← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فيما باعه الإنسان لنفسه واشتراط البراءة منه، فإنّ المشتري لا قيام له بعيب، وإن كان الثّمن حاضرًا، لكون اشتراط البراءة من ثبوت حقّ له في هذا العيب. وهذا فيه نظر عندي لا ينحقّق فرق بين بيع السلطان وبين اشتراط البراءة فيما باعه الإنسان لنفسه في هذا. لأنّ بيع السلطان إذا كان الحكم يوجب البراءة فيه، كان ذلك كبراءة تجب بالاشتراط. بل ربما كان ما يجب حكمًا آكد مِمّا يجب شرطًا. فهذا مِمّا ينظر فيه. لكن قد وقع في المدنيّة في السلطان إذا باع وثبت أنّه علم بالعيب فيما باعه، أو ثبت أنّ الغريم الّذي بيع ذلك عليه عالم بالعيب، أنّ داود بن جعفر روى عن مالك أنّ المشتري يردّ هذا المعيب إذا كان حاضرًا. فإذا كان فرق على الغرماء لم يرد بذلك، مع كون هذه البراءة قد بطلت بعلم البائع بالعيب، فوجب الرّدّ. وفرْق بين كون الثّمن قسم على الغرماء أو لم يقسم، فمنع من الرّدّ إذا قُسِم، لكون هذه ضرورة تمنع من ردّ البيع. بخلاف إذا كان الثّمن حاضرًا. وهذه التّفرقة تشير إلى التّفرقة التّي حكيناها عن بعض المتأخّرين فيما يثبت من البراءة حكمًا لاشرطًا. وقد حكي عن مالك وابن نافع، وغيرهما من أصحاب مالك: أنّ العلم بالعيب حين عقد السلطان له الحكم المطالبة بقيمة العيب. وقدّر في هذا القول أنّ هذا المعيب، وإن كان المعيب لم يفت، فإنّه يقدّر كمبيع فات يكون الحكم فيه المطالبة بقيمة العيب، لكون الثّمن اقتسمه الغرماء، ويعسر ردّه منهم. والمشهور من المذهب تمكين المشتري من الرّدّ إذا ثبت كون السلطان عالمًا بهذا العيب حين باع والرجوع بالثّمن على الغرماء. وقد وقع لسحنون فيمن قيم عليه بسقوط أضراس عند بائعه. فقال البائع للمشتري: تبرّأت إليك منها، فأنكر المشتري، فأتى البائع ببيّنة: أنّه باع بالبراءة مطلقًا، أنّ هذا لا ينفعه. لكون قوله: تبرّأت إليك منها تتضمن أنه عالم بهذا

стр. 1962

العيب. ومن علم بالعيب لا تنفعه البراءة مطلقة، كما قدّمناه. وتعقّب هذا بأنّ قوله: تبرأت إليك منها، تضمّن أنّه عالم بهذا العيب. ومن علم بالعيب لا ينفعه البراءة مطلقة، كما قدّمناه. وتعقّب هذا بأنّ قوله: تبرأت إليك منها، يحتمل أن يكون أراد أنّ البراءة العامّة تبريني منها، كما تبرّأت إليك منها، تخصيصًا لها بالذّكر. وكذلك أيضًا وقع لسحنون فيمن قيم عليه بعيب في جارية فقال: بعتها بالبراءة، فأنكر المشتري ذلك، فصدّق المشتري، وقَضَى بأنّ القول قوله، وردّ الجارية، فقام بائعه منه الّذي ردّت عليه على من باعها منه هو أيضًا. فقال له البائع الأول: أنت زعمت أنّك بعتها بالبراءة من هذا العيب، وأنّ هذا الّذي ردّها عليك ظلمك فردّها عليك، ولا سبيل لك إلى ردّها عليّ، وقد أقررت بأنّها ردّت عليك بغير حقّ. فقال سحنون: له أن يردّها على البائع لكون البيع قد انتقض. وكذلك يحلّ وطؤها بهذا الرّدّ، كمختلفَيْن في ثمن جارية، فتحالفا وتفاسخا، فإنّ للبائع وطء الجارية إذا تفاسخا فيها وتحالفا، وإن كان يعتقد أنّ مشتريها قد ظلم في ردّها. وهذا قد سبق نحن كلامنا على هذه المسألة في اختلاف المتبايعين. وإذا اشترى رجل عبدًا بالبراءة ثمّ باعه على العهدة، فإن للمشتري مقالًا في هذا البيع ونقضه, لأنّه يعتلّ بأنّه قد يطّلع على عيب يجب له من أجله ردّ هذا العبد بالعيب، فيجد البائع مفلسًا، فيكون من حقّه أن يردّ على من باع ذلك منه، فلا يمكنه لكون البيع الأوّل عقد على البراءة. وخرج على هذه الرّواية ثبوت مقال لمن اشترى عبدًا من رجل وهب له ذلك العبد، لأجل أنّه يعتلّ المشتري أيضًا بأن يقول: قد يستحقّ العبد من يدي، فيجب لي الرّجوع على من باعه منّي فاجده مفلسًا، فلا يكون لي سبيل إلى الرّجوع على من صار إليه ذلك العبد منه، لكونه أخذ هذا العبد هبة لا عن معاوضة.

стр. 1963

وكذلك أيضًا لو اشتراه على العهدة وباعه بالبراءة، فإنه يمنع من هذا البيع، لكون المشتري قد يطّلع على عيب أتلف هذا العبد، فلا يمكنه الرّجوع على من باعه منه، لكون البائع منه قد تبرّأ له من العيوب، فيحصل له ثمن العبد الفائت ويكون من حقّه الرّجوع على من باعه منه، لأجل أنّه لم يبرأ له من العيب، فيحصل على أخذ ثمن هذا العبد مرّتين، فمنع من هذا العقد لأجل هذا الذي ذكرناه. وبالله التّوفيق. قال القاضي أبو محمّد، ﵁،: وعهدة الثلاث لازمة في الرّقيق. ثمّ عهدة السّنة بعدها من الأدوار الثّلاثة الجنون والجذام والبرص في كلّ بلد جرت عادتهم باشتراطها أو استأنفوها. ولا تلزم في المواضع التّي لم يتعارفوها إلَاّ أن يستأنفوا اشتراطهما. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال: ١ - ما معنى العهدة؟ ٢ - وما تأثيرها؟ ٣ - وما قسمتها؟ ٤ - وما محلها من البياعات؟ ٥ - وما محلّها من العقود؟ ٦ - وما محلّها من البلاد؟ ٧ - وما حكم النّقد فيها؟ ٨ - وما حكمها في البيع الفاسد؟ (١) فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: المراد بالعهدة ها هنا تعلّق البيع بضمان البائع فيما طرأ عليه من نقص في بدن أو ثمن أو تلف عين. وهذا مِمّا ينقسم في البياعات الصحيحة اللّازمة على قسمين:

стр. 1964

أحدهما الضّمان من جهة حقّ توفية لزمت البائع بكيل أو وزن أو عدد، أو بالتّسليم وإمكانه. وهذا يؤخّر الكلام عليه إلى فراغنا من هذا الفصل، وإن كان يعدّ منه أوّلًا. وقد ذكره في المدوّنة في أوّل كتاب الرّدّ بالعيب. ولكن أخّرناه لتأخير القاضي أبي محمّد ﵀ في كلامه على العيوب. والقسم الثاني تعلّق الضمان بالبائع بعد قبض المشتري المبيع. وهو الّذي نبيّنه في هذا الفصل. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: هذه العهدة التّي نتكلّم عليها على وجهين: عامّة في الضمان، وخاصّة. فأمّا العامّة من ناحية الضّمان، ففي عهدة الثّلاثة أيّام. وأمّا الخاصّة من جهة الضّمان عهدة السنة، فإنّ البائع لا يطالب فيها إلاّ بضمان ثلاثة أدواء، إن ظهرت، وهي الجنون والجذام والبرص. وأمّا عهدة الثّلاث، فإنه يضمن البائع سائر ما حدث من الأمراض فيها والنّقص كلّه وذهاب العين. لكون هذه المدّة جعلت في الشّرع مضافة إلى ملكه، والمالك مصيبة ما حدث في ملكه منه. وإذا كان كذلك كانت النّفقة على البائع، والكسوة. كما يكون ذلك عليه في ملكه. ومقتضى هذا أن تكون له الغلّة في هذه الثّلاثة أيّام. لكن هذا المعنى نبسطه في الفصل الّذي وعدنا بالكلام عليه بعد هذا. فإنّ رأي بعض أشياخي أنّ الغلاّت فيما بيع واحتبس بالثّمن يجري على القولين في ضمان ما حبس بالثّمن. فإن قلنا: ضمانه من البائع، كانت الغلاّت له, لأنّ الخراج بالضّمان. وإن قلنا: إنّ الضّمان من المشتري، كانت الغلاّت له. وهكذا قال سحنون لمّا ذكر اختلاف قول مالك في بيع الغائب أنّ النّماء والنّقصان يجري على اختلاف قوله. وإن كان القاضي أبو محمّد أشار في بعض كتبه إلى ارتفاع الخلاف في الغلّة، وأنّها للمشتري. لكن المنصوص ها هنا أنّ ذلك للبائع. وقد قال في كتاب بيع الخيار من المدوّنة: ما جنى على العبد في الثّلاث أو تصدّق به عليه، فإنّه للبائع.

стр. 1965

لكن ابن أبي زمنين ذكر معارضة في قوله: إنّ ما جني عليه في الثّلاث فأرشه للبائع، وللمشتري أن يردّه بعيب هذه الجناية، فإنّ الواجب في العبد المجنيّ عليه إيقافه حتّى يُطلَع على ما تنتهي إليه الجناية، ولا يقضي فيها قبل برئها. والأمد الّذي ينتظر فيه برؤها مجهول، فيجب أن يفسخ هذا البيع، ويمنع المشتري من إمضائه، لأجل هذه الجهالة بأمر الوقف لانتظار البرء. إلَاّ أن يسقط عن الجاني هذه الجناية، فيصحّ للمشري الرّضى بهذا العيب، بشرط، أيضًا، أن تكون الجناية غير مهلكة، فإنّه لا يُمكَّن من إمضاء هذا البيع، ولو سقطت الجناية, لأنّه يكون كابتداء شراء عبد قد قارب الموت. وهذا الّذي نبّه عليه ابن أبي زمنين من المعاوضة التّي وقعت لبعض أشياخه في هذه بأنّ رضا المشتري بإمضاء البيع مع هذا العيب يجب أن يمنع منه. وما فعله هو أيضًا من فسخ البيع إلاّ أن يشترط الجناية، ولم يبلغ العبد إلى حالة لا يجوز عقد الشّراء فيها، إنّما يصحّ على إحدى الطّريقتين. وأمّا على الطّريقة الأخرى، وهي مذهب أصحاب مالك، في أنّ ما توجبه الأحكام في هذا بخلاف ما دخل فيه اختيارًا، وأنّ ما حدث بعد العقود من جهالة قد كانت مرتفعة في أصل العقد لا يمنع من التّمسك بالمبيع. وقد ذكرنا في أوّل كتاب الرّدّ بالعيب مذهب ابن حبيب في أنّ استحقاق أكثر الثّياب المبيعة لا يمنع المشتري من التمسك بما لم يستحقّ، وإن كان مقداره في الثّمن مجهولًا، لمّا كان معلومًا في أصل العقد. فكذلك ما نحن فيه، بل هو أبعد من هذا, لأنّه قد تكون جناية قد برئت في الحال. أو وقفًا للإطلاق على الواجب فيها لا يمنع من كمال التّصرّف في المبيع والانتفاع به، فلا يكون لهذا الوقف تأثير في منع البيع. والّذي ذكرناه ها هنا من إجراء هذه المسألة على الاختلاف في المحبوسة بالثّمن إنّما يتّضح إذا قلنا في بيع العهدة: إنّه منعقد. وأمّا إن قلنا: إنّه موقوف على ذهاب أيّام العهدة، فإن ذهبت والمبيع

