للبائع قد فات فإنه يحاص بالثمن. وإن وجده باقيًا بعينه وهو عرض كان أحق بعينه وإن كان دنانير أو دراهم فعلى القولين اللذين قدمناهما.
وأما إذا لم ترد السلعة بالعيب وفلس البائع، فالمسألة على قولين هل يكون أحق بثمنها وتباع خاصة دون الغرماء على أحد الأصلين أن الرد بالعيب كابتداء بيع، فله أن يحبسها حتى يستوفي ثمنها، أو لا يكون أحق بها إذا اختار ردها، وتباع، ويكون أسوة الغرماء في ثمنها بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وكأنه لم يشترها، ولكنه له دين على صاحبها فإن وجده بعينه أخذه، وإن لم يجده بعينه حَاصَّ الغرماء بثمنها. وقد قيل: له إمساكها ومحاصة الغرماء بقيمة العيب، وكان هذا فداها به لما كان إذا ردّها لم يرجع إليه الثمن كله الذي دفع، وصار ذلك في حقه كحدوث عيب بها، فله
إمساكها وأخذ قيمة العيب.
وكذلك لو اشتراها شراء فاسدًا وقد دفع الثمن، ففيه أيضًا قولان: هل يكون أحق بإمساكها حتى يقبض ما دفع من الثمن، وتصير في يده كالمرتهنة بالثمن، أوْ لا يمكن من ذلك، لأن انتقاض البيع ها هنا مجبوران عليه البائع والمشتري، فكأنه لم يقع فيه عقد أصلًا لما كان الشرع ردّه، فلو فاتت في يد المشتري لوجبت عليه القيمة وبقيت السلعة في يده.
ومما يخرج على هذا الأصل أيضًا ما ذكره أشهب عن مالك فيمن باع رطبًا، ففلس المشتري بعد أن صار الرطب تمرًا، فقال مالك: لا يكون البائع أحق به في الفلس. قيل له: إن رطبه بعينه؟ فلم يجز ذلك، ورأى أنه كمن باع رطبًا بتمر، وهذا ربا لا يحل.
وقال أشهب بجوازه بناء على أن التفليس كنقض بيع من أصله، فكأن هذه الثمرة لم يقع فيها بيع فيكون بائعها أحق بها عند الفلس.
وكأن مالكًا رأى أن أخذ السلعة عند الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في
стр. 2662
ذمة المشتري، ولا يجوز أن يأخذ عن ثمن رطبٍ تمرًا، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب.
وكذلك لو فرضنا المسألة بأنه باع شاة حية فذبحها مشتريها أو قمحًا فطحنه، أو زبدًا فصيّره سمنا، فإن ذلك كله على الخلاف الذي قدمنا: إن قلنا: أخذ السلعة عند الفلس نقض للبيع من أصله أجزناه. وإن قلنا: إنه كابتداء بيع مضى هذا كله وقدرنا في الشاة الحية إذا ذبحت كأنه بيع اللحم بالحيوان.
فكذلك الزبدة مع السمن والقمح بالدقيق على مذهب من صار أنه لا يجوز المعاوضة في ذلك، على ما قدمناه وشرحناه في كتاب البيوع.
وعلى هذا الخلاف المذكور فيمن باع عبدًا فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أشهب إلى أن بائعه ليس له طلبه وترك المحاصة، بل يتعين حقه في المحاصة بثمنه، بناء على أن الأخذ (١) عند المفلس كابتداء بيع، فليس له أن يبتدىء شراء آبق بدين له في الذمة.
وذهب ابن القاسم وأشهب إلى أن طلب الآبق جائز. واختلفا إن لم يجده: فقال ابن القاسم ليس له الرجوع إلى المحاصة، وقدر أنه لما تركها بطلب الآبق كأنه أسقط حقه فيها. وهذ ابن اء على أن أخذ السلعة نقض للبيع من أصله، فكأن البيع لم ينعقد، فيكون لبائع العبد طلبه وان أبق. ومقتضى هذا البناء ألاّ يرجع إلى المحاصة لانتقاض الثمن بانتقاض البيع. وكأن أشهب استخف رجوعه إلى المحاصة وقدّر أنه ليس بتارك لحقه فيها لما (أخذ عين العبد) (٢) فلم يحصل له ما رجاه.
وقد عورض أصبغ في منعه اختيار طلب الآبق لأجل أنه كمشتري آبق بما نابه، إذا قدر ذلك فيه، ومنع منه لأجل الغرر في شراء الآبق، فإنه يقدر فيه أيضًا
стр. 2663
كأنّه كبيع آبق لما يصير له في المحاصة فلم ينفك الاختيار لأحد الأمرين من غرر فلا ينبغي أن يمنع أحدهما ويسوّغ للآخر.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
قد قدمنا أن الأحاديث الواردة في كون البائع أحق بسلعته في الفلس شُرِط فيها: إذا كانت السلعة قائمة بعينها. وقد علم أن السلعة قد توجد بعينها لم يتغير شيء من صفاتها، أو يوجد عينها وقد تغيرت صفاتها.
فأما القسم الأول وهو وجودها ولم تتغير، فلا إشكال فيه لأنه أمر محسوس.
وأما القسم الثاني، وهو تغيرها، فإن الضابط في هذا الوجه اعتبار التغير هل أفرط حتى صار الشيء كأنه جنس آخر ويراد لغرض آخر، فيكون كفوات العين، يجب للبائع المحاصة ولا يكون له حق في العين، أو يكون التغير يسيرًا فلا يبطل حقه في العين إذا شاء.
وقد نبه مالك على هذه المسائل عن من اشترى ثيابًا فقطعها، فقال: لا أدري، لكن لو كان اشترى جلودًا فقطعها نعالًا لكان ذلك فوتًا.
فأنت ترى كيف أسقط حق البائع في النعال لما كان الغرض في الجلد المبيع خلاف الغرض في النعال.
وقطع الجلد نعالًا تغيير شديد. وأشكل الأمر عنده في الثياب، فقال: لا
أدري. لكون السؤال فيه إجمال لاختلاف تفصيل الثياب.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحادث في المبيع قد يكون بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، أو يكون بجناية جان، أو يكون بفعل فعله المشتري.
فإن كان الحادث فيه عيبًا حدث من قبل الله، فإن المعروف من المذهب تخيير البائع بين أخذ سلعته على ما هي عليه من عيب، وبين تركها والرجوع إلى
стр. 2664
المحاصة مع الغرماء، قولًا مطلقًا من غير تفصيل لحكم العيب.
لكن بعض الأشياخ أشار إلى ما كنّا قدمناه في صدر هذه المسألة، فقال: لو اشترى عبدًا فهرم عنده ثم فلس، أو كان صغيرًا فكبر ثم فلس، لجرى ذلك على القولين في الكبر والهرم: هل هي فوت يمنعان الردّ بالعيب أم لا؟ وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك أنه قال: إذا اشترى جارية فحدث بها عيب، فالبائع بالخيار بين أن يأخذها بقيمتها أو يتركها ويحاص بالثمن.
وجعل بعض أشياخي هذه الرواية على أن المراد به يأخذها بقيمتها بأن ينسب ذلك من الثمن الذي وقع به البيع، فيحط عن البائع مقدار النقص الذاهب الذي عابها، ويكون له الخيار فيها سواه: هل يأخذه بما قابله من الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن، كمشتري سلعتين فاتت إحداهما في يديه ثم فلس.
ويحتمل عندي أن يكون المراد أخذها بقيمتها على ما هي عليه، ويحاسب بذلك من الثمن؛ لأن الغرماء لا حق لهم في عين سلع المفلس إذا لم يكونوا هم باعوها منه، وإنما حقهم في مقدارها فإذا دفع البائع لهم قيمتها على ما هو (١) عليه من عيب، كان أوْلى بها ويحاسب بذلك من الثمن، وتكون قيمتها بدل عينها فيكون ذلك بما قلنا: إن الغرماء إذا دفعوا إليه ثمن سلعته سقط حقه في عينها، فكذلك إذا دفع هو إليهم قيمة السلعة المعينة كان هو أحق منهم أيضًا، إذ لا فائدة لهم في عينها.
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون العيب الحادث كان عن جناية جان، فإن البائع أحق بعين سلعته بمقدار قيمة ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بجناية الجاني، بسبب (٢) ذلك من الثمن. فإن كانت الجناية برِئت على غير
стр. 2665
نقص ولا عيب في الأمة المجني عليها أو العبد المجني عليه، وقد أخذ المشتري بذلك أرشًا، فإن البائع إذا اختار أخذ الجارية لا يكون (١) حق في الأرش الذي أخذه المشتري بل يكون ذلك. كالغلة التي لا يردها.
وقد قال ابن المواز: لو أخذ المشتري أرش موضحة وبرئت على غير عيب، ثم اطلع على عيب فرده به فإنه لا يرد أرش الموضحة، وأجراه مجرى الغلات لما كان ذلك لا يورث (٢) في الذات.
وأما إن كانت بجناية المشتري بأن يكون لبس الثوب حتى خلق فإنه يكون الذاهب بلباسه كالذاهب بأمر من الله سبحانه لا يحط عن البائع لأجله شيء إذا اختار أخذ العين، فإما أن يأخذ الثوب الخلق بجميع الثمن أو يتركه ويحاص بثمنه.
قال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب قد بلي بلاءً فاحشًا فيكون ذلك فوتًا.
والأوْلى ها هنا أن يكون كما لو ذهب بجنايته، فيحط عن البائع مقدار ما أذهبه اللباس على صفة ما ذكرنا من التقويم ونسب من الثمن.
وأما التغيير في الجارية المعينة (٣) من جهة الولادة فإن المعروف من المذهب عندنا أن الولد ليس بغلة، بل هو كعضو من أعضائها، فيجب رده معها في التفليس، كما يرد يدها أو رجلها، فكذلك ولدها. فإذا قدرناه كعضو من أعضائها، فالبائع بالخيار من أن يأخذها وولدها، أو يتركها ويحاص بجميع الثمن.
ولو مات أحدهما إما الأم وإما الولد لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع.
стр. 2666
لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع فالبائع بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن الذي (١) الموت ها هنا مجرى عضو ذهب بأمر من الله سبحانه فلا يكون للبائع إذا اختيار (٢) العين مقال في أن يحط عنه مقدار ما ذهب إما الأم وإما الولد. (لكن ينبغي أن يتحمل ما حكيناه عن ابن شعبان) (٣) من كون العيب الحادث من الله سبحانه للبائع فيه مقال إذا اختار أخذ العين وكانت الأم هي الميتة وبقي الولد.
