المغصوب يصيّره ملكًا للغاصب ويزيل ملك صاحبه ما أمر ﷺ بصدقتها، بل كان يأمر بردّها إلى صاحبها الذي ذبحت بغير أمره، والصدقة بمال الغير لا تجوز إلا بوجه يستحق به ذلك عليه.
وهذا الاستدلال كأنه في نفس هذا الأصل المختلف فيه. والاستدلال بقوله "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وبقوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" استدلال بعمومات ليس المقصود منها بأن حكم هذا الأصل الذي نحن فيه. فكان التعلّق بهذا الخاص أوّلا (١) من التعلق بالعام.
وقد اختلفت معاذير أصحابنا وأصحاب الشافعي عن هذا الحديث. فقال بعضهم: إنه مرسل والعمل بالمراسيل فيه اختلاف بين الأصوليين. وهذا العذر إنما يقوله من لم يقل بالعمل بالمراسيل.
وأجاب آخرون بأن الشوى مما لا يبقى بل يتغير ويفسد إذا مر زمن تغيّره، فلهذا لم يأمر برده على صاحبه إذ لعله كان غائبًا.
وهذا أيضًا تأويل بعيد لأن الحكم في مثله أن يباع الطعام الذي يخشى فساده وصاحبه غائب عنه، ويوقف له الثمن فلا يتحقق هذا الحكم على ما استقر في الشريعة إلا أن يكون كسب صاحب هذا (٢) الشاة خبيثًا، والكسب الخبيث يتصدق به وإن كره صاحبه.
وهذه تأويلات، وإن بعدت، فإنها من الممكنات ولكن ليس في سياق الأكبر ما يدل عليها. وجملة الأمران من غصب شيئًا فأتلف عينه كقصب غصبه ثم أحرقه، أو ثوب غصبه ثم أحرقه، أو عبد غصبه فقتله، فإنه لا يختلف ها هنا أن الواجب على الغاصب بدل ما غصب، المثل أو القيمة .. وإن كانت العين لم تذهب، ولا تغيرت في سوق ولا بدن، لم يختلف في أنه لا يجب عليه البدل.
стр. 2452
فإن تغيرت فهاهنا يحسن الخلاف؛ لأن من حق صاحب الشيء المغصوب ألاّ يزال ملكه من يديه، وأفعال الغاصب كأنها من أملاكه فلا تزال أيضًا عن يده، فأي الأمرين يغلّب؟
رأى أبو حنيفة أن التغيير الذي يُذهب التسميةَ والمنفعة المقصودة، يحل محل ذهاب العين، فإنما يستحق على الغاصب البدل.
ورأى الشافعي أن ذهاب العين بالعلم يستحيل معه التملك، إذ المعدوم لا يُتملك، ولا يتصور تملكه للغاصب ولا للمغصوب منه، فلهذا أوجب البدل وانتقال الاسم والمنافع مع بقاء العين ومنافع يتعلق بها الغرض، ويقع التشاحّ فيها، يوجب سقوط ملك صاحب الشيء المغصوب، ونقل ملكه إلى ملك الغاصب، مع كون فعل الغاصب كالفرع والشيء المغصوب كالأصل، وهو الجوهر، وفعل الغاصب كالعرض، والتغليب يكون للأصل على الفرع، لا للفرع على الأصل، وللجواهر على الأعراض لا للأعراض على الجواهر.
وأما ضبط مذهبنا وما وقع فيه:
فإن المغصوب إذا كان مكيلًا أو موزونًا مما فيه الربا، كالذهب والفضة والقمح، فغصب الغاصب ذلك فصنع من الفضة التي غصبها حليّا أو دراهم، أو طحن القمح فرده دقيقًا. أو كان المكيل والموزون مما لا ربا فيه، كالنحاس والحديد والقطن، فغصب حديدًا أو نحاسًا فصنع منه آنية، أو نسج من القطن ثوبًا بعد أن غزله، فإن في ذلك أقوالًا على الجملة:
أحدها: أن الواجب فيه مثل الذي غصبه الغاصب، وتكون صنعته كالفوت لعينه.
والقول الآخر: ذلك لا يكون فوتًا للعين، ولا يمنع صاحب الشيء المغصوب من أن يأخذ عين ما غصب له، وإن غيّره الغاصب بما ذكرنا.
والقول الثالث: أن ذلك يكون مما فيه الربا فإن هذه الصنعة كالفوت فيه.
стр. 2453
وعلل ذلك ابن القاسم وأشهب أن الحكم برده إلى صاحبه من غير أن يغرم عوض الصنعة، كان ذلك ظلمًا للغاصب، وإن أغرم قيمة الصنعة كان ذلك تفاضل أبي ن ما فيه الربا، فيكون صاحب الشيء المغصوب كأنه دفع فضة ومعها أجرة الغاصب وأخذ عنها دراهم. قال أشهب: وليس ذلك مثل القمح يُغصب، فيصيّره الغاصب سويقًا مَلْتوتًا، هذا مما يجوز فيه التفاضل.
فأما ابن القاسم فإن طرد أصله في ذلك، وكان مذهبه يضاهي مذهب أبي حنيفة الذي يرى أن التغيرات على الشروط التي ذكرناها عنه، تصيّر الشيء المغصوب كالفائت المعدوم.
وأما أشهب فإنه ذكر أن من غصب قمحًا فطحنه دقيقًا، فإن لصاحب القمح أن يأخذه من غير أن يُلزم غرامةَ أجرة الطحن. قال في قمح غصبه الغاصب فلتَّه سويقًا أن الحكم فيه غرامة الغاصب القمح.
وهذا كأنه إن اعتبرنا مذهبه من ناحية ما قال في السويق صار كأنه يلاحظ مذهب أبي حنيفة، وإن اعتبرنا ما قاله في الدقيق يلاحظ مذهب الشافعي. وقد قدمنا أن أبا حنيفة يرى أن تغيّر العين لا يكون فوتًا فيها إلا بأن يفعل الغاصب فعلًا ينقل به الاسم ويبدله ويبدل أيضًا لمنفعة المقصودة، والمعنى المطلوب الذي خلق الشيء له، فيقول بأن الدقيق لا يسمى قمحًا وكذلك القمح لا يسمى دقيقًا إلا مجازًا واستعارة له اسم المال كما قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١) فسمى العنب خمرًا لأنه يؤول إلى الخمر. وكذلك المنفعة المقصودة والمعنى الذي خلق الشيء له، والصورة والشكل، قد يتبدل كله، والقمح صورته غير صورة الدقيق، واسمه غير اسمه، والمعنى الذي خلق له، وهو احتكاره قوتًا، وزراعته في الأرض، لا يوجد ذلك في الدقيق. فلعل أشهب رأى أن هذه الأوصاف تحصل في السّويق، ولا تحصل في الدقيق،
стр. 2454
لقرب ما بين الدقيق والقمح من المنفعة، وكأنه هو الطريق إلى تصيير القمح قوتًا، وهذا بخلاف السويق.
وما ذكرناه عن أبي حنيفة من أنه يراعي تبدل الأسماء، قد قاله أصحابنا.
وذلك أن أشهب فرق بين من غصب ثوبًا فصبغه، أو قطعه وخاطه، فقال: يرد ذلك على صاحبه إن شاء، بخلاف أن يصير القمح سويقًا لأن الثوب، وإن صبغ وقطع، فالاسم عليه قائم ويسمى ثوبًا، أبيض كان أو مصبوغًا، بخلاف السويق فإنه لا يسمى قمحًا. وهذا (١) قال سحنون أيضًا: كلما غُير حتى انتقل اسمه فإن ذلك فوت. فأنت ترى هذين من أئمة أصحابنا اعتبرا تغير الاسم كلما (٢) اعتبره أبو حنيفة.
وقد وقع لهم أيضًا في التفرقة بين من غصب خشبة فصنَعَها بابًا، وبين من غصب خشبة فبنى عليها، تعليل آخر. وذلك أنه قال: إنما حكمنا بأن يبقى التاتوب (٣) للغاصب ويغرم قيمة الخشبة؛ لأنه صنع شيئًا لا يقدر على ردّه إلى هيئته. وقد وقع لابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أن من غصب ثوبًا فصبغه أو فضة فصاغها، أو قمحًا فطحنه، فإن يرد إلى صاحبه، ولا حجة للغاصب بأن يقول: يُتْلف علىّ صنعتي؛ لأنه ﷺ قال: "ليس لعرق ظالم ... " (٤) وقد وقع أيضًا لعبد الملك بن الماجشون في المبسوط أن الغاصب إذا صنع فيما غصب شيئًا يسيرًا، فإن صاحب الشيء يأخذه، ولا يغرم قيمة الصنعة. وإن صنع فيه شيئًا كثيرأوافى ثمنَه، فإنه لا يأخذه حتى يدفع قيمة الصنعة، أو يضمن الغاصب ما غصبه، أو يكونا شريكين. وفي الشركة قولان: أثبتها ها هنا عبد الملك، ونفاها ابن القاسم.
стр. 2455
وكذلك اختلف فيما فعله الغاصب إذا كان له طلب عوضه، هل يعطَى قيمة صنعته، أو يعطى ما زادته صنعته في الثوب المصبوغ، وما في معنى ذلك مما يفعله في الشيء المغصوب، وكأن ما يقعله الغاصب في الشيء المغصوب، إن كان مما يُتملك وأضافه إلى الشيء المغصوب، كحجر له يبنيه في أرض غصبها، فإن حقه لا يسقط من عين الحجر إلا بعوض إذا كان أُسلِم (١) إليه انتفع به. وإن كان أضاف إلى الشيء المغصوب ما يتملك، وهو عين مرئية مشاهدة، ولكنها لا تتميز من الشيء المغصوب، ولا يمكن تفرقتها منه كالصباغ، فإن ابن القاسم (٢) أن صاحب الثوب لا يمكّن من أخذه إلا بعد أن يعطي عوض الصباغ، قياسًا على الحجر التي هي عين قائمة ولكنها تتميز. ورأى أشهب وعبد الملك أن صاحب الثوب يمكّن منه من غير أن يدفع عوض الصبغ، قياسًا على ما يحدثه الغاصب مما ليس بعين قائمة، ولا مما يتميّز بالتفرقة بينه وبين الشيء المغصوب، كالنقش والتزويق فصار الصباغ كفرع بين هذين الأصلين.
