← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

دينه ليبرأ (١) منه براءة مؤبدة. وإذا كانت الحوالة مشتقة من التحويل صارت بمنزلة إذا تحول رجل من مكان إلى مكان فقد فرع الأولَ وشَغَل المكانَ الثانيَ، فلا يقتضي هذا التفريغ الرجوع إلى المكان الذي زال عنه، فكذلك الحوالة قد أخلى ذمةَ مَن عليه دينُه، ونقل ذلك إلى ذمةٍ أخرى، فلا يعود الدين بعوإنتقاله إلا بدليل، وهم يقولون، أيضًا: إنما حولت من مكان إلى مكان بشرط السلامة، وحصول الاستيفاء، فإذا لم يحصل له الاستيفاء رجع إلى أصل حقه ورد الحق إلى محله. ونقول نحن، أيضًا: إن بأن (٢) الحوالة، وإن كانت فيها مشابهة بحقيقة البيع، فإن المقصود منها ما قدمناه من قصد المعروف بدليل أنه لو التفت إلى حقيقة البيع لجازت الحوالة بجنس من الدين على جنس آخر؛ لأن البياعات لا يشترط فيها التجانس بل يجوز بيع عبد. بعبد، وبيع ثوب (٣) ولا يجوز في الحوالة حوالة ثوب على عبد. فدل ذلك على أنها كالمسلوب منها حقيقة البيع، فلا تقاس على بيع عين بعين، كما قدمناه من قياسهم. وإذا سلبنا منها حقيقة البيع، وكان القصد إبراءَ محلّ وشَغْل آخرَ، لم يجب الرجوع عند الفلس. وأيضًا فإن الأعيان إذا وقع فيها البيع، ثم اطُلع فيها على عيب، صار ذلك كنقض في أجزاء الجميع؛ لأن من باع عبدًا فوجده المشتري مقطوع اليد، فكأنه اشترى عشرة أجزاء مثلًا، فأصاب تسعة أجزاء، والفلس عيب في الذمة، (ونفس الذمة ليست كالعيب في نفس ما حل فيها) (٤). والشافعي إنما لم يراع تغرير المحيل بالمحال لأنه يرى أن المحال أمكنه البحث عن حال المحال عليه حتى يعلم غناه من فقره في ذلك، فصار كالراضي بالعيب الداخل عليه. وكأن مالكًا ﵁ رأى أن هذا كالعيوب الباطنة؛ لأن القطع على

стр. 2347

الفقر في الباطن لا سبيل إليه، فإذا لم يغير (١) المحيل المحال، فكأنه عيب لا يعلم به، فأشبه العيب بباطن الخشب، وما في معناه، مما لا يجب ردّه بعيب ظهر فيه بعد إفساده، أما إذا علم بالعيب ودلس به فقد غرّ بمن عامله، فوجب أن يرجع عليه بحكم هذا العيب. ومذهب مالك أيضًا أنه لا يلزم المحالَ الكشفُ عن ذمة المحال عليه قبل أن يقبض الحوالة، بل يجوز له قبول الحوالة، وإن كان شاكًا في حال المحال عليه: هل هو غني أو فقير. بخلاف شراء ديْن قد استقرّ في الذمة، فإنه لا يجوز لأحد أن يشتريه بعوض يجوز شراؤه به إلا بعد أن يكون من عليه الدين حاضرًا مقرًا، يُعرف غناه من عُدمه؛ لأن ذمته هي المشتراة، ويختلف مقدار عوضها باختلاف حال الذمة من فقر أو غنى، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولًا، فإذا اششرى دينًا لا يُعلم حالُ من هو عليه، هل هو فقير أو غني، فقد صار اشترى أمرًا مجهولًا (من صحة البيعِ، والبيع) (٢) ليست ببيع على إحدى الطريقتين عندنا بل طريقها المعروف، فيُعْفَى فيها عن مثل هذا الغرر، لكون الغرر يعتبر كونه مقصودًا كما تقدم بيانه في كتاب البيوع. لكن مذهبنا أنه إذا كان المحال عليه ظاهرَ اليسار، والمحيل يعلَم من باطن أمره أنه فقير لا مال له، فإن ذلك عيب في الحوالة يوجب للمحال أن يرجع عن قبولها، ويطالِبَ المحيل. هذا على أنه لو باع سلعة من رجل يظنّه مليئًا فإذا به فقير مفلس، فإن البائع ليس له فسخ البيع ولا يكون هذا كعيب في الذمة يوجب فسخ البيع، وما ذلك إلا لأن البياعات تتكرر تكررًا كثيرًا لشدة الحاجة إليها وعدم الغنى عنها في جل الناس، والكشف عن ذمة من يطلب شراء سلعة مما يشق، فلو لم يجز البيع للبائع إلا بعد الكشف عن ذمة المشتري

стр. 2348

والبحث عنها , لوقفت أكثر البياعات (ولم يمكن انتها وفرضها) (١). وأيضًا فإن البائع يدفع للمشتري سلعة تقارب الثمن الذي يحل له في ذمته، فاستغنى بذلك عن الكشف هل عند المشتري زيادة أم لا. وأما بيع الديون التي في الذمم مما لا يقع إلا نادرًالأولا يتكرر، فتكليف البحث عن ذمة من عليه الدين المبيع لا يوقف البياعات المكررة، ولا يشقّ، مع كون المشتري للدين لا يدفع لمن عليه الدين. لكن لو فرضنا أن المحال قَبِل الحوالة على رجل يشكّ في ملائه أو فقره، والمحيل عالم بباطن أمره، وأنه فقبر، فهل يكون علم المحيل بفقره، وكتمانُ ذلك عن المحال، تدليسًا يوجب له الرجوع، أو يقال: إن المحال لمّا قَبِل الحوالة على من يشك في حاله، وليس ظاهر أمره عنده الغنى، فإنه يصير بذلك كما لو قبل الحوالة على فقير يعلَم من فقره ما علمه المحيل. بخلاف أن يقبل الحوالة على من ظاهره الغنى، وقد علم المحيل أن الباطن بخلافه. والأظهر عندي أن يكون له مقال، على أصل المذهب؛ لأنه لو علم بأن المحيل حقق هذا الأمر الذي المحال يشك فيه، لم يقبل الحوالة، فصار قبوله لها كالمشروط بأنه استوى واعتقادَ المحيل في حال المحال عليه. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد قدمنا أن ظاهر مذهب الشافعي أن الحوالة إذا قبلت لا يبطلها جحود المحال عليه الذي أحيل به عليه. وذكر عن أبي حنيفة أن ذلك يبطلها. وعن صاحبيه: محمَّد بن الحسن وأبي يوسف، وذكرنا اختلاف الرواية عندهم في الجحود. وبعض الأشياخ المحققين من أهل المذهب يختار أنها إذا وقعت الحوالة على حاضر مقر بالدين، ويعتلّ لذلك بأن المحال، لما قبل الحوالة، وهو يجوز أن يجحده المحال عليه، وقد أمكنه الإشهاد عليه بأنه يستحق قِبَله ما كان

стр. 2349

للمحيل عليه، فصار إعراضه عن الإشهاد كالتفريط منه، كمتلفٍ مالًا بتفريطه. قال: ولو كان المحال عليه غائبًا، فلما قدم جحد الدين، لكان للمحال أن يرجع على الحميل (١) ها هنا؛ لأنه لم يمكنه الإشهاد على من عليه الدين لغيبته، فيعَدّ كأنه أتلف حقّه بتفريطه في الإشهاد. وعندي أن النظر يقتضي فيما قاله هذا الشيخ تفصيلًا. فإن كان الغالب في الديون الإشهاد عليها، فإنما يترك ذلك نادرًا، وقال المحال لما جحد المحالُ عليه وقد كان حاضرًا مقرًا حين الحوالة: إنما لم أشهد عليه لثقتي بأن المحيل قد كان أشهد عليه على ما تقتضيه العادة، فلما كتمني أنه لم يشهد عليه، صار ذلك كالتغرير منه والتدليس عليَّ، فوجب في الرجوع عليه، كما وجب لي إذا علم فقر المحال عليه وكتمه عني، كما قدمناه. وأما إطلاقه القول بأن الحوالة إذا كانت على غائب فقد يجحد الدين كان للمحال أن يرجع على المحيل، فإن ذلك صحيح بشرط أن يكون المحال لم يصدّق المحيل في كونه يستحق دينًا على الغائب المحال عليه. وأما لو صدقه في ذلك وقبل الحوالة وهو يعلم أَلاّ بيّنة على الغائب، فإنه ينظر في هذا هل يكون أبرأه المحيل (٢) وعلمُه، بأن المحيل يستحق الدين الذي أحاله عليه، يمنعه الرجوع ويصير الجحود كجائحة طرأت عليه لا رجوع له بها على المحيل. وقد اختلف المذهب الاختلاف المشهور في رجل أتى لمن عنده وديعة لإنسان فقال له: أرْسَلَني مَن أودعك إيّاها لأقبضك منها (٣)، فصدّقه فيما ذكر، ودفع ذلك إليه، فلما قدم صاحب الوديعة أنكر أن يكون أرسل أحدًا ليقبضها، وحكم على دافعها بغرامتها، فهل له أن يستردّها ممن قبضها منه، ويكون إنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدق الرسول فيسترد منه ما أعطاه، أو يكون تصديقه

стр. 2350

له يمنعه من الرجوع على الرسول لاعتقاده أن صاحب الوديعة ظلمه في أن طلبه بالغرامة وأخذها منه، فذلك جائحة عليه لا رجوع له بها على من قبضها منه. وهذا يلاحظ ما نحن فيه من اعتبار كون المحال إنما صدق المحيل بشرط أن يأتي الغائب فيقر بالدين أو يصدقه على الإطلاق واعتقد أنه لم يكذب، فيكون ذلك جائحة على المحال. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا باع رجل من رجل سلعة بمائة دينار، ثم أحال البائع رجلًا، له عليه مائة دينار، على مشتري السلعة منه بالمائة دينار، فاستُحقت السلعة من يد المشتري، أو ردّها بعيب حتى انفسخ البيع فيها، فبطل الثمن وسقط عن المشتري، فهل يسقط عن المشتري حق المحال عليه حتى لا يطلبه بشيء، أو يبقى حق المحال ثابتًا على المشتري، في طلبه بوزن الثمن الذي سقط عنه، ويرجع المشتري بما دفع للمحال على البائع الذي هو المحيل عليه؟ في المذهب في هذا عندنا قولان مشهوران: ذهب ابن القاسم إلى أن الحوالة ثابتة، ولا يسقط حقُّ المحال وطلبُه عن المشتري، وإن كان لم يقبض منه ثمن السلعة التي (١) أحيل به عليه. وذهب أشهب إلى أن الحوالة قد بطلت ببطلان البيع، ولو كان المحال قد قبض الثمن من المشتري لكان من حق المشتري أن يُرجعه منه، ويَرجع بهذا الذي استرجع منه على البائع الذي كان دينه عليه. ومذهب أشهب هو اختيار ابن المواز وغيره من الأشياخ المحققين، واعتضدوا في ذلك بأن أصحاب مالك اتفقدا على أن المفلس إذا بيع ربعه وعروضه في دين وجب عليه، وأخذ ثمن ذلك غرماؤه، ثم استُحِق المبيع حتى كان من حق من اشترى مال المفلس أن يطلب ما دفع من الأثمان، أن المشتري