وأما لو كان الذاهب ليس بموت، ولكن ببيع عقده المشتري قبل أن يفلس، فإنه يعتبر في ذلك: هل البيع وقع في الأم خاصة وبقي الولد؟ فيكون البائع بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه وحاصّ بالثمن الذي باع به. وإن كان البيع في الولد وبقيت الأم وحدها، فإن في الموازية عن مالك أن البائع بالخيار بين أن يأخذ الأم بجميع الثمن، ولا يحط عنه لأجل الولد شيء، أو يتركها ويحاص بالثمن. وأنكر سحنون هذا، وقال: لا أدري ما هذا.
وقال في مختصر ابن الجلاب إنه يحط عن المبيع مقدار ما قابل الولد بالتقويم حين البيع ينسب ذلك من الثمن. ورواه يحيى بن عمر عن ابن القاسم. وهذا هو أصل المذهب؛ لأن الولد إذا لم يكن غلة وجب رد عينه إذا كان قائمًا من غير خلاف منصوص عندنا في المذهب، فكذلك يجب أيضًا أن يحاسب البائع بثمنه على نسبة ما قلناه في التقويم، ويكون (٤) لمّا استحق أخذ عينه من غير خلاف في هذه الرواية" ولو غيرها يستحق قيمة العوض عنه من الثمن كما قدمناه.
وكان بعض الأشياخ المحققين يعني (٥) السيوري يرى أن الولد غلة.
ويعتمد على هذه الرواية التي في كتاب ابن المواز لا سيما أنه قال في الرواية: لا
стр. 2667
يحاسب بعوض الدار لأنه كغلة من الغلات فنَصَّ ها هنا على أنه يجري مجرى الغلات. بعض أشياخى، يعني (١) اللخمي، يمنع هذا التخريج من المذهب في كون الولد غلة من هذه المسألة ويقول لما وجد الولد ثم ذهب من غير عيب لحق أمه صار ذلك بمنزلة ما قدمناه عن ابن المواز أنه أخذ أرش موضحة وبرئت على غير عيب فإنه إذا أراد (٢) العبد لا يرد الأرش لما كانت العين على ما هي عليه من غير نقص.
وهذا اعتذار قد لا يسلم له لأن الولد ها هنا لما وجب رده بعينه مع أمه صار لمّا بيع كسلعة باعها البائع مع آخر فاتت إحداهما فإنه يحط عنه مقدار الفائتة إذا اختار أخذ عين السلعة الباقية.
وكذلك أيضًا تخريج الخلاف في كون الولد غلة من مسألة كتاب الرد بالعيب: أنّ الأمة إذا ولدت عند المشتري وردها بالعيب يرد معها ما نقصتها الولادة وأعابتها. قال: إلا أن يكون قيمة الولد ما يُجبَر به عيب الولادة فلا يرد المشتري قيمة هذا العيب. فإما (٣) جعل من حق المشتري أن يدفعه عوض عيب لزمته قيمته على ذلك على أنه كالغلة يملكها المشتري ولا يردها إذا ردّ بالعيب.
واعتذر أيضًا عن هذا الولد كأنه نفس العيب الذي حدث عند المشتري وهو عيب الولادة فإذا كانت قيمته تجبر عَيب الولادة فكأن الأمة لم يلحقها عيب حدث عند المشتري. ويؤكد هذا الاعتذار أن الولد (كان غلة) (٤) لا يجب على المشتري ردّه لم يلزمه رده مع أمه، ولا كان من حقه أن يعطي عن قيمة عيب حدث عنده عبدًا آخر كما ليس من حقه أن يعطي في قيمة ما حدث عنده عوضًا.
ومن حاول من الأشياخ تخريج الخلاف في هذا من هاتين المسألتين يشير
стр. 2668
إلى أن ما ذهب إليه الشافعي من كون الولد غلة قد قيل عندنا في المذهب والشافعي يراه غلة وذلك مشهور من مذهبه ومذهب أصحابه. لأنه اختلف قوله في العمل: هل له حكم أم لا؟ فقال مرة: لا حكم له، بدليل أن من أعتق أمة حاملًا لحق لولدها في بطنها العتق كما يلحق يدها ورجلها. وقال مرة: للحمل حكم، بدليل أن من أعتق ما في بطن أمته لم تعتق الأم الحامل بعتق ما في بطنها وذلك يشعر: ليس كعضو منها.
وأجرى أصحابه تفصيل هذه المسألة على هذين القولين فقالوا: لو باعها وهي غير حامل فحملت عند المشتري من زنا أو تزويج، ووضعت، فإنه إذا ردها لم يرد الولد معها. ولو باعها وهي حامل ثم ردها قبل أن تضع لردّ الولد معها. ولو ردّها بعد أن وضعت لجرى ذلك على القولين: هل يقال: لا حكم للحمل، فيكون الولد غلة؛ أو يقال: له حكم، فيكون الولد ليس بغلة وكأنه اشترى سلعتين.
وإذا فلس وهي حامل وقد حملت عند المشتري فإن قلنا: لا حكم للحمل، رجع فيها وفي حملها لأنه كاليد والرجل. وإن قلنا: له حكم، كان الولد للمبتاع كالنماء المتميز. وإن باعها وهي حامل فأسقطت ثم فلس المبتاع، فالحمل على القولين: إن قلنا: لا حكم له. لم يكن له غير الجارية. وإن قلنا: للحمل حكم، فكأنه باع عينين فتلفت إحداهما، ثم فلس، فإنه يأخذ الموجودة ويضرب بحصة ثمن التلف.
وإذا قلنا: في الولد المنفصل: إنه غلة، كما قال الشافعي، فالمشهور عندهم: إذا انفصل عن الأم وكان المشتري فإن التفرقة بينهما ممنوعة فتباع الجارية وولدها فيكون للبائع ثمن الجارية وللمفلس ثمن الولد تغرم (١) الجارية ذات ولد لأنه رجع فيها وهي ذات ولد فيقول: قيمتها تسعون وقيمة الولد عشرة فيكون للبائع تسعة أعشار الثمن وللمفلس عشرة إلا أن يختار البائع أن يعطي
стр. 2669
قيمة الولد فيكون ذلك له ويأخذ الأمة وولدها.
ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس له الرجوع في الأم إلا أن يعطي قيمة الولد.
والذي ذكرناه ها هنا عندهم من إعطاء قيمة الولد إذا أراد أن يأخذ الأم فيه إشارة لما كنا وجهنا به ما حكيناه عن مختصر ابن شعبان.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
النماء الحادث في الحيوان المبيع لا يخلو من أن يكون من جنسه ولا يتميز عنه كالسِّمَن، فهذا لا خلاف فيه أنه يأخذ الأمة المبيعة بعينها على ما هي عليه، إذ لا يمكن تمييز هذا النماء.
أو يكون النماء من جنس النامي، ولكنه متميز عنه كالولد. وقد تكلمنا على حكمه.
أو يكون من غير جنسه كالغلة في الربع والعبيد، والصوف في الغنم والألبان وما يكون عنها، والثمار في الأشجار.
فأمّا غلة الرباع وما يؤخذ في أكريتها، وفي إجارة العبيد، فإن ذلك إذا قبضه المشتري، وقد استحقه، لم يرد في الفلس مع الربع والعبيد، من غير خلاف.
ولو لم يقبضه، ولكنه قد حل على المكتري فإنه أيضًا لا يقضى على المشتري برده، وإن كان لم يقبضه لأنه إذا حل واستحق على المكتري صار ذلك كالمقبوض، وكأنه حق للمشتري أخَّرَ به مَن هو عليه، فصار ذلك قبضَه، واستئنافَ إعادته إلى ذمة من هو عليه.
وأمّا ما اغتل المشتري من صوف قد جزّه وأفاته، ولم يكن موجودًا في حين عقد الشراء، أو ثمر جدّه، أو لبن حلبه، فإن هذا لا يرده أيضًا، من غير خلاف؛ لأن المبيع كان في ضمان مشتريه قبل أن ينقض البيع فيه بالتفليس،
стр. 2670
(والخراج بالضمان) (١)، كما ورد في الحديث.
وأمّا إن كان لم يقبض ذلك ولا انفصل هذا النماء عمّا هو متصل به، فإن ذلك لا يخلو من قسمين:
أحدهما أن يكون اشتراء الغنم ولا صوف عليها، والشجر لا ثمر فيها.
فإن كان الأمر كذلك فإنه إذا وقع التفليس، وقد كمل الصوف وحان جزازه، فإنه يرده مع الشاة المردودة بالتفليس، من غير خلاف منصوص عندنا فيما علمت .. وإن كان ذلك ثمرًا أثمرته الأشجار المردودة بالتفليس، ففي ذلك قولان في المذهب:
ذكر في المدونة في كتاب الشفعة أنه يرد الثمرة مع أصولها إذا وقع الحكم برده الشجر قبل أن تجدّ من أصولها، ولو كانت قد يبست، بخلاف الشفعة فإنها يأخذها الشفيع ما لم تيبس، وإن كانت لم تفارق أصولها.
وفي كتاب ابن حبيب: أنها لا ترد إذا أُبِّرَتْ، وإنما ترد إذا لم تؤبر.
فكأنه في المذهب المشهور رأى أنها ما دامت متصلة بأصولها صارت كأغصان الشجر التي ترد مع أصولها، وكالولد الذي في البطن الذي يتبع أمه في حكمها.
وكأنه في القول الآخر أنها بالإبار تصير غلة، ألا ترى أن البائع إذا باع شجرًا وفيها ثمر قد أبو فإنها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، وما ذلك إلا أنها إذا أبرت صارت كسلعة ثانية أضيفت إلى الشجر فلا تدخل في عقد البيع إلا باشتراط، فكذلك لا ترد مع الأصول في الفلس، لأنها صارت كملك حدث في يد المشتري فاستحقه وإن لم يقبضه كما يستحق المقبوض من الثمر إذا جدّه.
وأما إذا اشترى غنمًا وعليها صوف قد تمّ أو شجرًا فيها ثمر: فأمّا الصوف فإذا
стр. 2671
وقع العقد وهو على ظهور الغنم قد كمل فالمشهور أنه لا يكون غلة للمشتري ولو جزه. وأمّا الثمر فإن كانت موجودة حين العقد ولكنها لم تؤبر فلا خلاف في أنها لا تكون لها ها هنا حصة من الثمن، فإن أبرت فظاهر المذهب على قولين:
١ - إن لها حصة من الثمن؛ لأنها لم تدخل في البيع إلا باشتراط، واشتراطها يشعر بأن الثمن الذي بذل المشتري، لها حصة فيه، ولولا اشتراطه لها ما بذله بكماله.
