← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

الأولى التي استثنى منها بأسرها. وحكى هذه المقالة عنه محمَّد بن عبد الحكم وأنكرها فقال: لا فرق بين ما يقدر وما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد. وذكر ابن سحنون أن استثناء الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير مما يعتد به. فإذا قال: له عندي مائة دينار إلا فائة درهم طرح من المائة دينار مقدار صرف المائة درهم. وكذلك إن قال: له عندي ألف درهم إلا عشرة دنانير طرح من الألف درهم مقدار صرف العشرة دنانير. وأشار إلى الاتفاق على ذلك لكون الدنانير والدراهم كالنوع الواحد فحصل منه استثناء الشيء من جنسه. وقد قدمنا أن استثناء القليل من الكثير إذا كان من جنس واحد لم يختلف في صحة الاستثناء. وأما إن قال: له عندي مائة دينار إلا عشرة أقفزة قمحًا، فذكر ابن سحنون أن فيه قولين: أحدهما: الاعتداد بهذا الاستثناء واطراح قيمة العشرة أقفزة قمحًا. والقول الآخر: إن الاستثناء باطل. وهكذا ذكر ابن المواز في استثناء الدنانير من الدراهم أن ذلك يعتد به ولم يذكر فيه خلافًا. وكذلك لو استثنى ما لم يقدر بكيل أو وزن أو عدد مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا أو عبدًا، فإن فيه القولين المتقدمين: أحدهما أن هذا الاستثناء لا يعتد به. والثاني أنه يعتد به. ويقال للمقِرّ: صف الثوب أو العبد، وتحط قيمة ذلك مما أقرّ به من دنانير أو دراهم. فكذلك لو قال: له عندي عبدًا (١) إلا ثوبًا، لكان في ذلك القولان اللذان ذكرناهما عن حكايته بعض أصحابنا كما تقدم: أحدهما: اطراح هذا الاستثناء وإلزام المقر عبدًا. والثاني: الاعتداد به واطراح قيمة الثوب من العبد. والقول قول المقر في صفة ذلك كله: المستثنى والمستثنى منه.

стр. 2802

وذكر بعض الأشياخ الحذاق أن في الاستثناء من غير الجنس قولين. واختار القول باطراحه، وصرف إلى كونه ندمًا من المقر. وهذا المذهب الذي حكيناه من اطراح الاستثناء من غير الجنس قولًا على الإطلاق وجهه أن حقيقة الاستثناء بيان المراد بالخطاب وإخراج بعض ما يشتمل عليه الخطاب أو يصلح أن يشتمل عليه فإذا قال: له عندي مائة درهم، اشتمل ذلك على المائة كلها، فقوله: إلا درهما إخراج لبعض ما اشتمل عليه اللفظ الأول وبيان المراد به. فالقائل: له عندي مائة درهم إلا حمارًا أو إلا عبدًا لا يفيد هذا الاستثناء إخراج ما اشتمل عليه اللفظ الأول ولا بيان المراد به، فصار من الكلام اللغو المطرح الذي لا يفيد، فلهذا لم يعتد به، لأن الاعتداد به يبطل حقيقة ما ذكرنا من حقيقة الاستثناء وفائدته. وأمّا الذاهبون إلى الاعتداد به فإنهم يقولون: المرجع في حكم العبارات ومقتضاها إلى اللغات، ولغة العرب يقع فيها كثير الاستثناء من غير الجنس فإبطاله إبطال لفظ جرى على ألسنة العرب وجاء به القرآن. فأما القرآن، وهو أصدق شاهد على إثبات اللغة، فقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (١) والظن ضد العلم وليس من جنسه. وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) والتجارة حلال وأكل المال بالباطل حرام. فقد استثنى الشيء من غير جنسه لكون التجارة مباحة، وليست من أكل المال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى *إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (٣) وابتغاء وجه الله بالصدقة والصلاة ليست من النعم التي يجزي بها الإنسان صاحبه.

стр. 2803

وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (١) وإبليس ليس من الملائكة، بدليل قوله في آية أخرى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢). وأما ألسنة العرب فقد ذكر سيبويه أن أهل اللغة يثبتون الاستثناء من غير الجنس. قال: وإنما اختلفوا في إعرابه إذا كان منفيً: هل هو بالنصب أو بالرفع؟. وأمّا الأشعار فقد قال الشاعر وهو النابغة: وقفت فيها أصيلًا (٣) أسائلها ... عيّت جوابا وما بالرَّبع من أحد إلا الأُوَاريَّ لَأْيامَّا أباينها (٤) .... والنواك الحوض المظلومة الجلد (٥) والأواري ها هنا ما يحسن (٦) بها الخيل من وتد وحبل. واحدها آرِيٌّ وسيماخية (٧) والجمع أواخي. والوتد والحبل لا ينطق عليه اسم "أحد" فصار ذلك استثناء من غير الجنس. وفي هذا البيت روايات منها: وقفت فيها طويلًا كي أسائلها. ومنها: وقفت فيها أصيلانا. كما ذكرنا، فقيل: إنه جمع أصيل كرغيف ورغفان.

стр. 2804

ويروى: أصيلًا كي أسائلها. والأصيل العَشِيّ. وكذلك اختلفوا في إعرابها: فيروى إلا الأوارَيَّ بالنصب، ويروى إلا الاوارِيُ بالرفع. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو لِمَ. رفعوا الاواري في هذا الاستثناء؟ قال: لاعتقادهم أنها من جملة البيت. فكأنه يقول: وما بالرّبْع إلا الأُواريُّ. والربع: المنزل في الربيع، ثم كثر استعمالهم له حتى صار كل منزل يسمى (١) ولأيًامَّا: مَعناه طويلًا. والنُّوْيُ ما يحفر حول البيت. والمظلومة الأرض التي حفر ذلك بها. كأنهم وضعوا الحفر في غير موضعه. والجَلَد: الأرض التي لا حجارة فيها. وبالنصب في مثل هذا جاء القرآن. قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢) اتباع (٣) بعد حرف الاستثناء، وإن كان من غير الجنس كما قدمناه وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس واليعافير والعيس ليسا من الإنس. وقد بسطنا القول في هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في كتابنا المترجم: بشرح المحصول من برهان الأصول.

