← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

بجعل، والمقارض، والأجير المشترك لما ذكرناه من كون الشيء في أيديهم فيشبه ذلك الرهبان والعين المستأجرة. وهم. لم يختلف القول عندهم في الرهبان والعين المستأجرة أن قابضها لا يصدق في الرد. هذا حكم دعوى الوكيل أنه رد الأمانة إلى يد من ائتمنه عليها. وأما دعواه ردها إلى غير من ائتمنه عليها، مثل أن يؤمر بأن يخرج من ذمته إلى ذمة أو من أمانة إلى أمانة أو من ذمة إلى أمانة أو من أمانة إلى ذمة. وذلك أن يقول الموكل لمن له عليه دين: اقضه عنه لمن له علي مثل ذلك. أو يقول: أودعه لي عند فلان. أو أخرجه من ذمتك وأَبْقِهِ وديعة عندك. أو يقول له: الوديعة التي لي عندك أسلفها لفلان أو: أودعها لي عند فلان. فإذا تصورت هذه الأقسام الأربعة، فإنه لم يختلف المذهب في الموكل إذا قال: اقض عني الديْن الذي علي لفلان أنه لا يصدق في أنه دفع ذلك فيمن أُمر بدفعه إليه إذا أنكر ذلك من أُمر بأن يدفع إليه. وكذلك يختلف الشافعية في هذا أيضًا. والعلة في هذا: أن قوله: اقض عني الديْن، يتضمن هذا اللفظ أن يبرىء ساحة الوكل منه لأن قضاء الشيء على الذمة منه. والذي أمِر الوكيل بالدفع إليه إذا أنكر أن يكون قبض من الوكيل شيئًا بقي حقه على الموكّل على حسب ما كان، فقد ضيّع الوكيل أو لم يبرىء ساحة الموكل والظاهر أن هذا الاتفاق إنما جعل إذا قال الموكل: اقض عني هذا الدين. لكون لفظة القضاء يتضمن عندهم الذي بينّاه. ما سوى هذا الوجه الواحد من بقية الأقسام التي ذكرناها، المذهب فيها على قولين: هل يصدق الوكيل في امتثال ما أمر به أم لا؟ لكن المشهور في المذهب أن على الوكيل الإشهاد، إذا أُمِر بالدفع إلى غير من دفع إليه. لكن أمره بأن يخرج من ذمته إلى أمانته فيه قولان مشهوران: فذكر في المدونة فيمن عليه طعام من سلم فقال له مستحق ذلك عليه: كِلْه في غرائرك. فقال: كِلْتُه وقد ضاع بعد كيلي له، أنه لا يصدق.

стр. 2067

وقال في كتاب الوكالات، فيمن أُمر أن يشتري لؤلؤًا بثمن يدفعه من عنده سلفًا للموكّل. فقال: قد فعلت وضاع اللؤلؤ. أنه يقبل قوله في ذلك. ومن الأشياخ من يشير إلى أن هذا اختلاف قول فيمن أُمِر أن يخرج من ذمته إلى أمانته. ومنهم من يفرق بين السؤالين بأن مسألة كتاب السلم عمارة الذمة سبقت للائتمان، وأسند حكم الائتمان وانسحب حكم عماره الذمة عليه، ومسألة كتاب الوكالات حكم الأمانة سبق لأنه إذا اشترى بحكم الأمانة صار البائع مطالبًا بالثمن فدفعه (١) عمرتْ ذمة الموكل فغلب في هذا حكم الأمانة. ومنهم من يشير إلى هذا المعنى بعبارة أخرى، فيقول: مسألة كتاب السلم تتضمن إخلاء ذمة. ومسالة كتاب الوكالات تتضمن عمارة ذمة. ومنهم من يقول: إنما ادّعى الوكيل ضياع اللؤلؤ، وهو في يده أمانة، بعد تقرير ما في الذمة. ولو ادعى أنه أخرج الثمن من أمانته ليشتري به لؤلؤًا فضاع، كما لو قال في مسألة السلم: أخرجه من ذمتك وبعه. وهو مما يجوز بيعه. فقال: فعلت. وضاع ثمن ما بعت فإنه يصدق .. وهذه الطرق غير واضحة. والتحقيق أن المذهب على قولين في هذه المسألة على حسب ما قدمناه. وقد جعل من ذهب إلى أن الوكيل لا يصدق بالدفع إلى من أمر بالدفع إليه، أمرَ الله سبحانه الوصي بالاشهاد على اليتيم بدفع ماله إليه، أصلًا في هذه المسائل. واعتل بأن الوصي إنما أمر بالإشهاد لكونه غير مصدق في الدفع إلى اليتيم لما كان اليتيم ليس هو الذي دفع المال إليه. فصار هذا أصلًا في كل من دفع للأمانة إلى غير اليد التي دفعتها إليه. ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى أن الوصي مصدق في الدفع وإن لم يشهد، كما يصدق في الانفاق على اليتيم. ويقدر أن الأمر بالإشهاد على جهة

стр. 2068

الاحتياط وحذرًا من المخالفة والنزاع وحسمًا لمادة الخصام. كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١). ومحمل هذا عند فقهاء الأمصار على النَّدْب والاستحباب. ونحن إنما صدقنا الوصي في الإنفاق إذا كان اليتيم في كفالته فإنه هو المنفق عليه، ولا ظاهر (٢) ولا مشقة في الإشهاد على دفع مال اليتيم. وكنا حكينا عن الموازية فيمن في يده شيء على جهة الأمانة بإشهادٍ، أنه يصدق في دعوى الرد، لقدرته على دعوى الضياع فيصدق، والوصي مصدق في دعوى الضياع. فطرد ما ذكرناه من التعليل يقتضيه تصديقه في الدفع لليتيم. ولكن هذا لم يتعرض إليه أحد من أصحابنا. وهكذا الحكم عند أصحاب الشافعية أن المذهب عندهم على قولين: فيمن أُمِر بالدفع إلى غيره ولم يقل له: اقض عني الدين. واعتلّوا لأحد القولين عندهم في تصديق الوكيل: أنه قادر على أن يدعي الضياع فيصدق في ذلك، ولا يكذب في دعواه الدفع. وهذا في الأمانات التي في يده. وأما ما هو دين عليه من غير بينة فإنه يقدر أيضًا على جحوده فيكون القول قوله، فلا يكذب في دعواه (وجه آخر) (٣). وطردوا على التعليل في المطالبة بالإشهاد على رد المال إلى مستحقه، فقالوا: إذا كان دين بالإشهاد فمن حق من هو عليه ألاّ يدفعه إلا بأن يشهد مستحق الدين على نفسه بأنه قد صار ذلك إليه. إذ لا طريق لمن الدين عليه بالتخفص منه إلا بالإشهاد. فلو كان الدين بغير إشهاد لم يلزم مستحقه أن يشهد على نفسه عند قبضه لكون من هو عليه يمكنه أن يبرَأ منه بجحوده من الأصل فيصدَّق مع يمينه ولم يعتبروا كون اليمين يشق عليه، فيكون من حقه لأجل ذلك الإشهاد. وهذه الطريقة التي سلكوها تنظر عندنا إلى ما وقع في الموازية في تصديق من ادعى رد شيء استأجره بحضرة بينة أنه مصدق في الردّ لكونه قادرًا على أن

стр. 2069

يدعي الضياع فيبرأ، فصدق ها هنا في وجه الحكم (ألا يصدق فيه) (١) لما كان قادرًا على أن يدعي وجهًا آخر يصدق فيه وهو ضياع ما استأجره. فإذا أحطت علمًا بحكم دعوى الرد لغير من دفع إليه أو لمن دفع إليه فإنه قد يقع في النفس إشكال: فيمن التقط لقطة فزعم أنه ردها لمستحقها، وأنكر مستحقها أن يكون قبضها منه. أو هبت الريح بثوب ألقته في دار إنسان فزعم أنه أعاده إلى مستحقه. لأن هذا لم يدع أنه زد ذلك لمن دفعه إليه، ولا يدعي أنه رده أيضًا للشخص الذي دفعه إليه. فذهب أبو حامد الإسفرائيني إلى أنه لا يصدق؛ لأن مستحق هذا لم يدفعه إليه فيصدق في الردّ عليه. وهذا الذي قاله لا يسلم له، أما عند من اعتبر قدرة الإنسان على التخلص بدعوى الضياع فلا خفاء، بأن هذا مصدق، لكونه مصدقًا في ضياع اللقطة وما ألقته الرياح عنده. وأما من لا يعتبر هذا فإنه لم تدفع ذلك إليه يدٌ فيلزمه أن يرد إليها، لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه. مع كونه محكمًا في الشرع في هذه المسألة بأن يسمع الصفة والوكاء، والوعاء. فإذا تبين له صدق المدعي دفع ذلك إليه. بخلاف ما سواه من الحقوق التي لم يحكمه الشرع فيها. وها هنا قسم ثالث: وهو أن يأمر رجل رجلًا بأن يأتيه بمال له عند رجل، فيزعم الرسول أنه قد أتى به للمرسِل، ويكذبه المرسل. فهذا فيه قولان: أكثر أهل المذهب على أن الرسول مصدّق في إبراء نفسه، ولكن الدافع إليه لا يصدق لكونه دفع هذا المال لغير من دفعه إليه، فعليه الإشهاد على ما حكيناه من المذهب المشهور. وذهب مطرف أنه لا يصدق إذا ناكره المرسل بعد أيام يسيرة، ويصدق بعد الشهر ونحوه مع يمينه. وبعد الزمن الطويل يصدق بغير يمين لكونه عنده مع الطول لا يمكن في العادة أن يؤخر المرسل ما عنده. ولو مات الرسول بحدثان الاقتضاء لطُلبت تركته. وبعد مدة هو فيها

стр. 2070

مصدق لو كان حيًا، لم تطالب تركته. وهذا الخلاف الذي وقع ها هنا لأجل أن الرسول لما كان قبضه لهذا نيابة عن المرسل صار كأن المرسل هو الذي دفعه إليه فادعى بعد ذلك رده إليه، فيجب أن يصدق فيه في القول الآخر أنه دفع المال إلى غير اليد التي دفعت للقابض للمال وصيًا أو وكيلًا مفوضًا إليه، برىء الدافع بتصديقه له. وإن كان وكيلًا مخصوصًا فإن الدافع للمال لا يبرأ بتصديقه على ما ذكره في الموازية واعتل ابن المواز: بأن الرسول الدافع يلزمه اليمين ولا تنفعه شهادته، للدافع إذ لو قبلت شهادته لم يحلف. وهكذا أشار في المدونة إلى أنه لا يبرأ الدافع بتصديق الرسول. وبعض الأشياخ يشير إلى أن في هذا قولين مشهورين. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا وكل رجل رجلًا على شراء سلعة فاشتراها له وضاع الثمن في يد الوكيل. فهل على الموكل أن يحلفه أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: ذكر في المدونة: أنه إن سلّم الثمن إليه يعقد (١) الشراء عليه، فإن الموكل لا يلزمه غرمه ثانية إذا ضاع، ويلزم ذلك الوكيل، وتبقى السلعة له، إلا أن يختار الموكّل أخذها وغرامة ثمنها فيمكن من ذلك. وإن كان الموكل لم يدفع الثمن للوكيل إلا بعد أن عقد الوكيل الشراء فضاع الثمن في يد الوكيل فإن على الموكل غرامته ثانية. ولو ضاع ثانية لغرمه ثالثة حتى يصل إلى البائع. ولو ضاعت السلعة في يد الوكيل مع ضياع الثمن لكان الحكم ما ذكرناه. وذكر في كتاب القراض عن بعض المدنيين أن الموكل لا يلزمه الغرم في الوجهين جميعًا. وذهب المغيرة إلى أن الموكِّل يلزمه الغرم في الوجهين جميعًا.

