[يجوز إطلاق] (١) الوكالة في البيع. ومقتضى ذلك ثمن المثل نقدًا بنقد البلد. وإن كان هو المشتري جاز.
وكذلك في الشراء، مقتضى الإطلاق ثمن المثل. فإن كانت الوكالة في شراء جارية، للخدمة أو للوطء أو تزويج أو غير ذلك، لزم فيه (٢) ما أشبه في دون ما لم يشبه.
قال الإِمام، ﵀: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ما حكم تعدي الوكيل في المخالفة في صفة الثمن أو المثمون؟
٢ - وما حكمه إذا اشترى لنفسه ما وكل على بيعه؟
٣ - وما حكمه إذا تعدى في ترك الإشهاد؟
٤ - وما حكمه إذا اشترى من يعتق عليه؟ (٣)
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا وكل رجل رجلًا على بيع سلعة أو على شرائها، فلا يخلو من أن يكون قيد الوكالة على البيع أو على الشراء، أو أطلقها.
فإن قيدها بثمن محدود وشرط الانتقاد، مثل أن يقول: بيع سلعتي بعشرة دنانير من نعت كذا حالّة، أو اشتر لي بمثل ذلك. فإن الوكيل منهيّ على تعدّي ما رسم له الموكل.
وإن أطلق الوكالة فلا يخلو أن يكون أطلقها في الشراء للموكِّل أو في البيع له.
فإن أطلقها في الشراء مثل أن يقول: اشتر لي ثوبًا أو عبدًا. ويصف العبد
стр. 2032
والثوب. فإنه متعدٍّ إن خالف الصفة.
وإن أطلق ولم يصف العبد والثوب. فإنه:
إن اشترى له ما يليق بمثله لزم الموكل ذلك.
وإن اشترى ما لا يليق به، ففيه قولان: مذهب ابن القاسم أن ذلك لا يلزم الموكل، لكون العرف ها هنا يحل محل التقييد بوصف العبد أو الثوب. وقال أشهب: يلزم ذلك الموكل أخذًا بعموم لفظ الوكالة، ولإمكان أن يكون أراد العبد أو الثوب للتجارة لا للخدمة.
ومذهب ابن القاسم حمل الخطاب على ما يليق بالموكل في الاستخدام واللباس.
وكذلك حكم الثمن في الوكالة على الشراء فإنه لا يلزم الموكّل عقدُ الوكيل، إلاّ أن يشتري له بالثمن المعتاد في جنسه وفي مقداره. وهذا لا خلاف فيه.
وأما إن وكله على بيع سلعة بعينها وأطلق الوكالة، فإن العلماء مختلفون فيه على ثلاثة مذاهب:
فمذهب مالك والشافعي أن هذا الإطلاق يتقيّد بالعرف في مقداره وجنسه وكون الثمن على الحلول. فإن باع الوكيل بعرض أو غيره خلافَ نقد البلد كان متعديًا. وكذلك إن باع بثمن مؤجل فإنه يكون متعديًا، أيضًا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكون متعديًا في شيء من هذه الوجوه، بل للوكيل على البيع أن يبيع بما عزّ وهان، وبأي جنس من الأثمان شاء، نقدًا، أو مؤجلًا إلى أي زمن.
ووافقه صاحباه محمَّد بن الحسن وأبو يوسف في تمكينه من البيع بثمن مؤجل.
ووافقا مالكًا والشافعي في كونه متعديًا إن باع بغير نقد البلد، أو باع بثمن
стр. 2033
بخس لا يتغابن الناس بمثله.
فأما أبو حنيفة فإنه اعتمد على وجوب الأخذ بالعموم في لفظ الموكل، كما يجب الأخذ بالعموم في لفظ صاحب. الشرع لكونه مخاطبًا لأمته. واللغة تقتضي حمل اللفظ على العموم، عند من صار إلى ذلك من أهل الأصول.
وكذلك يجب حمل التخاطب منا على العموم. وإذا لم يقيد الموكل الوكالة بثمن بين الأثمان ولا حدّه بمقدار، ولا وصفه بالحلول، اقتضى ذلك إباحة عقد البيع على أي صفة شاء الوكيل. لأن من باع بثمن مؤجِّلًا سُمي عقده بيعًا.
وكذلك من باع بثمن بخس فإن عقده يسمى بيعًا. وكذلك إذا باع بعرض فإنه يسمى ذلك بيعًا. فكل ما يسمى بيعًا دخل في عموم الوكالة. ولما كان للموكل أن يبيع سلعته كيف شاء فكذلك للوكيل أن يبيعها، بمقتضى عموم اللفظ، كيف شاء مما يسمى بيعًا. ولهذا منعناه أن يهبها، وإن كان جائز للموكل أن يهبها، لأنه إنما وكل على ما يسمى بيعًا، والهبة لا تسمى بيعًا.
وقد اعتمد أصحابنا في الرد عليه إذا باع بثمن بخس فإنه واهب لبعض السلعة التي وكل عليها، والهبة ليست إليه، كما لو وهب الوكيل جميع السلعة.
فإن من باع ما قيمته مائة دينار بعشرين دينارًا، فإنه واهب لأربعة أخماس السلعة، وليس للوكيل أن يهب.
وينفصل أبو حنيفة عن هذا بأنه يسمى هذا بيعًا، وإن كان بثمن بخس، لأن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، وها هنا انتقل بعوض. فلا مبالاة بالعوض كان قليلًا أو كثيرًا, لأن التسمية معلقة بحصوله، لا بمقداره ولا بجنسه ولا بنسيئته. والمريض إذا باع بمحاباة فإن محاباته إنما كانت في الثلث، وإن كان له أن يبيع، لأجل تعلق حق الورثة بماله، وليس له أن يضرهم. وكذلك الأب والوصي ليس لهما أن يبيعا مال من في ولائهما ببخس, لأن الشرع إنما ملكهما البيع عليه بشرط إحسان النظر، فإذا أساءا فيه صارا معزولين عن هذا الفعل.
كما لو قيّد الموكِّل الثمن، فإن الوكيل ليس له مخالفة ذلك،
стр. 2034
وعمدة أصحابنا أنّا، وإن سلمنا حمل لفظ الوكالة على العموم، فإنّا قد اتفقنا على أن النصّ على التقييد لا يجوز للوكيل مخالفته. فإذا لم يُقيَّد، وكان العرف يقوم مقام النص على التقييد، وجب أن يُمنَع الوكيل من مخالفته، أيضًا ألا ترى أن المالك لسلعة إذا باعها بمائة دينار ولم يَصِفْ سكّتها، وفي البلاد سِكك مختلفة، أن البيع فاسد. وإذا نص على سكة بعينها صحّ البيع. وإن لم ينصّ، وكان العرف البيع بسكة معينة، فإن البيع صحيح، لكون العرف يقوم مقام النص على تعيين سكة من هذه السكك.
ويقول أصحابنا، أيضًا: لا نسلم كون بيع العرض بالعرض بيعًا على الإطلاق، بل هو بيع من وجه وشراء من وجه، وإنما البيع المطلق بالدنانير والدراهم التي هي أثمان مختصة، فذلك هي عندنا علة الربا فيها خاصة.
والعقود تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها. فإذا كان العرض بيع بدنانير أو دراهم على الحلول، سمي بيعًا. وإن كان العرض مؤجلًا في الذمة، سمي ذلك سَلمًا. وإن كان العرض معجلًا والدنانير أو الدراهم مؤجلة، سمي بيعًا بدين.
وبيع العرض بالعرض ليس أحدهما بأن يُسمّى ثمنًا والآخر مثمونًا بأحقّ بذلك من صاحبه.
وأبو حنيفة يجيب عن هذا بأنه قد حصل حقيقة البيع في من وكّل رجلًا على بيع عرض, لأن المراد أن ينقل ملكه من هذا العرْض بعوَض، وقد حصل هذا المراد، وحصلت التسمية. وإنما يعرض ما أشرتم إليه (من حكم، وأما) (١) فنفس العقد يقتضي تسمية هذا بيعًا.
ومما يعتمد عليه أصحابنا وأصحاب الشافعي قياس الوكالة في البيع على الوكالة على الشراء. وقد اتفقوا على أن الوكيل على الشراء ليس له أن يزيد على ثمن السلعة التي اشتراها زيادة خارجة عن العادة. وكذلك إذا وكل على بيعها فليس له أن ينقص من الثمن المعتاد فيها. وكذلك في جنس الثمن، وحلوله وتأخيره.
стр. 2035
وانفصل أصحاب أبي حنيفة عن هذا بثلاث انفصالات:
أحدها أن الوكيل إذا اشترى بثمن زائد على المعتاد يتهم أن يكون إنما عقد الشراء لنفسه، فلما استغلَاه نَسَبَ ذلك إلى الموكل وألحقه به. والوكالة مبنيّة على الإئتمان، وهو حقيقتها، وإذا تطرقت إليها التهمة بطلت حقيقتها، فوجب بطلان ما يعود بإبطال حقيقتها، كما يجب إبطال الفرع إذا عاد بمناقضة أصله وإبطاله. ولا تتصور هذه التهمة في الوكالة على البيع.
ونوقض أصحاب أبي حنيفة في هذا بأنه قد تتصوّر التهمة في البيع بوجه آخر، وهو كون الوكيل يبذل له رشوة على أن يبيع ما وُكِّل عليه بثمن بخس.
وهذا الذي صوره أصحاب أبي حنيفة من التهمة في الشراء يشبه عندي ما قاله مالك فيمن اشترى سلعة فأخذ مالًا قراضًا فأراد أن يصرف الثمن فيها: إني أخاف أن يكون استغلى ما اشترى فصرف مال القراض فيه، وقد كان قصده شراءها لنفسه.
والانفصال الثاني لأصحاب أبي حنيفة أن الموكِّل على البيع وَكَّل على ما يملك الموكِّل التصرف فيه على الإطلاق, لأن السلعة له وسلمها لوكيله ليبيعها له، فصحّ أن ما يملكه من ذلك مثل الذي ملك بعد حصول التسمية بيعًا. والذي وكل على أن يشتري له لا يملك السلعة التي اشترى له. وإذا لم يملكها على الإطلاق لم يكن لوكيله أن يلزم ذمة الموكل ما شاء على الإطلاق, لأن الأثمان في الذِّمَم، والموكِّل له يملِّك الوكيل ذمتَه فينفذ فعلُه فيها كيف شاء.
والانفصال الثالث أن الوكيل إذا اشترى بزيادة ظاهرة على القيمة لزمه العقد في نفسه، وأدّى الثمن لمن باع منه، وسقط ذلك عن الموكل، لكون الوكيل قد خالف ما أمره به الموكل. فلم يبطل حق البائع في هذا العقد الصحيح لكوْن الثمن يأخذه من الوكيل الذي عقد الشراء منه.
وإذا وكله على بيع سلعة فباعها ببخس، فإنا إذا أبطلنا ما يعقد الوكيل أبطلنا حق المشتري منه في عقد صحيح، إذ لا تتصور ها هنا مطالبة الوكيل
стр. 2036
بإمضاء العقد. فمراعاة حق الغير في هذا اقتضت التفرقة بين الوكالة على البيع والوكالة على الشراء.
وقد ناقضهم أبو حامد الإسفرائيني في هذا بأنه لو قال له الموكل: اشتر لي سلعة بمائة دينار. فاشتراها الوكيل بمائة وعشرة، فإن ذلك لا يلزم الموكل، كما لا يلزمه ذلك إذا أمره أن يبيع سلعته بمائة فباعها بتسعين، مع كون الوكيل يُتَصَوَّر فيه أن يطالب، في الشراء، بالثمن الذي عقد به، ولا يطالب في البيع.
ثم هذا (١) استوى الأمر في الوكالة على اببيع والشراء في أن ذلك غير لازم للموكل.
