المسترق معها، بخلاف الثّمرة. وأيضًا فإنّ ارتهان الأجنّة لا يجوز، ويجوز ارتهان الثّمرة على ما قاله بعض أهل العلم.
وقد يستبعد ما أشار إليه من الفرق بالاستحقاق، يكون الولد في الاستحقاق يردّ ولا تردّ الثّمرة، ولكن إنّما أراد الإشارة إلى أنّ الولد كعضو من أعضائها، وكأن مشتريها بذل الثّمن على سائر أعضائها، والولد كأحد أعضائها، فصار شراء الجنين مقصودًا في نفسه يَمنَعُ الورثة من ذلك. والغلاّت لا تردّ لكونها ليست بجزء مِمّا اشتراه واغتلّه ولم تقع المعاوضة عنها، فلهذا لم ترد. فأشار بهذا إلى تصحيح قوله: إنّ الولد لا مرجع لهم فيه، وهو كأحد أجزاء ما يباع ويشترى بدليل ما قلنا في استحقاق أمّه, والثّمرة بخلاف ذلك.
وكذلك إشارته إلى جواز ارتهان الغلاّت ومنع ارتهان الأجنّة، على ما ذكره بعض أهل العلم. فإنّما أراد أنّ الغرر يتأكّد في الجنين ويعظم، ولا يتيقّن حصوله وملكه، ولهذا لا يؤخذ رهنًا؛ لأنّ الرّهن إنّما يؤخذ ثقة بالحقّ، والجنين لا يكون ثقة. بخلاف الغلات، الّتي هي كالحاصلة في الأغلب من العادة، والغرر إذا تأكّد لم يبح للضّرورة، وإذا خفّ أبيح للضّرورة. على أنّ ابن ميسر أجاز ارتهان الأجنّة كما ترتهن الغلاّت، مع كون الغرر يدخلهما جميعًا.
وهذا الارتهان إن كان بعد العقد، فلا وجه لمنعه، وإن قارن عقد بيع، فيختلف فيه، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذكر القولين في ارتهان الغرر إذا قارن عقود البياعات، هل يفسدهما أو لا بناء على اعتباركونه له حصّة من الثّمن أم لا؟
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن القياس جواز شراء الورثة للجنين الموهوب، لكونهم ممنوعين من التصرّف. في أمه حتّى تضع، كما منعوا من التّصرّف في رقاب النّخل أو الدّيار الموهوب منافعها وغلاّتها. لكنّه التفت إلى العذر عن التّفرقة بغير ما فرَّق به في المدوّنة، فقال: لعلّ أمد الوضع قريب، وانتظاره لا يلحق الورثة فيه ضرر كبير، بخلاف من أعمر داره أو بستانه.
стр. 2312
لكن قد يقدح في هذا الاعتذار عنده إجازة شراء الورثة لثمر لم يؤبر لمّا كانوا ممنوعين من التّصرّف في رقاب النّخل، لكون الثّمرة التي لم تؤبّر لا يجوز استثناؤها مع كون انتظار جواز البيع قد لا. يطول أيضًا. وهذا يبسط فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فإذا نجز القول في هذا، فقد ذكر في المدوّنة بعده فصلًا مقتضى التّرتيب أن نورده في صدر هذا الكتاب لما تكلّمنا على الصلح إذا وقع عن عيوب لم تثبت. واتذي أوردناه هناك يعاد ها هنا معناه. وتعرض ما ذكره ها هنا على الأصل الّذي قدّمناه من ذكر خلاف أو وفاق. ولا فرق بين الفصل الأوّل وبين هذا سوى أنّه مثّل في الفصل الأوّل بعبد بيع فطعن المشتري فيه بعيب، لم يقرّ به البائع، فوقع الصّلح بينهما على شيء دفعه البائع، حتى لا يخاصَم في العيب ويردّ عليه به. أو دفعه المشتري حتّى لا يمنع من الرّدّ ولا يخاصم فيه. ومثل في هذا الفصل الآخر يكون الثّمن مؤجّلًا، فذكر فيمن باع سلعة بألف درهم مؤجّلة فطعن بعيب، ثمّ أراد أن يمكّن من الرّدّ به، على أن يدفع شيئًا يضيفه إلى المبيع إذا ردّه بالعيب. فأجاز أن يدفع عرضًا مع هذا المبيع المردود إذا كان يدفع ذلك نقدًا. لأنا قد بيّنّا أن ابن القاسم يقدّر ها هنا أنّ ما وقع الصّلح به كاستئناف مبايعة ثانية. فيعتبر في ذلك ما يجوز في المبايعات وما لا يجوز. فتصوّرَ ها هنا على مقتضى هذا الأصل أنّ المشتري باع العبد الّذي ردّ بالعيب وعرضًا أخر معه بالثّمن المؤجّل عليه، وذلك غير ممنوع. ولو ردّ العبد ومعه دراهم أو رده ومعه دنانير، لمنع من ذلك لما يتصوّر فيه على هذا الأصل من التّحريم. لأنّه إذا ردّ معه دراهم، صار قد باع العبد ببعض الدّراهم المؤجّلة عليه، وما أضاف إليه من الدّراهم، فهي سلف منه للبائع عجّلها له قبل أجلها، وهو لا يستحقّ ذلك عليه، فلمّا كان لا يستحقّ ذلك عليه، صارت الدّراهم المعجلة كسلف منه للبائع يقبضها من نفسه من الثّمن الّذي عليه للبائع إذا حل الأجل. فالعبد إنما بيع بشرط هذا الشّرط، وذلك يفسد البيع. وهذا تصوير صحيح على أصل ابن القاسم. لكن إذا قلنا بأحد القولين: إن ما في الذمم من الدّيون المؤجلة، تُقدَّر
стр. 2313
كالحال، ولا يقدر تعجيله قبل أجله سلفًا من معجله للبائع، على حسب ما حكيناه في كتاب بيوع الآجال في مسألة الفرس. فإنّ هذا الّذي صوّرناه من التحريم لا يصح.
وكذلك إن ردّ العبد ومعه دنانير، فإن ذلك لا يجوز أيضًا بناء على هذه الطّريقة، لكون العبد كالمبيع ببعض الثّمن المؤجّل، وردَّه مشتريه إلى بائعه ببعض ما عليه من الثّمن المؤجل، ودفعْ إليه عمّا فضل عن ذلك من الثّمن المؤجّل دنانير. وتعجيل ذهب عن دراهم مؤجّلة لا يجوز، لأنّه صرف مستأخر.
مع كون هذا يتصوّر فيه أيضًا البيع والصّرف، وهو ممنوع عند ابن القاسم.
وهذا أيضًا يقع فيه الخلاف مِمّا قدّمناه في كتاب الصرف من أنّه قد وقعت رواية شاذة بجواز أخذ دنانير عن دراهم مؤجّلة بناء أيضًا على أن ما في الذّمّة كالحال. وأمّا تصوير الخلاف فيه من ناحية اجتماع البيع والصّرف، فذلك مِمّا قد تكرّر مرارًا ذكره.
ولو كانت هذه الزّيادة من البائع أيضًا، لجرت هذا المجرى. فيجوز أن يدفع البائع للمشتري عرضًا نقدًا حتى لا يردّ عليه بالعيب. ويقدّر أن البائع كمبتدي بيع هذا العبد وعوض آخر معه يدفعه نقدًا بالثمن المؤجل، لكون ابن القاسم يقدّر هذا الصّلح كاستئناف بيعة ثانية. وأمّا إن دفع البائع دنانير أو دراهم حتّى لا يردّ عليه المشتري بالعيب، فإنّ ذلك ممنوع أيضًا لهذا التّصوير الّذي صورناه. لأنّه يقدر أنّه باع عبدًا ودراهم، أو عبدًا وذهبًا بدراهم إلى أجل، وهذا يدخله الرّبا والصرف المستأخر على حسب ما قدّمناه.
ولو لم يطعن المشتري بعيب ولكن البائع سأله في الإقالة فلم يجبه إليها المشتري إلاّ أن يزيده دنانير أو دراهم، فإنّ ذلك يجوز على ما تقدّم بيانه وتأصيله في مسألة حمار ربيعة. وإنما جاز ها هنا زيادة البائع ذهبًا أو دراهم إذا كان ذلك عن استقالة. ومنع إذا كان ليمنع من ردّ بعيب طعن فيه المشتري، لأجل أنّ الثّمن، إذا لم يكن بالمبيع عيب، ثابت مستقرّ في الذّمّة. فيحصل من
стр. 2314
هذا أن البائع كمستأنف شراء عبد بدراهم له مؤجّلة وزاد مع ذلك دراهم أو ذهبًا. وهذا لا مانع منه يمنع. وأمّا في الرّد بالعيب فيقدّر أنّ الذي في الذّمّة لمّا لم يتفقا على استقراره، صارت هذه المصالحة كابتداء بيع. وإنّما استقرّ في الذّمّة بهذه المبايعة الثّانية، وهي بيع عبد وذهب بدراهم مؤجّلة، وذلك ممنوع.
هذا إذا كانت الزّيادة من البائع أو المبتاع نقدًا والأجل لم يحلّ.
وأمّا إن كان الأجل قد يحل (١)، فذكر في المدوّنة أنّه يجوز أن يزيد المشتري عرضًا أو دنانير أو دراهم حتّى يمكّنه البائع من الرّدّ بالعيب.
