان. وعندنا رواية عن مالك في منع بيع البراءة مطلقًا من غير اعتبار يكون البائع عالمًا بما يبرأ منه أو غير عالم. ومن المتأخّرين من يحكي هذه الرواية عن مالك حكايته مقيّدة. فيقول: لم يختلف قوله في جواز البراءة من العيب اليسير، ولا في ثبوت البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط عهدة الثّلاث. والسنة في البيع الثابت (بياض) (٢). وسبب هذا الاختلاف أنّ الشّرع ورد بالنّهي عن بيع الغرر، واشتراط البائع على المشتري ألاّ يردّ عليه بعيب يطّلع عليه يتضمّن عقد الشّراء على مبيع غير معلوم ولا محاط به. وبيع ما لا تعلم حقيقته لا يختلف في منعه، كبيع ما في

стр. 1947

يده أو ما في هذه من حيتان. لكون المشتري دخل على أنّ العبد المشترى إن وجده أعمى أصمّ أبكم، لزمه الشّراء بالثّمن الّذي بذل. وإن وجده على صفة كمال سالمًا من العيوب، كان ذلك له. وهذا واضح ما فيه من الخطر والغرر. ووجه الجواز على الجملة ما أشار إليه ابن حبيب من حكم عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان ﵄, بإمضاء البيع المشترط فيه البراءة. وقد ألزم عثمان بن عفّان عبد الله بن عمر لمّا باع (١) بالبراءة، الثّمنَ، لمّا اطّلع على عيب لم يعلم به حين العقد. فلو كان العقد عنده فاسدًا، ويراه غررًا، لم يغرمه الثّمن. ولا يفسخ العقد ولو تراضيا بإمضائه مع كون الضّرورة قد تمسّ إلى ذلك وتدعو إليه الحاجة والمصلحة. فعفي عنه كما يعفى عن عقود تضمّنت غررًا للضّرورة الدّاعية إلى العفو عن ذلك. وهذا إِذا قيل فيه: إنّ قول الصاحب حجّة بمجرّده، وإن خالف القياس، كان للاحتجاج بما حكيناه عن الصّحابة، ﵃، عمدة في هذا. وإن قلنا: إنّ القياس مقدّم على قول الصّحابيّ، فقد قال بعض البغداديين: إنّ المنع وإن أذى إليه قياس قويّ كما ذكرناه، فإنّ في مقابلته قياسًا ضعيفًا، وهو ما أشرنا إليه من الضّرورة الدّاعية إلى العفو عن هذا. وهذا القياس وإن كان ضعيفًا، فإنّه يترجّح على القياس القول بمذهب الصّحابيّ ﵁. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: اختلف المذهب عندنا في بيع البراءة مِمّا علمه البائع من العيوب. وأجاز ذلك أبو حنيفة والشّافعي، في أحد أقواله، على ما تأوّله عليه بعض أصحابه. والدّليل على المنع، مع العلم بالعيب، أنّ البائع إِذا كانت العيوب لم يعلم بها، فالظّاهر سلامة المبيع من العيب، والظّاهر صدقه أيضًا لتحسين الظّنّ به سومح في ذلك. وإِذا قال: لا أعلم بما بعت عيبًا، فإن ظهر بعد العقد فأنا بريء منه. فكان

стр. 1948

الظّاهر سلامة المبيع، وصدقه في هذا كعيب يستوي في الجهل به المتبايعان، وما استوى في الجهل به المتبايعان، لم يردّ به البيع، كعيب الخشب، على حسب ما قلناه وحكيناه من المذهب المشهور عندنا. وإِذا كان البائع عالمًا ارتفعت العلّة، وتبيّن القصد إلى المخاطرة والغرر, لأنّ البائع قادر أن يذكر ما علمه من العيوب بعبده من غير مشقّة عليه في ذلك، ولا ضرورة تدعو في إضرابه عن ذكره. فصار عقدًا على ما يعلم جقيقته، والمشتري لا يعلم حقيقته، وهو قادر على أن يعلمه إيّاها، وهذا لا يجوز. وقد احتجّ أصحاب أبي حنيفة على الجواز بأنّ البائع لو باع ثوبًا مرفوًّا، وأرى رفوه إلى المشتري، والبائع يعلم كون الرّفو عيبًا، والمشتري لا يعلم كونه عيبًا، فإنّ البيع جائز، مع كون البائع إنفرد ها هنا بعلم. وأجيب عن هذا بأنّ البائع قد أعلم المشتري بحقيقة هذا العيب، وأنكر المشتري جهل القيمة، وكون هذا الرّفو يحطّ منها، وهذا الجهل لا يمنع صحّة البيع كما لا يمنع منه كون البائع غبن المشتري بجهل القيمة، ومعرفته. والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: اختلف قول مالك في بيع البراءة على أقوال: منها حكايته عنه من منعه مطلقًا. ومنها جواز ذلك مطلقًا في سائر المبيعات عرضًا كانت أو حيوانًا. ذكر ذلك عنه ابن حبيب. وحكاه عن ابن شهاب وربيعة ويحيى ابن سعيد وابن وهب من أصحاب مالك. وحكاه غيره عن ابن كنانة. وحكي عنه منع ذلك في العروض وإجازته في الحيوان الصامت والنّاطق. وذكر مالك في كتابه، وحكي عنه، جوازها في الحيوان النّاطق خاصّة. وقد كنّا قدّمنا مصير بعض المتأخّرين إلى أنّه لم يختلف قوله في العيب اليسير، على حسب ماكنّا قدّمنا حكايته عنه. وسبب هذا الاختلاف أنّ بيع البراءة إِذا كان إنّما عفي عنه لاستواء البائع

