← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الصيرفيّ لمن استرشده في دينار، هو زائف أو طيب، ليأخذه ممن هو له عليه، فيقول له: طيب. والصيرفي يعلم أنه زائف، وتعذر بذله (١)، فإن الصيرفي في غرامته، لمن استرشده فكذَبه، قولان. وكذلك لو غرّ رجل رجلًا في جرة أراد أن يصبَّ فيها، فقال له: هل (٢) صحيحة، وهو يعلم أنها مكسورة، فإن في ضمان الغارّ للزيت قولين. ولو دل رجل رجلًا ظالمًا على مال أخفاه صاحبه، فأخذه الظالم لأجل دلالة هذا الدال عليه، لكان أيضًا في ضمان الدالّ قولان. وذكر الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد أن المتأخرين من أهل المذهب اختلفوا في ذلك. واختلافهم في هذا يشير إلى اختلاف ابن القاسم وأشهب فيمن (دل محرم على صيد فقتله المحرم) (٣) فإن القاتل لم يلزمه جزاؤه من غير خلاف، والدالَّ له عليه حتى قتله فيه قولان: ذهب ابن القاسم إلى أنه لا جزاء عليه فيه، وقدّر أن القول ليس بسبب ملجئ إلى تلف هذا الصيد. وقال أشهب عليه الجزاء. وهذا يشير أيضًا إلى الاختلاف الذي حكاه أبو محمَّد عن أصحابنا. ويتعلق بهذا، الأمرُ لغيره بقتل إنسان، فإن المباشر يُقتل من غير خلاف، وفي الأمر الخلاف والتفصيل الذي نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وهكذا لو شكا رجل رجلًا إلى والٍ ظالم، يعلم أنه يتجاوز الحق في المشكوّ إليه، ويغرّمه ما لا يغرمه (٤)، والمظلوم لا تِباعة للشاكي عليه، فإنه فيه

стр. 2487

اختلاف أيضًا: هل يغرم الشاكي للوالي ما استُغرِم المشكوّ أم لا؟ ومن أصحابنا من أسقط الضمان والغرامة على الشاكي إذا كان المشكو قد ظلمه. إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر تعدادها، وما ذكرناه هو الأصل في ويعتمد من رأى الغرور بالقول كالغرور بالفعل، وإليه كان يذهب شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد، على الاتفاق على أن الشاهدين إذا شهدا على رجل بمال، فقضى القاضي عليه به، فسلمه لطالبه، ثم اعترفا بعد الحكم أنهما تعمدا الكذب وشهادة الزور، فإنهما يضمنان. وأهل المذهب الآخر يفرقون بين الشاهد إذا رجع وبين من غر بالقول، أن الغرور (١) بالقول قادر على ألا يقبل قولَ الغارّ، فصار قول الغارّ، وإن كان سببًا للتلف، فإنه غير ملجيء للتلف، وشهادة الشهود تُلجئ القاضي إلى الحكم، وشتان بين سبب ملجئ وسبب (٢) ملجئ .. ويقول الآخرون هذا إنما يكون عذرًا في حق الحاكم لأنه في وسعه أيضًا ألاّ يقبل شهادة الشاهدين. ويقول الآخرون إذا ترك القضاء بهما، وقد حرم الشرع ذلك عليه، فصار الشاهدان هم (٣) السبب الملجئ للسبب .. وقد استقصينا هذا في كتاب الرجوع عن الشهادات. وأما إن كان السبب المتلف كواسطة بين المتلف والتلف، وكان ملجئًا للتلف، فإنه يحل محل المباشرة للتلف، كرجل طلب رجلًا ليقتله ففرّ، فامسكه

стр. 2488

آخر قاصدًا إمساكه ليقتله الآخر، فإنه مشارك في القتل، ويتعلق به الضمان أيضًا، والمطالبة بالدم. وألحق بهذا الفصل ما ذكره في المدونة فيمن حفر بئرًا ليسقط فيها من أتى ليسرق ماله، فسقط فيها السارق فمات، أو سقط فيها غيره ممن لم يأت للسرقة، فإن الحافر للبئر يضمن ما سقط فيها فهلك، من سارق أو غيره، وقُدِّر ذلك السببَ الملجئ للتلف، على أن الساقط (١) فيها مشاركة، لأنه لو اجتهد وتحفظ، حتى يرى ما بين يديه، لم يسقط فيها، ولكن روعي في ذلك قصد الحافر بها للإهلاك، مع كون العادة المعلومة ضرورةً ألاّ يقصد عاقل إهلاك نفسه، فصار الحافر قصَد أهلاكَه إذا غفل عن (٢) والغالب غفلته إذ لا يتهم أحد في إهلاك نفسه. وكذلك ذكر أيضًا فيمن نصب شبكة (يحرس عتمد) (٣) فيها من ذئب أو غيره، فعثر إنسان عليها فمات، أنه يضمن ذلك. وهذا عند (٤) إنما يلحق بالأسباب الملجئة إذا نصب ذلك لما يأتي، من سبع أو ذئب، وهو يعلم أنه لا يكاد يسلم من المرور عليه آدمي، أو ضربه على وجه لا يجوز له، أو في مكان لا يجوز له، قاصدًا إتلاف حيوان فتلف فيه غيره. وهذا أيضًا في المدونة في إطلاق نار أحرقت (لم أر) (٥) الجارة، واعتبر فيها هل فعل من ذلك ما لا يجوز له، فيكون ضامنًا، أو يجوز له فلا يكون ضامنًا.

стр. 2489

وإن كان السبب غير ملجئ فهاهنا اضطراب في المذهب وبين فقهاء الأمصار، وذلك فيمن فتح قفصًا مغلوقًا على طائر، فطار الطائر لما فتح الغلق عنه، فإن مذهب مالك تضمين الفاتح، طار الطائر عند الفتح أو بعد تباطئ. ولم يختلف عن أبي حنيفة والشافعي في أنه إذا طار بعد تباطئ فإن الفاتح لا يضمنه. وإنما اضطرب النقل عنهما في طيران هذا الطائر عقيب الفتح من غير مهلة. فأصحاب الشافعي يقولون: إن قوله اختلف في هذا، وعولوا على قوله في بعض كتبه: إن من فتح قفصًا مغلقًا على طائر، فطار، فإنه لا يضمن. وقال في بعض كتبه: إذا وقف الطائر ثم طار، فإنه لا يضمن. فقيد نفي الضمان بتوقف الطائر عن الطيران، فدل هذا على أنه لو طار بالفور لضمن. وفي التعلق بهذا نظر عندي. وأما أبو حنيفة فإن أصحابنا يحكون عنه: لا يضمن الفاتح على حال، وأنه لا يضمن التلف إلا إذا كان بفعل المتلف على جهة المباشرة. وبعض أصحاب الشافعي يحكي عنه أنه إذا طار بالفور فإنه لا يضمن. وهذا الاضطراب كله راجع إلى ما نبهنا عليه من التفرقة بين السبب الملجئ وغير الملجئ. ولهذا لو فتح هذا الفاتح القفص وحرّك الطيرَ بيده ليطير، فإنه يضمنه من غير خلاف، لأنه يصير قد باشر الإتلاف. وإذا لم يكن منه أكثر من الفتح فهو سبب كان عنه فعل آخر، فهل يضاف ذلك إلى الفاعل للسبب أم لا؟ هذا موضع الاضطراب بين الأصوليين من أصحابنا والمعتزلة وبين الفقهاء. ولو لم يكن منه سواء (١) فتح القفص، ولكن حاذى القفص رجل فطار الطائر، فإن ابن القصار، من أصحابنا، أفرد الفاتح بالضمان، ولم يلزم القيام (٢)

стр. 2490

على باب القفص غرامة. وفي كتاب الحج من المدونة في صيد رأى رجلًا فذُعر منه، فمات، فإنه عليه جزاؤه. فقد جعل ها هنا الذُّعر الحادث في نفس الصيد، الذي مات من أجله، يوجب ضمانه على الرجل المارّ، مع كون الرجل لم يحصل منه تعد، ولا سبب في الإهلاك، لكنه لما كانت حركتُه سببًا في الذّعر ضمنه. وهكذا قيل في الدابة إذا رأت قائمًا على الطريق فذُعرت منه، فهلكت، فإنه يضمنها. ولو قام في غير الطريق لم يضمن إلا أن تكون منه حركة لأجلها، فافرت (١) الدابة. فاعتبر في هذه المسألة كون ما فعل تعدّيًا لا يجوز له، أو مباحًا يجوز له، وهل صدر منه فعل كان سببًا و (٢) لم يصدر منه؟ فضمّنه بصدور فعل منه، وإن لم يكن متعديًا، على ما أطلق به الجواب. وقد ذكر في كتاب الحج، فيمن نصب فسطاطًا، فتعلق به طائر فهلك، أنه لا يضمنه. فاعتبر جواز الفعل، وكونه مباحًا، وكون الضارب للفسطاط لا مشاركة له فيما فعله الصيد بنفسه. وقد ذكر في المدونة، فيمن فتح دارًا مغلقة على دواب، وليس بها أحد، فخرجت الدواب، فإنه يضمنها. وإن كان بها مكان (٣) فإنه لا يضمنها. ورأى أشهب أنه إذا كان بها سكان، والدواب مسرحة غير معقولة، فإنه وإن (٤) كانت معقولة فإنه لا ضمان عليه. وهكذا ذكر في المدونة في سارق فتح دارًا، فسرق منها وخرج، وترك الباب مفتوحًا، فإنه لا يضمن ما أُخِذ منها بعده إذا كانت مسكونة، كان أهلها نيامًا أو غير نيام.

