بها ابن عبد الملك وسواء في هذه الرواية كان المال الموقوف عينًا وعرضًا أو غير ذلك من أنواع الأموال.
وروى عبد الملك بن الماجشون أن ضمان هذه الأجناس من الأموال من الغرماء الذين وقفت لهم عينًا كان أو عرضًا، ويضمن، ذلك من حضر من الغرماء أو غاب، ومن علم ومن لم يعلم، يضمن بقدر نصيبه. وبهذا المذهب أخذ ابن المواز.
وروى عنه ابن القاسم أن ما كان من العين دنانير أو دراهم وجدت بعينها فيما وقف عليه، أو صارت ثمنًا لما بيع عليه، فإن ضمان ذلك من الغرماء، وما كان عرضًا أو غيره سوى العين فضمانه من المفلس.
هذه الثلاث روايات مشهوراتٌ عن مالك. وذكر عن المغيرة قولًا رابعًا: إن ما كان من الدنانير يختص بضمانه من الغرماء من كان دينه دنانير، وما كان من الدراهم اختص بضمانه من له الدراهم. وذكره ابن الجلاب عن عبد الملك.
والمعروف الثابت عندنا عن عبد الملك ما قدمنا حكايته عنه، كما ذكرنا عن المغيرة أيضًا هذا المذهب وقد ذكر عنه وعن ابن وهب ومطرف أنهم يقولون بما روان ابن القاسم.
وكذلك اختلف النقل عن أصبغ هل يقول بما رواه ابن القاسم أو بما رواه
ابن الماجشون؟
وجملة الأمر أنه قد تقرر أن الديون في ذمة الغريم، وأن عليه توفيتها بكل ما يكال ويوزن ويصيرها معينة لمستحقها ممكّنًا منها.
وهذا يقتضي تصحيح ما رواه أشهب.
ولكن هذا الوقف لهذا المال لا منفعة فيه للغريم وقد حيل بينه وبينه ومنع منه لأجل الغرماء وتحصيل منفعتهم به، فيجب أن يكون الضمان ممن له
стр. 2697
المنفعة. وهذا يقتضي تقوية ما رواه ابن الماجشون. وكان ابن القاسم رأى أن العين مهيأ لتناول الغرماء له، لم يبق فيه من حقهم إلا قسمته بينهم، وتمييز حق من حق، والقسمة ليست ببيع على أحد الطريقتين، فلهذا ضمنوا العين، بخلاف العروض فإنها تفتقر إلى أن تباع وتصير أثمانًا فيقسم بينهما (١) الثمن.
فكان ضمانها من المفلس لكون العروض لم يستحقوا أعيانها.
فإن قيل: فمن كانت ديونه عروضًا إنما يستحق العروض؟ قيل: إنما يستحق أن يضرب له بقيمة العروض، وقيمتها من العين، ثم يشترى له بما وقع له في المحاصة مثل عروضه التي هي له في ذمة الغريم، فقد صار حقه في الدنانير والدراهم دون العروض، فشارك غيره من الغرماء في ضمان العين. وكأن المغيرة سلك الطريقة التي أشرنا إليها إن ثبت نقلها عنه، ورأى أن من له الدنانير يختص بضمان الدنانير دون من له الدراهم فإنه يختص بضمان الدراهم، لأن كل واحد منهما لا يستحق خلاف العين التي له في الذمة إلا بأن تباع له بالجنس الآخر إن كان دنانير بيعت بالدراهم وإن كانت دراهم بيعت بالدنانير. فإذا افتقر إلى المعاوضة أشبه العروض التي تفتقر إلى البيع. ولهذا قال، فيما حكيناه عنه: وأما العروض فمن المفلس. وكان طرد هذا التعليل يوجب أن يكون من له طعام ووجد من مالي المفلس مثله فإنه يكون ضمانه منه.
وقد حكى ابن المواز أن ابن القاسم فلو (٢) قيل له: فلو أخذ المفلس من العين الموقوف ما اشترى به سلعة فربح فيها؟ فقال: يكون الربح له يقضي منه دينه، فقيل له: كيف يكون له ربح ما ضمانه من غيره؟ فسكت.
وعندي أن له أن يقول: فإن المال إذا حيل بينه وبينه فتعدى على الدنانير فتَجَر فيها فإنها باقية في ذمته بالتعدي، وإن كانت برئت ذمته منها لو لم يتعد.
ومن تعدى على دنانير أو دراهم فتجر فيها فالربح له لأجل تعديه. وهذا يدفع
стр. 2698
المناقضة التي نوقض بها دفعًا ظاهرًا. ولعله إنما سكت استثقالَا" للمعارضة التي
هي كالمناقضة، والله أعلم.
وإذا تقرر الخلاف ومنشؤه من جهة النظر، فإنه لو بيعت دار على مفلس بمائة دينار ليقضي ثمنها في دين عليه، وهو مائة دينار، فضاع الثمن من يد أمين القاضي، فإن ضمانه، فيما حكاه ابن المواز عن ابن الماجشون وأصيغ، من الغرماء، وعليهم يرجع مشتري الدار إذا استحقت من يديه، ويقدر كأنهم قبضوا الثمن من قبل ضياعه وضاع وهو في أيديهم، فيكون للمشتري الرجوع بثمن ما استحق عليهم. ولو وجدهم فقراء والمفلس قد صار في يديه مال لكان أحق به من الغرماء لكونه إنما يأخذ ذلك من يد المفلس عنهم إذا بقي من ديونهم على المفلس ما يأخذ هذا الثمن الذي دفع منها، ولا يكون أسوة في هذا بل يقدم عليهم لكونه إنما يأخذ ذلك عنهم. فهكذا حكى ابن المواز عن ابن الماجشون.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يرجع من استُحِقَّت الدرا من يده على المفلس، فإن لم يجد له مالًا رجع على الغرماء.
وأما على رواية أشهب فإنه إنما يرجع على المفلس لكون الضمان منه حتى يصل الغرماء إلى حقوقهم، وهم ها هنا لم يصلوا إليها.
وقد اختلف قول الشافعي في هذا الفعنى فقال، فيما رواه المُزني عنه: إن المشتري الدار يرجع على المفلس التي بيعت عليه الدار بالثمن الذي دفع، ويقدم على غيره من الغرماء، روى عنه حرملة والربيع أنه يكون أسوة الغرماء.
وهكذا قال أشهب، من أصحابنا، أنه يكون أسوة الغرماء، خلافَ ما ذكرناه عن ابن الماجشون ولكن ابن المواز أشار إلى طريق يرجع بها على الغرماء، وهو كونه يأخذ ذلك من الغريم (قضاء عنهم مما بقي لهم على الغرماء من ديونهم) (١).
стр. 2699
ولكن قول الشافعي: إنه يقدم عليهم، نَحَا به طريقه أخرى، وذلك أن من يتولى بيع مال المفلس بإجارة يقدم في أخذها على الغرماء، لكون ذلك مصلحة لهم، وبسعي هذا الأجير يتوصلون إلى ديونهم وكذلك ها هنا من المصلحة لهم أن يقدم مشتري هذه الدار عليهم، حتى يشق من يشتري شيئًا من مال المفلس على يد القاضي أنه لا يخسر ويقدم على الغرماء. وإذا لم نقل بتقديمه، وجعلناه يحاصّ الغرماء إذا استحق ما في يده، وقف الناس على (١) شراء ما يبيعه القاضي على المفلس.
وأما القول الآخر الذي ذهب إليه أشهب، وهو أحد قولي الشافعي، من كونه أسوة مع كونه دينًا كالطارئ بعد الحجر، فإنما كان ذلك كذلك لكون هذا الدين يثبت في ذمة المفلس بغير اختياره، ولا دخل على أن يؤخر حقه في الرجوع على صاحب الدار عن حقوق الغرماء الذين سبقوه. بخلاف ما لو عامله رجل بعد الحجر عليه، فإنه لا يحاص الغرماء في المال الموقف ليباع لهم، لأنه عامله باختياره على أن يكون الثمن فيما يكتسبه من مال غير ما حجر عليه فيه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، فهذا يعم الدين كله، سواء كان من قرض أو بيع، وقد استدان النبي ﵇ ورهن درعه، ولكنه مع هذا شدّد في وجوب القضاء، وخاطب الطائفتين جميعًا:. مَن عليه الدين ومَن له الدين وذكر ما يدل على منع المطل به مع الغنى، وبالغ في التحضيض على القضاء، وذلك أنه كان لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا لعلمه ﷺ بعظيم موقع صلاته على الميت، وعظيم الانتفاع بها في الآخرة، وشدة التأسف على ترك صلاته على من لم يصل عليه وهذا من أعظم الدواعي لهم إلى أداء الديون التي عليهم. وقد قال ﷺ :
стр. 2700
"إن صاحبكم محبوس دون الجنة بدين عليه" (١) في رجل استشهد.
لكن أصبغ حمل الأحاديث الواردة في التشديد في الدين على أنها منسوخة، وأنها كانت قبل أن يفرض الله سبحانه الزكاة، ويأمران يقضي بها عن الغارمين، فصار بعد ذلك الإثم على السلطان إن لم يقض عن الميت دينه دون أن يكون في ذلك إثم على من مات معسرًا، إلا مَن ادان في سرف أو فساد. وذكر نحو ذلك عن ابن شهاب، وأكد ذلك بقوله ﵇: "من ترك مالًا لورثته" (٢) وفي رواية: "من ترك الكل للعيال التقيد ومن ترك دينًا فعلينا دينه" فقال رجل: يا رسول الله فمن لنا بعدك؟ فقال ﷺ : يأخذ الولاة بكم بمثل ما يأخذكم به لغرمائكم يوم القيامة" (٣)، ثم صار رسول الله ﷺ بعد ذلك يصلي على من مات وعليه دين.
وروي: أن معاذًا لما خلعه رسول الله ﷺ من ماله لغرمائه، وبقي لهم فقالوا: يا رسول الله، كيف بالتباعة؟ فقال ﵇: "لا تباعة في الدنيا ولا في الآخرة" (٤) يريد بالتباعة الإثم.
وروي: "أن من ادّان دينًا ينوي قضاءه أداه الله عنه وإذا لم ينو قضاءه أتلف الله".
وفي حديث آخر: "إذا مات أخذ من حسناته وإن كان ينوي قضاءه فالله قادر أن يرضي عنه غريمه، وروي: أنه من ادان في غزو أو حج أو كفن ميت لا كفن له أو في صلة رحم أو نفقة على العيال أو في نكاح لخوف العنت فعلى الله سبحانه، وعلى ولاة المسلمين أن يقضوا عنه".