وهذا الجواب الذي وقع في المساواة بين الدّنانير والدّراهم يقتضي ظاهره استواء حكمهما، وهما لا يستويان على أصل ابن القاسم؛ لأنّه إذا رد العبد ومعه دراهم، فكأن البائع اشتراه منه ببعض الدّراهم المؤجّلة الّتي أضافها قضاء لما فيه، وذلك غير ممنوع. فأمّا إذا زاد دنانير، فإنّه يتصوّر في ذلك اجتماع بيع وصرف، لكون العبد دفع عن بعض الدّراهم المؤجّلة، والدّنانير الّتي أضيفت إليه دفعت عن الدّراهم التي حلّ أجلها. وهذا بيع وصرف. إلاّ أن يكون ذلك يسيرًا مِمّا يجوز أن يجتمع مع البيع. ولمّا كان مذهب ابن القاسم المنع من البيع والصّرف دعا ذلك الشّيخ أبا محمّد بن أبي زيد إلى أن أصلح هذا الإطلاق في اختصار المدوّنة، فقال: لا بأس أن يزيده عرضًا أو عينًا من جنس الثّمن الّذي عليه. فغيّر نقل ما في الكتاب لما اقتضاه عنده أصلُ ابن القاسم. على أنّه لو أبقي على ظاهره، لكان ذلك جاريًا على مذهب من أجاز البيع والصّرف. وهذا واضح في الزّيادة إذا وقعت على النّقد من جانب البائع أو جانب المشتري.
وأمّا إذا وقعت مؤجّلة، مثل أن يزيد المشتري للبائع عرضًا مؤجّلًا، والأجل لم يحلّ، فإن ذلك ممنوع، لكونه بيع دين وهو بعض الثّمن المؤجّل بعرض مؤجّل. وكذلك لو حلّ الأجل، لمنع من زيادة عرض مؤجّل، لكون العرض المؤجّل دفع عن بعض الثّمن الّذي حلّ، فيتصوّر فيه فسخ الذين في
стр. 2315
الدين، وذلك ممنوع. وهذا كلّه يعلم حكمه مِمّا قدّمناه في الفصل المذكور في أوّل الكتاب. وكذلك يعلم أيضًا حكم الصّلح على هذا العيب بعد ذوات العبد مِمّا قدمناه.
وذكر غير ابن القاسم في المدوّنة في هذا الكتاب أنّ العبد إذا فات بعتق أو تدبير أو موت فدفع البائع للمبتاع دراهم، أن ذلك لا يجوز، لكونه سلفًا من البائع للمبتاع. وأنكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد هذا الإطلاق، وأشار إلى أن الحكم أنّ يُحَطّ إلَاّ من الثّمن المؤجّل مقدار ما يقابل العيب من الثّمن، ويبقى ما سوى ذلك في ذمة المشتري إلى أجله، فإذا كان هذا العبد بِيع بألف درهم مَثَلًا، مؤجّلة. وكان ما ينوب العيب عشر الثمن.، فإنّ مائة درهم تسقط عن المشتري ويبقى عليه تسع مائة. فإذا كان البائع قد عجّل للمشتري هذه المائة، الّتي الحكم إسقاطها عنه، فإذا حلّ الأجل، دفع التّسع مائة وأخذ المائة الباقية عوضًا عن المائة التي أسلفها فإنّ هذا لا مانع يمنع منه. وكذلك لو كان يأخذ أقلّ مِمّا أسلف. لأنّ السلف بخسارة لا يمنع. وإنّما يمنع السلف بزيادة. فإذا تصوّر ها هنا أن يكون عجّل للبائع هذه الدّراهم لترجع إليه من مقدار العيب من الثّمن أكثر مِمّا أسلف وعجّل. مثل أن يكون الواجب أن يسقط عن العيب مائة درهم من الألف، فعجّل البائع خمسين درهمًا ليأخذ الألف كلّها، فإن هذا الوجه ممنوع.
وأشار الشيخ أبو الحسن بن القابسي إلى أنّ المنفعة ليست من الزّيادة في السلف أو النّقص منه، فليعتبر ذلك. ولكن من ناحية أن البائع بادر بذلك وقبله منه المشتري حتّى لا يكشفا عن هذا العيب، ويتخاصما فيه. فربّما كان الخصام فيه يكشف أنّ الأمر بخلاف ما تراضيا عليه. فصارت هذه منفعة حاصلة وهي رفع الخصام بينهما , ولأجلها وقع السلف. والسلف إذا جرّ نفعًا منع، كان النّفع مالًا أو غير مال.
وتعليله هذا يقتضي المنع من هذا على كل حال. وتعليل الشّيخ أبي محمّد
стр. 2316
يقتضي كون المنع مقصورًا على وجه واحد، وهو كون هذا السلف يفيد مسلفه أكثر مِمّا أسلف.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
سئل ابن القاسم في المدوّنة عن من دفع دراهم لمشتري عبد منه على أن يبرئه من عيوبه بعد إنعقاد البيع. فقال: سئل مالك عن من تبرأ من عيب بدابة باعها أو مشش بيديها، في العقد، أن ذلك لا يبرئه حتّى يبين العيب. ونقل من اختصر في المدوّنة هذا الجواب فأضاف إلى التّبري من مشَش بالدّابة العبدَ، فقال: لا يبرأ من تبرّأ في العقد من عيوب العبد أو مشش بالدّابة حتّى يبينه.
وهذا الّذي أضافه المختصرون إلى المدوّنة خلاف المشهور من مذهب مالك في المدوّنة. لأنّه أجاز البراءة من عيوب الرّقيق خاصّة، ومنعها من الحيوان البهيميّ. والّذي نقله المختصرون ها هنا من المساواة بين العبد والدابة خلاف المشهور عن مالك في المدوّنة. وإنّما يصحّ هذا الجمع والمساواة بين العبد والدابة على القول: إنّ البراءة لا تنفع في رقيق ولا حيوان سواه (١). وهذه المسألة يلتفت إلى النظر في ما تجوز فيه البراءة من العيوب في أصل العقد. ثم بعد ذلك يلتفت إلى أصل آخر وهو النّظر فيما عقد في المبيع بعد انبرام العقد فيه، هل يقدّرُ أن العقد وقع عليه، وإن تأخّر عنه، أوْ لا يضاف إلى العقد الأول ويكون له حكم نفسه؟ فإذا قلنا بالمساواة بين العبد والدّابة في جواز البراءة من العيوب في أصل العقد، وقلنا: إن ما بعد العقود يقدّر أنَّه قارن العقد، فإنّ المعاوضة على البراءة من العيوب تصحّ بعد العقد كما صحت في العقد، ويستوي في ذلك العبد والدابّة. وإن قلنا: إنّ الذي يفعل بعد العقد لا يضاف إلى العقد وله حكم نفسه، فإن هذه المعاوضة تمنع في العبد والدابة جميعًا.
وإن خصّصنا جواز البراءة بالرّقيق خاصة، جرت المعاوضة بعد العقد على القولين المذكورين في إلحاق ما بعد العقد بالعقد على حسب ما اختلف فيه في
стр. 2317
اشتراء ثمرة قبل الزّهو على التّبقية، وقد سبق العقد على النّخل مجردة. وكذلك العقد على مال العبد، وقد سبق العقد على العبد مجرّدًا من ماله. وفي الموّازيّة لأصبغ جواز المعاوضة على البراءة من عيوب العبد بعد العقد. وهكذا ذكر ابن حبيب فيمن باع جارية أو عبدًا ثم دفع البائع دينارًا ليبرأ من عيوبها، أنّ ذلك يجوز في الجارية لجواز البراءة فيها في أصل العقد، ولا يجوز ذلك في الدّابّة لمنع البراءة فيها في أصل العقد. ولعلّه إنّما ذكر في المدوّنه البراءة من عيب الدّابّة خاصّة ليشير إلى أنّ ما بعد العقد يمنع في العبد كما منعت البراءه في الدّابّة في أصل العقد. فأشار إلى المساواة بينهما في البراءة بعد العقد لا إلى المساواة بينهما في البراءة في أصل العقد.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
ذكر في المدوّنة في رجل له على رجل دراهم، نسيا جميعًا مبلغَها، أنّ الصّلح يجوز عنها بعرض أو دنانير أو دراهم ويتحالاّن، ومغمز التقيّة فيه واحد.