والجواب عن السؤال الحادي عشر (٣) أن يقال:
إذا غصب الرجل غرسًا فغرسه في أرضه، وفعل ذلك غصبًا أو تعديًا، أو فعل ذلك على وجه شبهة إما بإدلال على صاحب الغرس، ومثله يشبه أن يدلّ عليه، أو يشري ممن يُظن بأنه باعه من ذلك ما يملك، فإن المذهب متفق على أن هذا الغرس يردّ لصاحبه، وإن ثبت في أرض الذي نقله إن كان بحدْثانِ أخذِه. ولا يفترق في هذا الحكم الغاصبُ والمدلُّ والمشتري. وإن طلبَ صاحبه أخذه بعد زمان، وزيادة نماء، افترق حكم الغاصب من حكم المدلّ والمشتري، فيمكّن صاحب الغرس من قلعه في أرض الغاصب الذي غصبه له، ولا يمكن من قلعه من أرض المدل والمشتري، لكن يُلزمان بان يدفعا لصاحب الغرس
стр. 2456
قيمته قائمًا إن لم يختر أخذ عينه. ولو كان الغصب في غصن أخذه من شجرة، فأنبته في أرضه، وثبت فيها وطال زمانه، فإن المذهب متفق على أنه لا يؤخذ من يد غارسه، كان غصبًا أو مدلًا أو مشتريًا. وإن طلبه صاحبه بحدثان ذلك أخذه، فيفترق ها هنا حكم الغاصب والمشتري والمدلّ: فيقلع من أرض الغاصب، ويبقى في أرض المشتري والمدل، ويغرمان قيمته مقلوعًا. وكأن هذا المعنى يُلتفت فيه إلى ما سنذكره، إن شاء الله تعالى، فيمن غصب أرضًا فزرعها. وذلك أن نماء هذه الشجرة لم يكن من مجرد ذاتها بنفسها، ولا من مجرد ذات الأرض، وإنما كان النماء بمجموعهما: الأرض والشجر. ومقدار ما كان من كلِّ هذين من النماء لا يتميز، أو لا يوقف على حده، وإذا لم يوقف على حده وجب إضافة النماء إلى أوْلاهما. بالتأثير (١) بالغرس إذا أخذ في النماء وطال زمان ذلك، كانت إضافة النماء فيه إلى نفسه أوْلى من إضافتها إلى الأرض، فلهذا يقلع من أرض الغاصب. وطَرْد هذا التعليل يقتضي أن تقلع من أرض المدلّ والمشتري وإن طال الزمان، لكن قال ﵇ "ليس لعرق ظالم حق" (٢) والغاصب ظالم فلم يكن لتنميته أرضه حق، والمشتري والمدل غير ظالمين فكان لعرقهما حق، فلهذا أُبْقِي إذا طال الزمان. وأما إذا قصر فكأن عين الغرس لم يتغير فيكون المستحق له أوْلى بعينه.
وأما مَلْخُ عود من شجرة فإن إضافة التنمية إليه بتعدّ ولا تتصور إلا بعد واسطة، وهو أن يعرق ويطول مقامه في الأرض، فلذلك يأخذ في الارتجاع والنماء، فلهذا كان حكمه غير حكم الغرس.
وقد عارض بعض المتأخرين ما وقع في الرواية في هذه المسألة: من أخذ
стр. 2457
غصنًا ملْخًا من شجرة على جهة الإدلال بغير (١) قيمته مملوخًا، وإن كان أهونَ (٢) قلعُه الشجرةَ كان عليه غرامة ما نقص من قوة الشجرة. ورأى أن المطالبة بالنقص تغني عن قيمة العود. وهذا لأن كلَّ أمرين متباينين لا يتضمن أحدهما الآخر لا تكون (٣) غرامة أحدهما وتقويمُه عن تقويم الآخر وغرامته.
فإذا كانا متلازمين، لا ينفك أحدهما عنْ الآخر، فكان تقويم نقص الشجرة بالرهن (٤) الذي حدث فيها يدخل فيه تقويم الملخ الذي أخذ منها.
وقد اضطرب المتأخرون فيمن اكترى دابة إلى مسافة معلومة فتعدى المسافة بأميال يسيرة لا يجب عليه لتعديه قيمة الدابة، فإنه إنما يغرم كراء الأميال التي تعدى. ولو أحدث في الأميال، التي تعدى فيها، بالدابة عيبًا تلزمه غرامة ما نقص، فإن بعض الأشياخ رأى أن هذا العيب إن كان بسبب التسيير لم يطلب بغرامتين: غرامة الكراء وغرامة النقص؛ لأن أحدهما قد تضمن الآخرَ.
فإن كان العيب من غير جهة التيسير (٥) طلب بالأمرين: الكراء وقيمة العيب الذي حدث. وهذا نحو ما نبهناك عليه من مراعاة تضمن شيء لشيء. وإن كان بعض الأشياخ رأى أن المطلوب كراء التعدي، ولكن إذا استقر وعلم مبلغه قُوّم العيب الحادث، وحُطَّ من الكراء بمقدار ما حَطّ العيب من قيمة الدابة كلها. فإن كان قُوِّم الكراء بخمسة دنانير، وحَطّ العيبُ الخمسَ من قيمة جميع الداب، (٦) من الكراء خمسُهُ، لأن الدابة لا يضمن مَن سيَّرها متعديًا عليها جميعَ قيمتها (٧) ثمَّ التعدي عليها لم يلزمه الكراء. فكذلك إذا ضمن قيمة جزء منها لم يلزمه ما
стр. 2458
ينوب ذلك من الكراء قياسًا للجزء على الكل.
وفي الموازية فيمن غصب دجاجة فحضن تحتها بيض غيرها، فإنه يطالبه صاحب الدجاجة بأجرة الحضانة. وربما نقصت الحضانة من قيمتها.
وعارض هذا بعض المتأخرين، وأشار إلى أن الطلب بقيمة النقص الذي حدث لأجل الحضانة يعني (١) عن الطلب بأجرة الحضانة، لأن الأجرة داخلة في قيمة عين النقص الذي حدث لأجل الحضانة.
وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا أيضًا إشارة إلى (٢) الغاصب لا يضمن جميع القيمة بالعيب اليسير إذا حدث في الشيء المغصوب. وقد قدمنا الكلام على هذا.
والجواب عن السؤال الثاني عشر (٣) أن يقال:
أما خلط الغاصب ما غصب بشيء من مال نفسه، فإنه لا يخلو من أن يكون خلط بنوع آخر، أو خلط نوعًا بمثله.
ولا يخلو أيضًا هذان القسمان من أن يكون المختلط من مال الغاصب بالشيء الذي غصبه مما يمكن تمييز بعضها من بعض، أو لا يمكن.
ثم أيضًا يقسم ذلك كله على قسمين من جهة أخرى، وهو أن يكون المختلطان لا تفسد أحدُهما الآخرَ، أو يكون يفسد كل واحد منهما صاحبه، أو يختص الإفساد بأحدهما.
فإن خلط الشيء بخلافه، وهو مما يتميز، ولا يُفسد أحدهما الآخر، فإن الغاصب يكلّف تمييزَ بعضها من بعض، ليُمكنه ردّ ما غصبه بعينه على حاله.
стр. 2459
وذلك كخلط جوز بقمح، أو رمان يجوز، أو تفاح بالترنج، فإن الغاصب يكلف تمييز ما غصبه مما خلطه به، ليتمكن من رده إلى صاحبه. وإن لم يمكن التمييز إلا بخسارة إجارة، أو غير ذلك، فغرامة ذلك على الغاصِب، لأنه ظالم، وفعل في مال غيره، تعديًا منه، ما أحوجه إلى إجارة يغرمها في تمييزه. ولكن يجب أن تُعتبر هذه المشقة في التمييز. فظاهر مذهبنا أن المشقة إذا عظمت، والخسارة إذا كثرت، حتى كاد ذلك بري (١) على قيمة المخلوط، فإن ذلك يصيِّر المخلوط في معنى الهالك التالف، ولهذا قال أصحابنا: إذا خلط الغاصب قمحًا بشعير ضمن لصاحب القمح مثل قمحه، ولصاحب الشعير مثل شعيره. ولم يقولوا: يُكلَّف الغاصب التمييزَ.
وبعض أصحاب الشافعي ذكر هذه المسألة، ومثل بالقمح والشعير، وجعل الحكم فيه التمييز.
وهذا عندي قد لا يختلف فيه، إذا عظمت المشقة حتى كاد التمييز يستحيل، أن ذلك في معنى الهالك.
وإن قلا (٢) الطعام حتى يمكن تمييزه، ولكن بعد مشقة، فإن ذلك مما لا يمتنع أن يكون الواجب تمييزَه.
وأما إذا كان أحدهما يفسد الآخر، فوقع الإفساد فلا شك في التضمين، ووجوب الغرامة على الغاصب.
وإن لم يقع الإفساد، ولكنه تعدى في غلط (٣) ما يسري إلى الإفساد، فضاع قبل أن يفسد، وليس بغاصب، فيضمن بمجرد الغصب. فإن أشهب ذهب إلى تضمين هذا المتعدي في الخلط بمجرد الضياع وإن لم ينته الأمر إلى الفساد.
стр. 2460
وأنكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد هذا وقال: كيف يضمن، ومجرد الخلط لا يوجب ضمانًا والفساد لم يقع؟
وهذا الذي استبعده الشيخ أبو محمَّد من قول أشهب ربما ظهر له وجه يليق بالمذهب.
وقد ذكر في المدونة، فيمن اكترى على حمل دُهن، فشده الحمّال بحبال ضعيفة، فهلك وقد خرج به، ووصل العريش فهلك حينئذٍ، أنه يضمن قيمة (١) يومَ شدَّه لا يوم هلكَ. وقدر أنه لما فعل ما تعرض به إلى هلاك الشيء صار ضامنًا له بتعريضه للهلاك وإن لم يهلك. وقد يُقوَّى هذا القول بالمترقَّبات إذا وقعت كأنها واقهعة من يوم السبب الذي أوقعها، وحصلت عنده.
على أن مسألة العريش قد وقع فيها ما نتخوفه من الضياع بسبب قد تقدم. والذي ذكره أشهب لم يقع بالتخوف منه من الإفساد بالخلط، لكنه إذا أضيف إليه التعدي لحصول السبب، صار ضامنًا وإن لم يحصل السبب. على أن الذي قاله الشيخ أبو محمَّد أظهر.