стр. 2805

وإذا تقرر كون ذلك لغة، بدل ما أوردناه من الشواهد، وجب ألا يطرح وأن يعتد به. ولهذا أشار بعض الفقهاء من أصحاب مسائل الخلاف إلى أنه استثناء على الحقيقة لأنه إذا قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا، وطرحنا قيمة الثوب، وهي دينار من المائة دينار صار استثناء من الجنس. وذكر عن بعض العلماء قيل له: كيف يتصور معنى هذا اللفظ من هذا الاستثناء؟ فقال: يمكن أن يكون المقر (١) له على المقر مائة دينار فأعطاه منها ثوبًا له شبه بثمنه من المائة دينار، فلما طلب بالإقرإر عبر عنها بالذي جرى، أن قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا، يعني دفعته إليه قَضَاء على بعض المائة، عند الذي قال: يصح أن يتصور معناه ويصح ويقع في الوجود دعواه أنه قضى ثوبًا أم لا؟ هذه مسألة أخرى. وذكر ابن سحنون لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة دراهم. فإن هذا الاستثناء لا ينفع ولا يعتد به لأنه ردّه إلى الجملة الأولى التي هي ألف درهم بعد أن حال بين الاستثناء والمستثنى منه بجملة أخرى، فلم يصح رجوع ألاستثناء إلى جملة، وتكلم، بعد جملة أخرى، كما لو استثنى بعد أن سكت سكوتًا انفصل به حكم الخطاب الأول، فإنه لا يقبل. وكذلك نطقه بجملة أخرى يقدر كالسكوت، ولكن لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة درإهم لصرف هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وحط من المائة دينار صرف عشرة دراهم على ما قدمنا بيانه، ويصير كأنه ملحق بما قدمناه من إلاستثناء من غير الجنس لكون ذلك من التقدير كالجنس الواحد. وقاعدة المذهب في هذا الاستثثاء بعد الإقرار بمالين إن كان الإقرار لرجل واحد فإن الاستثناء يصح كقوله: لزيد عندي مائة دينار وعائشة درهم إلا دينارًا واحدًا. واختلف هل يحط الدينار من المائة دينار أو يحط من المالين؟

стр. 2806

وكقوله: لزيد عندي ألف درهم ومائة دينار إلا ألف درهم. هذا مما اختلف فيه على قولين: هل يبطل هذا الاستثناء لكونه ذكر ألف درهم ثم استثناها كلها، واستثناء الكل باطل باتفاق لو تجرد، فكذلك يكون ها هنا: يقضى عليه بألف درهم والمائة دينار. وقيل يقضى عليه بالمائة دينار خاصة لأن الاستثناء يعود إلى الجملتين جميعًا. ولا شك أن المستثنى أقل من الجملتين فيصح الاستثناء إذا صرفناه للجملتين، فتبطل الألف التي استثناها وتصح المائة دينار، كما لو قال: عندي (١) كُرّ حنطة وكُرّ شعير إلا كر حنطة وقفيز شعير. فإن المذهب على قولين: أحدهما إبطال (٢) الكر القمح ويقضى عليه به لكونه استثناه بعد إقراره به. ويصح استثناؤه في الشعير. وقيل يصرف الاستثناء إلى الجملتين فيحط منهما الكر القمح والقفيز الشعير، ويلزمه ما بقي من الشعير. وهذه مناقشة في صرف الاستثناء المتعقب للجمل: هل يصرف إلى جميعها وتكون كالجملة الواحدة استثنى بعضها، وإنما ينصرف الاستثناء ها هنا إلى الجملة المجانسة لما استثناه. ولو كان الإقرار لرجلين، فقال: لزيد، عندي مائة دينار ولعمرو ألف درهم إلا مائة دينار، فإنه إن قال: صرفت الاستثناء للجملة الأولى، أبطلنا استثناءه وألزمناه الجملتين، وإن قال: صرفته للأخرى صح استثناؤه، إذا لم يستغرق استثناؤه جميع الجملة الأخيرة. وإن قال: صرفته للجملتين فُضِّ عليهما هذا المستثنى، فما ناب الجملة الأولى أبطلناه، وما ناب الجملة الثانية صححناه. وقد قدمنا أن من شرط الاستثناء أن. يكون متصلًا بالمستثنى منه، وانقطاع

стр. 2807

ذلك بالسكوت يبطل الاستثناء، فكذلك إن قطعه بكلام لا تعلق به (١) بالجملة الأولى (٢): لزيد عندي مائة دينار، أسرجْ لي يا غلام دابتي، إلا ألف درهم، فإن هذا الاستثناء ساقط مطرح. وإن قال: لزيد عندي مائة دينار، أستغفرُ الله، وأراد الاستغفار من الذنوب، لم يؤثر هذا الاستثناء وكان باطلًا، ولو أراد الاستغفار من نسيان هذا المستثنى لصح الاستثناء. وكذلك لو قال: لزيد عندي مائة دينار، اشهدوا عليّ، إلا دينارًا. فإن في هذا قولين: أحدهما: صحيح الاستثناء لكون قوله: اشهدوا عليّ، له تعلق بالجملة الأولى. والقول الآخر: إن هذا الاستثناء باطل. والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: إذا علق الإقرار بمشيئة الله سبحانه، فقال: لفلان عليّ مائة دينار، إن شاء الله. على (٣) قولين: أحدهما -وعليه الأكثر من أصحاب مالك -: أن هذا التقييد بالمشيئة لا يؤثر، ويلزم المقر مائة دينار، ولا يسقط عنه قوله -عقيب الإقرار- إن شاء الله. حتى إن ابن سحنون ذكر أن أصحابنا أجمعوا على ذلك. ولعله أراد من تقدم من أصحاب مالك، لأن محمدًا (٤) بن عبد الحكم قالا جميعًا: إن هذا الإقرار غير لازم. وذكر ابن سحنون هذا المذهب عن أهل