стр. 2351

يستردّ الأثمان من يد الغرماء الذين قبضوها. وفي هذا التشبيه عندي نظر؛ لأن الغرماء كأنهم هم الذين باعوا بأنفسهم، وقبضوا مما باعوه، فعليهم أن يردوه إذا استحق ما اشتراه المشتري منهم. ومسألة الحوالة قد وقع فيها إدخال يد ثالثة، وهي يد المحال، فصار ذلك كالفَوْت للأثمان، كما ننبّه عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى. فإذا تقرر أن في مسألة الحوالة، إذا رفع (١) الاستحقاق، عندنا قولان، فإن الشافعية لم تختلف، فيما علمت، في أن المحال إذا قبض الثمن فإنه لا يُستَرَد منه، وأما إن لم يقبضه حتى وقع الاستحقاق أو الرد بالعيب، فإن المزني في جامعه الكبير: أن الحوالة ثابتة. وذكر في مختصره أن الحوالة باطلة. وكان أصحاب الشافعي يشيرون إلى أنهم ليس عندهم، إذا لم يقبض الحوالة، اختلاف في المذهب، وإنما المذهب عندهم على قول واحد. ولكن اختلفوا: هل الصحيح منه ما قاله المزني في جامعه الذي ألّفه قبل مختصره: إن الحوالة ثابتة، أو الصحيح ما نقله في مختصره بعد ذلك أن الحوالة باطلة؟ فمنهم من رأى أن القول الذي تقدم له غلط، ومنهم من رأى أن القول الثاني هو الغلط، ومنهم من تأوّل قوله فقال: معنى القول بثبوتها، أي إذا قبضت، ومعنى القول بسقوطها أي أنها لم تقبض. هذه حكايته المذهب وأما سبب الاختلاف ففيه اضطراب: فأما أصحاب الشافعي فإنه نص القولَ. بثبوت الحوالة بأن الشافعي قال: الحوالة كالقبض. يريد بها أن الحوالة إذا قبضت لم تُستَرَد من يد قابضها، بلا خلاف عندهم. وإذا كانت نفس الحوالة كالقبض لم تبطل وإن بطل البيع. ودفع بعضهم هذا الاحتجاج بأن قال: لم يرد الشافعي بأنها كالقبض في حق المحيل حتى يكون في مسألتنا كقابض الحوالة، وإنما أراد أنها كالقبض في

стр. 2352

حق المحيل، بمعنى أنه لا يرجع عليه، وكونه قد أحال غريمه لكونه قد دفع إليه حقه وقبضه منه. وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا الاختلاف مبني على كون الحوالة بيعًا أو ليست ببيع وإنما طريقها المعروف فإن قلنا: إنها بيع لم تُنقض الحوالة بانتقاض البيع الذي أحيل بثمنه، كما قال ابن القاسم، وهي كبيع وقع بعد بيع، ألا ترى أن من باع عبدًا بمائة دينار، ثم أخذ بالمائة دينار من المشتري سلعة، ثم استحق العبد، فإن البيع في الثوب لا يبطل وإن بطل ما يبنى عليه وهو بيع العبد. وكذلك الحوالة إذا قدرناها بيعًا لم تبطل ببطلان البيع الأول الذي بنيت الحوالة عليه. وأنكر بعضهم هذا التشبيه بأخذ الثوب من ثمن العبد فقال: إنما مشتري العَبد إذا استحق من يديه أن يرجع بثمن العبد، وليس الثوبُ هو ثمنَ العبد فيرجع فيه، ولا الذمة هي نفس الثمن، وإنما هي محل الثمن، وثمن الثوب دنانير كانت في الذمة، فإذا بطل البيع في الذمة (١) العبد، وبطل الثمن، صار كمن اشترى ثوبًا بدنانير فاستحقت الدنانير من يده فإنه لا يبطل البيع باستحقاقها. لكن إنما يتبين صحة البناء الذي ذكرناه بأن العبد لو باع (٢) بدنانير ثم اشترى رجل تلك الدنانير من بائع العبد الذي استحقها في ذمة مشتري العبد بما يجوز له أن يشتري هذا الدين، ثم استُحق العبد فإن الثمن لا يبطل بل يلزم مشتري العبد أن يدفعه لمشتريه من البائع، ويرجع هو بذلك على بائع العبد منه. وهذا لم يختلف فيه ابن القاسم وأشهب، وهو يؤكد هذا البناء الذي بنيناه من أن الحوالة إذا قدِّرت كالبيع فإن الصواب ما قال ابن القاسم في أن الحوالة لا تبطل باستحقاق العبد الذي وقعت الحوالة على ثمنه. وإن قلنا: ليست ببيع وطريقها

стр. 2353

المعروف بطلت الحوالة كما قال أشهب. ويؤكد ذلك أن هذا الثمن لو تصدق به البائع على رجل، أو وهبه له، فاستحق العبد، أن الهبة والصدقة بطلت لما كانت الهبة والصدقة لم تقبض، فأما إن قبضت وأَفَاتها المتصدق عليه، فإنه لا يُرجع عليه؛ لأنه سلطه المالك لها عليها بالصدقة فأكلها على أنه لا غرامة عليه، فلا يلزمه بعد ذلك أن يغرمها، ويَرجع دافعُها إليه على بائع العبد بما أمره أن يخرجه من ذمته بالصدقة. وأما إن كانت قائمة بيد المتصدق عليه: فهل لدافعها إليه، وهو مشتري العبد، أن يستردها منه لكونه دفع ما لم يُستَحق عليه في الباطن غلطًا منه، والذي دفعه قائم بعينه فرجع (١) فيه، أو يمنع من ارتجاع ذلك من القابض وإنما يرجع على بائع العبد منه، كما لو قبض البائع ثمن عبده وتصدق به فإنه يرجع عليه بما تصدق به؟ اختلف قول ابن القاسم في ذلك، وهذا ومسألة النكاح إذا تصدقت المرأة بصداقها على رجل فلم يقبض الصدقةَ المتصدَّقُ عليه حتى طلقها الزوج قبل الدخول، وهو موسر، فإن الزوج يدفع الصداق إلى المُتَصدَّق عليه، ويرجع هو بنصفه على الزوجة التي أمرته أن يدفعه إلى قابضه منه، وصار ذلك بالصدقة كالفوْت للصداق المتصدَّق به، وسقوطه بالطلاق بعد الهبة كسقوط الثمن في مسألة الحوالة بالاستحقاق، وما وقع من الاختلاف في مسألة الصدقة بالصداق، و (٢) يذكر وجهه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. وقد أشار بعض الأشياخ إلى بناء مسألة الحوالة على طريقة ثالثة، وهي تقدير الحوالهّ كالفوت لِمَا وقعت الحوالة به، فيكون الأمر كما قال ابن القاسم، و (٣) ليس ذلك كالفوت؟ فيكون الأمر كما قال أشهب. ولما كان معتمَد بعض الأشياخ في إجراء الخلاف على كون الحوالة بيعًا

стр. 2354

أوليست ببيع، كما تقدم بيانه، نذكر الآن الخلاف في ذلك وسببه. وظاهر المذهب عندنا على قولين: هل الحوالة كالبيع أو ليست كالبيع وإنما طريقها المعروف والإرفاق؟ وكذلك نظر أصحاب الشافعي على أن عندهم في ذلك قولين. واعتل من قال: إنها ليست كالبيع بثلاثة أوجه: أحدها أن النبي ﷺ قال: "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل" (١) وهذا أمر أقل مراتبه أن يحمل على الندب والاستحباب ولم يَرِد الشرع بإيجاب البيع ولا بالندب إليه على الإطلاق، وإنما ورد الشرع بالندب إلى فعل المعروف والإرفاق. الوجه الثاني أن البيع يجوز مع اختلاف الأجناس، ومع الزيادة والنقصان، ولا يجوز ذلك في الحوالة كما تقدم في صدر الكتاب. الوجه الثالث: أن الحوالة تجوز بدنانير على دنانير ويجوز الافتراق قبل التقابض. فلو كان ذلك بيعًا لكان ذلك كالصرف الذي لا يجوز فيه الافتراق قبل التقابض. وأما من لم ينكر كونها بيعًا فإنه يقبل (٢) بأن حقيقة البيع في اللغة نقل الملك بعوض، وهو ها هنا قد انتقل الملك بعوض فثبت له حقيقة البيع، واشتراط الشرع في جواز هذا البيع شروطًا لا تخرجه عن كونه بيعًا، وكذلك اختصاص الحوالة بتسمية الحوالة، ألا ترى أن بيع الدنانير بالدراهم واختصاصه بحكم، وهو منع الافتراق قبل التقابض، واختصاصه بتسمية وهو الصرف، لا يمنع ذلك من كون حقيقة البيع قد حصلت فيه.