فأشار بهذا اللّفظ إلى أنّ الجهالة تمنع من صحة المعاوضة، لكون المجهول لا يصحّ بيعه ولا شراؤه. ولكنّ هذا في مجهول يمكن رفع الجهالة فيه بِعُدُولِهِمَا، مع إمكان العلم به، إلى المعاوضة على جهل به خطر وغرر. فصارت هذه ضرورة تلجىء إلى العفو عن هذا الغرر. والغرر قد يعفى عنه لمشقّة التحرّز منه. فما لا يمكن العدول عنه أحْرى أن يعفى عنه. لكن وإن استوى حكم الجهل فيما ذكره من الأصناف المصالح بها من عرض ودنانير ودراهم، فإنّ العرض والدّنانير إذا صولح بها عن دراهم لا يتصوّر فيها الرِّبا، وإذا صولح عن دراهم مجهولة بدراهم أمكن في هذه المعاوضة أن يقعا في الرّبا، وهو بيع دراهم بأكثر منها. ولهذا أشار أنّ هذه الدّراهم وإن زاد فيها معنى من التّحريم آخر، فإنّ ذلك لا يؤثّر ها هنا، لكونهما لم يقصدا إلى التفاضل والربا , ولا يقدران أبدًا على العلم بأنّهما سلما منه , فعفي عن هذا أيضًا كما عفي عن الجهالة بالمبيع ها هنا مع كون هذا قد لا يتصور فيه الرّبا. لأنّ ما اصطلحا عليه من الدّراهم إن صادف ذلك كون المصالح به مثل المصالح عنه في المقدار سواء
стр. 2318
بسواء، فلا ربا ها هنا. وإن اتفق أن يكون إحداهما أكثر من الأخرى، فإنّ من عليه دراهم يجوز أن يقضي أقلّ منها (١) ويكون صاحب الحق واهبًا لبعض حقّه. ويجوز أن يقضي أكثر منها على شروط تقدّم ذكرها في ما قبل هذا الكتاب. واشترط في المدوّنة في جواز هذا الصّلح أن يكون ما يصالح به يؤخذ نقدًا، ولا يجوز المصالحة على تأخيره. وهذا الّذي قاله واضح إذا وقع الصلح بجنس غير الدّراهم الّتي نسيا مبلغها، فإنّ ذلك فسخ دين في دين، ولم تدع الضّرورة إلى العفو عنه. وأمّا إن وقع الصّلح بدراهم هي من سكّة الدّراهم المجهول مبلغها، وفي الجودة مثلها، فإنّ ذلك يجوز إذا تحقّق المصطلحان أنّ الدّراهم المنسيّة أكثر مِمّا اصطلحا عليه، لأنّ المصالح يحسن (٢) النقص في المقدار والتأخير والإنظار. وأمّا إذا كانت الدّراهم المصالح بها لا يتيقّنان أنّها أقلّ مِمّا نسياه أو يشكّان هل هي أكثر أو أقلّ، فإنّ الإنظار لا يجوز لكونهما يقعان (٢). وقد يقعان في زيادة على الواجب بسبب التأخير والإنظار، فيكون ذلك سلفًا جز منفعة. وقد قال أشهب: إنّ الدّرهم المستهلك يجوز الصّلح عنه بدرهم ما كان. وهذا إن أراد به جواز ذلك على أيّ حال، كان الدّرهم المصالح به من زيادة؛ على المستهلك أو نقصان فإنّ ذلك سائغ كما قدّمناه وبيّنّا العذر عنه. وإن أراد أنّ الصّلح عن ذلك يجوز بدرهم يعلم أنّه خلاف سكة الأوّل، فإنّ هذا يمكن أن يقعا فيه في الرِّبا بأن يكون المصالح عنه أدنى في الجودة وأكثر وزنًا، أو أعلى في الجودة وأقلّ وزنًا. ومثل هذا يمنع لما فيه من الرّبا. وتجويز الوقوع في الرّبا كالتّيقّن له في المنع من ذلك. وقد أعتذر أشهب عمّا قاله من هذا الإطلاق بأنهما لم يقصدا المقامرة والخطار. والمقصود تغيّر أحكام العقود على حسب ما ذكرناه في كتاب الصرف في بدل الدّرهم السَّتُوق (٣) بالدّرهم الطيّب.
وأشرنا إلى التّعليل بأنّهما لم يقصدا إلى التّفاضل. وقد قال ها هنا في كتاب
стр. 2319
الصّلح ابن القاسم: إن مالكًا كره أن يصالح عن دراهم جياد بدراهم زيوف، وهي المحمول عليها النّحاس أو بدراهم مبهرجة. قال: وكره البيع بها والشراء ورأى أنْ تُقطَع. ثمّ ذكر أنه لم يتحقّق هل كره مالك هذا للصيارفة خاصّة لأنّ سؤاله عنهم وقع، أو كرهت لجميع النّاس. قال ابن القاسم: وأرى جواز ذلك إذا لم يغرّبها أحدًا وقطعها. فأشار أيضًا في هذا الكلام إلى المنع من جهة التّغرير والتدليس لا من جهة التّفاضل.
والجواب عن السؤال الثّاني عشر أن يقال:
ذكر في المدوّنة، فيمن له على رجل قفيز قمح من قرض وعشرة دراهم، أنّ له أن يصالحه على أحد عشر درهمًا. لكون العشرة دراهم قضاء عن العشرة الّتي في الذّمّة، والدّرهم الحادي عشر ثمنْ القفيز القرض. وبيع طعام القرض قبل قبضه جائز.
وهذا الّذي قاله يشترط فيه كون الدّراهم التي في الذمة قد حلّت. فيجوز حينئذٍ بيع القفيز القمح بالدرهم حل أجل القرض أو لم يحلّ.
ولو كانت الدّراهم لم يحلّ أجلها , لم يجز ذلك، لكون البيع للقفيز القرض بالدرهم إنما عقد على تعجيل دراهم قبل أجلها، وتعجيلها قبل أجلها سلف، والبيع والسلف لا يجوز.
وذكر أيضًا، فيمن له على رجل مائة دينار ومائة درهم، أنه يجوز لهما أن يصطلحا على مائة دينار ودرهم. لأنّه يقدر أته قضاه المائة دينار، وأخذ درهمًا واحدًا من مائة درهم. فهو واهب لحقه في الدّراهم. ويجوز تأخير هذا الدّرهم أو تقْدمته. قال: بخلاف التّعاوض بذهب وفضّة بمثلها مراطلة أو عددًا، لأن هذا تبايع، ولكل واحد من الجنسين حضة في الجنس المقابلة له ولصاحبه. وقد تقدّم بيان هذا في كتاب الصّرف. ولو كانت الصالحة على مائة دينار ودينار، فإن تأخير الدّينار الزّائد على المائة لا يجوز؛ لكونه صرفًا عن المائة الدّرهم التي أسقطها، والصرف لا يحلّ فيه التأخير.
стр. 2320
ولو أنّ لرجل على رجل ألف درهم فقال: إن جئتني بها رأس الشّهر، هضمت عنك منها مائة، فإنّ ذلك جائز لازم لهما. لكن إن تأخّر عن الشهر بالأمر البعيد، فإنّ الوضيعة لا تلزم، لأنّها معلّقة بشرط، والشّرط ها هنا قد فقد بالتآخير الكثير. لكن لو أتى بها بعد الأجل بالقرب كاليوم، فإن مطرّفًا حكى عن مالك أنّ الوضيعة لازمة. كمن أتى بأضحية أسلم إليه فيها بعد أيّام الإضحى بيوم، فإنّ من له السلم لا مقال له. ولو أتى بها بعد أيّام الأضاحي بزمن بعيد، لم تلزم. وذهب أصبغ وغيره إلى أنّ الوضيعة لا تلزم، وإن أتى بالدّين بقرب الأجل الذي أجل له في الهضيمة.
وكذلك على هذا الأسلوب جرى الخلاف بينه وبين مالك إذا أتى بالدّين ناقصًا منه مقدار مَا لا بال له، فإنّ مالكًا ﵁ ألزم الوضيعة، وأصبغ لم يلزمها.
والّذي قاله أصبغ هو الأصل على مقتضى اللّفظ الّذي وقع بينهما. والّذي قاله مالك جنح فيه إلى مراعاة القصود دون الألفاظ. والقصد في مثل هذا أن لا يمطل بالحقّ عن الأجل الّذي أجل له مطلًا كثيرًا، ولا ينقص عن مقدار الدّين أيضًا نقصًا كبيرًا.
ولو صحّ أنّ هذا القصد عليه وقعت الهضيمة وهو مرادهما باللّفظ، لم يختلف في ذلك كما لو صرّحا به.
وقد أشار الشّيخ أبو إسحاق إلى تعقّب ما قال مطرت في الأضاحي.
وقال: فإنّ الإتيان بها بعد اليوم الواحد من أيّام الأضاحي هو أولى بأن لا يلزم من له السلم، لكون اللّحم حينئذٍ لا يراد ولا يرغب في شرائه. وإذا بعد الزّمن، عادت الرّغبة فيه. وأشار إلى أنّ القياس كون السلم المعلّق بالذمّة لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة حكمه؛ لأنه لو عقد على أنّه ينحلّ لطروّ تغيّر في الزّمن، لفسد العقد.
كما لو وقع السلم في الشدّة فأتى المسلم إليه بالطّعام في الرّخاء، (فإن تلوّن هذه الحالة وكون الطّعام في زمن الرّخاء لا تعظم الرّغبة فيه) (١).
стр. 2321
وهذا الَّذي أشار إليه من الاستدلال بتلوّن الحال بالشّدّة والرّخاء كنّا قدّمنا في كتاب الصّرف ذكره لما تكلمنا على من باع بدراهم فقطعت، هل يلزم البائع قبولها وإن فسدت أو لا يلزمه ذلك؟ وذكرت مذهب شيخنا أبي محمّد عبد الحميد وأنّه كان يرى الرّجوع إلى القيمة أولى. وكون شيخنا أبي الحسن المعروف باللّخمي أنكر هذا المذهب، واحتجّ بأنّه يلزمه عليه بطلان السلم إذا وقع في زمن الشّدّة ثم حلّ الأجل في زمن الرخاء، وأتى به المسلم إليه. وأنّي خاطبته على ذلك، وأشرف إلى المنع من هذا الاستدلال لكون السلم إنّما يجوز بشرط أن يكون إلى أجل تختلف الأسواق فيه. فمبنى جوازه على مراعاة اختلاف الأسواق. فلو جعلنا اختلافها مفسدًا له لكنا تناقضنا. وإذا اصطلح أحد الخصمين مع صاحبه على أنه إن لم يوافه يوم كذا إلى المحاكمة فكراء دابّته عليه فلم يوافه، فإنّ هذا الشّرط لازم. وهذا الّذي قيل ها هنا بناء على أنّ من أدخل رجل أبو عده في خسارة، فإن ذلك يلزمه. وقد تقدّم بيان هذا في غير هذا الموضع.
تم والحمد لله كثيرًا
стр. 2322
كتاب الوديعة
стр. 2323
بسم الله الرّحمان الرّحيم
صلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
كتاب الوديعة
قال القاضي أبو محمّد ﵀:
الوديعة أمانة محضة، لا تضمن إلاّ بالتعدي. والقول قول المودعَ في تلفها على الإطلاق مع يمينه، وفي ردها. إلاّ أن يكون قبضها ببيّنة، فلا يقبل منه إلاّ ببيّنة. وليس له أن يودعها غيره إلاّ من ضرورة، ويضمَن أن أودعها (١).