عندي (٢) أنه قد يقول القوم في هذا بأن النص على مقدار الثمن في البيع لا احتمال فيه ولا إشكال، ولا يصح دعوى العموم فيه. فلهذا لم يلزم الموكل البيع. وأما إذا أطلق ولم ينص على مقدار الثمن فإنه يجب حمله على العموم، وتخصيصه بالعرف كتخصيص العموم به. وفيه اضطراب بين أهل الأصول.
هذا، على أنّهم ينازعون في ثبوت هذا العرف.
وأما صاحبا أبي حنيفة فإنهما قدّرا أن النقد والنسيئة من صفات الثمن، والصفات يعمّها لفظ الوكالة. كما لو قال: اشتر لي أمة. ولم ينص الموكل على قبيلتها. فإن للوكيل أن يشتري أمة من أي قبيلة كانت. بخلاف كون الثمن بخسًا فإنه نقصان في مقداره، وذلك خارج عن الصفات، وذلك مخالفة الجنس.
فمأخذ الاختلاف في هذه المذاهب قد بينّاه. لكن إذا حصل هذا التقدير فما الحكم فيه؟
أما إذا وكله على بيع سلعة، وقلنا: إنه منهي عن بيعها بغير العين، فإنه إذا باعها بعرض آخر، فإن كانت السلعة قائمة التي وكل على بيعها، كان الموكل بالخيار بين أن يفسخ العقد لكونه عَقد على خلاف ما أمر به في ملكه، أو يجيزه
стр. 2037
ويأخذ العوض الذي بيعت به سلعته. وهل له أن يُضمّن الوكيلَ لأجل تعدّيه، مع كون سلعته التي وكل على بيعها حاضرة لم تتغير في سوق ولا بدن؟ قال غير ابن القاسم في كتاب الوكالات: ليس له ذلك. وهذا هو أصل المذهب. لكن ابن القاسم قال: هو ضامن. وأطلق الجواب من غير تقييد بقيام السلعة التي وكل على بيعها أو فوتها. وابن المواز قد نصّ على الضمان مع قيام السلعة وإن لم تتغير في سوق ولا بدن.
ودعا بعضَ المتأخرين هذا إلى الاعتذار عن ابن المواز، لما رأى ما قاله مخالفًا لأصل المذهب لكون المتعدي على مال الغير لا يلزمه غرمه مع حضور عينه، وكونِه لم يتغير في سوق أو بدن، إلى أن قال: لعل ابن المواز ذكر هذا لكون العقد يجب إمضاؤه لحق المشتري فيه وعدم البيّنة على أن هذه السلعة للموكل، فيكون الوكيل، إذا امتنع المشتري من ردها وكذَّب الوكيلَ في دعواه الوكالة، قد أتلفها على صاحبها، فحلّ ذلك محلّ إتلاف عينها.
وقد وقع في المذهب فيمن وكل على بيع سلعة وسمي له ثمنها وتعلق به الضمان أنه يلزمه ما سمي له، وإن كان أكثر من قيمتها. وقُدر أنه كملتزم لتسمية لما خالف الموكلَ فيما أمرهُ به ونص له عليه. فيمكن، أيضًا، أن يكون التضمين، ها هنا، إنما قدر فيه أن الوكيل ملتزم لعوضها وغرامتها، فلهذا أغرمه وضمّنه، وإن كانت قائمة.
وأما إن كان تعديه في عقدة البيع بثمن مؤخر، مثل أن يقول له: بيع هذه السلعة بعشرة نقدًا. فيبيعها بخمسة عشر إلى أجل. فإن السلعة إذا كانت قائمة فإن للموكل أن يفسخ البيع، لكون الوكيل تعدى في عقد البيع. وله أن يجيز البيع ويقدّر أنه كمبتدىء عقد في سلعة، لما كان له أن يفسخ عقد الوكيل فيها مع كون الوكيل لم يتوجه له غرامة عليه إذا لم يقل: إنه التزم التسمية. وأما إذا فاتت السلعة فإن الدين يباع. وقد كنا ذكرنا هذا في كتاب السلم الثاني مبسوطاً، وأشبعنا القول فيه وفيما يتعلق به من مخالفة الوكيل في جنسية، مثل أن يأمرهُ
стр. 2038
بالبيع. بدنانير فيبيع بعرض. أو مخالفة في النقدية بأن يأمره أن يبيع بعشرة دنانير نقدًا، فباع بدنانير إلى أجل. أو يأمره أن يبيع بعشرة إلى أجل فيبيع بعشرة نقدًا.
وذكرنا هناك اختلاف الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد وابن التبان في هذا.
وهكذا ذكر أبو حامد الإسفرائيني أن المسألة عندهم على وجهين، أحدهما. لزوم ذلك للموكل لأن الوكيل لم يزده بما فعل إلاّ خيرًا. والثاني: أن ذلك لا يلزم, لأن الموكل قد يكون له غرض في بقاء الدنانير في الذمة، وقد أوعبنا الكلام على هذا في كتاب السلم الثاني.
وأما إن كانت المخالفة في مقدار الثمن، بأن يأمره أن يشتري عبدًا بمائة، فاشتراه على الصفة التي رسمها له بأقل من مائة دينار، فإن ذلك لازم للموكل، لأنه مقتضى العرف في هذا الخطاب، ومعناه: اشْتَرهِ بمائة فأقلّ. فإن وضع للموكل، وأصلح له، فما يريد إلا ما هو الأفضَل له والأنفع.
وهكذا مذهب الشافعي. ولكن شرطوا أن يكون العبد يساوي مائة دينار، لكون الآمر نصّ على المائة، وقد يكون له غرض في ألاّ يملك إلا من كانت قيمته مائة دينار.
ولو أمره بشراء عبد بعينه التزم الآمرُ ذلك. ولم يشترطوا فيه أن يكون قيمة العبد مائة دينار لمّا عيّن ما يشتري له، بخلاف ما لا يعيّنه.
وأما إن اشتراه بأكثر من مائة دينار، فعندنا أنه تعتبر الزيادة على المائة هل هي يسيرة، كالدينار والدينارين في أربعين دينارًا، أو الدينارين والثلاثة في المائة دينار، فيلزم ذلك للآمر من جهة العرف والعادة، لكون السلع المبيعة على اختيار أربابها قد لا ينحصر اختيارهم إلى حدّ بعينه. فإذا عُلِم هذا صار معنى أمر الآمر اشتراءَها بمائة دينار وما قاربها مما عادة الناس يزيدونه فيما حُدَّ لهم.
ولكن هل يقبل قول الوكيل: إنه قد زاد هذا المقدار أم لا؟ هذا يجري على القولين فيمن أمران يخرج من ذمته إلى أمانته. وقد كنا تكلمنا على هذا الخلاف فيما سلف من كتب البيوع، وقد نعيده فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
стр. 2039
وإذا أسلم السلعة للموكل ثم زعم أنه زاد فيها زيادة تلزم الآمر. فإن هذا عند ابن القاسم يقبل منه إن ادعى ذلك بالقرب من زمن تسليم السلعة للموكل.
وإن ادعاه بعد طول لم يقبل منه. وهذا لكون العادة تُبعد دعواه إذا ادعى ذلك بعد تسليم السلعة بزمن طويل. إلا أن يكون له عذر في تأخير ذكر ذلك إلى الآن.
وأما إن زاد في الثمن زيادة كثيرة فإن ذلك لا يلزم الآمر، ولكنه له أن يلتزمه لكون الوكيل مقِرًّا أنه إنما اشترى للموكل، فله أن يقبل ذلك، ويَجبِر لتعدّيه عليه.
وأما إن أمره أن يبيع سلعة بثمن محدود، فإنه لا يلزم الموكل بيعُها بدون ذلك وإن قلّ النقص. بخلاف الزيادة القليلة إذا أمر الوكيل بالشراء، وذلك لما أشرنا إليه من كون الشراء لا يتأتى غالبًا بما يحدّه الآمر حتى لا يزاد عليه شيء، وغرضه تحصيل المشترَى، ولا يحصل إلا بتمكين الوكيل من زيادة يسيرة. وأما البيع فإنه لا يلزم الموكلَ لكونه يتأتّى بما حدّ له، أو يردّ على الموكل ما وكله على بيعه.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أنه لا فرق بين الوكالة على البيع أو على الشراء في أن الموكل على البيع ينبغي أن يسامح بأن يبيع بنقص خف يسير عما حدّ له، وتردّد في هذا.
والتحقيق يقتضي أَلاّ فرق بين الوكالة على البيع أو على الشراء في كون الوكيل لا يبيع أو يشتري إلا بما حدّ له، من غير زيادة في الشراء، وإن قلّت، أو نقص في البيع، وإن قلّ.
هكذا مذهب الشافعية فيمن أُمِر أن يشتري بثمن حُدّ له فإنه لا يمكن من الزيادة عليه، وإن قلت الزيادة.
وهذا الذي قالوه من المساواة بين الأمرين هو مقتضى التحقيق. فإن التفت إلى فرق بينهما فلا طريق له بتحقيق إلا التمسك بالعرف والعادة، بأن
стр. 2040
يكون العرف في البيع منع الوكيل من النقص مما حُدّ له، وإباحة ذلك للمشتري إذا قلّت الزيادة. هذا حكم ما حُدّ من الأثمان للوكيل.
وأما ما حدّ في المثمونات، مثل أن يوكل رجل رجلًا على أن يشتري له جارية على صفة سماها له، فاشترى له جاريتين على تلك الصفة بالثمن الذي حدّ له في الجارية الواحدة، فإن ذلك لا يخلو من وجهين. أحدهما: أن يشتري واحدة بعد واحدة، والثاني أن يشتريهما صفقة واحدة.
فإن اشتراهما واحدة بعد واحدة، فالأولى للموكل، والثانية للوكيل إذا لم يختر الموكل أخذها وقد اشتراها له. ويرتجع من الوكيل الثمن الذي دفعه فيها، إذا كان قد دفع إليه جميع الثمن الذي حدّ له أن يشتري به.
وإن اشتراهما في صفقة واحدة، ولم يقدر أن يشتري واحدة مفردة، فإن ذلك لازم للموكل لأنه زاده خيرًا بأن دفع المائة دينار، التي أمره أن يشتري بها جارية، في جاريتين على صفة ما أمره به الموكل. وتكون له الزيادة ها هنا في المثمون كالنقص من الثمن المحدود, لأن الغرض ها هنا، بالتحديد ألاّ يتعداه الوكيل بما هو أضرّ بالموكل. وأما تعدّيه بما هو نفع له فلا ينسب فيه إلى الوكيل تعدّيًا لكون الغرض يقتضيه، فخرج عن حكم اللفظ بمقتضى الغرض والقصد.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أن الأمر إذا كان كذلك فإنه لا يختلف المذهب في لزوم ذلك للموكل، وإنما الخلاف الذي وقع في المذهب محمول على من قدَر أن يشتري واحدة فعدل عن ذلك إلى أن اشترى اثنتين. والخلاف في هذا ينحصر إلى القولين. أحدهما ما ذهب إليه أصبغ من أن الجاريتين يلزمان الموكل. ولم يقيّد هذا الجواب يكون الوكيل قادرًا على الإفراد أو غير قادر.
وإنما قيّده ابن المواز، وذكرنا أن تقييده أشار بعفض الأشياخ إلى أنه لا يخالف فيه.
والقول الثاني إثبات التخيير للموكل. ولكن في ماذا يكون له التخيير؟ فيه قولان:
стр. 2041
قال ابن القاسم: يلزم الموكل واحدة، ويخيّر في الثانية بين أن يقبلها أو يردّها ويأخذ ما ينوبها من الثمن.
وقال ابن الماجشون في المبسوط: إنما يخير بين قبول الاثنين بجميع الثمن أو يردّهما (١) وأخذ جميع الثمن.