стр. 1949

والمبتاع في الجهل بالعيب، اقتضى ذلك جواز بيع البراءة في العروض وسائر المتملّكات. لكن من قصر ذلك على الحيوان قال: إنّ الحيوان كلّه تتلوّن أحواله بالصحّة والسقم، ولا يكاد يحاط بعيوبه، فيقوى تصديق المشتري بأنّه جهل العيب الّذي فيه، حتّى يعتقد أنّه قد استوى علمه وعلم البائع في العيب. بخلاف العروض. وأمّا من قصر ذلك على الحيوان النّاطق، فإنّ من المتأخّرين من ذهب إلى علّة، ومنه من ذهب إلى عكسها. فقيل: إنّ الرّقيق يخبر بعيبه، لكونه مِمّن ينطق ويعرب عن نفسه. وإِذا لم يقع منه سكوت لسيّده لمرض أصابه، لم يعلم سيّده ما به فعذر سيّده لكونه جاهلًا للعيب وصدق فيما قال. ومنهم من قال: إنّ الرّقيق يكتم عيبه، ويستره عن سيّده، مخافة أن يزهد فيه فيبيعه. فعذر السيّد في جهله بعيبه، وصدّق في أنّه لا يعلم ما به، بخلاف البهائم الّتي لا تخبر بعيبها. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أطلق العلماء من أصحابنا وغيرهم ذكر الخلاف في بيع البراءة من غير تعرّض لتفصيل العقود. وينبغي أن يلتفت في هذا إلى تقييد في هذا الإطلاق. فإنّ من المعاوضات ما يشترط فيه التّماثل ولا يجوز فيه الرّبا والتّفاضل، كما قدّمناه في كتاب الصرف، وكتاب السلم. وإِذا كان الأمر كذلك، فإنّ القرض وما في معناه لا يجوز فيه اشتراط البراءة من العيب, لأنّ ذلك قد يوقع في اشتراط الزّيادة والتّفاضل. لأنّ من أقرض عبدًا فشرط التبرّي من سائر عيوبه الّتي يعلمها واشترط في القضاء عبدًا سليمًا، فإنّ هذا نوع من اشتراط الزّيادة في السلف، وذلك لا يجوز. وقد قدّمنا في كتاب السلم ما يجوز أن يعجّل من الدّيون الثّابتة في الذّمّة سلمًا أو قرضًا قبل أجله، وما لا يجوز من ذلك. ومنها ما يمنع فيه التّعجيل المشترط فيه الزّيادة أو النّقص.

стр. 1950

والتّبرّي من العيب يتضمّن شكًّا في الزيادّة أو نقصانًا، والشّكّ في حصول الرّبا في العقود كتيقّن حصول ذلك. وهكذا جرى الأمر في بياعات العرُوض الّتي لا يجوز التّفاضل فيها، كبيع صاع قمح بصاع قمح على أن لا قيام بعيب في أحدهما، فإنّ ذلك يمنع، إِذا أجزنا البراءة في عيوب الطّعام والعروض. والشّكّ فيه من حصول التّفاضل بين الطّعامين، والشّكّ في حصول التّفاضل كالتّيقّن به. ونحن وإن كنّا نجيز صاع قمح طيّب بصاع قمح دنيء، ولا نلتفت في أحكام الرّبا إلى اختلاف الصفات، وإنّما نلتفت إلى اختلاف المقدار، فإنّ هذا إنّما يصحّ مع اطلاع المتعاقدين على صفات الطّعامين، فيكون ذلك تراضيًا بالعيب. وأمّا إذا وقع الاشتراط في أن لا ردّ بعيب، فإن ذلك يصير العقد إلى المماكسة والقصد إلى التّفاضل في الصفات، على حسب ما كنّا قدّمناه في أحكام المراطلة في مسائل صوّرناها هناك. وإن استوى وزن الذّهبين، فهذا عندي مِمّا ينظر فيه مع القول بجواز البراءة في عيوب الطعام والعروض. لكن بيع البراءة غررٌ، وينضاف إليه ها هنا منع آخر وهو ما أشرنا إليه في أحكام الرّبا. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أمّا اختلاف حال المتبايعين فإنّه لم يثبته مالك مرّة، بل ساوى بين سائر البائغين في جواز التّبرّي من العيوب وفي المنع من ذلك. وقد كنّا قدّمنا أنّ بعض المتأخّرين ينكر الخلاف عنه في كون. بيع السطان بيع براءة. واعتّل الشّيخ أبو القاسم بن الكاتب بكونه لم يختلف قوله في بيع السلطان خاصّة، واختلف قوله فيما سواه، على حسب ما حكيناه، لأجل أنّ بيع السلطان على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميّت حكمٌ منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه كما قدّمناه، والسطان إذا حكم بأحد أقوال العلماء لم ترد قضيّته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به.

стр. 1951

وهذا الّذي قاله الشّيخ أبو القاسم فيه نظر عندي, لأنّ السلطان لم يتعرّض في البيع إلى خلاف أو وفاق، ولا قصد إلى حكم بإنفاذ بيع على البراءة فينفذ حكمه، وإنّما فعل في نفسه فعلًا أوجبه الشّرع عليه من قضاء ديون من تركة ميّت أو بيع مال مفلس، ولم يقصد إلى إمضاء الحكم بجواز البراءة وإنفاذها، وإنّما المقصود إيصال أهل الحقوق إلى حقوقهم. فلم يجر هذا مجرى ما قصد إلى الحكم به. وسنبسط القول في أحكام القضاء بما اختلف النّاس فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. وبعض أشياخنا يثبت الخلاف في بيع البراءة، ولو كان السلطان هو الّذي تولّى البيع، ويتعلّق بقول سحنون: إنّ مالكًا قال، في القديم، بيع السلطان وبيع الميراث لا قيام فيه بعيب ولا بِعهدة، على حسب ما ذكره سحنون في هذه الرّواية. فقدله: كان يقول في القديم إشارة منه إلى أنّه له قولٌ آخر، وإن كان البيع بيع السلطان. فقال ابن القاسم: إذا بيع عبد على مفلس فللمشتري أن يردّه بالعيب. وهذا أيضًا إثبات الخلاف في بيع السلطان. وأمّا بيع الورثة لقضاء الدّيون وتنفيذ وصايا، فإن فيه الخلاف المشهور، فاقتصر مرّة على ثبوت البراءة في بيع السطان، ومرّة أخرى أضاف إلى ذلك بيع الميراث ومراده في بيع أهل الميراث ما باعوه لقضاء دين أو إنفاذ وصيّة. وأمّا ما باعوه لأنفسهم، بحكم الانفصال من شركة بعضهم لبعض، فلاحقٌ ببيع الرّجل مال نفسه بالبراءة. فظاهر المذهب يقتضي اختلافًا في بيع البراءة، هل يصحّ بالاشتراط أو لا يصحّ ويثبت (١) إلا لمن اقتضى الحكم كون مطلق بيعه بيع براعة. فإذا قلنا: لا تصحّ البراءة إلاّ في بيع السلطان، أو في بيعه وبيع الورثة، ونفينا بيع البراءة في حقٌ هذين (٢) وإن اشترطوهما (٣)، تضمّن ذلك كون الشّرط