وليس له أن يسافر بها على كلّ وجه. إلَاّ أن تكون في السفر، فعرضت له إقامة، فله أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه. وإذا أنفقها أو بعضها ردّ قدر ما أنفق وسقط عنه الضّمان. إلَاّ أن يكون المردود قيمة فقيل: الضّمان باق.
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل أسئلة. منها أن يقال:
١ - هل يباح الإيداع أم لا؟
٢ - وما الدّليل على سقوط الضّمان في الوديعة؟
٣ - وهل يشترط في رفع الضّمان استدامة الحقّ للمودع؟
٤ - وما الحكم في تلف الوديعة؟
٥ - وما حكم تسليم الوديعة لغيره؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
استدل العلماء على جواز الإيدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
стр. 2324
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) وبقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢). وهذا الاستدلال لا يستقل بمجرّده. لأنّ قصارى ما فيه الأمر بردّ الوديعة. وردها غير قبولها. ويصح أن يؤمر بردّ ما قبوله حرام. لكن ترك التعرض لذكر أصل الإيداع يقتضي كونه غير محرم. إذ لو كان حرامًا، لنبه عليه. وكذلك قوله تعالى في الأوصياء ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) ومال اليتيم في يد من يليه على جهة الأمانة والإيدل وفيه أيضًا ما ذكرناه من كونه أمَر بردّ الوديعة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (٤). ففيه إثبات الوكالة. والم الذي يد الوكيل على جهة الإيداع. لكن قصارى ما في هذا أنّ أصحاب الكهف الظّاهر من حالهم أنّهم ما فعلوا ذلك إلاّ وهو مباح في شرعهم. وفي الاستدلال بشرع من كان قبلنا خلاف بين الأصوليين.
ولمّا ذكرنا إباحة الإيداع من حيث الجملة، فمن شرط الإباحة أن يكون قابض المال على جهة الإيداع مأمونًا عليه. وأمّا إن كان الغالب منه أنّه لا يوفي بأمانته ولا يرده إلى صاحبه، إمّا بجحوده إيّاه وإمّا بدعوى ضياعه، فإن هذا لا تصحّ فيه الإباحة، إمّا لكون اليمين تلزمه فيحلف كاذبًا فيكون دافع الوديعة سببًا في حمل هذا على ما لا يحلّ من اقتطاع حقّ مال مسلم بيمينه. على أن هذا التّعليل قد يعترض لكون البياعات تصحّ بغير شهادة عمومًا في سائر النّاس. وإن كان الإشهاد يستحبّ، وتركه مكروه ولكنّ الكراهة تتقاصر عن التّحريم. وأيضًا فإنّ البياعات تدعو إليها الضّرورات في المعاملات. وقد لا يربح البائع إلاّ في معاملة غير ثقة بخلاف الإيداع. وقد عُلّل هذا الاشتراط بأن في إيدل مَن الغالب أنّه لا يردّ الوديعة إضاعة المال. وقد نصّ النبي ﷺ نص في البخاري ومسلم عن
стр. 2325
النهي عن إضاعة المال (١). وهذا أيضًا قد يقال فيه: إن له أن يهب ماله لغير ثقة، ولمن يتلفه في اللّذّات المباحة. فإذا كان هذا لا يَحْرُم الإيداع لغير ثقة. لكن الواهب قصد الملك للموهوب له المالُ. ومن ملَّك المالَ مالكُه يفعل فيه ما يشاء من الأمور الباحة. وهذا المودع لماله لم يقصد تمليك ماله المودع، وإنما قصد صيانته، وصيانته في هذا الوجه سبب إضاعته. فنهى عن ذلك لأجل القضيّة الّتي ذكرناها.
وقد منع أصبغ من أتى بلطْخ في جارية، أن يضع قيمتها ويسافر بها ليثبت ملكه لها، ورأى أن ذلك معونة على ما لا يجوز من وطئها. وإن كان في المدوّنة تمكينه من ذلك على الجملة للضّرورة والحاجة إلى صيانة الأموال على أربابها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد تقرر الاتّفاق على أنّ من أسلف رجلًا مالًا فضاع الم الذي يد المستسلف فإنّه ضامن. كما حصل الاتّفاق على أنّ الوديعة غير مضمونة وتستنبط من ذلك علّة الضمان والتّبرية.
فوجدنا الوديعة ملك صاحبها، فكان ضمانها منه. لكون هذه العلّة مركبة عند العلماء من هذا الوصف ومن وصف آخر وهو حصول المنفعة، فإنّ المنتفع بالمال ينبغي أيضًا أن يضمنه، والوديعة لا. منفعة فيها على قابضها على حال.
فاجتمع فيها وصفان يحسنان في نفي الضمان: وهو كون المال غير مملوك للموح ولا منفعة له فيه. كما حصل في القرض وصفان لا يحصل معهما نفي التّضمين، وهو انتقال الملك لِلْمستسلف وانفراده بالمنفعة في السلف. والمنفعة بالسلف (٢) تقرّر الأصلين لأحد الرّجلين بالكلّية لا يشاركه الآخر فيها. وقد نبّه القاضي إسماعيل على هذا التّعليل فذكر أنّ الوديعة لا منفعة فيها لمن هي في يديه على حال، فلهذا لم يضمن. قال: وكذلك القراض لأنّ جلّ المنفعة فيه لربّ المال. وكذلك الشّيء المستأجر لا يضمن لأنّ عُظْم منفعته لمن أجره. فكأنّه تحقّق ما أشار إليه تعلّق
стр. 2326
الضمان بالمنفعة، وقد عدمت بالكليّة في حقّ من المال في يديه وديعة.
وأمّا القراض فمنفعة العامل به غير متيقّنة لأنه قد لا يربح. فأُجْريَ الشّكّ في المنفعة وحصولها مجرى اليقين لعدمها. فقاس ذلك على الوديعة.
وأمّا الشّيء المستأجر ففيه منفعة محققة لدافعه ولآخذه. ولكنه رأى أنّ جلّها لدافعه، فأجرى الجلّ مجرى الكلّ. فردّها إلى الوديعة، وهذا بناه على القول المشهور عندنا في الشّيء المستأجر أنّه غير مضمون.
وأمّا الرّهن والعارية والصناع:
فإنّ المنفعة مشتركة في الرّهن عندنا بين دافعه وقابضه. ولكن جلّها لقابضه يضمنه إذا كان يغاب عليه. ورأى الشافعي أنّ جلّها لدافعها، فلم يضمنه لقابضه، مع كون الوصف الآخر الذي هو عدم انتقال الملك حاصل كحصول ذلك في الوديعة. وقد تكلّمنا على سبب الخلاف في ضمان الرّهان بيننا وبينه.
وأشبعنا القول في كتاب الرّهن.
وكذلك العارية وأحكام الصّناع يبسط القول في ذلك في موضعه إن شاء الله .
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد تقرّر أنّ الضّمان إنّما ارتفع في الوديعة عن حائزها لكون حوزه لها لا لمنفعة نفسه على حال.
ولو تسلّف رجل الوديعة التي عنده وهي مِمّا لا يراد بعينه كالدّنانير والدّراهم يتسلّفها ثمّ يردّها، وأخرجها من ذمّته إلى أمانته على حسب ما كانت عليه قبل أن يتسلّفها، فهل يسقط عنه الضمان إذا ضاعت بعد أن ردها إلى أمانته وانتفاء الضمان حتّى تصل إلى ربّها؟ فهذا مِمّا اختلف فيه قول مالك ﵁ واختلف أصحابه. فالمشهور عنه وعليه أكثر أصحابه أنّ الضمان يسقط عنه لإخراجها من ذمته وردّها إلى أمانته. وهكذا روى المصريّون عنه. وهو اختيار ابن القاسم وأشهب. ورواه ابن عبد الحكم وأصبغ. وروى عنه المدنيّون أن
стр. 2327
الضّمان لا يسقط إذا ضاعت بعد أن ردها إلى أمانته. واختاروا من قوله ما رووه عنه. وإلى هذا ذهب الشّافعي وأبو حنيفة.
وسبب الاختلاف الالتفات في هذه المسألة إلى تسلّف الوديعة، هل يَجُوز أو يمنع؟ والحكم فيه يتفصّل.
فإنّ من بيده الوديعة (١) لا يقدر على ردّها لصاحبها عند مطالبته له بها، فإنه لا يختلف في تسلّفها -وهو على هذه الحالة- أنّه يمنع. فإنّ هذا كأكل مال إنسان بغير اختياره وبغير عوض، ولا خفاء في تحريم ذلك.
وأمّا إن كان الحائز للوديعة موسرًا، فإنّ المذهب فيه اختلاف في إباحة السلف من غير إذن لعذر المودع له في ذلك. فابن القصّار من أصحابنا يشير إلى أنّ الإباحة متفق عليها. ولكنّه أشار بذلك إلى الصدر الأول. فقال إنّ ابن عمر ﵁ وعائشة ﵂ تسلفا من أموال أيتام في ولايتهما, ولم ينكر ذلك عليهما أحد، وصار ذلك كالإجماع. وهذا الّذي قاله قد علم اختلاف الأصوليين فيه (٢) مذهب في مسائل الفروع لبعض الصّحابة. وسكت الباقون عن إنكاره يكون سكوتهم كالموافقة لأصحاب المذهب أو لا يكون سكوتهم موافقة، على ما بيّناه فيما أمليناه في أصول الفقه.