فكأن من ألزم الموكل ذلك على الإطلاق رأى أن الوكيل زاد الموكل خيرًا، فنظر له فيما هو أنفع له، فوجب أن يلزمه. وبهذا علل أصبغ.
ومن أثبت التخيير رأى أن الموكل قد يكون له غرض في الإفراد، إما لعجزه عن القيام بجاريتين أو لغير ذلك من الأغراض. فإذا تصوّر له غرض صحيح في هذا التحديد لم يلزمه مخالفة وكيله له في هذا الغرض.
ولكن اختلف أصحاب هذه الطريقة. فرأى ابن القاسم أن هذا في معنى الصفقتين.
وقد قدمنا أن الوكيل إذا اشتراهما في صفقتين فإن الأولى هي اللازمة للموكل. وكذلك يجب أن يكون إذا اشتراهما في عقد واحد.
ومن أثبت له التخيير في قبول الجاريتين أو ردّهما التفت إلى جانب الوكيل، ورأى أن تبعيض التي عقد يلحقه منه ضرر، فلم يمكِّن الموكّلَ من إضراره وقد قصد خيرًا.
وهكذا للشافعي في هذه المسألة قولان:
أحدهما: أن الجاريتين يلزمان الموكل، كما قاله أصبغ.
والثاني: أنه لا يلزم الموكل إلا واحدة، وهو في الأخرى بالخيار، كما قاله ابن القاسم. لكنه يشترط أن تكون الواحدة اللازمة للموكل تساوي الثمن الذي حدّ له فيها، مثل أن يأمره أن يشتري جارية على صفة بمائة، فيشتريها بخمسين، وهي على الصفة المرسومة للوكيل. فإنه لا يلزم الموكل ذلك، إلاّ أن
стр. 2042
تكون تساوي المائة دينار التي رسم له. لإمكان أن يكون للموكل غرض في أن لا يتسرَّى أو يستخدم إلاّ من كان ثمنه ما رسمه للوكيل.
ويحتج لمذهب أصبغ بحديث حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ "أمره أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى له شاتين بالدينار، وباع واحدة منهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة. فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه" (١). فلولا أن الشاة المبيعة لازمة له، ﷺ ، وصارت على ملكه لم يأخذ ثمنها, ,ولا أقرّه على ذلك. وقد قيل في هذا الحديث: إن الشاة المبيعة لو لم تكن على ملك حكيم بن حزام لما باعها ولا أقرّه، ﵇، على جواز بيعها. وإنما باعها على ملكه، ولكن للنبي ﵇ الخيار في قبولها لما كان اشتراها له.
ولو أمر رجل رجلًا أن يشتري جارية أو ثوبًا على صفة بثمن محدود، فاشترى له نصفها, لم يلزم ذلك الموكلَ، لما في المشاركة من الضرر.
ولو أمره أن يشتري له عشرة أثواب، فاشتراها له صفقة واحدة، أو ثوبًا بعد ثوب، للزم ذلك الموكل بحكم مقتضى إطلاق الوكالة وعمومها. إلَاّ أن يكون للموكل غرض في الأفراد والجمع، أو يكون في ذلك عرف فيُقصر الوكيل عليه، ويكون متعدّيًا في مخالفته، على علم بالغرض والعرف.
ولو شرط الموكل أن يشتري له ذلك صفقة واحدة، فاشترى ذلك من رجلين شريكين في العشرة الأثواب صفقة واحدة فإن أبا حامد الإسفرايني خرّج على هذا قولين: هل العقد الواحد من رجلين كصفقتين أو كالصفقة الواحدة؟ فإذا قلنا: هو كصفقتين، وجب أن يكون الوكيل متعدّيًا.
ولو كان اشترى هذه الثياب من رجلين، فكان لكل واحد منهما ثياب معلومة متميزة، فإن هذا على القولين في جواز شراء سلعتين من رجلين، فإن قلنا بجوازه التُفِت في ذلك إلى ما قدمناه من كون العقد من رجلين صفقة واحدة أو صفقتين.
وقد تقدم كلامنا نحن على جمع السلعتين لرجلين، وعلى كون هذا العقد
стр. 2043
الذي ذكرناه يقدر صفقة أو صفقتين، في ما سلف من هذا الكتاب.
ولو أمر رجل رجلًا أن يبيع له عبده بمائة دينار في سوق سمّاه له، فباعه بمائة دينار في سوق آخر، فإن أبا حامد ذكر أن الوكيل لا يكون متعديًا, لأن الغرض تحصيل الثمن المحدود لا عين السوق المذكور. بخلاف أن يأمره أن يبيعه من رجل سماه بمائة دينار، فباعه من رجل آخر بمائة دينار, لأن الموكل قد يكون غرضه بذكر فلان للإحسان إليه بتمليك هذا العبد، أو الإحسان إلى العبد بكونه يملكه هذا دون سواه.
وهذا الذي قاله في تبديل الأشخاص واضح. وأما تبديل الأسواق ففيه إشكال، هل يتصور للموكل غرض صحيح في تعيين السوق؟ إمالك ون الزيادة ترجى فيه دون غيره، أو لكون البيع فيه أقلَّ شغبًا على البائع وأنفعَ له. فإذا تصوّر الغرض لم يكن فرق بين تبديل الأشخاص أو الأسواق. والعقلاء يحمل كلامهم على الأغراض الشرعية. وأصل الشرع ألاّ يتصرف في ملكه أحد إِلاّ بحسب ما أذن فيه. لكن لو علم أن ذلك السوق لغو مُطَّرح في خطاب الموكّل لكان ما ذكره صحيحًا.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف الناس في شراء من أذن له في التصرف في مال غيره شرعًا، كالأب والوصي.
فمنهم من ذهب إلى جواز ذلك لهؤلاء. يُحكى هذا عن الأوزاعي.
والقاضي أبي (١) محمَّد عبد الوهاب هذا مقتضى مذهبه, لأنه قد أجاز ذلك للوكيل، فأحرى أن يجيزه الأبَ والوصي. وذكر بعض أصحاب مسائل الخلاف هذا عن مالك.
ومنهم من ذهب إلى منع جميع هؤلاء من ذلك.
وأجازه الشافعي للأب خاصة دون الوصي والوكيل. والجدّ أبو الأب
стр. 2044
كالأب عنده في هذا, لأنه من الآباء.
وأجازه أبو حنيفة للأب والوصي دون الوكيل. وجماعة ممن ينقل مسائل الخلاف يحكي هذا عن مالك.
والنكتة المعتبرة في هذا تطرّق التهمة، والنظر في لفظ الإذن في التصرف هل يقتضي دخول المأذون له في التصرف في الإذن؟
فمن خصّ الآباء بالجواز رأى أن التهمة لا تقع فيهم لكونهم طبعًا يؤثرون أولادهم على أنفسهم في المنافع، ويَقُونهم المضار، ويتقونها عنهم بأنفسهم.
بخلاف الوصي والوكيل اللذين هما أجانب ممن له المال، فيتهمان في إيثار أنفسهما.
ومن ألحق الوصي بالأب رأى أن الشرع يجبر رب المال على تسليم التصرف للأب والوصي، وليس لرب المال أن ينزعهما. فلم يكن له اعتراض في شرائهما لأنفسها.
وأما من منع الجميع فقدر أن الوصي والوكيل إنما تصرفا بإذن مَن دفع المال إليهما، وهما خارجان من عموم هذا الإذن. والأب، وإن أذن له الشرع، فإن التّهمة قد تتطرق إليه، فمنع لأجل ذلك.
وأما من أجاز لِلْجميع فقدر أن الإذن المقصود به تحصيل الثمن المعتاد، فإذا حصل المراد فلا وجه للمنع. ويقدح الآخرون في هذا أن شراءهما وإن كان بالثمن المعتاد، فقد يتفق من يزيد عليهما لغرض له، فيتصامُّون عنه ولا يستقصون في الاشتهار (١) للسلعة إيثارًا لأنفسهم.
فإذا تقرر هذا، فإن هذا الفعل إذا وقع من الوكيل فإن العقد يفسخ. وإن فاتت العين بتلفها لزمت القيمة بدلًا من العين. وإذا كانت لم تتغيّر إلا في بدنها
стр. 2045
أو سوقها ففي المذهب قولان، هل ذلك فوت يوجب القيمة، كما يكون ذلك فوتًا في البيع الفاسد، أوْ لَا يكون فوتًا كالاستحقاق للسلع، لكون الوكيل معزولًا عن الشراء لنفسه فيملك السلعة بغير إذن. وقد وقع في كتاب القراض من المدونة في المبضع معه (١).
وذكر ابن حبيب أن الوكيل إذا اشترى لنفسه ثم باع من غيره بربح، أن الربح لرب المال، كما يكون له ثمن السلعة إذا استحقها (٢).
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
ذكر في المدونة، فيمن وكّل على بيع سلعة فباعها ولم يشهد على المشتري فجحده المشتري. أنه ضامن, لأنه أتلف الثمن إذا لم يشهد. وقد قال مالك فيمن أبضع معه بضاعة ليوصلها إلى رجل، فذكر أنه أوصلها وأنكر المبعوث إليه أن يكون وصلت إليه؛ إن الوكيل ضامن إن لم يشهد، وينبغي أن يلتفت في هذا إلى ما قلناه مرارًا: من كون الأملاك لا يتصرف فيها إلا على حسب ما يأذن فيه مُلّاكها، فإن نص الموكل على أنه يأذن له في البيع بشرط أن يشهد فتعدّى وترك الإشهاد فإنه يضمن. وإن نص على أنه لا إشهاد عليه في العقد فإنه لا يضمن. وإن لم ينص على أحد الأمرين فمقتضى الإطلاق في تعميم اللفظ أنه لا يكون متعديًا في ترك الإشهاد. وهو مذهب عبد الملك في المسألة التي استشهد بها في المدونة من قول مالك في الرسول ببضاعة، فإنه يرى الإشهاد على الرسول في تسليم البضاعة، لكون لفظ الوكالة لا تقتضيه.
ومذهب ابن القاسم أن الرسول يكون متعديًا في ترك الإشهاد لقوله تعالى في خطاب الاوصياء ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا﴾ (٣).
وينبغي أيضًا إذا علمت حكم النص على الأمر بالإشهاد أو ترْكِهِ فإنه
стр. 2046
يلتفت في هذا إلى العرف والعادة التي يعلم منها قصد الموكل وما التزمه الوكيل في إطلاق هذا اللفظ. وقد قال بعض الأشياخ: إن العادة في عقود البيوعات ترك الإشهاد، فلا يضمن الوكيل ها هنا بتركا الإشهاد على عقد البيع، ولا مطالبة عليه إذا كانت السلعة الموكل عليها باقية في يديه، لكنه إن سلمها من غير إشهاد كان كالمتلف فيجب أن يضمن.
واختلفوا في ضمانه فقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: يضمن قيمة السلعة.
وظاهر ما حكي عن ابن شبلون: أنه يضمن الثمن. وهو مقتضى ما وقع في المدونة. لأنه إنما ذكر في التعليل: إن ترك الإشهاد أتلف الثمن. فلولا أن مذهبه وجوب ضمان الثمن لما تعرض إليه في التعليل.
وقال غيرهما يضمن الأقل من الثمن أو القيمة. فإن كانت القيمة أقل ضمنها, لكون التلف في التعدي إنما وقع في تسليم السلعة من غير إشهاد، لا في العقد بغير إشهاد. فإن كان الثمن أقل لم يضمن أكثر منه لكونه قد لزم الموكل أخذه، وإن قصر عن القيمة تقصيرًا يتغابن الناس في مثله، فيقول الوكيل: لو أقر به المشتري لم يكن لك سواه، فأنا أقوم به عنه وإن جحده.