стр. 2701
وفي حديث آخر: "قضى الله عنه يوم القيامة وهذا كله تشديد في الديون وتحذير من ترك قضائه وخاطب أيضًا طالبها من جهة أخرى بالرفق والمسامحة، فقال: "أحب الله عبدًا باع سمحًا، إذا قضى سمحًا، إذا اقتضى سمحًا" وقال: "ليأخذ حقه في عفاف واف" (١) أو غير ذلك وروي أنه ﵇ قال: "من سره أن يفرج الله كربه ويعطيه سؤله" وفي حديث آخر أن يظله الله في ظله فلينظر معسرًا أو يخفف عنه" إلى غير ذلك مما أضربنا عن ذكره مما تعلق بهذا الحديث.
والجواب عن السؤال الثالث:
قد قررنا أن القاضي إذا رُفع إليه مَن عليه دين كان عليه أن يمكّن غرماءه من استيفاء حقوقهم، فإن تنصل منها الغريم وقضاها فلا مقال (له عليه الدين) (٢).
وإن امتنع من ذلك باع عليه ما ذكرناه، وكشف عنه، فإذا ثبت عسره أطلقه، ومنع الغرماء من مطالبته، حتى يجد ما يقضي منه دينه، وليس لهم بعد ذلك أن يلازموه عند مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: بل لهم ملازمته واتباعه والتصرف معه حيث يتصرف، ويدورون معه حيث دار، ورأى أن ثبوت إعساره إنما يستوفي عنه مطالبتهم، وأما كل ما يؤدي إلى عشورهم (٣) على مال يأخذون منهم (٤) حقوقهم فلا يمنعون منه. وهم إذا منعوا ملازمتها (٥) أمكن أن يكسب مكسبًا يخفى عنهم، فصار المنع من ملازمته يؤدي إلى إبطال حقوقهم.
стр. 2702
ويحتج أيضًا برواية زياد عن أبيه حبيب أنه قال: أتيت بغريم إلى النبي ﷺ فقال لي: "الزمه" ومرّ بي بعد ذلك وأنا معه فقال لي "ما فعلت يا أخا تميم مع أسيرك" (١) وهذا أمر بملازمة الغريم.
وأجيب عن هذا بأنه لما وافقنا على أنه لا تجب مطالبته فكذلك لا تجب ملازمته، ألا ترى أن الدين إذا كان مؤجلًا فليس للغرماء أن يلازموا الغريم وإن قرب الأجل لما كانوا لا يستحقون المطالبة، فلهذا لم يستحق (٢) الملازمة وأما حديث حبيب، فهي قضية في عين لم، يذكر سببها، ويمكن أن يكون أراد الملازمة حتى يثبت دينه عليه، أو حتى يخاصمه بين يديه. وإذا احتمل ذلك لم يكن لأبي حنيفة حجة في هذا الحديث مع احتماله.
ولنا عليه ما روي: "أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها، على عهد النبي ﵇، فأكثر دينه فقال ﵇: "تصدقوا عليه" فلم يبلغ وفاء دينه فقال ﷺ : "حذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك" (٣).
وقد روي "أن معاذًا كثر دينه فلم يزد النبي ﵇ غرماءه على أن خلع لهم ماله" (٤).
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
قد قدمنا القول فيما يباع على الغريم إذا حكم بفلسه. وكان من حق هذه المسألة أن تذكر هناك، لكن تَوَخَّيْنَا موافقة الترتيب في المدونة.
فعند مالك والشافعي وأبي حنيفة أن المفلس لا يؤاجر في الدين.
стр. 2703
وذهب بن عبد الله قاضي الكوفة وعبيد الله بن الحسين العنْبري وأحمد وإسحاق إلى أنه يؤاجر في الدين إذا كان يكتسب ما يفضل عن نفقته.
ونحن نقول: إن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) والمفلس وإن كان قادرًا على الاكتساب بخدمته فهو ذو عسرة، والله سبحانه حكم فيه بأن يؤخر إلى نظرة وجَبْره على أن يؤاجر نفسه ليس هو التأخير إلى نظرة.
وذهب المخالفون في ذلك إلى التعلق بما روي أنه ﵇ "باع سراق (٢) في دين عليه" (٣)، وروي أنه "باع حرًا في دينه" (٤)، وهذا الحديث لا بد للمخالف أن يضمر فيه إضمارًا إذا وقع الاتفاق على أن الحر لا تباع رقبته في الدين.
وإذا ثبت الافتقار إلى إضمار فأضمروا هم في قوله "باع حرا في دينه" أنه أراد: باع منافعه.
ولنا نحن أن نضمر أنه أراد به: باع ماله. وأيضًا فإنا نقول: يمكن أن يكون رضي الحر بأن يؤاجَر في الدين. ونحن لا نمنع من ذلك إذا رضي بها الحر، وإنما نخالف من ذكرنا مذهبه في أنه لا يجبر على ذلك إذا امتنع.
وأما قوله "باع سرقًا في دين" فيحتمل تأويلات ثلاثة، وهو: أن يكون هذا الرجل عبدًا، ونحن نسلم بيع العبد في الدين.
لكن لهم أن يقولوا: أما تأويلك أن يكون المراد أنه آجره برضاه فتعسف لأجل أنه إذا كان رضي ذلك لم يحتج إلى أن يؤاجره النبي ﵇.
стр. 2704
قلنا: يمكن أيضًا أن يكون تولّى النبي ﵇ ذلك ليقسم إجارته على غرمائه، إذ المحاصة بين الغرماء يفتقر فيها إلى التحاكم. وقد ذكر في حديث "سرق" تأويل آخر: أنه كان في أول الإِسلام، وكان الحر يباع في الدين حينئذ.
وذكر بعض العلماء أن زيد بن أسل قال: "لقيت رجلًا بالاسكندرية سميَّا بهذه التسمية، فسألته عنها، فقال: إني قدمت المدينة وذكرت لهم أن مالي سيلحقني، فعاملوني، فلم يصل إليهم مال، فدفعوني إلى النبي ﵇ فقال: "أنت سرق" وباعني بأربعة أبعرة، فاشتراني رجل أراد عتقا، فسأله الغرماء عن سبب شرائه لي فأخبرهم أنه يريد عتقي، فقالوا: لست بأرغب منّا في الخير فأعتقوني أجمعون" (١). هذا معنى هذه الحكاية المروية. وقد انعقد الإجماع على أن الحر لا يباع في الدين فإن ثبت ما ذكر في هذا الخبر فقد كان ثم نسخ.
وكان بعض أشياخي يحمل ما ذكرناه عن المذهب في هذا على أن ذلك في التجار الذين يعاملون على أموالهم وذممهم. وأما إن كان صانعا صعلوكًا يعلم أنه لا يكتسب إلا من عمل يده فإنه إنما يعامل الناس عليه. فإذا استدان دينًا وفضل له من عمل يده ما يجب أن يصرف مثله (بمثله من المفلسين) (٢) فإنه يجبر على التكسب من عمل يده، وإذا امتنع من ذلك استأجره القاضي ويصير عمل يديه ها هنا كمال التاجر الذي يعامل عليه. هذا إذا عومل بدين وأما لو استؤجر على شيء بعينه، مثل حياكة ثوب. يحوكه بنفسه، فإنه يجبر على عمل ذلك وإن أدى إلى أن يقتات من تكرم الناس. وتصير هذه المنافع كانه باع سلعة معينة فعليه تلسيمها وإن أضر ذلك به، ما. لم يخش عليه منه تلف النفس لعذر
القوت ولو تكفف الناس.
стр. 2705
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا رفع الغريم للقاضي، وطلبه بقضاء ما عليه من ديون ثبتت عنده عليه، فادعى العجز عنها، فإنه يعتبر في ذلك وجهان:
أحدهما سبب الدين. والثاني: حال الرجل الذي عرف بها.
وأما اعتبار سبب الدين، فإنه إن كان الدين عن معاوضة مالية، كمن اشترى من رجل متاعًا أو ما في معناه من أنواع ما يتجر به، فلما طلب بالثمن وقد قبض المثمون وزعم أنه عاجز عن ذلك فإنه لا يصدق في ذلك بالاتفاق بمجرد قوله، حتى يظهر ما يدل على صدقه. وذلك أن الغِنَى مما يعلم قطعًا، والفقر مما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ومَن يدعيه في نفسه. وأما سائر الناس - فتجوز عقولهم أن يكون عند الرجل مال أخفاه، لكن ربما كانت قرائن أحوال تبلغ إلى العلم ولكنها مما لا يمكن تنويعها وتقديرها، وهي أيضًا مما يندر ويشذ. واستصحاب الأصول هو مقتضى الشرع وقد علم أن هذا أخذ المثمونات فإذا ادعى الفقر قيل له: فأين المثمونات؟ فأظهرها لياخذها أصحابها أو يأخذون أثمانها. وقد صار ها هنا كالمعلوم الكذب في ظاهر المظنون، فلهذا قلنا لا يقبل دعواه الفقر إلا أن يثبت ما يدل على صدقه من جوائح طرأت على ما في يده فعلمت بنظر فيها إذا ثبتت.
والنوع الثاني من أسباب الاستدانة أن يكون ذلك عن معاوضة ولكنها ليست بمالية، كمن وجب عليه صداق امرأة، فالصداق ثمن لمثمون ولكن المثمون مما لا يباع ولا يشترى.
ويلحق بذلك نوع ثالث وهو أن يكون الدين عن غير عوض لا مالي ولا غير مالي كنفقة الأبوين والأولاد، وكمن وجب عليه تقويم شِقص في عبد عتق نصيبه منه، فهذا قد يقع فيه إشكال، بخلاف ما كان عن معاوضة. فوقع في المبسوط لمالك ﵁ ما يشير إلى أنه يصدق في دعوى الفقر لأنه قال:
стр. 2706
إنما يفلس الرجل التاجر، وأما من كان ليس بتاجر ولا يتهم أن يكون أخفى مالًا فليس يفلس ولا يستحلف. فأشار إلى أن التجار إنما يُطلبون بديون عن معاوضة، فنحن نستصحب ما عرفوا به من المَلإ حتى يثبت خلافه، وإلى مثلهم تطرق التُّهم بأنهم أخفوا المال. وأما من ليس بتاجر وكان مشتهرًا بالصعلكة وقلة ذات اليد، فالظاهر صدقه في دعواه الفقر، فيقبل ذلك منه.