стр. 1952

لا يؤثر فيها. وإن قلنا: تصحّ البراءة لمشترطها، وإن لم يكن سلطانًا ولا وارثًا، اقتضى ذلك ثبوتها بالاشتراط. وقد قال مالك في الموّطأ: من باع عبدًا أو وليدة من أهل الميراث أو غيرهم على التبرّي، فقد برئ من كلّ عيب. وهذا الإطلاق يقتضي ثبوتها بالاشتراط لقوله: أهل الميراث أو غيرهم. وكان من يثبتها بالاشتراط يرى أنّ علّة الجواز استواء البائع والمبتاع في الجهل بالعيب، على حسب ما قدّمناه. فإذا اشترط البراءة فقد أخبر أنّه جاهل بالعيب كجهل المشتري به، فصحّ اشتراطه. وإن قلنا: إن الاشتراط لا يؤثر فيمن لا يقتضي مطلق بيعه البراءة، فإنّ ذلك مبنيّ على أنّ ما لا يقتضيه من البراءة إطلاق العقد فلا يقتضيه الاشتراط، كما لو اشترط البائع البراءة مِمّا علمه من العيوب فكتمه، فإنّ ذلك لا ينفعه لمّا كان إطلاق عقد البراءة لا يتضمّن البراءة من عيوب يعلمها البائع. فإذا تقرّر هذا وقلنا إنّ بيع السلطان يقتضي إطلاقُه البراءة من العيوب , فإنّ ذلك يشترط فيه أن يكون المشتري عالمًا بأنّ السلطان هو الّذي باع، أو باع من أمره السلطان بالبيع. فإن لم يعلم ذلك وظنّ أن البيع واقع مِمّن لا تنفذ أحكامه، بل هو بيع رجل مالَ نفسه، فإنّه لا يسقط مقاله في العيب، ويكون بالخيار بين أن يتمسّك بالمبيع على البراءة من العيوب أو يردّه. وقيل: لا مقال له في العيوب. وهذا يحمل على أنّ من ذهب إلى هذا اعتقد أنّه ادّعى ما لا يشبه، لكون بيع السلطان لأنّه في غالب العادة إنّما يكون في مجمع واحتفال. وأمّا لو كان البيع وقع من الورثة لقضاء دين أو إنفاذ وصايا، أو من وصيّ باع لقضاء دين أو إنفاذ وصيّة، لا لإنفاق على من في ولايته، فإنّ المشتريَ إذا لم يعلم بذلك فإنّه لا يسقط حقّه في القيام بالعيب، لكون هذا مِمّا قد يخفى عن المشتري حال البائع. بخلاف بيع السلطان الّذي قلنا على أحد القولين إنّه لا يخفى ذلك. وبيع الوصيّ تثبت فيه البراءة بشرط أن يبيع لِدين أو لإنفاذ وصيّة.

стр. 1953

فأمّا بيعه لحاجة الورثة، فلاحقٌ ببيع الإنسان مالَ نفسه لكون الدّيون والوصايا يجب إنفاذهما، ومن حقّ أهلها أن يعجّل لهم حقّهم إن طلبوه. والسلطان والورثة والوصيّ جاهلون بحال المبيع، وهم مطالِبون باستعجال البيع. فحمل بيعهم على البراءة لأجل هذا، بخلاف بيع الإنسان مال نفسه. ولو باع الورثة بشرط البراءة ولم يعلم المشتري أنّ البائع منه وارث، لصحّت البراءة، لكون الاشتراط ها هنا صادف محلًّا للحكم فيه، مع إطلاق البراءة من العيوب، فروعي حكم المحلّ لمّا ضامّه الاشتراط. بخلاف بيع رجل مال نفسه الّذي لم يرثه، لكون الاشتراط للبراءة لم يصادف محلًّا يوجب إطلاق البيع فيه البراءة. وإذا صادف الحكم محلّه نفذ وإن لم يعرف لمحلّه. وهذا غير الّذي ذكر ابن القاسم (١) من ثبوت البراءة يشبه من تزوّج امرأة زوجها غائب، وهذا الزّوج لم يعلم بموْت الزّوج الغائب، فلم يفسح نكاحه حتّى ثبت أن الزّوج الغائب مات وانقضت عدّة الزّوجة منه قبل عقد هذا الرّجل الثّاني نكاحه، فإن النكاح يمضي لمّا صادف محله وإن جهل في ظاهر الأمر حصول المحلّ. وكذلك من قام إلى خامسة في صلاة الظّهر عمدًا، فإذا به قد فسدت عليه ركعة يجب قضاؤها حتّى صارت الرّكعة المزيدة وقعت في محلّها، فإن هذا يجري مجرى واحدًا. وقد تكلّمنا على ما قيل في هذا في كتاب الصّلاة من كتابنا هذا. وقد اختلف المذهب في اشتراط البراءة إذا باع الإنسان مال نفسه، هل يسوغ له ذلك، و (٢) إن لم يختبر المبيع، وإنّما باعه بحِدْثان ملكه له، أو لا يسوغ له ذلك إلَاّ بعد اختبار المبيع؟ فالمشهور أنّه لا ينفعه التبرّي من عيب إلاّ بعد أن يكون مختبرًا للمبيع. فقال في التّجّار يقومون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة، ولم تطل إقامة الرّقيق عندهم،: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال النّاس باطلًا،