وقد ينبني القول على أن الوكيل ضامن الثمن على الإطلاق، على أحد القولين عندنا، فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، فإنه يضمن الثمن الذي وقفت عليه، لكونه بغصبها أتلفه على صاحبها ومنعه منه. والغاصب يضمن ما منع على أحد القولين.
وعلى هذا الأسلوب يجري في إقرار المشتري بالشراء ومخالفته للوكيل في مقدار الثمن، مثل أن يقول الوكيل: بعتها منك بخمسين. ويقول المشتري: إنما اشتريتها منك بأربعين. فإنهما يتحالفان ويتفاسخان. وإذا وقع الفسخ بتحالفهما جرى الخلاف الذي قدمناه في تمكين الموكل من تضمين الوكيل للخمسين دينارًا التي أقر أنه باع بها وقد أتلفها بترك الإشهاد. وإذا أمرناهما
стр. 2047
بالتحالف فحلف المشتري ونكل الوكيل، فإن مالكًا ذكر في الموازية أن البيع يفسخ ورأى أنه لا يجب إخراج السلعة من ملك بائعها بخلاف ما ذكر وكيله أنه باعها به وليس نكوله عن اليمين على تصحيح قوله بالذي يوجب سقوط ملك صاحبها عنها، كما لو أقر عليه في ملكه بما لم يوكله عليه. بخلاف نكول مالك السلعة إذا تولى بيعها. وذكر ابن القاسم أن المشتري يصدق في دعواه أنه اشترى بأربعين إذا حلف على ذلك وقد نكل الوكيل. وقال ابن المواز: يصدق ولكن يغرم الوكيل العشرة لأنه قدر على أن يصونها على ربها بالإشهاد فتركه، ثم قدر أيضًا على صيانتها بيمينه التي توجب فسخ البيع فلم يفعل.
وظاهر كلام ابن القاسم أن الوكيل لا يغرم العشرة الباقية من الثمن. وقد يحمل قوله على أن العادة عندهم ترك الإشهاد في العقد، وفي تسليم السلعة، فحلف الوكيل أنه باعها وسلمها، وحلف المشتري أنه لم يشتر ولا قبض. وكانت مصيبتها من الموكّل.
فإذا كان من حق صاحب السلعة استحلافهما جميعًا فبدىء باستحلاف الوكيل فنكل عن اليمين فإنه يغرم ما أتلف على البائع بترك الإشهاد وبترك اليمين، ثم لا مَرْجِع له على المشتري ولا يمكن من استحلافه, لأن المشتري إذا تجردت المنازعة بينه وبين الوكيل كان القول قول المشتري أنه لم يعقد منه بيعًا ولا سلم له شيئًا. ومن حقه أن يرد عليه اليمين. وهذه اليمين التي من حق المشتري لم يردها على الوكيل قد طلبه بها صاحب السلعة فنكل له عنها, فيصير كالناكل عنكا المشتري أيضًا إذا ردها عليه.
وإن بدأ صاحب السلعة باستحلاف المشتري فنكل عن اليمين فلزمته الغرامة فإن له أن يستحلف الوكيل لكون دعواه أوجبت عليه غرامة، والمشتري لم يتقدم له نكول، فيقول الوكيل: قد تقدم نكولك عن يمين كان لي ردها عليك فلا تمكن من استحلافي.
وكذلك لو وكل رجلًا على بيع عبده فحصل العبد في يد إنسان ذكر
стр. 2048
أنه اشتراه من الوكيل بثمن سماه ودفعه إليه فإن القول قول الوكيل أنه لم يبعه منه. فإذا حلف ارتجع العبد، وإن نكل عن اليمين وحلف المشتري أنه اشتراه منه ودفع إليه ثمنه فإن الوكيل يطلب بما حلف عليه المشتري لكونه أثبت عليه في يمينه أنه قد سلم إليه مَا لا يستحقه الموكل.
ولو كانت الوكالة على شراء عبد فاشتراه من غير إشهاد ثم جحد البائع أن يكون باع وفي قيمة العبد فضل عما اشتراه به الوكيل، فإن ترك الإشهاد ها هنا يصيّره كمالٍ أتلفه الوكيل على موكله بترك الإشهاد فيعود الأمر في هذا إلى ما قدمناه من ذكر الاختلاف وتأويله.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
أما إن كان إتلاف الوكيل على الموكل من جهة أنه اشترى له ما لا يبقى على ملكه، كرجل وكل رجلًا على شراء عبد فاشترى للموكل أباه أو أخاه أو أحدًا ممن يعتق عليه، فإنه لا يخلو من أن يكون الوكيل فعل هذا وهو غير عالم بأن هذا العبد أب لهذا الموكل أو أخ بل اعتقد أنه ممن يصح تملكه عليه، أو يكون اشتراه، وهو عالم بكونه يعتق على الموكل.
فإن كان غير عالم بذلك فإن الشراء لازم للموكل لكون الوكيل لم يتعمد الاتلاف على من وكله، ولا قصد إليه، فلا يلزمه غرامة من جهة غلطه في هذا.
وقد كنا نحن قدمنا أن غلط الوكيل في التصرف فيه اختلاف كون الوكيل ها هنا غير ضامن. فقد يقال: إن العقد الذي وكل عليه قد وقع على ما يتملكه البائع وينعقد ملكه عليه. ولكن بعد انقضاء الوكالة وانعزال الوكيل خاطبه الشرع بأن يعتق أباه، فصار ذلك خارجًا عن إتلاف في نفس التصرف، (والعقد ها هنا ينظر فيه) (١).
وإن كان الوكيل اشترى ذلك عالمًا بأن هذا الشراء لا يلزم الموكل لكونه متعديًا فيما فعل، وهو ها هنا وإن كان العتق بعد إنبرام العقد على ما أشرنا إليه
стр. 2049
فإنه إذا كان عالمًا بمآل هذا العقد صار قاصدًا للإتلاف، ولكن هذا مما يقدح فيما أشرنا إليه في العذر في اعتراضهم عن تخريج الخلاف في خطأ الوكيل في هذا. فإذا كان هذا الشراء لا يلزم الموكل فإنه يلزم الوكيل بمقتضى حكم إطلاق المعاملة بينه وبين البائع منه. فإذا لزمه ذلك فهل يمكن من استرقاق هذا العبد أم لا؟ فيه قولان: ذكر يحيى بن عمر عن عبيد بن معاوية أن هذا العبد يكون رقيقًا للوكيل الذي غرم ثمنه لكونه لا يجب عتقه عليه بأصل الشرع إذ لا قرابة بينه وبينه، ولم يجب العتق على ولد هذا العبد لكون العقد لم يلزمه ولم يقع عليه، وأشار يحيى بن عمر إلى أن هذا مقتضى قول ابن القاسم. وذكر يحيى بن عمر أن البرقي قال له: إن هذا العبد يعتق على الوكيل، وكأنه قدر أن الوكيل التزم عتقه لما اشتراه لموكله وهو عالم بأنه يعتق عليه وأنه لا يصح ملكه، فصار بهذا قاصدًا لعتقه عن موكله من مال نفسه، وعتق الإنسان عن غيره لازم.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن مقتضى مذهب ابن القاسم كون هذا العبد يعتق كما يعتق عن المقارض أبو رب المال إذا اشتراه عالمًا بكونه يعتق على رب المال لما له من الشبهة باستحقاقه التصرف في هذا العبد بالبيع له والشراء، كما يعتق عبد الصغير إذا أعتقه أبوه عن نفسه ويغرم قيمته لولده لما له من شبهة التصرف في مال ولده، فأشبه عتق عبد نفسه عن نفسه أو عتق عبد ولده الصغير عن رجل آخر، فإنه ينفذ العتق ويطالب الأب بالقيمة ويقدّر، لما يملكه من شبهة التصرف في مال ولده، كأنه أعتق ملك نفسه عن نفسه أو عن غيره.
والذي أشرنا إليه، من استحقاق تصرف هؤلاء وكون ذلك شبهة، تختلف مراتبهم فيه، لكون الأب يملك التصرف في مال ولده ملكًا مطلقًا بحكم الشرع، والمقارض يملك التصرف في هذا العبد بالبيع له والشراء، والوكيل إنما يملك مقدار ما وكل عليه. في أمر هذا العبد.
ولو ادعى الموكل على الوكيل أنه اشتراه عالمًا بكونه ممن يعتق عليه لكان القول قول الوكيل لكون الموكل يدعي ما يوجب غرامة الوكيل، والأصل براءة
стр. 2050
ذمته، فإذا حلف الوكيل على ذلك لزم الموكل الشراء وعتق العبد عليه. وإن نكل الوكيل عن اليمين وحلف الموكل انتفى عنه هذا العقد، وعتق العبد على الوكيل، وقولًا واحدًا، لكونه ها هنا مقرًا أنه اشتراه غير عالم بكونه ممن يعتق وأن عتقه يجب على الموكل. وإن كان الموكل قد ظلم في جحوده ذلك.
ومما ينظر فيه مما يجري على هذا الأسلوب وكالة رجل رجلًا على أن يشتري له سلعة بمال دفعه إليه، فتسلفه الوكيل ثم أخرجه من ذمته فاشترى له السلعة التي أمره الموكل بها. فإن أصحاب الشافعي ها هنا ذهبوا إلى أن هذا الشراء لا يلزم الموكل لكون الوكالة انفسخت بتسلف الوكيل هذا المال الذي صار في ذمته، فإخراجه من ذمته والشراء به لا يلزم الموكل، لكون الوكالة قد انفسخت قبل هذا الشراء، كما لو وكله على بيع عبد فمات العبد قبل أن يبيعه فإن الوكالة تفسخ بذهاب عين ما وكل عليه.
وهذا الذي قالوه ينبغي أن يلتفت فيه إلى ما وقع في المذهب من سلف الوديعة هل يجوز أم لا؟ فعندنا فيه اختلاف، وإذا تسلفها ثم ردها إلى أمانته فضاعت، هل يبرأ بذلك أم لا؟ فيه اختلاف في المذهب، فإذا قلنا: إنه يباح له السلف في الوديعة في هذا المال الذي وكل عليه إذا لم يتلف بتسلفه غرض الموكل، وإن قوله في رد ما تسلف يقبل ويبرأ برده، فإن مقتضى هذا أن يكون ما اشّتراه بعد السلف لازمًا للموكل على أنا سنذكر تعدي الوكيل هل يوجب فسخ وكالته فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وممّا يجري على هذا الأسلوب أيضًا لو وكل رجل رجلًا على أن يشتري له بمال دفعه إليه سلعة، فاشترى الوكيل شراء مطلقًا على الذمة. فإن أصحاب الشافعي قالوا ها هنا: لا يلزم ذلك الموكل, لأنه إنما أذن له أن يشتري بعين مال دفعه إليه، فليس له أن يلزم ذمته غرامة إذا ضاع هذا المال. فإذا ظهر للموكل غرض صحيح في الشراء بعين ما دفع إليه من المال وهو كونه يتخوف ضياع المال الذي دفعه، فيطالب بالثمن، وقد لا يكون له مال سواه، فإن الوكيل
стр. 2051
يكون متعديًا. ولو كان الأمر بالعكس: وكّله على أن يشتري له على الذمة ودفع إليه ما لا ينقده فيما يشتريه فاشترى بعين المال. فإن المسألة عندهم على وجهين: أحدهما أن هذا الشراء لازم للموكل لكونه لم يلحقه ضرر في هذه المخالفة بل زاده الوكيل خيرًا بأن حصل له غرضه بعين مال وأبرأ ذمته.
والوجه الآخر كون هذا الشراء لا يلزم الموكل لتصور غرض له فيما أمر به الوكيل. وهو أن الشراء بعين مال يعرّض العقد إلى الانفساخ إذا أتلف الثمن المعين، والموكل لا يختار عقدًا معرضًا للانفساخ، وإذا عقد الثمن في الذمة أمن الموكل من انفساخ هذا العقد.