стр. 2808

العراق، وأن أباه سحنون أنكر هذا المذهب، وأشار إلى حجة أهل العراق على سقوط هذا الإقرار أن الشاهد لو شهد فقال: لفلان على فلان مائة دينار، إن شاء الله. فإن هذه الشهادة ساقطة. ورد عليهم سحنون بأن قال: لو قال: له عندي ألف درهم إلا ألف درهم، أو قال: له عندي ألف درهم بل لا شيء له عندي، فإنهم قد جامعونا على أن هذا الاستثناء أو الاستدراك لا يؤثّر ولا يسقط الإقرار، وإن أسقطوا ذلك؛ لأنه يشعر بالشك، والشك في الإقرار لا يبطله. وقد قالوا: لو قالوا (١): لزيد عندي مائة دينار، وعقب ذلك بقوله: شككت في ذلك، وكان قوله متصلًا، فإن ذلك لا يسقط الإقرار. فأشار سحنون إلى أن الإقرار إنما يصح إن ورد عقيبه ما يسقط بعضه كاستثناء قليل من كثير. وأما إذا أورد بعده ما يسقطه كله، فلا يؤثر ما أورد من ذلك، والإقرار لازم. وقد هجس في نفس ابن سحنون هذا المعنى، فقال لأبيه سحنون: هلاّ كان قوله: إن شاء الله، يؤثر في الإقرار ويُسقطه كما أثّر قول الحالف: والله إن فعلت كذا، إن شاء الله، أن اليمين ينحل. فقوله: إن شاء الله، يحل جميعَ اليمين، فكذا يجب في الإقرار. فقال له سحنون: لم تأت بنظير، وقد أجمعَ العلماء على الفرق بين الإقرار واليمين، ألا ترى أن القائل: عبدي حز، وسكت، أن العتق يلزمه. ولو قال: والله، وسكت فإنه لا يلزمه في هذا القول شيء. فأشار إلى قوله لعبده، أنت حر، إن شأء الله، لا يؤثر لكون قوله: أنت حر، كلام مستقل بنفسه فلا يؤثر فيه الاستثناء بمشيئة الله تعالى، ولا يرفع الاستثناء حكم لفظ قد استقلّ. ولو قال: والله لا فعلت هذا، إن شاء الله. لأثر هذا الاستثناء لكون قوله: إن شاء الله، إنما يرجع إلى رفع القسم الذي هو قوله: والله، ولا يرجع إلى الفعل المحلوف عليه. وإنما أثر ذلك في اليمين لرجوع هذا الاستثناء إلى لفظة لا تفيد إذا تجردت مما يضاف إليها. وقوله: له عندي ألف دوهم، يفيد، وإن تجرد هذا

стр. 2809

الكلام مما وصل به من قوله: إن شاء الله. فهذا تعليل القول بأن هذا الإقرار لازم، ولا يسقطه تقييده بقول المقر، إن شاء الله. وقد ذكره سحنون بنفسه. وأما مذهب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم فإنما صارَا إليه، لأنه قول المقر: إن شاء الله، تشعر بالشك. وهكذا أيضًا أشارا إلى هذا التعليل فقالا أو أحدهما: لا يلزم ذلك، لأن المقر أدخل بهذا شكا. وبالجملة فإن محصول هذا يتعلق بشك المقر في إقراره: هل يقضى عليه أم لا؟ وقد قدمنا نحن، فيما سلف، أن المقَرّ له إذا أيقن بما شك فيه المقر قضي له على المقر لكونه موقنًا وكون المقر شاكًا. واختلف: هل يقضى له بيمين أو بغير يمين؟ فلو كانا جميعًا شاكين لسقط الإقرار في أحد القولين. وقد صرح سحنون بأن الشك في الإقرار لا يبطله، كما حكينا أعنه في هذه المسألة. وصرح من خالفه من أصحابنا بأن علة سقوط هذا الإقرار كونه مشعرًا بالشك. لكنه يمكن أن يعلل أيضًا طريقة سحنون يكون تعقيب الإقرار بما يسقطه كله يعد ندمًا، ولا يلتفت إليه، كما قدمنا هذا عنه في مسائل ذكرناها. لكن يقتضي هذا التعليل أنه لو ابتدأ القول بلفظ الشك لكان بخلاف كونه يؤخر القول حتى يصله بعد حصول الإقرار. لكن مطلق قوله الذي حكينا عنه أن الشك لا يبطل الإقرار يقتضي خلاف هذا التعليل. وقد حكى ابن حبيب عن عبد الملك بن الماجشون أن المقر لا يلزمه إقراره، وإن افتتحه بلفظ الشك، فقال عنه، فيمن قال لرجل: أظن أن لك عندي كذا وكذا،: فإن هذا الإقرار لا يلزمه، ويحلف المقر على أنه لا يحقق ذلك. فهذا تصريح بسقوط الإقرار ولو صدّر به الكلام حتى يمتنع صرف الشك إلى كونه ندمًا. فأنت ترى سحنونًاكيف علل في رده أهل العراق هذا بعلتين: إحداهما: أنه كالاستثناء الرافع للكل فلا يقبل.

стр. 2810

والثاني: أنه كالشك، على ما اقتضاه التقسيم الذي ذكرناه عنه في رده على المخالف. وقد ذكر ابن سحنون فيمن كتب على نفسه ذكر حق، وقال فيه: ومن قال بهذا الذكر فهو ولي ما فيه إن شاء الله، أن بعضهم قال: فإن هذا الإقرار ساقط. قال: وقال أبو يوسف: بل هو لازم. مثلَ قولنا. وأشار إلى أبي يوسف كأنه نقض بهذا أصلهم. وهذه المناقضة قد لا تلزم لأن مذهبنا أنه إذا قال: لك عندي ألف درهم أقضيك إياها الآن، أو إلى شهر إن شاء الله، إن هذا الإقرار لازم، ولا يذكر في مذهبنا في هذا اختلاف، لكون هذا الاستثناء راجعًا إلى القضاء لا إلى الإقرار. فيمكن أن يكون أبو يوسف قال عقيب الإقرار: قول المقر: ومن هذا الذكر فهو ولي ما فيه. المراد أنه يَقبضه (١). جعل هذا الإقرار صريحًا لصرفه قوله: إن شاء الله إلى قول القائل: فهو ولي ما فيه. ولسنا نقصر هذا الخلاف الذي ذكرناه عن المذهب على هذه اللفظة، وهي قول: إن شاء الله، بل الخلاف جار. ني كل لفظة تسد مسدها كقوله: لك عندي ألف درهم إن شاء الله، وإن أراد الله، وإن قضى الله أو رضي الله. فإن هذه الألفاظ ترجع إلى الإرادة. وبذلك قال أصحابنا في قوله: لك عندي ألف درهم إن أوجب الله ذلك، أو إن يسر الله أو رزقني الله مالًا. وكذلك: عندي (٢) ألف درهم إن كان ذلك حقًا. وهذا صحيح كله إذا جرى العرف بأن المراد به الإشعار بالشك فيما سبق من القول، ولكن بعضه أوضح بالإشعار بالشك من بعض. وقوله: إن يسّر الله، أو رزقني الله مالًا، هذا فيه إشكال واحتمال فيما يراد به.