стр. 2071

فأما المغيرة فإنه قدر أن الثمن وإن سلمه الموكل للوكيل قبل عقد الشراء فإن ذلك لا يعيِّنه، ولا يخرج العقد ذلك عن كون الثمن في ذمة الموكل. لا سيما إذا قلنا بأن الدنانير والدراهم لا تتعين، وكان الثمن دنانير أو دراهم. وقدر بعض المدنيين أنه وإن كان لم يدفع الموكل الثمن للوكيل إلا بعد عقد الشراء فإنه يتعين بالدفع بعد العقد، ويصير كما لو عقد البائع عليه، وكأن الموكل إنما وكله على أن يدفع إليه الثمن مرة واحدة. وأما التفرقة بين أن يكون دفع الثمن قبل العقد أو بعده، فإنه إذا دفع ذلك قبل العقد قصر الوكيل على الثمن المدفوع، وكأنه شرط ألاّ يعقد على ذمته بل على عين ما دفعه إليه. وإذا لم يدفع ذلك إليه فكأنه أمره بالعقد على ذمته فلا تزال ذمة الموكل مطلوبة حتى يصير إلى بائع السلعة. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اشترى رجل عبدًا بمال دفعه إليه، فإنه إذا عقد الشراء على أن يكون العبد ملكًا له، لزمه العقد ودفع الثمن من مال نفسه. فإذا دفعه من مال لا يستحقه بل يستحقه سيد العبد الذي باعه فإنه يبقى للبائع ما دفعه إليه من مال عبده، ويطالبه بأداء الثمن من مال نفسه، كما لو غصب دنانير دفعها في ثمن هذا العبد فأخذت من يد البائع بالاستحقاق، فإن المشتري يطالب بخلفها. وإن كان الثمن عرضًا انفسخ العقد لأن من اشترى عبدًا بدنانير أو دراهم فاستحقت الدنانير أو الدراهم من يد من دفعها المشتري إليه كان على المشتري خلفها. ولو اشترى العبد بعرْض فاستحق العرْض من يد البائع كان له ارتجاع عبده. فإذا كان المشتري إنما دفع مال العبد عرضًا فهو ملك لسيد العبد، وكأنّ سيد العبد استحقه وإنما باع العبد به، فإذا استحق رجع في عبده. وهذا التعليل، الذي ذكرناه، لأجله فرق بين أن يكون المشتري استثنى مال العبد لما اشتراه أو لم يستثنه. فإنه إذا لم يستثنه كان المال المدفوع للبائع مما يستحقه البائع. فإذا اشترطه المشتري لم يستحقه البائع وصار أيضًا المشتري

стр. 2072

كأنه هو الذي استحقه وملكه لما استثناه وقدر على ملكه بالانتزاع، فلم يدفع في ثمن العبد إلا ما قد استحقه وهو في حكم ملكه. ولم يقدروا كون هذا العبد وهب هذا المال لمشتريه قبل عقد البيع فيكون لسيده رد هبته، فيبقى هذا الحكم واجبًا للسيد بعد البيع لأنه إنما له رد الهبة بشرط بقاء الملك، وإذا سقط ملكه عن العبد وعن ماله سقطت الحقوق التابعة للملك من رد ما وجب له رده لو بقي على الملك. وهذا إذا كان إنما اشترى العبد ليملكه وأما إن اشترى العبد ليملك نفسه واستثنى المشتري ماله، فإن العبد يكون حرًا، إذ يستحيل أن يملك العبد نفسه. ولا مقال للسيد لكون المال لما استثني سقط مقالط البائع فيه كما قدمناه. فأما إن كان المشتري لم يستثنه فإنه قد بقي حق البائع فيه. وكأن المشتري اشتراه بمال ودلس على البائع فدفع له ما هو مال له. فكان الواجب أن يغرم المشتري الثمن الذي دفعه إلى البائع، وهو ما لا ملك له عليه وإنما هو من أملاك البائع. لكن في الموازية أنه يبقى رقيقًا لسيده الذي باعه. وكان مقتضى الأصل الذي قدمناه أن يغرم المشتري ثمنه ثانية، كما بيناه إذا اشتراه ليملكه، لأن من اشترى شيئًا فعليه ثمنه، ولو اشتراه شراء وكالة. لكن هذا إذا اشترى العبد ليملك العبد نفسه كنا إذا غرمناه الثمن لم يجد مرجعًا، ولا يأخذ عنه عوضًا، لكون العبد قد عتق بهذا الشراء، وولاؤه لسيده لما كان عتقه بمال هو كملك لسيده. فلهذا ذكر ابن المواز أنه يبقى رقيقًا ولا يغرم مشتريه الثمن ثانية، لكونه لو غرمه لم يأخذ عنه عوضًا. وقد كنا قدمنا في هذا الكتاب الإشارة إلى هذا التعليل في اختلاف الوكيل والموكل فيما وكل الوكيل على شرائه. ولو كان الثمن على هذا عرضًا لبطل العقد لما قدمناه من كون استحقاق العرض يوجب انفساخ العقد ويرجع العبد ملكًا لسيده. ولا يمنع من رجوعه ملكًا كون العقد وقع على أن يملك العبد نفسه فيعتق، والعتق فوت في الاستحقاق، لأن مشتريه لم يبتد عتقه، وإنما أعتقه الشرع لاستحالة ملك الإنسان نفسه، مع كون مشتريه ها هنا لا يطالب

стр. 2073

بغرامة الثمن لأجل ما قلناه. بخلاف أن يشتري العبد ليملكه فإنه يطالب بالثمن ثانية لكونه أخذ عنه عوضًا وهو العبد. ولو اختلف ها هنا الموكل، وهو العبد، ووكيله، وهو مشتريه، هل وقع العقد على أن يملك العبد نفسه، أو يكون ملكًا لمشتريه؟ فإن القول قول المشتري ها هنا، لأن الحوز واليد وتولّي الشراء دليل على الملك، فصار العبد مدعيًا خلاف ما يقتضيه الظاهر. ولا مطالبة للعبد باستحلاف مشتريه على هذه الدعوى، لأن قول العبد: إنما اشتريتني لنفسي معناه أني حر، ودعوى العبد العتق لا يوجب يمينًا. وأما تعلق اليمين على المشتري لحق السيد فإنه إن كان المشتري قد استثنى ماله فلا مطالبة للبائع على المشتري بيمين، إذ لا حق له في المطالبة بغرامة ثمن فيرجع العبد لأجله. وإن كان ثم يستثن المشتري فمن حق البائع أن يستحلف المشتري، لأنه يقول: إذا كان الشراء ليس لك، ولكن ليملك العبد نفسه، بطل العقد وبقي العبد على ملكي، كما قدمناه عن الموازية. والمشتري يقول: بأن العبد يبقى على ملكي، وإنما عليّ غرم الثمن ثانية. فهذا التفصيل في تعلق اليمين في ما بين البائع والمشتري لأجل ما ذكرناه من التعليل. وأما في حق العبد فإنه قد ذهب بعض الأشياخ إلى أنه لا تتعلق بدعواه يمين، كما تتعلق بدعوى العبد. وهذا مما قد يختلف فيه لأجل أن سقوط اليمين في دعوى العتق لأجل ما تحته من تكرره، فلحق السادات بهذا مضرة. كما تسقط اليمين في دعوى الطلاق لما يخشى من تكرره. وهذا مما لا يتكرر مع كونه ليس بدعوى صريحة بالعتق وإنما هو تنازع في مال أن الدعوى فيه إلى العتق، ومراعاة المال مما يقع فيه الاضطراب. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا باع السلعة مالكُها، وباعها من وكّله على بيعها، عُلِم أوّلُهما بيعًا فإن العقد السابق هو النافذ الماضي. والعقد الثاني مردود. وقع ذلك من الموكّل

стр. 2074

صاحب السلعة وكيله (١). وإنما كان الحكم تقْدمة الأول لكونه وقع من وجه صحيح لازم لا رجوع لأحد المتعاقدين. لأنه إن كان الذي عقد أوَّلًا مالكَ السلعة فقد باع ملكه، وبيعه لملكه عزل لوكيله الذي وكله على بيع هذه السلعة، إذ لا يصح أن يملك كل واحد من المشتريين جميعًا معًا بعقد واحد. فلما استحال ذلك صار عقد مالكها عزلًا لوكيله عن بيعها. وكذلك لو كان الذي عقد أولًا هو الوكيل لنفذ ذلك أيضًا، لأنه عقد بوكالة صحيحة فوجب نفاذه كعقد مالكها. وكونه ليس له عزل وكيله عن البيغ بعد أن عقد الوكيل البيع. وسواء ها هنا علم العاقد، الذي هو الوكيل أو المالك، أنَّ عقدًا سبق فيها أو لم يعلم، لأنه ترجع العقد الأول بالسبق لصحة الملك كما ذكرناه. وهذا إذا لم يقبض السلعة أحد المشتريين، فإن قبضها أحدهما وكان هو الأول فلا خفاء بأنه أحق بها لترجح جانبه بأمرين: أحدهما السبق للعقد، والقبض للسلعة المبيعة. وإن كان القابض هو المشتري الثاني، وثبت أنه عالم بأنه قد سبق في هذه السلعة عقد نافذ، أو علم العاقد منه الذي هو البائع ذلك، فإن قبضه لا يؤثر، والسلعة لمن عقد عليها أوَّلًا، كان العاقد منه مالكها أو وكيله. لأنه إذا كان عالمًا بأن عقدًا قد تقدم فيها يجب إنفاذه، صار متعديًا في عقده عليها، فوجب رده. وإن كان الذي عقد من المشتريَ الثاني لم (٢) يعلم بسبق عقد فيها، وقد قبضها الثاني فها هنا قولان: هل يكون انعاقد الأول أوْلى، لما قدمناه من ترجيح جانبه بالسبق؟ وإلى هذا ذهب. المغيرة ومحمد بن عبد الحكم. أو

стр. 2075

يكون الثاني أولى لترجيح جانبه بالقبض، وكون هذه السلعة لو هلكت في يديه وقد قبضها بعقد معاوضة لكان ضمانها منه والضمان شبهة وترجيح يوجب أن يقويه بذلك. وهذا هو المشهور من المذهب والمنصوص في المدونة. وعلى هذا يجري الأمر في امرأة عقد عليها ولياها، وقد وكلت كل واحد منهما على العقد، فإن الأول أولي بها إذا لم يدخل بها أحدهما لترجيح الأول بالسبق، إلا أن يدخل بها الثاني، وهو غير عالم بأنه قد تقدم فيها عقد. ولو ثبت أن الذي عقد منه من الوليين علم بأنه قد تقدم فيها عقد، فإن المسألة فيها قولان أيضًا: المشهور من المذهب أن الزوج الثاني الذي دخل بها أولى لحرمة الفروج والاطلاع عليها. وذهب محمَّد بن عبد الحكم إلى أنّ الأول أولى، وإن في خل بها الثاني، لكون الأول قد ملك عصمتها بوجه صحيح. وقد حرم الباري تعالى ذوات الأزواج بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)، وإذا كانت قد حرم العقد عليها فلا يؤثر ذلك علم العاقد أو جهله في وجوب فسخ عقده، كما لا يؤثر العقد على الرضيعة مع الزوج، علم الزوج بذلك أو جهله، في وجوب فسخ عقده. وقد ذكرنا عن المغيرة أنه ذهب إلى أن المشتري الأول أحق، وإن قبض المشتري الثاني السلعة، لكنه ها هنا وافق الأكثر من أصحابنا على أن الزوج الثاني أحق إذا دخل بها، لعظم لحرمة الاطلاع على الفروج وانتشار الحرمة في النكاحات. فصار في مجموع المسألتين ثلاثة أقوال: أحدها: أن الثاني أولى إذا قبض السلعة أو دخل بالزوجة. وهذا هو المشهور من المذهب. والثاني: أن الأول أولى وإن دخل الثاني وقبض السلعة. وإليه ذهب محمَّد بن عبد الحكم. والقول الثالث: التفرقة بين النكاح والبيع فيكون الزوج الثاني أولى بالزوجة إذا دخل بها. ولا يكون المشتري الثاني أحق بالسلعة وإن قبضها وإليه