стр. 1966

سالم بيّنا (١) صحّة العقد. وإن ذهبت وهو معيب بيّنا (١) أنّه عقد غير لازم للمشتري، فإنّ هذا يخرج على طريقة أخرى. والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: أمّا العهدة فإنّها عهدتان: كبرى من جهة الضّمان صغرى من جهة الأمد، وهو ثلاثة أيّام. فإن ضمان كلّ ما حدث بالعبد أو الأمة متعلّق بالبائع عمومًا، كان ذلك بأمر من الله سبحانه، أو باكتساب من النّاس. والعهدة الثّانية صغرى من جهة الضّمان كبرى من جهة الأمد، وهي عهدة السنة. فإنّ البائع لا يضمن العبد أو الأمة إلَاّ من ثلاثة أدواء وهي الجنون والجذام والبرص. واختلفت الرّواية عن مالك في دخول العهدة الصغرى في العهدة الكبرى من ناحية الأمد، هل تحسب السنة من يوم العقد، أو بعد انقضاء الثّلاثة أيّام؟ وسبب الاختلاف أنّ الأصول مبنيّة على دخول الأصغر في الأكبر كما نقول، فيمن بال ثمّ أجنب، فإنّ الوضوء الواجب عن البول ساقط عنه بدخوله في الغسل الواجب عن الجنابة. وكما نقول العمرة تدخل في عمل الحج لمن قرن الحجّ والعمرة، لمّا كانت جزءًا من أعمال الحجّ. وهذا مقتضى دخول الثّلاثة أيّام في السنة. أو يقال بأن الضّمان المتعلّق بالثّلاث ضمان سائر الأمراض، وذهاب العين، والمتعلّق بعهدة السنة ضمان لأمور مخصوصة، كما قدّمناه. فلمّا اختلف تأثيرهما واختلف أمدهما، لم يتداخلا. ووجب أن تكون عهدة السنة، بعد ذهاب الأيّام الثّلاثة وبعد ذهاب أيّام الاستبراء فيما يجب فيه الاستبراء. لكن دخول الثّلاثة أيّام في أمد الاستبراء ثابت، لكون تأثير الأمرين لا يختلف. لأن عهدة الثّلاث تتضمّن الضّمان لكلّ نقص. فارتفع سبب الخلاف الّذي ذكرناه في دخول عهدة الثّلاث في عهدة السنة.

стр. 1967

ولو حصل الاستبراء عقيب العقد بيوم ونحوه. مثل أن تضع الأمة وما في معنى ذلك، لوجب انتظار ذهاب بقيّة الثّلاثة أيّام. ولو عقد البيع على خيار لكانت العهدة بعد أيّام الخيار. هذا هو المنصوص في. هذا. وإنّما يصحّ ما قالوه من كون عهدة الثّلاث بعد ارتفاع الخيار بناء على أحد القولين عندنا في أنّ بيع الخيار إنّما يعدّ منعقدًا حين إمضائه. وعلى هذه الطّريقة التّي نبّهناك عليها في تداخل العُهَد ينبغي أن تسلك في بيع عبد غائب. فإنّا إذا قلنا: ضمان المبيع الغائب من بائعه يجب أن تحسب الثّلاث عقيب العقد إذا انقضت، بقيت المطالبة بعهدَة الغيبة. وكذلك ينبغي أن يجري الأمر في المحتسبة بالثّمن لكون الضّمان فيما ذكرناه من هذين عامًّا كعموم ضمان عهدة الثّلاث. ولو وقع العقد في بعض يوم، فإنّ المرويّ عن مالك إلغاؤه وانتظار ثلاثة أيّام بعده. كما يعتبر في إتمام صلاة المسافر أربعة أيّام كوامل. وكما يعتبر في العقيقة أيّامها كوامل. وقد يتخرّج على قول سحنون في تلفيق الأيّام في صلاة المسافر، وأنّه يعتبر عشرين صلاة، أن يعتبر ذلك في عهدة الثّلاث. وقد يلتفت في هذا إلى علّة الأصل وهي ضرب الثّلاث، هل ذلك لأجل أنّها دون حُمَّى الرِّبْع، فينظر مقدار دون هذه العادة. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا محلّها من المبيعات، فإنّها إنّما تعتبر في الرّقيق خاصّة، ذكوره وإناثه. والدّليل على ذلك ما رواه الحسن عن عقبة بن عامر أنّ النبيّ ﷺ قال: (عهدة الرّقيق ثلاث ليال) (١). وروى الحسن أيضًا عن سمرة بن جندب أنّ النبيّ ﵇ قال: (عهدة الرّقيق ثلاث) (٢). وذكر مالك في الموطإ أنّ أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران

стр. 1968

في خطبتما عهدة الرّقيق (١) ورأى مالك ﵁ أنّ الأمر إنّما يذكرون هذا في المدينة على رؤوس النّاس، ولا أحد ينكره لكونه متقرّرًا في الشّرع عندهم مشتهرًا. وعلّل هذا بأنّ الرّقيق يكتم عيبه، فيجب أن يستظهر فيه بالثّلاثة أيّام حتّى يتبيّن للمشتري ما كتم عنه. وعلّل أيضًا بأنّه يختصّ بذكر عيبه. بخلاف غيره من الحيوان. فيمكن أن يكون ذكر ذلك لسيّده، فبادر لبيعه خوف أن يتبيّن مرضه. فجعلت الثّلاث أمدد البيان ارتفاع تدليسه. كما جعلت في التصرية التّي دلّس بها البائع. وأمّا عهدة السنة فإنها اختصت بالثلاثة أدواء، لكون الجنون والجذام والبرص تتقدم أسبابه، ويظهر في فصل من فصول السنة دون فصل، بحسب ما يؤكّد طبيعة الفصل سببه. فانتظر بذلك الفصول الأربعة وهي السنة كلّها حتّى يؤمن من هذا العيب ومن التّدليس به. وأنكر أبو حنيفة هاتين العهدتين. واستدلّ أصحابنا عليه بما ذكرناه من الآثار وطرق الاعتبار. وقد ذكرنا في الاعتبار تعليلين مختلفين ونبّهناك عليهما في أؤل بيع البراءة. وهذه الثّلاثة أدواء إنّما تؤثّر إذا تحقّقت، ولو ظهر من الجرب ما يشبه الجذام، ولا يكون جذامًا، لم يردّ به. وأمّا الجنون فإنّه إذا كان من مسّ الجانّ وجب الرّدّ به لكونه مفتقرًا إلى انكشافه بذهاب الفصول الأربع الّتي يمكن أن يحدث فيها في فصل دون فصل. ولو كان من حادث علم سببه مثل أن يضرب رأسه في خلال السنة فيجنّ فإنّ في المذهب قولين: المشهور ألاّ ردّ بهذا. وقال ابن وهب: يجب الرّدّ به أخذا بعموم الرّدّ بالجنون كلّه على اختلاف أسبابه، كما وجب عموم الضّمان في عهدة

стр. 1969

الثلاث في سائر أجناس الأمراض. ورأى الآخرون أنّ هذا مِمّا لا يقف العلم به على مضيّ الفصول الأربع. فلم يعتبر في عهدة السنة لفقد العلّة الّتي ذكرناها في اعتبار السنة. ولو شكّ في هذه الأدواء في السنة وتحقّقت بعد مضىّ السنة لكان في ذلك قولان. وكذلك لو تحقّق سببها في السنة وأنّها ستظهر بعد السنة، فإنّ في ذلك أيضًا قولين. ولو ذهبت الحمى في عهدة الثّلاث فإنّ ظاهر المذهب على قولين: عند أشهب يقف الأمر على اعتبار حالها بعد الثّلاث، هل تعود بالقرب فيجب الرّدّ أو لا تعود إلاّ بعدُ (١) فلا يجب الرّدّ. وظاهر قول سحنون إثبات الرّدّ من غير وقف لانتظار العودة عن قرب أو بعد. ولو ذهب العيب ذهابًا تؤمن عودته قبل القيام به. لم يكن للمشتري مقال. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: العقود على ضربين: عقد طريقه المكايسة، وعقد طريقه المكارمة والمواصلة. فأمّا ما طريقه المكايسة والمتاجرة، فإنّه على قسمين: معيّن وغير معيّن. فإن كان معيّنًا، فالعهدة ثابتة فيه، على حسب ما قدّمناه في عهدة الثّلاث والسنة، إذا لم يشترط فيه البراءة، وكان من الرّقيق، على حسب ما قد بيّناه. وإن كان سلما في الذّمّة ففيه قولان: أحدهما إثبات العهدة فيه أخذا بعموم ظاهر الخبر الّذي قدّمناه، وقياسًا على سائر المعينات المبيعة من الرّقيق، لكون العبد المسلم فيه إذا أحضر من عليه السلم عبدًا، فيمكن أن يكون علم به بسبب عيب فكتمه، على حسب ماعلّلناه فيما سلف.

стр. 1970

والثَّاني: ألاّ عهدة فيه لكون المشترَى غير معين، ونفي التّعيين الظّاهرُ منه أنّه يتضمّن الجهل بسبب الأدواء المعتبرة في أدواء العهدة، فلم تثبت العهدة فيه لارتفاع علّتها. وأيضًا فإنّه إذا تعيّن بالقبض، وبقيت فيه العهدة، فإنّ القبض لم يتناجز. وإذا لم يتناجز المعين المأخوذ عن دين، لم يجز ذلك، كما قال ابن القاسم فيمن أخذ عبدًا غائبًا عن دين في الذّمة: إنّ ذلك ممنوع لأنّه فسخ دين في عوض يتأجّل قبضه. وهذا على طريقة من ذهب إلى منع أخذ معين يتأجّل قبضه عن دين في الذّمّة. ومن أجاز ذلك، لم يصحّ على أصله التّعليل بهذا. على أنّ في التّعليل به وإن منعنا أخذ معين يتأجّل قبضه عن دين, لأنّا إنّما ذكرنا عن ابن القاسم أنّه يمنع من هذا لكونه في صورة فسخ دين في دين. وهذا إنّما يتصوّر مع اختلاف الجنسين وإمّا مع كون الجنس واحدًا، فلا يتصوّر فيه التّبدّل على الحقيقة، كما يتصوّر في جنسين، ولهذا قال سحنون: لا عهدة في عبد أخذ من دين. لأنّه إذا أخذ من دين حصلت المعاوضة ما بين جنسين مختلفين، فتصوّر فيها فسخ الدّين في الدّين. وأمّا ما طريقه المكارمة من المعاوضة كالنّكاح، فإنّه اختلف قول مالك فيه، هل فيه عهدة إذا كان الصّداق عبدًا أم لا؟ فأثبت فيه العهدة مرّة قياسًا على سائر عقود المعاوضات الماليّة. ونفاها مرّة أخرى لكون هذا العبد عوضه ليس بمال محض، فخرج من أحكام العقود الماليّة في هذا. وأيضًا فإنّه يتصوّر فيه الطّريق الّذي صوّرناها في السلم، لكون البضع إذا عقد عليه وجب تنجيز استباحة الفرج، إذ لا يصحّ العقد على فرج لا يستباح في الحال، والفرج لا يصحّ اشتراط تعجيل استباحته, لأنّه كاشتراط النّقد في عهدة الثّلاث، واشتراط