стр. 2811

وإذا تُصور سبب الخلاف وعلته، فالمتَبَع في ذلك حكم الألفاظ في اللغة أو العرف، وقد يختلف عرف الناس في ذلك باعتماد على ما أشرنا إليه من قول القائل. هذا بيان تعليق الإقرار بمشيئة الله سبحانه. وأما تعليقه بمشيئة مخلوق (١) عندي مائة دينار إن شاء زيد، فإنه لم يختلف المذهب في أن هذا الإقرار ساقط، وإنما اختلف في تعليل سقوطه: فأما ابن سحنون ومحمد بن عبد الحكم فإنهما عللا سقوطه يكون ذلك مخاطرة وتقرير (٢) بالمال. وذلك مما لا يجوز، لأن مشيئة زيد لا يعلمها هذا القائل: هل يشاء إثبات هذه المائة على هذا المقر فتثبت أم لا يشاء فتسقط؟ فصار ذلك مخاطرة وتقريرًا (٢). وقد اتفق على أن: لك عندي مائة دينار إن هبت الريح، أو تكلم زيدٌ. أو دخل فلان الدار، أن ذلك ساقط غير لازم، لكون ذلك مخاطرة وإضاعة للمال. وأما ابن المواز فإنه علل ذلك بكونه على ثقة بأن زيدًا لا يشاء أمته (٣) إتلاف ماله، فيعتذر عن قول زيد: قد شئت، بأنه إنما ظن به أنه لا يشاء فكأنه اشترط في الإقرار هذا القدر، كما لو قال رجل لمن ادعى عليه بمال: أنا أرضى بشهادة فلان عليّ. فشهد علمِه، فإن الشهادة لا تلزمه لكونه يعتذر عما التزم بأن يقول: أنا قلت ذلك والتزمته لاعتقادي وظني به أنه لا يقول إلا حقًا. وكذلك هذا في الإقرار المعلق بمشيئة زيد. ومذهب الشافعي أن الإقرار المعلق بمشيئة الله سبحانه، أو بمشيئة زيد، ساقط، كما ذكرنا عن أصحابنا. وعلل أصحابه سقوط الإقرار إذا علق بمشيئة

стр. 2812

زيد بتعليل ثالث ما ذكرناه عن أصحابنا، فقالوا: إن كان هذا المعنى (١) يعلم أن (٢) ذمته ما أقربه، فلا يثبت ذلك عليه مشيئةُ زيد، ولا يُسقط ذلك عنه كون زيد لم يشأ، وإن كان ليس في ذمته شيء فلا يثبت ذلك عليه قول زيد: قد شئت أن يكون في ذمتك مال. ومما يلحق بهذا المعنى الذي نحن فيه من الألفاظ المشعرة بالشك، وإن لم يكن لّعليقا بمشيئة، قول الإنسان: لفلان عندي مائة دينار في علمي، أو ظني، أو فيما أحسبه، أو فيما أرى، إلى غير ذلك من هذه الألفاظ المستعملة في هذا المعنى. فذكر ابن سحنون أن هذا الإقرار لازم. وذلك ينبني على ما ذكرناه عنه في كونه يرى أن الشك في الإقرار لا يبطله، كما كررنا ذكر ذلك عنه. وذهب محمَّد بن عبد الحكم ومحمد بن المواز إلى سقوط هذا الإقرار بهذا اللفظ الذي وصل به، كما يسقط ذلك الشهادة إذا وقع اللفظ من الشاهد، فقال: أشهد أن لزيد على عمرو مائة دينار في ظني، أو في علمي، أو في حسبانِي. ولو قال: لفلان عندي مائة دينار في "علم فلان، أو في شهادة فلان، فإن القولين في ذلك أيضًا. وذهب ابن سحنون ثبوت الإقرار. وذهب محمَّد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم إلى سقوط هذا الإقرار. واتفق الثلاثة (محمَّد (٣) بن علي) أنه لو قال: عندي مائة دينار بشهادة فلان. لكان إقرارًا صحيحًا ثابتًا، لأن إدخال حرف الباء ها هنا يشعر بتصحيح

стр. 2813

الإقرار، وقصدِ المقرّ إلى تأكيده بقوله: عندي كذا بشهادة فلان، أو بعلم فلان. وأمّا الحرف الآخر وهو قوله: في شهادة فلان، أو في علم فلان، فلا يتضح تأكيدًا بل يحسن حمله على تأكيد الإنكار، وكأن المراد أنه: لا شيء له على، وإنما يزعم ذلك فلان في شهادته، أو في علمه. ولو قال: في قول فلان أو بْقول فلان، لاتّضَحَ كون ذلك يجري مجرى الإنكار لأن يكون عليه. وعلى هذا يجري قوله: في قضاء فلأن أو فتيا فلان، أو في فقه فلان لكون هذا الحرف يشكل أَمرُه: هل المراد به تكذيب فلان المضاف إليه القضاء والفقه والفتيا (١). وقوله: في قضاء، يمكن أن يكون المراد أنهما تحاكما إليه فقضى بما قال المقر، لكون العبارة عن هذا تختلف، ويجري الأمر فيها على حسب ما قلناه. والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: قاعدة هذا الباب النظر في حكم لفظ المقر من جهة اللغة أو من ناحية العرف المستعمل في الخطاب بين الناس، فيقضى عليه بموجبه. وما أشكل واحتمل قبل قوله أنه لم يرده بإقراره، وينظر في يمينه على ما ادعاه من قصده. والمسائل المتعلقة بهذه القاعدة لا تكاد تنحصر. ومثل هذا ما ذكر في الروايات أن عن قال: هذه الدار لزيد. بهانت الدار للمقز له بأبنيتها وبيوتها. وكذلك لو قال: هذا البستان لفلان. لكان ذلك له بشجره، ولو قال: هذه الأرض لفلان. وفيها زرع، لم يدخل الزرع في الإقرار، لكونه مما لا يتأبد مقامه في الأرض، ويتكرر إحداثه فيها، وازالته منها، يخلاف البناء في الدار والشجر في البستان، وهذا واضح في مقتضى عرف الناس وخطابهم.