стр. 2076

ذهب المغيرة. وقد ذكرنا سبب هذا الاختلاف كله وإسناده إلى افتراق طرق الترجيح بالسبق أو بالقبض وشبهة الضمان .. لكن مقتضى ما نبهنا عليه من التعليل يقتضي أن من وكل على كراء داره، فعقد الوكيل كراءها وعقده مالكها، وقد عُلم الأول من العقدين، ولكن الذي عقد متأخرًا سكن الدار فإنه لا يكون أحق بها لأجل هذا القبض، لكون ما يأتي من المنافع التي يطلب المكتري الأول أخذها لم تخلق ولم تقبض، فعادت المسألة إلى كون الأول أولى إذ لم يقبض الثاني. وأيضًا فإن ضمان المنافع من رب الدار. فما ذكرناه في السلعة المقبوضة من كون الضمان من قابضها مرتفع ها هنا. لكن نزل هذا السؤال وأنا حاضر مجلس الشيخ أبي الحسن المعروف باللخمي، ﵀، فأفتى يكون الساكن أولى وإن تأخر عقده. ورأى سكناه شبهة على ما يقتضيه المشهور من المذهب عنده. وذكر أن بعض أصحابه خالفه في هذا لأجل ما ذكرناه من فقدان الضمان للمنافع بخلاف الأعيان التي تضمن بالقبض مع كون القبض لما سيخلق من المنافع غير حاصل الآن. وذكر أن الشيخ أبا القاسم السيوري، ﵀، ورد جوابه بموافقة ما ذهب إليه طردًا لأصل المذهب. ورأى أدب سكنى الساكن حيازة وقبض يوجب ترجيح جانبه كما يترجح جانبه بقبض الأعيان. وهذه المسألة في النكاح والبيع قد تسند إلى ما اختلف فيه أهل أصول الفقه من ورود النسخ في الأحكام من الله، سبحانه، هل يتحقق حكمه عند نزوله وإن لم يبلغ المكلف. اقتضى هذا أن تصرف الوكيل وعقوده بعد أن عزل لا تنفذ، وإن لم يعلم بالعزلة، فكذلك يجب ها هنا إذا عقد رب السلعة بيعها، ثم عقد وكيله بيعها من رجل آخر ولم يعلم ما صنعه ربها، فإن عقده مردود، ولو قبض السلعة من عقد منه الوكيل، لكون عقده كلا عقد. فهو قد عزل بعقد ربها عليها وإن لم يعلم الوكيل. وإن قلنا: إن حكم النسخ لا يتحقق إلا إذا بلغ المكلفَ، فها هنا عقد ربها

стр. 2077

عليها لا يوجب عزل الوكيل عن العقد فصار عقده واقعًا، والحكم إنفاذه. فتعود المسألة إلى ما ذكرناه من طلب الترجيح بين المشتري الأول والمشتري الثاني وهذا إذا تقدم عقد رب السلعة. ولكن التعليل العام لجميع هذه المسائل ما قدمناه ميت اجتماع الترجيح في جانب واحد، أو افتراقه في الجانبين جميعًا وهما المشتري الأول والمشتري الثاني. فالأول الترجيح بالسبق، والثاني الترجيح بالقبض. هذا كله إذا علم الأول من المشتريين أو الزوجين. فأما إن لم يعلم السابق منهما في النكاح أو البيع فليس أحدهما بأن يكون أولى من الآخر. فإذا ثبت عدم الترجيح بينهما وأنهما سيان، يجب أن لا يقدم أحدهما على الآخر، كان الحكم قسمة المتنازع فيه بينهما، كمالٍ يتنازع فيه رجلان، ليس هو في يد واحد منهما ولا في يد مالك يدعيه لنفسه، فإن الحكم أن يقسم بينهما. فهكذا يجب ها هنا. لكن الفرج تستحيل قسمته بين هذين الزوجين فوجب فسخ عقدهما جميعًا. وأما السلعة فإن قسمتها إذا كانت مما تنقسم يمكن عقلًا وشرعًا، فوجب أن تقسم بين هذين المشتريين، ويكون ذلك كاستحقاق نصف الصفقة. وقد تقدم بيانه في موضعه. وإن كانت لا تقسم كان لكل واحد منهما أن يفسخ العقد عن نفسه بحكم ما طرأ من عيب الشركة. وإن تصور في الظاهر أن هذا العيب كعيب حادث بعد العقد في حق من سبق العقد منه، فإنه يقدر كعيب قديم (١) سبق العقدَ لما كان سبب هذا من مالك السلعة إذ باعها وقد وكل على بيعها. فإن ردا جميعًا السلعة لأجل ما تحقق فيها من عيب الشركة، وصارت إلى البائع، وكل واحد منهما يزعم أنه هو الأول، فأراد البائع أن يلزم أحدهما جميع السلعة لاعترافه أنه هو الذي يستحقها بحكم العقد السابق، فإن هذا عندي مما

стр. 2078

للنظر فيه مجال، لأجل أنه كعيب ذهب من السلعة فلم يكن لمشتريها مقال فيه بعد ارتفاعه وذهابه. أو يقدر أنه كعيب ذهب بعد أن حكم بوجوب الرد به. فذهابه لا يمنع من إمضاء حكم ما وقع من الرد. لكن هذا على مقتضى قول من زعم أنه هو الأول، وليس بعيب محقق في ذات السلعة، لاعتقاده أن من نازعه فيها وزعم أنه اشتراها قبله ظالم. فإذا ذهب حكم هذا الظلم بقي العقد لازمًا على حسب ما كان. وقد تكلمنا في كتاب الرد بالعيب على أحكام ذهاب العيوب قبل القيام بها مما يعلم منه وجه الحكم ها هنا. وكذلك لو رد أحدهما بعيب الشركة ولم يرد الآخر، ولكنه يزعم أنه هو الأول والبائع يصدقه في ذلك فإنه لا خفاء بأنه يمكن من السلعة لاعتراف البائع أنه يستحقها وأن المشتري الآخر ظالم له في دعواه. لكن لو كان البائع يزعم أن هذا الذي تمسك بنصفها هو المشتري الآخر، وأن الذي رد عليه النصف هو المشتري الأول ومستحقه، فإن هذا يلاحظ ما كنا قدمناه في كتاب بيع الخيار. في مشتر اشترى سلعة بالخيار ومات وورثه ولدان أمضى أحدهما الشراء ورده الآخر. وقد ذُكِر هناك الاستحسان لتمكين من اختار إمضاء الشراء من نصيب أخيه الذي رده على البائع لما كان البائع خرجت عن ملكه، وله مقال في تبعيضها عليه، فإذا زال التبعيض وحصل له جملة الثمن سقط مقاله في التبعيض. وأما لو صدق البائع أحدهما في أنه هو الأول، فإنه قد اختلف في الزوجة إذا عقد عليها ولياها من رجلين، وقد وكلت كل واحد منهما على العقد، ولم يعلم من عقد منهما أوّلًا، لكن الزوجة اعترفت بأن أحدهما هو الأول. هل يترجح جانبه بذلك أم لا؟ فإن قلنا: لا يؤثر تصديقها لأحدهما في كونه هو الأول مع كون النكاح يجب فسخه فيهما جميعًا، فكذلك ها هنا لا يصدق البائع المالك لسلعة في أن أحدهما هو الأول. وإن قلنا: تصدق الزوجة في النكاح، فإنه قد لا يلزم على هذا أن يصدق في البيع لكون كل واحد من المشتريين قد تعلق له حق بنصف هذه السلعة لوجوب قسمتها بينهما. فلا يُبطل حقه دعوى

стр. 2079

البائع أنه هو الأول. وسنتكلم على هذا من تصديق مالك السلعة أو الزوجة في كتاب النكاح إن شاء الله. والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا وكل رجل رجلًا على أن يرهن له سلعة دفعها إليه، واختلف الموكل ومن هي في يديه رهنًا في مقدار ما رهنت فيه. فإن ذلك يجري على أحكام الرهبان في تصديق من هي في يديه في مقدار قيمتها، ولا يمكن مالكها من أخذها إلا بعد دفع قيمتها على ما سنبين في كتاب الرهن، إن شاء الله تعالى. ثم لا يخلو الوكيل الواسطة بينهما من. أن يكون صدّق من وكله، أو صدق من ارتهنه، أو خالفهما. فإن كانت قيمة السلعة عشرة، وزعم من هي في يديه أن الرسول ارتهنه إياها في عشرة، وقال الموكل: لم آمر ال رسول الله بخمسة. فإن المرتهن إذا حلف أنها رهن في عشرة لم يمكن الموكِّل منها إلا بأن يدفع عشرة. وكذلك لو كانت قيمتها أكثر من عشرة ولم يدع من هي في يديه إلا أنها رهن في عشرة فليس على الموكل إلا عشرة التي ادعاها المرتهن. وإن كانت قيمتها أقل من عشرة وهي الخمسة التي ادعاها الموكل صدِّق الموكل في ذلك ودفع خمسة وأخذ الرهن. فإذا عُلم الحكم بين مالك السلعة وبين من هي في يديه رهن عُدْنا إلى الواسطة. فإن صدق المرتهن في أنها رهن في عشرة وكانت قيمتها كذلك، ودفع الموكل عشرة فإنه يستحلف الرسول على أنه أوصل إليه العشرة لتوجه غرامة خمسة عليه زائدة عما أقر به، وهو منكر أن يكون الرسول أوصل إليه أكثر من الخمسة التي أقر بها. لكن لما لم يمكِّنْ من أخذ السلعة إلا بزيادة على ما أقر به توجهت اليمين على الرسول لكونه يزعم أنه أغرمه ما لم يأمره به. وكون الرسول يدعي أنه أوصل، جميع العشرة إليه وهو ينكر وصول جميعها إليه، والمرتهن يقول: إني دفعت جميع هذه العشرة إلى الرسول. فتأكد بهذا

стр. 2080

استحلاف الرسول. وكان الرسول مصدَّقًا في ذلك مع يمينه، لكون الموكل ائتمنه على ذلك. ولكنه يحلف لإنكار المؤتمن له أنه وفي أمانته. وكذلك لو صدق الرسول الموكل في أنه لم يأمره إلا بخمسة، وزعم أنه لم يرهنها إلا في خمسة، فإن ذلك لا يوجب أخذها من يد من هي في يديه بأقل من قيمتها، كما لا يصدق مالكها إذا تولى رهنه ابن فسه في أنها رهن في دون قيمتها. وحكم يمين الواسطة على ما ذكرناه. وتصديق من هي في يديه، وهي في مقدار قيمتها، إنما ذلك مع يمينه؛ لأن قيمتها كشاهد بصدقه، ومن أقام شاهدأواحدًا فلا بد من يمينه. فإن نكل من هي في يديه عن اليمين حلف الموكل وأخذها، إذا دفع الخمسة التي أقر بها. ثم ينظر في الرسول فإن صدق من هي في يديه أنها في عشرة فإنه يختلف في القضاء عليه للمرتهن بالخمسة التي اعترف أنه قبضها منه وجحده الموكل أن يكون أوصلها إليه، وحلف أنه لم يأمره إلا بخمسة ولم يوصّل إليه إلا الخمسة. كما اختلف فيمن أتى إلى من عنده وديعة لرجل، فزعم أنه أنفذه ليقبضها له فصدقه المودع ودفعها إليه، ثم أتى المودع لها فأنكر أن يكون بعث لقبضها أحدًا، فغرمها المودع، ثم أراد أن يطلب بها من قبضها منه، فقد قيل: لا مطالبة له عليه لكونه قد صدقه في كونه رسولًا لمالكها ولولا ذلك لم يدفعها إليه. وقيل: بل يطالبه بما قبضه منه وكان سببًا في غرامته، لأنه يعتذر بأنه إنما صدقه في ظاهر الأمر لا في باطنه. وإنما صدقه بشرط أن يصدقه مالك الوديعة. فكذلك ها هنا إذا كان المرتهن قد قبل قول الرسول: أن الموكل أمره أن يرهنها في عشرة، وقيمتها خمسة، فحلف للموكل ودفع خمسة وأخذها. فإن الرسول مقر أنه قبض ممن هي في يديه عشرة وأنه أوصلها إلى الموكل. فالخمسة الزائدة على ما أقر به الموكل إنما قبضها الوكيل ممن الرهن في يديه ليوصّلها إلى الموكل. وكأن من بيده الرهن مصدق له أيضًا في أنه لم يكذب على من أنفده فيجري فيه الخلاف المذكور.