وأما إن خلط الشيء بمثله، مثل أن يخلط زيتًا بمثله، فإن في هذا اختلافًا: هل من حق المغصوب منه الزيت أن يأخذ الزيت الذي غُصب له من عين هذا المخلوط، أو ليس له ذلك وإنما له مثل ما غصب؟ فمذهب أشهب أن له الأخذ من عين الزيت المخلوط و (٢) يترك ذلك ويقبل ما يعطَى من غيره مما هو مثل ما غصب له. وذلك أنه قال، في رجل خلط زيتين لرجلين غصبهما منهما جميعًا، فضاع بعض الزيت، قال أشهب:
стр. 2461
هو ضامن لما ضاع ولما بقي، وصاحب الزيت إن شاء أخذ ما يقي من الزيت الذي لم يضع أو تركاه.
فجعل أشهب لهما الاختيارَ في أخذ حقهما من غير هذا المخلوط. وبهذا قال بعض أصحاب الشافعي.
وذهب الشافعي إلى أن الغاصب مخيَّر أن يعطي الزيت، إذا خلطه الغاصب بزيت نفسه، مكيلةَ ما غصب له من غير هذا المخلوط، أو يعطيَه مثله ..
وسبب هذا الاختلاف أنه قد تقرر أن من غصب مكيلا فعليه مثله، وإن غصب عينًا وجب عليه ردَّها بعينها على الجملة. فهل خلط هذا الزيت بغيره يصيّره كأنه ليس بعين الزيت المغصوب، لأنه إذا أعطى صاحبَ الزيت المغصوب من الزيت المخلوط فإنه لم يعط عين زيته صار كمن غصب زيتًا مكيلًا فأكله، فإنه مثله (١).
وقدر أشهب وبعض أصحاب الشافعي أنه معلوم قطعًا أن عين الزيت المغصوب لم تذهب عينه، وإنما اختلط بعين أخرى على وجه لا يتميز بعضها عن بعض، فإذا امتنع المغصوب زيته أن يأخذه من عين هذا الزيت المختلط، مع العلم بأن الذي يعطاه فيه آخرًا هو عين زيته، كان تمكينه من هذا أوْلى من صرفه عن عين زيته إلى مثله، هذا إذا تساوى الزيتان في الطيب.
وأما إن كان أحدهما أجود من الآخر مثل أن يغصب الغاصب زيتًا جيدًا فيخلطه بزيت دنيء أو يغصب زيتًا دنيئًا فيخلطه بزيت جيد، من زيت هو له، فإن الحكم، على أصل مذهبنا، أن يغرم مثل الذي غصب كان أدنى من زيته أو أجود. وقال ابن القاسم من غصب قمحأ فخلطه بشعير له، إنه يضمن مثل
стр. 2462
المغصوب. وقدر أن خلط الجيد (١) والدَّني بالجيد كفوت العين، والعين إذا فاتت غرم مثلها. وقال بعض أصحاب الشافعي: أما إن غصب زيتًا دنيئًا فخلطه بزيت جيد من زيت له، فإن له أن يعطي المكيلة المغصوبة من غير هذا الزيت المخلوط. ويجبر صاحب الزيت المغصوب على ذلك منه لأنه أُعطي أفضل مما أُخذ له. ولم يراع من ذهب إلى هذا المذهب أنه صار كالواهب لغيره، فلا يجبر الموهوب له على قبول الهبة، لأجل أن الجودة الحادثة في الزيت الدّنِيّ المغصوب لسبب (٢) بعين متميزة فيقدر أن من حق الموهوب ألاّ يقبلها، وإنما هي كصفة حدثت في المغصوب زادته جودةً، فإذا سلمها الغاصب فلا يُمكّن المغصوب له من الامتناع من القبول. وإن امتنع الغاصب من أن يعطي المغصوب له من عين هذا الزيت لم يجيز (٣) على أن يغرم للمغصوب له من هذا الزيت. ولم يلتفت أيضًا صاحب هذا المذهب إلى الغاصب كمحدث صفة في الشيء المغصوب ليست بتميزه (٤)، ولا عين (٤) قائمة، فيكون له أخذ المكيلة التي غصبها من عين هذا الزيت، وإن امتنع الغاصب من ذلك، كما نقول نحن فيمن غصب دارًا فزوّقها: إن صاحب الدار يأخذها بتزويقها، وليس للغاصب أن يمنعه من ذلك. وكما نقول، في أحد القولين، فيمن غصب ثوبًا فصبغه: إن لصاحب الثوب أن يأخذه، من غير أن يغرم عوض الصباغ.
وعندي أن أصحاب هذا المذهب مذهبهم أن تزويق الغاصب لا يُؤخذ منه بغير عوض. ولو كان الغاصب غصب زيتًا جيدًا فخلطه بزيت دنيء لكان الخيار ها هنا للمغصوب منه الزيت، عند هؤلاء، إن شاء (٥) عن جود زيته، وأخذ من غير (٦)
стр. 2463
هذا المخلوط، وإن شاء لم يعف وغرم للغاصب مكيلة زيته في جودته.
ومن أصحاب الشافعي من يرى في المسألتين جميعًا أن الزيت المختلط يباع ويقسم ثمنه على نسبة القِيَم الجيّد والدّنيء من الزيتين.
وهذا قول ابن القاسم في غاصب غصب قمحًا من رجل وشعيرًا من آخر فخلطهما جميعًا، ورفع الضمان عن الغاصب، فإنه يباع الطعامان، ويقسم ثمنهما على قيمة القمح، فإن كان قيمة القمح دينارين، والشعير دينارًا، بيع المختلط وقُسم على الثلث والثلثين.
وهذه المسألة مشهورة (١) عندنا الاختلاف في حكمها، ووقعت فيها من الروايات ألفاظ قد يشكل بعضها، ويوهم أن يكون خلافًا. وتلخيصها أنّ (٢) صاحب القمح والشعير إذا أَراد أن يستبدّ بالمخلوط ولا يُغرم كلُّ واحد منهما الغاصبَ بمثل ما غصب له، فإن هذا لا يمكَّنان منه عند سحنون ويمكنان منه عند ابن القاسم وأشهب وقد تأول سحنون على أشهب أنهما (٣) يمنعهما من رفع التعدي، من مسألة سنذكرها. ووقع لأشهب أنهما إذا رفعا التعدي، وتضمين الغاصب، اقتسما المخلوط على مقدار كل واحد منهما، إذا رفعا العداء تراضيًا بذلك؛ لأنهما إن اقتسماه على التفاضل ووقعا (٤) في الربا وبيع الشعير بالقمح والقمح بالشعير متفاضلًا، وذلك لا يجوز. فإن رفعا العداء على أن يكونا شريكين بقيمة مالك ل واحد منهما لم يجز ذلك عند أشهب، وأجازه ابن القاسم قولًا مطلقًا. لكن تأوله الأشياخ على أن المراد بإجازة ذلك حصول الشركة في المختلط لا أكثر، ولكن المفاضلة فيه بالتقويم على أنه لا يباع يوقع في الربا، كما قدمناه، والشركة فيه على أنهما يقتسمان ثمنه بعد عينه (٥) على حسب القيم
стр. 2464
لا ربا فيه. ويؤكد ما تأولُوهُ أن ابن القاسم على ما رواه أبو زيد عنه، أن هذا المختلط يباع ويقتسمان الثمن على القيم. وروى عيسى عنه في العتبية، فيمن خلط قمحًا بشعير تعديًا، وذهب فلم يُعرَف، قال: يباع ويقسم الثمن على القيمة. واستحب أن لا يقسماه على الكيل. فأما سحنون فإنه لما منعهما من رفع التضمين للغاصب إلى أن الخلط كالإِفات للعين، فإنما يجب لهما على الغاصب مثل ما تلف على كل واحد منهما، ولا يلزم تسليم المختلط لأنه صار بالخلط كالفائت العين، ولهذا قال سحنون، فيما ذهب إليه: والتمثيل لهذه المسألة في رجل غصبه خشبة، وغصب نجارًا عملها: أن النجار وصاحب الخشبة لا يكونان شريكين فيهما، وإنما الواجب فيها القيمة على الغاصب. فهذا قد يشير إلى منعهما من رفع العداء لحق الغاصب ألاّ يُؤخذ منه غير ما وجب عليه. وعند ابن القاسم وأشهب أن التضمين للغاصب حق لهما، ومن له حق فله إسقاطه. وان تصوِّر في هذه المسألة، مع كون الحق لهما في التضمين، حقُّ الله سبحانه، فإنما يُتصوَّر ذلك في أنهما إذا ملك كل واحد منهما أن يأخذ مثل ما أُتلِف عليه، فعدل عن ذلك إلى القناعة بأن يباع المختلط ويأخذ من ثمنه بمقدار قيمة ما أُتلف عليه، صار ينتقل عن معلوم يأخذه إلى مجهول، وهو الذي ينوبه في التقويم، ومن ملك معلومًا فليس له أن يعدل عنه إلى مجهول، لأن ذلك غرر، والغرر ممنوع.
على أن هذا الأصل فيه اضطراب في المذهب، فمن ذلك ما ذكروه في الاستحقاق لأكثر الثياب المبيعة: أنّ المشتري له رد بقية الصفقة، ويأخذ ثمنه الذي هو معلوم، وليس له التمسك ببقية الصفقة لقيمة (١) ما تمسك به، لأنه انتقل من أخذه الثمن المعلوم إلى تمكينه بقيمة مجهولة .. هذا هو المشهور.
وإن كان عندنا فيه خلاف.
стр. 2465
ولو ضمن الغاصب أحد هذين الرجلين مثل ما خلط له، وقال الآخر: أَبْقَى معك شريكًا، ولا أُزَال عن عين مالي، فقد وقع لأشهب أن هذا لا يمكن من الشركة. وظاهر قوله أن ذلك لأجل حق الغاصب ألا يشاركه في المختلط وإنما له بعضه. ووقع في غير هذا الموضع ما يشير إلى أن ذلك ممنوع لحق الله تعالى.
ولو قال أحدهما لصاحبه: أنا أغرم لك مثل ما خلطه الغاصب، وآخذ المختلطَ كلَّه، فإن أشهب قال: لا يجب ذلك في القضاء ولكن بالتراخي (١) يباح لهما. قال يحيى بن عمر: على أنهما لا يفترقان قبل التقابض. ووقع لأشهب في موضع آخر أن ذلك لا يُعلم ولا يَجوز لأن هذا إنما رفع الضمان عن الغاصب أن يأخذ بدل قمحه قمحًا وشعيرًا، ويغرم عن الغاصب لصاحب الشعير الذي أُتلف عليه. فأشار إلى أن للبارى سبحانه في ذلك حقًا. ولا يتصور للبارى سبحانه في ذلك حق عندي، إلا من ناحية الانتقال عن معلوم إلى مجهول، أو من ناحية الوقوع في التفاضل الذي هو ربا محسوس، أو الربا المقدّر في منع نوع بنوع آخر، على ما بسطناه في كتاب السلم، ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا في كتاب الوديعة إن شاء الله تعالى.