وقد مال بعض الأشياخ الحذاق إلى ما هو المعروف من المذهب من أن دعوى الفقر لا يقبل من الغريم من غير التفات إلى سبب المداينة. وقال: إن الأغلب من الناس اليسار فهذا مسلك آخر وهو رد النادر إلى الأغلب والغالب عنده من الناس اليسار.
والطريقة الأخرى استصحاب الحال في كون من أخذ الأعواض فهي باقية عنده وأثماره أو عُرف بالمال فإنه يستصحب ذلك منه حتى يثبت خلافه.
وبالجملة قد نبهتك على أن المطلوب من ثبوت الفقر غلبة الظن، إذ لا (يحتج القطع) (١) على باطن الأمر. وغلبات الظنون تختلف وتستمد من الالتفات إلى مجاري العادات في أمثال الأشخاص المدعين الفقر، وقرائن حال كل واحد بعينه، وإن لم يمكن ذلك فيه فيتلقى من مقتضى العوائد في أمثاله. فهذا الذي يجب أن يعتمد عليه.
ومما ينبني على هذا الأصل مما ورد في الروايات ما ذكره في المبسوط عن عبد الملك بن الماجشون من كون (٢) وجب عليه تقويم بقية عبد قد أعتق هو منه نصيبه، فإنه يقبل منه دعواه عجزه عن القيمة التي وجبت عليه إن لم يكن له مال ظاهر، وقد سئل عنه جيرانه ومن يعرفه فقالوا: لا نعرف له مالًا ويحَفف، وقال سحنون: جميع أصحابنا على هذا إلا اليمين فإنه لا يوجبونه. وقد قدمنا عن مالك في المبسوط أنه من ليس بتاجر ولا يتهم بإخفاء ماله أنه لا يفلس ولا
стр. 2707
يستحلف. وكأن من استحلفه قدر، أن أقصى أحوال هذه القرائن إن شرطنا بأنه صدق من دعواه الفقر. ولو شهدت بينة بفقره وإعساره فلا بد أن يستحلف خلافًا لأبي حنيفة في ذهابه إلى أن من شهدت بينة بكونه معسرًا فإنه لا يستحلف مع شهادة البينة بذلك.
وبالغ في الإنكار عليه بعض العلماء وقال: إن الشهادة بالفقر إخبار بظاهر الأمر دون باطنه فلا بد من أن يحلّف على صحة ما ادعاه من باطن أمره الذي لا يصح أن يعلمه من شهد بفقره وهذا كمن استحق سلعة بشهادة بينة أنها ملك له، فلا بد أن يحلف: أنه ما باع ولا وهب لكون الشهود لا يعلمون هذا الباطن بل يجوز أن يكون باع أو وهب. ولأجل الالتفات إلى تصحيح ما ادعاه من الباطن أشار مالك إلى الوقف عن قبول شهادة من شهد بفقر رجل وإعساره، وهو معروف بالمال والملاء، وقال: من أين يعرف الشهود ذلك؟ إلا أن يكون اطلعوا على الأسباب التي ذهب ماله لأجلها، يشهدون بأمر يقطعون: وهو ذهاب ذلك المعلوم من المال.
وإلى هذا أيضًا ذهب الشافعي فقال: لا تقبل الشهادة يكون الرجل المعروف بالملاء معسرًا، وتقبل الشهادة إذا ذكر الشهود أسباب ذهاب ماله. إلى هذا المعنى أشار الشافعي، وهو نحو مما أشار إليه مالك. وهكذا أيضًا مذهب الشافعي في مراعاة استصحاب الأصل الذي عليه الإنسان من غنى أو فقر. وهذا الاستصحاب في مثل هذا السؤال أشار إليه الشرع: فمن ذلك ما روي: أن رجلين أتيا إلى النبي ﵇ فسألاه في الصدقة، أعطيكما بعد أن أعلمكما أنها لا حقالغنئ فيهالأولا لذي مكسب فيها (١)، فاعطاهما الصدقة تعويلًا على ظاهر أمرهما أنه لم يعلم لهما مالًا. وروي عنه أنه ﵇ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاث" وذكر إلى أن قال: ورجل ذكر أنه أصابته جائحة
стр. 2708
فاجتاحت ماله لا حتى تشهد بينة من ذوي الحجا من قومه أن جائحة اجتاحت ماله (١). فاستصحب في الحديث الأول كونه لا يعلم له مالأوالأصل عدم المال وإنما يكتسب بعد ولادة الإنسان وبلوغه الاكتساب. وعول في الحديث الثاني على استصحاب كونه مليئًا على موجب اعترافه بالملاء أو العلم بذلك بغير اعترافه، فإذا كشف عنه فأخبر بعَضِّ جائحة ماله قابل الظن بصدقهم الظن باستصحاب ما كان عليه من حال. وكان هذا الخبر المستفاد من ناحية خبر ثلاثة من قومه أقوى من الظن المستفاد من استصحاب حال ما كان عليه. ولم يطلب في هذا ما طلب من تحديد الأعداد في الشهادات لأن المطلوب ها هنا حصول غلبة الظن بصدقه من كون ماله قد أصابته جائحة. فصار الناس على ثلاثة أقسام: معلوم الغنى: فنحن نستصحب غناه حتى يثبت خلافه.
ومعلوم الفقر بالبيّنة وبقرائن حاله ومقتضى صنعته ومتكسبه. ومجهول الحال.
فهذا المجهول الحال الذي لا يعلم فقره أو غناه، وقد يُلتفت فيه إلى اعتبار سبب المداينة على ما قلناه من المعروف من المذهب على ما حكيناه عن بعض الأشياخ من كون الغالب من الناس اليسار. فهذا المجهول الحال يحبس حتى يستبرأ أمره وينكشف للقاضي ويثبت عنده إعساره فيطلقه من الحبس. وقد قال مالك: لا يحبس في الدين حر ولا عبد إذا لم يتّهم بأنه أخفى ماله. إلا أن يحبس مقدار ما يستبرأ أمره ويكشف عن حاله.
وحبس الغريم عند دعوى العجز عن القضاء ثابت على الجملة عند مالك والشافعي وأبي حنيفة ومدة الحبس غير محدودة بل موكلة إلى اجتهاد القاضي.
ويستعد (٢) تحديدها في كل شخص من اعتبار ما كان عليه من ظن به أنه لا يعجز
стр. 2709
عن قضاء هذا الدين، ومن كونه ممن يتجلد على الحبس، وهو عنده أخف من إظهار ما كتم من مال، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى من قرائن الأحوال.
فلكل نازلة حكمها، هذا هو التحقيق فيها. قال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا: يحبس في الدريهمات اليسيرة نصف شهر ونحوه، وفي الوسيط من ذلك الشهرين والثلاثة، وفي الكثير من المال الأربعة أشهر وهكذا نقل عن أبي حنيفة: إنما يحبس الشهرين والثلاث قولًا على الإطلاق. ونقل عنه أنه يحبس أربعة أشهر. وبعض أصحابه قال: أربعة أشهر حبس لمن كان غنيًّا، وما سواه لمن لم يكن كذلك. وبالجملة فلا يقوم على التحديد دليل، فإنما يعتبر فيه ما ذكرناه من حصول غلبة الظن بصدقه في فقره، أو يشهد له من يعلم كثيرًا من باطن حاله كالشريك، والصديق، والمخالط.
وقد استدل بعض الناس على حبس الغريم بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (١) وهذا في معنى الحبس.
ولو استدل بهذه الآية على حبس الغريم ما كنا قدمناه عن أبي حنيفة من كونه يرى أن الغرماء أصحاب الديون أن يلزموا غريمهم ويدورون معه حيث دار، لكان ذلك أولى من الاستدلال بها في حبس الغريم.
وإذا ثبت وجوب الحبس على الجملة بالتشديد فيه والتضييق والتسهيل فيه بحسب أيضًا ما تقتضيه غلبات الظنون، فيضيق في حبس الملك (٢) المتهم بإخفاء المال المعروف بسوء القضاء ما لا يضيق فيمن كان بخلاف هذا الحال.
وقد اختلف المذهب في تمكين زوجته من الكون معه في الحبس بموضع يسوغ لها أن تكون فيه لتبيت معه أو لتخدمه، ولا يخرج لتمريض قريب إلا الأبوين والولد والأخوة ومن مثلهم في القرابة، ولا يخرج لمن سوى ما ذكرنا من القرابات.
стр. 2710
فإذا اشتد مرضهم وخيف عليهم الموت فأراد أن يخرج ليسلم عليهم فإنه يؤخذ عليه كفيل ويمكن من ذلك. ولا يخرج بحج، ولو كان أحرم به لم يمنع ذلك حبسه وهو محرم، ولو كان قد نزل بذلك مكة أو عرفة لم يحبس لقرب الأمر في ذلك، ويؤخذ عليه كفيل ولا يخرج لصلاة الجمعة ولا العيدين.
وقال بعض أشياخي: هذا الذي ذكره محمَّد بن عبد الحكم من أنه لا يترك للخروج لصلاة الجمعة إنما يصح على قول من شذ من الناس ورأى أن صلاة الجمعة فرض على الكفاية. ذكرناه في كتاب الصلاة من كتابنا هذا.
وعندي أن هذا لا يخرج منه كون من ذهب إليه يرى أن صلاة الجمعة فرض على الكفاية لأن صلاة الجمعة عبادة لها بدل، وهي تسقط لأعذار في أحد القولين لشدة المرض، وقد أبيح التيمم والانتقال عن الطهارة بالماء إذا طُلب المتوضئ في الماء بثمن كثير، فكذلك لا يبعد أن يكون الخوف على تلف مال الغرماء إن خرج هذا للجمعة عذرًا في إسقاط فرض الجمعة والأولى عندي ألا يمنع من ذلك إذا كان يقع منه ذلك لا (١) صفة لا يلحق الغرماء منها ضرر ولا إضاعة لمالهم. ولو فرض (٢) وهو في الحبس لم يخرج إلا أن يذهب عقله فيخرج حتى يعود إليه عقله، لأنه إذا ذهب عقله لم يعلم حيث هو هل هو محبوس أو مطلق؟ ولا فائدة حينئذ في حبسه.
ولو كانت له أمة واضطر إلى أن تمكن من خدمته في مرضه ويخشى عليه إن لم يمكن من ذلك مكن منه أيضًا على صفة لا يحلق منها الغرماء ضرر أشد من ضرره.