стр. 2355

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: قد قدمنا أن حقيقة الحوالة أن تكون على دين، وأن اشتقاقها يوجب ذلك؛ لأنها مشتقة من التحوّل، والتحول لا يكون إلا متضمنًا لمكانين أحدهما هو الذي يزول عنه اللّيث (١) فيه. والآخر هو الذي ينتقل إليه. وكذلك الحوالة في الديون تقتضي أن يكون لِإنسان دين في ذمة رجل فيطلب به، فيقول له: تحولْ عن ذمتي إلى أن يصير لك في ذمة رجل أخرى (٢) عليه دين مثل دينك. وهكذا أصْل المذهب، وعليه بنيت فروع هذا الباب، ألا ترى أن المذهب في رجل تحول بدين على ذمة رجل آخر فلما مات المحال عليه، قال المحال: أحلتني على غير أصل ديْن، فلي الرجوع عليك. وقال المحيل: أحلتك على دين لي عليه. فإن القول قول المحيل. وهذا الذي قاله أصحابنا مبني على ما قدمناه من أن الحوالة حقيقتها أن تكون تحوّلًا عن دين في ذمة إلى ذمة أخرى فصار مدّعيًا أن الحوالة كانت على غير دين بعد اعترافه أنهاكانت حوالة، يدعي إبطال ما أقر به وإبطال حقيقة اللفظ الذي اعترف به. ومن هذا أيضًا ما أشار إليه ابن الماجشون في المبسوط، فيمن تحول بدين له على رجل على رجل آخر فقال المحيل: ادفَعْه إليّ لأنّي إنما وكلتك على قبضه وسلمْه إليّ. وقال المحال: بل كنتُ استحقه عليك دينًا من قبل الحوالة: إن المدعي لكونه حوالةً إذا ادعى من ذلك ما يشبه صدقا (٣)، وإلا كان القول قولَ المحيل: إنك وكيل لي على القبض. فأنت تراه كيف أشار إلى أن القول قول من ادعى ما يقتضيه اللفظُ وحقيقةُ هذه التسمية وكونُها دالةً على أن الحوالة على دين. ألا ترى أن قرائن الأحوال على أنه ليس بمحال بل هو وكيل، فيكون

стр. 2356

القول قول من ادعى ما دلت عليه قرينة الحال. وإن كان قد وقع لابن القاسم في العتبية، فيمن أحال رجلًا بدين له عليه على رجل آخر، فقال المحيل: إنما أحلتك على دين لي يكون ذلك سلفًا عندك ترده إليّ. وقال القابض: ما أخذته إلا عوضًا عن دين كان لي عليك: إن القول قول المحيل. مع كون المحيل ادعى أن هذه الحوالة كانت على غير دين يستحقه المحال. وأشار بعض أشياخي إلى أن هذا كالمخالف لما أصلناه، ولما حكيناه عن عبد الملك، مع كون هذه المسألة آكد في تصديق القابض الذي يقول: ما قبضت دينك إلا من دين كان لي عليك. وهذا اتفاق منهما على أن المقبوض قبض على أنه ملك للقابض. وهذا الذي أشار إليه شيخنا من التخريج للخلاف فيه (١)، وذلك أن قول المحيل: إنما قبضته ليكون لي سلفًا عليك، يشبه الحوالة على الديون لأنه لما التزم له أن يسلفه مائة دينار صار ذلك كدين عليه لمن سأله في السلف. وإذا صار كدين له عليه صارت الحوالة ها هنا على دين باتفاقهما جميعًا. وإنما تنتقل المسألة إلى أصل آخر، وهو من قال: قبضت من زيد مائة دينار كانت لي عليه، وقال زيد: إنما دفعتها إليك ليكون سلفًا لي عليك، فإن في المسألة قولين: هل يصدق القابض؛ لأنه ما أقر بعمارة ذمته، ولا أقر إلا بقبضٍ شرَط فيه أنه يستحق، فلا يؤخذ بأكثر مما أقرّ به. والقول الآخر: إن القول قول الدافع في أنه إنما دفع ذلك سلفًا؛ لأن القابض لو أتاه قبل أن يقبض منه شيئًا، فقال له: لي عليك دين، فأنكره المدعَى عليه، فإن الإجماع على أن القول قول المدعى عليه، فكذلك أن يجب أن يكون القول قوله. في صفة ما دفع، وأنه دفعه سلفًا لا قضاءَ عن دين؛ لأن الأصل أن القول قوله في إنكاره دعوى المدعِي عليه الدينَ. والأصل أيضًا أنهما اتفقا على أن هذا المقبوض الذي حازه قابضه أصلُ الملك فيه لدافعه، وإذا وقع اختلاف التداعي قدمنا الأرجح، والرجحان ها هنا في جنبة

стр. 2357

من اعتُرِف له بأصل الملك، وادعى عليه أن ملكه سقط، واحتج المدعي بالحيازة، فإن ذلك لا يقبل منه؛ لأن الحيازة، وإن كانت ترجيحًا لدعوى الحائز، فاعتراف الحائز لغيره بأصل الملك أقوى من دلالة الحيازة، ألا ترى أن رجلًا عليه ثوب، فقال له رجل: أعرتك إياه. وقال اللابس الحائز: وهبتَه لي. إن القول قول المقَرّ له بأصل الملك، وأن ثوبه إنما خرج من يده على جهة العارية لا على جهة الهبة، والتمليكِ المؤبد. وهذا الذي ذكرتُه عن بعض أشياخي في أنه جعل المذهب على قولين مما قدمناه في المسألتين: مسألة ابن القاسم في العتبية، ومسألة ابن الماجشون في المبسوط، هكذا الأمر عند الشافعية في مسألة المبسوط إن المذهب عندهم فيه على قولين: أحدهما: أن القول قول المحيل، لما قدمناه من أنه اعترف له من ينازعه أن أصل الملك له. وهو مذهب شيوخهم، وبعض الأئمة من حذاقهم المتأخرين. وهذا التفات إلى المعاني والأصول المفردة في الشرع، واطّراح دلالة اللفظ الذي هو اسم الحوالة، فإن ذلك إنما يكون ترجيحًا في الدعوى ما لم يصادمه ترجيحٌ آخر هو أقوى منه من الاتفاق على أصل الملك، وكون المدعى عليه بدين القولُ قولُه باتفاق. ومنهم من ذهب إلى أن القول قول القابض: إني إنما قبضت ما أستحقه عوضًا عن دين لي عليك، ولم أقبض على أني وكيل لك، تمسكًا من هؤلاء بدلالة هذا اللفظ واشتقاقها على حسب ما قدمناه. وقد بيّنا ضعف اعتلال أصحاب هذا المذهب. وإذا تقرر هذا فإن قضاء القاضي بأن القول قول المحال: إني قبضت ما أستحقه فلا تفريع على هذا المذهب. وإنْ حُكِم بأن القول قول المحيل، ترجيحا له بما قدمناه، فهل للمحال أن يرجع على المحيل؟ هذا مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال: إذا رفع أمره

стр. 2358

إلى القاضي لم يحكم له على المحيل بشيء؛ لأنه قد اعترف المحيل ببراءة ذمته بالحوالة، وألاّ مطالبة له عليه، وأن الذي يستحقه إنما هو في ذمة المحال عليه، فليس له أن يطالب ذمةً بدين، هو معترف ببراءة هذه الذمة من دينه، كما لو اعترف بأنه قبض دينه فإنه لا مطالبة له به، ولا يصح للقاضي أن يحكم له بما يعترف أن الحكم به باطل. ومن الناس من ذهب إلى أنه يحكم له القاضي؛ لأن الذي نفذ له حكم القاضي، من تصديق المحيل في أنه إنما وكل وكالة على القبض، لا يقتضي سقوط دعوى المحال. وهذا القول إنما يتصور عندي لو كان المحيل معترفُ ابدين المحال، ولكن المنازعة إنما وقعت في المقبوض هل قبض على أنه دين المحال، كما زعم قابضه، أو على أنه قبض وكالة (١) المحيل، فيصير المحيل كالمعترف بدين المحال، (يقول له: لا أستحقه قِبَلك، بل بَرِئت منه بالحوالة. فإن من أقر بحق لرجل، وقال المقَرّ له: لا أقبضه، إني لا أستحقه إلا بحكم القاضي على المقر له، ويجبر المقَرّ له على قبضه. فكذلك ها هنا) (٢). لكن عندي أن وجه القول الثاني، الذي أنكره بعض الأئمة الحذاق في مسألة الحوالة هل هي حوالة أو وكالة يلتفت فيها إلى النظر فيمن كان له حق على رجل فجحده إياه، ثم عثر المجحود له الحقُّ على مال الجاحد، وصار في يديه، هل له أن يأخذه قضاء عن حقه المجحود أم لا؟ في المسألة خلاف على الجملة قدمناه في كتاب البيوع. وهذا المحال يقول: إني، ولو اعترفت ببراءة ذمة المحيل من ذمتي، فقد ظلمني في أخذ الدين الذي أبرأته من سببه، فإذا أقر لي بشيء أخذته عوضًا عَمَّا ظلمني فيه، وإن كنت أقول إني لا أستحق عينه ولكني أستحقه عوضًا عن ما غصبني إياه وجحدني فيه، فهذا مما ينظر فيه.

стр. 2359

ومما يلحق بما قلناه، في دلالة الحوالة على أنها على دين، ما وقع لابن القاسم فيمن قال لرجل: خذ الدينَ الذي لك على من الدين الذي لي على فلان، ففُلِّس فلان، فإن المحال يرجع على المحيل، ويقول له: إنما طلبته نيابة عنك لا على أنها حوالة أبرأتك بها من ديني؛ لأن قوله: خذ، أمر يحتمل أن يراد به الوكالة فلا يقع الإبراء بلفظ محتمل. فلو قال له: أحلتك بدينك على ديني على فلان، لوقع الإبراء، لدلالة هذه اللفظة عليه. ومثل هذا ما وقع في المدونة في كتاب المكاتَب، في مكاتَب بين شريكين حل عليه نجْم فقال أحد الشريكين لشريكه بَدِّئْني بهذا النجم وخذ أنت النجم الآخر. فإن ذلك كسلف من المتطوع بتبْدِئَة شريكه لا يبرأ منه إذا تعذر أخذ ذلك من المكاتب في النجم الثاني. وما ذلك، عند بعض أشياخي، إلا لأجل أن قوله "بدّئني" ليس فيه لفظ الحوالة التي تبرأ الذمة بها. ولو كان هذا وقع من أحد الشريكين بلفظ الحوالة لبرئ المحيل. وهذا، أيضًا، عندي مما ينظر فيه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت مستقر، ألا ترى أنه إذا عجز عنه رجع رقيقًا، فكان الحوالة ليست على أصل الدين. وهذا أيضًا مما ينظر فيه. فإذا تقرر حقيقة الحوالة وأن مقتضاها أن تكون حوالة بدين على دين، فإن لم تكن كذلك، وإنما وقعت حوالة بدين على غير دين، مثل أن يقول رجل لرجل له على آخر دين: تحول (١) عليه به، وإنما أقوم بِهِ لك. واتفق من عليه الدين ومن له الدين والمحال عليه على هذا، فإن هذا جائز لا وجه يمنعه. وشذّ بعض أصحاب الشافعي فقال ببطلان ذلك، وأن الحوالة على غير دين لا تصح، تمسكًا منه بحقيقة هذه اللفظة في اللغة، وأنها إذا وُضعت غيرَ موضعها، وعَبَّر عنها (٢) عن معنى آخر لا تقتضيه التسمية في اللغة، لم يصح ذلك، لكون