стр. 1971

النّقد فيها ممنوع. فاقتضى هذا منع إثبات العهدة فيه، لكون إثبات العهدة فيه تقتضي منع النّكاح وفساده. وفسادُه وارتفاعُه يرفع حكم العهدّه. فصار هذا كفرع كرّ ببطلان أصله، فيكون هو الباطل دون أصله. ومن هذا المعنى السلف، فإنّه ذكر في الموّازيّة والواضحة ألاّ عهدة في سلف. وهكذا قال سحنون: لا عهدة فيما تسلف. وهكذا قال ابن أبي زمنين: لا عهدة في عبد مقرض. فلم يصرّح هؤلاء بثبوت العهدة في قضاء السلف. وظاهر قول من حكينا عنه أنّه قال: لا عهدة في العبد المقرض. قد يشير إلى قضاء السلف، بخلاف ابتدائه, لأنّ ابتداءه طريقهُ المعروفُ، لا يبنى الأمر فيه على التّهم والقصد إلى المكايسة والمغابنة, لأنّ قصدَ المسلف إلى هذا وإرادتَه منفعةً لنفسه يحرم عليه ما فعل. وقضاء السلف ليس طريقهُ المعروفَ. فقد يتصوّر فيه التّهمة. وهكذا الإقالة والتّولية لا عهدة فيهما لمّا كان طريقهما المعروف. وحاول بعض المتأخّرين أن يخرج في هذا اختلافًا من اختلاف أهل المذهب في الإقالة، هل هي حلّ بيع أو ابتداء بيع؟ فإن قيل: إنّها ابتداء بيع، وجب ثبوت العهدة فيها. وهذا التّخريج فيه نظر, لأنّه وإن قلنا: إنّه كابتداء بيع، فإنّ هذا بيع قصد فيه إلى المعروف، فلم يلحق بالعقود المقصود فيها المعاوضة على جهة المكايسة. ولم يقع في المذهب خلاف في الرّدّ بالعيب، أنَّه لا عهدة فيه. وإن كان قد قيل في أحد الطريقتين: إنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع. ولكن هذا وإن قيل، فهو بيع أوجبه الشّرع بغير اختيار من رجع إليه العبد، فخرج عن العقود الاختياريّة المقصود فيها المكايسة. وقد قال ابن الماجشون في هبة الثّواب: لا عهدة فيها لمّا أن كان طريقها المكايسة وَالمواصلة. وكذلك الخلع لا عهدة فيه لأنّه ليس كالبيع المحض، ولهذا جاز عقده بالغرر، على أحد القولين. وأيضًا فإنّ المرأة قد استعجلت

стр. 1972

قبض ما اشترته وهو منافع بعضها. فصَار ذلك كاشتراط النّقد فيما فيه العهدة، وقد قدّمنا أنّ اشتراط النّقد في عهدة الثّلاث لا يجوز. فإذا تضمّن إثبات العهدة في الخلع منْع المعاوضة وجب منعه في نفسه دون منع أصله، كما قدمناه في التّعليل لإسقاط العهدة في النّكاح. وقد قال ابن أبي زمنين: لا عهدة في عبد مقرَض، أو مخالَع به، أو مأخوذ من قطاعة مكاتب، أو مصالح به عن دم عبد، أو مسلَم فيه، أو اشترِي، وهو غِائب غيبة بعيدة، على الصفة. وهذا يمكن أن يكون رأى ذلك ملحقًا بعقود ما في الذّمة كالسلم، أو رأى أنّ عهدة الثّلاث تنقضي قبل أمد الوصول إلى العبد، فتسقط فيه عهدة الثّلاث. وقال بعض المتأخّرين: يجب اعتبار العهدة في بيع العبد الغائب، وإذا انقضت بقيت عهدة ضمان الغيبة، كما بقيت في عبد لم يقبضه المشتري، فإذا انقضت، بقيت عهدة ضمان التّسليم على أحد القولين. ولكن هذا الّذي قاله يقتضي إثبات عهدة السنة فيه إذا عقد البيع فيه، وهو من الغيبة بحيث يجوز عقد البيع عليه وإن بعدت غيبته. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: قد قرّرنا محلّها في البياعات ومحلّها في العقود. فأمّا محلّها في الأماكن، فعن مالك فيه روايتان: هل محلّها سائر البلاد، الّتي اعتادها أهلها أو لم يعتادوها؟ أو إنّما محلّها البلاد الّتي اعتيد ذلك فيها. فروى المصريّون عنه أنّه لا يقضَى بها حيث لم تجْرِبها عادة، إلَاّ أن يحملهم السلطان على ذلك. وقد روى عنه المدنيّون أنّه يقضى بها في سائر البلاد، الّتي علم أهلها العهدة أو جهلوها، ويحملهم السلطان على ذلك. فكأن من قصر العهدة على البلاد الّتي اعتادتها حمل الحديث على أنّ أهل المدينة اعتادوا البيع على العهدة، فأقرّهم ﷺ -عليه ا، وقال (عهدة الرّقيق ثلاث) (١)

стр. 1973

كما قدّمناه. فصار هذا الحديث خرج على سبب نُصّ عليه. ومن قضى بها في سائر البلاد، أخذ الحديث على عمومه، فلم يقض على البلد الّذي خاطبهم ﷺ فيه بها واعتادوها. أو يرى أنّ مقتضى الأصول سقوط الضّمان عن البائع بقبض المشتري للمبيع قياسًا على سائر أجناس البياعات المتّفق على أن لا عهدة فيها. ويجيب الآخرون عن هذا بأنّ في الرّقيق معنى، وهو كون مرضه عن أسباب تنكتم، كما قدّمناه، فلا يقاس على سائر أجناس المبيعات. وأيضًا فإنّ البائع يمكن أن يكون علم سبب هذا العيب فدلّس به، فاحتيط في ذلك بإثباتها. وإذا قلنا بقَصْر القضاء بها على مكان اعتيدت فيه، فهل يستحبّ للسلطان أن يحمل البلاد الّتي لم يعتادوها على البيع عليها أم لا؟ عنه في ذلك روايتان: إحداهما قوله: وددت أنّ السلطان حمل النّاس عليها. والرّواية الثّانية قوله: لا يحمل السلطان عليها من لم يعتدْها. فكأنّه نظر في القول الأوّل إلى المصلحة والاحتياط من التّدليس، فخوطب فيه بما هو أصلح للجمهور كما يخاطب بإزالة الفساد عن مكاييلهم وموازينهم. ونظر في القول الثّاني وهو نفي الضّمان بعد القبض كما قدّمناه. فإذا تقرّر محلّ القضاء بها أو بإسقاطها، فإنّه لو اشترط المشتري إسقاطها بمكان اعتيدت فيه، أو إثباتها بمكان لا يلزم القضاء بها فيه، فإنّ بعض أشياخي يشير إلى أنّ في هذا الشرط وإمضائه اختلافًا: فإن منعنا منه وأسقطناه لفساده، فإنّه يجري فساد العقد أيضًا على الاختلاف في بياعات الشّروط الفاسدة، هل يَفسدُ الشّرطُ ويصحّ العقد؟ أو

стр. 1974

يبطلان جميعًا، على حسب ما كنّا قدّمنا في كتاب البيوع الفاسدة، وذكرنا مواضع الخلاف فيه. وهذا الّذي قاله قد يتجه تسليمه له في شرط اتّفق على منعه وفساده، كمن باع ثوبًا وشرط على المشتري أنّه يضمنه له بعد قبضه، فإنّ هذا الشّرط لا يصحّ ثبوته باتّفاق. وأمّا إن كان شرطًا مختلفًا فيه اختلافًا مشهورًا، فإنّ الشّرط قد يصار إلى إمضائه، كما قيل في بيع الغائب: إنّ ضمانه من البائع إلاّ أن يشترط البائع ضمانه على المشتري فيصحّ شرطه. وقيل أيضًا ضمانه على المشتري إلاّ أن يشترطه على البائع فيصحّ شرطه. فقد أمضي هذا الشّرط، وإن اشترط في غير محلّه في الأصلين، لمّا كان مختلفًا في محلّه. فصادف الشّرط محلًّا هو الأصل فيه على إحدى الرّوايتين عن مالك، بمضيّ الشّرط، ونفذ كما ينفذ لو حكم به في مسألة خلاف بين العلماء. لكن بيع الغائب إذا لم يكن فيه عادة أو عرف، كان الوجه فيه ما ذكرناه، والبيع على العهدة قد يفتقر إلى نظر آخر، وهو مقتضى العقد، هل مقتضاه إثبات العهدة أو إسقاطها؟ وقد قدّمنا في ذلك من الاختلاف عن مالك، ﵁. فإذا شرط ما يقتضيه العرف ومقتضى العقد اتّضح إمضاؤه. وإن شرط ما يخالفهما جميعًا، فقد صار بعض المتأخّرين إلى إبطال الشّرط وإمضاء العقد. وكأنّه ضعُف الشّرط عنده ها هنا لمخالفته وجهين: العرفَ ومقتضى العقد. ولو اختلف عنده مقتضى العرف، وكان للعرف وجه صحيح، صحّ العقد والشّرط أيضًا. وهذا التّفصيل يحوجك إلى النّظر في رواية المصريين والمدنيين حتّى تعلم ما مقتضى (١)، على إحدى الرّوايتين، فتضيف إليه العرف وتنظر هل الشّرط وافقهما جميعًا أو خالفهما أو خالف أحدهما. وهذا التّفصيل قد لا يتّضح له وجه يستمرّ على تحقيق النّظر. وإنّما تحقيق النّظر في هذا جواز الاشتراط أو منعه. فيمضي حيث يجوز، ويردّ حيث يمنع.

стр. 1975

إلاّ أن يكون في جوازه اختلاف، فمن قال بمراعاة الخلاف أمضاه. ثمّ قد ينظر أيضًا في الخلاف، هل هو شاذّ ضعيف في النّظر فتسقط مراعاته، أو هو مشهور تحسن مراعاته. هذا هو التّحقيق في هذا المعنى. والجواب عن السؤال السابع أن يقال:. قد بيّنّا أنّ النّقد لا يلزم في عهدة الثّلاث، لكون أسباب الضّمان المتعلّقة بالثّلاث كثيرة متكرّرة، فمنع من التّقابض فيه، لكون العقد عُرْضَة الانحلال. ويمنع من اشتراطه أيضًا لأنّه قد ينحل، فيكون النّقد المشترط سلفًا، وإن لم ينحلّ كان بيعًا. وأمّا عهدة السنة، فإنّ النّقد جائز فيها, لكون الانحلال للعقد، بحدوث ثلاثة أدواء ذكرناها، نادرًا، والنّادر لا حكم له. ولو منع النّقد لوجب وقف الرّقيق المبيع عامًا كاملًا، فيقتضي ذلك بيع معين يقبض إلى أجل بعيد. وذلك لا يجوز. وإنّما أجزناه في بيع الثمر بعد الزّهو، وإن كان في ذلك الجوائح الّتي يضمنها البائع، لكون الغالب في الثّمار الأمْن من الجوائح، وكون ما يطرأ منها يستوي البائع والمبتاع في العلم بوقوعه. بخلاف ما ذكرناه من إمكان اطّلاع البائع على سبب الأمراض الّتي تظهر في أيّام العهدة، وكذلك ما بيع على الكيل والوزن يجوز اشتراط النّقد فيه قبل القبض، لكون الأمن عليه هو الغالب. وإنّما تعلّق الضّمان على البائع لما عليه من حقّ التّوفية للمبيع. إلى بعض هذه المعاني أشار في كتاب ابن الموّاز. فإذا منعنا النّقد في العهدة، فهل يجوز إيقافه مختومًا على يد البائع؟ هذا يجري على القولين نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى. وإذا دعا البائع إلى إيقاف الثّمن، فهل ذلك من حقّه أم لا؟ فيه أيضًا قولان:

стр. 1976

أحدهما: تمكينه من إيقافه على يد عدل لئلاّ يهرب المشتري، أو يفلس، (من المضرّة) (١) في التّغرير بالثّمن لجواز أن يضيع في إيقافه. فإن وقف فضاع. فإنّه يكون ضمانه مِمّن يقضى له بأخذه. فإن حدث بالمبيع عيب في أيّام العهدة وقد ضاع الثّمن، ففي تمكين المشتري من الرّضى به معيبًا، فيكون ضمان. الثّمن من البائع، قولان: أحدهما أنّه لا يمكن من ذلك, لأنّ النّقص الّذي حدث في المثمون من ضمان البائع، فيجب أن يكون الضّمان للثّمن من المشتري أيضًا. والقول الآخر أنّه يمكن من ذلك إن أراده ورضي بالعيب. وهل يمكن بالثّمن الأوّل الّذي ضاع أم بثمن آخر؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يمكن من ذلك بالثمّن الأوّل, لأنه لا يلزمه أن يؤدّي ثمنين في سلعة واحدة. والثّاني: أنّه لا يمكن إلاّ بثمن آخر، لكون الثّمن الضّائع في ضمانه، كما أنّ النّقص في ضمان البائِع. والقول الثّالث لسحنون: أنّه إن ضاع الثّمن قبْل حدوثِ النّقص بالمبيع لم يمكّن إلاّ بثمن آخر، لكون الثّمن الّذي ضاع منه. وإن ضاع الثّمن بعد حدوث النّقص وكونه قد استحَقّ التخيير بين الرّضى بالعيب أو الرّدّ، لم يلزمه ثمن آخر. ولعلّنا أن نبسط هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: قد تقرّر ثبوت العهدة في العقود الجائزة. وأمّا العقود الفاسدة فهل تثبت فيها العهدة أم لا؟ قال الأشياخ: تثبت فيها العهدة، واحتجّ بعضهم بأنّ من شرط

стр. 1977

النّقد في أيّام الخيار فإنّ فساد هذا العقد لا ينقل الضّمان عن أصله في البيع الصحيح (١) العهدة في البيع الفاسد. وأمّا شرط البراءة، فاختلف فيها الأشياخ فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرّحمان: إذا اشترى عبدًا شراء فاسدًا، وفات عنده فلزمته القيمة، فإنّ شرط البراءة ساقط، وللمشتري أن يردّ العبد بعيب لم يعلم به. وقال الشيخ أبو عُمْران: يثبت حكم البراءة كما يثبت ضمان المواضعة في البيع الفاسد. أو قياسًا على ما وافقه عليه الشّيخ أبو بكر من ثبوت العهدة. وقد كنّا نحن قدّمنا ما يعرف منه وجه الخلاف في هذا الأصل. وفي هذا نظر في العقد الفاسد هل يردّ إلى أحكام صحيحة أو يردّ إلى حكم نفسه كما تقدّم بيانه. والجواب عن السؤال التّاسع (٢) أن يقال: إذا صرّح المشتري بإسقاط العهدة، فإنّها تسقط. وإن فعل فعلًا ينافي القيام بها، مثل أن يعتق العبد أو يطأ الأمة فتحمل منه، فإنّ ابن القاسم ذهب إلى أنّ ذلك علم على الإسقاط. وأجراه مجرى النّطق بالإسقاط. ورأى غيره أنّ ذلك لا يكون إسقاطًا، بل يجب الرّجوع بقيمة العيب، كما لو أعتق عبدًا ثمّ اطّلع بعد عتقه على عيب، فإنّه لا يسقط حقّه في القيام بالعيب، ولكن إنّما يقضى له بقيمة العيب لامتناع ردّ المبيع. فكذلك ها هنا إذا لم يُحمَل عتقُه ولا إصابةُ الأمةِ على إسقاط العهدة، وجب أن يكون ما فَعَل يوجب له قيمة العيب. واحتجّ بعض من ذهب إلى هذا القول من أصحاب مالك بأنّ المشتري لا يمنع من الوطء في السنة، وإذا لم يمنع منه، وهو يجوز أن يكون عنه حمل،

стр. 1978

ولا يصحّ أن يكون ما فعله من هذا كالنصّ على إسقاط حقّه في العهدة. وقيل: أمّا العتق فيُنقَضُ, لأنّه إذا ظهر من العيب ما اقتضى انحلال العقد، وبقي المبيع على ملك البائع، وجب ردّ العتق. ذكر هذا القول في من أعتق في عهدة السنة. وهو يقتضي طرد ذلك في عهدة الثّلاث، وهو خلاف الأصول. وقد يقتضي ردَّ العتق بعيب قديم كان قبل عقد البيع إذا قيل: إنّ الرّدّ بالعيب حلّ للعقد من أصله. وقد كنّا ذكرنا الخلاف في هذا الأصل، وذكرنا وجه الخلاف فيه. وقال ابن كنانة: لو تجذّم العبد في السنة، وقد أعتقه المشتري، لوجب أن يرجع بقيمة العيب، ويكون ما ترك العتيق من مال لمن أعتقه بحكم الولاء. ولو كان ما حدث من الجذام يجعل العبد لا قيمة له على حال، لوجب ردّ الثّمن كلّه. فإن مات هذا العتيق، أخذ البائع من تركته ما ردهُ من الثّمن، وكان ما فضل عن ذلك للمعتق بحكم الولاء. وألزم بعض الأشياخ أن يكون هذا العتيق لو قطعت يده وأخذ فيها ديّة حرّ أن يكون للبائع أن يرجع على المشتري بما نقص قطع يده من قيمته, لأنّه يقول للمشتري: لولا إعتاقك له، لرجعت على الجاني بقيمة ما أتلف. والجواب عن السؤال العاشر (١) أن يقال: إذا اختلف البائع والمشتري في مضيّ أمد العهدة، فإنّ في هذا قولين: أحدهما تصديق البائع لكون المشتري يحاول نقض بيع قد انعقد، فهو المدّعي المطلوب بالبيّنة. والقول الآخر: أنّ القول قول المشتري، استصحابًا بالأصل، وهو كون الضّمان على البائع. فهو المدّعي لسقوطه عنه.

стр. 1979

وهكذا لو باع عبدًا فأبق، فإنّ له الرّدّ بعيب الإباق. ولو تبرّأ في العقد من الإباق، ففيه قولان: هل يكون إثبات خروجه سالمًا من العهدة على البائع، استصحابًا لحال الضّمان، وهي رواية ابن نافع عن مالك في المدوّنة. أو يكون على المشتري إثبات أنّه قد هلك في العهدة. وبهذه الرواية الثّانية أخذ ابن القاسم. وكذلك لو اختلف المتبايعان في عبد بيع بالخيار، وقد ذهبت أيّام الخيار، هل مات في أيّام الخيار أو بعد ذهابها؟ ففيه أيضًا قولان، سببهما استصحاب حال كون البيع منعقدًا أو استصحاب حال ثبوت الضّمان. وكذا يجب على هذا لو اختلفا في تاريخ انعقاد البيع وتداعى المتبايعان في العيب، هل هو قديم أو حديث؟ أن يكون القول قول المشتري في التّاريخ استصحابًا لعدم عقده. أو القول قول البائع استصحابًا لكون البيع منعقدًا، فلا ينتقض بالدّعوى. وهذا قد يحتاج إليه إذا أحال الشّهود تاريخ قدم العيب أو حدوثه على زمن، واختلف المتبايعان: هل كان عقد البيع قبل ذلك الزّمن أو بعده؟ والجواب عن السؤال الحادي عشر (١) أن يقال: قد تقرّر أنّ من باع ملك نفسه، فعهدة ذلك عليه. وإن تكلّف غيره بيع ذلك بإذنه كوكيل، أو بإذن الشّرع كقاض أو وصيّ، فإنّ هذا يتفصّل القول. فلا يخلو أن يكون من تولّى البيع انتصب انتصابًا مشتركًا لسائر النّاس كالنّخّاسين والسماسرة، أو يكون مِمّن عدا هؤلاء. فأمّا النّخّاسون والسماسرة ومن في فعناهم، فإنّهم لا عهدة عليهم فيما باعوه، ولا مطالبة بثمن إن استحقّت السلعة أو ردّت بعيب ولا يمين عليهم،

стр. 1980

لكن يؤمرون بإعلام مشتري السلعة بصاحبها الّذي وكّلهم على بيعها ليحاكموهم فيها. وإنّما (١) كان الأمر كذلك لأنّ النّاس الّذين يشترون منْهم إنّما يدخلون معهم على هذا الحكم الّذي ذكرناه، ولكونه من المصلحة لأنّهم يكثر ذلك عليهم ويتكرّر لديهم فلو ضمّنّاهم أثمان ما باعوه من السلع لانقطعوا عن هذا العمل وأضرّ بالناس انقطاعهم. فكان من المصلحة نفي الضّمان عنهم، كما كان من المصلحة إثبات الضّمان على الصنّاع. وأمّا من عدا هؤلاء، وكان أيضًا منتصبًا لهذا بإذن الشّرع انتصابًا عامًّا كالقضاة، فإنّه لا عهدة عليهم فيما باعوه على مفلس، أو لإنفاذ وصايا لأنّهم كالملزمين بهذا شرعًا، ولا منفعة لهم فيه. والنّاس الّذين يشترون منهم إنّما يدخلون معهم على هذا، فلو ضمِّنوا لوقفوا عن الحكومات في هذا. لكن يقضون بردّ الثّمن على من قبضه منهم إن كان موجودًا بعينه. وإن استهلك نفضِّل القول فيه على ما يرد في موضعه في أحكام الاستحقاقات إن شاء الله تعالى. وأمّا الوصى فقد قال في المدوّنة: لا عهدة عليه فيما بيع في أموال اليتامى. وإنّما العهدة في مال اليتامى المبيع عليهم ذلك المستحَقّ والمردود بعيب. واختار ابن الموّاز إثبات العهدة عليهم وعلى الوكيل المفوض إليهم (٢). وكان بعض أشياخي يشير إلى أنّ إثبات العهدة عليهم أنّها فيما باعوه من أموال اليتامى للتّجارة به، لأنّهم فجلوا ذلك اختيارًا من غير ضرورة إليه، إذ لا يلزم الوصيّ أن يتجر بمال اليتيم. فإذا فعل ذلك اختيارًا، صار كالوكيل المفوض إليه الّذي يقضَى بالعهدة عليه لكونه دخل في ذلك اختيارًا، وأحلّ نفسه محلّ مالك السلعة في تفويض الأمر إليه في بيعها متى شاء مِمّن شاء. فأمّا إن باع للإنفاق،