وجميع ما ذكرناه في حبس المفلس يعلم (٣) كل مفلس إلا مفلسًا له حرمة
стр. 2711
على طالب الدين منه كالأبوين فإنهما لا يحبسان في دين الولد عليهما لأجل حرمتهما عليه ووجوب برهما لديه، وتحريم الباري سبحانه عقوقهما على الولد وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) وهذا غاية في المبالغة في النهي عن فعل ما يؤذيهما ويكون عقوقا لهما. وحبسهما لا يخفى عن العقلاء أنه أبلغ في أذاهما من أن يقال لهما: أف. ولكن لا يظلم أيضًا الولد لهما بل يتكلف القاضي من التشديد عليهما ما يؤديه الاجتهاد إليه في تخليص دين الولد عليهما، وإيصال ذلك إليه. لكن لو كان الأب امتنع من الإنفاق الواجب عليه لابنه الصغير ولم يمكن القاضي أخذ ذلك منه إلا بحبسه فإنه يحبسه في ذلك.
وعلل ابن عبد الحكم هذا بأن ذلك إن لم يفعل أدى ذلك إلى ضرر الولد وهلاكه.
وعندي أنه يمكن أيضًا أن يضاف إلى ذلك علة أخرى وهي أن الولد الصغير غير مكلف، وإذا كان القاضي هو الذي حبس والد الصغير فكأن الصغير لم يعق أباه ولا هو الذي حبسه وأنه حبسه من لا حرمة بينه وبينه، وهو القاضي، في حق الله سبحانه الذي طُلب به القضاة في صيانة حياة من لا يعرف صيانتها وصيانة ماله.
ولو كان على هذا التعليل ابنة بلغت بكرًا في حجر أبيها فهي مخاطبة بأن لا تعق أباها، وطلبت هي حبسه في الإنفاق عليها عُدنا إلى التعليل الأول وهو: ما يلحق الولد من الضرر وخوف الهلاك لسبب عدم الإنفاق.
ولو كان في يد الأب مال لولده وعلى الولد دين يحبس الأب، ها هنا حتى يسلم ما في يديه، إن لم يقدر على تخليص ذلك منه بغير الحبس. وكان هذا لِحَقِّ رجل آخر وهو الذي له الدين على الولد وهو أجنبي من الأب،
стр. 2712
(وهذا أجنبي من الأب) (١) وهذا مثل ما اتفق أن السيد لا يحبس في دين لعبده عليه لأن له انتزاع ماله، إلا أن يكون على العبد دين فحبس فيه سيده لحق غرماء العبد.
وأما الجد والجدة فإنهما يحبسان في دين ولد ولدهما لنقص حرمتهما عن حرمة الآباء والأمهات.
لي في إطلاق هذا القول الذي وقع في المذهب نظر. وقد يختلف حال الأجداد وتأكد حرمتها على أبناء البنين ويختلف مقدار المال الذي يطالب به ولد الولد.
وقد اختلف في القصاص من الأجداد على ما سيرد ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما إذا طلب الولد تحليف أحد أبويه على مال له عنده جحده إياه، فإن المذهب على قولين:
أحدهما وهو المذكور في المدونة: لا يمكن الولد من تحليف أبيه.
وفي الموازية أنه لا يمنع من ذلك، ولكن يكون ذلك جرحة عليه يوجب رد شهادته وكونه عاقّا.
ولابن الماجشون في ثمانية أبي زيد أنه لا يمنع من ذلك، ولأن (٢) فعله لم يكن عاقا. فوجه المنع من تمكين الولد من تحليف أبيه ما أشرنا إليه في تعليل منعه من حبس أبيه، لأن التحليف أيضًا في امتهان الأب وهتك لحرمته فيمنع الولد منه.
ووجه القول بتمكينه من ذلك أن التحليف (لا يبلغ في هتك الحرمة) (٣)،
стр. 2713
وللولد حق من جهة طلب ماله، فلا يسقط حق الولد لحق الأب لاحترامه. وهذا التعليل يطابق ما ذكره في الثمانية من تمكينة من تحليفه ولا يكون عاقا بذلك.
وأما الذي في الموازية فإنه يسبق إلى النفس تعارضه لأن العقوق منكر، والمنكرات على القضاة تغييرُها والمنع منها.
لكنه أفتى القاضي بما يجب عليه من التمكين، ثم خاطب الولد بالكف عن ذلك لما فيه من العقوق. فكان فرض القاضي التمكين وفرض الولد أن لا يفعل ما مكن منه. فهو خطاب لشخصين.
والذي يختاره أشياخي في هذا الاعتبار حال الأب، وارتفاع قدره، ومقدار ما يحط من نزلته مبادرته إلى اليمين، ومقدار أيضًا ما يحط ذلك من مقدار الولد. ثم الالتفات إلى مقدار الدين: فإن كان الدين حقيرًا والولد موسرًا، وهو رفيع القدر في الناس، ويحط ذلك أيضًا من مقدار الولد، فإنه لا يمكن من ذلك. فالعكس في عكس هذه الأحوال فكأن هذا مبني عند أشياخي على تغليب أحد الضررين لما تقاوم الحقان: حق الأب في أن لا يُعَق، وحق الولد في أن لا يؤخذ منه ماله.
هذا الحكم في الغرماء أقارب كانوا أو أجانب إذا تفالسوا.
وأما إن لم يدع الغريم الفلس وسأل الإمهال حتى يجتمع ما يقضي منه الدين، فإن سحنونا ذهب إلى أنه يمهل اليوم ونحوه، ويؤخذ عليه حميل بمال فإن لم يأت بحميل سجن.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يؤخذ بقدر الاجتهاد في مقدار كثرة المال وقلته.
وهكذا في المبسوط من غير تحديد لمقدار التأخير. ولم يذكر في الكتابين أخذ حميل عليه كما قال سحنون.
ورأى بعض أشياخي أن المذهب على قولين في أخذ الحميل وفي
стр. 2714
الاستحلاف على صحة عذره أنه يتعذر عليه القضاء في الحال.
والخلاف في أخذ الحميل ينبني على الالتفات إلى ما دخل عليه الغرماء على غريمهم في الدين المؤقت بأجل محدود: هل التحديد والتوقيت دخل المتعاملان على أنه لا يتعدى، فيكون تعديه لسبب حدث بخلاف ما دخلا عليه يوجب الحميل، أو يقال إن التوقيت كالمتضمن لزيادته عليه معتادة في حكم الاقتضاء، فيصير كأنها مضافة إلى الأجل فلا يلزم الحميل كما لو طلب من له الدين حميلًا به قبل حلول الأجل. واختلف اختيار الأشياخ: فبعض أشياخي يرى أن لا يؤخذ الحميل، وبعض أشياخي يرى التمكين من طلب الحميل.
والسبب في الخلاف ما أشرنا إليه.
وإذا طلب المفلس أن يثبت فقره ليسلم من الحبس، فهل ينجيه من الحبس أخذ حميل بوجهه أم لا؟
فمذهب ابن القاسم أنه إذا أتى بحميل لا يحبس.
ومذهب سحنون أنه لا ينجيه إتيان حميل بوجه من الحبس.
وسبب هذا الاختلاف أن حميل الوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وأثبت الغريم المحَمَّل بوجهه فقره، وحلف أنه ما أخفى مالًا ولا يجد ما يقضي، فإن الحمالة تسقط، ولكن بشرطين: إحضار الغريم، وإثبات فقره. وفقره لا يثبت بمجرد الشهادة بكونه فقيرًا حتى يحلف، كما قدمنا ذلك، وذكر مخالفة أبي حنيفة في يمينه. فإذا تحمل رجل بوجه الغريم المفلس فإنه يمكن أن يهرب الغريم فإن أثبت الحميل فقر الغريم في غيبته بقي استقلال (١) القضاء بفقره يمينه على أنه ما أخفى مالًا، وذلك مما لم يمكن أن يحلفه الحميل عنه.
وكان ابن القاسم يرى أن هذه يمين استظهار وحبسه قد يمنعه من السعي في إثبات فقره فيلحقه الضرر بالحبس، ولا يوقع في هذا الضرر بعد يمين
стр. 2715
استظهار. فلو التزم الحميل أنه إن تعذرت هذه اليمين التي يُطلب بها الغريم إذا حضر لقام (١) بالمال، ارتفع هذا الخلاف بين ابن القاسم وسحنون. وكان الخليفتان ﵄ يضيفان إلى يمين المفلس على أنه ما عنده ما يقضى منه، وأنه إن وجد مالًا في المستقبل ليقضى منه. فأضافا ﵄ إلى اليمين على صفة الحال اليمين على ما يكون في الاستقبال. وهذا تأكيد في الاحتياط والاستظهار لئلا يقوم الغريم بعد مدة يمكن أن يكتسب الغريم فيها مالًا فيطلب صاحب الدين استخلافه أنه لم يكتسب في هذه المدة مالًا فيتكرر ذلك فتكون تقدمة اليمين عليه كالحاسم لمضرة التكرير.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد تقرر في أصول الشرع بناء الأحكام على الاحتياط وصيانة الأموال على أربابها. فإذا وجب تفرقة مال مديان على غرمائه فلا تخلو من أن يكون غير معروف بالمداينة والإكثار منها حتى يغلمب على الظن، ويقتضي ظاهر الحال ألا طالب لماله سوى (من حاول القاضي أو يقضيه دينه) (٢)، أو يكون مكثرًا للاستدانة حتى لا يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميع غرمائه في الحال، وإن كان كذلك، وإنما يفرق القاضي تركته على الغرماء وقد مات، فإنه يجب الاستيناء في قضاء من حضره من الغرماء والبحث عمن سواهم، حتى يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميعهم.
وأما إن كان مفلسًا فانه اختلف: هل يستأني بقضاء من حضر من الغرماء كما يُستأنى بتركته أم لا؟ ففي المدونة قولان في هذا المعنى: فذكر ابن وهب عن مالك أن الغائب إذا مات استؤني بقسمة تركته على غرمائه. وكذلك إذا فلس.
وقال غيره لا يستأنى قسمة مال المفلس بين غرمائه كما يستأنى في تركة
стр. 2716
الميت. (قد انقطعت وخربت بالضرر بالمبادرة بقسمتها على من حضر من الغرماء بعظم موقعه لجواز طريان غريم فلا يجد ما يعلى فيه دينه وإن عدى على الغرماء وهم تفرقوا شق ذلك عليه) (١).