стр. 2081

وإن كان الرسول إنما صدق الموكل في أن الرهن في خمسة، فإنه لا يمين لمن في يده الرهن على هذا الرسول، لكون الرسول له أن يرد اليمين الواجبة علمِه لمن في يده الرهن. والذي في يده الرهن قد نكل عنه للموكل، فيكون ذلك نكولًا أيضًا في حق الوكيل. ولو اختلف الثلاثة، فقال من هي في يديه: هي رهن في عشرين. وقال الرسول بل في خمسة عشر. وقال المالك: بل في خمسة. وقيمة السلعة عشرة. فإن مَن هي في يديه يحلف أنها في عشرين، ثم لا يصدق إلاّ في عشرة التي هي قيمة الرهن. وإنما يحلف على العشرين إذا شاء مخافة نكول يوجب تصديقه مع يمحِنه في العشرين. ثم لا يمكّن الموكل من أخذها إلا بدفع قيمتها التي هي عشرة، ثم يغرم الوكيل خمسة لاعترافه لمن في يديه الرهن أنه قبضها منه، والموكل يزعم أنه لم يوصلها إليه. هذا هو المنصوص في هذه المسألة. ويتخرج في غرامته لهذه الخمسة من الخلاف ما أشرنا إليه. وإذا كانت قيمة الرهن عشرة، وقال الموكل: هو في خمسة وصدقه الوكيل، ولم يمكن الموكل من أخذها إلا بعد أن يدفع العشرة التي هي قيمتها، فإنه لا مطالبة له على الوكيل، لكونه فرط إذ لم يشهد حتى أوجب على عليه غرامة الخمسة الزائدة على ما يطابق عليه الوكيل والموكل. بخلاف ما تقدم في هذا الكتاب من أن الوكيل إذا أُمِر بأن يبيع سلعة فباعها ودفعها للمشتري فجحد المشتري، إنه ضامن، لكون الوكيل فرط في الدفع بغير إشهاد، لكون هذا، ها هنا، ينسب التفريط فيه أيضًا للموكل، إذ تسلف خمسة وأرهنه فيها ما قيمته عشرة، وهو يعلم أنه شاهد عليه، فصار هو الممكنَ من تصديق من في يديه الرهن وجحوده، فأشبه الوكيل إذا فرط بحضرة الموكل، فإنه لا مطالبة عليه، لكون الموكل لما حضر كالراضي بتفريطه، مع كون ما أسلم إليه من الرهن ليدفعه لغيره قد أقر له من أمر الوكيل أن يدفعه إليه. هذا حكم الاختلاف في الرهن إذا دفعه الواسطة رهنًا على الموكل. وأما لو كان مالكٌ أعارها لرجل ليس في سلف يتسلفه لنفسه، فإن القول

стр. 2082

قول المعير في مقدار ما أذن المستعيرَ أن ير هنا (١) فيه لأن المستعير كموهوب له والمعير كواهب. والقول قول الإنسان فيما وهب من ماله. ولو كانت قيمة الرهن ها هنا عشرة، والمعير يقول: ما أعرتها إلا على أن يرهنها في خمسة. فحلف المعير وأخذها إذا قبض من هي في يديه خمسة، ثم لا يكون قيمتها حجة على المستعير في أنها رهن في عشرة التي هي قيمتها، لكون المعير لما حلف استحق ارتجاعها فخرجت بذلك عن أن تكون رهنًا. فصار القول قول المستعير في مقدار ما تسلف عليها لكون المسلف له لا رهن بيده يحتج به، والرهن إنما يكون شاهدًا على نفسه على ما سنذكره في كتاب الرهن ونذكر الخلاف فيه، إن شاء الله تعالى. ومما يلحق باختلاف الوكيل والموكل قول الوكيل: أمرتني أن أبيع لك هذه السلعة. وقال ربها: بل بعتها منك. وقد باع هذه السلعة من زعم أنه وكيل على بيعها، فإن ربها يحلف على أني ما وكّلتك على بيعها، ويحلف من زعم الوكيل على أنه لم يشترها، ويرتجعها ربها إن كانت قائمة، وإن فاتت فقيمتها بدل عينها تؤخذ من مُفِيتها، إلا أن تزيد القيمة على ما يدعيه ربها من الثمن فلا يزاد، لاعترافه أنه لا يستحق أكثر من الثمن الذي يزعم أنه باعها به ممن زعم أنه وكله على بيعها. وقد عورض هذا بأن هذا الاختلاف تضمن الاتفاق منهما على أن مشتريها من هذا الذي يزعم أنه وكيل على بيعها، وقد عقد منه شراءها بوجه لازم. فإن كان ربها صدق في أنه باعها، فهذا الذي باعها من هذا المشتري التي تؤخذ من يديه، باع منه ما ملك، وما يلزم فيه بيعه على مقتضى دعوى رب السلعة. وإن كان الذي زعم أنه باعها (٢) بيع وكالة فلا يسوغ لربها أن ينتزعها من يد من اشتراها من يد وكيله. لكن إنما كان المذهب في هذا ما قدمناه من تمكين ربها من أخذها إذا حلف على صحة دعواه لكونه لم يقر بصحة بيع (هذا الذي زعم أنه

стр. 2083

وكيل، إلا على أنّ في ذمته ويبيعها على ملكه ويكون للمشتري منه العهدة عليه) (١). فإذا لم يحصل هذا لرب السلعقا، بجحود من زعم أنه اشتراها منه عادت إلى ملكه، كمن ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة فأنكر وحلف، فإن السلعة تعود إلى ربها، ثم ينظر في استباحة ربها التصرف فيها أو بيعها في الثمن الذي جحده من اشتراها منه، على ما تقدم ذكره وبيانه، وقد ذكر في المدونة سؤالًا ليس هو من اختلاف الموكل والوكيل، فرأينا أن نذكره ها هنا أيضًا. وقد قدمنا الأصول التي يؤخذ منها حكمه في كتاب السلم. وذلك أنه قال في مشتر اشترى من رجل طعامًا فوجد به عيبًا فأتى ليرده على بائعه؛ فزعم البائع أنه أمسك من الطعام الذي باعه نصفَه. فقال في الكتاب: القول قول المشتري إذا قال: ما اشتريت إلا نصف حمل، وقال البائع: بعتك حملًا كاملًا. كما لو باع منه سلعة فوجد بها عيبًا، فلما ردها يالعيب، قال البائع: قد بعتك معها سلعة أخرى، فلا تستحق قبلي جميع الثمن لأجل ما أمسكت من الصفقة. فصُدق المشتري، ها هنا، لما وجب انتقاض العقد لوجود العيب. وانتقاضه يوجب رد ما قبضه البائع على أنه ثمن المبيع، فيقتضي هذا تصديق المشتري، ويصير البائع مدعيًا على المشتري أنه يستحق عليه مما قبضه منه من الثمن ما قابل المقدار الذي أمسكه المشتري وجحده. وقد كنا قدمنا في كتاب الرد بالعيب أن مذهب أشهب وهو اختيار ابن المواز ما يشير إلى عكس هذا التعليل، وينقلب الأمر فيه حتى يصير المشتري هو المدعي. وذلك أنه قال فيمن باع من رجل ثوبين وفات أحدهما ووجد بالآخر عيبًا، فأتى ليرده ويسترد ما قابله من الثمن، وزعم أنه في القيمة ثلثا الصفقة، وقال البائع: بل هو ثلثها. فصدق أشهب البائع فيما زعم، لكون المشتري مقرًا بأن ذمته قد استقر فيها جملة الثمن استحقها البائع عليه، ويزعم أنه أسقط عنه بعضها، فلا يصدق فيما يدعي سقوطه عنه. كما لا يصدق من أقر بدين وادعى سقوطه بالقضاء.

стр. 2084

وفرق ابن القاسم في المدونة بين أن يكون البائع قد انتقد الثمن فيصير المشتري مدعيًا عليه رد بعض ما انتقد، فلا يؤخذ البائع بأكثر مما أقر به، ولا يلزم أن يرد إلاّ ما اعترف بوجوب رده. وإن كان البائع لم ينتقد صدق المشتري لكون البائع يحاول تعمير ذمته بما لم يقر به، والأصل براءة ذمته. وقد أشار بعض المتأخرين إلى أنه يلزمه أن يقول في مسألة العمل ونصف حمل مثل ما حكيناه عنه ها هنا في تفرقته إذا اختلفا في الفائت بين أن يكون البائع قد انتقد وبين ألا يكون قد انتقد. وقد كنا نحن ذكرنا في كتاب الرد بالعيب من تعليل الاختلاف ما يعلم منه وجه الحكم في مسألة كتاب الوكالات. وذكر في المدونة في كتاب الوكالات أن المشتري لو ادعى ما لا يشبه فإن البائع يصدق في أنه لم يبع منه إلا حملًا كاملًا. لكنه وإن كان الأصل عنده تصديق المشتري لأجل ما اعتللنا به فإنه تصير دعواهُ ما لا يشبه كقيام شاهد بكذبه، فيصير القول قول البائع ها هنا كمدع قام له شاهد. ولكن طرد هذا: أن يمنعه البائع من رد نصف العمل إذا حلف أنه ما باعه إلا حملًا كاملًا، لأن استحقاق نصف الطعام يوجب لمن استحق من يديه رد ما لم يستحق. وكذلك البائع ها هنا من حقه أن يُمنع من رد نصف ما باع مع استمساك المشتري بالنصف الآخر. لكنه في المدونة استحلف المشتري على صحة ما يقول ليمكن من الرد الذي زعم أنه ما اشترى سواه. فجُعل هذا كحكم بين حُكْمين. لأن تصديق البائع يقتضي أن يمنع من رد نصف العمل إليه، بل يلزم المشتري إذا رد بالعيب أن يرد نصف العمل الذي جحده. وتصديق المشتري في أنه ما اشترى إلا نصف حمل يوجب أن يرتجع جميع الثمن، لكنه صدق البائع في مقدار ما يرد من الثمن خاصة دون منع المشتري من رد النصف حمل، وإسقاط النصف حمل الآخر. وصُدق المشتري في إسقاط النصف حمل عنه وتمكينه من رد ما زعم أنه جميع صفقته فاستُصحِب حال كون البائع مستحقًا لجملة الثمن، فلا يُرَد منه إلا ما أقر بوجوب رده، واستُصحب براءة ذمة المشتري من غرامة طعام لم يقر أنه

стр. 2085

صار إليه من البائع، لكون دعوى ما لا يشبه ها هنا لم يتضمن أكثر من كون الثمن لا يشبه أن يكون ثمنًا لنصف حمل، ولكن ما ينضاف إلى هذا النصف حتى تكون جملة الثمن الذي اتفقا عليه بعضه ثمن له لا يدري ما هو نصف حمل آخر أو سلعة أخرى. وهذا كما قيل في كتاب الأكرية من المدونة: إذا اختلف رب الدابة ومكريها في المسافة، وادعى ربها ما لا يشبه أن يكون ما اتفقا عليه من الثمن المسافةَ التي أقر بأن العقد وقع عليها، فإن المكتري إنما يصدق في مقدار ما ينوب ما اعترف اليائع به من المسافة من جملة الثمن، لا في إلزام رب الدابة إيصاله إلى المسافة التي يدعيها، لكون ما ينضاف إلى المسافة التي يقر بها البائع يمكن أن يكون ما قاله المكتري ويمكن أن تكون سلعة أخرى، ولا يؤخذ رب الدابة بأكثر مما أقر به في ملكه، ولا يصدق المكتري في سقوط ثمن أقر بحصوله عليه وقد ادعى ما لا يشبه فيه. وقد ألزم من أسلم إليه في طعام واختلف هو ومن أسلم إليه في مقدار الطعام، وادعى المسلم إليه ما يشبه، أن يغرم ما ادعى المسلم إليه، فأخْذه بدعوى من له السلم، وإن كان من عليه السلم يقر أنه باع المقدار الذي ادعاه من له السلم. وهذا كالمناقض لما قلناه ها هنا في مسألة الحمل ونصف حملٍ في مسألة الأكرية. لكن اعتذر عن هذا بما بسطناه وأشرنا إليه في كتاب السلم.