والنّكتة النّظرتة الّتي يدور عليها هذا الخلاف أن تعلم أنّ المودع إن صرّح بالإذن لحائز الوديعة في أن يتسلفها، فإنّ ذلك لا يختلف فيه في كون السلف لها مباحًا، لحصول الإذن فيه قطعًا. وإن نهاه عن تسلفها، فلا يختلف فيه أيضًا في أن التسلّف ممنوع مع كون المنع مشترطًا في أصل الإيداع. وهذا هو مقتضى الأصول. لكن قد اختلف المذهب عندنا في اشتراط ما لا يفيد، هل يقضى به على من اشترط عليه أم لا؟ وقد نبّهنا على ذلك في كتاب (٣). ولكن قد يتصوّر
стр. 2328
ها هنا غرض وفائدة في المنع من تسلّف الوديعة. واشترط ذلك على المودع إمّا لكون صاحبه يتيقّن بطيب أصل كسبه، أو لأنّه إذا صار من عنده الوديعة مطلوبًا به كما يطالب بالديون، وقد تحيط به الدّيون فيرجع المودع إلى المحاصة. أو يحوِجه إلى الطّلب فيثقل على المتسلف الأداء فيما طلبه، بخلاف أن يطلبه في الوديعة وهي حاضرة بعينها فإن ردها بعينها. مِمّا لا يثقل ولا يشق.
وإن أطلق الأمر في أصل الإيداع ولم يصرّح بالإذن فيه، فها هنا يقع الخلاف لأجل الإشكال الذي ذكرناه من كون الموح له غرض في عين ماله. فلا يخالف غرضه إلاّ بتصريحه بإذنه في المخالفة. أو يقال: إنّما المعلوم من غرض المودع صِيَانَةُ ماله وحفظه عليه، وإذا صار في ذمّة المودع بتسلّفه له، كان ذلك أبلغ في صيانته على ربّه، لكونه إذا بقي على حكم الأمانة فضاع، كان مصيبة ذلك من ربّه، وإذا صار ذلك في الذمة فلا يخشى ربه من ضياعه. فيكون تسلفه أبلغ في مقصوده من صيانته. فهذا سبب الاختلاف في جواز تسلف الوديعة. وقد قيل فيمن غصب دينارًا فأراد أن يردّ مثله ومنع صاحبَه من أخذ عينه، أنّ له ذلك. وهذا يشير إلى ما نبّهنا عليه من أن الدّراهم كالدراهم والدينار كالدّينار. ولا يتصور غرض يفرّق بينهما. فإذا بنينا على القول إنّ تسلف الوديعة منهيّ عنه، وإن كان المتسلّف موسرًا، فإنّه يكون بتسلفها متعدّيًا.
فإن تسلفها ثم ردها، فهل يبرأ بردها أم لا؟ قد قدّمنا ذكر اختلاف قول مالك فيه. فيكون القول بأنّه لا يبرأ بردها إذا ضاعت أوضاع بعضها ويصير كغاصب غصب مالًا ثمّ أخرجه من ذمته وأوقفه، فإنّه لا يبرأ إلَاّ برده إلى صاحبه. (وإن كان هذا يتقاصر عن غصب مال ثمّ أخرجه إلى أمانته، يكون مناول ذلك المال أجراها عليه باتّفاق وتسلّف الوديعة في جواز الخلاف الّذي ذكرناه) (١).
وإن قلنا: إنّ تسلّف الوديعة مباح، فها هنا قد يعرض إشكال لأن الإباحة بالشرع لا بإذن المالك. فيكون ردها في الذمّة إلى الأمانة. [هذا ما وجد من كتاب الوديعة].
стр. 2329
شرح التلقين
للإمَام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
٤٥٣ - ٥٣٦
١٠٦١ - ١١٤١
الجزء الثالث
المجلد الأول
تحقيق
سماحة الشيخ محمَّد المختار السلامي
دار الغرب الإِسلامي
تونس
стр. 2330
دار الغرب الإِسلامي
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى- ٢٠٠٨ م
دار الغرب الإِسلامي
العنوان: ص. ب.: ٢٠٠ تونس ١٠١٥
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة للعلومات أو نقله بأى شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 2331
شرح التلقين
للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
الجزء الثالث
المجَلد الأول
стр. 2332
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
стр. 2333
كتاب الحوالة
стр. 2334
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
صلى الله على سيدناْ محمَّد وسلم
كتاب الحوالة
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
معنى الحوالة تحويل الحق من ذمة إلى ذمة تبرأ بها (١) الأولى، ما لم يكن غرورًا (٢) من عيب (٣) للثانية وتشتغل الثانية، ويعتبر فيها رضي المحيل والمحال دون المحال عليه، ولا رجوع فيها وإن تلف الحق إلا بالغرور.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه:
يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها أن يقال:
١ - ما الدليل على جواز الحوالة؟
٢ - وهل يعتبر فيها رضا المحال أو المحال عليه؟
٣ - وما شروط جوازها؟
стр. 2335
٤ - وما يحلها بعد إنعقادها من حدوث فلَسٍ؟
٥ - أو ما يحلها من حدوث مجرد؟
٦ - وما يحلها من حدوث ما يبطل الدين المحال عليه؟
٧ - وهل تصح الحوالة على غير دين؟
٨ - وما حكمها إذا كانت على دين قد يستقر؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اعلم أن الحوالة مأخوذة من التحول، والحوالة بالدين قد حصل فيها هذا المعنى، وهو التحول من ذمة إلى ذمة، كما قدمناه في كتاب الضمان، أنه مشتق من انضمام ذمة إلى ذمة.
فالدين متعلق بذمتين ضم بعضهما إلى بعض.
والحوالة متعلقة بذمة واحدة، ثم يتحول عنها إلى ذمة أخرى.
والحوالة تفتقر إلى ثلاثة أركان، محيل ومحال ومحال عليه.
والأصل في جوازها السنة وإجماع الأمة.
أمّا السنة فما روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: "مطل الغني ظلم، وإذا اتْبع أحدكم على مليء فليتبع" (١) ورواه أيضًا سفيان الثوري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على غني فليحتل" (٢).
ولا خلاف بين العلماء في جوازها.
وهي مستثناة من الأصول؛ لأنه قد تقرر من أصول الشريعة نَهْيُ النبي ﷺ
стр. 2336
عن الديْن بالديْن، والحوالة بيع دين بدين؛ لأن من له الدين قد باع الدين الذي يستحقه في ذمة غريمه بدين آخر يستحقه غريمه في ذمة رجل آخر، لكن لما دعت الضرورة إلى ذلك وتضمن معروفُ اورفقًا سامح الشرع به، كما فعل في العرية، أرخص فيها وإن كانت تضمنت وجوهًا محرمة ذكرناها في كتاب العرية: بيع الرطب بالتمر، والجزاف بالمكيل من الطعام، والطعام بالطعام إلى أجل، لكن أبيحت لما فيها من المعروف والرفق والحاجة إليها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أمّا المحيل فلا يلزمه أن يحيل، ولا يجبر على الحوالة، ولا خلاف في ذلك لأن الحقوق متعلقة بذمته فلا يجبر على أن يقبضها من ذمة أخرى، كما لو باع سلعة معينة فإنه لا يجبر على أن يُعطيَ غيرها، وإن كان مثلها أو أدنى منها.
وكما لو أحضر مالأوضعه بين يديه، فأراد أن يقضي منه ما عليه فقال له الطالب للدين: أنا آخذ منك من الدنانير التي ليست هي حاضرة بين يديك.
وأما اعتبار رضا المحتال الطالب للدين، فإنه أيضًا يعتبر رضاه، ولا يجبر أن يتحول عن الذمة التي استحق الدين فيها إلى ذمة. كما لو اشترى سلعة بعينها فإنه لا يجبر على أن يدفع إليه مثلها أو أفضل منها. ولا فرق بين استحقاق أعيان معينة، واستحقاق ديون في ذمة معينة. وكذلك لا يجبرهم مستحق الدين على أن يأخذه (١) عوضًا عنه جنسًا آخر، مع أنه لو رضي بذلك لاستوفى حقّه.
فأحرى أن لا يلزمه التحول إلى ذمة أخرى لا يكون مجرد التحويل إليها استيفاء لحقه.
وذهب داود إلى أنه يجبر على التحول، وليس له أن يمتنع منه، تعلقًا بما ذكرناه في الحديث من قوله ﷺ : "وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع" فأمَره بالاتّباع، ومجرد الأوامر على الوجوب عند أكثر الفقهاء. ولا شك أن أكثر من
стр. 2337
قال بأنه لا يجبر على قبول الحوالة وأن يبع (١) غير ذمته يقول: إن مجرد الأمر يقتضي الوجوب فيلزمهم أن يتأولوا الحديث الذي تعلق به داود وهم يقولون: إنه محمول على الاستحباب، وإنه يستحب لمن أحيل على مليء أن يقبل الحوالة. ولهم في ذلك مسلكان:
أحدهما: صرف قوله "فليتبع" على (٢) الوجوب إلى الندب، لما قدمناه من الأقيسة.
وهذا إنما يحسن سلوكه إذا قيل: إن حيل (٣) الأمر على الوجوب لا يجري مجرى النصوص بل مجرى الظواهر المحتملة، فيحتمل مجرد الأمر الوجوبَ ويحتمل الندبَ. لكنه في الوجوب أظهر فيحسن صرفه على (٤) الوجوب إلى الندب بالأقيسة.
وأمّا المسلك الآخر: فالتمسك بصدر الحديث وهو أنه ﷺ افتضح (٥) ذلك بأن قال: "مطل الغني ظلم" وفي تأخير قضاء الدين إلى أن يتحول إلى ذمة أخرى يقتضيها نوع من المطل، وقد وصف النبي ﵇ المطل بأنه ظلم لا سيما مقتضى قوله: "وإذا أحيل أحدكم على غني فليحتل" يقتضي أن المحتال، إذا أحاله من أحيل عليه على رجل آخر، يلزمه قبول الحوالة، وكذلك إذا أحاله الثاني على الثالث، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى حتى يخرجنا عن المطل إلى إبطال الحقوق.