وأما المفلس فإن هذه العلة موجودة أيضًا في ماله إذا قسم بين غرمائه، فيجب فيه الاستيناء على أحد القولين، ولا يجب على القول الآخر، لأن الضرر في ذلك يتقاصر عن الضرر في قسمة تركة الميت بين غرمائه، فلم يلحق حكمه بحكم من مات مفلسًا مع كون الغرماء استحقوا أخذ ديونهم معجلة، وتأخيرها إضرار بهم. فغلِّب في التفليس ضررهم، بخلاف حال الموت، لعظيم الضرر فيه إذا فرق المال بين من حضر.
فإذا تقرر هذا فقضى الورثة أو الوصي ديون الميت لمن حضر، ثم طرأ غريم آخر، فإن بادروا بالقضاء وقد أمروا بتأخيره والاستيناء فيه إذا كان الميت معروفُ ابالاستدانة كما قدمناه، فقد تعَدَّوْا في المال، وأعطوا من حضر من الغرماء حقوق غيرهم، فيكونون ضامنين لهذا التعدي، فلهذا الغريم الطالب أن يرجع على الغرماء القابضين للمال بما ينويه في الحصاص لكونهم قد أخذوا عين ما استحق، ومن بيده مال استحقه آخر عليه فللمستحق أن يطالب به من هو في يديه.
فإن وجد الغرماءَ القابضين لديونهم فقراءَ فللغريم الطارئ أن يطالب الدافعَ لهم هذا المال الوارث أو الوصيَّ، لأجل تعديه في دفعه كما بيناه.
لكنه لو أراد طلب الوارث أو الوصي مع حضور الغرماء القابضين، وكونه يمكنه أخذه كما يمكن ذلك من الوارث والوصي، فإن بعض الأشياخ -يعني
стр. 2717
أبا إسحاق- يشير إلى أنه بالخيار في طلب القابض لكونه في يديه حق الطارئ، أو طلب الدافع لكونه تعدى عليه بتسليم حقه لغيره وبعضهم يشير إلى أن المسألة على قولين في طلب الدفع. وفي المدونة كلام فيه إشكال حمله بعضهم على التخيير وحمله بعضهم أنه اختلاف. وقد اشتهر الخلاف في الغاصب إذا غصب شيئًا فوهبه لأحدٍ، ثم أتى المغصوب ذلك منه طالبًا له، وقد فات في يد الموهوب له، هل تكون البداية بطلب الغاصب المتعدي في الدفع لهذا المال، أو طلب القابض المنتفع به، أو يكون بالاختيار في طلب من شاء منهما؟ لكن قد قيل إن الذاهبين إلى القول بالبداية بالغاصب إنما صاروا إليه لأنه إذا غَرم لم يرجع له غرمه على الموهوب له لكونه سلطه على الإتلاف على ألَاّ عِوَضَ عليه، كما قيل فيمن أثاب (١) في صدفته ظنًّا منه أن الكفارة تلزمه، فأكلها قابضها فإنه لا يرجع عليه الدافع إليه، لأنه هو الذي سلطه على إتلاف عَين شبيه (٢) على ألَاّ عوض عليه غلطًا منه على ماله. وفي التفليس إذا رجع الغريم الطارئ على الوارث أو الوصي كان للوارث أو الوصي أن يرجع بما غرم على الغريم القابض بما دفعه إليه لأنه لم يسلّم ذلك على جهة الهبة، بل في معنى المعاوضة عمّا على أبيه الذي ورثه وإبراء لذمة أبيه. "فإذا غرم الغريم الطارئ رجع بذلك على من دفع إليه، فلا فائدة في تمكين الغريم الطارئ من طلبه وعدوله عن الغريم القابض من غير عذر ولا فائدة له، ولا للقابض في ذلك) (٣) بخلاف مسألة الغاصب فإن في العدول عن تغريم القابض فائدة له في أنه لا يرجع عليه بما أتلفه مما وهب له. وقد قررنا أن الطارئ إذا استغرم الوارث أو الوصي الدافعين لهذا المال فإن لهما أن يرجعا على من دفعا إليه لما ذكرناه. فقد يقال في هذه إنه قد يتخرج فيه خلاف من مسألة الوكيل إذا تعدى، والسلعة التي وكل على بيعها قائمة، إنه يضمن ما تعدى فيه، ويكون تعديه
стр. 2718
التزامًا لغرمائه ما رسم، كوكيل أُمِر أن يبيع سلعته بعشرة فباعها بثمانية فإنه يغرم العشرة إذْ حال بين الموكل وبين أخذ سلعته بتعديه فيعد ذلك منه التزامًا لما سماه من الثمن. لكن الدافع للغرماء إنما سلطهم على عين مال، فإذا أتى من يستحقه لم تلزمه غرامة، ولا يعد ملتزمًا لذلك، مع احتمال فعله للالتزام، أو قصد إلى مجرد التعدي خاصة.
هذا حكم المرجع في هذا التعدي.
وأما حكم ضمان القابض له فإنه إذا قدم غريم لم يعلم به وقد قسم المال بين الغرماء الحاضرين، وجعلنا له طلمب الوارث الدافع بما بقي في يديه من مال الميت فإنه إن أكله ضمنه لهذا الطارئ، لأنه أكل مال غيره، عمدًا أو خطأ، فيضمنه له. وإن ادعى تلفه، وهو مما يغاب عليه، لم يصدق في ذلك، لأنه أمسكه لمنفعة نفسه أو لاعتقاد تمَلكّه، فلم يصدق في ضياعه، كما لا يصدق في ضمان العواري والبرهان، ولو قامت له بيّنة بضياعها من غير سبب له في ذلك فإن ابن القاسم أسقط عنه الضمان. ولم يسقطه عنه أشهب مرورًا على أصله في العواري والبرهان أن الضمان فيها لا يسقط بإقامة البينة على الضياع.
واختار بعض أشياخي مذهب ابنْ القاسم رواه (١) مبنيًا على أصول المذهب لأن كل مستحق عينًا في يد غيره فإنما له أخذ العين من يد غيره فإن أنفقها غيره محمدًا ضمنها، وإن أتلفها خطأ ففي ضمانه قولان: إذا وضع يده عليها بوجه جائز، كمن اشترى عبدًا من سوق المسلمين فقتله عمدًا، ثم استحق، فإن قاتله يضمنه. وإن قتله خطأ ففي غرامته القيمة لمستحق العبد قولان.
وإسناد هذه المسألة للأصل الذي قال، قد يقع إشكال من ناحية أن من غصب له عبد فاستحقه من يد مشتريه بوجه شبهة، فإنه إنما يستحق العين لا
стр. 2719
أكثر. والوارث إذا مسك مالًا فالغريم لم يستحق عينه، وإنما استحق مقداره، فلو قضاه الوارث دينه من مال آخر لم يكن له مقال. ففارق ذلك استحقاق العين لا غيرَها.
هذا حكم ضمان الوارث لما بقي تحريره (١) من تركه الميت المفلس.
وأما ضمان الغريم القابض إلى (٢) قبضه، فالمعروف من المذهب أنه يضمنه على أي حال كان تلفه، إذا قام عليه غريم طارئ طلبه في المحاصة، حتى ذكر ابن المواز أنه لو وقف لغريم غائب نصيبه من تركة الميت فضاع كان ضمانه منه. ولو طرأ غريم وقد ضاع مال الموقوف لغرم من وقف له المال لهذا الطارئ حصته التي تجب له في المحاصة بدينه حتى كأن هذا المال الموقوف قبضه من وقف له فيجب الرجوع عليه بما قبض.
وعارض بعض الحذاق من الأشياخ هذا وقال: إنما ينبغي أن يضمن الغريم الموقوف له المال ما وقف له، بمعنى أنه يبرأ المفلس من دينه الذي قبض منه ما أوقف له لا غير ذلك. وأما أن يكون يضمن ذلك في حق غيره فلا وجه له، كما نقول فيمن اشترى عبدًا من سوق المسلمين فاستحقه من يده رجل فإنه يأخذه، ولو وجده مستحقه قد مات في يد المشتري لم يكن له أن يغرّمه قيمته وإنما له تغريم الغاصب له، وأما مشتريه وإن كان ضامنًا له فإنما معنى ضمانه له أنه لا يرجع بالثمن على الغاصب الذي قبضه منه. وإن كان الغيب قد كشف أنه أخذ منه ثمن ما لا يستحق أن يأخذ ثمنه فكذلك إنما يضمن هذا الغريم بما نابه في الحصاص، بمعنى أنه يسقط دينه به بمقدار ما قبض. وأما أن يضمنه لغيره فلا يجب ذلك كما لم يضمن المشتري المغصوب منه العبد قيمتَه، وإن كان ضمانه منه لما مات في يديه.
وإذا طرأ غريم على الغرماء فقد ذكرنا أنه يقضى له عليهم بالمحاصة على
стр. 2720
حسب ما يقضى له لو كان حاضرًا حين قسمه مال الغريم.
هذا إذا لم يبق في يد ورثة المفلس الميت شىء من التركة، بل نزع جميعًا (١) فقضي ذلك للغرماء الحاضرين.
فأمّا إن بقي شيء من تركة المفلس بيد ورثته، فإنه يحسب ذلك من دين هذا الطارئ، حتى كأنه أخذه من جملة دينه، فإنما تكون له المحاصة لما فضل من ذلك وبمقدار ذلك يرجع على الغرماء الذين اقتسموا التركة. وهذا لأجل أن الغريم لو كان حيّا وقضى غرماعه وبقي في يديه ما يقضى آخرين (فأبيح فيه) (٢) فإنه لا يرجع الغرماء الذين لم يقبضوا من دينهم شيئًا على الغرماء الذين قبضوا دينهم لكون غريمهم بقي في يديه ما يأخذه الأخ (٣) فكذلك ورثته.
فلو مات رجل وترك ثلاث مائة دينار (لرجع) (٤) فأخذا جميع دينهما من التركة، وبقي في يد الورثة مائة دينار، فإن من طرأ، وله دين على الميت جملته مائة دينار، لا يرجع على الغريمين القابضين للمائتين لكون غريمه قد ترك ما يأخذ هذا الطارئ في دينه منه بأسره.