стр. 2491

وتعقب بعض المتأخرين هذا، وأشار إلى أنه هو سبب في التلف، فيجب ضمانه. وهكذا إذا حلّ قيْد عبْد (١) خوفًا من هروبه، فهرب العبد، فإن حكمه حكم فاتح القفص على الطائر فطار. وفي الموازية فيمن قال لرجل: خذ عبدي فقيدْه، فلم يقيده، واعتذر بالنسيان، فقال: إنه يضمن. ولو قال: إِقفلْ على هذا الطائر، فلم يفعل حتى طار، واعتذر بالنسيان، فإنه لا ضمان عليه. وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا اختلاف قول منه، وهو كالاختلاف المذكور في المدونة في (إذا مشى بيتًا) (٢) فمشى على شيء فكسره قال: في تضمينه له اختلاف. ولو كان زقًا مملوءًا زيتًا مربوطًا، فحل رباطه رجل، وأبقاه مستندًا كما وجده، فأتى رجل فأسقطه، أو هبت ريح فأسقطته، فإن أصحاب الشافعي يرون ألاّ ضمان على فاتح الوِكاء، سواء كان سقوطه بفعل إنسان أو هبوب ريح. ويضمّنون الذي أسقطه، لكونه باشر التلف. والذي حل الوكاء أو (٣) يباشر التلف. وهذا فيه نظر، والأوْلى أن يشترك في الضمان فاتح الوكاء والذي أسقطه من غير علم، إذا عُلِم أنه لو أسقطه متكئًا مربوطًا لم يُهرَقْ ما فيه، ولو بقي محلولًا لم يُهرق ما فيه، فإذن كان التلف يُعلم منه أنه لو انفرد أحد الأمرين لم يتلف الزيت، وإنما تلف باجتماعهما. والذي ماسح الزق فسقط لأجل مماسحته، ولم يتعمد التلف فيه، والذي

стр. 2492

حل الوكاء لم يقصد تلف ما فيه، فإنهما يضمنانه جميعًا لاشتراكهما في التلف. كرجلين أخرجا شيئًا ثقيلًا من (جوز أو) (١) انفرد أحدهما لم يقدر على خروجه (٢)، فإنهما يضمنان جميعًا. وقد نجز القول فيما يحدثه الغاصب والمتعدي، وبقي القول فيما يحدثه غير الغاصب فيما في يد الغاصب. فلو غصب غاصب عبدًا، فقتله رجل في يديه، فإن القيمة تلزم الغاصبَ يوم الغصب، وتلزم القاتلَ يوم القتل. فإن طلب صاحب العبد القاتلَ بالقيمة يوم القتل، فأخذ ذلك منه، وهي أقل من قيمته يوم الغصب، فهل له أن ينتفع (٣) الغاصب بما بقي من القيمة يوم الغصب؟ فيه قولان: أحدهما أنه له أن يتبعه، لأنه إنما أخذ من القاتل ما أخذ منه لأنه غريم للغاصب، فله طلب غريم غريمه بما وجد عنده، ويرجع ببقية ديْنه على من كان عليه في الأصل. وهذا اختيار ابن المواز. وذهب سحنون إلى أن اختيارَه طلبَ القاتل وعدولَه عن الغاصب إبراءٌ للغاصب، فليس له أن يرجع على الغاصب بما بقي عنده من القيمة اللازمة له يوم الغصب. واحتج سحنون بأن الغاصب لو باع العبد، فأجاز بيعه وأخذ الثمن، فإنه ليس له مطالبته بتمام القيمة. وكذلك لو أخذ القيمة، فليس له المطالبة ببقية الثمن. وهذا الاحتجاج فيه نظر، لأنه إذا أجاز البيع سقطت مطالبته بحكم الغصب، وإذا أخذ القيمة يوم الغصب فإنما باع الغاصبُ ملكَ نفسه، ومن باع ملك نفسه لم يطالَب بشيء من ثمنه. ولو ابتدأ صاحبُ العبد بطلب الغاصب، وكانت قيمته يوم الغصب أقل من قيمته يوم القتل، فإنه فيه، أيضًا، قولان:

стр. 2493

أحدهما أنه لا يرجع على القاتل بما فضل عنده من قيمته يوم القتل، بل يرجع بذلك الغاصبُ الذي أُغرِم القيمةَ يوم الغصب، وإذا أُغرِمها يوم الغصب صار القتل وقع على ملكه، فله قيمته. وذهب أشهب إلى أن ما فضل عند القاتل، لصاحب العبد أن يأخذه، وإن كان قد استغرم الغاصبَ القيمةَ يوم الغصب. قال: لأن الغاصب لا يربح. وقد وقع لابن القاسم في كتاب السلم مثل هذا في الوكيل إذا تعدّى فاُغْرِمَ: إنه لا يربح. ولو كانت الجناية على العبد، وهو في يد الغاصب، إتلافَ عضو منه، فإن الأمر جار على ما قررناه من الخلاف، فإنْ أحبَّ صاحب العبد أن يأخذ عين عبده، فإنه لا يغرّم الغاصبَ قيمة الجناية، على المشهور من المذهب، في الجناية إذا كانت ليست من قِبَل الغاصب، وعلى ما خرجناه من قول سحنون له أن يغرِّم الغاصب. وإذا كانت قيمة الجناية يوم الغصب خمسةً، وعلى هذا وقع تقويم العبد، وأخذ صاحب العبد جميع قيمة العبد لسائر أعضائه، ووجدنا قيمة الجناية يوم جنى الجاني عشرةً، فإن الغاصبَ الغارمَ لجميع القيمة يوم الغصب إذا أخذ من الجاني عشرةً، فإنه يختلف في الخمسة الزائدة على ما قوم عليه يوم الغصب، هل تكون للغاصب، لأنه لما غرم القيمة ملك العبد فكانت قيمة الجناية له، أو يقال: إنه لا يربح، فتكون هذه الخمسة لسيِّدِ العبد؟ وهذا، من تدبر ما قلناه، فيما يلزم الغاصبَ غرامتُه أوْ لا يلزمه، عرف منه ما فصلناه ها هنا. والجواب عن السؤال السابع عشر (١) أن يقال:

стр. 2494

اختلف الناس في الغاصب هل يضمن منافع الشيء المغصوب أو لا يضمن؟ فذهب الشافعي إلى أنه يضمن سواء استوْفى المنافعَ من الشيء المغصوب، أو لم يستوْفِها ولكنه عطَّلها. وذهب أبو حنيفة أنه لا يضمن المنافع، سواء استوفاها أو عطلها، قولًا مطلقًا. وإن مذهبنا (ففيه اختلافًا) (١) عن مالك وعن أصحابه ﵃، وذلك على قسمين: أحدهما أن يستوفي المنافعَ ولا يعطلها. والثاني ألاّ يستوفي منافع الشيء المغصوب بل عطله. فأما إن استوفى المنافع، فبعض شيوخنا يحكي أن في المذهب خمسة أقوال: أحدها: أنه يغرم المنافع التي استوفاها، سواء كانت منافع ديار أو عقار، أو منافع حيوان، وغيرها من ضروب المتملَّكات، باع المنافع، وأخذ أثقالها (٢)، أو انتفع بها في نفسه، ويقول: إنها رواية عن مالك، رواها أشهب وابن زياد. ورواية أخرى عنه أنه لا يضمن شيئًا من ذلك. ورواية ثالثة عنه، رواها أبو الفرج، وهو أنه يضمن منافع الدواب والرقيق، ويغرم العوض عنهما الذي أخذه ولم يحاب فيه في القيمة. وأما إن تولّى ذلك لنفسه، بأن ركب واستخدم، لا يضمن، ولا غرامة عليه للمنافع. وابن القاسم روى عنه رابعة: روى عنه في المدونة أنه لا يضمن

стр. 2495

ما اغتلّ أو انتفع به في نفسه في الدواب، والرقيق، ويضمن ما انتفع به من غلة البقر والإبل والغنم. وذكر قولًا خامسًا عن ابن المعدل: إنه لا يغرم قيمة غلّة الحيوان. وهذا الذي ذكرناه عن ابن القاسم إنه قال، في كتاب الغصب: إنه لا يغرم غلة الدواب والرقيق. وقال، في كتاب الاستحقاق من المدونة: إنه يغرم ذلك. ومن المتأخرين من يقول: إن المذهب على أربعة أقوال، ويحكى ما ذكرناه على حسب ما ذكرناه، إلا ما نقلناه عن ابن المعدل فإنه لم يحكِهِ. وتحقيق القول عندي في هذا أن الشيء المغصوب، إن كان رَبْعًا، فإنه اختلف قول مالك فيه، والمشهور عنده (١) أن الغاصب يغرم عوض المنافع، سواء انتفع به ابن فسه، بسكناه، أو زراعته فيها، أو أكراها من غيره. هذه الرواية المشهورة المعروفة عندي، وعليها جمهور أصحابه لكن ابن القصار ذكر في كتابه أن الشيخ أبا بكر الأبهري حكى له أن هناك رواية أن الغاصب لا يغرم عوضًا عمّا سكن بنفسه أو أكراه. ونقل بعض أشياخي عن كتاب ابن القصار أن فيه رواية عن مالك أنه لا يغرم غفة شيء، من رَبْع أو غيره، قولًا مطلقاً. وابن القصار لم أقف في كتابه إلا على ما نقلته عنه من قوله: إن الشيخ أبا بكر الأبهري حكى لي أن هناك رواية بأن الغاصب لدار لا يرد غلّتها لأجل ضمانه. ولكن إذا قال في هذه الرواية: إنه لا يرد غلّتها لأجل ضمانه، والدار من العقار الذي يُومَن هلاكُه، وضمانُه يبعُد لبعد تغيّره، فأحرى ألا يرد غلّة الحيوان لسرعة تغيّره الموجب لضمانه. فصار في غلة الديار قولان: المشهور منهما أن الغلة للغاصب، وأن عليه عوض ما انتفع به أو أكراه في الديار والعقار.