وهذا الذي قالوه النكتة فيه عندنا غرضُ الموكل. فإن ظهر له غرض فيما رسم فخالفه الوكيل فإن العقد لا يلزم الموكل، وإن لم يكن له غرض إلا تحصيل المبيع، وقد حصل له فإن الشراء يلزمه.
وإذا كان الأمر هكذا فيما اعتلوا به في التخوف من انحلال العقد وانفساخه يتلف الثمن المعين، يلتفت فيه عندنا إلى كون الأثمان التي هي الدنانير أو الدراهم هل تتعين أم لا؟ عندنا فيه اختلاف فإن قلنا: إنها لا تتعين بطل هذا الذي قالوه. وإن قلنا: إنها تتعين، فقد ارتفع هذا الذي يتخوف سلامة الثمن الذي نقد، وصح العقد. والتغرير إنما يثبت حكم التعدي إذا وقع التلف، ألا ترى ما ذكر من أحد القولين عندنا فيمن اكترى منه حمل دهن على دابته، فربط القلال بحبل عرّضها به للتلف، فعطبت لأجل ذلك. فإنه قيل، في أحد القولين، أنه إنما يغرم القيمة حيث هلك الدهن، لا حيث حمله مغرّرًا به.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال (١):
ومما يلحق بأحكام تعدي الوكيل توكيله لغيره من غير إذن رب المال.
فإنه ممنوع من ذلك. لأن رب المال إنما أذن في التصرف في ماله له خاصة
стр. 2052
لثقته بأمانته واجتهاده، فليس له أن يجعل ذلك إلى غيره ممن لم يرض به رب المال. كما لم يكن له هو متصرف إلا بإذن رب المال. لكن لو كان الوكيل وُكّل على أمر يُعْلم أنه لا يتولاه مثلُه لكونه شريفًا والعمل خسيسًا.
أو كونه لا ينهض بمثله، والموكّل له عالم بذلك، فإنه يباح له التوكيل.
ويحل علم رب المال بهذه الحال التي عليها الوكيل محل النطق بإذنه في أن يوكل غيره فيما لا يليق به أن يتولاه من الأعمال أو فيما يتاح إلى الاستعانة فيه بآخر.
وإذا أذن له في أن يوكل غيره ففعل ثم مات الوكيل الأول، فإن الأظهر أن الوكيل الثاني لا يعزل بموت الوكيل الأول، بخلاف انعزال الوكيل الأول بموت من وكله. لأن الوكيل الأول إذا وكل رجلًا بإذن رب المال، فكأن رب المال وكله وناب عنه هذا. فيكون توكيل الأول كتوكيل رب المال. كما يكون تصرف الوكيل لازمًا لرب المال تصرف رب المال نفسه. وقد ذكر أبو حامد الاسفرائيني أنه لا ينعزل، إذا قال رب المال لوكيله: وكل وكيلًا يكون من قبَلي. وأما إن قال له: وكل وكيلًا يكون من قِبلك، فذكر أن عندهم فيه اختلافًا، هل ينعزل الوكيل الثاني بموت الأول لمّا كان من قبله، وقد مات من هو من قِبَلِه، فأشبه انعزال الوكيل الأول بموت رب المال ولا ينعزل الثاني لكون رب المال حيًا، وهو الآمر لوكيله بأن يوكل. ويكون قوله: وكل من يكون من قِبلك، متضمّنًا أنه من قِبلي. وقد كنا قدمنا الكلام على قول رجل لوكيله: أقِرَّ عني بألف دينار لفلان، هل يكون هذا الأمر كأن الموكل ينطق به وأقر بالألف أم لا؟
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: والوكيل مؤتمن ما بينه وبين موكله، والقول قوله في ردّ ما أودعه وأمره بالتصرف فيه أو قبضه (١) له من ديون قبضها له، ثبت قبضه لها ببينة، فادعى تسليمها الموكل، أو ضياعها. فإن لم يكن إلا إقراره (٢) للغريم فلا يبرأ إلا ببينة على دفع ذلك للوكيل.
стр. 2053
وإذا وكله بأن يقضي عنه دينًا، أو يودع له مالًا، لم يكن له أن يدفعه إلا ببينة. فإن دفعه بغير بينة ضمن، إلا أن يقر المدفوع له.
قال الإِمام ﵀ يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما حكم اختلاف الموكل والوكيل في ثمن ما وكل على شرائه (١).
٢ - وما حكم اختلافهما في تسليمه للموكل ما وكله عليه؟
٣ - وما حكم ضياع الثمن بيد الوكيل؟
٤ - وما حكم العبد إذا دفع مالًا لمن يشتريه؟
٥ - وما حكم الوكيل إذا باع السلعة وباعها الموكل من رجل آخر؟
٦ - وما حكم الوكيل إذا اختلف.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلاف الموكل والوكيل فيما أذن فيه للوكيل يتنوع أنواعًا:
فمنه ما يختلفان فيه في عدد الثمن الذي وكله على أن يبيع به، أو في كونه نقدًا أو نسيئة، أو في كونه عينًا أو عرضًا، أو في كونه عرضًا من جنس، ويقول الآخر: بل من خلافه.
وينبغي أن تقدم لك أصلًا تعتمد عليه، وتُرجع سائر الروايات إليه. وهو: أن النظر يقتضى الالتفات إلى ثلاثة معان: أحدها: استصحاب حال الملك. والثاني: استصحاب براءة الذمة من الغرامات، والثالث: كون الدعوى تشبه وتليق.
فوقع من المذهب قولان في اختلاف الموكل والوكيل في النقد والنسيئة بأن يقول الموكل: أمرتك أن تبيع بثمن إلى أجل. ويقول الوكيل: بل بثمن
стр. 2054
حال. فقد قيل: إن القول قول الآمر. وقيل: القول قول المأمور. وهذا مع كون السلعة المبيعة قد فاتت. لتعارض مقتضى الأصلين اللذين قدمناهما. وذلك أن استصحاب مال الملك، وكون السلعة الفائتة ثبت أنها كانت من أملاك الموكل، فلا تخرج من ملكه إلا بما ثبت عليه بينة أو أقرَّ به. فإن لم يثبت ذلك عليه صدق في صفة ما أَذن فيه مع يمينه، وثبت التعدي على ملكه، فيغرم الوكيل قيمة السلعة إذا فاتت، لكونه قد ثبت التعدي عليه في بيعها بيمين مالكها.
فإن كان ما أحضر من الثمن فيه قيمتها التي تجب عليه، ولم يتلف على ربها مالًا، فإنه لا فائدة في اختلافهما, لأن تصديق الآمر لا يوجب له إلا القيمة وتصديق المأمور لا يوجب عليه سوى الثمن الذي أحضره. فلا يؤمران بيمين لا تفيد أحدهما.
فإن كانت القيمة الواجبة بهذا التعدي إذا ثبت أكثر من الثمن الذي أحضره الوكيل، فإنه ها هنا يتصور الخلاف، هل يغرم الوكيل ما زاد من القيمة على الثمن إذا حلف الموكل، أو يحلف الوكيل ويبرأ منه استصحابًا لبراءة ذمته. فمن رجح أحد هذين الأصلين على الآخر قدم مقتضاه. ولو كانت السلعة المبيعة قد أفاتها مشتريها بلباس، وحكمنا بأن القول قول الآمر، وثبت له التعدي، فإن من حقه أن يغرم المشتري قيمتها يوم أفاتها اللباس كما يغرمه ذلك إذا استحقها وقد باعها غاصب. لكن من حق المشتري ها هنا أن يستحلف الوكيل أنه لم يغره ولا كذب فيما ذكره عن الموكل، لأجل أنه لو أقر الوكيل بأنه هو الذي غره وكذب له حتى ألزمه زيادة على الثمن وقد كان في غناء عنه، وعن لباس هذا الثوب، ولم يصن بلباسه ماله. فإذا كان إقراره بهذا يلزمه غرامة للمشتري، كان من حق المشتري أن يستحلفه، ولكنها يمين تهمة لا ترجع على المشتري وتعلقها على حسب تعلق أيمان التهم.
وعلى هذا الأسلوب تجري في بقية ما ذكرناه من الأقسام. إلا أن يدعي أنه أذن له في بيع السلعة بما تكذبه فيه العادة، فإنه لا يصدق ويرتفع الخلاف،
стр. 2055
فينظر فيما يدعيه من الإذن له في البيع بعوض هل يشبه ويليق؟ فيجري الأمر على ما قدمناه، أولًا يشبه في العادة فلا يصدق، ويصدق الآمر.
على هذا الأسلوب أيضًا يجري الأمر في الاختلاف فيمن وكل رجلًا بأن يشتري له قمحًا بدنانير، فاشترى له تمرًا، وقال: بذلك أمرتَني. فإنه قد اختلف قول مالك في هذا. فذكر أبو الفرج: أن أشهب روى عنه: أن القول قول الآمر.
وبهذا المذهب أخذ أشهب. وروى ابن نافع عن مالك: أن القول قول الوكيل. وبه أخذ ابن نافع. وفي المدونة: أن القول قول الوكيل. واعتُل بأن الذهب استهلك بدفع الوكيل له، فأشبه ذوات السلعة.
وقد ذكر ابن المواز في هذا تفصيلًا فقال: القول قول الآمر إذا كانت السلعة قائمة لم تفت، وعُلم أن الثمن من مال الموكل ببينة أو بإقرار قابضه الذي هو بائع السلعة. فأما إن فاتت أو لم يُعرف أن الذهب للموكل فإن القول قول الوكيل.
وعاب الشيخ أبو إسحاق هذا التفصيل. ورأى أن مقتضى النظر تصديق الأمر على الإطلاق. أو تصديق المأمور. واعتل بأن الدنانير إذا عرف أنها للَامر، وأخذها بثبوت كونها له، فإن الوكيل يلزمه غرامتها للبائع، فمن اشترى سلعة بدنانير فاستحقت الدنانير، فإن على المشتري خلفها, ولا ينفسخ البيع.
فإذا توجه على الوكيل غرامة إذا عرفت بعينها فيجب أن يصدق لينفي عن نفسه هذه الغرامة كما صدق في فوت السلعة لما يتوجه عليه من غرامة في فوتها. ثم جنح إلى اعتذار عن ابن المواز: يكون السلعة إذا فاتت، وتوجهت غرامة على الوكيل فإنه يصدق. فإذاكانت السلعة قائمة وتوجهت عليه غرامة فإن الوكيل يتعوض وما غرم السلعة التي بقيت في يديه لما لم يصدق على الموكل.
وإذا كانت السلعة قد فاتت وألزمناه الغرامة لم يبق في يديه عوض عنها.
فلهذا افترق الحكم بين كون السلعة قائمة فتتوجّه على الوكيل غرامة وعنده عوضها، فكأنه لم يغرمه وبين كونها فائتة إذا غُرِّم ولم يكن عنده عوض عن الغرامة.
стр. 2056
وقد ذهب بعض أشياخي إلى أن الوكيل إذا بين لبائع السلعة أنه يشتري شراء وكالة، وأن الدنانير التي يدفعها للموكل فإنه لا تتوجه على الوكيل غرامة إن أخذت الدنانير من يد البائع, لأنه قد بين حين العقد أن العقد لغيره، وأن الثمن لغيره.