ولو كانت التركة مائتين وخمسين دينارًا فقبض الغريمان الحاضران المائتين وبقي بين الورثة خمسون دينارًا".ثم طرأ رجل استحق على الميت مائة دينار، فإنه إنما يحاص الغريمين القابضين للمائتين بخمسين دينارًا؛ لأن الخمسين الباقية بيد الورثة يقدر أن هذا الطارئ قد قبضها وصارت إليه من جملة دينه فإذا لم يجب له أن يحاص إلا بالخمسين دينارًا فإذا وجبت المحاصة بما صار كان الغريم الطارئ كالمحاص معهم فتقسم المائتين وخمسين على
стр. 2721
الثلاثة رجال الحاضرين والرجل الطارئ، فينوب كل واحد منهم ثلاثة وثمانون دينار وثلث دينار. فهذا الطارئ يحسب عليه من ذلك ما في يد الورثة وهو الخمسون دينارًا ويبقى له ما ينوبه في الحصاص ثلاثة وثلاثون دينارًا (١) يرجع بذلك على الغريمين القابضين للمائتين، فيرجع (كل واحد منهما بسبعة دنانير إلا ثلث) (٢).
فإن طرأ للميت مال فإنه يرجع فيه هذا الغريم بالخمسين دينارًا التي بقيت بيد الورثة التي قررنا أنه كالقابض لها في حكم الحصاص بينه وبين من سواه من الغرماء، ولم يقدر أنه كالقابض لها في حكم براءة ذمة غريمه حتى يصل ذلك إليه أو يوقعه له قاضٍ، فتكون يد القاضي في قبضه كيده، ويرجع أيضًا بسبعة عشر دينارًا غير ثلث التي أوجبت له المحاصة (ويقصر التركة لا يأخذها) (٣) ويرجع الغريمان القابضان للمائتين بما أديا من هاتين المائتين عن الميت، وذلك ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلثا دينار حتى يكمل دين سائر الغرماء.
هذا الحكم في المحاصة في تركة الميت إذا طرأ غريم لم يعلم به.
وأما لو كان ذلك في فلس غريم حيّ ذمته باقية، فإن ابن حبيب ذكر عن عبد الملك أنه إذا فلس رجل لقوم لهم عليه ديون، فوجد في يده ألف درهم ومائة درهم، فأخذ الغرماء ألف درهم، وأوقفت المائة الفاضلة عما أخذه الغرماء، أو رُدّت إلى الغريم فأنفقها، ثم طرأ غريم له مائة درهم فإنه يضرب مع الغرماء الذين قبضوا الألف بجزء من أحد عشر جزءا فينوب على هذا الذي ذكره أحد وتسعون درهمًا إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم.
وعارض بعض الأشياخ الحذاق هذا وقال: إنما يجب أن يضرب هذا الغريم بجزء من اثني عشر جزءا. وذلك أنه يستحق في التركة مائتي درهم،
стр. 2722
وديون الغرماء غيره ألف درهم فله سدس المال، لكون المائتين هي سدس الألف ومائتي درهم هي جملة الديون. فإذا حاص في المائة التي قصرت التركة عنها كان عليه في الحصاص سدسها لكون دينه من جملة الديون هو السدس، فإنه سقط عنه بالحصاص سدسها صار له مائة درهم وخمسة أسداس المائة الأخرى، وهو ثلاثة وثمانون وثلث، فيحسب عليه المائة التي أوقفت أو ردت إلى المفلس فأنفقها حتى كأنه قبضها في حكم المحاصة، ويرجع على الغرماء بخمسة أسداس المائة التي قصر الموجود بين الغريم عنها، وبقيت لسائر الغرماء في ذمة هذا الغريم.
فكأن ابن حبيب قدّر أن المائة الموقوفة لما جعلت (في حكم المحاصة) (١) في حكم المقبوض وقدر أن هذا الغريم الطارئ قبضها صار كأنه لم يكن له من الدين إلا مائة درهم، هي التي لم يعلم بها الغرماء، فأضربوا عنها في القسمة لما تحاصّوا، فيكون على هذا الطارئ إنما يضرب بهذه المائة التي لم يقبضها حسّا ولا تقديرا، حتى كأنه لم يكن له دين سواها.
وقدر من ذكرناه من الأشياخ أنه إذا لم تبرأ منها ذمة الغريم كانت المحاصة بجملة دينه المائة الموجودة التي لم يبرأ منها الغريم، والمائة الأخرى العاجزة (٢) من مال المفلس. وكذلك لو ظن أن الغريم في يده ما يفي بجميع ديونه فقضى ما في يده لغرمائه وفضلت فضلة، ثم طرأ غريم، فإنها تحسب عليه في دينه.
وذكر ابن حبيب أن هذا مذهب عبد الملك ومطرف. قال: وخالفهما أصبغ ورأى أن الفضلة عما أخذه الغرماء الحاضرون و (٣) إنما تحسب على الطارئ في باب المحاصة في فلس ميت لكون ذمته قد انقطعت فصار ما بقي
стр. 2723
منها بعد ما أخذه الغرماء كأن الغريم الطارئ استحق عينه فيحسب عليه في حكم المحاصة خاصة.
وأما المفلس الحي فإن ذمته باقية، فلا يحسب ما فضل عن غرمائه للذين لم يقوموا بتفليسه كمديان فلسه بعض غرمائه ولم يقم بعضهم بتفليسه ولا طلب منه دينه، فيكون الدين باقيًا في ذمته في حق من لم يرض بتفليسه، حتى كأنه لم يفلس لأحد من الناس.
هذا حكم ما يكشفه الغيب من الغلط في المحاصة.
وأما البيع للتركة فإنه قد تقرر في الشرع ألا ميراث إلا بعد قضاء الدين.
قال تعالى بعد أن ذكر الفرائض وما ترثه البنت والبنتان والأبوان والأزواج: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١). فإنما ملك البارئ سبحانه من ذكر من الورثة ما سماه لهم في كتابه بعد أن تخرج ديون الميت ووصاياه. فإن باع الورثة سلعة الميت، وهم يعلمون بأن له غرماء أو يظنون ذلك، لكونه مشهورًا بالاستدانة فإنهم قد تعدّوا في البيع لأنفسهم ليرثوا ما ترك ميّتهم من غير أن يقضوا ديونه، ولا يختلف في كونهم منهيّين عن هذا البيع، ولكن لحق غيرهم من المخلوقين وهم الغرماء، فإن فعلوا كان للغرماء نقض ما باعوه لأن الغرماء استحقوا ذلك دون الورثة. فصار الورثة في بيعهم كمن باع سلعة غيره، فلصاحب السلعة أن يفسخ بيعه هذا إذا لم يقدر على قضاء الديون إلا بفسخ البيع في هذه السلع.
فأمّا إن قضيت الديون من غير حاجة إلى فسخ البيع، مثل أن يقبضها (٢) الورثة من أموالهم أو يسقط الغرماء حقوقهم، فإن المذهب على قولين: أحدهما: أن البيع لا يفسخ. وهو الأشهر من المذهب، لأن النهي عن
стр. 2724
هذا البيع لحق المخلوقين وهم الغرماء فإن سقطت حقوقهم فقد ارتفعت العلة
الموجبة لفسخ البيع، فيرتفع الحكم الذي هو الفسخ بارتفاعها وهكذا النهي الواقع لحق المخلوقين ألا ترى أن النبي ﵇ نهى عن التصرية لأجل التدليس على المشتري، فإذا اطلع المشتري على هذا العيب ورضي به لم يجب فسخ البيع لزوال حق المخلوق الذي هو علة. النهي.
وروى أشهب عن مالك في ورثة عزلوا من التركة أضعاف الدين، وباعوا ليرثوا: إن البيع يفسخ ولو قضيت الديون. فكأنه على هذه الرواية قدر أن هذا البيع سلم من الغرر والتحريم في ثمنه ومثمونه، فتعلق به حق الله سبحانه ففسخ. وإن سقط حق المخلوق فيه، كبيع عند صلاة الجمعة، وبيع التفرقة بين الأم وولدها.
فإن قلنا بارتفاع الفسخ عند ارتفاع الديون ففي الموازية أن المشترين لهذه السلع إذا دفعوا قيمة ما فما أو نقص عندهم يوم قبضوه لم يكن للغرماء فسخ البيع. وهذا لأجل أن الغرماء لم يملكوا أعيان سلع الميت وإنما ملكوا مقدار هذا (١) كان كمقدار ديونهم. ألا ترى أن الورثة لو قضوا ديونهم لم يكن للغرماء أخذ شيء من السلع التي تركها الميت، فكذلك المشترون إذا دفعوا قيمة ما قبضوه فكأنه هو الذي استحقه الغرماء في تركة الميت فأشبه ذلك قضاء الديون.
وترجح بعض الأشياخ في هذا الذي قلنا أن للغرماء نقض البيع فيه لو كانت أمة باعها الورثة، على الصفة التي ذكرنا من كونهم تعدوا في البيع، فأعتقها المشتري أو اتخذها أم ولد، وهو لم يعلم، فقام الغرماء طالبين لديونهم هل من حقهم أن يردوا عتق هذ واستيلاده لكون البائع كأنه باع سلعة غيره، أو يمضي ذلك لكون الغرماء ها هنا لم يستحقوا عين هذا المبيع وإنما استحقوا مقداره، ولو دفع إليهم هذا المعتِق أو المستولد قيمة الأم لم يكن لهم انتزاعها من يده، على ما ذكرناه في الموازية.
стр. 2725
فإذا أبقوه (١) حين قيامهم بديونهم فقيرا (٢) لم ينقضوا ما فعل من عتق أو استيلاد لكونه قادرًا على صرفهم عن انتزاع ذلك من يديه إذا كان مليئًا يمكن (٣) من دفع قيمة ذلك إليهم.
وأمّا إن باع الورثة بيعًا لم يتعدوا فيه لاعتقادهم ألا دين على ميتهم، ثم طرأ غرماء فإن المطالبة إنما تتوجه للغرماء على الورثة البائعين القابضين للأثمان دون المشترين سواء كانت السلع قائمة في يد المشترين أوفائتة كون (٤) الغرماء لم يستحقوا الأعيان المعينة وإنما يستحقون أثمانها، وأثمانها قد صارت في أيدي الذين باعوها بوجه جائز، فإنما تتوجه المطالبة على الورثة خاصة لكون ما استحقه الغرماء في أيديهم لا في يد من اشترى.
وأشار بعض أشياخي إلى تخريج الخلاف في هذا النوع إذا كان المبيع جارية فأعتقها المشتري أو اتخذها أمّ ولد، ففي كتاب الخيار من المدونة لغير ابن القاسم: إنها إذا فاتت بعتق أو استيلاد لم يكن للغرماء أخذها، بدليل هذا الخطاب عنده إذا (٥) لم تفت بشيء من هذا المعنى فإن للغرماء أخذها. ولأن هذا القول ينبني على أن العتق والاستيلاد لهما حرمة تمنع من نقض البيع.