ومما يلحق بما نحن فيه، وإن كنا قد تكلمنا عليه في جملة أجملناها: من غصب ثوبًا فصبغه، فإنه إن كان الصباغ إذا غُسل خرج منه ما يَنتفِع به الغاصب، وطلب الغاصب استخراجه، فإنه يمكّن من ذلك، ولكن لرب الثوب أن يدفع إليه قيمة ما يستخرج من الصباغ، ويبقى ذلك في ثوبه، وإذا كان لا منفعة له في ذلك (٢). وهكذا قال ابن مسلمة، من أصحابنا، وهو قياس المذهب، ألا ترى قولهم في غاصب غصب أرضًا وبنى فيها بناء: إن لرب الأرض أن يأمره بقلعه، وإن شاء أعطاه قيمة البناء مقلوعًا، بعد أن يحطّ أجر القلع، لئلا يكون الغاصب
стр. 2466
(قد أبطل تلفيقًا له قيمة ولا منفعة له في إبطاله) (١) ولصاحب الأرض به انتفاع إن بقي، وهذا إضرار لا يمكّن منه، ولصاحب الأرض أن يقبل هذا الإضرار ويأمره بإزالة ما بني في أرضه.
وإن كان الصبغ لا يُنتَقَص منه شيء إن غُسل ففي ذلك اختلاف في المذهب: المشهور عن ابن القاسم أن ذلك ليس بفوت للثوب المغصوب، ولصاحب الثوب أن يأخذه.
وروي عن ابن القاسم أن ذلك كالفوت، وللغاصب أن يعطي لرب الثوب قيمته غير مصبوغ، على حسب ما أخذه وكأنه قدر أن ذلك كالفوت لعين الثوب.
واعلم أنه لا بد ها هنا من بيع ملك أحدهما على صاحبه مراعاة لملك الآخر، فأيّ الملكين أو لا (٢) أن يباع على صاحبه؟:
المشهور من المذهب أن مالك (٣) الغاصب هو الذي يباع عليه، ويؤخذ منه باطلًا (٤) بغير عوض، لأجل أنه عِرق طالق (٥) والغاصب الذي غصب ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه، ولقوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٦) وكأن من ذهب إلى أن ذلك فوت في الثوب غلّب ها هنا حق الغاصب في أنْ لا يباع عليه، أوْ يُفْعل به ما هو أشد ضررًا، وهو أن يُؤخذ منه الصباغ باطلًا بغير عوض، لأجل أن الثوب قد تغير بفعل الغاصب أخيرًا أنال (٧) المنفعة
стр. 2467
المقصودة منه وهو اللبس، والجمهور لا يلبسون الثياب المصبوغة إلا بعض الأقطار.
لما رأى الشافعي التفاوت بين هذين الحقين لم يبع على صاحب الثوب ثوبه بغير اختياره، ولا على الغاصب صبغه بغير اختياره، فقال: إنهما شريكان في الثوب المصبوغ: صاحب الثوب بقيمته أبيضَ، وصاحب الصبغ بقيمة صبغه.
وإذا قلنا بالمشهور من مذهبنا، وهو أن حق صاحب الثوب مقدم في أن لا يزال ملكه من يده بغير اختياره فإذا مكناه من أخذه فهل عليه أن يبذل عوضًا بدل الصبغ؟ اختلف المذهب فيه:
فقال ابن القاسم: عليه أن يبذل عوضًا عن ذلك. وعلى ما كنا حكيناه عن المبسوط من أنه إذا كانت المنفعة كثيرة لم يأخذه حتى (١) عوض الصنعة، أو يكونا شريكين. وكأنه ها هنا (٢) بين اليسير والكثير تغليبًا لأحد الضررين ففي الإنفاق الكثير يشتد الضرر بالغاصب إن أُخذت صبغته بغير عوض، وفي اليسير يخف ذلك. وكأن من قال لا يأخذ الثوب حتى يأخذ قيمة الصبغ قدّر ذلك كعيْن قائمة، ولكنها، مع كونها عينًا قائمة، لا تتميز عن الثوب المغصوب، فهل يجب على آخذ الثوب عوض هذه العين بأن كانت لا تتميز، كما يجب عليه إذا أبقى بناءَ الغاصب في أرضه أن يعطيه لكونه عينًا قائمة؟ ولكنه يمكن ها هنا تميزه عن الأرض. أو يقال: إن الصبغ، وإن كان عينًا قائمة لا تتميز، فأشبه ما فعله الغاصب من الآثار التي ليست يأعيان كتلفيق (٣) البناء والتزويق والتجصيص وشبه ذلك، فإنه لا يُعطى الغاصب عوضه. ولو غصب الغاصب ثوبًا من رجل وغصب منه نيلًا فصبغ به الثوب لكان
стр. 2468
من حق صاحب الثوب والنيل أن يطلبه بعوض كل واحد، ويأخذهما بأعيانهما، ولا يدفع إليه الصبغ لأنها كأخذه التلفيق في الحجر إذا بناه.
وإن طلب أخذ العين، وقيمتها ناقصة عن قيمة كل واحد من الصباغ والثوب إذا جمعا، فهل له طلب النقص في أخذ العين؟ يجري على الخلاف، الذي قدمناه، في غاصب غصب عبْدًا، أو (١) طرأ عليه نقص يسير، فطلب أخذ عينه فهل له مطالبة النقص أم لا؟ فيه القولان المتقدمان.
ومما يلحق أيضًا، لو غصب أرضًا فبنى فيها، أو غرسها، فمذهبنا أن لصاحب الأرض أن يأمر الغاصب بالقلع، أو يعطيه قيمة النقوضر بعد أن يحط أجر القلع.
وعند أبي حنيفة أن الغاصب يملك الأرض بغراستها وبنائها، وتلزم قيمتها، بناءً على أصله أن الأرض قد فاتت، فعليه عوضها لتغيّر الاسم، كانت تسمّى براحًا أو أرضًا، فصارت تسمى دارًا أو بستانًا. والمنفعة المقصودة أيضًا قد تغيّرت.
وقد مضى الكلام على هذا وضبط مذهب الشافعي فيه.
ولو أن الغاصب لما غصب الأرض حفر فيها بئرًا، أو مطمورًا، فإن لرب الأرض، إذا استحقها منه، أن يأمره بردم ما حفر ليزيل ضرر الحفر عنه، وله أن يُبقي الحفر ولا يطالبه بردْمه. (ولو قال له الغاصب: لا بد أن تردمه وإن لم تختر صاحب الأرض) (٢) فإن ظاهر مذهبنا، ومذهب بعض أصحاب الشافعي، أنه لا يمكن من ذلك، إذ فيه زيادة إضرار به من غير غرض له في ذلك، وربما مُنِعَ صاحب الأرض من غرضه ومنفعته ببقائه محفورًا.
ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى أن من حق الغاصب ذلك، وصور له
стр. 2469
في ذلك غرضًا بأن قال: قد يسقط إنسان أو بهيمة فيُطلب الغاصب بضمانه .. ونوقضوا هؤلاء في هذا بان قالوا: لو غصب نُقْرة فضة، فصنعها دراهم فأراد رب الدراهم أخذها، فمنعه الغاصب من ذلك، وقال: لا تأخذها حتى أسيّلها، وأردّها نقرة كما كانت. فإنه لا يمكّن من ذلك لأنه إضرار بمالك الشيء من غير عوض الغاصب (١) في ذلك.
وأجابوهم عن ذلك بأن حفر البئر قد بينا أنه قد يتصور للغاصب غرض ومنفعة في ردمه، ورد الدراهم نقرة لا يُتصور فيها غرض أصلًا.
على أنه قد يجابوا عن غرض الغاصب بأن يقال: إذا رضي صاحب الأرض ببقائها محفورة، والتزم ضمانَ ما سقط فيها، فقد يرتفع ما صورتموه من غرض الغاصب في ردمها.
وهذا أيضًا فيه اضطراب من أصحاب هذه الطريقة في رفْع عوض (٢) الغاصب بانتقال الضمان عنه إلى صاحب الأرض.
والكلام فيه يتسع في اشتراك رجلين في فعل أتلف حيوانًا، أحد الفعلين مباشر للتلف، والآخر سبب في التلف. (وقد يقال الغاصب قد نطلب ولا ينفعني ضمانك لقيتك أو يقرك) (٢).
ولو كان الذي حفر البئر والمطمر حفر ذلك بوجه شبهة في أرض اشتراها، فإنه إذا استحقت من يديه طلب المستحقّ بقيمة ما أحدث فيها. ولكن الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، ﵀، حمل هذه الرواية على أن المشتري طَوَى التي حفر بحجارة فهي التي تقوَّم. وخالفه بعض المتأخرين، ورأى أن المشتري له المطالبة بقيمة ما فعل في ذلك من منفعة وعمارة بخلاف الغاصب.
стр. 2470
وهذا الاختلاف عندي يرجع إلى اختلاف المتقدمين من أصحاب مالك في مشتر اشترى قمحًا فطحنه فأخذه المستحق من يده، فقيل: ليس على المستحق أجرة الطحن، لأنه ليس بعين. وقيل: بل عليه أجرة الطحن. وسنبسط هذا في كتاب الاستحقاق إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث عشر (١) أن يقال:
إذا غصب مسلم من مسلم خمرًا فأراقها، فلا ضمان عليه، لأنه فَعَل الواجب من الإراقة التي كان مخاطبًا بها مَن هي في يديه.
ولو أمسكها حتى تخللت لوجب عليه أن يردها لمن غصبها منه، لأنها، وإن كانت حين الغصب حرامًا، ليست بمال للمسلم الذي غصبت منه، فقد عادت خلاًّ إنما (٢) يتمولها المسلم الذي غصبت منه، فوجب أن يرد إليه.
ومن متأخري حذاق الأشياخ من خرج فيها خلافًا فقال: من أوجب من أصحابنا إراقتها وإخراجها من يد المسلم، ومنعه من إمساكها ليخللها، أشعر ذلك بأنه غير (جائزاها) (٣) ولا يد له عليها، فإذا غصبها منه مسلم عنده بقيت ملكًا للمسلم الغاصب الذي تخللت عنده، لأنها، وإن لم يصح وضع اليد عليها وإمساكها للتخليل لا للأول ولا للثاني، فإنّها، يوم صارت خلًا، يصح حوزها وبقاء اليد عليها، فصار الغاصب التي هي تحت يديه يوم تخلّلت كمن وضع يده على طائر لا يحوزه أحد.