стр. 1954

فلا تنفعهم البراءة. وقيل: تجوز البراءة في هذا. ذهب إلى هذا عبد الملك وغيره. وإحتجّوا يكون السلطان والورثة بيعهم بيع براءة وهم (١) يختبروا البيع. وقد يجاب عن هذا بما كنّا قدّمنا الإشارة إليه من كون السلطان إنّما يبيع لدين يقضى يجب تعجيله. والسلطان إن كان لم يختبر المبيع، فإنّ الضّرورة لقضاء الدّيون تقتضي جواز بيعه بالبراءة. وكذلك الوارث إذا باع لقضاء دين أو إنفاذ وصيّة. والّذي باع مال نفسه لم تدع ضرورةُ مراعاةِ حقِّ غيره إلى استعجال البيع، فمنع من البراءة قبل الإختبار للمبيع. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: قد قدّمنا أنّ بعض المتأخّرين أنكر اختلاف قول مالك في جواز البراءة من العيب اليسير، وحمل اختلاف قوله على العيب الكثير. ومنهم من يحكي عنه الخلاف مطلقًا. وقال المغيرة إنّما تجوز البراءة في العيب اليسير، كالثّلث فأقلّ، فأمّا إذا زاد على الثّلث، فلا تجوز البراءة. فكأن من أجاز التبرّي على الإطلاق يعتلّ بأنّ سبب الجواز كون البائع والمبتاع استويا في الجهل بالمبيع، وما استويا في العلم أو الجهل به جاز العقد عليه واتبع الغرر فيه. وهذا يقتضي جواز البراءة في العيب الكثير واليسير. ومن يمنع البراءة في العيب الكثير، يعتلّ بأنّ الأصل المنع من بيع البراءة لأجل ما فيه من الغرر، على حسب ما بيّناه فيما تقدّم، والغرر إذا خفّ وكان يسيرًا غير مقصود، لم يمنع، وإذا كان كثيرًا مقصودًا عظم التّخاطر فيه واتّضح الغرر، فوجب أن يمنع. والعيب الكثير مِمّا يعظم التّخاطر بخلاف اليسير. ومن هذا بيع الجارية الرّائعة بشرط البراءة من العمل، وليس بها حمل ظاهر، فإنّ المذهب المنع من ذلك. واحتجّ صاحب المذهب بعظم الغرر في هذا الاشتراط، وأنّ العمل يحطّ من ثمنها كثيرًا، ومقدارًا عظيمًا، فوجب أن يمنع هذا التبرّي من العمل العظيم (٢) الغرر فيه.

стр. 1955

وأجاز التّبرّي من حمل الرّائعة الشّافعي. وكأن الشّافعي لم يفرّق بين سائر العيوب والحمل من جُملتها. وكأن مالكأرضي الله عنه وأصحابه يرون أنّ ما سوى العمل مِن العيوب، الظّاهرُ السلامة منها، والبائع يخبر ألاّ عيبَ بالمبيع، فصار الظّنّ بالسلامة من هذه العيوب يرفع الغرر. بخلاف العمل في الرّائِعة الّذي لا علم عند واطئها بالسلامة منه، فيقول على خبره، ولا الغالب أيضًا، والظّاهر من الحال يقتضي السلامة منه. وأمّا التّبرّي من حمل أمة من الوخش، فإنّ ذلك جائز عندنا، لكون العمل لا ينقص من ثمنها مقدارًا كثيرًا، فلا يقتضي اشتراط التّبرّي منه غررًا، فجاز ذلك. وإذا منعنا التّبرّي منه في الأمة الرّائعة، فإن البيع إذا عقد على ذلك، سقط الشّرط. وهل يسري ذك إلى فساد العقد أم لا؟ وهل يقع الضّمان بالقبض أم لا؟ هذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى. لكن حكى ابن حبيب عن مالك أنّ من باع أمة وهو مقر بوطئها، وشرط التبرّي من العمل أن الشّرط وإن بطل، فإنّه لا يبطل العقد. وأنكر الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد هذه الرّواية لمّا رءاه شرطًا متّفقًا على فساده. وقال بعض المتأخّرين يلزم على هذه الرّواية أن يجوز التّبرّي من حمل الأمة الرّائعة. كما قاله الشّافعي، وينفذ العقد على ذلك ولا يفسد. فمن يذهب إلى إمضاء العقد يقدّر هذا كأحد بياعات الشّروط التّي يسقط الشّرط ويصحّ البيع. وقد كنّا تكلمنا على أحكام الشّروط الفاسدة في كتاب البيوع الفاسدة، وأشرنا إلى ما يعلم منه وجه هذا المذهب. وعندي في هذه المسألة أنّ لو كانت الأمة ذات زوج أو ظاهرة الزّنا، لم تردّ بعيب حمل، لكون المشتري دخل على ذلك، فلا يحطّ ذلك من ثمنها ما يتضمن غررًا في العقد، لكونها معرّضة للحمل. وقد وقع في بعض الرّوايات فيمن إشترى زوجته فانفسخ نكاحه بشرائها،