وهذا الذي ذهب إليه بعض أشياخي قد ذكره أبو حامد الاسفرائيني من أصحاب الشافعي، وفصل فيه هذا التفصيل من كون الوكيل لا تتوجه عليه غرامة، إذا بين حين العقد أن الشراء للوكيل، والدنانير له، على حسب ما قاله بعض أشياخي. بخلاف أن لا يبين ذلك حتى تجب عليه المطالبة بالثمن من ذمته، وتتوجه عليه الغرامة. فإذا كان ابن المواز أراد هذا الوجه، وهو الذي صورناه من كون الوكيل لا تتوجه عليه غرامة إذا استحق الآمر للدنانير ارتفع ما عارضه به الشيخ أبو إسحاق من كون الغرامة تتوجه عليه مع قيام السلعة، فيجب أن يصدق. ولو شهدت البينة بأن الدنانير التي اشترى بها الوكيل للآمر، ولكن البينة لم تعلم الجنس الذي أمره به، لصُدّق الآمر وقضي له بارتجاع الدنانير. ثم تتعلق في مطالبة البائع للوكيل بها، على حسب ما قدمناه. فإن نكل الآمر مضى العقد، ولم يلزم الوكيل يمين فيها (١) يقبل فيه قوله ها هنا, لأنه إذا كان القول قوله فله أن يرد اليمين على الآمر، فإذا ردها ها هنا، وجد الآمر قد نكل، ونكوله يمنع من تعلق هذه اليمين.
وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في اختلاف الوكيل والموكل في مقدار الثمن المأمور به. مثل أن يقول الآمر: أمرتك أن تشتري له بأربعين. ويقول المأمور: أمرتني أن تشتري بخمسين. فإن مطرفًا ذكر أن القول قول الآمر.
وعلى الطريقة الأخرى، القول قول المأمور لما يتوجه عليه غرامة العشرة الزائدة على حسب ما بيناه.
ولو كان هذا الاختلاف فيما لا تتوجه على الوكيل فيه غرامة من العقود.
стр. 2057
مثل أن يوكل رجل رجلًا على عقد نكاح له، ويختلف الوكيل والموكل في مقدار الصداق الذي وكله عليه، فإن القول قول الموكل ها هنا لأنه هو الذي يقبض المثمون، الذي هو البضع، وهو الذي يدفع الثمن. بخلاف البياعات، فإن الوكيل له قبض الثمن ودفع المثمون. لكن لو تُصوِّر في عقد النكاح بوكالة غرامة الوكيل، مثل أن يدفع الوكيل للزوجة الصداق من عنده سلفًا للموكل، فإنه ها هنا تتوجه عليه غرامة إذا صدق الآمر. لاعترافه بأن الزوجة قبضت منه الصداق الذي جحد الزوج بعضه بوجه جائز، وأنه لا يحل للزوج أخذ ذلك منها ولا جحوده لها.
ومذهب الشافعية من هذا الأصل الذي ذكرناه من اختلاف الوكيل والموكل، في مقدار ما أُمر الوكيل أن يشتري به، أن القول قول الآمر. لأنه لو أنكر أصل الإذن لقبل قوله، فكذلك يقبل قوله في تفصيل الإذن وصفته.
وكذلك قاسُوا ذلك على أن الزوج لما كان القول قوله في أنه لم يوقع طلاقًا، فكذلك يكون القول قوله في عدد الطلاق الذي أوقع إذا ادعت عليه الزوجة أكثر مما أقر به من عدد الطلاق، والأصل ثبوت العصمة، فيجب أن يصدق الزوج في مقدار ما أحدثه في العصمة كما يصدق في أنه لم يحدث فيها شيئًا. وها هنا إذا صدق الآمر فيما يُلزم الوكيل غرامة، وقد ائتمنه على التصرف له، كنا ألحقنا بالوكيل ضررًا وغرامة بدعوى الآمر عليه.
وعلى هذا القياس جرَوْا في رجل أمر رجلًا أن يشتري له عبدًا بألف دينار فقال الوكيل: قد فعلت. وقال الموكل: لم تشتره إلا بثمانمائة، فإن القول قول الموكل لما كان مصدقًا في إنكار أصل الإذن. فكذلك يجب عندهم أن يصدق في تفصيله.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الموكل إن كان قد سلم الألف إلى الوكيل فإن الوكيل يقبل قوله فيما زعم أنه اشترى بالألف لكون الموكل ها هنا يطلب عليه غرامة (الوكيل بعض) (١) ما دفع إليه وائتمنه عليه. وإن كان لم يدفع الألف إليه
стр. 2058
فإن القول قول الموكل، لكون الوكيل ها هنا يطلب غرامة الموكل.
والظاهر من مذهبنا أن الوكيل مصدق في الوجهين لأنه قد أؤتمن على هذا الفعل، وذكر أنه فعل ما وافقه الموكل على أنه ائتمنه عليه. فسواء دفع الألف إليه، أو أمره أن يَعقد بها على ذمة الموكل.
وإن كان قد ذكر بعض أصحاب الشافعي: أن الوكيل إذا قال: قد دفعت ما أمرني الموكل ببيعه وقبضت ثمنه فضاع. وقال الموكل: لم تبع ولم تقبض الثمن. فإن في المذهب عندهم قولين: هل يكون القول قول الآمر أو المأمور؟ والمشهور عندهم أن القول قولًا الآمر. (وهذا نقيض ما قالوه في اتفاقهما على أن الآمر موقع شراء العبد بألف، واختلفا في المقدار الذي اشتراه به) (١).
وقد اختلف فيمن دفع إلى رجل مائة دينار ليدفعها إلى عُمر. وقال: بذلك أمرني ربها. فروي عن مالك: أن القول قول الآمر. وقال ابن القاسم: القول قول المأمور ها هنا، بخلاف أن ينكر الآمر أن يكون أمره بدفعها إلى أحد، فإن القول عنده قول الآمر. ففرق بين إنكار الإذن من أصله، أو الإقرار، وخالف في تفصيله.
وإذا قلنا: إن القول قول الآمر، وحكمنا على الوكيل بأن يرد عليه ما سلم إليه من الدنانير، فهل يكون للوكيل أن يستردها ممن دفعها إليه أم لا؟ فيه عندنا قولان:
أحدهما: أنه لا يمكن من ذلك لإقراره أن الآمر ظلمه فيما أخذه منه، وأن الذي سلم إليه ما أُمر به قد أخذ ما يستحق بؤجه جائز صحيح فلا يمكن المأمور من ظلمه لأجل أن الآمر ظلمه فيما أخذ منه.
وقيل: بل يمكن من ذلك لأنه لم يقصد هبة من دفع ذلك إليه، وإنما هو
стр. 2059
كالمبلغ عن الآمر. فإذا كذبه في البلاغ كان من حقه أن يستردّ مَا دفعه إلى من أمره للآمر (١) بالدفع إليه.
وهكذا. مذهب الشافعية أنه بالخيار بين أن يرجع على دافع الدنانير، أو على قابضها. لأن المأمور قد يقدر عنده في تسليمها إلى من لم يأمره بالتسليم إليه، وكان له المطالبة بمقتضى هذا التقدير. وله أن يطالب القابض لأجل أنه يعترف أن هذا المال إنما صار إليه من جهة الآمر. لكن عندهم اختلاف في، إذا كانت الوكالة على قبض دنانير من ذمة رجل فأتى الموكل فأنكر هذه الوكالة فعندهم قولان: هل لرب الدين أن يطالب القابض بهذه الوكالة التي أنكرها الموكل أم لا؟
فأحد القولين عندهم: تمكينه من مطالبة هذا القابض لاعترافه أن الذي قبضه إنما قبضه لرب الدين ..
والقول الآخر: ليس له مطالبة، لأن حقه في ذمة الغريم، والذي قبضه هذا ليس هو عين حق رب الدين فتكون له المطالبة به.
فإذا تقرر حكم الاختلاف في أصل الإذن، أو في صفة الإذن. أو في وقوع الفعل المأذون به على حسب ما بيناه، فإن الوكالة لو كانت على شراء جارية فاختلف الآمر والمأمور في مقدار الثمن الذي فيه فقال الآمر: أمرتك بعشرة، وقال المأمور: بل بعشرين، وقضينا بأن القول قول الآمر، على حسب ما قدمناه من ذكر الخلاف في ذلك، فإن هذه الجارية إذا بقيت في يد المأمور نُظر في استباحة وطئها، فبيْن أصحاب الشافعي في ذلك اختلاف انفرد الاصطخري منهم فقال: يباح لهذا المأمور تعذي ما أمر به يقتضى أنه لا ملك له فيها، وأنه قد سلم الملك للمأمور، وإذا كان الملك مسلمًا لِهذا المأمور لم يحرم عبيه وطء ملكه .. وكل أصحاب الشافعي سوى هذا الرجل، على أن وطأها لا يحصل للمأمور لإقراره بأنها على ملك الآمر، واعتقاده أنه ظلمه في
стр. 2060
إغرامه لثمنها. ولهذا استحب الشافعي للحاكم أن يوقف بينهما، بأن يأمر الموكل أن يبيعها من الوكيل مما أخذ منه، أو يوليها له، على اضطراب عندهم في صفة ما يوفق الحاكم به بينهما في هذا حتى يحل إلى المأمور. وقد كنا نحن قدمنا في كتاب السلم الكلام على هذا المعنى فيمن باع جارية من رجل واختلف البائع والمبتاع في ثمنها فتحالفا وتفاسخا. وذكرنا هناك هل الفسخ لهذا العقد وقع ظاهرأوباطنًا فيحل للمانع وطؤها. أو وقع في الظاهر دون الباطن فلا يحل له وطؤها؟ وبسطنا القول في ذلك. وهذه المسألة مما تلحق بما نحن فيه من اختلاف الموكل والوكيل، ما ذكرهُ المدونة فيمن أمر رجلًا أن يشتري له جارية بربرية، فاشترى الجارية الموصوفة وبعث بها إلى الموكل، ثم أتاه بجارية أخرى على الصفة، وقال: هذه التي اشتريت لك، والأولى التي أنفذت إليك أنفذتها لتكون وديعة عندك، ولم يبين ذلك حين الإنفاذ، فإن القول قول الوكيل مع يمينه، إن كانت الجارية لم تفت، وينتزعها من يد الموكل. ويلزم الموكل قبول الجارية التي أتى بها إليه، وذكر أنه اشتراها له. فإن فاتت الجارية المبعوثة إلى الموكل، بأن أعتقها الموكل أو أحبلها أو كاتبها أو دبّرها، فإنه لا يقيل الوكيل في رجوعها إليه، وتبقى على ما هي عليه من إمضاء ما فعله الموكل فيها بما ذكرناه إلا أن تشهد بينة بصدق الوكيل من كون المبعوثة إنما أنفذها وديعة، فيستحق الوكيل ارتجاعها.
كما يجب نقض هذه الأفعال إذا فعلها من اشترى جارية ممن يعتقد أنه مالكها فأتى من استحقها، فإنه ينقض ما فعله المشتري من ذلك على الاختلاف المشهور في الجارية المستحقة، بعد أن أولدها المشتري، هل يأخذ عين الجارية وقيمه ولدها أو يأخذ قيمتها وقيمة ولدها، أو قيمتها خاصة دون قيمة الولد. وإلى هذا أشار في المستخرجة من كون استيلاد الموكل للجارية التي بعثها الوكيل على حسب ما ذكرناه يجرى الحكم فيها على الخلاف المذكور في المستحقة من يد مشتريها، ولكن اقتصر في المدونة في مسألة الوكيل التي ذكرناها على أنه إذا قامت بينة بصحة ما قاله الوكيل فإن الموكل يغرم قيمة
стр. 2061
الجارية. ولم يذكر غرامة قيمة ولدها. ولكن سحنون تيمم المسألة في غير المدونة بأن قال: يأخذ الوكيل الجارية وقيمة ولدها. وعلى هذا أمضى الأشياخ من حمل ما في المدونة على أن قيمة الولد يؤخذ مع ارتجاع الأم. ولا يحسن عندي التصميم على أن مراده من المدوّنة إلزام الموكل قيمة الولد. ولا أجري المسألة على الخلاف في المستحقة، لكون الوكيل فرط في إعلام الموكل أن التي أنفذها له ليست هي التي اشترى للموكل. وإنما صُدق الوكيل إذا لم تفت الجارية لكون ما ذكره ممكنًا. فإذا فاتت بالاستيلاد والعتق لم يحسن إبطال حق الله فيها بدعوى الوكيل ما الظاهر خلافه لتعلّق حقين بها، حق الموكل، وحق الله سبحانه.