стр. 2814

وكذلك لو قال: هذا الجبّة، وهذه الوسادة لفلان، لكان ذلك له ببطانة الجبة وحشوها، وكذلك الوسادة تكون له بحشوها. ولو قال في راوية حَمَلَهَا على دابته: هذه الراوية لفلان فيها ماء أو عسل أو زيت. وقال: أردت ما في الراوية من ماء أو زيت، ولم أرد الجلد لصدق في ذلك. ولو قال: استعرت منه هذه الراوية وقال: أردت الماءَ الذي فيها. لم يصدق. لأن ذلك لا ينطلق عليه في العوف اسم العارية إذ لا يستعار الماء والزيت. ولو قال: (هذا المزاد (١)) لفلان. لصدق في قوله: إنما أردت الجلد الذي هو الظرف خاصة. ولو قال: هذه الصرة لفلان. ثم قال: إنما أردت الخرقة لا الدنانير التي فيها. لم يصدق لأنه لا تستعمل هذه اللفظة في خرقة منفردة فتسمى سورة. ولكن لو قال: هذا المِصَرّ، وقال: لم أرد ما فيه من ذهب. لصدِّق؛ لأن هذه اللفظة في المصرّ دون ما يصر. ولو قال رجل، في وصيته عند موته،: لفلان الزير الذي بمكان كذا. وكان مملوءًا قمحًا أو زيتًا، لسلّم ذلك إليه بما فيه، لكون العادة أن الزير إنما يكسب لما يجُوز (٢) فيه من زيت أو قمح. ولو كان فيه ما جرت العادة بأنه لا يخزن فيه كالثياب لم تكن الثياب داخلة في هذا اللفظ، إلا أن يكون الموصي عليه (٣) علم بهذا وبكونه تخزن في هذا الزير. فقد اتضح بهذا (٤) المُثُل ما ينبني

стр. 2815

على القاعدة التي قدمنا. ووجه ما وَقع في الروايات من ذلك مما ذكرناه ويستغنى به عما لم نذكره. ولو وقع في هذا المعنى استثناء، أو ما هو في معنى الاستثناء، لكانت القاعدة في ذلك أيضًا أن ينظر فيما ألحقه بالخطاب مما استدركه: هل يبطل حقيقة التسمية وما أقرّ به فلا يقبل ذلك منه، أو لا يبطل ذلك؟ فقيل فيه: إذا كان نسقًا قولًا متصلًا مثل أن يقول: هذا البناء لزيد ولكن الأرض لي. فإن ذلك يقبل منه عندنالأولا يقبل منه عند المخالف. وكذلك لو قال: هذه الأرض لفلان. وبناؤها لي، وهذا البستان لفلان ونخله لي، (والبستان لفلان) (١) لقبل ذلك منه عندنا؛ لأن هذا الاستدراك لا يبطل حقيقة ما تقدم من القول الأول ولا يناقضه. لكن وقع في العتبية لابن القاسم فيمن قال: هذه البقعة بيني وبين فلان وبناؤها لي. إن البناء تابع للأرض، فيكون يقضى له بالبقعة. وخالفه أصبغ في ذلك ورأى أن الإقرار يمضي على ما هوعليه، ويكون البناء للمقر. وكأن ابن القاسم رأى أن قوله: (هذه البقعة لي) (٢)، ينطلق عليها وعلى بنائها. فإذا قال: البناء لي، فكأنه كالراجع عما أقر به أولًا. ولو قال: هذه الأمة لفلان؛ ولها أولاد، لم يدخل أولادها في هذا الإقرار لكونهم لا تشتمل عليهم تسمية أمهم التي هي قوله: فلانة ولم يكن ذلك إقرارًا، ولكن وقعت به شهادة. لكن أولادها بائعين (٣) لها في الملك .. وكذلك يكون للمقَرّ له بها ما عليها من كسوة، وما في يدها مما تحوزه بحكم إطلاق الإقرار بالملك، لكون العبد عندنا يَمْلِك، وحوزُه حوزٌ، وكأن المالك هو الحائز لما حازه مملوكه.

стр. 2816

ولو قال: هذا سرج دابة فلان. ذكر ابن عبد الحكم وغيره أن في هذا إشكالًا، ووجه هذا الإشكال أن الإضافة تكون للملك، وتكون للاختصاص. والتمليك كقولك: المال لزيد. والاختصاص دون التمليك كقولك: هذا السرج للدابة. لأن الدابة مما لا يعقل ولا يصح أن تملك. فيمكن أن يكون المراد بقوله: هذا سرج دابة فلان هو الذي أركب به عليها. ولو قال أو أشار إلى باب خشب، وقال: هذا الباب لي ومساميره لفلان، أو مساميره لي وخشبه لفلان. لمضى الإقرار على ما هو عليه، وكانا شريكين في الباب بمقدار قيمة ما لكلّ واحد. ولكن لو قال: هذا الباب لفلان، ومساميره (١)، لكن في ذلك قولان. وسبب الخلاف ما قدمناه من النظر في هذه التسمية: هل هذه اللفظهَ، التي هي بابُ، اسم لخشب مركبة بمسامير فيكون استثناء المسامير كالمبطل لحكم هذه اللفظة أم لا؟ وكذلك لو قال: غصبته هذا الخاتم، وفصُّه لي، لكان فيه قولان: أحدهما: إن هذا الاستدراك لا يقبل منه، لأنه لما قال: غصبت هذا الخاتم كالمقر لغصب فصه، ثم نفى ذلك، فلا يقبل منه ما ذكره من نفي ما أقرّ به، ويكون في هذا إشكال فلا يخرج عن ملكه بالشك. ولو قال: هذا الخاتم لفلان إلا فصه لي ولكن (٢) فضته لي. أو قال: هذه الجبة لفلان لكن بطانتها لي، فإن ذلك يقبل منه عندنا. وخالف في ذلك غيرنا، فقال: لا يقبل منه. وسبب هذا الخلاف ما قدمناه من كون الاستثناء يبطل حقيقة اللفظ الأول أوْ لا يبطله. وعلى هذا تجري سائر المسائل التي لم نذكرها للاستغناء عن ذكرها بما قدمناه.