стр. 1981

فيكون كوكيل معين على بيع أمر معين، فلا عهدة عليه، على ما ذكر في المدوّنة في الوكيل المعين. وأمّا بيع الوكيل المفوّض إليه، فإنّ العهدة عليه لما ذكرناه من التّعليل. وكذلك المقارض لما ذكرناه أيضًا. ولكنّ النّاس إنّما يدخلون مع العاملين بالقراض على إثبات العهدة عليهم وأنّهم كالبائعين لملك أنفسهم. وكذلك حكم الشّريك المفاوض في نصيب شريكه إذا باعه مع نصيب نفسه. وأمّا إن لم يكن مفوّضًا إليه، فهو كوكيل على معيّن. وقد اختلف قول مالك في الوكيل المعيّن على بيع شيء معيّن. ففي المدوّنة: لا عهدة على الوكيل في هذا. وذكر ابن الموّاز أنّه اختلف قول مالك في هذا. وقال أصبغ في الوكيل المعين: عليه عهدة إلاّ أن يشترط أن لا عهدة عليه. فأثبت أصبغ العهدة ها هنا وأجاز اشتراط سقوطها, لكون هذا اشتراط غير ممنوع في نفسه. لا سيما وقد صادف أحد قولي مالك في أنّه لا عهدة على هذا الوكيل. وأمّا تعلّق اليمين على الوكيل المعيّن، فإنّ في ذلك قولين: ذكر في المدوّنة في وكيل ردّت دراهم لأجل كونها زائفة: أنه يحلف. وذكر ابن الموّاز أنه لا يمين على الوكيل على بيع شيء بعينه. قال: لأنّه لو أقرّ بعد انقطاع وكالته بالعيب الّذي قام به المشتري لم ينقض البيع. وسنبسط هذا في كتاب الوكالات إن شاء الله تعالى. وقد ذكر في الموّازية أنّ مالكًا قال: إذا اشترط الوصيّ والوكيل المفوّض إليه: لا يمين عليهما. فالشّرط ينفعهما إن كانا من أهل الدّين والفضل. وأمّا إن لم يكونا كذلك، لم ينفعهم هذا الشّرط. فقدّر أنّ أهل التّصاون والأقدار في الدّيانات نقص منهم استحلافهم فيُوفّى لهم بهذا الشرط, لأنّه اشتراط لهم فيه منفعة وينفي عنهم مضرّة ويكرمون أن يحلفوا لأجل مال غيرهم. ومَن سواهم أبْقَاهم على الأصل في تعلق اليمين بهم إذ لا يلحقهم معرّة استحلافهم. ولمّا ذكرنا في هذه التّقاسيم حكم سقوط العَهدة عن السماسرة، اقتضى

стр. 1982

الحال أن نبيّن حكم ما أخذوه من جعالة: وقد ذكر في المدوّنة أنّ السلعة إذا ردّت بعيب، ردّ السماسرة الجعل. وقدر أن البيع لمّا ردّ بالعيب، انتقض من أصله، وكأنّه لم يعقد، والسمسار إذا لم يعقد البيع الّذي استؤجِر عليه، فإنّه لا جعل له. وتأوَّل الشيخ أبو بكر بن اللّبّاد هذا على أنّ البائع لم يدلّس. فأمّا إن دلّس بالعيب، فإنّه لا يلزم السماسرة ردّ الجعل، لكون البائع لمّا دلّس صار قاصدًا إلى إتعاب السمسار واستخدامه على جهة التّغرير به في خدمته لمّا علم البائع أنّها تذهب باطلًا إذا ردّ البيع بالعيب. وقال الشّيخ أبو الحسن بن القابسي تتميمًا لهذا الّذي قاله ابن اللّبّاد: هذا أيضًا إذا كان السمسار غير عالم بأنّه قد دلّس البائع بالعيب. وأمّا إن كان السمسار عالمًا بتدليسه، فإنّه يكون له أجر مثله. فقدّر أنّه إذا كان السمسار عالمًا بهذا التّغرير به، ارتفع بعلمه هذا كون البائع مغرّرًا به. ولكنّه قضَى له بأجر مثله، وكان ينبغي أن يقضى له بالتسمية، لأنّ هذا الفساد الّذي تواطأ عليه البائعُ والسمسارُ من ناحية العقد وكونه عقدًا محرّمًا، والبائع استأجر السمسار إجارة ممنوعة فاسدة من ناحية عقدها؛ وما فسد من جهة عقده فات فيقضى فيه بالتّسمية. لكن هذا يمكن، كما قال الشّيخ أبو الحسن، فيه أنّه فساد من ناحية الأثمان، لكون الجعل في نفسه غررًا، فأجيز للضّرورة، كما يرتفع الغرر إذا أنهى العامل عمله وبلغ نهايته. كالجعل على طلب الَابق، فإنّ الآبق إذا حصل ارتفع الغرر بحصوله. وهذا السمسار يُنهي العمل نهايته، وهو أن ينفذ بيع السلعة، ثُتم يبقى بعد ذلك مترقّبًا بردّها بالعيب، فصار هذا غررًا من ناحية الأثمان، ففسد هذا الجعل لذلك. فيقْضَى فيه بإجارة المثل، ويجعل المثل على الخلاف في ذلك إذا فسد الجعل. وسنبسط سببه إن شاء الله تعالى في موضعه. ولو تراضيا المشتري والبائع بردّ السلعة بعيب، لم يلزم السمسار ردّ الجعل إذا أنكر تراضيهما، إلاّ أن يقضي القاضي بردّ البيع. فلو لم تردّ السلعة بعيب إلَاّ بعد أن فاتت، وقضي للمشتري بقيمة العيب، فإنّه إنّما يردّ من الجعل مقدار ما أخذه قيمة من العيب, لأنّ أخذ قيمته يتضمّن

стр. 1983

أنّ البيع لم يتمّ فيه. وقد ذكرنا أنّ المبيع إذا ردّ بالعيب، ردّ السمسار الجعل. فإذا فات المبيع وكان مقدار الرّبع من الثّمن، ردّ السمسار الرّبع من الجعل الّذي أخذ. هكذا ذكر ابن سحنون. وعلى هذا لو لم يفت عين المبيع، ولكنّه حدث عنده به عيب مفسدٌ، واختار المشتري أن يردّ المبيع وما نقصه من العيب، لكان للسمسار من الجعل بمقدار ما غرمه المشتري لمّا ردّ المبيع, لأنّ الّذي غرمه مضى البيع فيه وغرم ثمنه وما سواه انتقض المبيع فيه، فوجب ردّ الجعل فيه. ولمّا ذكرنا أيضًا الاختلاف في الوكيل المعيّن عن بيع شيء معيّن، هل عليه العهدة أم لا؟ فإنّ هذا الاختلاف إنّما يتصوّر إذا ذكر عند البيع أنّه وكيل لغيره. وأمّا إن سكت عن ذلك، فإنّ العهدة عليه، لأجل أنّ المشتري إنّما عاقده مالك السلعة في كون العهدة عليه. ولو ثبت بعد البيع أنّه (١) وكيل لغيره ولم يكن هو ذكرذلك حين العقد، فإنّ المشتري إن شاء التزم المبيع على أنّ عهدته على الموكّل، وإن شاء ردّه لسقوط العهدة عن مالكه. إلَاّ أن يلتزم له الرّسول العهدة، فيسقط مقاله. ولا يلزم الرّسول التزامها. هكذا ذكر في الموّازيّة. وقد يقال في هذا عندي: إنّ المشتري دخل مع الوكيل على أنّه إنّما تكون العهدة عليه لكونه لم يذكر له أنّ المبيع لغيره، فمن حقّ المشتري أن يطلبه بهذا الالتزام الّذي التزمه له. وقد قال في الموّازيّة: لا يجبر الوكيل على ذلك. فيمكن أن يكون رأى مجرّد هذا الفعل الّذي وقع من الوكيل لا يكون التزامًا للعهدة، وإذا لم يكن التزامًا لكونه يمكن أن يقول الوكيل: قد علمت أنّها لغيري والعهدة على غيري. وثبت بالبيّنة بعد وقوع العقد أنّ الأمر كذلك، فأشبه أن يعتقد الوكيل أن يستغني عن ذكر ذلك، فإنّ العهدة لا تلزمه. وإذا لم تلزمه، صار تبدّلها غير ما عقد المشتري عليه. ورجوعها على البائع كعيب اطّلع عليه المشتري، فيكون بالخيار في ردّ البيع.

стр. 1984

وإن تطوّع الوكيل بالتزام العهدة، سقط مقال المشتري. وقد أسقط مقال المشتري من عهدته إذا أتى مستحق فأجاز البيع وصارت العهدة عليه، فلم يعتبر ها هنا تبدّل العهدة. وسنبسط القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. وهذا حكم الوكيل المعين إذا باع. فأمّا إذا اشترى فإنّ الثّمن عليه، نقدًا كان الثّمن أو مؤجّلًا. وهذا إنّما فارق حكم البيع لأجل أنّ العادة أنّ من وكّل على شراء سلعة دفع إليه ثمنها. وأيضًا فإنّ العهدة أمدها مترقّب إذا طرأ استحقاق أو اطّلاع على العيب. وهذا قد لا يقع، فلهذا لم يجعل على الوكيل عهدة فيما باع، وجعل عليه المطالبة بالثّمن, لأن كلّ مثمون لا بدّ أن يكون له ثمن. وقد قال فيمن أمران يأخذ دراهم سلما على طعام: إنّ الوكيل لا يطالب بالطّعام المسلَم فيه، وإن كان قد اشتراه بالدّراهم الّتي دفعها المسلم عليه، ثمّ مع هذا لم يكن عليه دفع ثمنها وهو طعام السلم لمّا لم تجر العادة بمطالبة الوكيل بما أخذه سلما في ذمّة غيره. والجواب عن السؤال الثّاني عشر (١) أن يقال: إذا كان لرجل سلم في ذمّة إنسان فولاّه لآخر، أو أشرك فيه، أو باعه إن كان مِمّا يجوز بيعه قبل قبضه كالعروض والحيوان، فإنّه لا عهدة ها هنا على المُولَّى، ولا على المشرك، ولا البائع الثّاني. لأنّ معنى العهدة ضمان المبيع، وهو لم يصل إليه فيضمنه، وإنما باع ذمّة غيره، ومعنى ذمّة كأنّه شيء مضمون على غيره، فلا تكون عليه عهدة. وأمّا إن كان المولّى أو المشرك فيه أو المبيع شيئًا معيّنًا قبضه مشتريه وصار في ضمانه، ثمّ نَقَل ملكه عنه إلى غيره، فإنّ ذلك إن وقع بعد أن اشتراه وقبضه بعد تراخ وانفصال من الأوّل وافتراق منه، فإنّ العهدة على هذا البائع الثّاني.