٢ - والقول الآخر: إنها إنما يكون لها حصة من الثمن إذا وقع العقد عليها وقد طابت وأزهت. وهذا ظاهر كتاب ابن المواز على رأي بعض الأشياخ.
وليس هو عندي في كتاب ابن المواز كالنص الجلي. ووجه هذا المذهب أن الثمرة إذا أزهت جاز بيعها بانفرادها. ومن قبل أن تزهي لا يجوز بيعها بانفرادها على شرط التبقية. وما ذلك إلا لكونها إذا أزهت وحل بيعها استقلت بحكم نفسها، وصارت لها، لأجل ذلك، حصة من الثمن، كمن بذل مالًا عوضًا عن سلعتين يجوز إفراد كل واحدة منهما بالعقد.
وذهب أشهب إلى أن لا حصة لذلك من الثمن لا في الصوف، ولا في الثمرة، ولو اشترى الصوف وقد كمل، والثمرة وقد طابت. وقدر أنه لما كانت هذه الأشياء متصلة بأصولها، وهي في حكم البيع لها لم تقع المعاوضة إلا على أصولها خاصة من الثمن، كمال العبد إذا اشترطه المشتري.
وإذا قلنا بالمذهب المشهور من كونها لها حصة من الثمن، والثمر إذا أزهت، على أحد القولين، أو أبِّرت، على القول الآخر، فما دامت متصلة بالأصول فإنه يجب ردّها.
وإن جز الصوف أو بدت (١) الثمرة، فالمشهور أن الصوف إذا كان قائمًا
стр. 2672
بعينه ردّ مع الغنم. وأما الثمرة فلا تردّ مع الأصول إذا جُذّت وكانت قائمة بأعيانها. والفرق يعتبر بينهما. لكن أقصى ما يتصور من ذلك أن الشجر إذا اشتريت وفيها ثمر قد أزهي حتى جعلنا له حصة من الثمن، فلو قلنا: إنه إذا جذّ يرد بعينه صار كَمَنْ اشترى رطبًا وأخذ عنه تمرًا يابسًا، وبيع التمر بالرطب لا يجوز، لا سيما إذا قلنا: إن أخذ السلعة في الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في ذمة مشتريها. وقلنا: إن تغيّر صفاتها يخرجها عن كونها هي العين التي اشتريت، وقد قدمنا أن الاختلاف فيمن اشترى رطبًا ثم فلس بعد أن صار ذلك الرطب تمرًا، وأن أحد القولين عندنا أنه لا يجوز في التفليس، حمايةً للذريعة من أن يقع أخذه في بيع الرطب بالتمر. فعلى هذا البناء يحسن أن يقال في الصوف إذا جز فإنه يرد بعينه، كمشتري سلعتين ثم يفلس فإنه ينتقض البيع فيهما إذا شاء البائع. وأما الثمرة إذا جذّت فيتعلق بها حق الله سبحانه، وهو يمنع من بيع الرطب بالتمر، فلهذا لم ترد بأعيانها. ولكن إذا لم ترد قسط الثمن على الشجر وعلى الثمرة يوم البيع، فما ناب هذه الثمرة المجذوذة الحاضرة حاصّ به، وما ناب الشجر سقط عن المشتري إذا اختار البائع أخذ الشجر بلا ثمر.
ولأجل هذا قيل في رد هذه الشجرة (١) التي اشتريت وهي مؤبرة (٢) ردت بالعيب بعد أن جذ ثمرها، إنه يرد المشتري الثمرة بعينها مع الشجر إذا رد بالعيب، وإن فاتت مكيلتها أو قيمتها رطبًا إن جدّها رطبًا، وما ذلك إلا مخافة أن يكون البائع علم بالعيب ودلس به حتى صار كالقاصد إلى بيع الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية. لما كان رد العقد ها هنا بسبب البائع ومن جهته، فتطرقت إليه التهمة وحُمِيَتْ الذريعة، وردت الثمرة مخافة أن يتم للبائع مأخذ (٣) إليه من الفساد بإمضاء البيع في الثمرة خاصة.
стр. 2673
وقد اختلف المذهب على قولين إن ردت هذه الثمرة في التفليس، وقد سقاها المشتري وأنفق عليها نفقة، هل يطالب بما أنفق وسقى لأنه لولاه ما وجد عين الثمرة المردودة، أو يكون لا مطالبة به بل تكون خسارته منه لكون ذلك ليس بعين قائمة الآن، كصباغ ثوب اشتراه ثم فلس، أو (نبعه) (١) بناها ثم فلس.
وإذا قلنا: إنه لا مطالبة له بالسقي مع كون الثمرة لولا السقي لم توجد، فأحرى ألا تكون له مطالبة بأجرة الجزاز.
وإذا قلنا: إن المطالبة بالسقي نظر فيما يتخرج في الجزاز من هذا القول الآخر.
ومما يلحق بهذا ما اكتسبه العبد عند المشتري ثم فلس المشتري، (فيأخذ البائع العبد بما اكتسبه عند المشتري، إذا كان لم ينتزعه منه، ولا انتزعه المشتري منه قبل أن يفلس، لم يأخذ ذلك من يده، وبقي في جملة ما له لا يختص به البائع دون غيره من الغرماء) (٢) لأنه إذا انتزعه المشتري قبل التفليس صار قد رد العبد على صفة ما أخذه عليه، وصار ما انتزعه من كسب كثمار جناها أو غلة حَصَدَها.
وأمّا لو كان في يد العبد مال اشترطه المشتري فإنه إذا بقي ذلك في يد العبد إلى أن فلس المشتري فإنه يرد ماله معه. ولو هلك ماله قبل أن يرد بالتفليس لم يكن للبائع إلا أخذ العبد على ما هو عليه بغير مال بالثمن كله أو المحاصة بثمنه، وكذلك لو كان ذهاب ماله بانتزاع المشتري واختار البائع أخذ العبد، فإنه لا يأخذه إلا بالثمن كله من غير أن يحط منه شيئًا بسبب ما ذهب من مال العبد. وكأنهم قدّروا أن مال العبد لا حصة له من الثمن وإنما اشترى عبدًا
стр. 2674
له مال، وعلى ذلك بذل الثمن على نفس المال فزوال المال من يده كتغيير بعض صفاته، ولو كان ذلك من الرد بالعيب فإن المشتري إذا انتزع مال العبد وأراد أن يرده بالعيب، فإنه يرد معه ماله الذي انتزعه إذ ليس له أن يرده وقد حدث فيه عيب لا يحط لأجل العيب شيئًا، والمفلس إنما يأخذه بعينه إذا شاء أو يبقى العبد على ما هو عليه.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
المشتري أباح له الشرع التصرف في المبيع بنفس تسلمه وكون العقد صحيحًا، فإن أحدث في المبيع حادثًا من شيء أضافه إليه، أو صنعة عملها فيه، فإن ذلك لا يخلو من أن يكون أضاف إلى البيع (١) أجسامًا متصيرة (٢) في البصر، ويمكن تمييزها بالانفصال، وذلك مثل البناء والغرس، فإنه إذا اشترى أرضًا فبنى فيها، ثم فلّس، فإن البائع لا يسقط حقه في عين المبيع لقوله ﵇: "فهو أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" (٣)، وهذا قد وجده بعينه فيجب أن يكون أحق به. لكن المشتري إذ ابن ي بوجه جائز صار له حق فيما بناه اختلط بالمبيع، فلا يسقط حقه فيه أيضًا. فهاهنا اختلف العلماء في حكم هذا الاختلاف (٤) فإن مالكًا ﵁ فإنه ذهب إلى أن البائع إذا أراد ارتجاع أرضه مكّن من ذلك، ولكن بشرط أن يشارك المشتري بقيمة ما بناه، تقوّم الأرض على حال ما هي عليه من بناء، ثم يقوم البناء على حياله، والأرض بغير بناء، فيكونان شريكين في الأرض وبنائها بحسب ما اقتضاه التقويم. قال في الموطأ: وتفسير ذلك أن تكون الأرض ببنائها تساوي ألفًا وخمسمائة درهم، فتكون قيمة البناء ألف درهم، والأرض بَرَاحًا خمسمائة درهم، فيكونان شريكين
стр. 2675
في هذه الدار: ثلثاها لمن بناها والثلث لبائعها براحًا (١).
وذهب فيمن بني أرضًا اشتراها بوجه شبهة فبناها، إلى خلاف هذا. فجعل من حق من أتى فاستحقها أن يعطى قيمة البناء قائمًا فتصير الأرض وما فيها من بناء لمن استحقها لمن هو في يديه وباع ملك هذا المشتري عليه بغير اختياره. وجعل البناء في التفليس لا يباع على بانيه حتى يجبر على تسليمه بقيمته للبائع، وما ذلك عندي إلا لأجل أن من اشترى أرضًا من سوق المسلمين معتقدًا أن الذي باعها هو مالكها حقيقة، فبنى فيها بناء يعتقد أنه مباح له فظهر أنه أخطأ في اعتقاده، وبنى في أرض غصبها بائعها منه، ولم يسقط ملك المغصوب منه الأرض عنها على حال، ولا تغير ولا تبدّل، فكان استحقاقه لأرضه واضحًا، وحرمة ملكه متأكدة، وحرمة بناء المشتري غير متأكدة، لأنه ظهر أنه بني في أرض لا يملكها، ولو اطلع على باطن الأمر ما حل له التمسك بها ولا البناء فيها، فلما قوي أمر المستحق وضعف أمر هذا المشتري، حكم عليه بإخراج ما في يده من البناء بغير اختياره.
وأمّا من اشترى أرضًا من مالكها فبنى فيها، ففلس فإن بناءه صادف ملكًا محققًا له في الظاهر والباطن، واعتقاده أن البناء مباح له صواب لا غلط فيه، وإنما حدث عيب في ذمته أوجب للبائع الخيار في استرجاع ما في يديه ورده إلى ملكه بعد أن خرج على ملكه، فإن حُرمة بنائه متأكدة فلم يجبر على أن يسقط حقه في عين بنائه بأن يدفع إليه قيمته، ولم يجعل مالك ولا أحد من أصحابه البناء ها هنا فوْتًا أحال العين وغيَّرها حتى يسقط مقال بائعها في ارتجاعها، ولا يكون له إلا طلب الثمن والمحاصة به. لكنهم اختلفوا فيمن اشترى أرضًا فبنى فيها، ثم اطلع على عيب: هل بناؤها فوت يمنع الرد بالعيب ويوجب أخذ قيمته، أو لا يكون ذلك فوتًا.