стр. 2817

ومما ينخرط في هذا المسلك: إذا أقرّ بشيء هل يدخل وعاؤه في الإقرار أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقر بما لا يستقل بنفسه دون وعاء يكون فيه كالزيت. والسمن، والعسل. مثل أن يقول: غصبته زيتًا في زقّي أو سمنًا في قلتي. فإن هذا يقضى به على المقر: بالزيت والزق، وبالقلة والسمن، للعلم بأن الزيت والسمن وما أشبههما من المائعات لا يوجد أبدًا إلا مختزنًا في ظرف ووعاء. هذا المشهور من المذهب. ونص عليه محمَّد بن عبد الحكم وقال: إذا (١) غصبت ثوبًا في منديل، أو قمحًا في غرارة، لم يلزمه المنديل ولا الغرارة، ولا يؤخذ بأكثر مما أقر به من ثوب أو قمح بخلاف قوله زيتًا في زق. قال: والفرق بينهما أن الزيت لا يوجد إلا في ظرف، والثوبُ قد يدخل يده في عَيْبة هو فيها، أو منديلًا هو فيه، فيؤخذ وحده دون وعائه. وقد نقل ابن عبد الحكم ما يقتضي ظاهره أنه لا فرق بين قوله: زيتًا في زق أو ثوبًا في عيبة. ويرى أن اللازم في هذا الإقرار الزيتُ دون ظرفه والثوب دون العيبة. وهكذا قال الشافعي: إنه لا يقضى بالوعاء. ولو قال: غصبته زيتًا في زق لكن الصحيح (٢) النص الذي هو. صحيح ما حكيناه عن محمَّد بن عبد الحكم وغيره مما ذكر عنه قد يناول (٣). والقسم الثاني: أن يكون الوعاء مما قد يستغنى عنه مما هو حال فيه ولكن قد ينقل بما هو فيه حالّ، كقولك غصبته ثويًا في عيبة أو ثوبًا في منديل أو قمحا في شكارة. فهذا عندنا فيه قولان منصوصان:

стр. 2818

أحدهما: أنه يقضى عليه بالثوب وبالعيبة وبالثوب والمنديل وبالقمح والشكارة. وإلى هذا ذهب سحنون وهو مذهب أبي حنيفة. والقول الآخر: إنه لا يقضى عليه إلا بالثوب دون العيبة وبالقمح دون الشكارة. وبهذا قال الشافعي. ويحتج من ذهب إلى مذهب سحنون وأبي حنيفة بأن قوله: غصبته ثوبًا، كلام فيه احتمال، فإذا فسر هذا الاحتمال أخذ بالتفسير أيضًا فقوله: غصبته ثوبًا، يحتمل أن يكون وحده ويحتمل أن يكون معه غيره. فإذا قال: غصبت ثوبًا في عيبة، صار ذلك كقوله: غصبته ثوبًا وعيبة، وكان قوله: ثوبًا في عيبة، تفسيرًا لما أجمله مما غصبه. وحجة الشافعي وابن عبد الحكم أن قوله: غصبت ثوبًا، كلام مستقل. وقوله: في عيبة يحتمل أن يكون إنما أراد الإخبار يحمل الثوب الذي أخذه منه لا أنه غصبه. وإذا احتمل ذلك لم يقض به، لأن الذمم لا تعمّر بأمر محتمل. والقسم الثالث: أن يكون أقر بشيء ذكر محله، ومحله مما يستغني عنه الشيء الذي أقر بأخذه ولا ينتقل بانتقاله، كقوله: غصبت قمحًا في بيت. فإن القمح قد يستغني عن البيت، والبيت أيضًا لا ينتقل بنقل ما وضع فيه. وقد قال في كتاب ابن سحنون: يلزم مَن ضمَّنَه البيت وجَعلَه مقِرّا به أن يضمّنه القصْرَ إذا قال: غصبته في قصر، أو يضمّنه السفينةَ إذا قال: غصبت قمحًا في سفينة، أو يضمّنه الغلامَ (١) إذا قال غصبته دابة عليها سرج أو عليها لجام، أو جمل عليه عِدْل، ألزمه الدابة بسرجها أو لجامها، والجمل بعدله. وهكذا كله إنما مداره على اعتبار ما يقتضيه اللفظ في اللغة أو في

стр. 2819

حرف (١) الاستعمال كما قدمناه، وهو سبب الخلاف فيما ذكرنا الخلاف فيه. وإذا قال: غصبته سرجًا على دابة، لم يتضمن ذلك دخول الدابة في هذا الإقرار. وإذا قال: غصبته دابة عليها سرج، فقد تضمن هذا القول دخول السرج في الإقرار. ولم ير الشافعي قوله: غصبته منديلًا فيه ثوب، وزِقًّا فيه زيت، يتضمن الإقرار بما ذكر أنه فيه، ورأى أنه لا يؤخذ بأكثر من المنديل ولا بأكثر من الزق. وهذا كأنه خلاف لما حكيناه عن المذهب كقوله: غصبت دابة عليها سرج. ولو قال غصبت عبدًا مع عبد، لكان قولًا محتملًا: هل المراد: غصبتُه عبدأومعي عبدٌ شاركني في الغصب، أو المراد أنه غصب عبدين؟ فيقبل منه ما ذكر أنه مراده مع يمينه. ولو قال: غصبته عبدًا ومعه عبد، لم يؤخذ بعبدين لأنه قد يكون مع العبد المغصوب هذا العبد المشار إليه يُماشيه ويصاحبه ولا يكون في يده. بخلاف قوله: غصبته عبدًا ومعه ثوب لأن الثوب لم (٢) يستقل بنفسه، وإنما يكون بيد أحد. ولو قال: غصبته ثوبًا أنا ورجل سماه فإن ابن عبد الحكم قال: لا يلزمه إلا قيمة نصف ثوب بناء منه على مذهبه في اللصوص الغُصّاب، إذا تشاركوا، أن كل إنسان منهم لا يطلب بما أخذه صاحبه. وأشار هو إلى هذا فقال: وبعض أصحابنا يرى أن المشتركيْن في الغصب يضمن كل واحد منهما على صاحبه من ذلك.