стр. 2086

كتاب بيع الغائب، والغرر

стр. 2087

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمَّد وعلى اله وصحبه وسلم تسليمًا. كتاب بيع الغائب، والغرر قال القاضي أبو محمَّد، ﵁: المبيعات ثلاثة أنواع: ١ - عين حاضرة مرئية. ٢ - وعين غائبة عن المتعاقدين، فيجوز بيعها على الصفة، ويجب أن تُحصَر بالصفات المقصودة التي تختلف الأثمان باختلافها، وتقلّ الرغبة وتكثر لأجلها. ولا يكتفي بذكر الجنس والنوع فقط. ولا يجوز بيعها بغير صفة إلا أن يكون على رؤية متقدمة من وقت لا تتغير في مثله إلى وقت العقد. ولا خيار للمبتاع إذا جاءت على الصفة أو على ما يَعرِف من الرؤية (١). إلا أن يشترطه على المشتري في ظاهر المذهب. قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:

стр. 2088

١ - هل يجوز البيع على صفة المبيع دون مشاهدته؟ ٢ - وهل يجوز البيع على غير صفة ولا رؤية؟ ٣ - وما حكم الضّمان في البيع االّذي لم يشاهد؟ ٤ - وهل يجوز تحويل محلّ الضّمان فيه؟ ٥ - وما حكم اختلافهما فيما وقع العقد عليه من صفات المبيع؟ فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: المبيع على قسمين: مبيع معيّن مشار إليه في الوجود، ومبيع موصوف في الذمّة. فأمّا بيع المعيّن المشاهد الّذي أحاطته رؤية المتعاقدين فلا خلاف في جواز العقد إذ قارن ذلك الرؤية والمشاهدة. (فإن تقدمت الرؤية والمشاهدة العقد) (١) فلا يخلو أن يكون تقدم ذلك بزمن يعلم فيه تغيّر المبيع في مقتضى العادة أو يشك في ذلك أو يتحقق أنه لا يتغيّر. فإن كان يتحقق تغيّره وعُقد البيع على لزومه على أي حال وجد حين القبض فلا خفاء بفساد ذلك، لكون المشتري اشترى مبيعًا مجهولًا. وإن كان يشكّ في ذلك، ولا يدري هل هو وقت العقد على مثل ما تقدمت المشاهدة له، أو على خلاف ذلك من زياذة أو نقصان، وعقد البيع على اللّزوم على أيّ صفة كان، فإنّ هذا لا يشك في فساده لكون العقد وقع على مجهول. وإن كان يعلم أنّه لا يتغيّر في ذاته من حين المشاهدة إلى حين العقد، فالعلماء على جواز ذلك. لكن أبا القاسم الأنماطي من أصحاب الشافعي ذهب إلى فساد هذا العقد، ورأى أن مشاهدة المبيع حين العقد شرط في صحته وجوازه. وهذا مذهب فيه غلوّ وإسراف. وقد ذكر أن أبا سعيد الأصطخري ناظر رجلًا نصر مذهب الأنماطي، فقال له: أرأيت لو شاهد المشتري دارًا وأحاط بها

стр. 2089

علمًا، ثم خرج منها فعقد شراءها وهو قائم على بابها يجب على هذا المذهب أن يكون العقد فاسدًا؟ فالتزم له هذا الرجل فساد العقد. فقال له الأصطخري: لو كان خاتمًا في إصبعه فنقله إلى كله وأطبق يده عليه، هل يُفسد البيعَ عدمُ الرؤية عند العقد؟ فقال: نعم. فقال له: لو عقد الدّار وهو بوسطها وقد شاهد جميعها؟ فوقف له على التزام ذلك، لأنه لو التزم هذا لم يصحّ بيع دار ولا أرض، ولا يخفى فساد هذا لو التزمه على أحد. وعزا الأنماطي في هذا المذهب كون المذهب عندهم اشتراط الشهادة في جمقد النكاح، وإذا كانت الشهادة شرطًا في صحة النّكاح فإنّهم يقولون: لا بدّ أن يقارن العقد، وكذلك الرؤية، لمّا كانت شرطًا في صحّة بيع المبيع الحاضر، وجب أيضًا أن يقارن العقد .. وهذا فرع لا يناسب أصله؛ لأنّ القصد باشتراط الشهادة للعقد لأنّه يستحيل تقدّمها له، لأنّها إن وقعت على أنّ العقد وقع فلا يقال: تقدّمت. وإن تقدّمت على أنه سيفعل فيما بعد ذلك فذلك وعد بالعقد لا عقد. وإن وقعت الشهادة بالعقد بعد العقد فقد مضى زمن لم يحصل فيه المقصود من النكاح، ولا يمكن القدوم عليه وهو آمن من الحدّ، فلهذا اشترطوا مقارنة الشهادة للعقد من ذهب إلى هذا. وأمّا الرّؤية للمبيع فالقصد بها كون المبيع معلومًا، والعلم به يحصل على حالة واحدة سواء قارنت الرّؤية العقد، أو تقدّمته بزمن قريب يعلم قطعًا أنه لو أعاد بصوه إليه لم يتغيّر منه شيء عليه. وأمّا بيع ما ليس بعين يشار إليه، فالتمييز في الوجود ولكنه العقد على موصوف في الذمّة، فهذا هو السّلم. وقد تقدّم في كتاب السلم ذكر الدّليل على جوازه، والعلّة في جوازه أيضًا، ولا خلاف فيه على الجملة، وأشرنا إلى أن الاقتصار به على الصفة مِمّا تدعو الضرورة إليه، لأنه لو كان عينًا موجودًا لم يصح السّلم فيها، بك يكون العقد على هذه العين المعينة بشرط ضمانها إلى أجل إن هلكت قبله أتى البائع بمثلها. وقد بئنّا هناك ما في هذا من الفساد، فإذا إستحال هذا الوجه لم يبق بعده إلاّ الاقتصار على موصوف في الذمّة فلهذا أجمع على جواز السّلم.

стр. 2090

وأمّا بيع عين يشار إليها بالتمييز في الوجود من غير مشاهدة بل يقتصر فيها على الصّفة، فإنّ ذلك لا يخلو من أن يكون هذا المبيع سلعة حاضرة بين أيدي المتعاقدين يمكن النظر إليها والإحاطة بها بِالمشاهدة لها جملة وتفصيلًا من غير مشقة تلحق في ذلك، أو لا يمكن ذلك إلا بعد مشقة. فأما إن أمكن ذلك من غير مشقة لكونه ثوبًا مطويًّا بين أيدي المتعاقدين غير مستور بشيء ولا كلفة في نشرِهِ، فإنّ هذا، المعروف من المذهب أنّه لا يجوز العقد فيه على (١)، والعدول عن المشاهدة له على الجملة والتفصيل إلى الاقتصار على الصفة مخاطرة وتغرير وضرر لم تدع حاجة إليه. وقد اشتهر أنّ الخبر ليس كالمعاينة، ونحن نجد من أنفسنا أنّ الشّيء يوسف لنا ويجتهد الواصف له في البيان عنه وعن صفاته، فإذا وقع البصر عليه قصر عمّا تحمّلته النّفسُ منه من الخبر، أو زاد على ذلك. وهذا يقتضي كون العدول عن النّظر إلى الخبر غررًا في البيع. وقد رأى بعض أشياخي أنّ المذهب في هذا على قَولين، تعلّقًا منه بما وقع في المستخرجة فيمن قال: أبيعك كذا وكذا ثوبًا في صندوقِي هذا. ووصف المبيع لِلمشتري، وسلّمه إليه. فلمّا غاب عليه زعم أنّه لا يوافق الصّفة التي سمعها من البائع، أنّ المشتري لا يصدّق في هذا بعد غيبته عليه، والبيع لازم له. وهذا الذي تعلّق به من هذه الرّواية قد لا يسلم له لإمكان أن يكون فَتْح التَّابوت وإخراج ما فيه من الثياب وتقليبها واحدًا واحدًا، ثم ردّها إليه، فيه مشقّة، وربّما غيّر رَوْنق المتاع، فلهذا أجازه ها هنا كما يجيز بيع البرنامج. وكذلك لو كان الثوب المبيع مخبّئًا في وعائه، كساج في جرابه، فإن المذهب فيه على قولين في كتاب ابن الموّاز. وهذا أيضًا يمكن أن يكون إنما أجازه في أحد القولين لكون إخراجه من جرابه يفسد رونقه، وقد يشق إخراجه وإعادته، فأشبه ذلك بيع البرنامج، فيكون على هذا التأويل مَا لا يشقّ النظر إليه لا يختلف في منع بيعه على الصّفة لكون الصّفة لا تحلّ محلّ العيان، والعدول

стр. 2091

عنها مع القدرة عليها من غير كلفة غرر وجهالة بالمبيع، فأشبه ما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الملامسة (١). وهو الاقتضار في الثوب المطوي على لمسه خاصّة دون أن يوسف باطنه. ولكن هذا أوضح في الغرر والخطر لعدم الوصف له على التفصيل. وإذا كانت الصّفة لا تحلّ محلّ العيان صار تركها يقتضي العقد على مبيع مجهول، لا سيّما لو كان العقد على جارية فإنّ هذا لاخفاء بأنّ للمشاهدة من الاستحسان أو الاستقباح ما لا يوجد في الخبر أو الصّفة. وأما إن كان هذا الحاضر مشدودًا في عِدل كما يشدّ التجّار أصْنَاف المتاع في الأعدال العظيمة ويقتصرون في بيع ما (٢)، على ما أثبتوه في البرنامج من عدد كل صنف مما اشتمل العدل عليه وصفاته، فإن المذهب في هذا على قولين، المعروف منهما والمشهور جواز العقد على ذلك مقتصرًا فيه على الصفة دون المشاهدة. وقد أشار مالك ﵁ في الموطّإ إلى كون هذا متّفقا عليه عندهم، ولم يزل النَّاس يجيزونه عندهم. وهذا لاتّضاح المشقة فيه، وكون العدل إذا حلّ رباطه ووقف على ما فيه ثوبًا ثوبًا، بعد النّشر لكل ثوب، ثمّ يطوى ويعاد جميع ذلك إلى العدل ويشدّ، فإنّ هذا تُتكلّف فيه المشقة الشديدة، وقد يفسد رونق المتاع ويهجن منظره. فلهذا كان المعروف من المذهب جواز البيع في هذا. لكن ابن شعبان ذكر في مختصر ما ليس في المختصرًا نه لا يجوز البيع على البرنامج ولا سلعة غائبة على مسيرة يوم، وكأنّه رأى أنّ المشاهدة والرّؤية في هذا ممكنة ولا تبلغ المشقّة فيه إلى إباحة ركوب الغرر والاقتصار على الخبر دون المشاهدة والنظر. وكذلك قدّر في مبيع على مسافة يوم من مكان المتعاقدين إن إحضار ذلك لا يشقّ مع قرب هذه المسافة (يوم) ولا تبلغ المشقة فيه إلى العفو عن هذا الغرر الذي هو الاقتصار على الخبر دون المشاهدة والنّظر.