стр. 1985

وأمّا إن وقع ذلك بفور شراء البائع الثّاني وقبل افتراقه من الأوّل الّذي باع منه، فإنّ التّولية والشّركة تسقط عنه فيها العهدة، اشترط إسقاطها أو لم يشترط. وأمّا البائع، فالعهدة عليه، لكنّه يجوز أن يشترطها على البائع الأوّل ويسقطها عن نفسه. وإذا كان وقع عقد الثّاني على الوجه الّذي قلنا: لا عهدة عليه فيه وهي على الأوّل، فإنّه ذكر في الموّازيّة في الشّركة والتّولية أنّه يجوز أن يشترطها المولّى والمشرك على نفسه. وقال ابن الموّاز: في هذا مغمز، لأنّه كضمان بجعل. وهذا الّذي ذكرناه عن المذهب من ثبوت العهدة على البائع الثّاني إذا وقع بيعه بعد انقضاء اشترائه من الأول وافتراقه منه. ووجهه أن الأصل ثبوت العهدة على من باع ملكه، وهذا باع ملكه بعد أن قبضه وصار إليه وسقط ضمانه عمّن باعه منه، فصار ذلك كبيع الإنسان ما ورثه أو اشتراه من بائع باع منه من أعوام كثيرة. فإذا كان هذا العقد وقع بفور شرائه من الأوّل وفي حين مواجبة البيع، فكأنّه لم يشتره، ويقدّر أنّ المشتري الآخر إنّما اشتراه من البائع الأوّل. لا سيما والمخالف يذهب إلى أنّ البيع لا يتمّ إلَاّ بافتراق المتبايعين. وأمّا التّفرقة بين البيع والتّولية، فإنّ. التولية والشّركة مقتضاهما أن يحلّ الثّاني محلّ الأوّل، ويسقط حكم الأوسط, فتصير العهدة على البائع الأوّل، ويقدّر الّذي أشرك في سلعته أو ولاّها كأنّه لم يملكها، وإنّما صار كواسطة بين الآخِر والأوّل الّذي باع من الأوسط. فإذا كان العقد على جهة البيع وتحويل جنس الثّمن أو تحويل مقداره بَعُدَ، ها هنا، أن يُقَدَّر كأنّه لم يكن. قال القاضي أبو محمّد ﵁ في فصل قبل هذا: وكلّ مبيع هلك قبل قبضه فهو من المشتري إذا كان متعيّنًا متميّزًا. وإن كان مِمّا يجب فيه حقّ توفية، فهو من البائع. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل سؤالان. أحدهما أن يقال:

стр. 1986

١ - ما حكم الضّمان قبل القبض في البيع الصحيح؟ ٢ - وما حكمه في البيع الفاسد؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد تكلّمنا على أحكام الضّمان بعد القبض في أحكام العُهَد من الثّلاثة والسنَة. ورأينا أن نتبعه بالكلام على حكم الضّمان قبل القبض. فاعلم أنّ المبيع إذا هلك قبل القبض، وهو متعيّن متميّز، ليس فيه توفية بكيل أو وزن، وذلك كالثّياب والحيوان، فإنّ العلماء مختلفون في ذلك. فمذهب أبي حنيفة والشّافعي أنّ الضّمان متعلّق بالقبض لا بمجرّد العقد. فإذا ضاع الثّوب أو العبد قبل قبضهما، كانت مصيبة ذلك من البائع. ويحكى ذلك عن ربيعة. والّذي يحكيه أصحابنا البغداديون عن مالك أنّه إنَّما يتعلّق الضّمان بالعقد ولا يقف تعلّقه على حصول القبض بعد العقد. هكذا يورد أصحابنا، وغيرُهم نقلَ هذه المذاهب إيرادًا مطلقًا. والّذي يتحقّق من مذهبنا أنّ البائع إن أمكن المشتري من قبض المبيع الّذي ذكرناه فتركه عند البائع اختيارًا منه، أنّ الضّمان يسقط عن البائع بالتمكّن، ويقدّر بقاء المبيع في يديه، بعد تمكين المشتري من قبضه، كقبض المشتري له ثمّ ردّه على البائع على جهة الوديعة عنده. ومن المتأخّرين من يحكي عن المذهب الاختلاف في الضّمان مطلقًا، ولو كان البائع لم يمنع المشتري من القبض. وبعض أشياخي يشير إلى الاختلاف في هذا أيضًا لأنّه يعلّل اختلاف قول مالك في المحتبسة بالثّمن، هل ضمانها من البائع أو من المشتري؟ إلى اختلاف في البيع ما هو؟ هل هو العقد فيضمن المشتري المبيع بمجرّد العقد؟ أو هو التّقابض فلا يضمن المشتري إلاّ بعد حصوله؟ وهذا الاعتلال منه يشير إلى وقف الضّمان على حصول القبض، وإن مكّن

стр. 1987

البائع المشتري من قبض المبيع، إلاّ أن يريد حصول القبض حسًا ووجودًا أو التمكين منه، ويرى التّمكين منه قبضًا، فيصحّ هذا النّقل عن المذهب. على أنّ الاعتلال في نفسه ليس بالواضح. ويبعد أن يعتقد أحد من أهل المذهب أنّ حقيقة البيع هو التّقابض عن تعاوض. وسبب هذا الاختلاف من جهة الظّواهر قوله ﷺ (الخراج بالضّمان) (١) فقال البغداديّون، من أصحابنا: اتّفق على أنّ الخراج للمشتري بمجرّد العقد، وإن لم يقبض المبيع. فاقتضى هذا الظّاهر كون الضّمان منه لمكان الخراج له، لكونه ﵇ علّق أحدهما بالآخر في هذا الحديث. وأجاب بعض أصحاب الشّافعي عن هذا بأنّه (٢) ﵇ إنّما يتضمّن كون من له الخراج عليه الضّمان. إلاّ أن يقلب هذا اللّفظ فيكون الحديث الضّمان بالخراج، فإنّه إذا قال: الضّمان يوجب الخراج، لم يقتض هذا الخطاب أن يعكس، فيقال وكذلك الخراج يتضمّن الضّمان ويدلّ عليه. وليس إذا قرن الشّيء بالشّيء وصحّ في الطّرد يجب أن يصحّ في العكس، وإنّما اشترط الطّرد والعكس في العلل العقليّة، ألا ترى أنّه لو قال قائل: كلّ مرسل نبيّ، لم يلزم من هذا لما علق الرّسالة بالنبوّة أن يكون كلّ نبيّ رسول. ويتعلّق المخالفون بخبر آخر وهو ما ورد في الحديث من نهيه عن بيع ما لم يقبض وعن ربح ما لم يضمن (٣). فكأنّه إنّما أشار إلى علّة النّهي عن بيع ما لم يقبض بأنّه إذا لم يقبض فلم يضمن. وأجيب أيضأ بأنّ هذا لا يسلَّم كونه دليلًا على أنّ علّة النّهي عن بيع ما لم يقبض كونه لم يضمن، ونحن نقصر النّهي على الأطعمة المكيلة والموزونة، فإنّا لا نجيز بيعها قبل قبضها، ونجيز بيع العروض قبل قبضها بالأدلّة الّتي قدّمنا في موضعها.

стр. 1988

وأمّا سبب الاختلاف من جهة الاعتبار، فإنّ المخالف يرى أنّ المبيع إذا لم يقبض، والعقد معرّض للفسخ، وإذا كان معرّضًا للفسخ، لم يستقرّ انبرامه ولزومه استقرارًا كاملًا؛ ولهذا التفت الشّرع في الصّرف إلى إبطاله بالافتراق قبل التّناجز لمّا كان مجرّد العقد لا يتمّ به الملك تمامًا كاملًا. والصرف خصّ بمنع الافتراق قبل تمام الملك. وأجيب عن هذا بأنّ هذا حكم مقصور على الصّرف وعلى ما فيه الرّبا مِمّا لا يحلّ التّأخير والافتراق قبل إنجازه لاختصاصه بدخول الرّبا فيه. ومنع الافتراق لأجل كون الملك في البياعات كلّها لم يتمّ بالعقد. ويستدلّ أصحاب مالك بأنّ مجرّد القبض من غير تقدّم عقد لا تأثير له في إثبات الضّمان في كلّ المتملكات على أيّ صفة وقع القبض. وإنّما يتعلّق به حكم الضّمان المتفق عليه إذا تقدّمه عقد وجب القبض عنه. فإذا اجتمع الوصفان العقد ثمّ القبض، حصل الضّمان باتّفاق. وإذا فقد الوصفان، لم يتصور الضّمان باتّفاق. فإذا وجد أحدهما، فإن كان هو القبض بمجرّده، لم يؤثّر في الضّمان، لما قدّمناه في كونه كالعدم إذا لم يتقدّمه عقد. وإذا وقع العقد بمجرّده، كان أولى بالتّأثير في نقل الضّمان لكونه لم يتّفق على عدم تأثيره، وأيضًا فإنّه يناسب الضّمان، ألا ترى أن البائع لا يحلّ له منع المشتري من المبيع إذا دفع إليه الثّمن، بل يجبر على دفع المبيع إليه، فلولا أنّ العقد بمجرّده نقل الملك ما جبر البائع على تسليم المبيع إليه. وإذا تقرّر أنّ اجتماع هذين الوصفين يوجب الاتّفاق على انتقال الضّمان، وجب إسناد الحكم، عند وجود أحدهما وعدم الآخر، إلى أشدّهما تأثيرًا ومناسبة للحكم، كما يقوله المحقّقون في سبب الاختلاف في إثبات الشّفعة في شقص موهوب. فإنّ من أنكر الشّفعة فيه يقول بأنّ الملك إذا انتقل باختيار عن عوض، وجبت الشّفعة كالبيع. وإذ انتقل بغير اختيار وبغير عوض، كالميراث، لم تجب الشفعة. والشّقص الموهوب قد أشبه الميراث في كونه بغير عوض، وأشبه البيع في كون الملك انتقل باختيار. فينظر أيّ هذين الوصفين أشدّ تأثيرًا

стр. 1989

في الحكم، فيغلب وجوده على عدم الوصف الآخر. وهكذا سبب الخلاف في العبد الموهوب، هل يتبعه ماله، كما نبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى. ويستدلّ أيضًا على تأثير العقد بمجرّده بإمضاء عتق المشتري للعبد وإن لم يقبضه. وأجاب أصحاب الشّافعي عن هذا بأنّ الشّريك ينفذ عتقه في نصيب شريكه، وإن لم يملك نصيبه ملكًا تامًا ولا ناقصًا، فكيف بهذا المشتري الّذي لم يقبض وقد ملك، وإنّما يترقّب زوال ملكه. وكذلك أيضًا يجيبون من استدلّ من أصحابنا على إمضاء تصرّف المشتري في المبيع، بأنّ تصرّفه فيه بإهلاكه وإتلافه قبضٌ له. فلهذا أنفذ تصرّفه، كما ينفذ تصرّفه بعد القبض. وقد كنّا قدّمنا عن بعض أشياخي أنّه يسند هذا الخلاف إلى النّظر في البيع، هل هو التّقابض أو التّعاقد؟ وكان أيضًا أولع به غيره من الأشياخ من إجراء الخلاف في هذا الأصل على الاختلاف في مراعاة مضيّ أمد التّسليم، ومقدار المناولة بعد زمن العقد. ويرى أنّ ذلك لو اعتبر لم يسقط بالتّراخي، كما أنّ التوفية بالكيل والوزن لا يسقط حكمها بتأخير الكيل أو الوزن. وهذا التّشبيه ضعيف لأنّ الكيل والوزن إنّما يتعلّق الضّمان بهما، لكون المبيع لا يتميّز عن ملك البائع إلاّ بالكيل، ولا يعلم مبلغ ما باع إلاّ بذلك. بخلاف العبد والثّوب المتميّزين بذاتهما وأجزائهما. وإنما قال من قال إنّ مجرّد العقد دون إقباض المشتري للمبيع أو تمكينه منه لا يوجب الضّمان. وإذا مضى مقدار زمن التّمكين، انتقل الضّمان وسقط ما اعتبرناه من تعلّق حقّ المشتري بإمكان المناولة وتناول ما باع. فإذا تراخى عمّا جعل له من الحقّ في التّناول. فقد أسقط (١) في ذلك بعد أن وفّاه له البائع. وإلى هذا المعنى أشار في مختصر ابن شعبان مالك، ﵁، من اعتبار حال المشتري. فإن كان مليًّا