стр. 1956

ثمّ ظهر بها حمل، أنّ له الرّدّ به. وهذا خلاف مقتضى هذا الّذي أصّلنا. ولو كان حمل الرّائعة ظاهرًا لجاز التّبرّي منه لأن التّبرّي منه إخبار عن أمر مشاهد. ولو شرط المشتري كونها حاملًا لمنع من هذا الشّرط، رائعة كانت أو من الوخش، لكون المشتري قد زاد في الثّمن لأجل ما اشترط، فهو كشراء الأجنّة وشراؤها لا يجوز. وكذلك لو اشترط في ناقة أو شاة أو رمكة، فإنّ هذا لا يجوز. وأجاز أشهب ذلك في اشتراطه حمل رَمَكَة أو شاة. وهكذا ذكر ابن دينار عن ابن كنانة وابن أبي حازم. وكأن هؤلاء في حكم التبع للأمّهات جائز بخلاف إفراده. كما يجوز اشتراط الثّمرة المؤبّرة إذا بيعت مع الأصول. فإذا قلنا بجواز الاشتِراطِ للحمل في. هذا النّوع من الحيوان فكشف ألاّ حمل فيما اشترط كونه حاملًا، فقد قيل: للمشتري الرّدّ بذلك. وقال ابن أبي حازم وابن كنانة: لا يردّ للمشتري بذلك إذا كان البائع يعتقد أنّها حامل، ولم يعلم ألاّ حملَ بها. وكأنه على هذا المذهب إنّما اشترط ظنّ البائع للحمل لا يقينه به، والظّنّ يخطئ ويصيب. وأمّا اشتراط المشتري ذلك في الرّائعة وكونها حاملًا، فإنّ ذلك محمله محمل التّبرّي من الحمل، لكون هذا عيبًا ظاهرًا، والعيب لا يشترط إلاّ بمعنى التّبرّي منه. وإن كانت من الوخش فإنّه يرّدها، على حسب ما حكيناه من مذهب من ذهب إلى ردّ النّاقة المشترط حملها إذا لم تكن حاملًا. هذا اشتراط البراءة من العمل أو اشتراط حصوله. وأمّا تناول البراءة العامّة من كلّ عيب بالجارية، فإنّ العمل لا يدخل في هذه البراءة, لأنه إذا لم يجز إفراده بالاشتراط، لم يجب دخوله في لفظ عام لبراءة تجوز. كما لا يشتمل اشتراط البراءة على ما يعلمه البائع من العيوب، لكون ما يعلمه من العيوب لا يجوز إفراده بهذا الاشتراط، وهكذا قال ابن

стр. 1957

الموّاز: البراءة العامّة لا يدخل فيها العمل، ولو اشترط البراءة منه في الرّائعة، لفسد البيع. وقد حاول بعض المتأخّرين تخريج اختلاف. فقال: قد قال ابن حبيب فيمن اشترى جارية مسبيّة في المقاسم أو وقعت في سهمانه، فإنّه لا يردّها يحمل يظهر. لأن بيع المقاسم بيع براءة. قال: وهذا يقتضي دخول العمل في البراءة العامّة. وهذا الّذي قاله قد يجاب عنه بأن المسألة مبنيّة أنّ المسألة (١) ذات زوج. وقد قدّمنا أنّ من اشترى أمة ذات زوج فإنّه لا يرد يحمل يظهر. فإذا أمكن هذا كان هذا التّحريم فيه نظر. إلَاّ أن يحمل ما ذكرنا على جارية مسبيّة ليست بذات زوج. وإذا تقرّر حكم البراءة وتأثيرها، وما يجوز منها وما لا يجوز إذا وقع الشّرط في العقد، فإن التّبرّي من العيوب بعد العقد على وجهين. أحدهما: أن يتبرّأ البائع من عيب ظاهر، فإنّ المشتري يخيّر حينئذ في قبول البيع أو ردّه. كما لو اطّلع على عيب من تلقاء نفسه، وإن لم يكن عيبًا ظاهرًا، فإنّه لا يلزم المشتري تصديق البائع، بل يقف الأمر على اطلاع المشتري عليه، وتقدّم الكلام على هذا. وأمّا إن تبرّأ بعد العقد بعوض، فإنه ذكر في المدوّنة فيمن باع دابّة وأتى بعد العقد فتبرّأ من عيوبها على دينار بذله المشتري (٢) فإنّ ذلك لا يبريه. وإن كان ذلك في جارية، لصحّت البراءة. قال ابن حبيب: لأنّ ما بعد العقد ملحق به. كما يصحّ استلحاق مال العبد بعد العقد، كما يصحّ اشتراطه في أصل العقد. وكما يشتري مكيلة من صبرة طعام بعد أن باعها والمكيلة بمقدار ما يجوز استثناؤه من الصبرة كيلًا. وهذا الّذي ذكروه بناء على تخصيص الرّقيق بجواز البراءة من عيوبه، ومنع ذلك فيما سواه من الحيوان. وقد ذكر ابن حبيب

стр. 1958

أنّه لو عقد البيع على عشرة دنانير على أن وضع دينارًا من العشرة ليبرأ من العيوب، أنّ ذلك لا يبرئه. قال: كمن تزوّج بعشرة دنانير على أن يسقط عنه دينار على ألاّ يتزوّج على المرأة، فإنّ هذا الشرط لا يلزم. وتعقّب هذا القول عليه ونقض فيه ما تقدّم من قوله: إنّ ما بعد العقد ملحق بالعقد. فإذا باع جارية بعشرة دنانير ليبرأ من عيوبها، فإنّ العقد، وإن لم يعتبر فيه ما سقط، قد اشترط فيه البراءة، واشتراط البراءة في الجارية في أصل العقد يجوز، وإن لم يخصّ بعوض، واشتراط ألاّ يتزوّج في أصل عقد النّكاح لا يلزم. ولا يبعد هذا الاشتراط على المعروف من المذهب، وهذا يمنعه من قياس اشتراط البراءة على اشتراط ألًا يتزوّج: والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا انعقد البيع على البراءة فاطّلع المشتري على عيب، فإنّ الحكم أن يحلف البائع أنّه لم يعلم بالعيب. فإن حلف على ذلك سقط مقال المشتري في الرّدّ، وإن نكل ردّ عليه المبيع بالعيب. وفيما كان ذلك كذلك لأجل البراءة يشترط في تأثيرها كون البائع لا يعلم بالعيب. فلو ثبت أنّ العيب عنده وأنّه باع وهو عالم به، لكان يجب للمشتري الرّدّ. فإذا أمكن علمه بذلك، استظهر عليه باليمين لأجل هذا الإمكان. فإن حلف فقد رفع يمينه حكم هذا الشّكّ والإمكان. وإن نكل صار كالمقرّ بأنه عالم بالعيب، فيجب الرّدّ عليه، من غير يمين على المشتري, لأنه غير قاطع على علم البائع بذلك. ويجري ذلك مجرى أيمان التّهم التّي لا يرجع اليمين فيها. هذا الأصل المشهور من المذهب. وإن كان قد ذكر في المستخرجة عن ابن القاسم أنّ البيع لا يرد حتّى يحلف المشتري على أنّ هذا العيب لم يحدث عنده. وقد تعقّبت هذه الرّواية بأنّه ذكر فيها، أنّ العيب قديم، ثمّ استحلف المشتري على أنّه لم يحدث عنده، ولا يصحّ استحلاف أحد على قول شهدت له بصحّته البيّنة.