стр. 2092

وأمّا بيع عين غائبة على مسافة مفرطة في البعد جدًّا حتى يكون العقد على تلك العين التي في أقطار بعيدة لا يكاد أن يحصل منها وتعرف حقيقتها فإن (١) لا يجوز. وأمّا ما قصر عن ذلك وارتفع عن القرب القريب الذي ذكره ابن شعبان فإن عندنا جواز البيع على الصفة. ويجب أن تذكر الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض فيها والأثمان باختلافها، لأنّ ذكره ما سوى هذا من الأوصاف لا يرفع الغرر، لأنّ المشتري يجوز أن يكون ما لم يوسف له من أوصافها جيّدًا ويجوز أن يكون رديًا، والعقد على التزام ذلك على أيّ حال كان من هذا غرر وخطر، فإذا استوفى ذكر الأوصاف التي تختلف الأغراض فيها فقد اجتهد في رفع الغرر، لكن هذا وإن بالغ فيه فإن للمشاهدة زيادة في الاستحسان والاستقباح وتقوية الأغراض وضعفها، على ما علم من جهة الوصف والخبر. لكن لأجل هذا التقصير الذي وقع عن المعاينة اختلف النّاس في هذا البيع هل يجوز أم لا؟ فذهب الشّافعي في أحد قوليه إلى منع جوازه. وذهب أبو حنيفة إلى جوازه ونَفَى لزومه، وجعل المشتري الذي إنّما علم حقيقة المبيع من الوصف له الخيار إذا رآه. وأنت قد علمت أنّ للبيع أوصافًا وأحكامًا، فمن أوصافه الجواز والمنع، ومن أحكامه اللّزوم والانعقاد والخيار، فسلبه الشافعي ها هنا في أحد قوليه الجواز والصحّة. ولا شكّ أنّ ما انتفى عنه الصحّة والجواز انتفى عنه اللّزوم. فالوصفان جميعًا قد سلبا عنه عند الشافعي في أحد قوليه. وذهب مالك إلى ثبوت الوصفين جميعًا لهذا البيع وهما الصحّة والجواز واللّزوم، فإذا عقد هذا البيع ووجد المبيع على الصفة المشترطة لزم المشتريَ البيعُ. وذهب أبو حنيفة إلى نفي أحد الوصفين عنه، وهو اللّزوم والانعقاد، وأثبت الصحّة والجواز، وجعل للمشتري الخيار إذا رآه، وقد عقد على الصفة، ووجد المبيع على الصفة المشترطة. لكنّ أبا حنيفة توسّع في هذا، وذهب إلى أنّه يجوز العقد في هذا على الجملة وإن لم يذكر الجنس والنّوع، بشرط أن يشار

стр. 2093

في حال الانعقاد للبيع إلى عين متميّزة بالمكان، مثل أن يقول: بعتك ما في صندوقى أو ما في يدي، أو ثوبًا (أي جزني) (١) بالبصرة، أو ما في دار (٢) ببغداد، فإن هذا يجوز عنده ويكون للمشتَري إذا اطلع عليه ورآه الخيار في التزام هذا البيع أورده. بخلاف أن يقول: بعتك ثوبًا، ولا يشير إلى مكان يدلّ على التعيين والتمييز، فإن هذا يلحق بالسّلم في غير شيء موصوف، فيفسد. ولهذا جاز بيع ثوب من أحد ثلاثة أثواب على خيار المشتري لأحدها لما أضيف هذا التخيير إلى تعيين، ولو كانت أثواب أربعة لم يجز ذلك، وإن حصل فيه ما صوّره من التّعيين، لأنّ البيع لثوب من ثلاثة غرر، والقياس منعه، لكن يستحسن جوازهُ لقلّة الغرر. وكما أنّ الأصل عنده منعه بيع الخيار على الجملة لما فيه من غرر، ولكنّه أجيز منه خيار ثلاثة. أيام لخفّة الغرر فيها، ومنع اشتراط أربعة أيام لشدّة الغرر فيها. وأيضًا فإنّ الثلاثة من العدد تشتمل على الثلاثة من الأوصاف ائتي لا دافع لها، وهي كون الشْيء، جيدًا أو دَنِيئًا أو وسطًا. وهكذا كل جنس من أجناس المبيعات له طرفان وواسطة. فالثلاثة أثواب قد تشتمل على الثلاثة أوصاف من غير تكرير، وما زاد على هذا من العدد قد تكرّر فيه بعض هذه الأوصاف فيشتدّ الغرر، فلهذا أجاز بيع غائب أشير إليه بالتمييز على الجملة الدّالة على كونه عينًا موجودة، بخلاف ما لا يشير إليه بذلك بل يشار إليه بكونه سلماَّ فَي الذمّة. وعلى هذا الأسلوب اختلف أصحاب الشافعي أيضًا على قولين بناء على أحد قولي الشافعي في جواز بيع الغائب هل يكون خيار الرّؤية ثابتًا للمشتَري خاصّة والعقد في حقّه موقوف على اختياره ولازم للبائع أو يجوز أن يكون خيار الرّؤية لهما جميعاَّ مَثل أن يكون البائع ورث سلعة لم يرها فباعها على الضفة ثم رآها هو والمشتري بعد العقد. قال بعضهم: يكون الخيار للبائع في إمضاء البيع إذا رأى المبيع كما يكون ذلك للمشتري. وقال بعضهم: لا يجوز عقد هذا البيع

стр. 2094

لكثرة الغرر فيه. وكأن البائع وصف ما لم يره، وإنّما وصف عن وصف آخرَ له. وهذا يقتضي كثرة الغرر في هذا البيع ففسد. العقد فيه. بخلاف أن يكون الخيار للمشتري خاصّة دون البائع، جريًا مِمّن قال بهذا على ما قدّمناه من اعتبار خفّة الغرر وثقله وشدّته. فأنت ترى نكتة هذه المذاهب وهي الالتفات إلى كون المعاينة للشيء والمشاهدة تفيد فيه زيادة على ما يستفاد من الخبر عنه، وهذا لا يكاد يختلف فيه على الجملة في أجناس من المبيعات. فإذا علم أنّ المبيع من شرطه أن يكون معلومًا، وكونه مجهولًا يؤثر فيه فسادًا فهل هذا التقصير عن بلوغ الكمال في العلم به يلحقه بالمجهول بالكلية فيفسد البيع، كما قاله الشافعي في أحد قوليه، ويسلبه (١) اللّزوم دون الصحّة كما قال أبو حنيفة، أو لا يبلغ هذا التقصير عن الكمال في العلم به إلى إلحاقه بالمبيع المجهول فيصحّ البيع ويلزمه كما قال مالك ﵁، فهذا سرّ هذه المذاهب الثلاثة. وقد كشفنا عن ذلك وإنّما يبقى بعد ذلك النظر في استدلالات من قياس أو أثر يقتضي صحّة مذهب دون مذهب. فأمّا الظواهر فإنّه يتعلّق من يجيز البيغ بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ (٢). وهذا بيع يقتضى عموم الآية جوازَه. وقد ذكر ابن سحنون في ردّه على الشافعي أنّ ما ورد في الحديث المذكور فيه بيع الملامسة من نهيه ﵇ عن بيع السّلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، يقتضى دليل الخطاب فيه أنهم إذا أخبروا عنها لم يُنْهَ عن عقد البيع فيها. وأيضًا فإن عثمان بن عفّان ﵁ وعبد الرَّحمن بن عوف تبايعا فرسًا غائبة، وكذلك تبايع عثمان وطلحة ﵄ أرضًا غائبة، فقيل لعثمان إنّك غبنت. فقال: لا أبالي، لأن لي الخيار. وحكم بينهما جبير بن مطعم، ولم ينكر أحد من الصحابة عليهم هذه البيوع.

стр. 2095

وأيضًا فإنّ الأمّة أجمعت على جواز السّلم، والذي يسلم فيه غير مرئي وإنّما هو موصوف، فلولا أنّ الوصف للشيء يحلّ محلّ عيانه ما جاز السّلم فيه. ولهذا لم يجز السّلم فيما لا تضبطه الصفة. ولو كانت الرّؤية شرطًا في صحة العقود على المبيعات لم يجز النكاح إلاّ بعد رؤية الزّوجة، وقد قال ﵇: لا تصف المرأة المرأة لزوجها كأنّه يشاهدها (١). فأشار إلى كون الوصف يحلّ محلّ المعاينة. وإذا كانت المعاينة تُبيح العقد فكذلك ما أحلّه صاحب الشّرع محلّها. هذه نكت من صار إلى جواز بيع الغائب على الصفة. وأمّا من منع منه فإنه يتعلّق بأنه ﷺ "نهى عن بيع الغرر" (٢). والاقتصار على الوصف دون المشاهدة غرر. وينفصل الآخرون عن هذا بأنّهم لا يسلمون كونه غررًا وإذا لم يسلّموه لم يلزم إثبات كونه غررًا، ولا يثبت ذلك مع ما قدّمناه من الأحاديث الدّالة على كون الخبر يحلّ محلّ المعاينة. واحتجّوا بأنّه ﷺ "نهى عن بيع ما ليس عندك" (٣) والسّلعة الغائبة ليست عند بائعها. فاقتضى هذا الحديث منع العقد عليها. ويجيب الآخرون عن هذا بأنّ المراد ما ليس في ملكك ليس ما هو في ملكك غائب عنك، ألا تَرى أنّ ما لا تملكه لا يجوز بيعك فيه، ولو كان عندك. ودليل الحديث أنّ ما عندك يياع سواء كان ملكك أو ملك غيرك. والنّكتة التي يعول عليها عندهم في فساد العقد الاتّفاق على أنّ من شرط المبيع أن يكون معلومًا وطريق العلم ها هنا في المبيعات الرؤية لا الخبر، لأن خبر الواحد إنّما يفيد ظنًّا. ولو فرض ها هنا أخبار متواترة عن الوصف لم يحصل العلم بحقيقة المبيع الذي يحصل عن الرؤية. وكون المبيع عليها لم يتغيّر، ولو كان عليها حين العقد لأمكن أن يتلف العين بعد العقد وقبل القبض. وهذا الإمكان يرفع العلم وإذا ارتفع العلم صار المبيع مجهولًا وهذه النكتة قد فرغنا نحن من الجواب عليها فيما مضى. وينفصل عن

стр. 2096

القياس على السّلم بأن البيع في السّلم في الذمّة ليس بمعين ولو عقد الأمر فيه على التعيين لفسد، لأنّ السّلم في الاعيان لا يصحّ، فلم يبق طريق إلى هذا المبيع يتوصل إليه إلاّ الوصف. وأمّا النكاح فإنه لا يشترط فيه الصفة كما لا تشترط الرؤية فلا يصح إلحاقه بالمبيعات ائتي لا تصح إلاّ بالرؤية أو الصّفة. وعلى هذا الأسلوب يجري بيع الأعمى وشراؤه فإنّه إن عمي بعد أن كان أبصر أجناس المبيع وصفاته حتى يتخيّله بالوصف كما يتخيّله بالبصر فان عقده جائز. وإن كان خلق أعمى فإنّ أبا جعفر الأبهري منع عقده في المبيعات لكونه لا يتخيّل الموصوفة يحل (١) الوصف. وأجازه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب تقريرًا منه أن الوصف قد يتصوّر فيه الموصوف على الصّفات الّتي يرغب التجّار فيها ويزهدون فيها. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمّا خيار الرؤيّة فلا يخلو من قسمين إمّا أن يثبت حكمًا أو يثبت شرطًا. فأمّا إثباته حكمًا فلا شكّ في أنّ المبيع إذا وجد مخالفًا للصفة الّتي وقع العقد عليها فإنّه غير لازم للمشتري، وله ردّه على البائع، كما يردّ المبيع بعيب اطّلع عليه لم يبيَّن له حين العقد، لكونه خلاف ما دخل عليه. وأمّا إن وجد المبيع الغائب مطابقًا للصفة التي وصف بها فإنه لا خيار للمشتري لأنّ الوصف يحلّ محلّ المعاينة، كما وصفنا، وإذا لم يكن له خيار بعد أن عاين فلا خيار له إذا أخبر ووَجد المخبرَ عنه على ما هو عليه مِمّا تضمّنه. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ للمشتري خيار الرّؤية، كما قدّمناه عنه، لأجل أن الوصف يقصُر عن العيان فلا بدّ لهذا التّقصير من تأثير. ففقد العين المبيعة يؤثر منع العقد على البيع، والتقصير في الوصف يفيد نفي اللّزوم، لأنّ الوصف تابع للعين، فإذا أفاد فقدُ الأصل منعَ العقد وجب أن يكون فوت بعض الوصف وهو ما قصر عن العيان يعيد نفي اللّزوم، حتى يكون التّابع أفاد نفي اللزوم، والمتبوع