وأما إذا لم يقع الفَوت بشيء من هذا المعنى فإن الغرماء وإن لم يستحقوا أعيان هذه السلع فإن الورثة أيضًا لم يستحقوها إلا بعد قضاء الدين. فكأنهم باعوا ما لم يستحقوا، وكان الغرماء أولى باستحقاقه من الورثة فلهذا نقض البيع فيه إذا طلب ذلك الغرماء.
وذكر ابن القاسم في العتبية في ميت مات وترك مائتي دينار، وعليه
стр. 2726
أضعافها، وترك ورثة صغارًا فتجر الوصي لهم بها، ثم طرأ غرماء، فإنهم يأخذون ما في يد الوصي في ديونهم وأرباحه إن كان فيها ربح، ولا يضمنون هذا المال إذا تلف ولا يُرجع به عليهم، بخلاف ما لو كان الورثة كبارًا فإن الربح لهم إذا تجروا، فيه وهم ضامنون لما قبضوه إذا أنفقده أو أتلفوه، فلم يكن للغرماء في ربح ما يضمنه غيرهم، بخلاف الورثة إذا كانوا صغارًا فإن الربح للغرماء لكونهم لا يطلبون هذا المال من ذمة الصغار إذا كبروا.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
إذا قام رجل واحد من جملة الغرماء طالبًا لتفليس غريمه، وإيصاله إلى حقه، وتفليسه وحبسه إن لدّ وعجز عن القضاء، فإن ذلك له. ولا يسقط حقه في ذلك إضراب الغرماء الآخرين عن مساعدته عن ذلك، إذا لا يلزم إتلاف حقه إذا رضي الآخرون في إتلاف حقوقهم أو الصبر بها. وهذا واضح، لكنه إذا مكن من القيام بذلك فمن ساعده من الغرماء على ذلك أُعطي نصيبه أيضًا من الحصاص كما يُعطى هذا القائم نصيبه في الحصاص، أو جملة حقه إذا لم يظهر عجزه عن قضاء حقوق الآخرين. ومن لم يقم من الغرماء طالبًا لحقه فهل يعذر أيضًا بتسليم حقوق الطالبين إليهم حتى لا يكون له بعد ذلك مرجع عليهم؟ فيه قولان في المدونة:
ذهب ابن القاسم إلى أنه ذلك منه علم أنه أسقط حقه في مشاركة أصحابه.
وقال غيره: ليس ذلك رضا بتسليم حقوقهم إليهم دون مشاركتهم إلى أن يظهر ما يدل على أنه غير (١) مسقط لحقه.
وجملة الأمران مجرد السكوت عن. مشاركة هؤلاء الغرماء ومحاصته هل هو في العادة كقرينة دالة على رضا الساكت بإسقاط حقه بمحاصة، أو ليس ذلك بدليل في العادة؟
стр. 2727
وحمل بعض الأشياخ هذا الخلاف المذكور في المدونة على أن المُراد به إذا كان الغرماء الساكتين حاضرين بالبلد، ولم يشاهدوا القسمة بين الغرماء القائمين بالتفليس، وقدر أن مشاهدتهم للقسمة لمال الغريم كالتصريح بإسقاط حقه فلا يحسن الخلاف فيه.
وكأن هذا المتأول للاتفاق على أن مشاهدة القسمة علم على إسقاط الحق يرى أنها في الدلالة على إسقاط الحق في المحاصّة أقوى من الدلالة على مجرد السكوت.
وكأن الغَيْرَ إلى هذا أشار في كلامه.
وهذا منشأ الكلام فيه الاستشهاد بالعادات على المقصود مثل (١) هذه الأوجه للخلاف المذكور سوى اعتبار هذا من جهة العادات.
وكأن ابن القاسم وغيره اختلفا في شهادة بعادة.
وكان سحنون يشير إلى قصر الخلاف في هذا في مال المفلس إذا قام به بعض غرمائه طالبًا تفليسه.
وأما لو كان ذلك في مال ميت فُلِسَ بعد موته وأخذ بعض غرمائه حقوقهم فإنه لا يسقط حق من سكت عن القيام معهم، وله أن يرجع على الغرماء القابضين فيحاصّهم، لأجل أن ذمة الميت خربت وانقطعت، فلا يظن أن من له حق فيها مسقط لحقه على الإطلاق وواهب له. بخلاف المفلس الحي فإنه بقيت ذمته فيقول: الغرماء في الصبر على طلب (٢) بقاء ذمتهم واكتسابه، والرجوع على الغرماء فيما قبضوه، فلا يكون سكوتهم كالهبة لحقهم على الجملة بخلاف الميت الذي انقطعت ذمته، والرجاء في اكتسابه.
وقد قال بعض الأشياخ: إن قول ابن القاسم في المدونة في سكوت بعض
стр. 2728
الغرماء عن المفلس الحيّ إشارة إلى أن الميت بخلاف ذلك، كما قال سحنون لتقييده كلامه بحياة المفلس.
وقد قال ابن القاسم: إن الغريم إذا شاهد الورثة يقتسمون المال ولم يطلب دينه ولا عذر له في سكوته على الطلب، فإن ذلك علم على أنه أسقط حقه في طلبهم. وهذا كله من التفرقة بين الحيّ والميت في حق بعض الغرماء أو التفرقة بين الميت إذا سكت، عند قسمة ماله، غريم، وقد قسم ماله وارث، أو غريم، وقد قاسم ماله غرماء، لا وجه له إلا الاستشهاد بمقتضى العادات في الدلالات على المقصود. فمتى اتضحت قرينة حال تدل أن القصد إسقاط الحق سقط ومتى كانت قرينة الحال فيها التباس وإشكال لم يسقط الحق بالاحتمال.
وقد يستظهر باليمين على الساكت فيما يدغيه من قصده.
هذا الحكم من (١) الساكت من الغرماء وبين من قبض منهم دينه. وأما إذا أوضح (٢) التفليس وحكم به، ثم عامل الغريم قومًا آخرين فإن المفلِّسين القابضين لدينهم وما نابهم في الحصاص منه لا طلب لهم فيما في يده مما اكتسبه في المعاملة الثانية الحادثة بعد التفليس، لأن ما في يديه الآن مال الغرماء الذين عاملوه بعد التفليس، فليس للغرماء الأولين أن يأخذوا حق غريمهم من حقوقهم السابقة التفليس.
وأما الساكتون عن التفليس فقد ذكرنا حكمهم مع الأولين الذين فلسوه.
وأمّا حكمهم مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس، فإن في الموازية أن لهم مشاركة الآخرين إذا فلسوه. وكأنهم لما لم يفلسوه هم جملة غرمائه.
ولو كان الغريم طالبون (٣) جماعة لم يقوموا بتفليس واختلفت تواريخ
стр. 2729
معاملتهم له، واختلف به الحال بي استغناء وفقر، فإنه إذا قام عليه الغرماء تحاصّ جميعهم في ماله، مَن عامله وهو مُثرٍ ومن عامله وهو معدم.
فكذلك هؤلاء الساكتون الذين سبق دينهم التفليس مع الذين عاملوه بعد التفليس، لكون العلة في منع التفليس الدخول مع الآخرين كونَ ما في يديه بعد التفليس، معلوم أنه مال الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس.
وهذه العلة تتصور في الساكتين عن تفليسه كما تصورت في القائمين بتفليسه.
وكأن مطرفا رأى أن الذين لم يفلسوه وسكتوا عن طلبه لم يسلموا كونه مفلسًا. ولو قاموا كما قام أصحابهم لأظهروا له مالًا خفيًا فلا يثبت في حقهم حكم التفليس الدال على أن ما في يديه من المعاملة الثانية.
وقد وقع لابن القاسم في كتاب السرقة: إذا كانوا (١) أحد غرماء المفلس غائبًا فقدم بعد الحكم بتفليسه ومعاملته لقوم آخرين، فإن هذا الغائب القادم لم يدخل مع الآخرين بدينه، على نحو ما حكيناه عن مطرف في سكوت بعض الغرماء الحاضرين عن تفليسه.
ولو قام جميع الغرماء بتفليسه وتحاصوا في ماله فأبقى بعضهم ما نابه في الحصاص في يد غريمه، ومكنه منه، بعد أن حيل بينه وبينه، فإن هذا كمعاملة ثانية يضرب بها مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس ويكون الضرب بعدد ما أعادوه (٢) عليه لأن ذلك كاستئناف معاملة ثانية. وقد وقع في كتاب ابن حبيب أن هذا الذي أبقى نصيبه في المحاصة في يد هذا الغريم يُغْرَم بدينه كله، وقدّر أن الزائد على مقدار ما أعادوه إليه مما بقي من دينه عليه كأنه لم يقم بتفليسه فيه ولا في ما نابه من الحصاص لكونه أبقى ما نابه في يد غريمه.
стр. 2730
وقد قلنا: إن في الموازية تمكين الساكت من الغرماء على التفليس من دخوله مع الذين عاملوه بعد التفليس، على حسب ما تقدم بيانه.
ولو أن هذا الذي فلس وعامله قوم آخرون طرأ له مال في فائدة يُعلم أنها ليست من مال الآخرين، كميراث ورثه أو أرش جناية أخذها، أو ربح حصله في المعاملة الثانية، لكانت المحاصة تجب في هذه الفائدة للغرماء الأولين
والآخرين إذا قام الأولون بتفليسه، لارتفاع العلة التي ذكرنا أنها هي المعاملة المانعة لدخول الأولين فيما عامله به الآخرون وهي العلم بما في يديه هو من مال الآخرين لا حقّ للأولين فيه. فإذا طرأ على الآخرين انتقاصٌ في ديونهم ضربوا بما انتقص لهم في الفائدة الطارئة واشترك فيها الأولون والآخرون.
وإذا لم يفلسه الآخرون وطرأت فائدة فقام الأولون طالبين لأخذ بقية حقوقهم منها مكّنوا من ذلك، ولم يمنعهم الذين عاملوه بعد التفليس من ذلك، لأنه ما دام قائم الوجه، للمبيع (١) ويشتري ويعامل. الناس، فهو محمول على أن ما داينه به الآخرون باق في يديه. لكن لو تبين انتقاصىُ ديونهم من يده لكان من حقه (٢) الكشف على ذلك حتى ينكشف ما يوجب مشاركتهم في هذه الفائدة الطارئة.