стр. 1959

واعتذر عن هذا بأن قِدَم العيب لم يثبت يقينًا، وإنّما ثبت بقول علماء الطّبّ، وقد يخطِئون فيما يعتقدون من المداواة والعلل. فلهذا لم يحكم ها هنا بقدم العيب على القطع. وهذه الرّواية لم يرجع اليمين فيها على المشتري على طباق ما وجبت على البائع, لأنّ طباق ما وجبت على البائع أن يقول المشتري: بالله لقد علمت أنها البائع بها. ولكن هذا لا يلزمه لعدم القطع على علم البائع كما قدّمناه. وإنّما صار في هذه الرّواية إلى استحلاف المشتري لأجل أنّ الأصول تقتضي أنّ اليمين إذا وجبت في محلّ فعدل عنها، انتقلت إلى المحلّ الآخر. هذا إذا ثبت قدم العيب. وأمّا الوشكّ في قدم العيب أو حدوثه، فإن فيه قولين: أحدهما إثبات اليمين، إذا وجبت، لحصول الشك في كون هذا العيب كان عند البائع، وفي كونه علم بما فيه، فيفتقر إلى رفع هذا الإمكان إلى يمين البائع. وقيل: لا يمين عليه ها هنا لأجل أنّ المؤثّر في الرّدّ علم البائع بالعيب. فإذا ثبت قدم العيب، حلف على نفي إمكان واحد. وإذا لم يثبت قدمه وشكّ في حدوثه عند المشتري، لم يؤثّر إمكان كونه عالمًا بالعيب إلاّ بعد إمكان وجه آخر، وهو كون العيب قديمًا عند البائع. فلمّا صار الإمكان ها هنا لم يتصوّر إلاّ بواسطة وإمكان آخر ضعف تعلّق اليمين. هذا هو وجه الاعتبار فيما قدّمناه. لكن عوّل مالك، ﵁، فيه على قضيّة عثمان بن عفّان، ﵁، فإنّه حكى في موطئه أنّ عبد الله بن عمر باع غلامه فقام المشتري بعيب فيه، وقال لابن عمر: بعتني، وبه داء لم أعلم به. فاختصما إلى عثمان، ﵁، فقضى على عبد الله بن عمر باليمين أنّه لم يعلم بالعيب، فأبى أن يحلف، وارتجع العبد، فذهب عنه الداء فباعه عبد الله بن عمر بعد ذهاب دائه بألف وخمسمائة درهم. وقد كان بيعه

стр. 1960

الأول بثمانيمائة درهم. فاقتضى هذا الأثر كون البراءة لا تؤثر فيما علمه البائع من العيب. واستحلاف البائع على أنّه لم يعلم بالعيب. وقضِيَ بذلك على ابن عمر، ﵁،- وإن كان من الفضل، وبروز العدالة، والمبالغة في الدّيانة، بحيث لا يتّهم، طردًا لهذا الحكم وجَعْلِه كقضيّة كلّية في الصالح وغير الصّالح، كما كنّا قدّمنا في بياعات الآجال واعتللنا به في حماية الذّرائع. وظاهر هذا الحديث يقتضي ألاّ يوقف يمين البائع على دعوى المشتري أنّ البائع عالم بالعيب, لأنّ عثمان، ﵁، لم يطلب المشتري أن ينطق بهذه الدّعوى. وهذا هو الأظهر في الرّوايات إذا طالب المشتري استحلافه ولم يدع أنّه عالم يكون البائع عالمًا. وقد قال لبعض المتأخّرين: إنّ الرّواية التي قدّمناها عن ابن (١) المذكورة في المستخرجة من قوله: إذا نكل البَائع، لم يردّ البيع إلاّ بعد يمين المشتري. يقتضي وقف هذا الحكم على دعوى المشتري: أنّ البائع عالم بالعيب. وهذا الّذي قاله فيه نظر, لأنّا قدّمنا أن هذه الرّواية التّي أشرنا إليها لم يلزم المشتري فيها أن يحلف على أن البائع عالم بالعيب. فإنّما تلزمه اليمين على أنّه لم يعلم أنّ هذا العيب حدث عنده. فلا يكون في هذا تعلّق بما أشار إليه. هذا فيما استقراه من هذه الرّواية. والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: ذكر بعض المتأخّرين أن بيع البراءة إذا وقع من السلطان وأهل المواريث الّذين باعوا لِقضاء دين أو إنفاذ وصيّة، فإنّ المشتري إذا اطّلع على عيب قبل أن يفوت الثّمن ويفرّق على الغرماء فإنّ له الرّدّ بالعيب. فإذا فرّق الثّمن على الغرماء، لم يردّ بالعيب. فحصول تأثير البراءة في بيع السلطان والمواريث، كما قدّمناه، لكون الثمّن قد فات واقتسمه الغرماء. فصارت هذه ضرورة تقتضي منع الردّ بهذا العيب. بخلاف أن تكون البراءة إنّما تثبت باشتراط، على أحد القولين المتقدّمين،