стр. 2676
وأشار بعض أشياخي إلى تخريج الخلاف من هذه في الفلس إذا بني.
وأشار أيضًا إلى اختلاف مقدار البناء والنفقة فيه، فيكون الكثير فيه يفيت الأرض والقليل لا يفيتها.
فأمّا تخريجه الخلاف من مسألة العيب، فقد يدافع فيه، ويقال له: إن العيب لما كان من جهة البائع ويتّهم فيه بالتدليس بأنه أسقط حقه في إمضاء البيع على ما هو عليه، بأن يرضى المشتري به أو ينقضه ويأخذ ثمنه. والتفليس لا يتصور فيه من جانب البائع تفريط ولا تلحقه تهمة.
وأما إشارته أيضًا إلى اعتبار البناء بالقلة والكثرة فإن ظاهر المذهب يمنعه من ذلك. وذلك أن مالكًا ذكر في الموطأ ما حكيناه عنه من كون الشركة واجبة بقيمة البناء وقيمة الأرض. ومثّل ذلك بأن يكون قيمة البناء ألفًا وقيمة الأرض خمسمائة، ولم ير ذلك فوتًا، وإن كان قيمة البناء الثلثين وقيمة الأرض الثلث.
لكن أشار بعض أصحاب الشافعي إلى هذه الطريقة وحمل كلام الشافعي عليها.
وذلك أن الشافعي ذهب في هذه المسألة إلى أنه إذا وقع التفليس وأراد البائع ارتجاع المبيع، فيقال للبنّاء (١): أقلع بناءك وغرسك حتى تردّ إليه الأرض براحًا كما اشتريتها، فلا يبقى له مقال. ولو كان في قلع الغرس والبناء ما يعيب الأرض فإن الشافعي ألزم المشتري قيمة هذا العيب إذا اختار البائع ارتجاع الأرض؛ لأنه عيب أحدثه ليُخلّص ملكه في يديه، فيجب أن يطالبَ بأرش ما جناه على ملك الغير، لكونه جنى هذه الجناية على ملك الغير لمنفعة نفسه وتخليص ملكه. قال الشافعي وإن لم يساعده المشتري على قلع بنائه وغرسه قيل للبائع: ادفع إليه قيمة بنائه، نحو ما نقوله نحن في بناء المشتري بوجه شبهة ثم استحقّت عليه الأرض. فإن امتنع البائع من دفع قيمة البناء، فقال الشافعي: يسقط حقه في ارتجاع أرضه ولا يكون له إلا المحاصّة. وقال في بعض كتبه أيضًا: لا يسقط حقه في عين أرضه. فالمزني وغيره من أصحابه يحل ذلك على اختلاف
стр. 2677
قوله منه. ومن أصحابه من لا يراه. اختلف قوله: يسقط حقه في عين أرضه، على أن للبناء قيمة كثيرة. وقوله: لا يسقط حقه في عين أرضه، على أن للبناء قيمة يسيرة. وهذا نحو ما ذكرته عن بعض أشياخي وهو خلاف ظاهر مذهبنا.
والقسم الثاني وهو أن يحدث المشتري في المبيع جواهر يميّزها البصر ولا تتميز بالعقل يتميز انفصال، كصبغ الثوب ودباغ الجلد. فهذا فيه عندنا قولان: المشهور أن ذلك لا يكون فوتًا.
وقال ابن وهب في أحد قوليه: إن ذلك فوت. ورآه كتغيير في العين يصيرها كأنها ليست هي العين المبيعة، فلم يجعل للبائع إلا المحاصة. ورأى مرة أخرى أن ذلك ليس بفوت. وعلى هذا القول ثبت أن ذلك ليس بتغيّر يخرج العين عن الغرض المقصود منها حين البيع فيكون شريكًا.
واختلف المذهب على قولين بماذا يكون شريكًا في الفوت؟ فقال ابن القاسم: بقيمة الصبغ.
وذهب غيره إلى أنه شريك بما زاد الصبغ في قيمة الثوب أبيض. وإلى هذا أشار ابن المواز وكأنه ناقض ابن القاسم بقوله في الصبّاغ إذا استؤجر على صباغ ثوب فدفعه إلى ربه، ففلس ربه: إن الصباغ يكون شريكًا في الثوب بما زادت قيمة الصبغ فيه.
فكأن من رأى الشركة بالقيمة قدّر أنها سلعة ملكها (١) أضافها إلى مِلك رجل آخر إضافة لا تتميز. فكانا شريكين في هذا المختلط بقيمة ما لكل واحد.
ومن رأى أن الشركة إنما تكون بما زاد الصبغ في قيمة الثوب على أن ينزع صباغه منه فصار كأنه هو المتلف لماله بإضافته إلى ملك غيره إلا أن يكون ما فَعله يزيد في قيمة الثوب أبيض. فتصير تلك الزيادة كمعنى منفصل عن ملك الغير فيختص بها من أحدثها.
стр. 2678
وهكذا مذهب الشافعية كون الشركة يعتبر فيها ما زاد الصباغ في قيمة الثوب.
وقد ذكرنا ما أشار إليه ابن المواز عن ابن القاسم في صبّاغ استؤجر على صِباغ ثوب فصبغه وسلمه إلى ربه، ثم فلس ربه، أنه يكون شريكًا في الثوب بما زاد فيه الصبغ. وقال: ويحاص بقيمة الأجرة التي عقدت الإجارة بها.
وعارض بعض الأشياخ الحذاق هذا وقال: إذا كان شريكًا بما زاد فلا معنى لتمكينه من المحاصة ببقية الأجرة. ورأى أنه كمن اختار أخذ سلعته بعينها وهي ناقصة عمّا باعها عليه فلا تكون له المحاصة بعيب حدث فيها من قبل الله سبحانه على المشهور من المذهب.
وأما لو اشترى قمحًا فطحنه ثم فلس، فإن المشهور من المذهب أن ذلك فوت يمنع من أخذ عين القمح المطحون.
ولكن اختلف في ذلك لو طحن القمح ووجب ردّه من ناحية العيب: هل يكون طحنه فوتًا أم لا؟ وقد كنا قد قدمنا إجراء بعض أشياخنا إجراء الخلاف في مسائل العيوب في هذا النوع من مسائل التفليس.
وقد اختلف المذهب في غاصب غصب قمحًا فطحنه: هل يكون للغاصب وعليه مثله؟ أو يكون لربه أن يأخذه مطحونًا، لكون الطحن ليس بمعنى مفيت للعين ولا زائد في جواهرها؟ والقمح تقل فيه اختلاف الأغراض إذا تماثل.
وكذلك اختلف فيمن اشترى قمحًا فطحنه ثم استحق من يده: هل يأخذه مستحقه مطحونًا ويدفع إجارة الطحن أو لا يدفع إجارة الطحن لكون ذلك ليس بعين قائمة كما لا يلزم مستحق الأشجار أن يغرم قيمة السقي والعلاج على أحد القولين عندنا، لكون ذلك مما لا يتميز ولا يمكن انفصاله؟
ولو كانت جارية فسمنت أو غلامًا علم القرآن، فإن في هذا أيضًا اضطرابًا
стр. 2679
بين العلماء: هل هذه الآثار حكمها حكم الأعيان لكون ما أحدثه المشتري ليس بجواهر متميزة (ليس إليها التصرف) (١)، وإن لم تنفصل؟
وقد أشار بعض الأشياخ إلى إجراء الخلاف فيمن اشترى قمحًا فطحنه ثم فلس من اختلاف المذهب في جواز بيع القمح بالدقيق بناء أيضًا منه هذه الطريقة على أحد القولين عندنا في كون ارتجاع السلعة بالتفليس كبيع مستأنف.
ويجري الأمر في الطحن على أنه تفريق أجزاء كقطع الثوب. وقد ذكر ابن حبيب أن قطع الثوب قميصًا في التفليس فوت يمنع البائع من أخذه. وكذلك اتخاذ الخشبة تابوتًا أو بابًا، أو ذبح الكبش، أو جعل الزبدة سمنًا. وهذه مسائل يكثر تعدادها، وما ذكرناه منها يرشد إلى ما أضربنا عنه منها.
الجواب عن السؤال السابع أن يقال:
أخذنا الكلام على هذا السؤال وإن كانت توجب الرتبة إيراده في الفصل الذي ذكرنا فيه اختلاف العلماء: هل يكون البائع أحق بسلعته في الفلس والموت أم لا؟ لكونه ها هنا إذا قبض بعض ثمن سلعة باعها ثم فلس المشتري، فإن أبا حامد الإسفرايني ذكر عن مالك مذهبًا في هذه المسألة (أو ثبت عنه، ألحقنا المسألة بما كنا فيه الآن) (٢). وذلك أنه حكى عن مالك أنه يقول فيمن باع سلعة فقبض بعض ثمنها وبقي بعضه: إن ذلك فوت يمنع البائع من ارتجاع سلعته.
واحتج عن مالك هذا في (٣) رواه في موطئه من قوله: إذا باع سلعته ولم يقبض من ثمنها شيئًا فالبائع أحق بسلعته، على نحو ما قدمناه من نص الحديث.
ورأى أن مالكًا لما اشترط، فيما رواه، من كون البائع أحق بسلعته في الفلس لا
стр. 2680
يكون قبض من ثمنها شيئًا، يقتضي دليل هذا الخطاب أنه إذا قبض شيئًا من ثمنها فلا يكون أحق بها.
وهذا عندي لا يثبت عن مالك، فلعل الإسفرايني فهم عنه هذا من تقييده ما رواه في موطئه يكون البائع لم يقبض من ثمنها شيئًا. وأما مذهب مالك ﵁ فإنه يخيّر البائع بين أن يردّ جميع ما قبض ويرتجع سلعته، أو يتمسك بها ويحاص ببقية الثمن، ولا يطلب ثمن سلعته بل تباع له وللغرماء؟ ومذهب الشافعي أنه يرتجع من سلعته بمقدار ما بقي من الثمن إذا شاء، أو يسلم ذلك ويحاص بما بقي من الثمن.
مثل أن يكون اشترى عبدًا بمائة دينار، فقبض من ثمنه خمسين، فإن الخمسين المقبوضة تقابل نصف العبد والخمسون الباقية تقابل نصفه أيضًا.
فعند مالك أن البائع إن شاء رد الخمسين التي قبض واسترد جميع العبد، وإن شاء طلب الخمسين الباقية وحاصّ الغرماء فيها وترك جميع العبد.