وقد أشار في كتاب ابن حبيب إلى هذا المعنى واقتصر على التزام الموكل لقيمتها، ولا قيمة عليه في الولد لكونه أباحها للموكل، وسلطه عليها مع تجويزه أن يستولدها، فلم تكن عليه غرامة فيما سلطه عليه. وإذ لم تقم بينة على صدق الوكيل، ولكن الموكل صدقه بعد أن أعتقها أو استولدها فإنه لا يبطل حق الله سبحانه فيها باتفاق هذين الوكيل والموكل على إبطاله، يُمنع الوكيل من ارتجاعها، ويُمنع الموكل من إيقافها على مقتضى أحكام ما فعل من عتق واستيلاد، لكونه مُقرًّا بأن ردّها يجب على الوكيل، ولكن الشرع منعه منه.
وقد ذكر في الموازية فيمن وكل على شراء جارية بمائة دينار فاشتراها للموكل ثم حبسها لنفسه، واشترى جارية أخرى للموكل وأنفذها إليه، فإن الموكل بالخيار في أن يمسك التي أنفذ إليه لكون الوكيل مقرًا أنه إنما اشتراها له. وتنتزع من يده الأولى التي اشتراها له الموَكَّل. فيحصل له الجاريتان، الأولى لحكم الوكالة على شرائها، والثانية بحكم مَا جُعِل له من الخيار فيها، وإن شاء أمسك إحداهما، أما الأولى فله إمساكها خاصة بحكم الوكالة، وردّه لما جعل له من الخيار في الثانية. وأما إمساك الثانية خاصة دون الأولى بالإجازة لما فعله من المعاوضة، وذكر أن المأمور إذا وطئ الأولى التي أمسك لنفسه
стр. 2062
وحملت منه، فإن للموكل انتزاعها منه وأخذ قيمة ولدها إذا وضعت، كالحكم إذا استحقت.
وأما إذا وطئ الموكل الجارية التي بعثت إليه فإنه ذكر في العتبية أنه بالخيار بين قبولها بحكم ما جعل إليه من الخيار في ذلك، ويكون عليه الأقل من الثمن أو القيمة. فإن كان الثمن الذي اشتراها به الوكيل لم يكن عليه أكثر منه لرضا الوكيل بذلك. وإن كانت القيمة هي الأقل كان له التمسك بها بالقيمة لأجل فوتها بالاستيلاد فيقبلها على الجملة. ويكون حكم مَا يدفع فيها من ثمن هو الأقل. قال: وإن شاء ردها. فإذا ردها لكونه له ألا يقبل هذه المعاوضة التي فعلها الوكيل. واختلف هل يرد معها قيمة الولد أم لا؟ فقيل: يرده كما يرد ذلك بالاستحقاق. وقيل: لا يرده لكون الوكيل سلطه على ذلك وأباح له وطأها مع تجويزه أن يستولدها.
هذا حكم الرد والقبول. وأما حدّ الوكيل، فإنه إذا وكل على شراء جارية معينة فأمسكها لنفسه ووطئها، وبعث للموكل بغيرها، فإنه يحد. وأما إن كانت غير معينة فظاهر الموازية ألا حد عليه، على حسب ما نقلناه من الرواية. وذكر في العتبية أنه يحد إلا أن يعذر بجهل وتأويل. ولكنه لم يصرح في السؤال يكون الجارية معينة. وإنما ذكر هذا فيمن وكل على شراء جارية. فظاهر الكلام يقتضى أنها غير معينة.
ولو أن الوكيل وكله رجلان أحدهما وكله على شراء جارية بمائة دينار.
ووكله آخر على شراء جارية بخمسين. ففعل وغلط بأن دفع إلى كل واحد منهما جارية صاحبه فإنه إن لم يشعر بذلك حتى فاتتا بالحمل لكنه (١) ذكر في الرواية: إن زادت قيمة الجارية التي اشتراها بمائة على خمسين فإنه يغرم ذلك لمن وكله على الشراء بالمائة. وهذا عندي مبني على أن الوكيل والمودعَ يضمنان بالغلط.
وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك في غير هذا الكتاب ولذلك لو وكله على شراء
стр. 2063
جارية بمائة، فاشتراها بمائة وخمسين وأنفذها للموكل فوطئها الموكل واستولدها، فإنه لا يلزم الموكل غرامة ما زاد الوكيل لكون الوكيل قد فرط في إعلامه بذلك. ولا يلزم الواطىء غرامة ما تعدى الوكيل في زيادته، ولو ثبت بالبينة أنه زاد ذلك لأجل ما ذكرناه من تسليطه للموكل بالعوض الذي سمي له، وقال سحنون بأنه يرجع على الواطىء بقيمتها ما لم تزد على المائة والخمسين التي زاد، فلايزاد للوكيل على ما دفع، أو ينقص من المائة فلا ينقص منها، لكون الواطىء رضي بها. وكأنه قدر أن الوكيل لم يملكها للموكل إلاّ على أن يدفع له المائة وخمسين. فإذا لم يلزمه الوكيل ذلك رد عليه الجارية لم (١) تفت في يد الموكل، وذكر ذلك بقرب تسليمها للموكل.
وقد قدمنا أن الوكيل لو زاد زيادة يسيرة مما يلزم الموكل، فإنه إنما يصدق إذا لم يطل الأمر. (وطال زمن تركه لذكر الزيادة ولا عذر له في ترك ذكرها) (٢) ولو كانت الوكالة على شراء ثوب بمائة درهم، فاشتراهُ الوكيل بمائة وخمسين لكان من حق الوكيل أن يطلب بمقدار ما انتفع به الموكل فيما بين الثمنين من الثمن الذي سماه والثمن الذي دفعه الوكيل. (فإن كان ما يشتري بمائة يبلى في أمد. وما اشترى بمائة وخمسين. لاحتاج بعد مضي الأجل الذي يبلى فيه ما اشترى بمائة إلى لباس ثوب آخر فإنه يطالب بهذا المقدار الذي دفع فيه ماله (٣).
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا زعم الوكيل على شراء سلعة أنه لم يقبض ثمنها من الموكل. وزعم الموكل أنه دفع ذلك إليه. فإنه إن لم يكن الوكيل نقد للبائع الثمن، فإن القول قوله أن الموكل لم يدفع ذلك إليه؛ لأن المطالبة بالثمن من حق بائع السلعة،
стр. 2064
وهذا الوكيل واسطة بينه وبين من اشتراها. فصدق الوكيل أنه لم يقبض ثمنها من الموكل، ويحلف الوكيل أنه لم يدفع ذلك إليه. ويطالب الموكل بدفع الثمن لأن الأصل براءة الوكيل من قبض مال الموكل دينًا أو أمانة. ومن استمسك بالأصل فهو المدعى عليه.
وأما إن كان الوكيل دفع ثمن السلعة لبائعها منه، ثم طالب الموكل بالثمن، وزعم أن الثمن المدفوع من عنده سلفًا للموكَّل وزعم الموكل أن الثمن المدفوع للبائع هو دفعه إليه. فظاهر المذهب على قولين: هل يصدق الموكل أو الوكيل؟ ففي سماع ابن القاسم فيمن وكلته زوجته على شراء شيء، فأتى يطالبها بالثمن بعد ما اشترى ما وكلته عليه، فزعمت أنها دفعت ذلك إليه، وقد قبضت منه ما وكلته على شرائه، فإن القول قول الوكيل: إنه لم ينقد الثمن للبائع. وإن كان نقده فالقول قول الزوجة.
وروى عيسى في رجل وكل رجلًا على شراء سلعة فاشتراها، وزعم الموكل أنه قد دفع ثمنها للوكيل، فإن القول قول الوكيل: إنه لم يدفع إليه.
وإنما وقع هذا الاختلاف إذا كان الوكيل قد نقد للبائع ثمن ما باعَه منه ولم يقع هذا الاختلاف إذا كان لم ينقد للبائع لأجل أنه إذا كان قد نقد البائع فقد سقط مقال البائع في المطالبة بالثمن، وانقطع بذلك علائق الوكالة، لكون الوكيل مقرًا أن الذي اشتراه قد ملَّكه الموكّل، وأن البائع قد وصل إليه العوض عن ذلك. فجعلت المطالبة بينه وبين الموكل فصار مدعيًا عليه أنه أسلفه سلفًا، ومن ادعى عليه أنه قد أسلف فالقول قوله.
ورأى من ذهب إلى القول الآخر أن الثمن لما أقر الموكل أنه لم يصل إلى يد البائع إلا من يد الوكيل ومن حوزه، والقول قول الحائز أن الذي خرج من يده ملكٌ له، فوجب لأجل هذا تصديقه أن لم يقبض الثمن من الموكل، كما لو لم يكن نقد الثمن للبائع فإنه يصدَّق في ذلك، لأن الأصل عدم قبضه من يد غيره دينًا وأمانة.
стр. 2065
وقد أشار بعض الأشياخ إلى دفع الخلاف في هذا من ناحية العقد. وتأول ما قيل في اختلاف الزوجين في الثمن المدفوع على حسب ما نقلناه من سماع ابن القاسم على أن ذلك إنما قيل لعادة جرت بين الزوجين بصدق من شهدت له العادة.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
إذا وكل على بيع سلعة فباعها، وزعم أنه أوصل ثمنها للموكل، فإنه يصدق في ذلك، لأنه مؤتمن على هذا، فوجب تصديقه، كما يصدق المودعَ في أنه رد الوديعة لمودِعها له (١).
وكذلك كل ما وكل عليه وجعل في. يده أمانة، فإنه يصدق في رده لمن ائتمنه عليه. وذكر أبو حامد الاسفرائيني أن عندهم اختلافًا في تصديق الوكيل إذا قال له الموكل: إنك لم تبع ولم تقبض الثمن، إذا زعم الوكيل أنه باع وقبض الثمن وضاع. وذكر عن بعض أصحابهم أن المذهب عندهم على قول واحد في أن الوكيل لا يصدق في ذلك لقول الشافعي: من وكّل أن يبيع سلعة ويشتري بها شيئًا. فقال: فعلت وضاع، أنه لا يصدق.
وهذا عندي يستند إلى مسألة أخرى على أنها عندهم على قولين. وهي من وكل على بيع سلعة هل يتضمن ذلك توكيله على قبض الثمن لأجل أنه قد يراه الموكل أهلًا لعقد البيع لحذقه، ولا يراه أهلًا لقبض الثمن لضعْف أمانته؟ وهذا كما حُكِي عندهم اختلاف فيمن وكل على قبض شيء هل له أن يخاصم فيه؟ لكون القبض يتضمن ذلك أو لا يمكن الوكيل من ذلك لكونه قد يرضى الموكل أمانته ولا يرضى معرفته بالخصام؟ ولو كانت الوكالة تحصل لصدق في رذ ما وكل عليه أيضًا؛ إذا كان أصل الدفع إليه بغير إشهاد. كما يصدق في القراض إذا أخذه بغير بينة، والأصل في هذا تصديق المودع في الوديعة إذا أخذها بغير بينة، ولأصحاب الشافعي في. هذا وجهان: أحدهما تصديق الوكيل
стр. 2066
بجعل، والمقارض، والأجير المشترك لما ذكرناه من كون الشيء في أيديهم فيشبه ذلك الرهبان والعين المستأجرة. وهم. لم يختلف القول عندهم في الرهبان والعين المستأجرة أن قابضها لا يصدق في الرد.