وأشار ابن القصار إلى طريق من الاستدلال: وهو أن الحوالة أجيزت
стр. 2338
للضرورة والرفق، وبالصحابة ﵃ حاجة إلى بيان حكمها، وكون القبول واجبًا عليهم، فلو بين النبي ﷺ ذلك لاستفاض فيهم واشتهر، فلما لم يذكر عنهم الذهاب إلى ذلك اقتضى أنه أمر لا يُلزِم، وإنما هو مستحب، والمندوبات لا تشتهر اشتهار الواجبات.
وقد نَبَّهناك على ما تقتضيه أصول الفقه في هذه المسألة.
وأما اعتبار رضي المحال عليه فإنه غير معتبر عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، بل يجبر على دفع الدين الذي عليه لمن أحيل به عليه.
لكن مالكًا ﵁ اشترط في ذلك ألاّ يكون المحال عدوّا للمحال عليه. ولم يذكر عن الشافعي وأبي حنيفة اشتراط ذلك. وذهب الاصطخري إلى أنه يعتبر رضاه بقبول الحوالة عليه كما يعتبر رضا المحيل، ولم يفرق بين محيل ومحال عليه. ويعتموإلاصطخري على أن من حق المحال عليه ألا يدفع إلا لمن يستحق الدين عليه في أصل المعاملة؛ لأنه يعتل بأن له منفعة في الامتناع من الدفع إلى المحال عليه لكون مستحق الدين أوّلًا سَمْحًا في اقتضائه متجاوزًا في استيفائه، فليس له أن يقطع هذه المنفعة عمّن عليه الدين بأن يسلِّط على الاقتضاء منه من هو عليه غليظ في الاقتضاء.
والمعتمد في الردّ عليه الاتفاق على أن من له دين على رجل له أن يوكل عليه ولا يمنع من الوكالة. ولا يعتبر في هذا المعنى الذي اعتبره الاصطخري.
وأيضًا فإنه إنما حقُّ من عليه دين البراءة منه لا أكثر من ذلك، فإذا وكل عليه فقبضه الوكيل فقد برئ الغريم. وكذلك إذا أحيل عليه به فدفعه للمحال عليه.
ولكن اشترط مالك ألا يكون المحال عدوًّا لمن أحيل عليه لكون العداوة إذا ثبتت علم أنه قصد الإضرار والتشفّي من العدو وإيصال الأذى إليه بكل ما يقدر عليه، ولهذا رُدِّت شهادة العدوّ على عدوّه لحصول التهمة في قصد الأذى بالشهادة.
وإنما يعرض في هذا إشكال؛ لو استدان رجل من رجل دينًا، ثم حدث بينهما عداوة بعوإلاستدانة، فهل يمنع من له الدين من اقتضاءِ دينه لنفسه لئلا
стр. 2339
يبالغ في الاجتهاد في اقتضاءٍ يؤدي عدوَّه به أم لا؟ هذا مما أشار ابن القصار إلى تردد فيه: هل يمنع من الاقتضاء بنفسه، لوجود العلة التي قدمنا في منع حوالة العدو على عدوه، ويؤمر بأن يوكل غيره، أو يمكَن من الاقتضاء بنفسه لأنها ضرورة سبقت العداوة؟ وقد وقعت المعاملة على أن من له حق فإن له أن يقبضه بنفسه، ولا يلزمه أن يوكل عليه ويخرجه من ذمة إلى أمانة يؤتمن الوكيل عليها.
وكأن إشارته تقتضي ميله إلى أن لا يمكَّن من الاقتضاء بنفسه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد بيّنا أن الحوالة رخصة مستثناة من نبيه (١) ﷺ عن بيع الدين بالدين،
وعلة الرخصة الحضّ على المعروف والرفق، كالعرايا على حسب ما تقدم بيانه.
وهذا يقتضي أنها إذا خرجت عما قصد بها من الرفق والمعروف مُنِعَتْ. وهي تخرج عن ذلك باختلاف أجناس البيوع، وباختلاف أنواعها بالجودة والدناءة، واختلاف آجالها.
فأمّا إذا كان لرجل على رجل دين، عين أو طعام أو عروض، فلما حل الأجل وطلب الطالب دينه، قال من عليه الدين: لي على فلان دين هو خلاف جنس مَالَكَ عليَّ، فتحولْ إلى ذمته، وخُذْ مَا لِي عنده من عرض عوضًا عنْ مَا لَكَ عندي من طعام أو من عين. فإن هذا، الظاهر منه أنها مبايعة، والمقصود المعاوضة وطلبُ المكايسة والمغابنة لاختلاف المنافع والأغراض في هذه الأعْراض. فمَن تحوّل عن عَرْض يستحقه إلى طعام يأخذه فما ذلك إِلاّ لكوْن الطعام عنده أشدَّ نفعًا وأوفرَ ربحًا. فلمّا خرج ذلك عن طريقة المعروف والرفق مُنِع لارتفاع علة الجواز.
وكذلك إذا اختلفت الأنواع بالجودة والدناءة، وكأن من يستحق الدين
стр. 2340
تحوّل إلى ذمة أخرى، فيها نوع أفضل من (١) المقدار أو في الجودة، من الدين الذي كان له فتحول عنه، مثل أن يكون لرجل قفيز قمح دنيء في ذمة رجل، فلما طلبه به قال له: لي على فلان قفيز قمح طيّب، فخذه منه عوض دينك، أو خذ منه قفيزين مثلَ دَيْنك في الجودة. فإن هذا لم يرض أن يتحوّل عن الدين الذي يستحقه إلاّ بما يربح في الدين الذي تحول إليه من زيادة قيل أو زيادة، جودة. ولو كان الأمر بالعكس: تحول عن طعام له إلى ما هو أدْنى في الجودة، أو أقل في المقدار لجاز ذلك لأنه أكّد دلالة قصده المعروف والرفق، بالتحول، وبكونه يأخذ أدنى مِمَّا لَه.
وكذلك إذا كان دين الطالب لم يحلَّ فأحاله من عليه الدين على مثل دينه، وقد حل أو لم يحل، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه يمكن أن يكون إنما رضي بالتحول عن دين لم يستحقّ قبضَه إلى ذمة أخرى تخوّفُ امن ذمة الذي عليه دينه أن يفلس أو يغيبَ فوجب المنع. فلو كان الأمر بالعكس بأن يتحول عن حامل (٢) من دين له على دين، حل أو لم يحل، فإن ذلك جائز لظهور المعروف والرفق منه، أو تأكّده إذا انْحالَ بما حلّ على ما لم يحلّ، وترك دينًا يأخذه معجَّلًا بدين يأخذه مؤجلًا.
وكذلك إذا كان الدينان لم يحلّ أجلهما، الدين الذي له والدين الذي يريد أن يتحول إليه، فإن ذلك يمنع؛ لأنه يمكن أن يكون إنما هرب عن ذمة غريمه إلى ذمة أخرى، تخوّفُ امن فلس غريمه عند الأجل أو تغيّبه.
وكذلك لو كان الدينان مؤجلين، ولكنّ دينه يسبق حلولُه حلولَ الدين الذي أراد أن يتحوّل إليه، فإن هذا، وإن ظهر فيه "الإحسان والرفق من جانب، وهو أن يترك أخذ دين إلى شهر لدين يأخذه بعد شهرين وظاهرُ هذا المعروفُ، فإنه يعارضه أنه يمكن أن يكون إنما رضي بذلك لكون الذمة التي تحوّل إليها
стр. 2341
فيأخذَ الحق منها بعد شهرين أسهلَ تناولًا وأبعدَ من الفلس والفقر من ذمة غريمه التي تحول عنها. وقد قدمنا أن الأصل في جواز الحمالة (١) قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم "وهذه إشارة إلى أن الدين [الذي] يتحول عنه لا يكون إلا حالًّا الآن، ما لم يحل لم يستحق قبضه ولا الطلب بهِ، فلا يكون من هو عليه ماطِلًا به. فإذا اقتضى الحديث: الشرط كون الدين الَمتحول عنه قد حل مُنِع التحولُ عمّا لم يحِلّ، لأجل ما بيناه من التعليل في تجاوز حد المعروف والرفقال في هو علة جواز الحوالة.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا تقدمت الحوالة بدين في ذمة فأحيل به على ذمة أخرى على وجه جائز، كما تقدم بيانه، ما يجوز من الحوالة وما يمنع، ثم فلس المحال عليه، فهل للمحال أن يرجع على من أحاله أم لا؟ اختلف الناس في ذلك على خمسة مذاهب:
فذهب الشافعي إلى منع رجوع المحال على المحيل على الإطلاق. ولو كان المحيل قد علم فقر المحال عليه فكتم ذلك، وغرّه ودلس عليه حتى قبل الحوالة.
وذهب مالك إلى مثل ما ذهب إليه الشافعي، لكنه استثنى وجهًا واحدًا، وهو أن يكون المحيل قد علم فقر المحال عليه وأحاله على فقير لم يعلم المحلل (٢) بفقره.
وذهب أبو حنيفة إلى استثناء وجهين:
أحدهما: أن يموت المحال عليه وهو مفلس لم يترك شيئًا.
والثاني: أن يجحد الدين ويحلف عليه.