стр. 2496

وأما غلة الإبل والبقر والغنم فالظاهر من المذهب أنها تلحق بالعقار لا بالرقيق والدواب. واعتذر عن هذا بعض المتأخريين بأن غلاتها تحدث بالطبع والحِيلَة (١) سواء أراد ذلك الغاصب أو لم يرده، لأن الصّوف تنبت، واللبن يحدث، أراد الغاصب ذلك أو لم يرده بخلاف ما لا يصحّ به الانتفاع إلا بفعل الغاصب، كركوبه الدابة، واستخدامه العبد. وهكذا اعتذر أيضًا بعض المتأخرين عمّا رواه أبو الفرج من كون الغاصب للرقيق والدواب يضمن غلة ما أكراه من ذلك، ولا يضمن ما انتفع به من ذلك بنفسه، لأجل (٢) أعواض المنافع إذا أخذها صارت كعين كأنه غصبها فعليه ردّها كالصوف واللبن، يفارق ذلك استهلاكه المنافع لنفسه لأنه لم تحصل في يديه عين قائمة. وأما إذا لم يستوْف المنافع ولكنه عطّل الشيء المغصوب، فقد حكينا عن أبي حنيفة أنه لا يوجب عليه غرامة في استيفائه المنافع فكيف إذا عطلها؟ ذلك أحرى (٣) لا يجب عليه عوضها لأجل التعطيل. وذكرنا عن الشافعي أنه يوجب عليه غرامة ما عطل منها، كما يوجب عليه غرامة ما استوفاه منها. وأما نحن، إن قلنا: يجب عليه غرامة ما استوفاه منها، فهل يغرم عوض ما عطل منها؟ فيه قولان: المشهور الذي عليه الأكثر أنه لا يضمن قيمة ما عطل منها. وقد تقدم كلامنا على هذا في تضمين الغاصب هل يقاس ذلك على ما أتلف أوْ لا يقاس عليه؟ وأجرينا عليه الاختلاف في تضمين الغاصب نقص الأسواق.

стр. 2497

فاعلم أن سبب الخلاف التعلق بظواهر من القرآن: فمن يجعل الغلة للغاصب يقول قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) وهو إذا ردّ العين المغصوبة فلا يكون عليه غرامة لقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) وهذا قد أحسن إذا رد العين. وقال أصحاب المذهب قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٢) وهذا الغاصب ظالم، فيجب أن يكون عليه سبيل، وهو الغرامة لما ظلم فيه من إتلاف المنافع. والتعلق بمثل هذا ضعيف، لوجوه لا تكاد تخفى عمّن قرأ أصول الفقه. لكن اختلاف المذهبين لأجل التعلق بظاهرين وقعا في حديثين عن النبي ﵇ هو أوْلى ما تُعلِّق به. فمن لم من (٣) تغريم الغاصب عرض (٢) المنافع التي أتلف قال: هو ضامنٌ الأعيانَ التي وقع بها الانتفاع، وقد قال ﵇: "الخراج بالضمان" (٤) والغاصب ضامن. والخراج هو الغلة فلا يجب عليه غرامتها على ظاهر هذا الحديث، لأجل ضمانه. وقد أجاب عن هذا أصحاب المذهب الثاني بأن قالوا: هذا الحديث، وإن كان عمومًا، فقد خرج على سبب، وذلك أن عمر بن عبد العزيز ترافع إليه خصمان في عبد، اشتراه فاغتله المشتري، ثم رده بعيب. فقال عمر بن عبد العزيز: يرد المشتري غلته معه. فقال له مخلد بن حفاف وعروة قالا: إن عائشة قالت: إن النبي ﵇ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان. وهذا، وإن كان اللفظ عامًا، فإنه خرج على سبب، وهو الرد بالعيب، والمشتري مالك لما اشتراه، ومباح له التصرف فيه، وله أن يقبل العبد بعينه (٥)

стр. 2498

فيكون الخراج له، لأنه حدث عما يملكه بالحقيقة، والغاصب أخذ منافع ما لا يملكه، ولا يحل له التصرف فيه، فلا يصح أن يقاس على المشتري إذا ردّ بعيب، لما بيناه من الفرق بينهما، مع ذهاب بعض الأصوليين إلى أن العموم إذا خرج على سبب قُصِر العموم عليه، واختص الحكم بالسبب، ولم يتعد إلى غيره. مع أن حديث عائشة ﵂ (لم تنقل القضية التي قضى بها النبي ﵇ قضى في مثلها هذا) (١). وهذا أيضًا فيه تنازع بين أهل الأصول. لكن قد روي عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي ﵇ قال: "الخراج بالضمان" ولم يذكر أبو هريرة سبب هذا الحديث عليه (٢). فعلى رواية أبي هريرة أيبطل (٣) ما اعترضنا به حديث عائشة ﵂. وتعويل شيوخنا المحققين، واختيارهم أن الغاصب يرد الغلات في أيّ جنس كان، لأنه، كما وجب عليه ردّ العين، وجب رد منافعها لأجل أن الأعيان لا يملكها على الحقيقة إلا الله تعالى، وإنما تباع وتشترى منافعها، والأعيان لا يصح تملكها، لكن وقعت المعاوضة عنها لأجل أن المنافع لا يصح تناولها إلا من الأعيان، وهذه عهدة قاطعة. وقول أصحاب أبي حنيفة لا نسلّم أن المنافع مما لا يُتموّل، استدلالًا منهم بأن المال مما يتموّل. وإنما يصح التمول فيما يدخر للحاجة إليه، والمنافع لا يتصور فيها هذا، مع أن المريض له أن يهب منافع نفسه في مرضه فيبني دارًا لإنسان، أو يعمل له منفعة قيمتها تزيد على ثلث ماله.، فلا يُمكّن الورثة من طلبه بشيء من قيمتها. وكذلك لا مقال للغرماء في هبة منافعه، ولا يباع ذلك عليه إذا فلس.

стр. 2499

وهذا الذي قالوه غير صحيح، لأن أخذ الابدال والإعراض (١) إنما يصح فيما يتمول، ومنافع الأعيان مما يصح العقد عليها بعوض، كما للإنسان أن يؤاجر عبده، ويكري داره. فلولا أنها مما يتموّل لم يصح عقد الإجارة فيها. وبعض أصحاب أبي حنيفة سلم أنها مما يتمول، ولكنه منع من وجه آخر، وهو كون الغصب لا يتصور، كما جمنع أبو حنيفة من تصور الغصب في الديار؛ لأن الغصب إزالة يد المالك بيد الغاصب، والمنافع تعدم عند وجودها فلا يصح استيلاء ربها عليها. فكذلك لا يصح استيلاء الغاصب عليها. ولا يتصور أيضًا فيها الإتلاف، إن لم يصح الاستيلاء عليها، لأن ما يتلف ما صح بقاؤه، والمنافع أعراض تنعدم، ولا يحتاج انعدامها إلى أن يغرمها الغاصب. وهذا الذي قاله كله تخييل لا تعلق له بمسألتنا. والذي يقطع الشغب فيه مناقضتهم بعقد الإجارة على المنافع. وجميع ما اعتلوا به من هذه العلل في كون المنافع لا يضمنها الغاصب موجود في عقد الإجارة عليها. وإذا تقرر ما ذكرناه من الاختلاف في ضمان المنافع بأن الولد ليس بغلة، فيجري فيه مجرى الخلاف الذي قدمنا في ضمان الغاصب للغلات. هذا المنصوص عليه عند جميع أهل المذهب. لكن تأول بعض المتأخرين من الأشياخ تخريج خلاف فيه من المسألة المشهورة في كتاب الرد بالعيب من قوله: إن من اشترى أمة فولدت عنده، واطلع على عيب يوجب تمكينه من ردها، وقد حملت عند المشتري وولدت، فإن الولادة تنقصها، وهذا النقص عيب حدث عند المشتري، ومن اطلع على عيب كان عند البائع، وقد حدث عنده عيب، فإنه، إن اختار الرد فإنه لا يرد حتى يغرم قيمة العيب الحادث عنده.