ومذهب الشافعي أن الخمسين المقبوضة يسقط حق البائع في نصف العبد وتبقى الخمسون الأخرى كأنها ثمن عبد كامل، إن شاء طلب بها مال المفلس مع جملة الغرماء، وإن شاء استرد نصف العبد.
ولو كانت سلعة كثيرة تختلف قيمتها، لكان الفضّ والتقويم على هذه النسبة. فلو اشترى ثلاثة أعبد بمائة دينار، قيمة أحدهم نصف الثمن وهو خمسون دينارًا، والآخر خمس الثمن وهو عشرون، وللآخر ثلاثة أعشار الثمن وهو ثلاثون دينارًا. وكانت العبيد عند المفلّس لم يفت منهم أحد، وقد قبض ثلاثين، لكان البائع بالخيار في أن يرد ثلاثين دينارًا، أو (١) يأخذ الثلاثة أعبد، أو يسلم جميعهم ويحاص بثمنهم. ولو كانت الثلاثة أعبد متكافئة القيم لكان هذا.
стр. 2681
وعند الشافعي أن يكون شريكًا بمقدار ما بقي من الثمن فيهم، إن شاء، أو يمضي البيع ويحاص بما بقي من الثمن.
ولو تقدم بعض الثمن وفات في يد المشتري بعض المبيع لفُضَّ ما بقي من الثمن على المبيع كله، فيرد مما قبض ما قابل الموجود من المبيع وأخذه إن شاء وتمسك بما قابل المبيع الفائت وحاص بما بقي من ثمنه.
ولو كان ما باع عبدين متكافئين بمائة دينار وفات أحدهما، وقد قبض خمسين دينارًا، فإن الخمسين دينارًا المقبوضة مقبوضة نصفين: نصفها وهو خمسة وعشرون تقابل العبد الفائت، فيتمسك بها ويحاص بالخمسة والعشرين الباقية من ثمنه، والخمسة والعشرون الأخرى المقابلة للعبد الموجود الذي لم يفت هو بالخيار بين أن يردها ويأخذ العبد، أو يتمسك بها ويترك العبد، ويحاص بالخمسين الباقية من ثمنه.
ومذهب الشافعي أنه يكون الخمسون المقبوضة مقابلة العبد الفائت كلُّها، وتبقى الخمسون في مقابلة العبد الحاضر، فيكون بالخيار إن شاء تركه وحاص بثمنه، وإن شاء أخذه وسقط عن المشتري ثمنه وهو الخمسون الباقية.
وكأن الشافعي رأى أن البائع إذا باع سلعة وقبض نصف ثمنها فجعلنا المقبوض لا يرد، وهو في مقابلة نصف السلعة، واختار ألاّ يحاص فإنه يكون شريكًا في العبد فيما يكون من حقه أن يرده كله أو يكون من حقه أن يرد بعضه.
وكان مالك قدر أن الشركة تصيّر العبد معيبًا فيلحق المشتري من ذلك الضرر. وإنما جعل البائع من المفلس أحق بعين سلعته لإزالة الضرر عنه فلا يزال الضرر بضرر يلحق المشتري.
وأصحاب الشافعي ينفصلون عن هذا بأن هذا الضرر قد لا يلحق، لكون الشركة إنما يقع الضرر فيها مع استدامتها، وهذا المفلس يباع ماله فلا يلحقه الضرر، ولو لحق ضرر بانتقاص الثمن لأجل الشركة، فذلك يسيرٌ، وضرر البائع
стр. 2682
في منعه أخذ سلعته وغرم ثمنه ضرر كثير، فيجب أن يكون مقدَّم الاعتبار.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
قد تكلمنا على حكم التفليس في شراء أعيان المتملكات، وسنتكلم على حكم التفليس في شراء المنافع.
والتفليس يتصور في شراء المنافع من ناحيتين:
من ناحية تفليس بائعها، والأخرى من تفليس مشتريها.
فأمّا إذا فلس بائعها فلا يخلو أيضًا الأمر من وجهين:
أحدهما: أن يكون شراء منافع في الذمة، مثل أن يسلم رجل دنانير إلى رجل في أن يحوك له غزلًا ويصبغ له ثوبًا، أو ما في معنى ذلك من الصناعات، على أن يكون العمل في ذمة قابض رأس المال، فيجري مجرى السلم. فإذا فلس الصانع وجب لدافع الدنانير أن يحاصّ بماله في الذمة من عمل، يقوم العمل يوم الحكم، فإن اختار دافع الدنانير التمسك بالعمل الذي اشتراه نظر إلى ما أخذه في الحصاص وهو قيمة العمل، فاستؤجر له به من يعمل ما على المفلس الصانع من ذلك العمل، ويكمل دافع الدنانير من عنده سلفًا للصانع ما يستوفي جميع العمل، ويتبعه بمقدار ما أسلفه من ذلك. وهذا السلف، وإن كانت له فيه منفعة، فهو لصيانة المال لا لطلب زيادة في مقدار السلف. وقد قدمنا في شراء الأعيان إذا وقع الفلس أن للغرماء أن يدفعوا من أموالهم جميع الثمن الذي يستحقه البائع رجاءً لما يتوفر لهم من ثمنها إذا باعوه، فيحسبون ذلك من ديونهم، على أحد الأقوال التي قدمناها.
وإن كان العمل سلعة واحدة فله أن يفسخ ما اشترى من صبغه إذا كان يتعذر عليه أخذ جميعها من مال المفلس، وتبعيضها كالعيب الذي يوجب ردّ ما اشتراه. وكذلك لو كانت سلعًا، والتبعيض مما يضرّ به فإن له الفسخ. وإن اختار الفسخ كانت المحاصة بجميع الثمن الذي دفعه فما صار له من ذلك
стр. 2683
أخذه، واتبع المفلس ببقية الثمن، لأنه إذا اختار الفسخ تعلق حقه بارتجاع الثمن فإنما يحاصّ به، وإن اختار إمضاء العقد تعلق حقه بما اشتراه فيحاصّ بقيمته.
ولو اختار التمسك بالقيمة فحصل له في المحاصّة مقدار من المال، فتغيرت بعد ذلك أسعار الإجارة، فإن ذلك حكمه كما سبق فيمن أسلم في طعام ففلس المسلم إليه، فإنه يحاص بماله في الذمة، ويوقف ما صار له في الحصاص حتى يشترى له بعض الدين الذي في الذمة.
فلو علا السعر حتى صار يشتري له أقل مِمّا يشتري له يوم الحصاص، لم يكن له نقض ما تقدم من حصاص وقسمة بين الغرماء الذي هو أحدهم.
ولو تغير السعر برخص حتى صار يشترى له أكثر مما كان يشتري له يوم قسمة المال بين الغرماء، لكان الفاضل عما يشترى له مِمّا اقتضاه السعر يوم قسمة المال للغرماء، ويدخل معهم فيه، ويصير كمال طرأ للمفلس فإن غرماءه يتوزعونه وهو أحدهم.
وذهب ابن الماجشون إلى أن هذا الفض الذي حدث بمقتضى اختلاف الأسعار يستبدّ به هذا الغريم الموقف له المال، ويشترى له ما بقي له في ذمة المفلس، بناء على أصله، فإن مصيبة ما وقف من ذلك ممن له الدين. وإذا كان ضمانه منه فنماؤه له يحسب من دينه.
ولو كانت المنافع التي اشتريت منافعَ رجل بعينه لم يكن لمن اشتراها مدخل (١) للصانع من الأموال إذا فلس بل تكون أمواله لغرمائه الذين يستحقون عليه المال.
وأما الذي استأجره فإنما استحق حركاته فلا يتعدى ما استحقه إلى أن يكون له نصيب من ماله. ولكنه من حقه أن يجبر الصانع المفلس على أن يعمل له ما استأجره عليه.
стр. 2684
ولو كان الذين استأجروه جماعة لقدّم منهم الأول فالأول. وإن جهل الأول منهم اقترعوا على من يقدم. لكن لو كانت العادة التي دخل عليها كل من استأجر هذا الصانع لا يقدم الأول فالأول بل يقدم من شاء، فإنه ها هنا يبقى على العادة التي دخل معه عليها جميع ما استأجره.
هذا حكم تفليس بائع المنافع المضمونة والمعينة.
وأما الحكم في تفليس من اشترى المنافع: فإن الصانع إذا استؤجر على حياكة أو صبغ ثوب صباغًا (١)، أو صياغة حلي فصاغه، أو خياطة ثوب فخاطه، أو قصارته فقصره، إلى غير ذلك من أنواع الصناع، فإنه إذا فلّس دفع (٢) هذه المصنوعات إليه قبل أن يشرع في العمل، فإنه إن شاء تمادى على العمل وحاصّ بثمنه، وإن شاء فسخ العقد لكونه تعذر (٣) عليه استيفاء الثمن، فله أن يفسخ البيع إذا (٤) لم يمكن إيصال الثمن إليه، ولا يكون من حقه (٥) أن يصبغ (٦) الثوب، ويكون شريكًا بالصباغ؛ لأن مقتضى العقد أحد الأمرين: إمضاؤه على ما هو عليه وعلى ألاّ يكون شريكًا بصبغه أو نسجه إذا تعذر الثمن على بائع منافعه قبل أن يعمل. وإن فلس دافع هذه المصنوعات بعد أن عمل الصانع ما استؤجر عليه، وذلك لم يخرج من يده، فإنه له حبسه حتى يستوفي أجرته وسواء في ذلك فلس ربّ المصنوعات أو مات، فإن ذلك كالرهن في يده حتى يستوفي أجرته، ومن ارتهن فإنه أحق به من غرماء راهنه. وحاول بعض أشياخي تخريج خلاف في هذا، إذا لم تكن العادة جارية بأن الصناع يمسكون الأشياء التي أوْدَعوها صنعتَهم حتى يأخذوا إجارتهم، فإنا إذا لم نجعله كالرهن باشتراطٍ أو
стр. 2685
بعادةٍ جرى ذلك على القولين فيمن فرغ من صنعته ثم ضاع المصنوع ببينة بعد فراغ العمل فيه، قولان: أحدهما أنه يستحق الإجارة بفراغه من العمل، بناء على أن الثوب (١) قبض الصنعة لما فرغ الصانع منها وأكملها، فصار قبض الثوب لها كقبض مالك الثوب. ولو وقع التفليس بعد أن سلّم الصانع لأربابه لكانوا أسوة فيجري على هذه الطريقة إذا قلنا: إنهم أسوة وقلنا إن الصنعة إذا كملت في الثوب صار ذلك كقبض مالكه الثوب، إلا أن يكون الصانع له إمساك الثوب حتى يستوفي الأجرة.