стр. 2360

الحوالة كأنها بيع دين بدين، كما قدمناه، والمراد بها أن يقال من (١) له الدين: ملّكْني ملك (٢) مِن دييب على رجل معين بالدين الذي لي عليك. فالمعاوضة تقتضي نقل ملك بملك، فإذا كانت على غير دين اتضح (٣) المعاوضة، وإذا لم تصح بطلت. وهذا إفراط في اتباع التسميات. ولو أسقط رجل دينًا له على رجل هبة منه له من غير عوض يأخذه من أخذ (٤)، لصح ذلك وجاز، إذا قبل ذلك من عليه الدين، فكذلك إذا أسقط حقه عليه بأن يقوم له به رجل آخر على جهة الهبة، وكان المتلزم القيامَ بهذا الحق هو الواهبَ لمن عليه الدين، فصار ذلك كهبة من له الدين، ولا يمتنع في الشرع أن يبذل إنسان مالًا على أن يُسقط رجل حقه من رجل آخر، ألا ترى أن رجلًا لو قال لرجل: اعتقْ عبدَك، وعليّ مائة دينار، لجاز ذلك، وإن كان باذلُ المائة دينار لم يرجع إلى يديه عنها عوض. وكذلك إذا قال له: طلق زوجتك، وعلى مائة دينار. فإن هذا أيضًا لا يُمنَع منه. فإذا تقرر أن الحوالة على غير دين تصح فلا يخلو أن يكون المحال قد علم أنه أحيل على غير دين فرضي بذلك، أو اعتقد أنه أحيل على دين، ثم ظهر أنه إنما أحيل على غير دين. وإن كان عالمًا بأنه أحيل على غير دين، ورضي بذلك، فلا مقال له عند جمهور العلماء، كما قدمناه. وإن كان لم يعلم بذلك، فله مقال في فسخ هذه الحوالة، لأجل اختلاف الناس في سقوط حق المحال على المحال عليه إذا فلس (٥) عليه أو مات، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 2361

فأمّا إذا كانا عالمين، حين قبول الحوالة، بهذا العيب، ودخل عليه، فإنه يلزمه ما رضي به من ذلك. وهاهنا وقع الاضطراب في الروايات إذا وقع الفلس والموت من المحال عليه هل للمحال رجوع على المحيل الذي كان أصل دينه عليه أم لا؟ فأطلق ابن القاسم القول بأن لا رجوع له عليه. وروى ابن وهب عن مالك في رجل قال لرجل: حرّقْ صحيفتك المكتوبةَ على فلان بالدين الذي لك عليه، واتْبَعْنِي. فإنه إذا وقع الفلس أو الموت من القائل ذلك، فإن المحال رجع (١) على غريمه؛ لأنه إنما وَعَدَ أن يسلف الغريمَ سلفًا، فلم يصح السلف، فإذا لم يصحّ رجوع (٢) على غريمه الذي أحاله. ووقع لأشهب أنه إذا وقع الفلس رجع على المحيل، قولًا مطلقًا. وروى مطرف عن مالك فيمن قال: تحملْ لي بمالي على فلان، وأنا لاتبعه (٣) لسوء معامتله أوْ لِامتناعه بالسَّلْطَنَةِ. فرضي بذلك، فإنه يتبع هذا الملتزمَ للحق، على كل حال، إلا أن يشاء أن يرجع على غريمه فله ذلك. وقال ابن الماجشون: هذا الشرط باطل، والحكم فيه كالحكم في الحمالة المطلقة، وله أن يطلب غريمه إلا أن يقول له: أتحوَّل بحقي عليك. فإذا قال له هذا اللفظَ لم يكن له رجوع على غريمه. فأجرى الحوالة على مقتضاها، واتّبع في اشتقاق التسمية دون ما يراد بها بين هذين اللذين اصطلحا بها على معنى آخر. وقد وقع في المدونة لفظان في الحوالة على غير دين، هل يكون (٤)،

стр. 2362

كالحمالة، بطلب الغريم مع حضور المحال عليه، أو لا يمكن من طلبه؛ لأنها كحمالة شُرِط فيها التبرئة (١) بالمحيل فيوفّى بالشرط. وقد كنا نحن قدمنا في كتاب الحمالة الاختلاف في المذهب في شرط التبْدِئة بالحميل، هل يوفى بهذا الشرط أم لا؟ واعلم أنه يقع هذا لأداء الدين عن الغريم على وجهين: أحدهما: أن يكون الملتزم لقضاء هذا الدين قصد بذلك الهبة، وإسقاطَ الطلب عمَّن هو عليه، لا ليرجع به عليه، ولكن على جهة الضَلة والصدقة، أو يكون قصد بذلك أن يكون سلفًا لمن هو عليه، يقوم عنه بالدين الذي عليه إلى حينٍ أو إلى أن يقدر على قضائه. وقد اختلف المتأخرون في ضبط هذه الرواية التي قدمناها، فأشار بعضهم إلى أن ما ذكر فيه أَلَاّ رجوعَ على المحيل، مَحْمَله على أنه التزم القيام بالدين على جهة الهبة، لا ليرجع به على من هو عليه. وعلى هذا يُحمل ما وقع لابن القاسم، وما ذكرناه عن ابن وهب، مما ظاهره مخالف لما قاله ابن القاسم، فقد صرح يكون ذلك الإلزام سلفًا. وهذا التأويل للروايات له وجه نبه عليه ابن المواز وأشار إلى اختلاف حكم الوجهين: هل هذا الالتزام سلف أو هبة؛ فإنه إذا كان سلفًا رجع مؤدي هذا الدين على من كان الدين عليه، فيقول المحال للمحال عليه: أَليس لو أخَذتُه منك لكان لك به مرجِع على غريمي، فأنا أرجع على غريمي الأصلي، وأنت غريمي الفرعي، وطلبي عليك؛ فإذا فلست، وقد توجه حقي عليك، فلي أن أرجع به على غريمك الذي كان هو غريمي الأصلَ، وأَحلّ في طلبه محلَّك، وأنا، وإن كنت أيرأته بالحوالة، فإني أطلبه من وجه آخر، وهو كونه غريمي، وغريمي الأصليّ صار غريمًا لك، حتى إذا كان التزامه للأداء على جهة الهبة ارتفعت هذه العلة، ولم يكن غريمًا لغريمي، وقد كنت أبرأته بالحوالة فلا رجوع لي عليه. ومن المتأخرين من حمل إطلاق ابن القاسم بأن لا رجوع على المحيل،

стр. 2363

ها هنا، على أن المراد به ما دام لم يفلس، ولم يثبت (١)، فيكون ذلك موافقًا لقول ابن وهب، ولقول أشهب. وبعض أشياخي، يعني اللخمي، يرى أن هذا الالتزام للقيام بالدين إذا كان على جهة السلف لمن عليه الدين فإنه لا يختلف المذهب في هذا الملتزم إذا أفلس كان من حق المحال أن يرجع على غريمه الأصلي الذي هو المحيل. وكأن شيخنا هذا أنحى (٢) إلى ما أشار إليه ابن المواز من أن الرجوع عليه ليس إبطالًا، (ألا ترى الذي تقدم منه) (٣) وإنما رجع عليه من وجه آخر وهو كون (٤) غريم غريمه. وكأن هذا الشيخ أيضًا يرى أنه إذا كان ذلك على جهة الهبة جرى ذلك على قولين في رجل وهب مالًا فلم يقبضه الموهوب له حتى مات الواهب وقد (مكنه القابض) (٥)، فإن الهبة تبطل من غير خلاف عندنا. ولو كان الموهوب له هذا المال قد أحال به رجلًا آخر ثم مات الواهب ففيه قولان: أحدهما: بطلان الهبة لأن هذا المحال يدهُ كيد الموهوب له هذا المال، فإذا كان موت الواهب يبطل الهبة في حق الموهوب له، فكذلك يبطل موته الهبة في حق هذا المحال على الهبة. والثاني: أن الهبة لا تبطل، لكون يد أخرى استحقتها وليست هي يد الموهوب له، فكذلك ها هنا إذا كان الملتزم لفظ الدين التزمه على جهة الهبة ثم فلس الملتزم، فإن حق المحال تعلق بهذه الهبة فلا يُبطِل حقه الفلسُ، ويحاصّ

стр. 2364

غرماءَ المحال عليه، ولا يرجع على المحيل، وتكون الحوالة ها هنا كالقبض والاستيفاء من المحيل. وإن قلنا إن الحوالة ها هنا ليست كالقبض والاستيفاء، وإن الفلس يبطل الهبة في حق هذا المحال، لكونه يحل محل الموهوب له، فإن المحال يرجع على المحيل. وكان يرى أيضًا أنه لا خلاف في أنه لا يُبدَّأ بالطلب هذا الملتزم المحال عليه. وهذا الذي أنكر أن يكون فيه خلاف، ظاهر الروايات إثبات الخلاف فيه. وقد قدمنا لك الخلاف في شرط التبْدِئَة، هل يوفَّى بها أم لا؟ وأن الحوالة على غير دين كالحمالة المطلقة، فيما ذكرناه لك من الروايات. وقد ذكرنا لك عن ابن الماجشون ما ظاهره منع الرجوع على المحيل، قولًا مطلقًا. وذكرنا لك من رواية مطرت ما يقتضي تمكين المحال من الرجوع على المحيل، قولًا مطلقا. والذي عندي من تحقيق القول في هذا الاضطراب في الروايات، والاختلاف في التأويلات، إن هذا المحال إن أبْرأَ المحيل، براءة مطلقة مؤبّدة، وصل إلى حقه من المحال عليه أو لم يصل، وصرح بذلك، وبأنه لا مرجع له على المحيل على حال، فإنه لا ينبغي أن يُختلف في كونه ممنوعًا من الرجوع عليه. وإن قيّد إبراءه له بأن قال: أنا أُبْرِيه ما دمت متمكنًا من الوصول إلى حقي من هذا المحال عليه، فإن تعذّر فأنا باق على حقي على المحيل. فإنه لا ينبغي أيضًا أن يختلف في تمكينه من الرجوع. فإنْ هَجَسَ في النفس أن الحوالة إذا كانت مبايعة فإن المبايعة على هذا الشرط تُمنع، فإنّا قدمنا أنها لم تجر مجرى البيع في سائر أحكامه، وأيضًا فإنها ها هنا ليست عن معاوضة ولا بيع دين بدين، فخرجت عما أشرْنا إليه من هذه المعارضة. ومتى وقع الإبراء مطلقًا ولم يصرَح بأحد الوجهين، فهاهنا قد يحسن الخلاف في منع المحال من الرجوع