فأما من لم يوجب إراقتها على من حبسها للتخليل فإنه يقدّر أن من هي في يديه حائز لها، فإذا تخللت في يد الغاصب رُدت إلى الحائز الأول.
وهذا الذي قاله هذا الشيخ أبو الطيب عبد المنعم ينظر إلى ما اعتل به
стр. 2471
ابن القاسم لما قال: إن مالكًا قال إن احتوى عليها فخللها فإنه يتملكها.
وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، ﵀،: إنما كانت، إذا تخللت، لمن غصبت منه، لأن الغاصب لم تكن له فيها صنعة توجب أن يملكها بها.
وهكذا يقول الشافعي إنها ترد إلى الأوّل. وقد ذكرنا نحن مذهبه في أن التغيير في يد الغاصب لا يرفع حق صاحب الشيء من أن يأخذ عين ملكه .. وذكرنا عن أبي حنيفة أنه متى تغير الشيء في يد الغاصب تغيّرا تغير به اسمه والمنفعة المقصودة منه، وضمنه بالقيمة، فإنه يتملك بذلك، ويسقط حق صاحبه في طلب عين هذا الذي غصب فتغيّر. لكنه ها هنا وافقنا في هذه المسألة، ووافق الشافعي فقال: إن الخمر تبقى للغاصب. بناء منه على ما أشرنا إليه من أنها لما كانت (١) تحل، ولا تتملك، ولا يجب على الغاصب لها من مسلم بذلها، بقيت (٢) إذا تخللت.
بخلاف لو غصب عصيرًا فخلّله، فإنه يكون النحل له، ويجب عليه بذلُ (٣) العصير؛ لأن العصير مما تجب غرامته على الغاصب، وقد تغير في يديه، فبقي المتغير له، ووجب عليه بذل (٣) الأصل، وهو العصير.
وعندنا نحن: أن صاحب العصير غير بين أن يعطي بدله (٤)، ويَبقى النحل للغاصب، ويأخذه (٥) من يد الغاصب، على إحدى الطرق التي قدمناها فيمن غصب قمحًا فطحنه، أو شيئًا يُقضَى فيه بالمثل، فخيرّه، أو ما يقتضى فيه بالقيمة فغيّره.
стр. 2472
ومما يلحق بما نحن فيه إتلاف الغاصب ما لا يحل بيعه. فقد بينا حكم غصب مسلم من مسلم خمرا.
ونتكلم الآن على غصب المسلم ذمّيا خمرًا فأتلفها عليه. فالمذهب عندنا على قولين عن مالك وغيره من أصحابه: أن المسلم يضمن للذمي ما تلف عليه. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال إن (١) الشافعي: لا يضمن له ما أتلف عليه مما لا يحل تموله في شرعنا. وبهذا أخذ عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك.
والذي يولغ (٢) به في المذاكرات في هذه المسألة: أن الاختلاف مبني على اختلاف الأصوليين في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أو غير مخاطبين، مع إجماعهم على أنهم مخاطبون بالإيمان بالله ورسوله؟
فمن يرى أنهم غير مخاطبين، والتحريم في فروع شريعتنا، اقتضى ذلك ما قاله مالك وأبو حنيفة من أن من أتلف من المسلمين على ذمي خمرًا أوخنزيرًا فإنه يغرم له قيمته، كما لو أتلف عليه ثوبًا من ثيابه، أو عبدًا من عبيده.
ومن يرى أنهم مخاطبون بفروع الشريعة اقتضى ذلك ما قاله الشافعي وعبد الملك من أن المسلم إذا أتلف على ذمّي خمرا أو خنزيرًا فإنه لا يضمن ذلك له، لأنه إنما أتلف عليهم محرمًا عليهم، فلا يضمنه، كما لو تلف (٣) على مسلم خمرا.
هذه طريقة أشياخنا. وأما البغداديون، من أصحابنا، فإنهم يحابون (٤)
стр. 2473
أصحاب الشافعي بظواهر، ويحاجهم أصحاب الشافعي بظواهر أيضًا، واستدلالات منا ومنهم. فيُخَصّ أصحاب الشافعي المسألة بعينها يكون الآية التي نزلت في تحريم الخمر إنما هي مقصورة على المسلمين لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (١) الآية وما بعدها. فعلّق التحريم بالمؤمنين، وأيضًا قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وإنما يُرجى الفلاح باجتنابه من المسلم لا من الكافر، لأنه ما دام باقيًا على كفره دهو غير مفلح، وإن لم يشرب الخمر.
وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٢) إنما يكره وقوعها بين المسلمين، وأما ما بين الكافرين فإنما يجب (٣) وقوعها بينهم ليشتغلوا بما بينهم من الفتن عن المسلمين، وقد قال تعالى في آية آخرى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) فجعل هذا أحد عقوباته. وأيضًا قال تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (٥) والكافر لا يصلي لأجل كفره، ان لم يشرب الخمر، والمسلم يصلي ولكن يصده السّكر عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
واحتج أصحابنا بأن عامل عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه: أن الذمي يمر بنا ومعه التجارات والخمر. فأجابه عمر ﵁: "ولُّوهم بيعها، وخذوا العُشُر من أثمانها" فسمى فعلهم بيعًا، فلولا أنهم يتملّكونها لم يوقِع عليها اسمَ البيع.
وأيضًا فإنه قال "ولّوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها" فسمى ذلك ثَمنًا، والثمن لا يكون إلا فيما يُتملك.
стр. 2474
وأيضًا فإنهم يتصرفون فيها بشربها وبيعها من بعضهم بعضًا، ولا ينكر ذلك عليهم أحد، فلولا أنها مما يتموّلونها ما أُقِرّوا على ذلك.
وأيضًا من جهة الاستدلال: إنه إنما يعتبر اعتقاد الإباحة، وجواز التملك، في حق المتلف عليه لا في حقال في أتلف، ألا ترى أن نَصْرانيًا لو أتلف على مسلم مصحفًا، لضمنه له، وإن كان الذمي لا يعتقد أن للمصحف قيمة. وإذا أتلف المسلم على ذمي خمرًا، فاعتقاد المسلم أن ذلك محرم ولا قيمة عليه لا يُعتبَر، وإنما يعتبر اعتقاد الذمى أن الذي أتلف عليه مما يُتملك وله قيمة.
فإن قيل: ينتقض هذا عليكم بعبد كافر في يد رجل كافر، فأسلم العبد فلم يبعه على الكافر حتى ارتد، فقتله مسلم بعد ارتداده ورجوعه إلى ملة سيده، فإنه لا يضمنه، ولم يُعتبر ها هنا اعتقاد المتلَف عليه؛ لأن سيده عنده أنه قد أصاب وأحسن في رجوعه إلى دينه.
وانفصل عن هذا بأن العبد لما ارتد هتك حرمة نفسه، وحرمة سيده، وأباح مهجة نفسه لأجل ما فعل، فلهذا لم يضمنه قاتله، والخمر إذا كانت في (١) نصراني فهي مما يتصور (أن تبيح نفسها ومالكها أيضًا لم يبحها) (٢)، فلهذا أوجب ضمانها، بخلاف العبد إذا أسلم ثم رجع إلى الكفر.
ويستدل الشافعي أيضًا بأن النبي ﵇: "إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه وحرم الخنزير والخمر" (٣) كما أن الثمن بدل منه.
وهذا يجاوب عنه بأن الثمن عبارة عما سلّمه مالكه طوعًا منه على أن يسلم إليه عوضًا منه، وأما الاستهلاك فهو بغير اختيار المالك، وإذا كان بغير
стр. 2475
اختياره لم يتعلق به تحريم، بخلاف الثمن الذي فعله باختياره وقد تعلق به التحريم. ألا ترى أن أم الولد لا يحل بيعها وأخذ ثمنها، ومن قتلها غرم قيمتها لسيدها فقد صار الثمن ها هنا محرمًا، والقيمة غيرَ محرمة. وكذلك لو أحرم رجل (١) في بيته صيدًا ما جاز له أن يبيعه ويأخذ ثمنه مِمّن يذبحه، أو (٢) ذبحه ذابح بغير اختياره لغرم له قيمته.
ومما يلحق بهذا أن من غصب حرًا فباعه فإنه إذا غاب به مشتريه، وطُلِب فاُيس من وجوده، فإنّ غاصبه يضمن ديته لأهله هكذا قال في كتاب ابن حبيب .. وقد تقدم ذكرنا الخلاف فيمن غصب أم الولد، وأن ابن القاسم يرى أنه يضمن قيمتها على أنها أمة إذا فاتت في يده. وسحنون لا يضمّنه قيمةً، قال: كالحرة إذا غصبت. ومراده أنه غصب منافعَها لا رقبتَها، وغصْب منافعها لا تُضمن به رقبتُها.
ومما يلحق بهذا غصب جلْد ميتة، فإن ابن القاسم يوجب على مستهلكه قيمته، دُبغ أو لم يدبغ. وحكىَ أبو الفرج عن مالك أنه إذا لم يدبغ فإنه لا يضمن مستهلكه فيه شيئًا، وهكذا في المبسوط. وأما إن دبغ فإنا إن قلنا بجواز بيعه، وأن الدباغ يطهره الطهارة الكاملة، فإنه يقوّم على أنه يجوز بيعه. وإن قلنا: بيعه لا يجوز، وإنما تفيد الطهارة جوَازَ الانتفاع به، فإنه يقوم على أنه لا يجوز بيعه.
وذكر في المبسوط أنه إذا دبغ فإن مستهلكه إنما يغرم قيمة ما فيه من الدباغ.
وكأنه رأى أن عيْن الجلد نجِسة، والنَجس لا يباع، والدباغ كالساتر لنجاسته، وهو حلال، فهو الذي يقوّم.
وهكذا الرَّجِيع، الذي تزول (٣) به الأرض، إذا أتلفه متلف، جرى على حكم جلد الميتة إذا لم يدبغ.
стр. 2476
وكذلك الكلب المباح اتخاذه إذا قُتِل ظلمًا فإن على قاتله قيمتَه مطلقًا، أو على أنّ بيعه لايحل.
وكذلك التمر والزرع، إذا لم يُزْهَ، وأتلفه متلف، فإنه يغرم قيمته، على الرَّجاء والخوف، رجاء أن يسلم من العطب إلى أن يصير تمرًا، أو الخوف أن يعطب قبل ذلك ..