стр. 2820

والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: قد ذكرنا حكم من أقر بشيء في وعاء: هل يدخل الوعاء في الإقرار أم لا، وهذا الفصل: إذا أقر بشيء في شيّء لا يكون وعاء له مثل: إن له درهم (١) في درهم، أو دينار (١) في دينار أو درهم (١) في عشرة دراهم أو في عشرهّ دنانير أو عشرة دنانير في درهم أو مائهّ درهم في عشرة دنانير. فان هذا معلوم أن أحدها لا يكون ظرفًا للآخر، وإن كان اللفظّ وهذا الحرف الذي هو قوله: في كذا، يدل على الوعاء والظرفية. وقد اختلف في هذا: فمذهب سحنون حمل هذا على أن المراد يضرب الشيء في الشيء، فيكون اللازم ما خرج من الضّرب. وهذا الذي يسميه الحساب التجربة، ومعناه إجراء العدد في عدد، كقوله: أربعة في أربعة بستة عشر، وعشرة في عشرهّ بمائة، إلى غير ذلك منا سائو العدد المضروب منها العدد في مثله. فإذا قال: له عندي دينار في دينار ودرهم في درهم، لم يلزمه عند سحنون سوى درهم واحد. وإذا قيل: له عندي عشرة دراهم في عشرة دراهم، لزمه مائة درهم. ومذهب ابن عبد الحكم أنه لا يلزمه إلا العدد الأول، ويسقط ما ذكر بعده من قوله: في كذا، إذا حلف المقر أنه لم يرد بذلك التضعيف، وصرف الحساب. وسبب هذا الاختلاف ما قدمناه مرارًا من كون الاعتماد في هذا على ما يفيده لفظ المقر من ناحية اللغة أو من ناحية عرف الاستعمال. وكأن سحنونًا رأى أن الظرفية لما استحالت وامتنع أن يكون الدرهم وعاء للدرهم، بخلاف ما قدمناه في السؤال الذي قبل هذا من قوله: له عندي زيت في زق، وجب حمل ذلك على معنى آخر مستعمل في العرف وهو ضرب

стр. 2821

الحساب، فألزمه العدد الخارج من المضروب فيه فقال: إذا قال: له عندي عشرة دراهم (١)، لزمه مائة درهم، لكون فذا اللفظ يستعمل في ضرب الحساب فوجب العمل عليه لكونه الظاهر فيه. وكأن محمَّد بن عبد الحكم لم ير ذلك كالصريح في ضرب الحساب بل هو محتمل لأن يريد معنى غير ضرب الحساب، مثل أن يكون المراد به عشرة دراهم في مائة درهم أخذتها منه. فلا يجب حمل هذا اللفظ، مع احتماله لهذا المعنى الثاني، على ضرب الحساب إذا حلف أنه لم يرد ضرب الحساب. فهذا سبب الخلاف بين هذين المذهبين. ولو كان ما ذكره كالجنسين مثل قوله: له عندي عشرة دراهم في عشرة دنانير، لم يكن فيه خلاف عندنا في أنه لا يحمل ذلك على ضرب حساب لاختلاف الجنسين، ولكون العادة في الاستعمال إنما جرت بضرب الشيء في مثله في الجنسية، كقوله: عشرة دراهم في عشرة دراهم. وأمّا مع اختلاف الجنسية فذلك مما لا يستعمل، فلا وجه لحمل لفظ المقر على ما لا يستعمل في الخطاب. وهكذا لو قال: له عندي درهم في قفيز قمح، لكان ذلك اعترافًا بالسلَم، فكأنه قال: أسلم إليَّ فلان درهمًا في قفيز قمح، فيكون المقر له بالخيار في قبول هذا الإقرار فيبقى الدرهم سلمًا في القمح، أو تكذيب المقر في ادعائه من السلم، ويطالبه بالدرهم، ويصير هذا داخلًا في باب التداعي في السلم. وقد تقدم حكمه في كتاب البيوع وينطبق أيضًا في هذا النوع متى حمل على أنه لم يرد ضرب الحساب، وإنما أراد عقود معاوضة: هل أقر بما يجوز أن يؤخذ بعضه عن بعض، فيكون إقراره لازمًا له، أو يكون مما يحرم فيفسخ ما ادعاه من المعاوضة ويرجع إلى رأس المال؟ ولو قال: له عليَّ درهم فوقه درهم وتحته درهم للزمه ثلاثة دراهم، لأن هذا اللفظ يستحيل معناه.

стр. 2822

وكذلك لو قال: له عليّ درهم ومعه درهم، للزمه درهمان لكون هذا اللفظ إحالة (١) فيه. ولو كرر القول فقال: له علىّ درهم درهم، للزمه درهم، لكون هذا اللفظ يصلح للتأكيد ويصلح للتعداد، وْقد قال النحاة قد يؤكّد الشيء بتكرير لفظه كقوله: جاء زيد زيد، ويؤكد بغير صِفة (٢) لفظه كقوله: جاء زيد نفسه، أو جاء القوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون. فإذا كان هذا التكرير يستعمل في اللسان للتأكيد فلا وجه لإلزام المقر غرامةَ ما الأصلُ براءةُ ذمته منه مع احتمال لفظه في الإقرار. وقد اختلف أهل الأصول في تكرير الأمر بالصفة (٢) بعينها: هل يحمل على التعديد أو على التأكيد كقول الله سبحانه: "صلِّ، صلِّ" هل يلزم المكلفَ صلاتان حملًا لكل لفظة على أنها تفيد غير ما أفادته الأولى، أو يحمل ذلك على التأكيد، وهذا الباب منه في المدونة: إذا قال لها: أنت طالق طالق، فإنه يسأل عما أراد: هل التأكيد أو التعديد؛ وهذا لكون اللفظ محتملًا للوجهين. ولو قال: له عليَّ درهم على درهمين، ففي ذلك قولان: هل يلزمه ثلاثة دراهم، ويكون "على" ها هنا بمعنى "مع" أو لا يلزمه إلا درهم واحد، وكأنه قال: أعطاني درهم (٣) بعوضه درهمين. وهذا الباب يتسع القول فيه، والنكتة فيه ما قدمناه في صدر هذه المسألة من اعتبار إفادة اللفظ في اللغة أو في العرف.