стр. 1990

من أهل البلد، كان الضّمان منه. وإن كان بخلاف ذلك كغريب فقير، كان الضمان من البائع. فقدّر أنّ المشتري إذا كان مليًّا معروفًا، فإبقاء السلعة بيد البائع إنّما كان باختياره، فصار كمودعها عند بائعها. وإذا كان فقيرًا مِمّن يمنع منه حتّى يدفع الثّمن، صار المنع منها من قبل البائع، وكان ضمانها منه. ولهذا قال في هذه الرّواية: وإن كان البيع إلى أجل عشرة أيّام أو نحوها كان الضّمان من البائع, لأنّها كالرّهن. وهذه الإشارة إلى كونها كالرّهن هي طريقة ابن القاسم في المحبوسة بالثّمن. فإنّ مالكًا اختلف قوله في عبد بيع وحبس بالثمن، فقال مرّة: هو من البائع. وهو اختيار أشهب. وقال مرّة أخرى: هو من المشتري. وهو اختيار ابن القاسم، وأجراه مجرى الرّهن. ولكن ابن القاسم اختار من قولي مالك في سلعة حاضرة بيعت وحبست بالثّمن كونَها من المشتري. واختار من قولي مالك في سلعة غائبة بيعت كون ضمانها من البائع. وإن كان مالك قد اختلف قوله فيهما، هل ضمانهما من البائع أو من المشتري؛ وكان بعض أشياخي يعتذر عنه في اختلاف اختياره من قولي مالك في هاتين المسألتين الحاضرة والغائبة، بأنّ الغائبة يستحيل تسليمها والتّمكين منها بفور العقد، فتعلّق ضمانها بالبائع، والسلعة الحاضرة تسليمها بفور العقد ممكن غير ممتنع، فيحسن اعتبار مضيّ زمن التّسليم في هذا (كما يستحيل التّمكين فيه) (١). بخلاف بيع الغائب الّذي يستحيل التّمكين فيه بفور العقد. ومن الأشياخ من يسلك طريقة ثالثة سوى ما قدّمناه من اعتبار بعض أشياخي تعلّق الحكم بالعقد أو القبض واعتبار غيره لمقدار المناولة. فقال: إن أحد قولي مالك في هذا العبد المحتبس بالثّمن أنّ ضمانه من بائعه إنّما بني الجواب فيه على أنّ الرّهن يضمن ولو كان حيوانًا وممّا لا يغاب عليه. وكأنّه يشير بهذا إلى حصول الاتّفاق على كون الضّمان من المشتري. ويسند الخلاف

стр. 1991

إلى كون المشتري رهن العبد، وهو مِمّا لا يغاب عليه، هل يضمن هذا الرّهن الرّاهن أو المرتهن؟ وهذا ظاهره مخالف لما تقتضيه الرّوايات المشهورة في كون ما لا يغاب عليه. لا يضمن. ويبعُد تأويل روايات مشهورة على مذهب شاذّ. وقد كنّا قدّمنا قبل هذا أنّ طرق الاستدلال أنّه اتّفق على أنّ الخراج الحاصل عقيب العقد للمشتري، فاقتضى كون الضّمان يكون منه لقوله: (الخراج بالضّمان). ونبّهنا على ما قال أصحاب الشّافعي في هذا. وما ذكر من الاتّفاق عليه لا يسلمه بعض أشياخي ويرى أنّ الرّوايات بخلافه، وأنّ الّذي يحدث بالمحتبسة بالثّمن من عيب ونقص يجري على الخلاف في ضمانها. وكذلك ما يكون لها من غلّة يجري على الخلاف أيضًا في ضمانها. فإن قيل: إنّ الضّمان من المشتري، كان الخراج له والغلة، لأجل ضمانه. وإن قيل: إنّ الضّمان من البائع، كان الخراج له والغلّة، لأجل ضمانه، ولو كانت الغلّة كراء دار أو إجارة عبد. وسننبّه على هذا في بيع الغائب إن شاء الله تعالى. وقد كنّا حكينا أنّ بعض المتأخّرين ذكر الاختلاف عن مالك، وإن لم يمنع البائع من التّسلِيم. فإن أراد أنّ هذا الاختلاف يتصوّر ولو مكّن من التّسليم، فوجهه عندي ما قدّمته. وإن أراد أنّه لم يمنع من التّسليم ولا مكّن أيضًا، وافترق المتبايعان على غير تصريح بأحد هذين الوجهين، فإنّه يصحّ ما أراد على أنّها كالمحتبسة لما كان له حبسها. وقد ذكرنا ما وقع في مختصر ابن شعبان من الاستدلال على أحد الوجهين بحال المشتري هل هو معروف غني أو غريب فقير؟ وقد اختلف المذهب أيضًا في المكيال إذا امتلأ بالزّيت فأهراق بفور امتلائه، هل يكون من البائع أو المشتري؟ وهذا يجري على الاختلاف في اعتبار انتقال الضّمان بقدر المناولة بعد العقد أو اعتباره بحصول العقد خاصّة. فإن اعتبرنا العقد بمجرّده، كان ضمانُ ما اكتيل وبلغ نهاية الكيل، ثُمَّ هلك قبل إمكان المناولة، من المشتري. وإن اعتبرنا مضيّ زمن المناولة، كان ذلك من البائع. وفي هذا المكيال الّذي أهريق عقيب كماله قولان مبنيّان على ما ذكرناه.

стр. 1992

وقيل أيضًا: إن كان المشتري هو متولّي الكيل لنفسه، كان الضّمان منه. وكأن هذا قدّر أنّ اعتبار مضيّ زمن التّسليم والمناولة لمن لم يكن ذلك في يديه. وأمّا إن كان في يد المشتري فقد حصل ما يراد من إمكان المناولة، فلم يجب اعتبارها. وهكذا يختلف في هلاك ثمر بيع أو زرع بيع فهلكا بعد يبسهما وكمالهما، هل يكون الضّمان من البائع أو من المشتري، بناء على اعتبار مقدار مضيّ زمن المناولة وإمكان التّسليم إذا كان هلاكهما قبل إمكان التّسليم. وقد قيل أيضًا في الزّرع والثّمر: إنّ شرط جذاذه على البائع فهلك بعد اليبس، فإنّ ضمانه على البائع. وإن شرط ذلك على المشتري كان الضّمان من المشتري. وهذا قدّر أيضًا أنّ الجداد والحصاد ضرب من التّوفية، فمن كان ذلك عليه، كان الضّمان منه. ولكن القائل بهذا المذهب لم ينكر (١) من يكون ذلك عليه إذا أطلق العقد، فعلّق هذا بما قد يرتفع الخلاف فيه، وهو اشتراط ذلك على البائع أو المشتري. وعلى هذ ابن ي بعض الأشياخ اختلاف قول مالك في بيع الغائب، هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ لكون ما بيع وهو غائب لا يمكن مناولته بعد العقد. فلم يحصل مِمّا يمكن تعليق الضّمان به سوى العقد. فمن علق الضّمان بمجرّد العقد، كما قدّمناه، قضى بأنّ ضمان الغائب من المشتري وإن هلك عقيب العقد وقبل إمكان الوصول إليه. ومن اعتبر، في تعليق الضمان بالمشتري، مضى أمد المناولة والتّمكين لم يضمن ذلك المشتري إذا هلك الغائب عقيب العقد قبل أن يمضي من الزّمن ما يمكن وصول المشتري إلى الغائب فيقبضه. فإذا ذهب ما يمكن معه وصول المشتري إليه، ارتفع حكم الخلاف في اعتبار أمد التّسليم، لكونه حصل ها هنا ولم يبق إلاّ القبض، ونحن لا نوقف الضّمان على حصول القبض من مذهبنا، ومذهب الشّافعي وأبي حنيفة. ولكن بُني هذا الاختلاف في ضّمان المبيع الغائب على اعتبار مضيّ زمن التّمكين ومقدار التّسليم، يقتضي جريان هذا الخلاف في سائر المبيعات الغائبة

стр. 1993

ولو كان عقارًا. وهذا إنّما يستمرّ على مذهب من قال من أصحابنا: إنّ العقار يختلف فيه القول عندنا، هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ وأمّا من قصر نقل الخلاف عن مالك على السلع والحيوان دون العقار، فقد ينهدم هذا البناء عليه، إلاّ أن يرى أنّ التّسليم في العقار يتصوّر بالعقد وزوال يد البائع عن المبيع الغائب، وهذا قد يتصوّر في العقار لكونه مِمّا لا ينقل ولا يزال به ولا يمكن نقل ذاته وتحويل مكانه. بخلاف السلع والحيوان الّتي يمكن تبدّل الايدي عليها بانتقال أمكنتها ومحالها. وقد قدّمنا نحن في بيع الطّعام قبل قبضه ذهاب من ذهب إلى منع بيع ما لم يقبض في السلع دون العقار، لكون السلع مِمّا ينقل ويزال بها بخلاف العقار. وإذا كان هذا الاختلاف في ضمان الغائب مبنيًّا على ما قدّمناه من اعتبار مضىّ أمد التّسليم، فمن اعتبره جعل ضمانه على البائع، ولكنّه أجاز اشتراطه على المشتري. ومن لم يعتبره، جعل ضمانه على المشتري، ولكنّه أجاز اشتراطه على البائع أيضًا. وهذا جاز فيه تحويل محلّ الضّمان على ما يوجبه الشّرع عند من ذهب إلى تحويله بالاشتراط لأجل ما عرض من الإشك الذي اعتبار قدر المناولة، ولأجل إشكاله، اختلف قول مالك فيه. فكأنّ مشترطه ألزم نفسه أحد مذهبين قال بهما مالك، فصار التزامه كإلزام حاكم له حكم عليه بأحد المذهبين. وإنّما يجوز هذا الاشتراط حال العقد. وأمّا لو استقرّ العقد وبَرَد، لم يجز نقل الضّمان عن محلّه عند من ذهب إلى تعيين أحد المحلّين له البائع أو المشتري. لأنّ هذا معاوضة على ضمان، ولا يجوز بيع الضّمان ولا شراؤه لما فيه من التّخاطر والغرر. وما جرى بين عثمان بن عفّان وعبد الرّحمان بن عوف، ﵄ لمّا اشترى عبد الرّحمان من عثمان فرسًا باثني عشر ألف درهم. ثمّ قال لعثمان: هل لك أن أزيدك أربعة آلاف على أن أجعل الضمان منك. ففعلا، إنّما كان ذلك لأنّهما إنما كانا متراوضين في انعقاد البيع، وإنّما استقرّا على انعقاده على أنّ الضّمان على عثمان ﵄. وتلك الزّيادة إنّما زيدت ليستقرّ العقد لها ويرتفع ما كانا لديه من المماكسة والمراوضة. ولا يحسن أن يجري في هذا اختلاف أهل