стр. 1961

فيما باعه الإنسان لنفسه واشتراط البراءة منه، فإنّ المشتري لا قيام له بعيب، وإن كان الثّمن حاضرًا، لكون اشتراط البراءة من ثبوت حقّ له في هذا العيب. وهذا فيه نظر عندي لا ينحقّق فرق بين بيع السلطان وبين اشتراط البراءة فيما باعه الإنسان لنفسه في هذا. لأنّ بيع السلطان إذا كان الحكم يوجب البراءة فيه، كان ذلك كبراءة تجب بالاشتراط. بل ربما كان ما يجب حكمًا آكد مِمّا يجب شرطًا. فهذا مِمّا ينظر فيه. لكن قد وقع في المدنيّة في السلطان إذا باع وثبت أنّه علم بالعيب فيما باعه، أو ثبت أنّ الغريم الّذي بيع ذلك عليه عالم بالعيب، أنّ داود بن جعفر روى عن مالك أنّ المشتري يردّ هذا المعيب إذا كان حاضرًا. فإذا كان فرق على الغرماء لم يرد بذلك، مع كون هذه البراءة قد بطلت بعلم البائع بالعيب، فوجب الرّدّ. وفرْق بين كون الثّمن قسم على الغرماء أو لم يقسم، فمنع من الرّدّ إذا قُسِم، لكون هذه ضرورة تمنع من ردّ البيع. بخلاف إذا كان الثّمن حاضرًا. وهذه التّفرقة تشير إلى التّفرقة التّي حكيناها عن بعض المتأخّرين فيما يثبت من البراءة حكمًا لاشرطًا. وقد حكي عن مالك وابن نافع، وغيرهما من أصحاب مالك: أنّ العلم بالعيب حين عقد السلطان له الحكم المطالبة بقيمة العيب. وقدّر في هذا القول أنّ هذا المعيب، وإن كان المعيب لم يفت، فإنّه يقدّر كمبيع فات يكون الحكم فيه المطالبة بقيمة العيب، لكون الثّمن اقتسمه الغرماء، ويعسر ردّه منهم. والمشهور من المذهب تمكين المشتري من الرّدّ إذا ثبت كون السلطان عالمًا بهذا العيب حين باع والرجوع بالثّمن على الغرماء. وقد وقع لسحنون فيمن قيم عليه بسقوط أضراس عند بائعه. فقال البائع للمشتري: تبرّأت إليك منها، فأنكر المشتري، فأتى البائع ببيّنة: أنّه باع بالبراءة مطلقًا، أنّ هذا لا ينفعه. لكون قوله: تبرّأت إليك منها تتضمن أنه عالم بهذا

стр. 1962

العيب. ومن علم بالعيب لا تنفعه البراءة مطلقة، كما قدّمناه. وتعقّب هذا بأنّ قوله: تبرأت إليك منها، تضمّن أنّه عالم بهذا العيب. ومن علم بالعيب لا ينفعه البراءة مطلقة، كما قدّمناه. وتعقّب هذا بأنّ قوله: تبرأت إليك منها، يحتمل أن يكون أراد أنّ البراءة العامّة تبريني منها، كما تبرّأت إليك منها، تخصيصًا لها بالذّكر. وكذلك أيضًا وقع لسحنون فيمن قيم عليه بعيب في جارية فقال: بعتها بالبراءة، فأنكر المشتري ذلك، فصدّق المشتري، وقَضَى بأنّ القول قوله، وردّ الجارية، فقام بائعه منه الّذي ردّت عليه على من باعها منه هو أيضًا. فقال له البائع الأول: أنت زعمت أنّك بعتها بالبراءة من هذا العيب، وأنّ هذا الّذي ردّها عليك ظلمك فردّها عليك، ولا سبيل لك إلى ردّها عليّ، وقد أقررت بأنّها ردّت عليك بغير حقّ. فقال سحنون: له أن يردّها على البائع لكون البيع قد انتقض. وكذلك يحلّ وطؤها بهذا الرّدّ، كمختلفَيْن في ثمن جارية، فتحالفا وتفاسخا، فإنّ للبائع وطء الجارية إذا تفاسخا فيها وتحالفا، وإن كان يعتقد أنّ مشتريها قد ظلم في ردّها. وهذا قد سبق نحن كلامنا على هذه المسألة في اختلاف المتبايعين. وإذا اشترى رجل عبدًا بالبراءة ثمّ باعه على العهدة، فإن للمشتري مقالًا في هذا البيع ونقضه, لأنّه يعتلّ بأنّه قد يطّلع على عيب يجب له من أجله ردّ هذا العبد بالعيب، فيجد البائع مفلسًا، فيكون من حقّه أن يردّ على من باع ذلك منه، فلا يمكنه لكون البيع الأوّل عقد على البراءة. وخرج على هذه الرّواية ثبوت مقال لمن اشترى عبدًا من رجل وهب له ذلك العبد، لأجل أنّه يعتلّ المشتري أيضًا بأن يقول: قد يستحقّ العبد من يدي، فيجب لي الرّجوع على من باعه منّي فاجده مفلسًا، فلا يكون لي سبيل إلى الرّجوع على من صار إليه ذلك العبد منه، لكونه أخذ هذا العبد هبة لا عن معاوضة.

стр. 1963

وكذلك أيضًا لو اشتراه على العهدة وباعه بالبراءة، فإنه يمنع من هذا البيع، لكون المشتري قد يطّلع على عيب أتلف هذا العبد، فلا يمكنه الرّجوع على من باعه منه، لكون البائع منه قد تبرّأ له من العيوب، فيحصل له ثمن العبد الفائت ويكون من حقّه الرّجوع على من باعه منه، لأجل أنّه لم يبرأ له من العيب، فيحصل على أخذ ثمن هذا العبد مرّتين، فمنع من هذا العقد لأجل هذا الذي ذكرناه. وبالله التّوفيق. قال القاضي أبو محمّد، ﵁،: وعهدة الثلاث لازمة في الرّقيق. ثمّ عهدة السّنة بعدها من الأدوار الثّلاثة الجنون والجذام والبرص في كلّ بلد جرت عادتهم باشتراطها أو استأنفوها. ولا تلزم في المواضع التّي لم يتعارفوها إلَاّ أن يستأنفوا اشتراطهما. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال: ١ - ما معنى العهدة؟ ٢ - وما تأثيرها؟ ٣ - وما قسمتها؟ ٤ - وما محلها من البياعات؟ ٥ - وما محلّها من العقود؟ ٦ - وما محلّها من البلاد؟ ٧ - وما حكم النّقد فيها؟ ٨ - وما حكمها في البيع الفاسد؟ (١) فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: المراد بالعهدة ها هنا تعلّق البيع بضمان البائع فيما طرأ عليه من نقص في بدن أو ثمن أو تلف عين. وهذا مِمّا ينقسم في البياعات الصحيحة اللّازمة على قسمين:

стр. 1964

أحدهما الضّمان من جهة حقّ توفية لزمت البائع بكيل أو وزن أو عدد، أو بالتّسليم وإمكانه. وهذا يؤخّر الكلام عليه إلى فراغنا من هذا الفصل، وإن كان يعدّ منه أوّلًا. وقد ذكره في المدوّنة في أوّل كتاب الرّدّ بالعيب. ولكن أخّرناه لتأخير القاضي أبي محمّد ﵀ في كلامه على العيوب. والقسم الثاني تعلّق الضمان بالبائع بعد قبض المشتري المبيع. وهو الّذي نبيّنه في هذا الفصل. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: هذه العهدة التّي نتكلّم عليها على وجهين: عامّة في الضمان، وخاصّة. فأمّا العامّة من ناحية الضّمان، ففي عهدة الثّلاثة أيّام. وأمّا الخاصّة من جهة الضّمان عهدة السنة، فإنّ البائع لا يطالب فيها إلاّ بضمان ثلاثة أدواء، إن ظهرت، وهي الجنون والجذام والبرص. وأمّا عهدة الثّلاث، فإنه يضمن البائع سائر ما حدث من الأمراض فيها والنّقص كلّه وذهاب العين. لكون هذه المدّة جعلت في الشّرع مضافة إلى ملكه، والمالك مصيبة ما حدث في ملكه منه. وإذا كان كذلك كانت النّفقة على البائع، والكسوة. كما يكون ذلك عليه في ملكه. ومقتضى هذا أن تكون له الغلّة في هذه الثّلاثة أيّام. لكن هذا المعنى نبسطه في الفصل الّذي وعدنا بالكلام عليه بعد هذا. فإنّ رأي بعض أشياخي أنّ الغلاّت فيما بيع واحتبس بالثّمن يجري على القولين في ضمان ما حبس بالثّمن. فإن قلنا: ضمانه من البائع، كانت الغلاّت له, لأنّ الخراج بالضّمان. وإن قلنا: إنّ الضّمان من المشتري، كانت الغلاّت له. وهكذا قال سحنون لمّا ذكر اختلاف قول مالك في بيع الغائب أنّ النّماء والنّقصان يجري على اختلاف قوله. وإن كان القاضي أبو محمّد أشار في بعض كتبه إلى ارتفاع الخلاف في الغلّة، وأنّها للمشتري. لكن المنصوص ها هنا أنّ ذلك للبائع. وقد قال في كتاب بيع الخيار من المدوّنة: ما جنى على العبد في الثّلاث أو تصدّق به عليه، فإنّه للبائع.

стр. 1965

لكن ابن أبي زمنين ذكر معارضة في قوله: إنّ ما جني عليه في الثّلاث فأرشه للبائع، وللمشتري أن يردّه بعيب هذه الجناية، فإنّ الواجب في العبد المجنيّ عليه إيقافه حتّى يُطلَع على ما تنتهي إليه الجناية، ولا يقضي فيها قبل برئها. والأمد الّذي ينتظر فيه برؤها مجهول، فيجب أن يفسخ هذا البيع، ويمنع المشتري من إمضائه، لأجل هذه الجهالة بأمر الوقف لانتظار البرء. إلَاّ أن يسقط عن الجاني هذه الجناية، فيصحّ للمشري الرّضى بهذا العيب، بشرط، أيضًا، أن تكون الجناية غير مهلكة، فإنّه لا يُمكَّن من إمضاء هذا البيع، ولو سقطت الجناية, لأنّه يكون كابتداء شراء عبد قد قارب الموت. وهذا الّذي نبّه عليه ابن أبي زمنين من المعاوضة التّي وقعت لبعض أشياخه في هذه بأنّ رضا المشتري بإمضاء البيع مع هذا العيب يجب أن يمنع منه. وما فعله هو أيضًا من فسخ البيع إلاّ أن يشترط الجناية، ولم يبلغ العبد إلى حالة لا يجوز عقد الشّراء فيها، إنّما يصحّ على إحدى الطّريقتين. وأمّا على الطّريقة الأخرى، وهي مذهب أصحاب مالك، في أنّ ما توجبه الأحكام في هذا بخلاف ما دخل فيه اختيارًا، وأنّ ما حدث بعد العقود من جهالة قد كانت مرتفعة في أصل العقد لا يمنع من التّمسك بالمبيع. وقد ذكرنا في أوّل كتاب الرّدّ بالعيب مذهب ابن حبيب في أنّ استحقاق أكثر الثّياب المبيعة لا يمنع المشتري من التمسك بما لم يستحقّ، وإن كان مقداره في الثّمن مجهولًا، لمّا كان معلومًا في أصل العقد. فكذلك ما نحن فيه، بل هو أبعد من هذا, لأنّه قد تكون جناية قد برئت في الحال. أو وقفًا للإطلاق على الواجب فيها لا يمنع من كمال التّصرّف في المبيع والانتفاع به، فلا يكون لهذا الوقف تأثير في منع البيع. والّذي ذكرناه ها هنا من إجراء هذه المسألة على الاختلاف في المحبوسة بالثّمن إنّما يتّضح إذا قلنا في بيع العهدة: إنّه منعقد. وأمّا إن قلنا: إنّه موقوف على ذهاب أيّام العهدة، فإن ذهبت والمبيع
следующие страницы →