стр. 2500

وهكذا قال في المدونة في المسألة التي أشرنا إليها، لكنه شرط في الجواب أن لا يكون الولد في قيمته ما يُجبَر به عيب النقص الذي حدث بسبب الولادة. وهذا لا يصح إلا أن تكون الولادة غلة للمشتري. وإذا كان له ملكًا لكونه غلة يستحقها بضمانه للأم، صحّ أن يدفعه في قيمة نقص الولادة. ولو كان ليس بغلة ولا يملكه المشتري، بل هو كعضو من أعضائها، لم يُجبَر به نقص الولادة. واعتُرض هذا التخريج بأن قيمة عيب الولادة إنما يقضى فيه بمقداره من الثمن الذي دفع المشتري للبائع، لا بعرض يدفعه عوضاً عن هذا العيب. وهاهنا قد دفع الولدَ، وهو كعرض من جملة أملاكه عوضًا عن دنانير وجبت عليه قيمةَ عيب نقص الولادة. وألزِم البائعُ قبولَ ذلك منه. وهذا خلاف مقتضى الأصول. وينفصل الآخرون عن هذا الاعتراض بأن هذا العيب سببه الولادة، والولد عنه يكون، فكأنه إنما جبر الشيء بنفسه، والأصل بفرعه، وكأنه نقص اقتضى زيادة، فَمَحَتْ الزيادة النقص حتى عادت الجارية لم يدخلها نقص. ويجبر نقص الولادة بقيمة الولد. قال أبو حنيفة وبكونه لا يجبر عيب الولادة قال غير ابن القاسم من أصحاب مالك. وقد اعتمد من لم يره غلة على الاتفاق على أن الولد يتبع أمّه في الرق والحرية. فابن الحرة حرّ، وإن كان زوجها عبدًا، وابن الأمة عبد وإن كان أبوه حرًا. وهذا قد يقدح فيه بأن هذه أحكام شرعية، فلا يقاس عليها غيرها من أحكام الضمان والإتلاف والتعدي، فإن هذه أحكام عبادات، وما نحن فيه

стр. 2501

أحكام جنايات وغصوبات، ألا ترى أن الشرع خالفه (١) هذا في الأديان فجعل حكم الولد تابعًا لأبيه في الدين. فإن كان مسلمًا، وأمه نصرانية، فالولد مسلم. وإن كان نصرانيًا، والأم مسلمة، كان نصرانيًا، في المشهور من مذهبنا. وإن كان عندنا فيه اختلاف. ومما يلحق بهذا المعنى غاصب بيضة فحضنها تحت دجاجة، فانشقت عن دجاجة، فإن أشهب جعل الدجاجة التي خرجت من البيضة للغاصب للبيضة، وعليه بيضة مثل الذي غصب. وخالفه سحنون ورأى أن الدجاجة الخارجة من البيضة لصاحب البيضة. والجواب عن السؤال الثامن عشر (٢) أن يقال: لا يخلو من وطئ امرأة، وقد غلبها على نفسها، إما أن تكون حرة أو أمة: فإن كانت حرة، فإن عليه الحدّ باتفاق. واختلف فقهاء الأمصار في إلزامه صداق مثلها. فأوجب ذلك مالك والشافعي. وأسقط عليه صداق المثل أبو حنيفة. وسبب هذا الاختلاف في إلزامه الصداق مع حدّه، قد اتُّفق على أنه لو وطئها بطوع منها، فإنه لا يلزمه صداق مثلها. كما اتفق على أنه لو وطئها بعقد فاسد فإن عليه الصداق المسمى، أو صداق المثل، على ما فصل في كتاب النكاح، لأجل (٣) الزنى يقتضي إسقاط الصداق، والوطء بشبهة يقتضي إثبات الصداق .. فاعتبر أبو حنيفة وطء الرجل، فلما رأى أن الحدّ واجب عليه أسقط عنه الصداق، إذ ثبوت الحذ ينفي الصداق. ولما رأى مالك ﵁، والشافعي أن المرأة لا حد عليها، ونفي الحد يقتضي ثبوت الصداق، أوجب

стр. 2502

لها على الواطئ الصداق. والأصول تقتضي اعتبار حالِ من أُوجب عليه الحد، لا من وَجَب له، والصداق ها هنا إنما يجب للمرأة باعتبار حكمَ وطئها أوْلى من اعتبار حكم وطء الزوج. وهذه المسألة إنما أوردناها ها هنا لتعلقها بما فرغنا منه آنفًا لمّا ذكرنا أن أبا حنيفة يرى أن المنافع إذا تلفت عن غير عقد ولا شيهة عقد فإن مُتلفها لا يغرِمها. ولهذا رأى أن الغلات للغاصب كما ذكرنا مذهبه. وأن الشافعي يراها للمغصوب منه. وهكذا في أحد أقوال عندنا، أوجب مالك وأصحابه في وطء المستكرهة الصداق، وإن كانت منافع الفرج قد أتلفها الواطى من غير عقد نكاح ولا شبهة نكاح. وأبو حنيفة يعتمد على ما ذكره أهل الأصول في كتبهم من أن التعليل والقياس إذا أدى لفساد الوضع لم يقبل، كما كنا قدمناه في كتاب الطهارة من أن من يرى تكرير مسح الرأس، قياسًا على الوجه، فإنه لا يصح له هذا القياس، لأجل أن الرأس فُهم من الشرع أنه خفّف الحكم فيه بأن جعل في الوضوء مسحه، والوجه غسله، وتكرير مسحه قياسًا على الوجه تثقيل، ولا مناسبة بين التثقيل والتخفيف في حكم واحد، وما هو في معنى الحكم الواحد. وكذلك في مسألتنا، فيقول: إن الحد يرتفع بالشبهات، وضمان الاتلافات يجب بالشبهات، فلا يجتمع في حكم واحد ما يثبت بالشبهة وما ينتفي بها، فالحد يدرأ بالشبهة، والضمان يثبت بالشبهة، فلا يصح اجتماعهما في مسألة واحدة. وقد اشتهر الحديث الصحيح بأنه ﵇ "نهى عن مهر البغيّ" (١) بتشديد الياء، ويروى بتخفيفها، والمراد بهذا النهي عن مهر الزنى. والجواب عن هذا أن الزنى في مسألة المستكرهة في حق الواطئ لا في حق الموطوءة، لأنها ليست بزانية، ودليل ذلك سقوط الحد عنها، ونهيه عليه

стр. 2503

السلام عن البغي فيما يكون الواطى والموطوءة فيه زانيين جميعًا. وكذلك الجواب عن تعلقهم بأنه تزوج بالمهر اقتضى جميعًا (١) بين ضربين: بين ما يدرأ بالشبهة كوطء أحد الشريكين، وما يثبت بالشبهة وهو ضمان الوطء. إلى غير ذلك من المسائل التي تصور فيها هذا، فإنا نقول الذي يستحق المهر المرأة والذي يجب عليه الحد واطؤها، فكان هذا (٢) حكمان في شخصين أو في مسألتين. وقد احتج الشافعي لنفسه، بأن قال، بأن الواطئ في نكاح فاسد يلزمه الصداق، مع كون الزوجة راضية بالوطء، فإلزام الصداق في مسألة المستكرهة، التي وطئت بغير رضاها، أحرى وأوْلى. وقال بعض أصحابه لو وطئها بطوعها لم يجب الصداق، إذا (٣) كانا زانيين، ولو وطئها بوجه شبهة لوجب الصداق. وإذا وطئها مستكرهة اختص كل واحد منهما بحكم نفسه، من (٤) غير زانية، فلها الصداق. وهو زان فعليه الحد. واعلم أنه قد ورد في الشريعة اختلاف أحكام في فعل واحد، ألا ترى أن من قتل صيدا غير مملوك، وهو في الحلّ، فعليه جزاؤه، ولو قتل صيدًا مملوكًا، وهو محرم، كان جزاؤه حقًا للبارى سبحانه، وعليه مع هذا غرامة ثانية، وهي قيمته يغرمها لمالكه. فصار في الفَعْلة الواحدة غرامتان حق لله سبحانه، وحق للمخلوقين. وكذلك من قتل إنسانًا خطأ، فعليه دية لأهله، وعليه كفارة القتل حق لله سبحانه، فهما حقان اختلف سببهما.

стр. 2504

فكذلك لا يستنكر وجوب الحد على هذا الواطى، ووجوب غرامة الصداق. ولا يُعترض هذا بأن قتل العمد لا يجتمع فيه القصاص وإيجاب الدية، لأنهما حقان يستحقهما ولي القتيل على البدل لا مجموعين، والقتل فعل واحد وله بَدَلان قصاص ودية، فلا يجتمع البدلان جميعًا عوضًا عن مُبدَل واحد. ويجري على أسلوب هذه المسألة مسألة قطع يد السارق حدًّا للسارق، وتغريمه لِما سرق. فعند الشافعي أنه يقضى عليه بالقطع، الذي هو حد السرقة، وبغرامة المال الذي سرق. وعند أبي حنيفة أنه إذا قُطِع لا يغرِم ما سرق، ولا يجتمع عليه الحد والضمان، كما قال في وطء المستكرهة: فإنه يحد ولا يغرم صداق المثل، لأنه لا يجتمع أيضًا حدّ وغرامة. وكل واحد من هذين الإمامين جعل حكم وطء المستكرهة وثبوت الحد على الواطى مثلَ اجتماع قطع يد السارق وتغريمه ما سرق، فقال (١) واحد منهما في المسألتين بحكم واحد فيهما. ومذهبنا نحن، في المشهور عندنا، أنه لا يتبع بالغرامة لما سرق إذا قطعت يده، إلا أن يكون موسرًا متصل اليسر، على ما يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى. وكذلك سنتكلم في كتاب الحدود على وطء الرجل لأجنبية أُكرِه على وطئها، فإن في حده اختلافًا: فذهب مطرف وسحنون إلى إثبات الحد عليه واعتل سحنون أنه لا يتأتى منه الوطء إلا إذا أنشر وأنعظ، والإنعاظ لا يصح الإكراه عليه، بخلاف المرأة أنها إذا أكرهت على التمكين من فرجها إكراهًا لا تقدر على مدافعته، فإنها لا تحد بغير خلاف. وهذا إذا ثبت إكراه المرأة على