стр. 2097

أفاد نفي العقد. وتعلّقوا في هذا بما رواه أبو هريرة من أنّ النبيّ ﷺ قال: "مَن ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه" (١) وهذا نصّ فيما قلناه. لكنّ الدارقطني طعن في بعض رواة هذا الحديث. وقال: إنّه كان وضّاعًا للحديث. وقد اتفق على مطالبة المشتري بحكم العيب إذا اطَّلَع عليه، ومعنى اطلاعه على العيب أنّه علم فوت وصف من البيع فكان الخيار له. وكذلك يكون له الخيار إذا فاته الوصف الذي بين المعاينة والخَبْر، ولا يؤثّر الاطلاع على العيب فسادًا في العقد لفوت هذا الوصف، فاقتضى هذا أنّ بيع الغائب لا يفسد، كما لا يفسد عقد البيع إذا اطّلع في المبغ على عيب فات المشترىَ حين العقد العلمُ به. وإنّما يثبت له الخيار. فهكذا يكون حكم الغائب. ورأيتّ بعض أصحاب الشافعي حرّر قياسًا يمنع فيه من المناقضة بثبوت الخيار عند إلاطّلاع على العيب: بأنّ المبيع ثبت فيه خيار جملة النّقص، ولا يثبت في كل مبيع. وتحرز بهذا التقييد من أن يناقض بثبوت الخيار من جهة الاطلاع على العيب، وتحرّز بقوله: لا يكون في كل مبيع، من المناقضة بخيار المجلس، فإنّ المتعاقدين بالخيار ولو طال مجلسهما، وأمر افتراقهما غير محدود بطول أو قصر، ومع هذا فإنّ الخيار قد ثبت فيه لكل واحد من المتعاقدين، ولم يمنع من ذلك جهالة الأمر فيه، بخلاف خيار الرّؤية في بيع الغائب فإنّه خيار إلى أمد مجهول وإلى أمد طويل، والجهالة بأمر الخيار وطول زمانه تفسد العقد، فلو ثبت خيار الرؤية في بيع الغائب لوجب فساد العقد لطول أمد الخيار، والجهالة بمقداره. ولمّا ردوا على أبي حنيفة مذهبه بأنّ ثبوت خيار الرؤية يجب أن يُفسد العقد، ناقضهم أصحابه بما أثبتوه من خيار المجلس. فاعتذر بعضهم بهذا الذي أشار إليه في تقييد قياسه: أنّ خيار المجلس يثبت في كل مبيع، وخيار الرّؤية في بيع الغائب لايثبت في كل مبيع. وانفصل بعض أصحاب الشافعي بانفصال آخر وهو إن خيار المجلس

стр. 2098

عندهم لو رضي من له الخيار بإسقاطه لسقط. والخيار الذي أثبته الشّرع في بيع الغائب لو أسقطه المشتري والتزم البيع من غير خيار قبل أن يراه لم يصح رضاه، فاقتضى هذا كون إثبات خيار الرّؤية يفسد العقد لما كان لا قدرة للمتعاقدين على إسقاطه والتزام العقد في الحال، وبخلاف خيار المجلس. وأمّا العقد على المبيع الغائب من غير رؤية تقدّمت ولا وصف له لكنه اشترط فيه خيار الرّؤية، فإنّ المعروف من المذهب عندنا جواز هذا العقد على حسب ما ذكره في المدوّنة. وذهب ابن القصّار والقاضي أبو محمَّد إلى منع هذا العقد، وأنكره أيضًا أبو بكر الأبهري. وقال:. إنه خلاف الأصول. تقديرًا من هؤلاء الذّاهبين إلى هذا أنّ أمر الخيار مجهول، والجهالة تقتضي فساد العقد، على حسب ما قدّمناه وبينّا ما قيل فيه من المناقضة والعذر عنها. والجواب عن السّؤال الثالث أن يقال: اختلف المذهب في ضمان المبيع الغائب إذا كان العقد صادفه سالمًا ثم هلك بعد العقد أو فسد. فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: إحداها أنّ ضمانه من مشتريه في سائر أجناس المبيعات. والثانية، التي رجع إليها، أنّ ضمانه من بائعه وهو اختيار ابن القاسم لكن هذه الرّواية ذكرها ابن الموّاز على الإطلاق ولو كان المبيع عقّارًا. وذكرها في المدوّنة وهي على التقييد، بأن لا يكون المبيع عقّارًا. وذكر ابن القاسم أنّه لم يختلف قول مالك وأصحابه في كون العقّار ضمانه من المشتري. وهكذا ذكر ابن حبيب أنّه لم يختلف قول مالك وأصحابه في كون العقار ضمانه من المشتري. لكن ابن الموّاز ذكر عنه كون الدّار الغائبة ضمانها من البائع. وألحق ابن حبيب بالعقار ما قربت غيبته من حيوان أو عرض أو طعام، ورآه في ضمان المشتري كالعقار. فتلخص من هذا أربعة أقوال: كون الضمان من البائع على الإطلاق، أو على المشتري على الإطلاق، أو كون العقار من المشتري، وما سواه من البائع ولو كان قريب الغيبة. أو كون العقار من المشتري وما سواه من المشتري أيضًا

стр. 2099

بشرط أن يكون قريب الغيبة. والنكتة المعتبرة في هذا أنّه قد تقرّر كون المكيل والموزون ضمانه من بائعه لمّا كان غير معلوم مبلغُ المبيع إلاّ بالكيل والوزن، وكون البائع عليه توفية المبيع، فإذا لم يوفه لم يستحقّ العوض. وكون العروض الّتي يمكن منها مشتريها ضمانها من مشتريها لكون البائع قد فعل ما عليه من التّوفية، وهو التّمكين منها. واضطراب المذهب فيما ليس فيه توفية بكيل ولا وزن ولا عدد وهلك عقيب العقد قبل أن يمضي زمن يمكن فيه تسليم ذلك لمشتريه. هل يكون ضمان ذلك من بائعه أو من مشتريه، على قولين. ومن ذلك أيضًا المكيال (١) ثم يتلف في يد بائعه قبل مضي زمن يمكن فيه تسليمه لمشتريه. فتارة قدّر أنّ فائدة البيع انتقال الأملاك وتمكين كلّ واحد من المتعاقدين من البدل. فإذا لم يحصل ذلك فكأنّ حقيقة البيع لم تحصل فكان الضمان من البائع. وتارة قدّروا أنّ البيع ينعقد بالقول وينتقل الملك به، والضّمان تابع للملك فوجب أن يكون من المشتري. وقد احتجّ القاضي أبو محمَّد عبد الوهّاب، ﵁، في غير كتابه هذا لهذا القول بأنه قال ﵇: "الخراج بالضمان" (٢) والخراج بالعقد للمشتري دون اعتبار ذهاب قدر التّسليم. وهذا الذي ذكره القاضي أبو محمَّد في الخراج، وأشار إلى الاتفاق عليه. كان بعض أشياخي يرى أن ذلك يجري على الاختلاف الذي وقع في الضّمان. فمن رأى أنّ الضّمان من البائع جعل الغلّة له. وهكذا يرى في المحتبسة بالثّمن. والذي يؤكّد طريقة شيخنا هذا قوله في المدوّنة لما ذكر الخلاف في ضمان الغائب فقال: النّماء والنّقص على القولين. فأنت تراه أثبت الخلاف في النّماء، والخراج نماء. فهذا يحقّق ما قاله شيخنا ومقتضاه أن المبيع الغائب إذا بيع على صفة فتبدّل إلى ما هو أعلى وأرفع، أن يكون للبائع الخيار في فسخ البيع لأجل الزيادة الحادثة في المبيع بعد العقد على القول أنّ الضّمان منه، كما يكون

стр. 2100

للمشتري الخيار إذا نقص المبيع الغائب بعد العقد في ردّه وفسخ العقد. لكن بعض المتأخّرين سلك هذا المسلك في زيادة أو نقص خرجا عن العادة. وأمّا ما جرت العادة به من تغيير نقض أو زيادة فإنّه لا مقال للمشتري فيه ولا لليائع، لكونهما دخلا على المعتاد في ذلك. هذا على تسليم هذه الرّواية على ظاهرها. وأما على ما أشار إليه سحنون فإنّه حمل قوله: والنماء، على القولين جميعًا في عبد بيع ثم ملك مالًا بعد العقد، وهو في ضمان البائع، فإنّه يحسن عنده تصوّر الخلاف في هذا لكون المال شيئًا مميّزًا عن العبد يصحّ صرفه إلى أحد المتعاقدين مع ثبوت العقد في العبد على ما هو عليه. بخلاف نماء الأبدان وزيادة الصفات. وأظنّه أنه قد قيل أيضًا: إنّ النّماء والنقص المشار إليه في المدوّنة ها هنا محمول على زيادة الأسواق ونقصها. وهذا التأويل، إذا حملت الرّواية عليه، أوضح وجهها لكون الأسواق لا تثبت غالبًا على حال فكأن المتعاقدين دخلا على اطراح الالتفات إليها. فإذا تقرّر اضطراب المذهب في اعتبار قدر التّسليم فإنّ المبيع الغائب لا يمكن تسليمه عقيب العقد لأجل غيبته. وإذا لم يمكن ذلك فيه كان سبب الخلاف فيه ما أشرنا إليه من اضطراب المذهب في مراعاة اعتبار قدر التّسليم. وهذا التعليل يقتضى صحّة ما نقله ابن الموّاز من كون الدّار الغائبة إذا بيعت كالعروض الغائبة إذا بيعت، لكون التّسليم يتعذر في الجميع. ويقتضى هذا التّعليل أيضًا كون المشتري إذا تراخى عن الخروج لقبض الغائب تراخيًا خارجًا عن العادة حتى يذهب الزمن الذي يعلن فيه قبض المبيع فإنه يسقط الضمان عن البائع حينئذٍ، ويصير كالعروض الحاضرة إذا بيعت ومكّن البائع مشتريَها من قبضها فتركها اختيارًا، فإن ضمانها من مشتريها. وممّا كان يذكره شيخنا ها هنا الاعتذار عن اختلاف اختيار ابن القاسم في قول مالك ها هنا فإنّه اختار كون المبيع الغائب ضمانه من بائعه. واختار في المحتبسة بالثمن من قولي مالك كون الضمان من المشتري، وأجراها مجرى الرهبان وما ذلك إلاّ لأنه يقدر أن المحتبسة بالثمن أمكن المشتري قبضُها