وقال في ثمانية أبي زيد فيمن غصب جرة عصير، وقد صار فيها مبدأُ التخليل: يضمنها على رجاء أن تصير خلاّ، أو لمخافة أن تعطب قبل ذلك.
وجعلَها كالثمرة إذا أُتلفت قبل الزهوّ.
والجواب عن السؤال الرابع عشر (١) أن يقال:
كنا قدمنا الكلام على الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة وذكرنا نكتًا من حِجاج المختلفين في أصلها، وإن كان الترتيب يقتضي تقديم ما نقول ها هنا إلى ما أشرنا إليه أنه نسق، ونؤخر ذلك المتقدم إلى هذا الموضع ولكن قطع عن هذا الترتيب قاطع.
فاعلم أن من غصب عبدًا فأبق من يده، أو دابة فهربت له، أو سلعة خفي عنه مكانها لما طُلب بها، فتلزمه القيمة والضمان، لأجل تعدّيه فيما وضع يده عليه، فحكم عليه بغرامة القيمة. ثم تمكن بعد أدائها من العين المغصوبة، فإن مذهب مالك وأبي حنيفة أن غرامة القيمة، التي قضي عليه بها، تصيّره مالكًا للعين، حتى إذا غرم قيمتها، للعجز عن ردها إلى صاحبها إذا قدر على ردها، فإن ذلك لا يبطل الحكم بالقيمة، بل يمضي عليها، إلاّ أن يتراضيا جميعًا على نقض هذا الحكم، بأن يرد صاحب السلعة السلعة المغصوبة إلى ربها، ويُقضى لصاحب السلعة المغصوبة بردها عليه، ويقضي عليه برد القيمة الذي (٢) أخذ،
стр. 2477
إلا أن يستأنفا تراضيًا منهما على ما يجوز. وهذا إذا كان الغاصب لم يخف السلعة، وظهر أنه إنما امتنع من ردها على صاحبها عجزًا منه على ذلك، لا إخفى (١) للسلعة، ورغبة فيها، حتى يكون كالمكرِه لصاحبها على أخذ بدلها عوضًا عن عينها. وكان بعض أشياخي يرى أنه إذا لم يعلم كون الغاصب قد عجز عن ردها، ولم يكن أكثر من دعواه أن العبد أبق، أو السلعة خفيت عنه، ثم وجدت في يديه، فإنه لا يصدق في: إني قد كنت عجزت عن ردّها على صاحبها، وتعذر ذلك عليّ.
وهذا بناء منه على استصحاب الحالين، فحاله الأولى كونها في يديه، فصار مدعيًا لخروجها من يديه. والحالة الثانية كونها الآن بعد غرامته القيمةَ، ظهرت في يديه، فيُحمل على أنها كانت كذلك فيما سبق من الزمان. وهذا عندي مما ينتظر (٢) فيه. وظاهر كلام أشهب أنه إذا اتُّهم بالإخفاء حلَف أنه لم يخفها. وكأنه رأى هذا لأنّ القيمة إنما يقضى عليه بها بناءً على تصديقه فيما ادعاه من العجز عن ردها. فإذا بُنيَ الأمر على ذلك، فإن حَمَله على أنه أخفاه حلف حينئذٍ لمقتضى الحكم بالقيمة.
وإذا تحقق أن الغاصب أخفاها، وثبت ذلك، فإنه لم يختلف مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة في أن الحكم بالقيمة ينتقض إذا طلب صاحبُها نقضَه، وأخْذَ السلعة من يد الغاصب، لِمَا نبهنا عليه من كونه كالمكرَه على بيعها بالقيمة، والمكرَه بالبيع لا يلزمه البيعُ ..
ونحن، وإن كنا وافقنا أبا حنيفة، في أن الحكم لا ينتقض فإنا نخالفه في المشهور من مذهبنا في فصل آخر، وهو أن الغاصب إذا ادعى عجزَه عن ردها، وظهر صدقُه فغرم القيمة، على ما وَصف السلعةَ المغصوبة به، وحلَف على ذلك، وقد خالفه رئها على الصفة مثل أن يزعم الغاصب أنها على صفة تساوي
стр. 2478
عشرة دنانير، فيقول صاحبها: بل هي على صفة تساوي عشرين دينارًا، فإن الغاصب إذا غرم عشرة دنانير قيمتها، ثم ظهرت، فتبين كذبُه، فإن المشهور من مذهبنا أن الغاصب إنما يلزمه إكمال القيمة الحقيقية، وهي عشرة دنانير التي جحدها، ويصير كأنه لم يُخْفِ العين بنفسها، فيلزمه غرمها إذا ظهرت، وإنما أخفى بعضَ صفاتها، وجحد بعضَ ثمنها، ويكون ما سواه قد مضى الحكم فيه بالقيمة، وما كذب عليه فيه غرم قيمته. وهذا تغليب لما قابل القيمة الحقيقية فينفذّ فيه ملكا لغاصب. ويستحب (١) هذا الحكم والتمليك على الجزء الذي جحده الغاصب.
وعند أبي حنيفة أنه يُنقض الحكم بالقيمة، ويَرُد صاحبُ السلعة القيمةَ التي أخذ، ويأخذ عين سلعته. وأجرى جحود بعض صفاتها مجرى إخفائها بجملتها، حتى يصير مكرَها على بيع ما نجحده من صفاتها، كما يصير مكرَها على البيع إذا أخفاها بجملتها. وهذا كتغليب حكم الجزء المجحود منها على الجزء المبيع بالقيمة الحقيقية.
وقد وقع عندنا اضطراب في المذهب في تغيير (٢) الأثمان بالزيادة والنقصان، هل ذلك كتبدّل الأعيان أم لا؟ وقد نبهنا عليه في كتاب الوكالات.
وقد وقع عندنا في المبسوط في هذه المسألة مثلُ مذهب أبي حنيفة أن جحود بعض صفات السلعة المغصوبة كإخفائها بجملتها. بناء (٣) من قال هذا من أصحابنا على ما قدمناه في تعليل مذهب أبي حنيفة.
واعلم أن هذه المسألة مبدأ النظر فيها أن تَعلم أن كل عوض لا بدّ له من (معنا بل له) (٤) في المعاوضة حتى يكون أحدهما ثمنًا والآخر مثمونًا أو
стр. 2479
كالمثمون، ألا ترى أن من اشترى سلعة بثمن فإنه من ضرورة هذا العقد أن يكون لثمنه الذي يَدُل (١) عوض، وهو السلعة المبيعة، فكذلك إذا أخذ من الغاصب القيمة، فلا بد أن يجعل في مقابلتها عوضًا منها. فنحن وأبو حنيفة نرى أن عوض قيمة العين المغصوبة و (٢)، إذا ئذلت دنانير في مقابل سلعة صح أن باذل الدنانير قد ملك السلعة بما بذل، وإذا كان قد ملكها فلا ينتقض هذا التمليك بقدرته على ردّها على صاحبها بعد أن كان عاجزًا عن ذلك.
ويقول الشافعي: إنما هذه القيمة المأخوذة من الغاصب في مقابلة الحيلولة التي فعلها بمالك السلعة، وحال بينه وبينها، ومنعه من الانتفاع بها.
وهذه الحيلولة ليست بسلعة تُملك، فإذا ذهبت الحيلولة، وهي العلة في أخذ القيمة، لم يصح التمليك للسلعة ولا كانت السلعة ملكًا للغاصب حين غرم القيمة. وإذا لم يكن له ملك حين غرم القيمة، فإذا ظهرت بقيت على ملك ربها.
وترددت المسألة بين مسألتين أيضًا، وهي أن المتيمّم، لعجزه عن الماء، إذا تيمم ثم وجد الماء انتقل الحكم إلى حال القدرة على الماء، وبطل ما تقدم من التيمم للقدرة على الأصل الذي (٣) معجوزًا عنه. فكذلك الغاصب العاجز عن رد السلعة المغصوبة إذا أخذ منه القيمة لعجزه عن الردّ، فإذا قدر على الرد الذي هو الأصل انتقل الحكم إليه. في مقابلة هذا أن المُظاهِر إذا عجز عن عتق رقبة، وصام إن قدر، أو أطعم إن لم يقدر، ثم وجب (٤) رقبة، فإنه لا يجب الرجوع إلى الأصل الذي كان معجوزًا عنه.
ورد هذه المسألة إلى هاتين المسألتين ضعيف، لأنهما عبادتان، وحكم
стр. 2480
العبادات خلاف حكم المعاملات. وإذا رتب الله سبحانه في عبادة فرضًا بعد فرض، فقام المكلف بالفرض الثاني لعجزه عن الأول، فلا يلزمه أن يعود إلى الأول، فيصير كالمكلف فرضين، والله سبحانه لم يوجب عليه إلا أحدهما، والمتيمم تيممًا في (١) عبادة لم تفرض لنفسها، فإذا لم يفعل المقصود بفرضها، فكأنه لم يفعل ما هو تبَع لها ومراد من أجلها، فيصير كمن حضرت الصلاة ولم يتيمم، والماء موجود في أنه لا يختلف في أن التيمم لا يجوز له.
ومن أعظم ما عولت عليه الشافعية في مناقضة المالكية والحنفية أنهم يقولون: إن المدبّر، عندكم، لا يجوز بيعه، وإن كنا نحن نجيزه، ثم إذا غصب (٢) غاصب فأبق من يده، فإنكم تقضون بالقيمة عليه، والعين التي حرم الغاصب قيمتها مما لا يصح عندكم أن تباع ولا تملك، وهذا يشعر بأن القيمة في المغصوب عوض الحيلولة، لا عوضًا لِتمليك العين المغصوبة إذ المدبّر لا يباع، وكذلك أم الولد يضمنها الغاصب بقيمتها، وهي مما لا يباع عندنا وعندكم ولا يصح تملكها. ثم مع هذا تقضون بقيمتها على الغاصب. فدل هذا على أن القيمة ليست عوضًا عن تمليك الأعيان، بل لأجل الحيلولة.
وهذا من آكد ما يحتجون به.
ولكنا نجيب عنه بأن المدبر يُترَقب ملكه إذا مات سيده، وعليه دين يستغرقه، فلم يتحقق فيه انتفاء الملك.