стр. 2365

على المحيل، وأنه لا يقبل قوله: إني أردت بإبرائه ما دمت متمكنًا من أخذ حقي ممن أحالني عليه، ويقبل قوله ها هنا. وهذا تحقيق القول عندي في هذه المسألة. فإذا كان المحيل ليس له دين على المحال عليه، وإنما التزم أن يقضي عنه الدينَ سلفًا يرجع به عليه، فإن هذا المحال عليه الملتزم لقضاء الدين إذا فُلِّس كان للمحال أن يرجع على المحيل، كما قدمنا وجه التعليل فيه من كونه غريم غريمه، على ما أشار إليه ابن المواز، على ما ذكرنا اضطراب الروايات فيه. فإن وجده معسرًا وأراد أن يتبع المحال عليه، جرى ذلك على القولين المتقدمين في صحة هذه الهبة، التي هي هبة منافع المال , إذ لا فرق بين أن يهب رقبة المال، أو يهب الانتفاع به. فإن قلنا: إن هذه الهبة لا يبطلها فلس الواهب لكون طالبها ليس كالموهوب له، كان للمحال أن يحاصّ غرماء المحال عليه الملتزم لهذه الهبة. فالذي حاصهم بالذي نابه في الحصاص معهم يكون سلفًا في ذمة المحيل، يتبعه به المحال عليه، وهو المسلف له. فإن حاص المحالُ غرماءَ المحال عليه فنابه في الحصاص خمسون دينارًا، وقد كان دينه الذي أحيل به عليه مائة دينار، فقد صار هو والسلف سِيَّان فيما يطلبان به المحيل؛ لأنه بقي للمحال من أصل دينه خمسون دينارًا، وقبض خمسين دينارًا، وهي من مال المحال عليه، فإذا طرأ للمحيل مال تحاصّ فيه غرماء الغريم الأصلي، وهو القابض خمسين دينارًا من مال المحال عليه، مما بقي له وهو خمسون دينارًا، وجب أن يرجع المحال بنصفها وهي خمسة وعشرون دينارًا، فإذا وجب أن يرجع بنصفها وهو خمسة وعشرون دينارًا، فقدإنتقض بالحصاص (١) الأول؛ لأنه كان حاص غرماء المحال عليه بجميع دينه، وهو مائة دينار، فلما طرأ لغريمه خمسون دينارًا وأخذ منها نصفها وهو خمسة وعشرون دينارًا وبقيت الخمسة وعشرون دينارًا الأخرى للمسلف، تبين لنا أن الحصاص كان على وجه

стр. 2366

الغلط، وإنما كان حقه أن يحاص بخمسة وسبعين دينارًا، وهي الفاضلة عن هذه الخمسة والعشرين التي أخذها من غريمه الأصلي، فإذا كانت المحاصة بها لم تكن بالمساواة، كما فعلنا أوّلًا، فلأن غرماء المحال عليه إذا كان دينهم مائةً، وهذا المحال به مائةٌ، كان الحصاص على التساوي يقسم المال نصفين، فإذا صار للمحال خمسة وسبعون كان الحصاص على سبعة أجزاء: للمسلف أربعةُ أجزاء خمسة وعشرون. والذي انكشف لنا أن دينه خمسة وسبعون ثلاثة أجزاء، كل جزء خمسة وعشرون، فيرد المحال من الخمسين، التي قبض، سبعةَ دنانير وسيعًا وهي التي زدنا له في الحصاص غلطًا، وبقي في يده ثلاثة وسبعون غير سبع دينار، فإذا بقي له ذلك حصل الحصاص له بثلاثة أجزاء؛ لأنه قد ردّ جزءًا من سبعة، فيكون الباقي في يديه ثلاثةَ أجزاء من سبعة فتضاف هذه السبعة وسبع إلى الخمسة وعشرين التي طرأت للغريم الأصلي، وهو المحيل، فيكون الجميع اثنين وثلاثين دينارًا وسبع دينار، فيصير ذلك مالًا للمحيل يقسمه غرماؤه، وهما المحال والمسلف أسباعًا، ثلاثة أجزاء منه للمحال وأربعة أجزاء للمسلف يأخذها غريمه. وقد ذكر ابن المواز في كتابه عن مالك وابن القاسم فيمن أحال بدين على رجل آخر، ثم تبين له أنه ليس له على المحال عليه إلا بعضه، فإنه تتم الحوالة فيما يساوي ما لَه عليه، ويصير الباقي حمالةً يتبع بها أيَّهما شاء. وهو (١) الذي قاله ابن المواز مما يؤكد ما تعقبته على بعض أشياخي من قوله: إنه لا يختلف في أنه يُبدَّأ بالمحال عليه، وإن كانت الحوالة على غير دين، لما ذكر ابن المواز، ها هنا، من أنه يتبع بهذه الحمالة أيَّهما شاء، مع وقوعها على وجه الحوالة، وإن كانت في الباطن حوالة. قال ابن المواز: وإذا كان لغريمك مائة دينار، والمحيل غائب، فالذي مات يحل ما عليه من دين وجمالك (٢) فإنك

стр. 2367

تحاص غرماءه بالمائة كاملة، فيصيبك بالحصاص خمسون، منها خمسة وعشرون عن الحول (٦) وخمسة وعشرون على الحمالة. فما كان منها للحمالة صار دينًا للميت على المحيل الغائب، ولك أنت عليه بقية الخمسين، التي هي حمالة، وذلك خمسة وعشرون، والميت لك، أيضًا، بها حميل، وبقي لك على الميت خمسة وعشرون الحول (١) لا ترجع بها على أحد، فإذا قدم الغائب أخذتَ منه الخمسين، التي عن الحمالة، كلها ,لنفسك وللميت، فترد على الميت منها الخمسةَ وعشرين التي كنت أخذت منه في المحاصّة بسبب المحاصّة. فالذي صار للميت منها تضرب فيه أنت بما بقي لك على الميت من الحول خاصة، وهي خمسة وعشرون، إذًا لم يبق لك من الحمالة شيء، ويضرب غرماء الميت بما بقي لهم، يريد ابن المواز وهو خمسون، فتأخذ أنت ثلثها ولهم ثلثاها. وبنى ابن المواز على هذا وجه العمل في المحاصّة إن لم يوجد في مال القادم إلا خمسة وعشرون، وفصل حسابها على هذه الطريقة، وكذلك إن لم يوجد في يده إلا عشرون. والجواب عن الجميع مأخوذ بما (٢) قدمناه، وإنما تختلف الأجوبة الذي (٣) يقتضيه الحساب. وهي أيضًا طريقة يبيح بن عمر في مسألة الزرع الرهن الذي لم يبد صلاحه يُفلّس صاحبه، فيحاص من بيده الزرع الغرماءَ، فإذا حل بيع الزرع كان ما يأخذ من ثمنه مثل ما يقتضيه من الغريم الغائب. وقد تقدم بيان ذلك في كتاب التفليس. والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: ذكر في المدونة في الحوالة بالكتابة على مكاتب آخر فقال فيمن له عبد

стр. 2368

مكاتب آحال سيدَه بالنجوم التي عليه على مكاتب لهذا المكاتب الأعْلى،: إن ذلك جائز إذا اشترط تعجيل عتق المكاتب الأعلى، ويتولى سيد المكاتب الأعلى قبض نجوم المكاتب الأسفل، فإن وفّاها له خرج حرًا، وإن عجل (١) كان له رقيقًا. وهذا الذي قاله يجري مجرى بيع كتابة المكاتب، فالمذهب جوازه وإن كان فيه غرر؛ لأن مشتري الكتابة لا يدري ما يحصل له عوضًا عن الثمن الذي اشترى به الكتابة هل النجوم، التي على المكاتب، يقبض جميعها منه، ويخرج حرًا، أو يعجز عن أدائها فيصير رقيقا المشتري (٢) كتابته. وكذلك السيد الأعلى تحوّل على الكتابة التي عقدها لعبده إلى كتابة عبده لعبد عبده، لا يدري هل يستوفيها أو يأخذ عوضها عنها رقبةَ العبد المكاتب، مع ما في هذا من الغرر. ونذكر وجهه في كتاب المكاتب إن شاء الله تعالى، والخلافَ الذي فيه. بل هذا أخف من شراء أجنبي لكتابة مكاتب السيد الأعلى، ها هنا العَبْدَانِ جميعًا المكاتب الأعلى والمكاتب الأسفل كأنهما في حكم ملكِه إذا وقع العجز منهما عن أداء المال، والضرر ها هنا يخفّ لكون الثمن والمثمون في حكم التحول بالكتابة. ولكن عارض الأشياخ الحذاق هذا التقييد الذي وقع في المدونة من قوله: ذلك جائز إذا اشترط تعجيل عتقه. فقالوا: لا معنى لهذا التقييد، واشتراطِ تعجيل مَّا حُكْم يوجب تعجيل العتق وإن اشتُرِط؛ لأن السيد الأعْلى قد أخذ عوض النجوم التي له على عبده الذي كاتبه كتابة عبد لعبده، فصارت هذه مبايعة، وإذا باع السيد نجوم عبده المكاتب منه بنفسه، وأخذ عوضها صار حرًا وإن لم يشترط حريته، كما لو دفع إليه المكاتب جميع النجوم لصار حرًا بدفعها

стр. 2369

إليه وإن لم يشترط حين الدفع أنه عتيق؛ لأن عقد الكتابة على أنه أدى (١) كتابته خرج حرًا، يعني عن هذا الاشتراط. وما أرى هذا الاشتراط المذكور في المدونة ملغى مطرحًا، وإنما العذر فيه عندي أن السيد إذا أحيل على كتابة مكاتب لمكاتبه.، فإنه إن لم يتعجل قبض الكتابة، فيكون ذلك كما لو قبض من مكاتبه جميع الكتابة، فيكون حرًا بقبض جميعها. وهذه ها هنا لم يقبض، فيمكن أن يكون القصد بها أن يوقف العتق حتى يعلم ما يحصل للسيد الأعلى، أو يقصدان بذلك أن لا ينادي (٢) السيد الأعلى نجوم المكاتب الأسفل، فإن عجز قام له المكاتب الأعلى ببقية الكتابة التي كانت له عليه. ولو قصد ذلك لكان ذلك ممنوعًا، في أحد القولين؛ لأن المعاوضة التي لا تجوز بين الأجنبيين سامح بها ما بين العبد المكاتب وبين سيده إذا اشترط تعجيل العتق، لكون السادات مندوبين إلى عتق عبيدهم، ويثابون على ذلك، وموعودون في الشريعة بأن الله تعالى يعتق بكل عضو أعتقوه عض وَا منهم من النار. ولهم أن يعتقوا بغير عوض. وندبوا أيضًا إلى أن يضعوا من آخر الكتابة شيئًا، استعجالًا للعتق، حتى إذا فعلوا ذلك من غير اشتراط تعجيل العتق أُجْرُوا مجرى الأجانب في التعاوض. هذا أحد القولين في المذهب. وقيل بجواز ذلك، وإن لم يشترط تعجيل العتق، التفاتًا إلى أنّ ما يأخذه السيد وما يسلمه كأنه في حكم ملكه، وكأنه نقل ملكه من جهة إلى جهة، وإلى أنه قد أجيز في المذهب قِطاعة أحد الشريكين في المكاتب عن نصيبه، وإن لم يشترط تعجيل العتق، ولا كان هو الحكم، وما ذلك إلا لأن الشريك الذي قاطع لا يقدر على تعجيل عتق نصيبه لحق شريكه فصار معذورًا في ترك الاشتراط لعدم قدرته عليه بخلاف السيد الواحد الذي تملك تعجيل عتق عبده. فهذا العذر عندي في تقييده في المدونة بما ذكرناه عنه.