стр. 1994

المذهب فيمن اشترى عبدًا ثمّ بعد العقد اشترط ماله، أو اشترى نخلًا ثمّ بعد العقد اشترى ثمرتها. لأنّ هذين ألحقا بأصليهما مال العبد ألحق العقد عليه بالعقد على العبد، فكأنّهما عقدان وقعا معًا. وكذلك الثّمرة مع أصولها. وهذا الضّمان إنّما يشترى بانفراده من غير إلحاق له بأصله، فلا يحسن الخلاف فيه، تخريجًا على الخلاف الّذي قدّمناه في مال العبد وثمر النّخل. فهذا الّذي قدّرناه وبنينا هذه الفروع عليه من اعتبارقدر المناولة والتّسليم مستند أيضًا إلى النّظر في نوع من هذا آخر. وهو النّظر فيما ذا يجب على البائع، هل إزالة يده عن المبيع فيحسن ها هنا تعليق الضّمان بالعقد إذا رفع يده عن المبيع. أو يجب عليه التّمكين والتّسليم، فيعتبر هل يجبر عليه هو أوّلًا، أو يجبر المشتري على دفع الثّمن قبل قبض المثمون؟ وهذا مِمّا وقع فيه اضطراب كثير. قال ابن القصّار الّذي يجيء على المذهب أحد أمرين: إمّا جبر المشتري على دفع الثّمن ثمّ يقضَى له بقبض المثمون. وإن أبيا أن يتطوع أحدهما بالبداية على تسليم ما عنده تركا على ما هما عليه. قال: والوجه الأوّل أقوى. وذكر القاضي إسماعيل أنّه يُدفَع الثّمن والمثمون إلى رجل، فيدفع الرّجل لكل واحد منهما ما يستحقّه. وهذا أيضًا قد يتشاحان فيه فيمن يبدأ بالدّفع إلى هذا المعدِّل بينهما. أو يقال يتناوَل ذلك منهما جميعًا تناولًا واحدًا. وقد قال بعض أشياخي: قوله في المدوّنة في كتاب الأكرية: يبدأ صاحب الدّابّة بالدّفع. فكلّ ما مضى يوم أخذ مقداره من المكتري: يشير إلى أنّ البائع يبدأ بدفع السلعة. وقال في النّكاح: للمرأة أن تمنع نفسها حتّى تقبض صداقها. وهذا يشير إلى البداية بدفع الثّمن قبل المثمن. وقد بسطنا في هذا الوجه في كتاب السلم، وذكرنا ما قال فيه أصحاب الشّافعي وغيرهم. وقد كنّا قدّمنا أن ما حدث من نقص في المحتبسة بالثّمن، فإنّه يجري على الخلاف في ضمان الكلّ. فإن قلنا: ضمان السلعة المحبوسة بالثمّن من البائع، ضمن ما طرأ من نقص، وكان ذلك عيبًا للمشتري أن يردّ السلعة به. وإن قلنا: ضمان السلعة من المشتري، لم يكن للمشتري مقال فيما حدث من النقص، وهكذا ينبغي أن يجري هذا الخلاف

стр. 1995

في الزّيادة الحادثة في المدّة المحبوس فيها المبيع بالثّمن. وقد قال بعض الأشياخ: لو عقد البيع في أمة بعينها بياض فحبست بالثّمن فذهب بياض العين في مدّة الاحتباس بالثّمن، فإنّ هذا يجري على الاختلاف في ضمان المحتبسة بالثّمن، كما جرى حكم النّقص على ذلك. وأشار إلى أنّه يكون للبائع نقض البيع لأجل هذا النّماء والزّيادة وهو ذهاب العيب، كما كان للمشتري نقض البيع لأجل ما حدث من عيب في أيّام الاحتباس بالثمن. وهذا قد يقال فيه هلا كان شريكًا بهذه الزّيادة؛ لأنّ السلعة المعقود فيها البيع ثبت الملك بها للمشتري، ولم يحدث ما يوجب حلّه. لكن حدث اختلاط ملك طرأ له بهذه السلعة المبيعة. وقد كنّا قدّمنا ذكر ما قيل في غلّة المحتبسة بالثّمن. ولعلّنا أن نبسط هذا في كتاب بيع الغائب إن شاء الله تعالى. ويلحق بما نحن فيه من الكلام في الضّمان قبل القبض في البيع الصحيح هلاك السلعة إذا ردّت بعيب قبل أن تصير إلى يد البائع الّذي ردّت عليه. وهذا فيه قولان: أحدهما: أنّ السلطان إذا قضى للمشتري أن يردّ بالعيب، فإنّ مصيبة هلاك السلعة بعد هذا القضاء من الحاكم يكون من البائع. والقول الثّاني إنّه من المشتري حتّى يقبضها البائع. فمن جعل الضّمان من المشتري يعتلّ بأنّ قضيّة السلطان بالرّدّ إنّما تضمّنت إثبات تخيير المشتري بين الرّدّ أو الإمساك، فهي منه حتّى يردّها. ومن رأى أنّ الضّمان من البائع يقدّر أنّ المشتري لمّا رفع الأمر إلى القاضي ليقضي له بالرّدّ، صار كالوكيل له على الرّدّ. فإذا قضى بالرّدّ صار ردّه كردّ المشتري بنفسه. هذا الّذي يشير إليه بعض الأشياخ. والتحقيق عندي فيه أن يلتفت في هذا إلى ما كنّا قدّمناه من الخلاف في الرّدّ بالعيب، هل هو نقض للبيع من أصله وحلّ للعقد؟ أو هو كابتداء بيع؟ فإن قلنا: إنّه حلّ للبيع من أصله ورفع للملك حتّى كأَن المشتري لم يملك السلعة، حسن أن يقال على هذا: إنّ الضّمان من البائع. وإن قلنا: إنّ الرّدّ بالعيب

стр. 1996

كابتداء بيع، عاد الأمر إلى ما كنّا قدّمناه من اعتبار تعلّق الضّمان بمجرّد العقد للبيع أو بمجرّد العقد مع اعتبار مضيّ إمكان التّسليم بعده. ولو لم يقض السلطان بالرّدّ ولكن قال: فسخت البيع لأجل العيب، فإنّ ابن القصّار ذكر أنّ البيع ينتقض. فهذا عندنا وعند الشّافعي. وهذا الّذي قاله، إنّما يحسن إذا كان لا إشك الذيه ولا تدَاعٍ (١). وأمّا إذا كان مِمّا فيه اختلاف بين العلماء وندل بين الخصمين، فينبغي ألاّ يقتصر في الفسخ على مجرّد قول المشتري. وقال ابن القاسم: إذا اطّلعت المرأة على أنّ زوجها عبد، فإنّ النّكاح ينفسخ بفسخها له. بخلاف لو اطّلعت على أنّ به برصًا، فإنّه لا ينفسخ بمجرّد قولها, لأجل أنّ الرّدّ بالبرص يفتقر إلى اجتهاد. والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد تكلّمنا في كتاب البيوع الفاسدة على أحكام الضّمان بعد القبض، وذكرنا خلاف فقهاء الأمصار وغيرهم في ذلك، وأشرنا إلى حكمه قبل القبض أيضًا، وتعلّق الضّمان فيه بمجرّد التّمكين من غير قبض على اختلاف أهل المذهب في ذلك، وذكرنا سبب اختلافهم في هذا. وكذلك تصرّف المشتري فيه وهو في يد البائع، فإنّه إن باعه المشتري قبل أن يقبضه بيعًا صحيحًا، فإنّ فيه اختلافًا. وقد عورض فيه من لم يمض بيع المشتري فيه قبل القبض بأنّه أمضى فيه هبته فيه قبل القبض، والبيع أحرى أن يقضي، لكونه لا يبطله الموت ولا الفلس بخلاف الهبة. وقد قيل في الهبة: إذا باعها الموهوب قبل أن يقبضها، فإنّ موت الواهب لا يبطلها لتعلّق حقّ المشتري بها. وذكر أشهب أنّ عتق البائع للعبد المبيع بيعًا فاسدًا لا ينفذ ولو ردّ عليه العبد بالفسخ، وعتقُ المشتري ينفذ في يد البائع، لأجل أنّ البائع ممكّن للمشتري من التصرّف فيما باعه. وإن كان سحنون لا يرى عتق المشتري نافذًا, لأنّ إذن البائع في التصرّف لا يصحّح العقد. وذكر أشهب أنّ المشتري إذا أعتق العبد وهو في يد البائع قبل أن

стр. 1997

يقبضه ولا مال له، لكن القيمة الواجبة على المشتري بالعتق (١) وإفاتة المبيع بأن صيّره حرّا، إن كانت أكثر من الثّمن الّذي اشترى به العبد، فإنّه إنّما يباع من العبد بمقدار الثّمن ويعتق منه ما زاد على ذلك ويتبع به المشتري متى أيسر. مثل أن يكون العبد اشتراه بعشرة دنانير، وقيمته عشرون، فإنّه إنّما يباع منه بالعشرة الّتي هي الثّمن لا أكثر من ذلك. وقدّر ما زاد على الثّمن كدين طرأ على المشتري بعد أن أعتق عبده، فلا يردّ به العتق. وناقضه ابن الموّاز في هذا بما قاله في مسألة أخرى من هذا المعنى، فإنّه ذكر فيمن عنده عبد يساوي مائة دينار فأعتق، وعليه خمسون دينارًا لرجل، ثمّ استدان من رجل آخر بعد العتق خمسين أخرى، فإنّه ذهب إلى أنّ العبد يُرَدّ عتقُ جميعه. لأنّه إذا ردّ نصفه وبيع في الدّين السابق للعتق، وجب لمن له الدّين الحادث بعد العتق أن يحاصّ الأوّل في الخمسين الّتي قبض فيأخذ منه نصفها، فيعود الأوّل طالبًا للغريم المعتق، بما أخذ من يديه مِمّا دفع من دينه إليه. فإذا بيع من العبد الأوّل بخمسة وعشرين ليكمل له دينه، عاد الثّاني فحاصّ الأوّل في هذه الخمسة وعشرين بنصفها، فينقص دين الأوّل فيطلب ردّ ما بقي من العبد معتقًا ليباع له في دينه، هذا كلّما أخذ حَاصَّهُ فيه الثّاني، فيعود هو لأجل المحاصّة طالبًاً للإكمال حتّى يستكمل ردّ جميع العبد. وابن القاسم يرى أن ليس من حقّ الأوّل إذا أخذ من يديه نصف الدّين، أن يرجع إلى المطالبة بما أخذ منه. فألزم ابن الموّاز أشهب أن يقول في هذه بما قاله ابن القاسم في القيمة الواجبة للبائع بسبب الإعتاق من أنّه ينبغي أنّه إذا بيع من العبد بالعشرة الّتي هي الثّمن قدّر نفسه كرجل آخر يطالب بالدّين الواجب من جهة التّقويم فينتقصُ ما أخذ من الثّمن فيعود يطالب بإكماله. وأشار بعض الأشياخ إلى أنّ هذا لا يُناقَض به أشهب، لأجل أنّ من بيده رهن بالدّين لا يحاصه أحد، والعشرة الدّنانير الَّتي هي الثَّمنُ العبدُ بها رهن في

стр. 1998

يد البائع، فإذا أخذها, لم يحاصّ بدين حدث بعد العتق. وهذه المسألة يلتفت فيها عندي إلى النّظر في أصل آخر، وهو كون العتق تضمّن حرّية العبد، وتضمّن إلزام المشتري القيمة. فهل يقدّر أنّ لزوم القيمة تؤخّر بعد العتق أم لا؟ هذا الأصل مِمّا اضطرب فيه المذهب ولعلّنا أن نبيّن ما في هذا الأصل من الاضطراب في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 1999

كتاب الوكالات

стр. 2000

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا. كتاب الوكالات قال القاضي أبو محمّد ﵁: كلّ حقّ جازت فيه النيّابة، جازت الوكالة فيه، كالبيع والشّراء والإجارة واقتضاء الدّيون وخصومة الخصم والتّزويج والطّلاق، وغير ذلك. قال الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة، منها أن يقال: ١ - ما الدّليل على جواز الوكالة على الجملة؟ ٢ - ومن تجوز له الوكالة؟ ٣ - وما الّذي تجوز فيه الوكالة؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: الدّليل على جواز الوكالة الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة والاعتبار. فأمّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). وهذا يقتضي التصرّف في مال اليتيم. فإذا جاز ذلك بإذن من لا يملك المال حال التّصرّف فيه، فجواز ذلك بإذن من يملك التصرّف فيه أولى وأحرى. وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٢). وقال
следующие страницы →