وأما أم الولد فإن فيه عندنا قولين: ذهب سحنون إلى أنها لا يضمنها الغاصب، كما لا يضمن الحرة. فعلى هذا المذهب لا تصح مناقضتهم. وإن قلنا بمذهب ابن القاسم: إن غاصبها يضمنها، فإنها إذا قتلت لزم قاتلها قيمتُها على أنها رق، ويتملك السيد هذه القيمة عوض الرقبة، كما يتملك أولياء الحر ديته إذا قتل، وهو مما لا يحملك. فقد صار لسيدها حق في قيمتها إذا قتلت،
стр. 2481
وقيمتها إذا أخذت مما يصح تملكه بإجماع. فما انتفى الملك بالكلية. فيجعل القيمة التي يؤديها الغاصب كالعرض (١) عما هو عوض عنها، ويتملكه السيد إذا قتلت.
ويناقض أصحاب الشافعي بأن الملك لو لم ينتقل إلى الغاصب الذي غرم القيمة لصار صاحب السلعة المغصوبة قد ملك الثمن والمثمون جميعًا، وهذا لا يصح في أصول الشرع.
والجواب عن السؤال الخامس عشر (٢) أن يقال:
إذا غصب الغاصب شيئأ فحدث فيه زيادة عنده، فهل تكون مضمونة في يده كضمان العين المغصوبة، فإن تلفت في (٣) هذه الزيادة طولب بها، أو تكون في يديه كأنها أمانة فلا يطالب بها إذا ذهبت من يديه، كما لا يطالب بالوديعة إذا ضاعت؟ وكذلك (٤) مثل أن يغصب جارية فتسمن عنده، ثم يذهب الثمن (٥)، أو تتعلم القرآن عنده وتحفظه ثم تنساه، وتلد ولدًا، وهي في يد الغاصب.
فإذا أُحدِثتْ في يديه زيادة فلا يخلوْ أن تكون الزيادة في القيمة لارتفاع الأسواق، أو زيادة في العين، كالسمن في الجارية.
فإن كانت الزيادة الحادثة عند الغاصب ليست في العين المغصوبة، ولكن في سوقها، فإن المعروف من المذهب والمشهور أن الغاصب لا يضمن حَوالة السوق بنقص. وفي الزاهي لابن شعبان أنه يضمن ذلك، حكاه عن أشهب وابن وهب وعبد الملك. وهؤلاء إن ضمنوه هذه الزيادة مع هلاك العين
стр. 2482
المغصوبة فإن ذلك، بناء منهم، يعد كل يوم كمبتدئ غاصبًا (١) للسلعة.
وقد وقع الاتفاق على أن (٢) إذا هلكت في يد الغاصب فإن لربها أن يضمّنه قيمتَها يوم أخَذَها منه. وهذا هو الأصلَ، لأنه، يوم الأخذ لها، حال بينه وبين مِلكِهِ، فلزمه ردّ العين، أو عوضها إذا هلكت، وهو، كل يوم، مأمور بردها، إذا لم يفعل صار كمبتدئ غصبها ذلك اليوم. وإذا كان ذلك اليوم الذي زادت فيه قيمتها يقدَّر كأنهُ اليوم الذي (٣) فيه، اتضح ما قاله.
وقد علم اختلاف أهل المذهب في هذا الأصل، وهو التمادي على
الفعل، هل يعد كالتمادي عليه ابتداءً أَوْ لَا؟ ألا تراهم كيف اختلفوا فيمن حلف ألاّ يلبس ثوبًا، فتمادى على لبسه، فمن أصحابنا من يقول: يحنث بتماديه.
وقدر أن تماديه على اللباس كابتداء اللباس. ولو نزعه ثم لبسه لم يختلفوا في أنه حانث، ومن أصحابنا من قال: لا حنث عليه، لأن التمادي على الفعل ليس كابتدائه. فكذا يجري هذا الاختلاف في التمادي على الغصب: هل هو كابتدائه؟ والخلاف فيه منصوص كالخلاف فيمن حلف ألا يلبس ثوبًا أو يركب دابة، فتمادى على الركوب واللباس. وإن طُلب الغاصبُ بغرامة زيادة السوق في العين المغصوبة، إذا نَقَصَتْ تلك الزيادة، وعادت القيمة إلى ما كانت عليه يوم الغصب، فذلك مبني على الاختلاف في ضمان الغاصب ما مَنَع، لأنه قد منع صاحبَ السلعة المغصوبة من بيعها فتلك (٤) القيمة الزائدة، فيضمن ذلك للمغصوب منه. وإذا ضمناه ما نقص من سوقها، مع بقاء عينها، فإنا نضمّنه قيمتها كلّها. فإن قيل: فهلاّ يأخذ عين الجارية التي صارت قيمتها خمسين دينارًا، ويغرم له الغاصب الخمسين التي حرمه إياها؟ قيل: قد تقدم أن (٥) ملك
стр. 2483
أخذ العين، فلا يَطْلب مع أخذ عينها أخذ ما نقص إذا كان النقصان بأمر لا صنع للغاصب فيه، إلا ما خرجه الأشياخ من مذهب سحنون، فقد يحسن على مذهب سحنون إلى (١) أخذ العين وما منعه منما زيادة القيمة.
هذا تحقيق النظر عندي في المسألة، على ما ذكروه من الروايات. وقد كنا قدمنا الكلام على هذا، ولكن زدنا في بيانه ها هنا.
وأما إن كانت الزيادة الحادثة في عين الجارية المغصوبة متصلة بها لا يمكن انفصالها عنها، كجارية غصبت وهي هزيلة فصارت عند الغاصب سمينة، ثم ذهب سِمنها، فإن ذلك لا يضمنها (٢) الغاصب عندنا، وعند أبي حنيفة.
ويضمنها (٢) عند الشافعي.
والخلاف في هذا مبني على أن العين المغصوبة يؤمر الغاصب بردّها كل ساعة، وإن لم يطالبه المغصوب له بردّها، لأنه وضع يده عليها تعدّيًا، واليد المتعدية يأمر الشرع بإزالتها. وأما السمن فإنه لم يضع يده عليه تعديًا، وإنما حدث بغير صنعة، وصار في يده بغير اكتسابه، ثم ذهب بغير صنعة أيضًا، فتصير يده بوضعها عليه كالمؤتمَن على وديعة وجدها في تركة أبيه لما مات، فصارت تحت يده بغير اختياره ولا تعدّ منه، فإذا ضاعت، ولم يكن له في تضييعها سبب أو تفريط، لم يضمنها. وكذلك لو حملت الريح ثوبًا من دار رجل، فاوقعته في حَجْر رجل آخر، ووضع يده عليه، ثم ضاع من غير تعدّ منه، فإنه لا يضمنه. فمن أجراه مجرى الأمانة، وشبهه بهذين السؤالين، أسقط الضمان، وهو مالك وأبو حنيفة، ومن رآه مضمونًا على الغاصب، لأجل أنه مأمور برد العين المغصوبة على صاحبها، ووضْع يده عليها واستدامة إمساكه تعدّ منه، ويستحيل أن يردها، وهي سمينة وينزع سننه منها. وهذا يقتضي أن الشرع أوجب عليه ردّ السمن الحادث عنده كما أوجب عليه رد الثمن. فإذا اجتمع على
стр. 2484
وجوب ردّ العين وأنه مأمور بردها، وإن لم يطالبه المالك بذلك، وكان لا يتوصل إلى ردّها إلا بردّ ما حدث فيها من سمن وجب أن تكون أيضًا مضمونة على الغاصب كضمان العين المغصوبة، إذ ما لا يتوصل إلى فعلٍ من الواجبات إلا بفعلٍ آخر كان الفعل الآخر الموصّل إلى الواجب واجبًا أيضًا. هذا على حكم الزيادة الحادثة بين (١) الغاصب وهي ما لا ينفصل عن العين المغصوبة.
وأما إن كانت الزيادة مما ينفصل عن العين المغصوبة، كأمة غصبها رجل فولدت عنده، ثم مات الولد، فقد تقدم كلامنا على هذا، وذكرنا اختلاف ابن القاسم وأشهب في تضمين الغاصب هذا الولد الحادث عنده، إذا مات وهو في يديه.
والتعليل في هذا الخلاف مبني على ما ذكرناه في تعليل الزيادة الحادثة التي لا تنفصل.
وأما لو كان غصب هذه الأمة، وهي حامل، فإن ذلك أوضح في تعليق (٢) الغصب بالولد، لأنه كمن غصب وعاءَ، وهو حامل شيئًا مختزَنًا فيه، فإنه يضمنه، ويضمن الوعاء، فكذلك العمل.
لكن اختلف قول مالك في العمل هل له حكم، ويقدر كأنه كالمنفصل، أوْ لَا حكم له؟ وقد وقع عندنا اختلاف فيمن قال لأمته: ما في بطنكِ حرٌّ، ثم حدث عليه دين هل تباع في الدين الحادث بعد عتق الجنين، وهو لم ينفصل أم لا؟ فمن نقد (٣) البيع فيها فكأنه قدر أن الجنين لا حكم له، بخلاف انفصاله فإن وجوه (٤) متحقق متيقن ويصح وضع اليد عليه. فإذا كان حملًا لم يتحقق وجوده.
ولو حدثت الزيادة في البدن، ثم ذهبت، ثم عادت، ثم ذهبت، وهي من جنس واحد، كجارية غصبت هزيلة، ثم سمنت، ثم هزلت، فإن أصحاب الشافعي عندهم قولان في أن يَضْمن السمن الأول الذي ذهب والسمن الثاني يضمنه أيضًا، أَوْ
стр. 2485
لا يضمن الأول، ويقدّر ما حدث بعده من السمن عوضًا منه، فكأنْ السمن لم يذهب.
وعندي أنّا لو كنا نقول بما قاله: إن الزيادة الغير منفصلة مضمونة لكان أيضًا عندنا في هذا قولان مثل ما عندهم. وهي عندي مخرّجة من اختلاف أصحابنا في الجارية إذا اشتريت وولدت عند المشتري، ونقصتها الولادة، فهل يكون نقص الولادة يُجبر بقيمة الولد، لأن الولد كان عن ذلك النقص، أو لا يجبر لأن النقص في الذمة، ولا يُغرم عنه عوض آخر، فكذلك هذه المسألة.
والجواب عن السؤال السادس عشر (١) أن يقال:
أما الإتلاف بمباشرة الفاعل فإنه لا خفاء في تعلق الضمان به، كمن ذبح رجلًا أو بهيمة، أو طرحهما في مهواة يعلم أنهما يهلكان بطرحهما، أو أخذ ثوبًا فأحرقه، أو طعامًا فأكله.
وأما إن كان الإتلاف ليس عن مباشرة قدرة الفاعل له، لكن بواسطة (٢).