стр. 2505

التمكين من وطئها بشهادة بيّنة عاينوا ذلك، فإنه يقضى لها بالصداق، ويحد واطؤها، ولا يقبل في ذلك أقل من أربعة شهود، وإن قصُر عددهم عن الأربعة حُدّوا حدّ القذف، ثم يكون القضاء لها بالصداق أو القضاء عليها بسقوطه، يؤخذ حكمه من التفصيل الذي نذكره. فاعلم أن المرأة إن لم يشهد الشهود بمعاينة وطئها مغلوبة على ذلك، وإنما شهدوا بمعاينة إدخالها البيتَ أكرهت على ذلك، وخَلَا بِها المكرِه، فخرجت فادعت الإصابة فإنه يقبل ها هنا شهادة رجلين، لأنهما لم يشهد المعاينة الزنى فيكونان كَقَذَفَةٍ، وإنما شهدا بصفة حالٍ اقتضت العوائدُ أنه يدل على أنها وطئت، فإذا خرجت، وقالت: وطئني، صدّقت مع يمينها. وأُجري ذلك مجرى إرخاء الستور على الزوجة وادعت الوطء، فإنها تصدق لدلالة العادة أن الخلوة على حال إنما يقصد بها الوطء، يوجب تصديق الزوجة، ولشهادة العادة بصدقها. فأما إن لم تشهد بينة بالوطء اغتصابًا ولا حملها للخلوة بها اغتصابًا، وإنما جاءت متعلقة برجل زعمت أنه وطئها، فإن المعتبر في هذا دلالة قرائن الأحوال، ففي أي الجنبتين ثبت الدليل قضي بتصديق من شهد له هذا الدليل: إمّا الرجل المدعى عليه ما ذكرناه، أو المرأة المدعية لذلك. وإنما (١) افترقت الأدلة في الجانبين استعمل الترجيح، على حمسب ما يعرفه الأصوليون والفقهاء من الترجيح عند تعارض العلل والاستدلالات الظنية. هذه النكتة التي يدور عليها ما نذكره من تفصيل الأحوال وسبب الخلاف بين العلماء. واعلم أنها إذا دلت الدلالة على كذبها حتى وجب أن تحد حد الفِرية، لقذفها من تعلقت به، فإنه لا يجب لها صداق على الإطلاق. وإن انتفى الحد عنها فقد يجب الصداق في حال، ولا يجب في حال. فإن تعلقت برجل به ما ادعت به عليه، فإن مالكًا صرف ذلك إلى اجتهاد القاضي. وكأنه لم يحسن عنده

стр. 2506

إطلاق القول بتصديقها في دعوتها طلب الصداق، والأحسن عنده إطلاق القول بإسقاطه، لأن ما بني على قرائن الأحوال، التحقيق فيه اعتبارُ قرائن الأحوال في كل نازلة بعينها، وقد تكون قرينة في شخص، (١) آخر ولا تدل على مثل ما دلت عليه. ولهذا يقول أهل الأصول إن قرائن الأحوال المثمرة للعلم لا تنضبط بخط ولا لفظ .. وكأن أصحاب مالك ﵃ رأوا أن تتبّع كل نازلة بعينها والالتفات إلى قرائن أحوالها ضرب من القضاء بجزئيات لا تنحصر ولا تنضبط، وقد يقع فيها الغلط من بعض الحكام ولو أن إثبات قاعدة أجبتم (٢) لموارد الغلط، ولكنهم اختلفوا في هذه القاعدة، فابن القاسم يرى أنها لا يقضى لها بالصداق. وذكر هذا أيضًا عن مالك. وكأنه رأى أن الأصل براءة الذمة من الغرامة إلا بإثباتات توجب الغرامة، وليس ها هنا سوى دعوة المرأة عليه مالًا، والمال لا يقضى فيه بالدعوى، وليس كون الدعوى تشبه دلالة على تصديق المدعي. ورأى غيره من أصحاب مالك أنها يقضى لها بالصداق، إذ ليس من قبل المدعى عليه ما يدل على كذبها، ومن قبنها ما يدل على صدقها من مقتضى العادة، إذ لا تتهم امرأة أن تفضح نفسها وتضيف إليها الزنى لتستوجب بذلك صداقًا، ولعل الصداق مما يقل قدره، ولعلها (مما لا يحلّ) (٣) قدرها. وكان بعض أشياخي يلتفت إلى ما أشرنا إليه من اعتبار ارتفاع قدر المرأة وجلالة منصبها. واختلف هؤلاء الموجبون لها الصداق هل يقضى لها بذلك بيمين أو بغير يمين؟ وهذا على ما كنا قدمناه مرارًا في شهادة العادة في التداعي: هل تقوم

стр. 2507

مقام شاهد واحد، أو مقام شاهدين؟ فمن أقامها مقام شاهد واحد استحلف المدعي معها. وأما إن ادعت ذلك على رجل عدل صالح لا يليق به ذلك ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تُحَدّ له حد القذف. والثاني: أنها لا تحدّ له حد القذف. والثالث: أنها إن كانت تدمي لم تحد، وإن كانت ثيبًا حدّت حدّ القذف. وهذا الاختلاف لما قدمنا تنبيهًا عليه، وذلك أن صلاحه يوجب تصديقه، وفضيحة نفسها توجب تصديقها، فأي القرينتين أولى أن تقدم؟ هذا سبب الخلاف، وإن كان أصبغ، في ذهابه إلى القول الثالث، رأى أنها إذا كانت دمي (١)، صار معها دليلان ما تلطخت به من العار والفضيحة، والدم الشاهد على الافتضاض. وإذا كان معها دليلان كان ذلك أوْلى من اعتبار صلاح الرجل وليس ذلك إلا دليلًا واحدًا. وأما الحد لحق البارى سبحانه الذي هو حد الزنى، فلا يجب عليها لما بلغت إليه من فضيحة نفسها. (وأيضًا فإنها بها أشد حاجة إلى قذفة زوجته بالزنى لنفي عن نفسه النسب وجُعلت أيمانه الأربع مقام الشهادات) (٢). وهذا أيضًا له مدخل في تعليل سقوط القذف عنها في بعض هذه الفروع التي ذكرناها. وأما لو كان هذا الاستكراه وطء أمة، فإن عندنا أنه لا يلزم فيها صداق مثلها، كما ذكرنا ذلك في الحرة، وإنما يلزم فيها ما نقص، على ما ذكرناه في كتابنا هذا في غير هذا الموضع، وذكرنا ما فيه من اختلاف في المذهب وتعليل. ومما يلحق بما نحن فيه من الضمان المتعلق بالإكراه أن من هُدِّد بالقتل

стр. 2508

إن لم يقتل رجلًا مسلمًا، لا تحل إراقة دمه، فإنه لا يحل له ذلك، إذ لا يفدي نفسه بإتلاف نفس رجل آخر. فإن فعل وجب عليه القصاص، وفي المكره له والآمِر له بذلك، مِمّن لا يقدر على مخالفته، اختلاف: هل يجب عليه القصاص أم لا؟ ولو هَدَّد رجل رجلًا بالقتل، أو بإتلاف عضو، على أن يأخذ مال رجل فيحرقه أو يغرقه، ففعل ذلك، فإنه يضمن هذا المال، لأنه وَقَى به نفسه، فلزمه غرامة ما وقى به نفسه من مال غيره. ولو هَدَّده بذلك، على أن يأخذ مال رجل فيحمله إلى الذي هدده بالقتل، فإن المأمور لا يضمن ما حمل من ذلك إلى الغاصب، وإنما يطلب بذلك من صار الم الذي يده ظلمًا. ذكر ابن سحنون، في كتابه، هذين السؤالين، فحكى عن أبيه، في السؤال الأول، أنّ يتلف (١) المال يضمنه. وذكر عن نفسه في السؤال الثاني أن المأمور لا يضمن. ولا يتحقق بينهما فرق إلا كون المحرق أو المغرق لمال غيره باشر التلف بيده، ولم يحصل للمهدّد له بذلك غير الأمر، فصار كالسبب الملجئ إلى التلف، وإذا اجتمع في الإتلاف مباشر للتلف وسبب في التلف كان المباشر أوْلى بالتضمين. والمأمور بأن يحمل مال رجل إلى الآمر له بذلك قد هدده، إن عصاه، بأن يفعل به ما ذكرناه، لم يباشر التلف، وإنما يتلفه الذي حصل في يديه، فصار إلى صاحب المال مرجع بغرامة ما حصل في يديه. وهذا كله يجري على ما وقع في المسألة المشهورة التي ذكرناها في كتاب الرجوع عن الشهادات، في شاهدين شهدا عند القاضي بما يوجب قتل رجل مسلم، فلما قتله رجعا عن الشهادة، هل يقتصّ منهما أوْ لا يقتص؟ فيه الخلاف المشهور الذي ذكرناه، وهو كاختلاف (٢) في المكره لغيره على أن يقتل رجلًا.