стр. 2370

وإذا تقرر هذا فإن المكاتب إذا آحال سيده بنجم حلّ عليه على دين له ثابت على رجل أجنبي فإن ذلك جائز، وَيبرَأُ المكاتب من هذا النجم، ويتبع سيدُه المحالَ عليه، فلس أو مات أو لا مال له، كما قدمناه في حكم الحوالة. وإن كان النجم لم يحل فإن ذلك لا يجوز لما قدمناه أيضًا في شروط جواز الحوالة وأن من شروطها أن تكون الحوالة بما حل على ما حل أو ما لم يحل. وهذا على أحد القولين في المعاوضة بما لا يجوز بين الأجانب هل يجوز فيما بين السيد ومكاتبه إذا لم يشترط تعجيل العتق، كما بيناه وبينا وجه الخلاف فيه. ولو كانت نجوم المكاتب لم تحلّ فأحال بجميعها على رجل له عليه دين ثابت، فذكر في المدونة عن ابن القاسم أنه منع ذلك وقاسه على ما سمعه من مالك من أنه منع أجنبيًا أن يشتري كتابة مكاتب بما لا يجوز. وقال غيره: بل جائز، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بمائة دينار فأنت حر ثم قال له: إن جئتني بألف درهم فأنت حرّ. وأشار الغير بهذا التشبيه إلى أن العتق إنما وقع بما يستقر الأمر عليه في آخر ما يعاقد السيد عليه مكاتبه. وقد عارض بعض الأشياخ تشبيه ابن القاسم هذه المسألة بما حكاه عن مالك من منعه الأجنبي أن يشتري كتابة المكاتب على وجه لا يجوز، بأن ذلك إنما منعه مالك لأنها معاوضة بين أجنبيين لا تعلق لملك أحدهما بالآخر، وهاهنا وقعت المعاوضة بين السيد وعبده، وقد قدمنا أن مكاتبه وما في يديه كأنه في حكم ما يملك. وما أرى عذر ابن القاسم عن هذا إلا أنه لما كانت ها هنا الحوالة بكتابة لمكاتب أجنبي، والمحال الذي هو سيد المكاتب، والمحال عليه، أجنبيان لا تعلق قال أحدهما بالآخر، صار المحال عليه لما قبل الحوالة عليه على هذه الصفة، والمحال أيضًا تحول على أجنبي لا شبهة له في ماله، صار ذلك كشراء أجنبي مكاتبة عبدٍ على وجه لا يجوز.

стр. 2371

وقد قال بعض الأشياخ: إن هذا الاختلاف الذي وقع لابن القاسم وغيره في المدونة في هذه المسألة إنما محله على أنهما فعلا ذلك ولم يشترط المكاتب تعجيل عتقه، ولا اشترط السيد بقاءه حتى يقبض ما أحاله عليه، فهاهنا يختلف ابن القاسم وغيره. وأما لو اشترط تعجيل العتق لم يختلف ابن القاسم وهذا الغير المذكور في المدونة في جواز ذلك. وإذا اشترط تأخير العتق حتى يقع القبض فلا يختلفان أيضًا في منع ذلك، وإنما اختلافهما مع الإضراب عن اشتراط تعجيل العتق أو تأخيره. وقد قدمنا نحن الاختلاف في تحويل الكتابة على وجه لا يجوز بين الأجنبييْن مع عدم اشتراط تعجيل العتق. فإن كان الغير المشار إليه في المدونة من الذاهبين إلى منع هذا مع عدم اشتراط تعجيل العتق فالذي حكيناه عن بعض الأشياخ أنهما لا يختلفان في المسألة إذا اشترطا تأخير العتق، صحيح، على ما ذهب إليه. وقد ذكر في المدونة فيمن اكترى دارًا وأحال بالكراء على رجل آخر لا دين له عليه: أن رب الدار لا يطالب المحال عليه بالكراء إلا بعد أن يتعذر أخذ الكراء من المكتري. وقد كنّا نحن قدمنا أنه وقع في المدونة لفظان: أحدهما يدل على أن الحوالة إذا كانت على غير دين فان البداية بالمحال عليه لأجل اتباع لفظ الحوالة وما اشتقت منه، على ما تقدم بيانه. واللفظ الآخر يدل على أن لفظ (١) مطرح، وإنما المطلوب المعاني فإذا كانت الحوالة على غير دين فإنما هي حمالة، وتسمية الحوالة لا تغير حكم الحمالة المطلقة، وفيها قولان: هل يبدأ بالغريم أو يكون المتحفل له بالخيار بين أن يبدأ بالغريم أو بالحميل؟ وكذلك اختلف إذا اشترط التبدئة بالحميل هل يوفَى بالشرط، على ما تقدم في كتاب الحمالة، أم لا؟ وحمل بعض الأشياخ ما وقع في المدونة في هذه المسألة من أن رب الدار إنما يبدأ بالمكتري، فإذا عجز المكتري طلبه المحيل (٢). على أن هذا الشرط

стр. 2372

إنما وقع من رب الدار لمنفعة نفسه لا لمنفعة المكتري، فيكون حينئذٍ يجري ذلك مجرى الحمالة المطلقة. وأما لو كان ذلك الاشتراط من المكتري لكانت البداية بالمحال عليه، ولا يختلف في هذا؛ لأن المنفعة ها هنا للمكتري ليقوم عنه بالكراء رجل آخر يسلفه إياه حتى يتيسر له قضاء هذا السلف فيقضيه. وذكر في المدونة أيضًا ها هنا فيمن أكرى دارًا بدين له على آخر: أن ذلك جائز إذا شرع المكتري في السكنى. وذكر في كتاب بيوع الآجال من المدونة أن ذلك يجوز، قولًا مطلقًالأولم يقيده يكون المكتري يشرع في السكنى. ومنع في كتاب ابن المواز منعًا مطلقًا، والمنع لكون هذه المنافع مضمونة على ربّ الدار، فإذا انهدمت انفسخ الكراء، فصار ذلك لسبب الضمان كشراء دين بدين. وأمّا القول بالجواز فلأجل أن المنافع لما كانت تُجتنَى من دار معينة كانت كعرض معيّن اشتراه بدين له على آخر. وأما اشتراطه أن يشرع في السكنى فلأن ذلك كالفسخ لدين في دين، وفسخ الدين في الدين لا يجوز فيه التأخير، وإن قلّل من التأخير، ويمنع اشتراط ذلك. وكأن الحمالة كفسخ دين في دين، فلهذا اشترط الشروع في السكنى. وقد أجازوا أن يكتري المكتري دارًا بثمن يكون عليه مؤجلًالأولم يجعلوا هذا كدين بدين كما أجازوا أن يشترى (دين بمعين) (١)، ضمانُه من بائعه جاريةً تُتواضع، أو سلعة غائبة. واختلفوا في شراء دين بثمن يشترط تأخير قبضه الزمنَ القريبَ، كما تقدم بيانه في كتاب البيوع. وهذه المسائل قد بسطنا كثيرًا منها في كتاب البيوع، وسنبسط إن شاء الله تعالى في كتاب الأكرية ما بقي منها. وإنما ذكرنا ها هنا لذكرها في كتاب الحوالة من المدونة. تم كتاب الحوالة بحمد الله تعالى.

стр. 2373

كتاب الغصب والتعدي

стр. 2374

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلى الله على سيدنا محمَّد وسلم كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه: ومن أتلف مالًا لغيره ظلمًا لزمه بَدَلُ ما أتلف. والإبدال ضربان: مثْلُ المتلَف في الخلقة والصورة والجنس وقيمة (١). وذلك لانقسام المتلَفات، فالمثل يراعى في المكيل والموزون، والقيمة تراعى فيما عَدَا ذلك من سائر العروض والحيوان. (ثم الاعتبار في القيمة حال الجناية) (٢) ضربان: منها ما يبطل قدرًا من المنفعة دون جلها والمقصود من العين، فهذا يجب فيه ما نقص. ومنها ما يذهب بجملتها، أو بالمنفعة المقصودة منها والتي (٣) تراد وإن كانت العين باقية. ففي إتلاف جملتها تجب القيمة، وفي إتلاف المقصود: إن شاء أخذ ما نقص، وإن شاء أسلمها وأخذ قيمتها كاملة. وذلك كالمركوب الذي يُجنَى عليه بما لم يمكن معه ركوبه، إما مشاهدة أو عادة. وكالعبد الذي يُتلف المنفعة منه بقطع يدهِ أو عَرَجِه، وإن بقيت هناك منافع متابعة غير مقصودة.