стр. 2342
ففي هذين الوجهين يرجع المحال على المحيل، وفيما سواهما لا يرجع، على اختلاف عن أصحاب أبي حنيفة في الرواية في جحود المحال عليه الدينَ هل هو وجه يوجب الرجوع على المحيل أم لا؟
وذهب محمَّد بن الحسن وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة إلى استثناء ثلاثة أوجه، اثنان منها ما ذكرناه عن شيخهما أبي حنيفة، وهو أن يموت المحال عليه مفلسًا أو يجحد الدين، أو يفلس وهو حى فيُحجَر عليه.
ونحن قد قدمنا مذهب مالك في أنه لا يرى الرجوع لأجل فليس (١) المحال عليه، حيًا كان أو ميتًا، إلا أن يكون المحيل قدْ غَرَّ المحالَ، وعلِم بفقرِه، وكتمه عن المحال.
وأما الجحود فاختار بعض أشياخنا أنه لا يوجب الرجوع عن (٢) المحيل؛ لأن المحال فرّط إذا لم يشهد عن (٢) المحال عليه، فكأنه لما قَبِل الحوالة بَرِئَتْ ذمة المحيل، وفرَّط في الإشهاد، فصار كالمتْلِف لماله بعد القبض، فمصيبة الجحود منه.
أمّا مالك فلا أعرف له نصًا في هذا، لكن ما تشير (٣) إليه، فيما بعد، في أن الحوالة كالقبض يصح أن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل. لكن بعض الأشياخ أشار إلى أنه لو كان المحال عليه غائبًا فلما حضر جحد الدين، فإن للمحال الرجوعَ على المحيل؛ لأنه لا يمكنه الإشهاد بالحوالة فيكونَ مفرطًا فيه، وأيضًا فإنه قد يعتذر: إنما قبل الحوالة بشرط تصديق المحال عليه بأن عليه الدين للمحيل.
فإذا تقررت هذه المذاهب، فنذكر سبب الخلاف فيها. وذلك وجهان:
стр. 2343
تعلق بأثر، والثاني تعلق بأثر (١).
فأمّا الأثر فقد قدمنا قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع" (٢) فيقول مالك والشافعي: قوله: "يتبع" عمومه يقتضي أنه يتبع المحال عليه، فُلِّس أو لم يفلس. وهذا يوجب ألاّ يرجع على المحيل.
ويقول أبو حنيفة وأصحابه: قد شرط في أول الحديث كون المحال عليه مليئًا، فقال: "وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع" إنما يجب الاتباع مع الملاء، فإذا وقع الفلس سقط الاتباع، وإذا سقط الإتباع وجب الرجوع على المحيل.
وقد انفصل الشافعي عن تأويلهم هذا بأن الفلس لو كان يُسقط الاتباع، ويوجب الرجوع على المحيل، لم يكنْ للتقييد بالملاء فائدة، إذا كان الفقر والفلس يوجب الرجوع على المحيل، ولكان القول: إذا أَتبع على إنسان فليتبعْ؛ لأنه إن كان يجد ما يأخذ منه حصل على حقه، وإن لم يجد رجع على المحيل، وإنما فائدة التقييد بالملاء أن يستظهر المحال لنفسه، ويحتاط لدْينه، حتى يقبل (٣) الحوالة إلا على مليء تثق نفسه به، فإن حدث فلس لم يرجع على المحيل فإذا علم أنه لا يرجع على المحيل احتياطًا (٤) لنفسه بالكشف عن حال المحال عليه.
وأجاب أصحاب أبي حنيفة عن هذا الذي قال الشافعي بأنه إذا ظهر فلسٌ تأخر أخذُ الحق، فإنما أراد رسول الله ﷺ بهذا التقييد بالملاء أن يحتاط لنفسمعتى لا يتأخر حقه إذا فلس المحال عليه، ووجب الحصاص والخصام فيما عليه، فإنما فائدة التقييد بالإشارة إلى التحرز من لحوق الضرر إما بتأخير الطلب والاستيناء، كما يقول أبو حنيفة، وإما بإسقاط الطلب عن المحيل إسقاطًا
стр. 2344
مؤبدًا. والنظر في إسقاط الطلب عنه، مؤبدًا أو مؤجلًا، فيه احتمال أن يكون هو المرادَ.
وأما التعلق بما يروَى في ذلك عن الصحابة، ﵃، فإن عثمان بن عفان، ﵁، رُفِع (١) أمر حوالة أو كفالةٍ، فُلِّس المجهول (٢) عليه، فقال: يرجع صاحبها لا تَوَى على أمن (٣) مسلم. يعني لا هلاك على ماله. وقد قال الشافعي لمحمد بن الحسنِ: لِمَ جعلتَ فَلَس المحال عليه يوجب رجوع المحال على المحيل؟ فذكر له حديث عثمان، فقلت له: من رواه؟ فقال: مجهول غير (٤) معروف وهو مقطوع. يعني أن الراوي عن عثمان هذا الحديث لم يلق عثمان، فهو مرسل من جهته، وأن الراوي رجل معروف وهو الراوي الذي أرسل الخبر، رواه عنه رجل مجهول. وقد سمّى هذا المجهولَ، وهذا المعروفَ، ابنُ المنذر في كتابه (٥). فالتعلق بهذا ضعيف لأن العمل بالمراسيل فيه اختلاف، ورواية المجهول لا يعوّل عليها. وقد شك الراوي فيما رُفع إلى عثمان ﵁: هل رفع إليه أن ذلك كان حوالة أو حمالة؟ ولا شك أن الحمالة لا تسقط الدين عن المضمون المتحمَّل به.
ويتعلق أصحابنا، وأصحاب الشافعي، بأن جد سعيد بن المسيب كان له على عليّ ﵁ دين، فسأله أن يحيله به على رجل آخر، ففلس المحال عليه، فأتى جد سعيد إلى عليّ ﵁ شاكيًا ذلك إليه، فقال له: اخترتَ علينا، أبعدك الله. ولم ينكر ذلك عليه أحد، فدل ذلك على أن فلس المحال عليه لا يوجب رجوع المحال على المحيل.
стр. 2345
هذا سبب التنازع من أجل تأويل الحديث واختلاف الآثار.
وأمّا من جهة الاعتبار، فالنكتة فيه النظرُ في الحوالة هل هي كقبض الحق فيبْرَأُ المحيلُ براءة مطلقة، أو كالمعاوضة فلا يبرأ إلا بعد استيفاء العرض (١)؟
فعندنا وعند الشافعي أنها كالمقبوضة، فما حدث بعد (الدين فيه) (٢) من تلف فمن قابضه، فكذلك إذا فلس المحال عليه، فكأنه إنما يقدم الاستيفاء للمحال بعد أن قبض دينه من المحيل، فمصيبة ذلك عليه، كما لو قبض منه دينه ثم تلف في يديه.
ويؤكد أصحابنا هذه الطريقة: أن الحوالة كالقبض، بدليل أن الحوالة إذا كانت بدنانير في ذمةٍ، فأحيل بها على دنانير في ذمة أخرى، فإن ذلك لو لم يكن قبضًا ما جاز إلا بعد التقابض وقبل الافتراق، كما لا يجوز في الصرف الافتراق قبل القبض.
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فيرونها كالبيع، فيجب الرجوع عند الفلس، كما لو باع عبدًا بثوب فاستُحِق العبد، أو وجد به عيب، فإنه يوجب الرجوع في العوض الذي دُفِع فيه، فكذلك الحوالة إذا ظهر الفلس وجب الرجوع في عوض الدين الذي تعذّر استيفاؤه.
فإذا علم أن الحوالة تتعلق تارة بالعين وتارة بالذمة، فوجود العيب في الأعيان يوجب الرجوع في أعواضها، فكذلك وجود العيب في الذمم يوجب الرجوع في أعواضها، وهي ذمة المحيل التي أَخَذَ عنها، بدلًا منها وعوضًا عنها، ذمةَ المحال عليه. ونحن إذا أثبتنا أن الحوالة كالقبض، والفلسُ كحدوث عيب بعد القبض، بطل قيامُهم، وهم بنوا على أن ذلك ليس كالقبض فخرجوا عليه قياسَهم. ثم أيضًا نقول نحن بأنه لو أبرأ من له الدين من عليه الدين من
стр. 2346
دينه ليبرأ (١) منه براءة مؤبدة. وإذا كانت الحوالة مشتقة من التحويل صارت بمنزلة إذا تحول رجل من مكان إلى مكان فقد فرع الأولَ وشَغَل المكانَ الثانيَ، فلا يقتضي هذا التفريغ الرجوع إلى المكان الذي زال عنه، فكذلك الحوالة قد أخلى ذمةَ مَن عليه دينُه، ونقل ذلك إلى ذمةٍ أخرى، فلا يعود الدين بعوإنتقاله إلا بدليل، وهم يقولون، أيضًا: إنما حولت من مكان إلى مكان بشرط السلامة، وحصول الاستيفاء، فإذا لم يحصل له الاستيفاء رجع إلى أصل حقه ورد الحق إلى محله. ونقول نحن، أيضًا: إن بأن (٢) الحوالة، وإن كانت فيها مشابهة بحقيقة البيع، فإن المقصود منها ما قدمناه من قصد المعروف بدليل أنه لو التفت إلى حقيقة البيع لجازت الحوالة بجنس من الدين على جنس آخر؛ لأن البياعات لا يشترط فيها التجانس بل يجوز بيع عبد. بعبد، وبيع ثوب (٣) ولا يجوز في الحوالة حوالة ثوب على عبد. فدل ذلك على أنها كالمسلوب منها حقيقة البيع، فلا تقاس على بيع عين بعين، كما قدمناه من قياسهم. وإذا سلبنا منها حقيقة البيع، وكان القصد إبراءَ محلّ وشَغْل آخرَ، لم يجب الرجوع عند الفلس. وأيضًا فإن الأعيان إذا وقع فيها البيع، ثم اطُلع فيها على عيب، صار ذلك كنقض في أجزاء الجميع؛ لأن من باع عبدًا فوجده المشتري مقطوع اليد، فكأنه اشترى عشرة أجزاء مثلًا، فأصاب تسعة أجزاء، والفلس عيب في الذمة، (ونفس الذمة ليست كالعيب في نفس ما حل فيها) (٤).