стр. 2509

وكذلك لو هُدّد رجل بالقتل إن لم يقطع هذا الرجل المهدّد يد نفسه، فقطعها، ففيه اختلاف أيضًا: هل له أن يقتص من المكرِه له على ذلك فتقطع يده به أمْ لا؟ والجواب عن السؤال التاسع عشر (١) أن يقال: إذا ادعى رجل على رجل أنه غصبه شيئًا، وأنكر المدعى عليه، فإن القول قول المدعى عليه، قياسًا على سائر الدعاوي في الحقوق. إلا أن يقيم عليه بينة فيقضى بموجب شهادتها. وقد ذكر في المدونة في المدعي على رجل أنه غصبه سلعة، فأنكر ذلك، فشهد للمدعي شاهدان، أحدهما شهد بأن السلعة، التي ادعاها من زعم أنها غصبت منها (٢)، ملك لهذا المدعي، وشهد آخر أنه عاين غصْب هذا المدعى عليه لها من يد المدعي، فذكر أن هاتين الشهادتين لا تلفَّق، إحداهما إلى الأخرى. وإنما قال ذلك لأن الشهادتين إنما تلفَّقان إذا استوت معانيهما، واتفقت موجباتهما. والذي شهد بالملك لو انفرد لم يُقضَ للمدعي بما شهد به له الآخر (٣) يحلِف مع شهادته. ولا يقتصر في اليمين على شهادته، وأنه صادق فيما شهد به، إلا بأن يضيف إلى ذلك ما باع ولا وهب. أو (٤) انفرد الشاهد بالغصب لحلف المدعي على أنه صادق في شهادته، ولم يلزمه أن يضيف إلى هذا أنه ما باع ولا وهب، لأنه إنما شهد بالحوز، وكون الشيء المغصوب بيد المدعي، فأخذه المدعى عليه من يده بغير اختياره. وهذا لا يتضمن الشهادة بالملك لأن رؤية الشيء في يد مَن هو في يديه زمناَّ قَليلًا لا يدل على أنه مالكه، وإنما يدل على أنه مالكه طول السنين الكثيرة، ولم يَرِد مدع في هذا الذي حازه الحائز ولا نوزع في ذلك، وشاهد تصرفه فيه تصرف المالك، ويستمع دعواه أنه لنفسه، وملك له، ولا أحد ينكر ذلك. فقد

стр. 2510

صار في الشهادتين اختلاف في هذين المعنيين، فلهذا لم يلفقهما (١). على أنه إن تعقب هذا بأن الحوز، وإن (٢) لم يبطل، فإنه يقضى برد الشيء لحائزه، والشهادة بالملك تقتضي ذلك أيضًا. لكن يتصور الخلاف بين الشهادتين من الوجه الآخر، وهو صفة اليمين مع اختلاف حكم الشهادة بالملك والشهادة بالحوز، كما بسطنا القول فيه في كتاب الشهادات من كتابنا هذا. وأيضًا فإنه قد يتصور الاختلاف بين مقتضى الشهادتين من وجه آخر، وهو أن هذه السلعة لو حدث بها عيب في يد آخذها من يد من كانت في يديه، فأراد من أُخذت منه أن يضمّن آخذَها قيمة العيب، فإن الشهادة بالغصب توجب له ذلك، لأن الغاصب يضمن ما حدث عنده، والشهادة بالملك لا تقتضي ذلك، لأن المالك يجوز أن يكون باع ما يملك، أو وهبه، فلا يضمن ما حدث من غير جناية. وقد ذكر في المدونة أن أحد الشاهدين بالملك لو انضاف إليه شاهد آخر، فشهد بأن (هذا الأرض حيز فلان الشهادتين تلفقان) (٣) ويقضى له بما ادعاه من غير يمين. ولو كان المراد بقوله: إنها حوْزه؛ لأن ذلك كان كما يحوزه، لكان هذا مناقضًا لما ذكره في المسألة التي فرغنا منها، (ولكنه قول على أن المراد بقوله إنها ملكه فهذا لفق الشهادتين) (٤). وإذا لم يجد المدعى شاهدًا بالغصب ولا بالملك، ولكن أتى بدعوى مجردة، فإنه يعتبر ها هنا حال المدعى عليه، هل هو من الأفاضل، والعدول، وأهل الورع، الذين تدل شواهد حالهم على كذب المدعى عليه (٥)، فإن ابن القاسم أسقط اليمين عن هؤلاء، لكون الدعوى الأشبه (٦)، وعاقب المدعي

стр. 2511

لكونه أضاف إليهم معائب تحطُّ أقْدارهم. وقال أشهب: يحلف المدعى عليه الغصبَ على كل حال. وكأنه رأى أن قصد (الادا والانتقاض) (١) إنما يتصور فيمن أضاف إلى فاضل أنه سرق مالًا لإنسان، ولا منفعة له في هذه الدعوى فعلم، بذلك أنه قصد الانتقام والإيذاء. فأما إن ادعى (نفسه فيه ضرورة إلى ذلك) (٢) ويمكن أن يكون قال حقًا دعته الضرورة إلى ذكر هذا الانتقاص. ألا ترى أن الله سبحانه أوجب على قاذف المحصنات المؤمنات حد الفرية، ولم يوجب ذلك على الزوج إذا أضاف إلى المرأة أنها زنت ينتفي (٣) الولد عنه، لأجل حاجته وضرورته إلى ذكر هذا، واكتفى في نفي الحد عنه بيمينه الأربع مرات على صدق دعواه. وأما إن كان الرجل المدعَى عليه بالسرقة من أوسط الناس أو مجهول الحال، فإنه لا يعاقب المدعي عليه بالسرقة، لأن هذه الدعوى لا يبلغ إنقاصها مبلغَها في انتقاص الأفاضل والصلحاء، مع كونه مضطرًا إلى صيانة ماله بالدعوى. وأما إن كان المدعى عليه مشهورًا بالتسلط والظلم والغصب والتعدي فإنه لا يعاقب المدَّعِي عليه الغصبَ لكون ما عرف من غصبه وظلمه يقوّي دعوى المدعي. وله أن يستحلفه، وللحاكم أن يهدّده، ويعاقبه لعله أن يُخرج ما غصبه. وهذا الضرب والتهديد إنما يتضح القول به إذا قلنا: إن ميت ضرب ليُخرج حقًّا كتَمَه، فأخرجه، فإنه يؤخذ بإقراره لأن سوء حاله، وما علم من ظلمه، مع إخراجه ما غصبه لو (٤) سرقه على حسب ما ادُّعِي عليه به، كدليلين دلاّ على أنه ما أقرّ إلا بما عنده مما ادُّعِي، كما لو أقر وهوآمن.

стр. 2512

وقد اختُلف في هذا الأصل عندنا على ثلاثة أقوال: فقيل: من ضربه القاضي ليقر بحق عنده لغيره، فأقر به، فإنه لا يؤخذ بإقرأره، ولو عيّن الشيء المدعى عليه به. وقيل: بل يؤخذ بإقراره إذا عيّن الشيء أو لم يعينه، وهو اختيار سحنون، قال: وإنما يعرف هذا من ابتلي بالقضاء. والقول الثالث: إنه إن أخرج عيْن ما ادُّعي عليه به بعد تخويفه وضربه، أُخذ ذلك منه، وإن كان إنما ادُّعي عليه بشيء صار في ذمته (يأخذ له) (١)، كدنانير أو دراهم ادُّعي عليه بعْضُها، فإن ذلك لا يقضى عليه به حتى يقر آمنًا، لأنه لم يحصل ها هنا سوى دليل واحد، وهو ما علم من ظلمه وسوء حاله. بخلاف إذا أخرج العين المدَّعَى عليه بها، فإنه يحصل من ذلك أمارتان على صدق المدعى عليه (٢). وهذا إذا كان التهديد والضرب والسجن فعل ذلك بحكم شرعي، وأما مَن هدد وضرب، ظلمًا وعدوانًا، ليقر، فإنه لا يلزمه إقراره. ولو ادعى رجل في دار، بيد غاصب مشهور بالغصب، أنها له، لم يُقض له بمجرد دعواه. ولو أثبت أنها ملكه، فزعم من هي في يديه أنه اشتراها منه، ودفع إليه الثمن، فاعتذر المالك بأنه إنما باعها ضربًا (٣) خوفُ امنه، وأقر بقبض الثمن لأجل مخافته منه أيضًا، والذي الدار في يديه المدعي بشرائها مشهور بالظلم والتعدي والتسلط، فإن القول قول من ثبت له الملك: أني ما بعت منه إلا مخافةً، وما أقررتُ بالثمن إلا مخافة. ولو عاينت البيّنة قبض صاحب الدار ثمنها مِمّن زَعم أنه باعها خوفًا منه، لوجب عليه إذا نُقِض البيع ردُّ الثمن، لمعاينتهم لفظه (٤) له.

стр. 2513

ولو ادعى أنه استرده منه سرًّا، لم يقبل دعواه، وهذا لأن معاينة البينة لقبض الثمن يوجب عليه الردَّ، ودعواه ما يُسقط ما أوجبه، الظاهر لا يقبل منه. واستحسن سحنون أن يُشهِد في السرّ على أنه إنما فعل ما ظهر من البيع لأجل مخافته مِمّن أَخَذ الدار منه. لكنه جعل لهذه الدعوى حكمًا بين حكمين، فقالوا لو بني هذا الظالم المشهور بالتعدي ينافي (١) هذْه الدار، لم يُمكَّن من أُخِذت منه من أخذها إلا حتى يدفع قيمة البناء قائمًا. ولو شُهِد له أنه أُكرِه على بيعها لكان له أن يعطي قيمة البناء منقوضًا. وإذا وجب ردّ الدار لم يجب ردّ الغلة، فجعله كمن اغتلّ دارًا وبنى فيها بوجه شهبة، إذا لم تثبت حقيقة الغصب، وجعله في أخذ الدار منه ونقض البيع كمن ثبت عليه الغصب. ولا يتضح فرق في هذا إلاّ أن يجعل الاختلاف بين المدعِي والمدعَى عليه كالشبهة في إمكان صدق المدعَى عليه. ومن اغتلّ بوجه شبهة فإنه لا يردّ الغلة، ولا يؤخذ منه ما بناه إلا بقيمته قائمًا، بخلاف أخذ عين الدار منه لأجل أن المدعِي قد أثبت ملكه فيها، وشككنا في هذا الملك هل يسعه أم لا؟ واستصحبنا حال ما ثبت من الملك، فلهذا رددنا الدار ليد المالك. وأما ما بناه هذا الظالم المتعدي فإن ذلك في يده، ونحن على شك في صدق المدعي أو المدعى عليه، فاستصحب حالة ملكه البناءَ، فلم يُخرَج من يديه إلا كما تخرج الأملاك إذا استحقت. تم كتاب الغضب

стр. 2514

كتاب الحجر والتفليس

стр. 2515

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وسلم كتاب الحجر والتفليس قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: المستحق عليهم التحجير (١) ضربان: ضرب يستحق عليهم لحقوقهم، وضرب آخر لحقوق غيرهم. فالمستحق عليهم لحقوق غيرهم (٢) ضربان: صغار وكبار. فالصغار ذكور وإناث. وهم نوعان: عقلاء وغير عقلاء. فمن له أب يحق (٣) الحجر عليه لأبيه. فإن عدم فوصيّه، ثم وصي وصيه. فإن لم يكن له (٤) وصي فالحاكم. ثم هم نوعان: عقلاء وغير عقلاء. فغير العقلاء يستدإم عليهم الحجر إلى أن يعقلوا. والعقلاء ضربان: أصاغر وأكابر.