هذا حكم دعوى الوكيل أنه رد الأمانة إلى يد من ائتمنه عليها.
وأما دعواه ردها إلى غير من ائتمنه عليها، مثل أن يؤمر بأن يخرج من ذمته إلى ذمة أو من أمانة إلى أمانة أو من ذمة إلى أمانة أو من أمانة إلى ذمة.
وذلك أن يقول الموكل لمن له عليه دين: اقضه عنه لمن له علي مثل ذلك. أو يقول: أودعه لي عند فلان. أو أخرجه من ذمتك وأَبْقِهِ وديعة عندك. أو يقول له: الوديعة التي لي عندك أسلفها لفلان أو: أودعها لي عند فلان.
فإذا تصورت هذه الأقسام الأربعة، فإنه لم يختلف المذهب في الموكل إذا قال: اقض عني الديْن الذي علي لفلان أنه لا يصدق في أنه دفع ذلك فيمن أُمر بدفعه إليه إذا أنكر ذلك من أُمر بأن يدفع إليه.
وكذلك يختلف الشافعية في هذا أيضًا.
والعلة في هذا: أن قوله: اقض عني الديْن، يتضمن هذا اللفظ أن يبرىء ساحة الوكل منه لأن قضاء الشيء على الذمة منه. والذي أمِر الوكيل بالدفع إليه إذا أنكر أن يكون قبض من الوكيل شيئًا بقي حقه على الموكّل على حسب ما كان، فقد ضيّع الوكيل أو لم يبرىء ساحة الموكل والظاهر أن هذا الاتفاق إنما جعل إذا قال الموكل: اقض عني هذا الدين. لكون لفظة القضاء يتضمن عندهم الذي بينّاه.
ما سوى هذا الوجه الواحد من بقية الأقسام التي ذكرناها، المذهب فيها على قولين: هل يصدق الوكيل في امتثال ما أمر به أم لا؟ لكن المشهور في المذهب أن على الوكيل الإشهاد، إذا أُمِر بالدفع إلى غير من دفع إليه. لكن أمره بأن يخرج من ذمته إلى أمانته فيه قولان مشهوران: فذكر في المدونة فيمن عليه طعام من سلم فقال له مستحق ذلك عليه: كِلْه في غرائرك. فقال: كِلْتُه وقد ضاع بعد كيلي له، أنه لا يصدق.
стр. 2067
وقال في كتاب الوكالات، فيمن أُمر أن يشتري لؤلؤًا بثمن يدفعه من عنده سلفًا للموكّل. فقال: قد فعلت وضاع اللؤلؤ. أنه يقبل قوله في ذلك. ومن الأشياخ من يشير إلى أن هذا اختلاف قول فيمن أُمِر أن يخرج من ذمته إلى أمانته. ومنهم من يفرق بين السؤالين بأن مسألة كتاب السلم عمارة الذمة سبقت للائتمان، وأسند حكم الائتمان وانسحب حكم عماره الذمة عليه، ومسألة كتاب الوكالات حكم الأمانة سبق لأنه إذا اشترى بحكم الأمانة صار البائع مطالبًا بالثمن فدفعه (١) عمرتْ ذمة الموكل فغلب في هذا حكم الأمانة.
ومنهم من يشير إلى هذا المعنى بعبارة أخرى، فيقول: مسألة كتاب السلم تتضمن إخلاء ذمة. ومسالة كتاب الوكالات تتضمن عمارة ذمة.
ومنهم من يقول: إنما ادّعى الوكيل ضياع اللؤلؤ، وهو في يده أمانة، بعد تقرير ما في الذمة. ولو ادعى أنه أخرج الثمن من أمانته ليشتري به لؤلؤًا فضاع، كما لو قال في مسألة السلم: أخرجه من ذمتك وبعه. وهو مما يجوز بيعه.
فقال: فعلت. وضاع ثمن ما بعت فإنه يصدق ..
وهذه الطرق غير واضحة. والتحقيق أن المذهب على قولين في هذه المسألة على حسب ما قدمناه. وقد جعل من ذهب إلى أن الوكيل لا يصدق بالدفع إلى من أمر بالدفع إليه، أمرَ الله سبحانه الوصي بالاشهاد على اليتيم بدفع ماله إليه، أصلًا في هذه المسائل. واعتل بأن الوصي إنما أمر بالإشهاد لكونه غير مصدق في الدفع إلى اليتيم لما كان اليتيم ليس هو الذي دفع المال إليه. فصار هذا أصلًا في كل من دفع للأمانة إلى غير اليد التي دفعتها إليه.
ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى أن الوصي مصدق في الدفع وإن لم يشهد، كما يصدق في الانفاق على اليتيم. ويقدر أن الأمر بالإشهاد على جهة
стр. 2068
الاحتياط وحذرًا من المخالفة والنزاع وحسمًا لمادة الخصام. كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١). ومحمل هذا عند فقهاء الأمصار على النَّدْب والاستحباب. ونحن إنما صدقنا الوصي في الإنفاق إذا كان اليتيم في كفالته فإنه هو المنفق عليه، ولا ظاهر (٢) ولا مشقة في الإشهاد على دفع مال اليتيم. وكنا حكينا عن الموازية فيمن في يده شيء على جهة الأمانة بإشهادٍ، أنه يصدق في دعوى الرد، لقدرته على دعوى الضياع فيصدق، والوصي مصدق في دعوى الضياع. فطرد ما ذكرناه من التعليل يقتضيه تصديقه في الدفع لليتيم. ولكن هذا لم يتعرض إليه أحد من أصحابنا. وهكذا الحكم عند أصحاب الشافعية أن المذهب عندهم على قولين: فيمن أُمِر بالدفع إلى غيره ولم يقل له: اقض عني الدين. واعتلّوا لأحد القولين عندهم في تصديق الوكيل: أنه قادر على أن يدعي الضياع فيصدق في ذلك، ولا يكذب في دعواه الدفع. وهذا في الأمانات التي في يده. وأما ما هو دين عليه من غير بينة فإنه يقدر أيضًا على جحوده فيكون القول قوله، فلا يكذب في دعواه (وجه آخر) (٣). وطردوا على التعليل في المطالبة بالإشهاد على رد المال إلى مستحقه، فقالوا: إذا كان دين بالإشهاد فمن حق من هو عليه ألاّ يدفعه إلا بأن يشهد مستحق الدين على نفسه بأنه قد صار ذلك إليه. إذ لا طريق لمن الدين عليه بالتخفص منه إلا بالإشهاد. فلو كان الدين بغير إشهاد لم يلزم مستحقه أن يشهد على نفسه عند قبضه لكون من هو عليه يمكنه أن يبرَأ منه بجحوده من الأصل فيصدَّق مع يمينه ولم يعتبروا كون اليمين يشق عليه، فيكون من حقه لأجل ذلك الإشهاد.
وهذه الطريقة التي سلكوها تنظر عندنا إلى ما وقع في الموازية في تصديق من ادعى رد شيء استأجره بحضرة بينة أنه مصدق في الردّ لكونه قادرًا على أن
стр. 2069
يدعي الضياع فيبرأ، فصدق ها هنا في وجه الحكم (ألا يصدق فيه) (١) لما كان قادرًا على أن يدعي وجهًا آخر يصدق فيه وهو ضياع ما استأجره.
فإذا أحطت علمًا بحكم دعوى الرد لغير من دفع إليه أو لمن دفع إليه فإنه قد يقع في النفس إشكال: فيمن التقط لقطة فزعم أنه ردها لمستحقها، وأنكر مستحقها أن يكون قبضها منه. أو هبت الريح بثوب ألقته في دار إنسان فزعم أنه أعاده إلى مستحقه. لأن هذا لم يدع أنه زد ذلك لمن دفعه إليه، ولا يدعي أنه رده أيضًا للشخص الذي دفعه إليه. فذهب أبو حامد الإسفرائيني إلى أنه لا يصدق؛ لأن مستحق هذا لم يدفعه إليه فيصدق في الردّ عليه. وهذا الذي قاله لا يسلم له، أما عند من اعتبر قدرة الإنسان على التخلص بدعوى الضياع فلا خفاء، بأن هذا مصدق، لكونه مصدقًا في ضياع اللقطة وما ألقته الرياح عنده.
وأما من لا يعتبر هذا فإنه لم تدفع ذلك إليه يدٌ فيلزمه أن يرد إليها، لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه. مع كونه محكمًا في الشرع في هذه المسألة بأن يسمع الصفة والوكاء، والوعاء. فإذا تبين له صدق المدعي دفع ذلك إليه. بخلاف ما سواه من الحقوق التي لم يحكمه الشرع فيها.
وها هنا قسم ثالث: وهو أن يأمر رجل رجلًا بأن يأتيه بمال له عند رجل، فيزعم الرسول أنه قد أتى به للمرسِل، ويكذبه المرسل. فهذا فيه قولان: أكثر أهل المذهب على أن الرسول مصدّق في إبراء نفسه، ولكن الدافع إليه لا يصدق لكونه دفع هذا المال لغير من دفعه إليه، فعليه الإشهاد على ما حكيناه من المذهب المشهور.
وذهب مطرف أنه لا يصدق إذا ناكره المرسل بعد أيام يسيرة، ويصدق بعد الشهر ونحوه مع يمينه. وبعد الزمن الطويل يصدق بغير يمين لكونه عنده مع الطول لا يمكن في العادة أن يؤخر المرسل ما عنده.
ولو مات الرسول بحدثان الاقتضاء لطُلبت تركته. وبعد مدة هو فيها
стр. 2070
مصدق لو كان حيًا، لم تطالب تركته.
وهذا الخلاف الذي وقع ها هنا لأجل أن الرسول لما كان قبضه لهذا نيابة عن المرسل صار كأن المرسل هو الذي دفعه إليه فادعى بعد ذلك رده إليه، فيجب أن يصدق فيه في القول الآخر أنه دفع المال إلى غير اليد التي دفعت للقابض للمال وصيًا أو وكيلًا مفوضًا إليه، برىء الدافع بتصديقه له.
وإن كان وكيلًا مخصوصًا فإن الدافع للمال لا يبرأ بتصديقه على ما ذكره في الموازية واعتل ابن المواز: بأن الرسول الدافع يلزمه اليمين ولا تنفعه شهادته، للدافع إذ لو قبلت شهادته لم يحلف. وهكذا أشار في المدونة إلى أنه لا يبرأ الدافع بتصديق الرسول. وبعض الأشياخ يشير إلى أن في هذا قولين مشهورين.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا وكل رجل رجلًا على شراء سلعة فاشتراها له وضاع الثمن في يد الوكيل. فهل على الموكل أن يحلفه أم لا؟
فيه ثلاثة أقوال: ذكر في المدونة: أنه إن سلّم الثمن إليه يعقد (١) الشراء عليه، فإن الموكل لا يلزمه غرمه ثانية إذا ضاع، ويلزم ذلك الوكيل، وتبقى السلعة له، إلا أن يختار الموكّل أخذها وغرامة ثمنها فيمكن من ذلك. وإن كان الموكل لم يدفع الثمن للوكيل إلا بعد أن عقد الوكيل الشراء فضاع الثمن في يد الوكيل فإن على الموكل غرامته ثانية. ولو ضاع ثانية لغرمه ثالثة حتى يصل إلى البائع.
ولو ضاعت السلعة في يد الوكيل مع ضياع الثمن لكان الحكم ما ذكرناه.
وذكر في كتاب القراض عن بعض المدنيين أن الموكل لا يلزمه الغرم في الوجهين جميعًا.
وذهب المغيرة إلى أن الموكِّل يلزمه الغرم في الوجهين جميعًا.