стр. 2101

بإحضار ثمنها، فعدوله عن ذلك لا يسقط الضمان عنه، والمبيع الغائب يستحيل في العادة قبضه بفور العقد، فصار تعذّر التّسليم متيقّنا بخلاف المبيع المحتبس. وإذا تقرّر الاختلاف في الضمان فإنّه أجاز في المدوّنة أن يشترطه من هو، في الحكم عليه، على الآخر، وما ذلك إلإّ لكون محلّ الضّمان اختلف فيه قول مالك لكون الأدلّة فيه تكاد تتعارض فلمّا أشكل الأمر استخف نقل الضمان من محلّه إلى محلّ آخر قد قيل: إنّه هو الأصل في الحكم فيه، بخلاف نقل الضّمان من محلّ إلى محلّ آخر اتّفق على أنّه ليس بمحلّ الضمان. وقد قيل: إنّ المذهب على قولين في اشتراط الضّمان على المشتري، على القول بأنّ الحكم كونه على البائع، لأجل ما وقع لمالك فيمن باع طعامًا واشترط على المشتري ضمانه إن أدركته الصفقة، أن ذلك لا يجوز، مثل من باع زرعًا وهو قائم قد استحصد ويبس، لكون البائع عليه توفية المبيع، ولا يمكن توفية الغائب بفور العقد، فصار كمن اشترط في بيع الثمار ألاّ جائحة فيها، أو باع عبدًا قد أخبره على أنّ ضمانه من مشتريه بنفس العقد، مع كون مشتريه لا يمكنه تصرفه فيه. وما قدّمنا نحن من العذر يمنع من هذا التّعليل لكون محلّ الضمان مختلفًا فيه، ولم يشترط الضمان في أصل العقد، ولكنّه بدّل محلّه بعد عقد البيع، فإن المذهب على قولين في هذا. هل يجوز أم لا؟ فقيل: ذلك جائز، بناءً على أنّ ما بعد العقود يقدر كأنّ العقد وقع عليها في أصله. كمن اشترى نخلًا وفيها ثمرٌ لم يره، ثم بعد العقد اشترى الثمرة، أو اشترى عبدًا ثم أراد مشتريه أن يستثني ماله بعد العقد فإنّ هذا مختلف فيه وإن كان يقال تبدل محلّ الضّمان بعد العقد في بيع الغائب أشدّ من هذا، لكون الثّمر يلحق بالتخل فيملك المشتري الجميع عقدًا بعد عقد فكأنه ملك ذلك بعقد واحد. ومال العبد يلحق بملك العبد لا بملك المشتري لكن قد أجاز في كتاب ابن حبيب وفي الموّازية أيضًا أن يدفع البائع إلى مشتري الجارية عوضًا ليبرئه من كل عيب بها لم يعلم به البائع. كما يجوز اشتراط البراءة من ذلك في أصل العقد من كون هذه معاوضة مجرّدة على أمر مجهول كما أن تبدّل محلّ الضّمان في بيع الغائب معاوضة على

стр. 2102

ضمان مجرّد وذلك غرر محض. وقد اعتذر عن ما جرى بين عثمان وعبد الرّحمان بن عوف ﵄ (١) من كون عثمان ﵁ اشترط على عبد الرحمن ضمان الفرس الغائبة ثم عاد عبد الرحمن ﵁ فقال لعثمان ﵁ هل لك في أن أزيدك أربعة آلاف درهم وتجعل الضمان منك. وهذه معاوضة على تبديل محل الضمان فقيل: إنهما لم يعقدا البيع، وإنّما متساومين (٢)، وأشير أيضًا إلى كونهما تعاقدا البيع ونقلا الضمان من محلّه لأنهما ذهبا إلى جواز ذلك على ما قدّمناه من أحد القولين. وقد قيل: إن ظاهر هذا الخبر يقتضى اعتقادهما كون ضمان المبيع الغائب من بائعه لأجل احتياج عثمان ﵁ إلى اشتراطه على عبد الرحمن ﵁. ولو كان الحكم يقتضي كونه من عبد الرحمن الذي هو المشتري لم يفتقر عثمان إلى اشتراط ذلك عليه. والذي قدّمناه من اختلاف المذاهب على أربعة أقو الذي ضمان الغائب يشير بعض أشياخي فيه إلى قصر هذا الخلاف على كون المشتري صدف فيما وصفه من حال المبيع. وأمّا إن لم يصدّقه وعقد البيع على الوقف على الاختبار فإنه يتضح كون الضمان من البائع. وهذا فيه نظر عندي، ولا فائدة لاعتبار التصديق ها هنا، أو التوقف في صحّة الخبر لأنّ العقد مشترط فيه كون المبيع موجودًا حين العقد، وكونه موجودًا حين العقد مِمّا لا يعلمه المتعاقدان، ولا يصح فيه تصديق ولا تكذيب. ثم مع هذه إذا ثبت أنّه موجود حين العقد لزم العقد، واختلف في الضمان على حسب ما قتمناه. فكذلك وقف العقد على كون الصفات مطابقة لقول الواصف. فإنّه إذا ظهر كونها مطابقة لوصف الواصف لزم البيع عندنا، ولم يكن للمشتري خيار في جله (٣) فالضّمان يحسن فيه الخلاف على الإطلاف ولكن يجب قصر الخلاف على مبيع غائب ليس فيه

стр. 2103

حق توفية بكيل أو وزن، لأنّ ما يجب فيه تمييز للمبيع وتمييز مبلغ بكيل أو وزن لا يختلف في كون الضمان فيه على البائع حتى يكال أو يوزن، ولو كان المبيع حاضرًا. فإذا كان المبيع غائبًا فذلك آكد في كون الضمان من البائع. ولهذا قال مالك ﵁: لا يجوز اشتراط الصفة في مبيع غائب على قيل أو وزن. وهذا الذي قاله أوضح لما قدّمناه لأن المكيل والموزون لم يختلف في كون ضمانه من بائعه قبل أن يكال أو يوزن. فإذا اشترط البائع على المشتري ضمانه قبل أن يكال أو يوزن، فقد اشترط شرطًا لم يختلف في كونه خلاف الحكم فلهذا لم يصحّ الشّرط. لكن لو كانت التّوفية بعدد مثل أن يبيع دارًا غائبة مدارعة، أو حاظًا فيه نخل على عدد النّخل، فإن مالكًا ﵁ جعل الضمان من البائع، وأجرى العدد مجرى الكيل والوزن. لكن ابن حبيب حكى عن مطرف وابن الماجشون أن ضمان ذلك من المشتري قال: ولو ذهبت الدّار والنّخل لقِيس ما بقي على ما هو عليه ولزم المشتري. واحتجّ بقول مالك فيمن باع زرعًا كل حِمل بكذا فإنّه يكون ضمانه من المشتري وتقاس الأرض ليعلم مبلغ الثمن. وهكذا ذكر ابن الموّاز، واعتل بأنّ المشتري ممكَّن من حصاده قبل أن تقاس. واحتج ابن حبيب أيضًا بأنّ من باع زيتًا بظروفه وزنًا فإنّ الضّمان من المشتري. ويحطّ مقدار الظروف من الثّمن. وأصل المذهب يقتضي صحّة ما قاله مالك من كون الضمان على البائع. ولعل ابن حبيب أراد أن ذكر الأذرع والعدد زيادة في بيان الصفات لاشتراط التوفية به. وأشار في الموّازية إلى كون المشتري قادرًا على حصاده والتصرّف فيه قبل أن تقاس يقتضي اعتبار التّمكين. وإذا لم يمكن المشتري من ذلك لم يضمنه المشتري. وممّا يجري على هذا الأسلوب ما ذكره في المدوّنة من أنّ المبيع الغائب لا يجوز أن يشترط لقبضه أجلًا. قال ابن الموّاز لأنّ ذلك اشتراط ضمان سلعة بعينها وذلك لا يحل. وإنَّما يعقد على أن يتوجه المشتري لقبضه قرُب أو بعُد، تعجّل أو تأخر، وهذا أيضًا من نحو ما كنّا فيه من اشتراط ضمان ما الحكم أن لا يضمن. ومن هذا الأسلوب أيضًا ما وقع في الموّازية من منع العقد على سلعة

стр. 2104

غائبة على أن يوصلها البائع إلى بلد العقد أو بلد غيره، لكون قبضها ونقلها ليس بواجب على البائع، وإنّما عليه التّمكين. فإذا قبضها البائع ونقلها بأمر المشتري صارت يده كيَد المسْتري فكأنّ العقد وقع بشرط ضمان البائع لمَا قبضه المشتري، وهذا لا يجوز إلاّ أن يكون ضمانهما ساقطًا عن البائع في مسافة نقلها وإنما اشترط عليه حملها فيكون ذلك كبيع وإجارة فيجوز على المشهور من المذهب في جواز اشتمال عقد واحد على بيع وإجارة. والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: إذا اختلف المتبايعان في سلعة غائبة، من وجودها حين العقد، أو قِدَم عيب ظهر بها، فإن اختلافهما في كونها موجودة حين العقد أو معدومة ذكر في المدوّنة أن على البائع إثبات كونها موجودة حين العقد، وأن هذا هو الحكم على القولين جميعًا في كون ضمان المبيع الغائب، إذا كان موجودًا حين العقد، من البائع أو من المشتري. ولا تتصوّر فائدة الخلاف ها هنا إلاّ على القول أنّ ضمان الغائب من المشتري. وأمّا على القول بأنّ ضمانه من البائع حتى يصادفه المشتري حين القبض فلا ثمرة لاختلافهما إذا خرج المشتري إليه فلم يجده. وإنما يكون للخلاف ثمرة على القول أنّ الضّمان من المشتري فيزعم البائع أن هلاك المبيع كان بعد العقد فيضمّنه المشتري، ويزعم المشتري أنّه لم يكن موجودًا حين العقد فيكون الثمن غير لازم له، لكون البيع لم ينعقد. فإنّما أشار بقوله: على القولين جميعًا، احتياط أن يظنّ ظان أن هذا يكون له ثمرة على كل واحد من قولي مالك في ضمان السلعة الغائبة. وهذا الذي ذكره من إثبات كونه موجودًا حين العمّد مبني على إحدى الطريقتين في استصحاب الحال اللاّحقة أو السّابقة. فإذا كانت السّلعة الغائبة حين حاول المشتري قبضها لمّا خرج إليها، فكأنّها لم تزل معدومة استصحابًا لهذا الحال الحاصل الآن، فيكون على البائع إثبات كونها عند العقد موجودة، لا سيّما أنّ المشتري لا يتحقّق كون البيع منعقدًا، لأنّ من شرطه أن يصادف

стр. 2105

مبيعًا موجودًا، ووجوده لم يتحقق. لكن إذا قلنا باستصحاب الحال السّابقة، وهي كونه موجودًا عند البائع قبل انعقاد البيع، فاستصحاب هذه الحال يقتضي كون إثبات عدم السلعة حين العقد على المشتري. وقد اختلف في المسألة المذكورة في المدوّنة، في كتاب الردّ بالعيب، وهي اختلاف البائع لعبد تبرّأ من إباقه فأبق في الثلاثة أيام، ثم وجد بعدها ميتًا، فزعم البائع أنّه كان حيًّا أيام العهدة، وأنّه إنّما مات بعدها، يكون ضمانه من المشتري، وزعم المشتري أنه مات في عهذة الثلاث ليكون ضمانه من البائع. فالقولان من هذه المسألة مبنيان على استصحاب الحال الموجودة الآن. فتكون البيّنة على البائع أنّه لم يصت إلاّ بعد أيّام العهدة، أو يستصحب حال كونه حين البيع حيًّا، فيكون على المشتري إثبات كونه (١) في أيّام العهدة. وقد ذكر ابن القاسم في اختلاف البائع لعبد على الخيار فوجد ميتًا بعد أيّام، فزعم البائع أنّه مات بعد انقضائها ليكون في ضمان المشتري حين الموت، وزعم المشتري أنّه إنما مات في أيّام الخيار، ليكون في ضمان البائع. فذكر ابن القاسم أن القول قول البائع. وهذا بناء منه على استصحاب الحال السّابقة، وهي كون العبد حيَّا حين انعقاد البيع. بخلاف ما بني عليه الأمر في المدوّنة، في مسألة بيع الغائب، وهذا يشعرك بحصول الاختلاف في هذه المسائل التي بنيت على هذا الأصل. فأمّا اختلاف المتبايعين لسلعة غائبة في عيب اطّلع عليه المشتري حين القبض فزعم أنّه كان بالسّلعة قبل العقد عليها ليردّ به على البائع ما اشتراه. وزعم البائع أنّه إنّما حدث بعد العقد. فإنّه في المدوّنة لما سئل عن هذا أضرب عنه، وذكر حكم اختلافهما في كون السّلعة معدومة حين العقد. ولكن ابن حبيب ذكر ها هنا أنّ هذا العيب يحمل على أنه حادث بعد العقد حتى يثبت أنه سابق العقد. وأشار بعض أشياخيّ إلى أنّ هذا مخالف لمذهب المدوّنة إذ لا
следующие страницы →