стр. 2516

والأصاغر (١) يستدام عليهم الحجر حتى يبلغوا ويؤنس منهم الرشد، فحينئذ يفكّ عنهم الحجر. وذلك في الغلام بأن يُعرَف منه إصلاح ماله وحفظه، وتأتّيه لتنميته، والتحرّر من تبذيره وإضاعته، وإنفاقه في وجوهه. ولا تراعى عدالته في دينه أو فسقه إذا كان مصلحا لماله. وأمّا في الصغيرة فيُرَاعَى مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج ويدخل بها الزوج. وحدّ البلوغ في المذكور ثلاث علامات، وفي النساء خمس. فالثلاثة التي يجتمعون فيها: الاحتلام، والانبات، والانتهاء من السنّ إلى ما يعلم بالعادة بلوغ من انتهى إلى مثله. وقال أصحابنا: (٢) مثل ثماني عشرة سنة وما قاربها. وما يزيد به الإناث على المذكور شيئان: الحيض والحمل. وأمّا الأكابر فمن كان منهم مبذرا لماله مضيعا له. ابتدئ عليه الحجر، كان ذلك لعجز عن اصلاحه أو تعمّد لإضاعته في شهواته. ولا يحجر عليهم إلا الحاكم، ولا ينفذ حجر إلاّ بحكم. وأمّا المحجور عليهم لحقوق غيرهم فأربعة زوجات ومرضى وعبيد ومفلسون. فأمّا الزوجات، فكل امرأة ذات زوج فليس لها أن تتصرف في مالها، فيما زاد على ثلثها، بهبة أو صدقة أو عتق وكلِّ ماليس بمعاوضة، إلا بإذن زوجها. [فإن فعلت] الأمر إلى الزوج إن أجازه جاز وإن رده فسخ جميعه. وقيل:

стр. 2517

ما زاد على الثلث. ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه، ولها ذلك في مال (١) طرأ لها بعد. ثم ذكر بعد ذلك بقية الأقسام (٢). قال الفقيه الإمام ﵀: "رأينا هنا أن نملي أحكام الحجر وبيان من يحجر عليه، مجموعا مبيّنا جنسه وأنواعه، ونختم أنواعه بنوع الحجر على المفلس، ونتبعه بمسائل المديان والتفليس. فيتعلق بهذا الفصل الذي أورده القاضي عبد الوهاب خمسة عشر سؤالًا منها أن يقال: ١) ما معني الحجر وأنواعه؟ ٢) وما الدليل على وجوب الحجر على السفهاء؟ ٣) وهل يحجر على البالغ العاقل السقيه؟ ٤) وما حقيقه السفه الموجب للحجر؟ ٥) ومتى زمان ابتلاء اليتيم؟ ٦) وصفة ابتلائه؟ ٧) وهل يقف الحجر والاطلاق على الحكم بذلك أو على وجود العلة المانعة الموجبة للحكم؟ ٨) وما المعاني التي يعلم بها الحجر؟ ٩) وهل يثبت البلوغ بعلامة عليه؟

стр. 2518

١١) وهل يكتفي بحصوله؟ ١١) وهل تردّ عقود السكران لكونه لا يدبر المال؟ ١٢) وهل يحجر على المغمور؟ ١٣) وهل يحجر على المرتدّ؟ ١٤) وهل يحجر على الزوجة؟ ١٥) وهل يحجر على المفلس؟ فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: أمّا الحجر فمعناه في اللغة المنع والحرز، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١). وهو يتنوع، في مقصدنا في هذا الكتاب، إلى المنع من تمكين مالك المال منه، وإلى تمكينه منه ومنع تصرفه فيه. ويتنوع المحجور عليهم إلى نوعين: أحدهما من يحجر عليه لحق نفسه ونظرًا لهم، وهم ثلاثة: ١) من لم يبلغ الحلم، ذكرا كان أو أنثى. ٢) ومن بلغ مجنونا، ذكرا كان أو أنثى. ٣) ومن بلغ سفيها، ذكرا كان أو أنثى. فهؤلاء الثلاثة يمنعون من أموالهم، ويحجر عليهم فيها نوعَا الحجر، وهما: منعهم من أخذ المال، ومنعهم من التصرف فيه، وذلك لحق أنفسهم ونظرًا لهم لا نظرًا لأحد سواهم.

стр. 2519

ولما كان من ذكرناه يعدم النظر لنفسه في هذا عدما كليا، كالمجنون أو عدم انتقاصٍ عن الكمال، كالصغير والسفيه، نظر الشرع لهم فأمر الآباء والأوصياء والحاكم بالنظر لهم صيانة لأموالهم التي بصيانتها قوام حياتهم وحفظ عيشهم. وقد نبه الله سبحانه على هذا التعليل، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١). فنبه على أن بها قوام الحياة، إذ الحياة لاتثبت إلاّ مع الغذاء، والغذاء لا يتوصل إليه إلا بمال، فإضاعة مالهم كإضاعة حياتهم. والثاني: من يحجر عليه لحق غيره، وهم من يملك رقبة من في يده المال، كالسيد مع عبده، فإن له أن يأخذ ما في يده ويمنعه من التصرف فيه، أو يبقيه في يده ويمنعه من التصرف فيه. فإن شئت عبرّت عن هذا بأن تقول: من يملك ما في يد من يحاول الحجر عليه، على القول بأن العبد غير مالك. أو تقول: من يملك ما في يديه إن شاء، أو يرجى له أن يملك عَين ما في يد من يحجر عليه، كالمريض مع ورثته: فإنهم وإن لم يكونوا ملكوا أعيان ما في يديه لمرضه، فإنهم يُرجى لهم ملك عين ما في يديه. وكذلك أيضًا المرتد مع المسلمين: فإنهم وإن لم يستحقوا إلَاّ (٢) أعيان ما في يديه، فإنهم يُرجى لهم ذلك إذا لم يرجع إلى الإِسلام. وعلى القول الشاذ عندنا أن المرتد إذا عاد إلى الإِسلام لم يرجع إليه ماله، يلحق هذا بمن ملك الآن عين ما في يد المحجور عليه، كما قلناه في العبد، أو من يملك الانتفاع بما في يد من يحجر عليه، كالزوج مع زوجته، أو يملك ذمة من يحجر عليه وهم الغرماء مع من فلسوه. وهذا أخر التنويع الذي ذكرناه. فحصل من هذا أن الذين يحجر عليهم لحق غيرهم أربعة:

стр. 2520

أحدهم: من يملك عين ما في يد المحجور عليه. والثاني من يملك الإنتفاع بما في يد المحجور عليه. والثالث: من يُرجى له أن يملك عين ما في يد المحجور عليه. والرابع: من يملك ذمة المحجور عليهم. على الجملة دون التفصيل، فإنهم يختلفون في التفصيل على ما يذكر كل فصل في موضعه إن شاء الله. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد قدمنا أن المحجور عليهم لحق أنفسهم ولإصلاح مالهم ثلاثة: ١) الصغير ٢) والمجنون ٣) والبالغ العاقل السفيه. فأمّا الحجر على من لم يبلغ، الأصلُ فيه قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). فنهى تعالى عن دفع المال إلى من كان صغيرًا، لكنه في إفراط صغره قد عدم النظر لنفسه، ومع مراهقته ناقص النظر لنفسه. فعلق الدفع ورفع الحجر بشرطين وهما: البلوغ وإيناس الرشد. وقال تعالى: (٢) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فنبّه على وجوب صيانته عليه حتى ينتقل إلى حالة من يصون ماله بنفسه. ولا خلاف بين العلماء في ذلك، كما لا خلاف بينهم في كونه إذا بلغ