وهذا التخريج قد يُتعقب يكون من باع سلعة فمِن حقه إمساكها حتى يأخذ الثمن. وليس هذا الحكم بمقتضى العادة، وإنما هو بمقتضى الشرع على ما أدى إليه النظر من ذهب إلى أن المشتري يقدَّم بدفع الثمن قبل أن يقبض المبيع.
ومن سلك هذا فلم يستند إلى العوائد إلى (٢) ما ذكرناه من كتاب البيوع.
وإذا كان الأمر كذلك فليكن ذلك الرهن شرعًا والرهن من حق مرتهنه أن يمسكه حتى يستوفي دينه في الفلس وفي الموت، فيكون ما ذكره أهل المذهب من هذا جاريًا على هذا الأصل الذي قدمناه سواء كانت عادة أو لم تكن، وسواء كان الثوب كالقابض للصنعة أو لم يكن؛ لأن الثوب وإن كان قابضًا لها أيضًا مقبوض للصانع، فالصانع قابض للقابض فيكون من حقه أن يحبس الصنعة وما حلت فيه، وإن كان قابضًا لصنعته لأن الكل مقبوض في يده، فلا يجري ذلك مجرى من أسلم (٣) الثوب إلى ربه، لأن يده زالت عنه بالمشاهدة فيحسن أن يقال: إنه أسوة، بخلاف ما لم تزل عنه يده، ولا عمّا حل فيه.
وأما الاختلاف في الإجارة فقد بيّنا على أنه من باع سلعة فضمانها منه حتى يمكّن المشتري من قبضها فيتركه باختياره. أو يكون يضمن المبيع بالعقد
стр. 2686
قبل أن يمر مقدار التسليم وتمكين المناولة، على حسب ما بينا هذا في كتاب البيوع. هذا الحكم إذا لم يسلّم الصنعة.
وأما إن سلّمها فالمشهور أنها إن كانت عينًا قائمة كرقَاع رقع الصانع بها الثوب الخَلَق أو جلودًا رقع بها الفرّاء، أو ما يعمله الصيقل في سيوف، فإن هذا إذا سلّم الصانع المعمول فيه إلى ربه كان شريكًا بمقدار ما سلّم ممَّا له عين قائمة. والقولان فيما يقدر ما سلّمه من هذه الأعيان: هل يكون شريكًا بقيمته لأنه هو المبيع، وكأنه سلعة أضيفت إلى سلعة على وجه يتعذر فيه الانفصال والتمييز فيكونان شريكين في ذلك.
وأشار ابن حبيب في هذه المسألة إلى أن الشركة تكون بمقدار ما زاد الصانع، كما في أحد القولين في الصباغ أنه يكون شريكًا بما زاد.
وظاهر الروايات أن الرِّقاع تقوَّم، ويقوَّم الثوب ويكونان شريكين بنسبة هذا التقويم.
والذي قاله ابن حبيب في مسألة الترقيع: إنه يكون شريكًا بما زاد، لم يجعل للصانع محاصة بقيمة ما سمي من الإجارة، خلاف ما نذكره عن ابن المواز. وظاهر الروايات إطلاق التقويم والشركة على حسب ما قلناه، لكن الصباغ (١) قال: هذا إذا كانت الرقاع هي الأكثر مما استؤجر عليه، فيما سوى ذلك مما عمله البائع من خياطة، أو ما في معناها، أو كانت رقعة في الثوب أو رقعتين مما يُحتقر ويكون كالتبَع للخياطة التي تكون في الثوب، فإنه لا تكون الشركة، ويكون الصانع أسوة كما لو سلّم الصانع ما صنعه وأخذه ربّ الشيء المعمول فيه ما عمل، وهو مما لا عين له قائمة تتميز كالقصارة أو الخياطة فإنه ها هنا يكون أسوة لكونه قد باع ما هو كالغائب الذي ليس بعين قائمة فأشبه من باع طعامًا فأكله مشتريه.
стр. 2687
وأما إذا كان عينا قائمة، فيصير المبيع غير فائت فيكون أحق به على جهة الشركة كما يكون بالسلعة المنفردة إذا باعها وفلّس مشتريها.
وقيل: بل يكون أحق بسلعته وإن كانت قصارة أو حياكة (١)، على حسب ما حكيناه من كون (٢) أحق بما دفعه وهو عين قائمة غير متميزة، فيكون شريكًا بذلك. وهذا القول وقع على الإطلاق، ولم يفترق (٣) غير من ذهب إليه من كون الصنْعة عينًا قائمة (٤) وليست بعين قائمة؛ لأن العمل المستأجر عليه قد فُرغ منه، وعُدِمَ وَفَاتَ في نفسه، فلا فرق بين ما يكون عنه من عين قائمة أو غير قائمة. وقد أضيف إلى هذا القول الذي حكيناه فيما ليس بعين قائمة كالخياطة والقصارة والصبغ فذكر القولان فيما سلّمه الصانع من قصارة أو خياطة أو صبغ: هل يكون أسوة في الجميع أم لا؟ وإضافة الصباغ إلى هذا النوع الذي هو القصارة والخياطة فيه نظر، لأن المعروف من المذهب أن الصباغ يجري مجرى العين القائمة، وإن كان لا يمكن انفصاله. وقد قدمنا الكلام على الصانع إذا صبغ الثوب ودفعه إلى ربه أنه يكون شريكًا بما زاد فيه الصبغ ويحاص ببقية ما سمي له من الإجارة التي عقدا عليها.
واعترض بعض الأشياخ الحذاق هذا بأن الجمع بين كونه شريكًا بما صبغ ثم طلبه المحاصة بما بقي من الإجارة كالمخالف لأصل المذهب، لأن من اختار أخذ سلعته ناقصة لا يحاص بما انتقَصَ منها.
وقد يدافع عندي هذا الاعتراض بأن لمن أخذ سلعته ناقصة فقد أخذ ما باع بعينه وفسخ البيع رضًا به عمّا له في الذمة.
стр. 2688
وهذا إذا أخذ ما زاد الصِّباغ على قيمة الثوب أبيضَ، فإنه أخذها (١) هو أحق به من الغرماء، لكون ما زاد الصباغ في الثمن كعين قائمة هو أدخلها في مال المفلس فيكون أحق بها، ثم يضرب ببقية ما سمي له من الأجرة، فكأنه إنما أمضى عليه عقد الإجارة، واختص منه بقدر ما زادت صنعته دون غيره من الغرماء، وبقي بقية التسمية، تُطلب بها الذمة، فيحاصّ بها.
ولو وقع التفليس في شراء منافع ظهور الدواب أو بطون السفن، فإنه إذا فلس المكتري كان صاحب الدابة وصاحب السفينة أحق بالمحمول على دابته أو في سفينته، سواء كان رب الدابة والسفينة مصاحبًا لدابته أو سفينته أو لم يكن مصاحبًا لها.
فأمّا إذا كان مصاحبًا لذلك فكان جائز (٢) لما حمله. والصانع قد قدمنا أنه أحق بالمصنوع إذا كان في يده لم يسلّمه إلى ربه، لكونه كالرهن، فكذلك صاحب الدابة يكون أحق بما على ظهرها إذا لم يسلمه إلى ربّه.
وأما كونه أحق، وإن لم يكن مصاحبًا لدابته، فإنه قدر أن ظهر دابته وبطن سفينته نابا عن حَوْز يده، وكأن رب المتاع المحمول لما سلم ذلك إلى الدابة والسفينة فكأنه سلمه إلى مالكها. لكن عبد الملك بن الماجشون ذكر قولًا مبسوطًا محصوله: أنه من سلم إليه شيء انفرد به، وبعُد به عن صاحبه، وفوّض أمره إليه، فإنه يكون أحق به كراعي الماشية إذا سلمت إليه وفوِّض أمرها لتدبيره، وزالت يد صاحبها عنها، أو استؤجر لطلب آبق فحصله في يده، أو على جلب مال من بلد فجلبه وحصل في يديه، فإن هذا، وما كان في معناه، يكون حائزه أحق به. وأجراه مجرى الرهبان لأن (٣) الحَوز.
стр. 2689
وهذا القول منه قد يشير إلى أن من حمل متاعًا على دابته ولم يصاحبها، وإنما صحبها صاحب المتاع، فإن رب الدابة لا يكون أحق يعدم (١) الحوز. وقد أشار ابن المواز إلى قريب من هذا المعنى: من استأجر بقرًا يدرس بهم (٢) في الأندر فإن صاحب البقر إذا درس بها وانقلب ليلًا وترك الطعام في الأندر فإنه أحق به لأن الأندر لا ينقلب به، ولا هو مما ينتقل. بخلاف صانع يعمل لك نهارًا في بيتك، ثم انصرف ليلًا فإنه لا يكون أحق بالمصنوع مما يصح الانقلاب به، فتركه بيد صاحبه مع القدرة على نقله يشعر بعدم الحوز.
ولو كان المكترى دارًا لم يكن صاحب الدار أحق بما فيها من المتاع إذا وقع التفليس. وذلك أن الساكن بالدار هو الحائز لمتاعه الذي هو فيها، ولا مدخل لرب الدار أن (٣) في حيازة هذا المتاع فلهذا لم يكن أحق به.
وذهب عبد الملك بن الماجشون إلى كونه أحق بما في الدار، وقدر أن الدار بها صون هذا المال وحفظه، فأشبه ما اتفق عليه المذهب من كون مكري الدابة أحق بما عليها والعلّة في ذلك كون الدواب والسفن إذا حملت المتاع أو الطعام من بلد إلى بلد فما ذلك إلا لطلب الأرباح، فيقدر ما زاد من الربح بسبب هذه النقلة كأن ربّ الدابة أفاده لرب المال وأعطاه إياه، فكان أحق به. ولكن قد يقتضي هذا التعليل الذي ذكروه أنه يكون أحق بالأقل مِمّا زاد السفر، أو سمَّيا في عقد الكراء.
وذهب عبد الملك إلى أن أصحاب الدار أحق بما فيها من المتاع، وإن كان السكان انفردوا بحوزه. قد (٤) يشير إلى خلاف ما أشار إليه بعض أشياخي من كون صاحب الدابة لا يكون أحق بما على ظهرها إذا لم يصاحبها لأن المتاع
стр. 2690
الذي بالدار لم يصاحبه أيضًا صاحب الدار، ولا له عليه حوز ولا يد. فهذا مما ينظر فيه تخريج مذهبه في المتاع المحمول على ظهر الدابة. هذا في تفليس المكتري.