والشافعي إنما لم يراع تغرير المحيل بالمحال لأنه يرى أن المحال أمكنه البحث عن حال المحال عليه حتى يعلم غناه من فقره في ذلك، فصار كالراضي بالعيب الداخل عليه.
وكأن مالكًا ﵁ رأى أن هذا كالعيوب الباطنة؛ لأن القطع على
стр. 2347
الفقر في الباطن لا سبيل إليه، فإذا لم يغير (١) المحيل المحال، فكأنه عيب لا يعلم به، فأشبه العيب بباطن الخشب، وما في معناه، مما لا يجب ردّه بعيب ظهر فيه بعد إفساده، أما إذا علم بالعيب ودلس به فقد غرّ بمن عامله، فوجب أن يرجع عليه بحكم هذا العيب.
ومذهب مالك أيضًا أنه لا يلزم المحالَ الكشفُ عن ذمة المحال عليه قبل أن يقبض الحوالة، بل يجوز له قبول الحوالة، وإن كان شاكًا في حال المحال عليه: هل هو غني أو فقير. بخلاف شراء ديْن قد استقرّ في الذمة، فإنه لا يجوز لأحد أن يشتريه بعوض يجوز شراؤه به إلا بعد أن يكون من عليه الدين حاضرًا مقرًا، يُعرف غناه من عُدمه؛ لأن ذمته هي المشتراة، ويختلف مقدار عوضها باختلاف حال الذمة من فقر أو غنى، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولًا، فإذا اششرى دينًا لا يُعلم حالُ من هو عليه، هل هو فقير أو غني، فقد صار اشترى أمرًا مجهولًا (من صحة البيعِ، والبيع) (٢) ليست ببيع على إحدى الطريقتين عندنا بل طريقها المعروف، فيُعْفَى فيها عن مثل هذا الغرر، لكون الغرر يعتبر كونه مقصودًا كما تقدم بيانه في كتاب البيوع.
لكن مذهبنا أنه إذا كان المحال عليه ظاهرَ اليسار، والمحيل يعلَم من باطن أمره أنه فقير لا مال له، فإن ذلك عيب في الحوالة يوجب للمحال أن يرجع عن قبولها، ويطالِبَ المحيل. هذا على أنه لو باع سلعة من رجل يظنّه مليئًا فإذا به فقير مفلس، فإن البائع ليس له فسخ البيع ولا يكون هذا كعيب في الذمة يوجب فسخ البيع، وما ذلك إلا لأن البياعات تتكرر تكررًا كثيرًا لشدة الحاجة إليها وعدم الغنى عنها في جل الناس، والكشف عن ذمة من يطلب شراء سلعة مما يشق، فلو لم يجز البيع للبائع إلا بعد الكشف عن ذمة المشتري
стр. 2348
والبحث عنها , لوقفت أكثر البياعات (ولم يمكن انتها وفرضها) (١). وأيضًا فإن البائع يدفع للمشتري سلعة تقارب الثمن الذي يحل له في ذمته، فاستغنى بذلك عن الكشف هل عند المشتري زيادة أم لا. وأما بيع الديون التي في الذمم مما لا يقع إلا نادرًالأولا يتكرر، فتكليف البحث عن ذمة من عليه الدين المبيع لا يوقف البياعات المكررة، ولا يشقّ، مع كون المشتري للدين لا يدفع لمن عليه الدين. لكن لو فرضنا أن المحال قَبِل الحوالة على رجل يشكّ في ملائه أو فقره، والمحيل عالم بباطن أمره، وأنه فقبر، فهل يكون علم المحيل بفقره، وكتمانُ ذلك عن المحال، تدليسًا يوجب له الرجوع، أو يقال: إن المحال لمّا قَبِل الحوالة على من يشك في حاله، وليس ظاهر أمره عنده الغنى، فإنه يصير بذلك كما لو قبل الحوالة على فقير يعلَم من فقره ما علمه المحيل. بخلاف أن يقبل الحوالة على من ظاهره الغنى، وقد علم المحيل أن الباطن بخلافه.
والأظهر عندي أن يكون له مقال، على أصل المذهب؛ لأنه لو علم بأن المحيل حقق هذا الأمر الذي المحال يشك فيه، لم يقبل الحوالة، فصار قبوله لها كالمشروط بأنه استوى واعتقادَ المحيل في حال المحال عليه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد قدمنا أن ظاهر مذهب الشافعي أن الحوالة إذا قبلت لا يبطلها جحود المحال عليه الذي أحيل به عليه.
وذكر عن أبي حنيفة أن ذلك يبطلها. وعن صاحبيه: محمَّد بن الحسن وأبي يوسف، وذكرنا اختلاف الرواية عندهم في الجحود.
وبعض الأشياخ المحققين من أهل المذهب يختار أنها إذا وقعت الحوالة على حاضر مقر بالدين، ويعتلّ لذلك بأن المحال، لما قبل الحوالة، وهو يجوز أن يجحده المحال عليه، وقد أمكنه الإشهاد عليه بأنه يستحق قِبَله ما كان
стр. 2349
للمحيل عليه، فصار إعراضه عن الإشهاد كالتفريط منه، كمتلفٍ مالًا بتفريطه.
قال: ولو كان المحال عليه غائبًا، فلما قدم جحد الدين، لكان للمحال أن يرجع على الحميل (١) ها هنا؛ لأنه لم يمكنه الإشهاد على من عليه الدين لغيبته، فيعَدّ كأنه أتلف حقّه بتفريطه في الإشهاد.
وعندي أن النظر يقتضي فيما قاله هذا الشيخ تفصيلًا.
فإن كان الغالب في الديون الإشهاد عليها، فإنما يترك ذلك نادرًا، وقال المحال لما جحد المحالُ عليه وقد كان حاضرًا مقرًا حين الحوالة: إنما لم أشهد عليه لثقتي بأن المحيل قد كان أشهد عليه على ما تقتضيه العادة، فلما كتمني أنه لم يشهد عليه، صار ذلك كالتغرير منه والتدليس عليَّ، فوجب في الرجوع عليه، كما وجب لي إذا علم فقر المحال عليه وكتمه عني، كما قدمناه. وأما إطلاقه القول بأن الحوالة إذا كانت على غائب فقد يجحد الدين كان للمحال أن يرجع على المحيل، فإن ذلك صحيح بشرط أن يكون المحال لم يصدّق المحيل في كونه يستحق دينًا على الغائب المحال عليه. وأما لو صدقه في ذلك وقبل الحوالة وهو يعلم أَلاّ بيّنة على الغائب، فإنه ينظر في هذا هل يكون أبرأه المحيل (٢) وعلمُه، بأن المحيل يستحق الدين الذي أحاله عليه، يمنعه الرجوع ويصير الجحود كجائحة طرأت عليه لا رجوع له بها على المحيل. وقد اختلف المذهب الاختلاف المشهور في رجل أتى لمن عنده وديعة لإنسان فقال له:
أرْسَلَني مَن أودعك إيّاها لأقبضك منها (٣)، فصدّقه فيما ذكر، ودفع ذلك إليه، فلما قدم صاحب الوديعة أنكر أن يكون أرسل أحدًا ليقبضها، وحكم على دافعها بغرامتها، فهل له أن يستردّها ممن قبضها منه، ويكون إنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدق الرسول فيسترد منه ما أعطاه، أو يكون تصديقه
стр. 2350
له يمنعه من الرجوع على الرسول لاعتقاده أن صاحب الوديعة ظلمه في أن طلبه بالغرامة وأخذها منه، فذلك جائحة عليه لا رجوع له بها على من قبضها منه.
وهذا يلاحظ ما نحن فيه من اعتبار كون المحال إنما صدق المحيل بشرط أن يأتي الغائب فيقر بالدين أو يصدقه على الإطلاق واعتقد أنه لم يكذب، فيكون ذلك جائحة على المحال.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا باع رجل من رجل سلعة بمائة دينار، ثم أحال البائع رجلًا، له عليه مائة دينار، على مشتري السلعة منه بالمائة دينار، فاستُحقت السلعة من يد المشتري، أو ردّها بعيب حتى انفسخ البيع فيها، فبطل الثمن وسقط عن المشتري، فهل يسقط عن المشتري حق المحال عليه حتى لا يطلبه بشيء، أو يبقى حق المحال ثابتًا على المشتري، في طلبه بوزن الثمن الذي سقط عنه، ويرجع المشتري بما دفع للمحال على البائع الذي هو المحيل عليه؟ في المذهب في هذا عندنا قولان مشهوران:
ذهب ابن القاسم إلى أن الحوالة ثابتة، ولا يسقط حقُّ المحال وطلبُه عن المشتري، وإن كان لم يقبض منه ثمن السلعة التي (١) أحيل به عليه.
وذهب أشهب إلى أن الحوالة قد بطلت ببطلان البيع، ولو كان المحال قد قبض الثمن من المشتري لكان من حق المشتري أن يُرجعه منه، ويَرجع بهذا الذي استرجع منه على البائع الذي كان دينه عليه.
ومذهب أشهب هو اختيار ابن المواز وغيره من الأشياخ المحققين، واعتضدوا في ذلك بأن أصحاب مالك اتفقدا على أن المفلس إذا بيع ربعه وعروضه في دين وجب عليه، وأخذ ثمن ذلك غرماؤه، ثم استُحِق المبيع حتى كان من حق من اشترى مال المفلس أن يطلب ما دفع من الأثمان، أن المشتري