стр. 2521

مجنونا لا يدفع إليه ماله، لمشاركة الصغير في علة المنع من الدفع، بل المجنون أولى بالمنع من الدفع من المراهق، لكونه عَدِمَ العقل بالكلية، ولحق بالبهائم. وأمّا إن كان بلغ وهو عاقل: فمذهبنا ومذهب الشافعي أنه لا يزول الحجر عليه إلاّ أن يونس منه الرشد ومذهب أبي حنيفة أنه بالبلوغ والعقل يرتفع عنه، ولكن دفع ماله إليه يوافقنا عليه، ويرى أنه ممنوع منه حتى يونس منه الرشد، فإن كان أراد أن الحجر يرتفع عنه بالبلوغ والعقل فيما يتعلق ببدنه ونفسه، فكذلك نقول نحن، إذ لا يتهم عاقل سفيه أن يلقي نفسه بالمعاطب المهلكة له، ويتهَّم في المال أن يتلفه في الشهوات الفاسدة. وإن أراد به يمنع من القبض دون التصرف بالبيع والشراء بالقيمة، فنحن نخالفه في هذا، ونرى أنه لا تمضي عقوده إلَاّ أن يمضيها عليه وليه. وهم يقولون إن منعه إذا بلغ عاقلا ولم يونس منه الرشد من قبضه لماله، إنما هو على جهة الاحتياط. فإن بلغ عاقلا. وأنس منه الرشد عقيب البلوغ، فلا خلاف بين العلماء في أنه يرتفع عنه الحجر في قبضه لملكه وفي تصرفه فيه. وإن بلغ عاقلا سفيها وتمادى على سفهه، وله أربع وعشرون في عمره، فإنه لا خلاف أيضًا في أنه لا يدفع إليه ماله. وإن بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو سفيه، فجمهور العلماء: مالك والشافعي وغيرهما، على أنه لا يدفع إليه ماله. وانفرد أبو حنيفة فقال: يدفع إليه ماله. والذي قاله الجمهور سبق إلى النفس (بأَدْنَى وخيالٍ صحته، إذ لا فرق بين سنه أربع وعشرون تمضي من عمره ولا سنة غير ست وعشرون ولا خمس وعشرون التي أخذها) (١) أبو حنيفة وأقامها مقام الرشد، مع العلم بسفهه

стр. 2522

وتبذيره الذي هو علة الحجر عليه في سنه أربع وعشرين في عمره عندنا وعنده وعند سائر العلماء. والتحديد بخمس وعشرين ها هنا كالتحكم من غير معنى، ومناقضة المعنى المخيل، وهو كون السفيه المبذر إذا تلف ماله، فقد عدم ما هو قيام له، كما قال تعالى، والعلة مقطوع بكونها لا يفترق وجودها وحصولها في سنة أربع وعشرين أو خمس وعشرين. وإذا تحقق ذلك وتيقن، وكان السفه علة في الحجر، فرفع الحكم مع وجود علته كالتناقض. وهذا واضح، ولا خيال يتحقق في نصرة مذهبه سوى تعلق بظواهر غير مقصود فيها بيان حكم الحجرَ وعلته، كقوّله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فدليل هذا عندهم أنه إذا بلغ أشدّه سلم إليه ماله على أىّ حال كان: سفيها أو رشيدا، لأن ما بعد حرف الغاية الذي هو "حتى" نهاية إلى أن لا يُقرَب ماله. وما بعد حرف الغاية يخالف ما قبله. فهذا تعلق ليس بصريح بما يُفعل بمالِه إذا بلغ الأشدّ وكان سفيها، بل يجب أن يرد هذا إلى الإجمال الذي ما بُيّنَ بيانا جليا، من ذكر الشرطين المعلق بهما دفع المال، وهما: بلوغ النكاح، وإيناس الرشد، كما قال تعالى. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد ذكره بلوغ النكاح. فوجب أن يعتبر الشرط الذي هو إيناس الرشد عقيب البلوغ، لكون الفاء للتعقيب في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فدلّ هذا الخطاب على أنه إذا طال الأمد بعد البلوغ لا يعتبر الرشد. وهذا أيضًا لا يقابل وضوح العلة في منع الدفع لأجل السفه، وإن العلة متساوية في سائر السنين مع أن الفاء ها هنا ليست للتعقيب، بل هي لتعليق جملة بجملة. وإنما تكون للتعقيب بغير مهلة في العطف على ما بيناه في كتاب الأصول. وقول أبي حنيفة: إن ابن خمس وعشرين سنة يصلح أن يكون جدًا، لكونه

стр. 2523

قد يبلغ الإنسان وهو ابن اثنتي عشر سنة، وتلد زوجته في ستة أشهر. فيكون هذا الولد يلد أيضًا بعد أن تمضي اثنتا عشرة سنة ونصف. فيكون الأول جدًا، وأنا أستحي أن أحجر على جد. وهذا ليس بشيء يعول عليه، وإنما هو إشارة إلى استبعاد كون الإنسان يصير جدًا وهو باق على السفه. ونحن نسلم له أن هذا نادر في العادة، ولكن مع ندوره إذا تحققنا السفه فلا يبطلون بها العلم المحقق، ووجودها في النادر كما هي في الغالب. وكذلك، تخيلهم أن سنّ البلوغ ثماني عشرة سنة، وهي حد لوجود العَقل الطبيعي المعتدل. وأشار الشرع إلى سبع سنين تمضي من العمر لكون ما بعدها مبدأ التفطن لما يستحسن ويستقبح، وينهض مقدار ما في الصّبَى من عقل إلى الشوق إلى تدبير نفسه. فإذا أضيف هذا الانتباه من العقل والتفطن إلى ثمانية عشر، بلغ العدد خمسًا وعشرين سنة، فلم يحسن منعه من ماله. وهذا أيضًا خيال بعيد (كتخيل الشرع وضع) (١) ها هنا في غير المقصود الشرعي. ولَاخَفاء في سقوط مثل هذا. وكذلك إن تعلق بقوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وقوله "رشدا" نكرة في إثبات والنكرة في الإثبات لا تكون عمومًا على الشمول. وإنما تكون عمومًا على البدل، كقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢). فمقتضى هذا، لو اقتصر عليه، أن الامتثال يحصل بأيّ بقرة شاؤوا.

стр. 2524

وبخلاف العموم في تكرار النفي، فإنما يُحمل على الشمول والاستعياب فإذا حصل رشدٌ فا حسن معه دفع المال. والعقل يسمى رشدا. ألا ترى إلى (قول قوم لوط) (١) ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾. ولم يردها هنا بالرشد صيانة المال، وإنما أراد ها هنا العقل المقبح إلى (٢) إتيان الذكران دون ما خلقه البارى تعالى للوطء وكثرة النسل، وأن ترك الإناث اقتصارا على الذكران من الجهل والإسراف كما قال تعالى فيهم "تجهلون". والجهل ضد العلم، وإن كنا لا نرى العقل يحسن ولا يقبح، وإنما ذلك من جهة الشرع، وأمّا من جهة الطباع والعوائد، فإنه يحسن ويقبح. قالوا: فإذا حصل رشدٌ ما وهو العقل، وجب رفع الحجر. وهذا أيضًا غير مسلم، لأن المراد ها هنا بالرشد الذي (٣) تبذير المال. وقد قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء" ثم عقب ذلك بقوله "فإن آنستم منهم رشدا" يريد ما هو ضد السفه ورافع له. فوجب حمل الكلام عليه مع أنه يقتضي قوله "فإن آنستم منهم رشدا" أنه إذا لم يونس رشدا فلا يدفع إليهم المال. فيصير دليل الخطاب ها هنا نكرة في النفي، وهي بخلاف كونها في الإثبات على ما عرف في كُتب الأصول. ثم إنهم إن جعلوا بلوغ خمس وعشرين سنة هي حدّ الدفع للمال، فلماذا أمروا قبلها إذا صح الرشد، وإن كان العلة حصول الرشد في جواز الدفع، فلماذا أباحوا الدفع في الخمس وعشرين سنة مع عدم الرشد ووجود السفه؟ والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

стр. 2525

قد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة في أن السّفه وإن كان علة في الحجر، فإنها علة لا تطرد. ولأجل هذا قال في السفيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة: إنه يرتفع الحجر عليه، لما قدمناه عنه من التعليل. والدليل الذي منع هذه العلة من الاطراد ومذهبه الذي يضاف إليه في الأصول، أن العلة الشرعية لا يبطلها تخصيصها، خلافا لحذاق أهل الأصول. وأما قبل الخمس وعشرين سنة. فإنه يثبت الحجر على من حجر عليه قبل بلوغه، واستدام السفه والتبذير .. لكن ظاهر مذهبه المنقول عنه في كتاب الخلاف أنه إنما يحجر على من تقاصر عمره عن الخمس وعشرين من السفهاء على أن لا يدفع إليه مال، لأن الحجر نوعان: حجر منع من أخذ المال. وحجر منع من التصرف فيه. لأن وجود العقل يثبت استئمان التصرف. والملك يثبت القبض لما ملك والحوز له. ويثبت التصرف فيه. فأمّا أحد نوعي الحجر وهو المنع من أخذ المال، فيوافقنا عليه فيمن تقاصر عمره من السفهاء عن خمس وعشرين سنة. ويشير إلى أن هذا المنع منع احتياط. وأمّا التصرف في المال، بالعقود بالبياعات والأشرية والإقرارات، فإن ظاهر ما نقل عنه أنه لا يحجر على السفيه فيه، ويرى أن المنع من أخذ المال قصارى ما فيه إلحاق السفيه بالفقير الذي عدم المال. وأمّا من منعه من التصرف فيه، فيلحقه بالبهائم التي يستحيل منها التصرف، وهذا مستبعد، ولا يستبعد التشبيه بحال الصغير. ونوقض في هذا بأن المنع من أخذ المال حسيّ مشاهد. وأمّا المنع من التصرف فيه فأمر ليس بحسيّ، وإنما هو إخبار عن حكم الشرع أنه أبطل عقوده وبياعاته، مع أن الحجر على السفيه يُقطع على أن ذلك إنما كان نظرا له، لِمَا عَدِم من النظر لنفسه. ومنْعُه من المال وإطلاقُ تصرفه فيه كالمتناقض، لأنه
следующие страницы →