وقد ذكر في الموازية عن أشهب في رجل مات وعليه لرجلين ألفا درهم: لكل واحد منهما ألف درهم وترك الميت المديان عبدًا قيمته ألف درهم وألف في رهم ناضة فرفعت (٣) الألف الناضة إلى الغريم الحاضر وبقي العبد، فإن العبد إذا هلك أو طرأ الغريم الغائب، فإنه لا يرجج على الغريم الذي قبض الألف بشيء، على ما كنا قدمناه أن ما بقي عند الورثة يحسب على الغريم الغائب، ويمنعه ذلك من الرجوع على الغريم الحاضر الذي أخذ حقه. ولو كان العبد قيمته خمس مائة درهم يوم موت سيده، ولكنه مضى عليه ما بين سيده وموته
стр. 2731
في نفسه (ومن) (١) كان يساوي فيه ألف درهم يحسب ذلك على الغريم الغائب وكأن سيده مات عن عبد قيمته ألف لما كان لا يمر يوم إلَاّ ومن حق الغريم الغائب أن يأخذ العبد فيه بدينه، ومن حقي الورثة أن يبيعوه ويسلموا ثمنه إلى الغريم، فما طرأ بعد ارتفاع قيمته من موت أو نقص سوق فهو محسوب على الغريم الطارئ كما تقدم بيانه فيما سلف.
ولو بيع العبد وقُضي ثمنه ألف درهم للغريم الحاضر، وبقيت الألف الناضة فضاعت لحسبت على الغريم الطارئ كما حسب العبد، إذا بقي ثم هلك، على الغريم الطارئ.
ولو بيع العبد للغريم (٢) الحاضر ودفع ثمنه إليه ثم رد بعيب البيع (٣) ثانية فما نقص من ثمنه من حق القابض لثمنه أن يرجع، على الغريم الطارئ إذا قبض الألف الناضة، بما ينوبه من الحصاص في مقدار ما نقصه العيب، وهذا الذي ذكره ها هنا من اعتبار أعلى قيمة مرت بالعبد من يوم مات سيده إلى يوم موت هو فحوى أحد القولين فيمن غصب عبدًا قيمته مائة دينار ثم صار بعد ذلك يساوي ألفا، ثم مات فإن الغاصب يضمن أعلى قيمة مرت به، لأنه كلَّ يوم مخاطب بأن يرد العبد على سيده، فيُعدُ كل يوم غاصبًا مبتدئًا للغصب فيمن (٤) قيمته التي هي ما مرّ به.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن هذه المسألة التي ذكرنا عن الموازية قول ابن المواز عزل العبد للغائب: إن ذلك لأجل أنه مال مفلس مات، وأنه بخلاف المفلس الحي. وقد قدمنا نحن فيما قبل مسألة مطرف وابن الماجشون وذكرنا أنهما يريان أن ما فضل بيد الورثة أو الغريم المفلس يحسب على الغريم
стр. 2732
الطارئ، وذكرنا مخالفة أصبغ لهما في الفلس خاصة، وأنه لا يحسب ما بقي في يديه بعد أن يغرم إليه الغريم الطارئ. وكذلك لا يحسب عليه ما وقف بعد قضاء الدين، فمتى طرأ غريم لم يعلم به على غرماء فإنه يطالب كل واحد منهم بمقدار ما ينوبه في الحصاص، ولو طرأ وارث على ورثة ففيه قولان:
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنه كغريم طرأ على غرماء، إنما له أن يطالب كل واحد من أصحابه بما ينويه في الحصاص خاصة، ولا يرجع عليه بأكثر من ذلك ولو غاب بقية أصحابه.
ومذهب أشهب وغيره أنه يقاسم الوارث القادم من وجد من الورثة فيما في يديه على مقتضى الفرائض التي فرضها الله تعالى في مال الميت لورثته، ثم يرجعان جميعهم على من لقياه من الورثة على هذا الأسلوب حتى يعتدلوا في المال الاعتدال التي (١) توجبه أحكام الفرائض والمواريث.
وأما طروء غريم على وارث أو موسى لهم فإنه يستوفي حقه منه لكون البارئ سبحانه قدم حق أصحاب الديون عني الورثة والموصى لهم فقال ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢). وسنبسط هذا في كتاب القسم إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إقرار المريض بدين لرجل يقع على وجوه، منها أن يقر بدين لأجنبي أو يقر بدين لوارث أو صديق ملاطف أو يقر بدين لأجنبي ووارث أو لأجنبي وصديق ملاطف.
وكان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع ذلك كله بعد ذكر فصل تذكر
стр. 2733
فروعه، ولكنا قدمنا العذر عن سبب الاخلال بالرتبة الواجبة عندنا في حكم التأليف، وأنا قد توخينا ترتيب المدونة. وقد تقدم كلامنا في كتاب التفليس على إقرار المريض بدين لوارث أو لأجنبي وصديق ملاطف. وذكر في المدونة في كتاب المديان حكم إقرار المريض بدين لأجنبي أو لوارث.
فأما إقرار حكم المفلس الصحيح بعد الحجر فقد تقدم بيانه في كتاب التفليس. وكذلك إقراره بعد الحجر وقد تبين فلسه وأقرّ لمن لا يتهم أولمن يتهم في إقراره وذكرنا الخلاف في ذلك في المذهب. وكذلك ذكرنا قضاءه لبعض غرمائه دون بعض وقد أحاط الدين بماله.
وأمّا المريض فإنه إذا قضى دينًا لبعض غرمائه ثم مات من مرضه، فالمنصوص في المذهب أن ذلك لا ينفذ لأن قضاءه حينئذ يحمل على التوبيخ (١) لمن قضاه دينه وإيثاره على من سواه من الغرماء. بخلاف قضاء من تبين فلسه فإنه يمضي على أحد القولين لأجل أن ذمته باقية يطلبها من لم يقض دينه من الغرماء ويضايقونه في طلب حقوقهم ولا يقصد التوبيخ (١) والإيثار إلا مع إضرار نفسه بطلب من لم يقض حقه من غرمائه.
وأمّا المريض فإنه إذا قضى بعض كرمائه ثم مات ارتفع عنه بموته ضرر طلبهم فتقوم التهمة بقصده إيثار قوم من غير ضرر يلحقه من قوم آخرين. لكن ذكر سحنون في المدونة عقيب قوله: إن قضاء المريض لا يجوز، أن غيره قال: المريض لم يحجر عليه في بيعه وشرائه أو إقراره.
فحمل هذا القول بعض الأشياخ على أن ظاهره يقتضي جواز قضائه لبعض غرمائه. وإنما أورد هذا القول استدلالًا بجواز معاملته وإقراره على جواز قضائه، فيكون على هذا في المدونة قولان في قضاء المريض الذي أحاط الدين بماله أيضًا.
стр. 2734
وإلى إمضاء قضاء دينه ذهب سحنون.
وأما لو كان عنده ما يوفي سائر الديون التي عليه (وليس بتصريح في إجازة القضاء لبعض الغرماء دون بعض) (١). ويمكن أن يكون أراد التنييه على مذهب المخالف الذي يمنع إقرار المريض وعليه ديون استدانها في الصحة شهد بها عليه بينة. فإن هذه المسألة مما اختلف فيها فقهاء الأمصار:
فمذهب مالك والشافعي أنه إذا أقر بدين في مرضه لأجنبي ليس بصديق ملاطف ولا تتطرق إليه تهمة في إقراره له فإنه يحاصّ الغرماء الذين داينوه في الصحة ولهم بديونهم بينة.
ومنع ذلك أبو حنيفة ورأى أن الديون الثابتة عليه في الصحة ببينة مقدمة على حق هذا الذي أقر له كما لو أقر بعد الحجر والتفليس بدين لم يحاص هذا المقر له الغرماء الذين حجروا عليه بسببهم (٢)، بهذا الدين الذي أقر به بعد الحجر. لكنه يبقى للمقر له ذمة المفلس المحجور عليه حتى يكتسب ما يقضيه منه الذي أقر له به. والعلة في ذلك أن حقوق الغرماء المحجَّر على المديان بسبب ديونهم كأنها تعلقت بعين المال الذي حيل بينه وبينه، فليس له أن يتلفه عليهم بالإقرار.
وكذلك إقرار المريض بدين وعليه ديون استدانها في الصحة تشهد بها بينة فإنه أيضًا إنما يكون للمقر له المطالبة فيما يطرأ للميت من مال لا فيما تعلق به حق الغرماء.
ودافعه أصحابنا عن هذا القياس بأنه لو قامت بينة المقر له بعد التحجير بصحة ما أقر (له به الغريم) (٣) لقضي له بذلك وحاصّ به الغرماء الذين وقف
стр. 2735
لهم المال. ولو قامت بينة بأنه عامل بعد الحجر واستدان لم تنفع إقامة البينة هذه في وجوب المحاصة لهذا الذي عامله بعد الحجو.
وأمّا المريض لو قامت بينة على معاملته في مرضه لقضي بصحة هذا الدين وحاص به مستحقه الغرماء الذين عاملوه في الصحة. فقد افترق حكم البينة إذا عامل المفلسُ المحجورُ عليه بينة (١) من حكم معاملة المريض بالبينة، فإذا ثبت أن البينة إذا قامت على معاملةٍ في مرضه واستدانتها وجب أن (٢) على حسب ما يقضى لمن داينه في الصحة. فإذا أقر لمن يتهم عليه وجب أيضًا أن يقضى له ذلك، ويقام (٣) البينة على إقراره كقيام البينة على معاملته في المرض، لأنه لا يمنع من الإقرار ولم يحجر عليه فيه. ويمكن أن يكون ما ذكرناه من (٤) غير ابن القاسم في المدونة إلى هذا المعنى أشار.
وإن استدل المخالف على أن من ارتهن رهنا فإنه أحق بعين رهنه من غيره من الغرماء الذين لا رهن لهم، فكذلك يجب أن يكون غرماء الصحة إذا كانت ديونهم ببينة مقلَّمين على الدين الذي أقر به في المرض، ويرجح الدين السابق في الصحة على هذا الذي أقرّ به في المرض، لكون تصرف الصحيح في ماله أبسط وأمضى لأنه له أن يهبه وليس للمريض أن يهب جميع ماله مع كون غرماء الصحة قد تعلق حقهم بعين المال فوجب أفي يقدَّموا كما قُدم المرتهن في الرهن على غيره من غرماء صاحب الرهن.
أجيب عن هذا بانا لا نسلم أن غرماء الصحة تعلق حقهم بعين مال المريض؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ضياع مال المريض منهم، ولكان لهم أن يمتنعوا من أخذ ديونهم إلا من عين ما ترك. ولو بذل لهم أحد الورثة أو