وأما لو كان الذي فلس هو مكري الدابة، وكان الكراء في ذاته (١) بعينها، فإن المكتري أحق بها من غير خلاف، كمن اشترى سلعة معينة ففلس بائعها قبل تسليمها فإن العقد فيها لا يبطل بتفليس بائعها. وأمّا إنْ كان الكراء مضمونًا، وإنما اكترى منه حمل متاع أو طعام مضمون عليه في ذمته، ووصوله إلى المكان الذي اكترى إليه، فإنه إن لم يسلم إليه دابة يركبها لم يكن أحق بشيء من دوابه. وإن سلم إليه دابته يركبها أو يحمل عليها فذهب ابن القاسم في المدونة على أنه أحق، وفي غير المدونة لم يكن أحق، ولو كان يدير (٢) الدابة تحت الراكب. والقول الثاني أن الراكب لا يكون أحق.
فكأن المذهب الأول بناه على أنه إذا سلم إليه دابته فكأنه عيّن حقه فيه (٣)، فصارت كالمكتراة بعينها.
والمذهب الثاني قدّر فيه أن الكراء إنما (٤) كان مضمونًا فإنه لا يتعين على حال بدليل أن الدابة القياسلمت إليه لو ماتت في خلال الطريق لكان على ربها خلفها، فأشعر ذلك بانها لا تتعيّن بالتسليم. والدابة المعينة إذا اكتريت وهلكت في الطريق فإن الكراء ينفسخ وليس على ربها خلفها.
وأمّا لو كان الكراء في أرض لزرع، فزرعها المكتري ثم فلس، فإن مذهب مالك وأصحابه أن صاحب الأرض أحق بذلك في الفلس لا في الموت.
وفي المذهب قول آخر: أن صاحب الأرض أحق في الفلس والموت.
стр. 2691
وذهب الشافعي إلى أنه لا يكون صاحب الأرض أحق لا في الفلس ولا في الموت. ورأى أن الحديث الوارد يكون بائع السلعة أحق، قد اشترط فيه: إذا وجدها بعينها، وهذا إنما باع منافع وقد فاتت وليست موجودة، فلا يكون أحق فات (١) لاستحالة وجود عين يشار إليها بأنه أحق بها.
وكذلك عنده لو اشترى ماء فسقى به الزرع، فإن صاحب الماء لا يكون أحق بالزرع. وكأن مالكًا وأصحابه قدّروا أن صاحب الأرض لما أكراها، ومعلوم أن ذلك الزرع الذي نَبْتُهُ فيها عنها (٢) يكون وكأنه بعض أجزائها صار صاحب الأرض وكأنه بائع الطعام، وقد وجد طعامه بعينه، فيكون أحق به في الفلس وأسوة في الموت كمن باع سلعة بعينها.
ومن ذهب من أصحابنا إلى أنه يكون أحق في الموت أيضًا كما كان أحق في الفلس قدّر أن الزرع لِمَا يكون من الأرض وصارت الأرض كالحائزة له فحوزها له كحوز صاحبها، فكأن بائع هذا الطعام باعه ولم يخرج من يده، فيكون أحق به في الموت والفلس كما لو باع سلعة معينة ففلس مشتريها وهي في يد بائعها.
وأشار الشافعي إلى الرد على ما ذهب إليه مالك بأن من اشترى طعامًا فعلفه دابته فإن بائع العلف لا يكون له حق في الدابة، وإن كان بعض أجزاء الدابة تولّد عن العلف. وأشار أيضًا إلى أنه لا يوقف على حقيقة ما كان عن الأرض وعن البذر ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله سبحانه، فلما استحال العلم هنا بحقيقة ذلك لم يمكن أن يُعلق الحكم بما لم نعلم حقيقته.
ولنا نحن أن نجيب عن هذا بأنه وإن لم نعلم حقيقة ذلك فإن التغليب في مثل هذا مما جرى في الشرع أمثاله، فنغلب ها هنا حكم الأرض لأن ما نبت
стр. 2692
فيها الغالب أنه مضاف أكثره إليها وأقله إلى الزرع المحصود لرب الأرض تغليبًا لكون المتولد عن بذر الغاصب هو الأقل والمتولد عن أجزاء الأرض هو الأكثر.
فإنما يبقى النظر في صحة هذا التغليب.
وكذلك مذهبنا أن الأجير في خدمة الزرع أحق به في الفلس دون الموت.
وعلى القول الآخر هو أحق به في الفلس والموت.
والتعليل في ذلك كالتعليل الذي قدمناه في كون صاحب الأرض أحق بالزرع في الفلس خاصة، وفي الموت على القولين.
وكذلك لو استدان الزارع دينًا أحيى به زرعه، فإن صاحب الدين يجري مجرى صاحب الأرض ومجرى الأجير في خدمة الزرع.
ولو اجتمع أجراء ولكن استؤجر واحد وانصرف ثم استؤجر آخر لكان الآخر أحق بالزرع من الأجير الذي عمل قبله.
وقيل يُراعى أكثرهما عملًا فيكون أحق بالزرع وقيل يتحاصان.
فكأن من قدَّم الأخير رأى أنه أحيى الزرع ولولاه لم ينتفع بعمل الأول وبطل، فكان لذلك أحق به. فإن فضل عنه شيء كان ذلك الأخير (١) للذي قبله.
ومن راعى الأكثر سلك مسلك التغليب في هذه الأمور إذا اختلطت كما ذكرناه الآن. ومن قال بالمحاصة رأى أن ذلك مما لا يتميز مقدار المنفعة بعمل أحدهما دون الآخر فكانا شيئين (٢).
وكذلك لو استدان دينًا يبيح به زرعه ثم استدان دينًا آخر فإن الدين الآخر أحق مما قبله.
стр. 2693
ولو اجتمع أجير وصاحب الدين الذي أنفق في الزرع لكان الأجير أحق من صاحب الدين هكذا رأى بعض الأشياخ.
لكن الذي وقع في العتبية أن من استدان دينًا فزرع، ثم استأجر أجيرًا فعجز فاستدان دينًا للزرع، فإن صاحب الدين الأخير أحق لأن به حيي الزرع وتمّ، (وموجير الذي قبله) (١) ولولاه ما تمّ الزرع كان الأجير أولًا أو آخرًا فإن الآخر يكون أحق.
وقال الشيخ أبو محمَّد: هكذا في أصل الأمهات للأخير. فأصلحته أنا: الأجير. وإصلاحه هذا يصيّر الكلام غير مرتبي بعضه ببعض. وأيضًا ما في الأمهات لا يظهر غلطًا بل يمكن أن يريد: فإن الأخير الذي أخذ منه الدين أوْلى. وإليه أشار بقوله: الآخر مقدم لأنه أحق، وقدم ذكر دين بعد دين، وذكر في السؤال أن بالدين الآخر حيي الزرع. فأشار في أول السؤال إلى أن ربه عجز عن إحيائه. وهذا كله يقتضي أن الذي حيي به الزرع أوْلى وأحق.
ولو اجتمع أجير وصاحب الأرض ومن ارتهن الزرع فإن الأجير وصاحب الدين (٢) يقدمان على من بيده الزرع رهنًا لكون الزرع بعملهما وجد من مالهما. فإن فضلت كانت للمرتهن.
وعن مالك روايتان في اجتماع صاحب الأرض والأجير في الزرع، فروي عنه أن صاحب الأرض مقدم على الأجير، وإنما يأخذ الأجير مما فضل كراء (٣) صاحب الأرض تغليبًا لحكم الأرض على حكم العمل في الزرع.
والرواية الثانية عن مالك: أنهما يتحاصان لأن ما نبت من الزرع لا يوقف على حقيقة ما كان من عمل الأجير (وعن الأحق الأرض) (٤). ولو اجتمع مع
стр. 2694
صاحب الأرض أجير (١) وقلنا: إن صاحب الأرض والأجير يتحاصان، وأن الأجير الأخير مقدم على الأجير الذي قبله، لكان المنصوص في الرواية أن صاحب الأرض والأجير الأخير يتحاصان.
وقد يتخرج على طريقة أخرى أن الأجير يحاص صاحب الأرض بالأجير الذي قبله؛ لأن صاحب الأرض لو انفرد مع الأجير الذي قبله لحاصه، فإنما منع من محاصة الأجير السابق لرب الأرض هذا الأجير المتأخر، فلهذا المتأخر أن ينفرد بسهم هذا الأجير الذي قبله ويحاص به رب الأرض، كما تقول في جد وأخ شقيق: إنهما يقسمان المال نصفين، فلو كان مع الأخ الشقيق أخ لأب أخذ الشقيق ثلث المال وأخذ الجد ثلثه لأن الشقيق يقول للجد: لو انفرد معك الأخ للأب لقاسمك في المال، وإنما عصمك من أن يقاسمك المال وجودي أنا فتكون أحق بما منعك هذا الأخ للأب أن يأخده منك (٢).
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀: وإذا جمع الحاكم مال المفلس ليبيعه، فتلف قبل بيعه، فتلفُه من المفلس. فإن باعه فتلف ثمنه فالتلف من الغرماء، وقيل من المفلس.
وإذا ادعى المديان الفلس، ولم يعلم صدقه ولا ظهرت أمارة بصدقه (٣)، لم يقبل منه، وحبس إلى أن يتبين (٤) أمره ومدة الحبس غير مقدرة، وهي موكولة إلى اجتهاد الحاكم. فإذا ثبتت عسرته خلّى سبيله، ولم يكن للغرماء مطالبته، ولا إجارته ولا أخذه بعمل صنعة يكتسب منها، ولا استئناف (تملك إلى أن ييْسر) (٥). وكل دين ثابت في الذمة يستحق المطالبة
стр. 2695
به (١). (٢).
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ممن يكون ما ضاع مما وقف من مال المفلس.
٢ - وما حكم الاستدانة: هل هي جائزة أم لا؟
٣ - وهل إذا ثبت عسر الغريم ومنع القاضي من مطالبته: فهل يمنع الغرماء من ملازمته؟
٤ - وهل لهم أن يستأجروه في ديونهم؟
٥ - وهل تقبل دعواه الفقر أو لا؟
٦ - وما حكم الغلط في القضاء للديون؟
٧ - والغلط في بيع الورثة لتركة المديان؟
٨ - وما حكم من سكت من الغرماء عن القيام بالتفليس وقد قام به أصحابه؟
٩ - وما حكم إقرار المريض بالدين؟
١٠ - وما حكم إقرار أحد الورثة بدين على من يرثه؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: روي عن مالك فيه ثلاث روايات: أحدها: أن ضمان كل ما ضاع مما وقف من مال المفلس لغرمائه من المفلس حتى يصل ذلك إلى أصحاب الدين هذه رواية أشهب عن مالك، وأخذ
стр. 2696
بها ابن عبد الملك وسواء في هذه الرواية كان المال الموقوف عينًا وعرضًا أو غير ذلك من أنواع الأموال.