стр. 2375

قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أن تناول الأموال بغير حق محرم؟ ٢ - وما الحكم فيمن تعدى على مالِ فأتلف ذات الشيء أو بعضها؟ ٣ - وما الحكم فيمن أتلف بعض الذات دون جملتها؟ فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: تناول الأموال يقع على وجهين: مأمور به ومنهي عنه. فالمأمور به على وجهين: أمر على الوجوب، وأمر على الندب. وكذلك المنهي عنه على وجهين: وجه على التحريم، ووجه على الكراهية. هذا في العبادات، وأما في غيرها فيتناول على الإباحةِ. فأمّا تناوله على الوجوب فأخذ الزكاة من (١) منعها، وذلك معروف للأئمة، وأخذ الحقوق مِمّن منعها، ودفعُها لمستحقها، على حسب ما يجب على الحاكم. وأما المنهي عنه فيتنوع أنواعًا كثيرة: فالمحرم منها أخذه بالباطل، فمن ذلك: السارق يأخذ السرقة وهي أخذه سرًا. وإن أخذه مجاهرة اختطافُ اله، سمي نهبًا، أو على غير جهة التسور عليه بل بالتحيّل فيسمى اختلاسًا، أو بالحرابة فيسمى محاربة، أو بالإستيلاء والقهر

стр. 2376

فيسمى غصبًا، والجميع محرم، ولكن تختلف أحكامه، فلأجل اختلافهما (١). واختلاف صفات الأخذ وضعت لكل واحد تسمية. والمكروه ما لم يرد الشرع بالإذن فيه ولا بالنهي عنه على جهة التحريم، كثمن ما يكره بيعه كالكلب وغيره. والدليل على تحريم ما ذكرنا أنه مجرم: الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس المعقول معناه. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) وجميع ما عددنا من المحرمات أكل المال بالباطل، وقد شدد الله الوعيد في ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٣) وخصّ اليتامى بالذكر لكونهم لا يدافعون عن أموالهم ولأن الآكل له إذا اؤتمن عليه أضاف إلى قُبحِ التحريم قبحَ الجناية، وأنه لم يؤد الأمانة. وكذلك توعد الله سبحانه مانع الزكاة بأنه يحيى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. وكذلك توعد النبي ﷺ في منع الزكاة في الأحاديث الصحيحة بأن الماشية تطأ مَن مَنَع من زكاتها بأخفافها يوم القيامة. إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في مثل هذا لشدة الوعيد. وقد اجتمعت الأمة على تحريم أخذ أموال المسلم بغير وجه يبيح. وأما القياس المعقول معناه فإن الله سبحانه نبّه على الحكمة والمصلحة في إيجابِهِ القِصاص من القتل فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٤) والمراد

стр. 2377

بذلك أن القاتل إذا قتل ولم يقتص منه استبيحت الدماء، وأفنى الناس بعضهم بعضًا بالقتل ظلمًا .. وإذا عَلِم القاتل أنه يقتل إذا قَتل مع ما ركب الله سبحانه في الطباع والغرائز من الخوف على النفس، كفّ عن القتل لئلا يقتل. فكأن القصاص هو الذي أوجب صيانة نفسه. فكذلك متلف الأموال إن لم يغرمها، ويعاقب عليها إذا ظَلَم في أخذها أدّى ذلك إلى الافتيات على الأموال، حتى لا يُبقي القويُّ في يد الضعيف شيئًا. ولهذا قوله ﵇: "كل المسلم على المسلم حرام" (١) فذكر نفسه وعطف عليها المال والعرض، تنبيهًا منه ﷺ على أنه لو لم يَزجِر عن ذلك ويشرع فيه ما شرع لَتَلِفَتْ الأنفس والأموال والأعراض. وهكذا عطف المال على الدم، فيما شرعه، من المدعي لذلك، لو قبلت دعواه لَاسْتبيحت الدماء والأموال، فقال: "لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماءَ قوم وأموالَهم" (٢) فقرن المال بالدم، ونبه على أن الحكمة اقتضت ألا يباح ذلك بالدعاوي. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أما من أتلف على رجل شيئًا وجب عليه عوضه. وبذلك قال تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (٣) وظاهر عموم هذا أن من أتلف شيئًا قضي عليه بمثله، من أي نوع كان هذا المتلَف. فأما إن كان هذا المتلف مكيلًا أو موزونًا فالآية على عمومها فيه عند فقهاء الأمصار. وينضاف إلى ذلك المعدود الذي يتماثل أفراده وآحاده، وتقع المعاوضة على العدد، كالجوز والجِلَّوْز وشبه ذلك؛ لأنه إذا تساوت آحاده لم يكن الغَرَض في عين كل واحد بل في مبلغ الجملة، ومبلغها يُعرف تارة بالكيل كالقمح والشعير، وتارة بالعدد، كما ذكرنا في الجوز والجلوز وأشباهها.

стр. 2378

وأما إذا كان المتلَف مما لا يكال ولا يوزن ولا يعدّ، والغرض في عين آحاده، كالحيوان والعروض، حتى لا يصح بيعه جزافًا، فهل يقضى على متلفه بمثله أو بقيمته لا بالمثل؟ وذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أنه يقضى في ذلك بالمثل، كما يقضى في المثل بالمكيل والموزون. وذكر أبو الوليد الباجي في منتقاه عن الشافعي وأبي حنيفة أنه يقضى في ذلك بالمثل، كما حكيناه نحن عن العنبري. وذكر أيضًا أنّها روايةٌ عن مالك، قال: ولكن الثابت عنه أنه يقضى في ذلك بالقيمة. هكذا وجدناه في نسخ من المنتقى، وأراه وهْمًا منه، أو من الرواة الذين ذكروا ذلك عنه. وسبب هذا الاختلاف اختلاف حديثين وردا في هذا المعنى، أحدهما قوله ﷺ : "من أعتق شرْكًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه قيمة عدْل ولا وَكس فيها ولا شَطَطَ" (١) الحديث فقضى في العبد بالقيمة، وعلى هذا يعتمد مالك وأصحابه ﵃. والحديث الآخر ما رواه حُمَيد عن أنس بن مالك "أن النبي ﷺ كان في بيت إحدى نسائه فبعثت إليه زوجته الأخرى بقصعة فيها طعام فأخذتها صاحبة البيت فكسرتها، فأخذ ﷺ من بيت هذه الكاسرة قصعة صحيحة فأنفذها لتلك" (٢) فقد قضى ها هنا في العرض بالمثل. ولكل طائفة من هؤلاء المختلفين كلام وجواب عن الحديث الذي تعلق به الآخرون. فأما أصحابنا فيقولون: البيتان للنبي ﷺ ، وما فيهما من الأواني

стр. 2379

للاستخدام على ملكه ﷺ ، فإنها (١) نقَل ملكه من إحدى (٢) بيتيه إلى بيته الأخرى (٢). وللمالك أن يحوّل ملكه من مكان إلى مكان. وقد قيل أيضًا؛ لعله ﷺ (٢) أن زوجتيه يرْضَيَان ما فعل من هذا الإِبدال. وإذا وقع التراضي بأخذ المثل فيما تجب فيه القيمة بعد المعرفة بالقيمة فلا يختلف في جواز ذلك. ويجيب العنبري عن حديث "من أعتق شركًا له في عبد" بأن القضاء بالمثل ها هنا يتعذر، إذ لا يوجد غالبًا (٣) نصفه حر أو ثلثه أو ربعه، على حسب ما تقتضيه المشاركة في الملك، وما تعذرت فيه المثلية لم يحتجّ به في مثل هذا الذي توجد فيه المثلية. والقضاء بالقيمة إنما يستند إلى معرفة مثل المتلَف في الخِلقة والصورة، ثم تقوم هذه المثلية فيصير ذلك اجتهادًا مبنيًا على اجتهاد. فالقضاء بالمثلية في الخلقة والصورة أبعد من الغلط في الاجتهاد في قيمة تستند إلى اجتهاد في المثلية في الخلقة والصورة. وإن تعلق العنبري بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤) فقضى في الحيوان بالمثل. أجيب عن هذا بأن الهدايا وتحريم الصيد وإثبات الجزاء في قتل الصيد عباداتٌ لم يطلب بها تبيين القضاء بما يجب في المتلفَات، لكون الجزاء مقصورًا على بهيمة الأنعام خاصة، وما يقضى في الجزاء بشيء من الحيوان الوحشي وما في معناه، مع كون الجزاء لا تراعى فيه المثلية على الحقيقة، كقاتل النعامة فإنه لا يؤدي جزاءها نعامة مثلها. إلى غير ذلك مما يذكر في كتاب الحج. ويعلم منه أن ذلك أصل مخالف لما نحن فيه. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: الضمان يتعلق بالجاني على ملك غيره بإتلاف الشيء، كطعام يأكله، أو

стр. 2380

ثوب يحرقه حتى لا يبقى منه شيء؛ أو بإذهاب منافعه التي يتملّك لأجلها؛ أو وضع يدٍ عادية عليه. والإتلاف يكون بعلة مباشرةٍ، كمُحرِق ثوب بنار في يده، فإن الإتلاف علّة التضمين، وقد باشره من أحرق الثوب. أو بما يكون سببًا في وجود العلة، كحافر بئر على جهة العدوان قاصدًا لأنْ يقع فيها إنسان فوقع من ذلك ما قصد إليه. ولكنّ هذه الأسباب تقرُب من العلة المباشرة وتبعد بحسب ما يرد في مواضعه، كمن أزال قيْد عبد قيّده سيده مخافة إباقه، فابق، أو فتح قفَصا فطار ما فيه من الطير، إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر تعدادُها، ويُلتفت فيها، على الجملة، إلى الأسباب التي يُقصد بها الإتلاف، ويقع عنها غالبا، أو ما لا يقصد به الإتلاف ولا يقع عنه غالبًا. ثم اعلم أن العين التي أُتلِفت لاخفاء بوجوب الضمان فيها على المتلف، وكذلك إذا لم يتلف ذات الشيء، ولكن بطلت جميع منافعه أو جلها، حتى يصير الباقي في حكم العدم، فإن هذا يوجب الضمان فيه، كما يوجبه إتلاف جملة العين. ولا يختلف في هذا. لكن لو أتلف من منافع ذات الشيء ما هو المقصود في حق قوم يملكونه دون قصد قوم لو ملكوه فهاهنا اختلف الناس في ذلك: فذهب الشافعي إلى أن الضمان بجميع جملة ذات الشيء لا يجب. ومذهبنا وجوب ضمان جملة الشيء وقيمته على الكمال. وهذا كمن قطع ذنب بغلة القاضي التي يركبها، أو غيره من ذوي الهيئات (والاقدر (١) الذي) يلحقهم العار من ركوب بغلة قد قُطع ذنبها، فعندنا أن فاعل ذلك يضمن جميع القيمة كلها كما يضمن قيمتها إذا قتلها. وعند الشافعي لا يضمن جميع قيمتها اعتبارًا بما بقي فيها من منافع