وسبب هذا الاختلاف، وهو الذي يذكره المتكلمون من أهل الأصول في كتبهم، أنه من المتولدات عن أسباب يفعلها الفاعل. ونختلف، نحن والمعتزلة، في كون المسبَّب مقدورًا لفاعل السبب، أوليس بمقدور له، وإنما يحدثه البارى سبحانه بعادة جارية، مثل أَلَمٍ يحدث عن الضرر وشبهه. وهذا مستقصى، في كتب علم الكلام.
فاعلم أن هذا السبب المؤدي للإتلاف لا يخلو إما أن يكون حدث التلف عن سبب هو فعل من الأفعال، أو عن سبب هو قول من الأقوال.
فإن حدث عن سبب هو قول من الأقوال فإن في ذلك اختلافًا في المذهب إذا كان السبب غير متضمن الإتلافَ فلا (٣) بد، مثل الغرور بالقول، فيقول
стр. 2486
الصيرفيّ لمن استرشده في دينار، هو زائف أو طيب، ليأخذه ممن هو له عليه، فيقول له: طيب. والصيرفي يعلم أنه زائف، وتعذر بذله (١)، فإن الصيرفي في غرامته، لمن استرشده فكذَبه، قولان. وكذلك لو غرّ رجل رجلًا في جرة أراد أن يصبَّ فيها، فقال له: هل (٢) صحيحة، وهو يعلم أنها مكسورة، فإن في ضمان الغارّ للزيت قولين.
ولو دل رجل رجلًا ظالمًا على مال أخفاه صاحبه، فأخذه الظالم لأجل دلالة هذا الدال عليه، لكان أيضًا في ضمان الدالّ قولان.
وذكر الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد أن المتأخرين من أهل المذهب اختلفوا في ذلك. واختلافهم في هذا يشير إلى اختلاف ابن القاسم وأشهب فيمن (دل محرم على صيد فقتله المحرم) (٣) فإن القاتل لم يلزمه جزاؤه من غير خلاف، والدالَّ له عليه حتى قتله فيه قولان:
ذهب ابن القاسم إلى أنه لا جزاء عليه فيه، وقدّر أن القول ليس بسبب ملجئ إلى تلف هذا الصيد.
وقال أشهب عليه الجزاء.
وهذا يشير أيضًا إلى الاختلاف الذي حكاه أبو محمَّد عن أصحابنا.
ويتعلق بهذا، الأمرُ لغيره بقتل إنسان، فإن المباشر يُقتل من غير خلاف، وفي الأمر الخلاف والتفصيل الذي نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وهكذا لو شكا رجل رجلًا إلى والٍ ظالم، يعلم أنه يتجاوز الحق في المشكوّ إليه، ويغرّمه ما لا يغرمه (٤)، والمظلوم لا تِباعة للشاكي عليه، فإنه فيه
стр. 2487
اختلاف أيضًا: هل يغرم الشاكي للوالي ما استُغرِم المشكوّ أم لا؟
ومن أصحابنا من أسقط الضمان والغرامة على الشاكي إذا كان المشكو قد ظلمه.
إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر تعدادها، وما ذكرناه هو الأصل في ويعتمد من رأى الغرور بالقول كالغرور بالفعل، وإليه كان يذهب شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد، على الاتفاق على أن الشاهدين إذا شهدا على رجل بمال، فقضى القاضي عليه به، فسلمه لطالبه، ثم اعترفا بعد الحكم أنهما تعمدا الكذب وشهادة الزور، فإنهما يضمنان.
وأهل المذهب الآخر يفرقون بين الشاهد إذا رجع وبين من غر بالقول، أن الغرور (١) بالقول قادر على ألا يقبل قولَ الغارّ، فصار قول الغارّ، وإن كان سببًا للتلف، فإنه غير ملجيء للتلف، وشهادة الشهود تُلجئ القاضي إلى الحكم، وشتان بين سبب ملجئ وسبب (٢) ملجئ ..
ويقول الآخرون هذا إنما يكون عذرًا في حق الحاكم لأنه في وسعه أيضًا ألاّ يقبل شهادة الشاهدين.
ويقول الآخرون إذا ترك القضاء بهما، وقد حرم الشرع ذلك عليه، فصار الشاهدان هم (٣) السبب الملجئ للسبب .. وقد استقصينا هذا في كتاب الرجوع عن الشهادات.
وأما إن كان السبب المتلف كواسطة بين المتلف والتلف، وكان ملجئًا للتلف، فإنه يحل محل المباشرة للتلف، كرجل طلب رجلًا ليقتله ففرّ، فامسكه
стр. 2488
آخر قاصدًا إمساكه ليقتله الآخر، فإنه مشارك في القتل، ويتعلق به الضمان أيضًا، والمطالبة بالدم. وألحق بهذا الفصل ما ذكره في المدونة فيمن حفر بئرًا ليسقط فيها من أتى ليسرق ماله، فسقط فيها السارق فمات، أو سقط فيها غيره ممن لم يأت للسرقة، فإن الحافر للبئر يضمن ما سقط فيها فهلك، من سارق أو غيره، وقُدِّر ذلك السببَ الملجئ للتلف، على أن الساقط (١) فيها مشاركة، لأنه لو اجتهد وتحفظ، حتى يرى ما بين يديه، لم يسقط فيها، ولكن روعي في ذلك قصد الحافر بها للإهلاك، مع كون العادة المعلومة ضرورةً ألاّ يقصد عاقل إهلاك نفسه، فصار الحافر قصَد أهلاكَه إذا غفل عن (٢) والغالب غفلته إذ لا يتهم أحد في إهلاك نفسه.
وكذلك ذكر أيضًا فيمن نصب شبكة (يحرس عتمد) (٣) فيها من ذئب أو غيره، فعثر إنسان عليها فمات، أنه يضمن ذلك.
وهذا عند (٤) إنما يلحق بالأسباب الملجئة إذا نصب ذلك لما يأتي، من سبع أو ذئب، وهو يعلم أنه لا يكاد يسلم من المرور عليه آدمي، أو ضربه على وجه لا يجوز له، أو في مكان لا يجوز له، قاصدًا إتلاف حيوان فتلف فيه غيره.
وهذا أيضًا في المدونة في إطلاق نار أحرقت (لم أر) (٥) الجارة، واعتبر فيها هل فعل من ذلك ما لا يجوز له، فيكون ضامنًا، أو يجوز له فلا يكون ضامنًا.
стр. 2489
وإن كان السبب غير ملجئ فهاهنا اضطراب في المذهب وبين فقهاء الأمصار، وذلك فيمن فتح قفصًا مغلوقًا على طائر، فطار الطائر لما فتح الغلق عنه، فإن مذهب مالك تضمين الفاتح، طار الطائر عند الفتح أو بعد تباطئ. ولم يختلف عن أبي حنيفة والشافعي في أنه إذا طار بعد تباطئ فإن الفاتح لا يضمنه.
وإنما اضطرب النقل عنهما في طيران هذا الطائر عقيب الفتح من غير مهلة.
فأصحاب الشافعي يقولون: إن قوله اختلف في هذا، وعولوا على قوله في بعض كتبه: إن من فتح قفصًا مغلقًا على طائر، فطار، فإنه لا يضمن. وقال في بعض كتبه: إذا وقف الطائر ثم طار، فإنه لا يضمن. فقيد نفي الضمان بتوقف الطائر عن الطيران، فدل هذا على أنه لو طار بالفور لضمن. وفي التعلق بهذا نظر عندي.
وأما أبو حنيفة فإن أصحابنا يحكون عنه: لا يضمن الفاتح على حال، وأنه لا يضمن التلف إلا إذا كان بفعل المتلف على جهة المباشرة.
وبعض أصحاب الشافعي يحكي عنه أنه إذا طار بالفور فإنه لا يضمن.
وهذا الاضطراب كله راجع إلى ما نبهنا عليه من التفرقة بين السبب الملجئ وغير الملجئ. ولهذا لو فتح هذا الفاتح القفص وحرّك الطيرَ بيده ليطير، فإنه يضمنه من غير خلاف، لأنه يصير قد باشر الإتلاف.
وإذا لم يكن منه أكثر من الفتح فهو سبب كان عنه فعل آخر، فهل يضاف ذلك إلى الفاعل للسبب أم لا؟ هذا موضع الاضطراب بين الأصوليين من أصحابنا والمعتزلة وبين الفقهاء.
ولو لم يكن منه سواء (١) فتح القفص، ولكن حاذى القفص رجل فطار الطائر، فإن ابن القصار، من أصحابنا، أفرد الفاتح بالضمان، ولم يلزم القيام (٢)
стр. 2490
على باب القفص غرامة. وفي كتاب الحج من المدونة في صيد رأى رجلًا فذُعر منه، فمات، فإنه عليه جزاؤه. فقد جعل ها هنا الذُّعر الحادث في نفس الصيد، الذي مات من أجله، يوجب ضمانه على الرجل المارّ، مع كون الرجل لم يحصل منه تعد، ولا سبب في الإهلاك، لكنه لما كانت حركتُه سببًا في الذّعر ضمنه.
وهكذا قيل في الدابة إذا رأت قائمًا على الطريق فذُعرت منه، فهلكت، فإنه يضمنها. ولو قام في غير الطريق لم يضمن إلا أن تكون منه حركة لأجلها، فافرت (١) الدابة. فاعتبر في هذه المسألة كون ما فعل تعدّيًا لا يجوز له، أو مباحًا يجوز له، وهل صدر منه فعل كان سببًا و (٢) لم يصدر منه؟ فضمّنه بصدور فعل منه، وإن لم يكن متعديًا، على ما أطلق به الجواب.
وقد ذكر في كتاب الحج، فيمن نصب فسطاطًا، فتعلق به طائر فهلك، أنه لا يضمنه. فاعتبر جواز الفعل، وكونه مباحًا، وكون الضارب للفسطاط لا مشاركة له فيما فعله الصيد بنفسه.
وقد ذكر في المدونة، فيمن فتح دارًا مغلقة على دواب، وليس بها أحد، فخرجت الدواب، فإنه يضمنها. وإن كان بها مكان (٣) فإنه لا يضمنها.
ورأى أشهب أنه إذا كان بها سكان، والدواب مسرحة غير معقولة، فإنه وإن (٤) كانت معقولة فإنه لا ضمان عليه.
وهكذا ذكر في المدونة في سارق فتح دارًا، فسرق منها وخرج، وترك الباب مفتوحًا، فإنه لا يضمن ما أُخِذ منها بعده إذا كانت مسكونة، كان أهلها نيامًا أو غير نيام.