وروى عبد الملك بن الماجشون أن ضمان هذه الأجناس من الأموال من الغرماء الذين وقفت لهم عينًا كان أو عرضًا، ويضمن، ذلك من حضر من الغرماء أو غاب، ومن علم ومن لم يعلم، يضمن بقدر نصيبه. وبهذا المذهب أخذ ابن المواز.
وروى عنه ابن القاسم أن ما كان من العين دنانير أو دراهم وجدت بعينها فيما وقف عليه، أو صارت ثمنًا لما بيع عليه، فإن ضمان ذلك من الغرماء، وما كان عرضًا أو غيره سوى العين فضمانه من المفلس.
هذه الثلاث روايات مشهوراتٌ عن مالك. وذكر عن المغيرة قولًا رابعًا: إن ما كان من الدنانير يختص بضمانه من الغرماء من كان دينه دنانير، وما كان من الدراهم اختص بضمانه من له الدراهم. وذكره ابن الجلاب عن عبد الملك.
والمعروف الثابت عندنا عن عبد الملك ما قدمنا حكايته عنه، كما ذكرنا عن المغيرة أيضًا هذا المذهب وقد ذكر عنه وعن ابن وهب ومطرف أنهم يقولون بما روان ابن القاسم.
وكذلك اختلف النقل عن أصبغ هل يقول بما رواه ابن القاسم أو بما رواه
ابن الماجشون؟
وجملة الأمر أنه قد تقرر أن الديون في ذمة الغريم، وأن عليه توفيتها بكل ما يكال ويوزن ويصيرها معينة لمستحقها ممكّنًا منها.
وهذا يقتضي تصحيح ما رواه أشهب.
ولكن هذا الوقف لهذا المال لا منفعة فيه للغريم وقد حيل بينه وبينه ومنع منه لأجل الغرماء وتحصيل منفعتهم به، فيجب أن يكون الضمان ممن له
стр. 2697
المنفعة. وهذا يقتضي تقوية ما رواه ابن الماجشون. وكان ابن القاسم رأى أن العين مهيأ لتناول الغرماء له، لم يبق فيه من حقهم إلا قسمته بينهم، وتمييز حق من حق، والقسمة ليست ببيع على أحد الطريقتين، فلهذا ضمنوا العين، بخلاف العروض فإنها تفتقر إلى أن تباع وتصير أثمانًا فيقسم بينهما (١) الثمن.
فكان ضمانها من المفلس لكون العروض لم يستحقوا أعيانها.
فإن قيل: فمن كانت ديونه عروضًا إنما يستحق العروض؟ قيل: إنما يستحق أن يضرب له بقيمة العروض، وقيمتها من العين، ثم يشترى له بما وقع له في المحاصة مثل عروضه التي هي له في ذمة الغريم، فقد صار حقه في الدنانير والدراهم دون العروض، فشارك غيره من الغرماء في ضمان العين. وكأن المغيرة سلك الطريقة التي أشرنا إليها إن ثبت نقلها عنه، ورأى أن من له الدنانير يختص بضمان الدنانير دون من له الدراهم فإنه يختص بضمان الدراهم، لأن كل واحد منهما لا يستحق خلاف العين التي له في الذمة إلا بأن تباع له بالجنس الآخر إن كان دنانير بيعت بالدراهم وإن كانت دراهم بيعت بالدنانير. فإذا افتقر إلى المعاوضة أشبه العروض التي تفتقر إلى البيع. ولهذا قال، فيما حكيناه عنه: وأما العروض فمن المفلس. وكان طرد هذا التعليل يوجب أن يكون من له طعام ووجد من مالي المفلس مثله فإنه يكون ضمانه منه.
وقد حكى ابن المواز أن ابن القاسم فلو (٢) قيل له: فلو أخذ المفلس من العين الموقوف ما اشترى به سلعة فربح فيها؟ فقال: يكون الربح له يقضي منه دينه، فقيل له: كيف يكون له ربح ما ضمانه من غيره؟ فسكت.
وعندي أن له أن يقول: فإن المال إذا حيل بينه وبينه فتعدى على الدنانير فتَجَر فيها فإنها باقية في ذمته بالتعدي، وإن كانت برئت ذمته منها لو لم يتعد.
ومن تعدى على دنانير أو دراهم فتجر فيها فالربح له لأجل تعديه. وهذا يدفع
стр. 2698
المناقضة التي نوقض بها دفعًا ظاهرًا. ولعله إنما سكت استثقالَا" للمعارضة التي
هي كالمناقضة، والله أعلم.
وإذا تقرر الخلاف ومنشؤه من جهة النظر، فإنه لو بيعت دار على مفلس بمائة دينار ليقضي ثمنها في دين عليه، وهو مائة دينار، فضاع الثمن من يد أمين القاضي، فإن ضمانه، فيما حكاه ابن المواز عن ابن الماجشون وأصيغ، من الغرماء، وعليهم يرجع مشتري الدار إذا استحقت من يديه، ويقدر كأنهم قبضوا الثمن من قبل ضياعه وضاع وهو في أيديهم، فيكون للمشتري الرجوع بثمن ما استحق عليهم. ولو وجدهم فقراء والمفلس قد صار في يديه مال لكان أحق به من الغرماء لكونه إنما يأخذ ذلك من يد المفلس عنهم إذا بقي من ديونهم على المفلس ما يأخذ هذا الثمن الذي دفع منها، ولا يكون أسوة في هذا بل يقدم عليهم لكونه إنما يأخذ ذلك عنهم. فهكذا حكى ابن المواز عن ابن الماجشون.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يرجع من استُحِقَّت الدرا من يده على المفلس، فإن لم يجد له مالًا رجع على الغرماء.
وأما على رواية أشهب فإنه إنما يرجع على المفلس لكون الضمان منه حتى يصل الغرماء إلى حقوقهم، وهم ها هنا لم يصلوا إليها.
وقد اختلف قول الشافعي في هذا الفعنى فقال، فيما رواه المُزني عنه: إن المشتري الدار يرجع على المفلس التي بيعت عليه الدار بالثمن الذي دفع، ويقدم على غيره من الغرماء، روى عنه حرملة والربيع أنه يكون أسوة الغرماء.
وهكذا قال أشهب، من أصحابنا، أنه يكون أسوة الغرماء، خلافَ ما ذكرناه عن ابن الماجشون ولكن ابن المواز أشار إلى طريق يرجع بها على الغرماء، وهو كونه يأخذ ذلك من الغريم (قضاء عنهم مما بقي لهم على الغرماء من ديونهم) (١).
стр. 2699
ولكن قول الشافعي: إنه يقدم عليهم، نَحَا به طريقه أخرى، وذلك أن من يتولى بيع مال المفلس بإجارة يقدم في أخذها على الغرماء، لكون ذلك مصلحة لهم، وبسعي هذا الأجير يتوصلون إلى ديونهم وكذلك ها هنا من المصلحة لهم أن يقدم مشتري هذه الدار عليهم، حتى يشق من يشتري شيئًا من مال المفلس على يد القاضي أنه لا يخسر ويقدم على الغرماء. وإذا لم نقل بتقديمه، وجعلناه يحاصّ الغرماء إذا استحق ما في يده، وقف الناس على (١) شراء ما يبيعه القاضي على المفلس.
وأما القول الآخر الذي ذهب إليه أشهب، وهو أحد قولي الشافعي، من كونه أسوة مع كونه دينًا كالطارئ بعد الحجر، فإنما كان ذلك كذلك لكون هذا الدين يثبت في ذمة المفلس بغير اختياره، ولا دخل على أن يؤخر حقه في الرجوع على صاحب الدار عن حقوق الغرماء الذين سبقوه. بخلاف ما لو عامله رجل بعد الحجر عليه، فإنه لا يحاص الغرماء في المال الموقف ليباع لهم، لأنه عامله باختياره على أن يكون الثمن فيما يكتسبه من مال غير ما حجر عليه فيه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، فهذا يعم الدين كله، سواء كان من قرض أو بيع، وقد استدان النبي ﵇ ورهن درعه، ولكنه مع هذا شدّد في وجوب القضاء، وخاطب الطائفتين جميعًا:. مَن عليه الدين ومَن له الدين وذكر ما يدل على منع المطل به مع الغنى، وبالغ في التحضيض على القضاء، وذلك أنه كان لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا لعلمه ﷺ بعظيم موقع صلاته على الميت، وعظيم الانتفاع بها في الآخرة، وشدة التأسف على ترك صلاته على من لم يصل عليه وهذا من أعظم الدواعي لهم إلى أداء الديون التي عليهم. وقد قال ﷺ :
стр. 2700
"إن صاحبكم محبوس دون الجنة بدين عليه" (١) في رجل استشهد.
لكن أصبغ حمل الأحاديث الواردة في التشديد في الدين على أنها منسوخة، وأنها كانت قبل أن يفرض الله سبحانه الزكاة، ويأمران يقضي بها عن الغارمين، فصار بعد ذلك الإثم على السلطان إن لم يقض عن الميت دينه دون أن يكون في ذلك إثم على من مات معسرًا، إلا مَن ادان في سرف أو فساد. وذكر نحو ذلك عن ابن شهاب، وأكد ذلك بقوله ﵇: "من ترك مالًا لورثته" (٢) وفي رواية: "من ترك الكل للعيال التقيد ومن ترك دينًا فعلينا دينه" فقال رجل: يا رسول الله فمن لنا بعدك؟ فقال ﷺ : يأخذ الولاة بكم بمثل ما يأخذكم به لغرمائكم يوم القيامة" (٣)، ثم صار رسول الله ﷺ بعد ذلك يصلي على من مات وعليه دين.
وروي: أن معاذًا لما خلعه رسول الله ﷺ من ماله لغرمائه، وبقي لهم فقالوا: يا رسول الله، كيف بالتباعة؟ فقال ﵇: "لا تباعة في الدنيا ولا في الآخرة" (٤) يريد بالتباعة الإثم.
وروي: "أن من ادّان دينًا ينوي قضاءه أداه الله عنه وإذا لم ينو قضاءه أتلف الله".
وفي حديث آخر: "إذا مات أخذ من حسناته وإن كان ينوي قضاءه فالله قادر أن يرضي عنه غريمه، وروي: أنه من ادان في غزو أو حج أو كفن ميت لا كفن له أو في صلة رحم أو نفقة على العيال أو في نكاح لخوف العنت فعلى الله سبحانه، وعلى ولاة المسلمين أن يقضوا عنه".