стр. 2381

القاضي (١) وغيره من حَرْث بها أو حمل عليها، وما في معنى ذلك من المنافع المقصودة عند الناس عموماته، إلى مراعاة المنافع في عموم الناس لا في أعيان آحادهم. ونحن التفتنا إلى أغراض المالكين بحسب اختلاف أقدارهم، فكان تلف الغرض المقصود عند جنس من الناس كالتلف الذي تعم جميع الناس الضرورة به. وقد وقع التمثيل في هذا القسم بقطع ذنب بغلة القاضي. وأما لو قطعت أذن بغلة القاضي فإن فيه اختلافًا: ذهب بعض من تقدم من أصحاب مالك إلى أنه لا يضمن من (٢) جميع القيمة، بخلاف الذنب. وذهب ابن القصار إلى أنه يضمن جميع القيمة، كما يضمنها إذا قطع الذنب. وقد كثر الاختلاف من (٣) هذا الباب، والخلاف فيها هَيّن المدرك لا وجه للإطالة بتعديد المسائل؛ لأن مدارها على أن ما اختلف فيه منها ينصرف إلى الاختلاف في شهادةٍ بعادة فعلى هذا يصرف الاختلاف الذي وقع في قطع أذن بغلة القاضي، فمن رأى أن ركوب دابة مقطوعة الأذن يَعُرّ القاضي ومن كان في رتبته، ضمّن ذلك فاعلَه قيمةَ جميع البغلة. ومن رأى أن ذلك لا يعرّه، بخلاف الذنب، لم يضمن الجاني إلا ما نقص قطعُ أذنها من قيمتها. وكذلك ما وقع من الخلاف في قطع يد عبد أو فقء عينه، هل يضمن جميع قيمته، أو إنما يضمن ما نقص. مع اتفاقهم على أنه لو فقأ عينيه جميعًا أو قطع يديه جميعًا لغَرم جميع قيمته. وإنما كان ذلك كذلك لأنه اتضح عند الجميع أن قطع اليدين جميعًا أو الرجلين أو فقء العينين يصيّر العبد كالتالف وكالمعدوم، وأما قطع يد واحدة فلا يتضح كون العبد كالملحق بالعلم في ذلك

стр. 2382

كما يتضح في قطع يديه جميعًا. فلهذا وقع الخلاف في ذلك: ففي المدونة، في كتاب الديات، أنه لا يضمن في قطع اليد الواحدة أو فقء العين الواحدة جميعَ القيمة، وإنما يضمن ما نقص. وفي المجموعة لمالك أنه يضمن جميع القيمة .. وفرق بعض أصحاب مالك تفرقة أشار بها التي (١) نبهنا عليه من سبب الخلاف، فمن كان من العبْيد صانعًا، قطعت إحدى يديه حتى أبطل ذلك صنعته التي إنما يكتسب من أجلها، فإنه يضمن جميع القيمة. وكذلك لو فعل في بعض إناث البهائم ما أبطل به دَرَّها فإن الحكم في ذلك يختلف باختلاف أنواع الحيوان: فمن قطع (ابز) (٢) رَمَكَةٍ لم يضمن جميع قيمتها، ومن قطع لبن شاة إنما تراه (٣) للبن ضمن جميع قيمتها. وهذا يؤكد عندك ما أصلناه من كون الخلاف في ذلك يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة. ولو قطع فرج عبد وصيرّه خَصِيّا فإنه يضمن ما نقص. وإن لم ينقصه ذلك شيئًا اقتصر على عقوبته دون تضمينه. وقد قيل: إن ذلك لو زاد في قيمته لجعلت الزيادة نقصًا وضمن قيمة المقدار الذي زاد فيه. فإن زاد الخِصاء في قيمته ثلثَها ضمن ثلث القيمة، وعُد ذلك كالقبض (٤)، وهذا مذهب بعيد. وإنما التفت هذا إلى أن الخصاء محرّم، وأن بيعه بشرط كونه خصِيًا لا يجوز لكونه يعتق على من أخصاه، فيصير ذلك كالعيب فيه. وإذا ضمنا الجاني جميع القيمة إذا قطع يدي العبد فهل يعتق عليه أو لا؟ هذا أيضًا مما اختلف فيه عندنا على قولين:

стр. 2383

فمن أعتقه على الجاني، الذي لزمته غرامة قيمة جميعه، رآه كمن مثل بعبده، لكونه صار ملكًا له بغرامة قيمته، فصار كمن اشترى عبدًا بثمن ثم مَثّل به. ومن لم يوجب عتقه رأى أن حكم العتق بالمُثلَة مقصور على من مثّل بعبد نفسه، لكون العتق إنما محله ملك المعتِق لا ملك غيره. وكأن هذه الجانية (١) وقعت فأوجبت القيمة على الجاني، وأوجبت العتق بالمثلة، فهل يقدّر أن حكم القيمة وانتقال الملك إلى الجاني كالسابق، فيجب العتق، أو يرى أن العتق كالسابق لانتقال الملك بالقيمة، وصادف ملكَ الغير، ولا ينعقد فيه العتق، وإذا قطع (يد العبد وجبت) (٢) جميع قيمته، فإنه إذا غرم القيمة ملك بها جسم العبد المقطوع اليدين، وصارت غرامة قيمته كشرائه بجملته. هكذا عندنا وعند أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى أنه إذا غرم قيمة جميعه لأجل قطع يده (٣) يقي العبد على ملك سيده، على حسب ما كان قبل أن تقطع يداه كالحر إذا قطعت يداه، وأخذ ديته كلّها عوضًا عن يديه، فإنه يبقى حرًّا، على حسب ما كان قبل ذلك عليه، فكذلك قيمة العبد تحل محل دية الحر، وأطرافه كأطراف الحر. فإذا وجب (٤) إتلافُ أطرافه قيمةَ جميعه بقيت الجثة على حسب ما كانت عليه من الرق، و (٥) كما بقيت جثة الحر على ما كانت عليه من الحرية. وغُلّب في أطراف العبد حكم الآدمية والدينية لا حكم الملكية، فلهذا ألحق أطراف العبد بأطراف الحر. وسلم لهم أبو حنيفة أنه إذا قطع يدًا واحدة للعبد فإنه يغرم نصف قيمته، كما تقدم في قطع اليدين جميعًا بجميع قيمته. ثم مع هذا لا يملك الجاني بغرامة جميع القيمة، إذا قطع اليدين، شيئًا من العبد، لكون ذلك يُشعر

стр. 2384

أن الغرامة عوض الأطراف المقطوعة لا عوض النفس. فإذا (١) لم تكن عوض النفس، على حسب ما كانت عليه من الملك. وأما نحن فقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في قطع اليد الواحدة، وهل يوجب ضمان جميع القيمة، و (٢) إنما يوجب ما نقص من غير تحديد لقيمة النقص هل نصف القيمة أو أكثر أو أقل؟ فلا مناقضة علينا في هذا مثل ما نوقض به أبو حنيفة، وكأن أبا حنيفة يعذر عن هذا بأن القيمة إذا لم تكمل على الجاني كان الأرش عوض الطرف المقطوع، وإذا كملت على الجاني كانت عوض النفس، فينتقل ملك النفس إلى الجاني. ونحن لا نحُدُّ في التفرقة بين كثير الجناية وقليلها حَلًّا، وذلك مصروف عندنا إلى الاجتهاد كما قدمنا. وأبو حنيفة يحدّ في ذلك حلًّا، ويرى أن النقص إذا بلغ أكثر من نصف قيمة المجني عليه كان ذلك كثيرًا يوجب التضمين بجميع القيمة، وإذا كان مقدارَ النصف نصفَ القيمة فأقلَّ لم يوجب ذلك تضمين جميع القيمة. وهكذا فعل في البهائم إذا فقأ عين الدابة لزمه ربع القيمة استحسانًا. قال: لما حكي عن بعض الصحابة، والقياس نفي التحديد في ذلك. وإذا كانت البهيمة مما يؤكل فإنه لا يحدّ في عينها حلًّا، إلا أن يكون بعيرًا فيكون في عينه ربع القيمة. وإذا كانت الجناية في حكم الكثير على ما قدمناه من التشبيه على إسناد ذلك إلى الاجتهاد في العوائد، فإن مالكًا اختلف قوله، وظاهر الأمر هل لمالك المجنى عليه أن يغرم الجاني إذا لم يكن غاصبًا للعين وذات الشيء جميعَ قيمته، أو لا يكون له إلا قيمة ما نقص قليلًا أو كثيرًا؟ ففي المدونة من رواية ابن القاسم ما ظاهره أن مالكًا ﵁ اختلف قوله في هذا. وهكذا ذكر بعض أصحابنا أن أصحاب مالك على قولين في هذا. وهكذا لما ذكر ابن القصار

стр. 2385

المسألة وأن لمالك المجنيّ عليه تغريمَ جميع القيمة في الإفساد الكثير قال: هذا المشهور عن مالك. إشارةً إلى الخلاف الذي قدمناه. وإن كانت الجناية يسيرة في ثوب خزق منه شيئًا يسيرًا فإن في المدونة: أنه يرفوه الجاني ويغرم ما نقص بعد الرفوِ فإن الرفوَ لا يُزيل العيب كله زوالًا كليًا. واختلفت طريقة الأشياخ في تعليل هذا: فمنهم من رأى أن ذلك جنوح إلى القضاء بالأمث الذيما تلف من العروض إذا كانت يسيرة؛ ومنهم من رأى أن العلة في ذلك كون الجاني أحوج صاحبَ الثوب إلى رفوِه إذ لا يلبسه ممزّقًا، فكأنه أدخله في مشَقة، فعليه أن يحمل ذلك. كما قيل في أحد القولين، في المجروح: إن على جاره (١) مداواته، ثم يغرَم بعد ذلك ما نقص، إن يرى المجروح على شيْن. وما هذا إلا لكون الجارح أدخل المجروح في الحاجة إلى المداواة. ومن المتأخرين من مال إلى أنه لا يبعد أن يقال بأنه يجب عليه قيمة العيب. وكذلك تنازع المتأخرون، إذا كان كثيرًا، هل يلزم الجانيَ رفوُه ثم يغرم ما نقصه العيبُ بعد الرفو، قياسًا على ما قال مالك في الخرق إذا كان يسيرًا. ويكون الخرق الكثير إنما تجب فيه قيمة العيب من غير رفوٍ، وتدخل إجارة الرفو في التقويم للعيب. ورأى هؤلاء أن ظاهر المدونة التفرقة بين الخرق اليسير والكثير، لأجل أنه إنما ذكر الرفو في الخرق إذا كان يسيرًا. ومقتضى تعليل من علل إيجاب الرفو اليسير لكونه أحوج صاحبَ الثوب إلى مشقة الرفو المساواةُ بين الخرق اليسير والكثير. ومن علل ما ذكره في المدونة في اليسير بأنه استخف القضاء في العروض بالأمثال إذا كانت مخترقة يسيرة (٢) لم يُلزِمْه ذلك في خرق الثوب إذا كان كثيرًا.
следующие страницы →