стр. 2823

والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: إذا (١) أخذت هذه الدراهم أو هذا الطعام أو هذا الثوب أو هذه الدابة من دار فلان أو من فدان فلان أو من فندقه أو من حمامه أو من مسجده. وزعم أن الشيء الذي أخذه هو له دون صاحب المحل الذي كان فيه الشيء. فإن النكتة في هذا أن ينطق (٢) إلى الحوز، فإنه دليل الملك؛ ويد الإنسان إذا كان فيها شيء فهو له في ظاهر الحكم، وكذلك ما أحله محل يده من بيت سكناه أو مما يحوزه يغلق عليه أو حائط أو زرْب. فإن هذا كله يحل محل يده. فإذا قال المقر: أخذت هذا الثوب أو هذه الدابة من بيت فلان، والبيت يسكنه المقَرّ له ويمنع منه الناس ولا يُدْخل إلا بإذنه فإن ذلك يحل محل يده. فلو قال إنسان: أخذت هذه الدراهم من يد فلان أو من كُمّه، لكنها لي؛ فإن ذلك لا يقبل منه لكونه يدعي (٣) الظاهر كونه لمن في يده. لكن لو قال: أخذت ذلك من فندق فلان أو من مسجده أو من حمّامه، وهي لي، لمن (٤) يكن ذلك للمقر له لكون الحمام والفندق يُدخلان بغير إذن، فليسا بحائزين لمالك (أرهما وبناهما) (٥) ولا يحل ما كان فيهما مجل ما كان في يده لكونه أباح لسائر الناس الدخول في هذه الأرض فلم ينفرد بحوزها دونهم. فإذا ادعى أن ذلك الشيء المأخوذ له لم يكن أحق به ممن صار في يده، لكونه والرجل الذي صار في يده هذا الشيء يستويان في إباحة المكان لهما كالطريق، فكذلك الأرض إذا كان منع منها الناس صاحبها فحازها ببناء أو غلْق أو زرب قضيئ بما فيها له. وإن كانت مرعىً لسائر الناس لم يترجح على ما (٦) أخذ ما كان فيها من ثوب أو دابة.

стр. 2824

وكذلك لو قال: أخذت هذا السرج من على دابة فلان، وهذا اللجام أو هذا الحيل. فإن ذلك يكون لفلان صاحب الدابة، لكون دابة الإنسان كالحائز لسرجها ولجامها والحوز دليل الملك. ولو كانت الدابة في يده ويتصرف فيها ويركبها فقال: أخذت سرجًا من على سرجها فهو لي، لكان ذلك له، لكونه إذا كانت في يده ولا يد لربها عليها صار هو الحائز لسرجها الذي يركب عليه دون ربها. وعلى هذا الأسلوب تجرى مسائل هذا الباب. لكن اختلف على قولين في دار بين رجلين شركة بينهما، فقال أحدهما: أخذت هذا، لثوب منها. وادعى الآخر أنه له. فقيل: هو لآخذه لكونه مباح له دخولها والتصرف فيها، فصار ذلك كدار يحوزها. وقيل: بل ذلك نصفين بينهما، كما كانت الدار نصفين بينهما، فكذلك ما فيها. ولو انفرد أحدهما بسكناها وحيازتها ومنع الآخر منها لكان ذلك له دون صاحبه الذي لا يحوزها معه. ومما يلحق بما نحن فيه من تعليق الإقرار بشرط أو ما في معناه، قول الإنسان: لزيد عندي مائة درهم إن حلف عليها، أو إن شهد له فلان بها. فحلف زيد أو شهد له فلان، فإن ذلك لا يلزم المقر؛ لأنه يتعذر (١) بأن يقول: ظننت أنه لا يحلف ثقة بدينه وبوَرَعه على إليمين الكاذبة. وكذلك: ظننت أن فلانًا لا يشهد عليّ. ولو قال: إن حكم بها فلان عليّ. فتحاكما، للزمه ذلك، لأن الرجلين إذا تحاكما إلى رجل فقضى لأحد حيث على الآخر، فإن القضية تلزم المقضي عليه، وليس له الرجوع عنها.

стр. 2825

والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال: مراتب الإجمال يتفاضل فيها الإشكال في ما يقع من المقال. وقد بسطنا في ما أمليناه في أصول الفقه حقيقة الإجمال والظاهر والنص ومذاهب الناس في ذلك. فإذا قال المقر: لفلان عندي شيء، أو قال: له عندي حق. فإن هذا في غاية الإجمال؛ لأن قوله: "شيء" ينطلق على ما لا يحصى من الأجناس والمقادير وقد مثل المحصلون المجمل في الخطاب بقوله تعالى: ﴿آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) لأن الحق المفروض أداؤه يوم الحصاد لم يبين ما هو حتى بيّنه ﷺ ، وذكر المراد بما أنزل الله، فكذلك إذا قال إنسان: لزيد عندي حق أو قال: له عندي شيء، فإنه يقال له: بيّنْ ما أردت بقولك "حق" وبقولك "شيء"، فيقضى عليه بما يبين من ذلك ويفسّره قلّ أوْ جلّ، إذا أمكن أن يريد بما أجمل ما فسره به. (ولو قال: له عندي حق في هذا الغنم، ثم فسر ذلك بأنه عشر شياه منها، لقبل منه ذلك إذا فسر بجزء من مائة جاز من الجنس الذي يذكر في تفسيره، وهو عشر العشر لقبل منه ذلك) (٢) ويجلف إن طلب استحلافه المقرّ له، ويتهم بأنه أراد أكثر مما أقر به. وذكر ابن سحنون فيمن وصى لزيد بحق في هذه الدار أنه يقبل منه ما فسر به الحق ما لم يذكر ما لا يشبه ولا يمكن أن يوصي به، كقوله: وصّى له بإصبع من هذه الدار. لأن هذا مما لا يوصَى به في غالب العادة، فلم يقبل من المقر ما تكذبه فيه العادة. وإن امتنع من التفسير ولجّ في الامتناع سجن، ولم يخرج من السجن حتى يقر.

стр. 2826

لكن ابن المواز قيّد ما وقع في المدونة من إطلاق هذا الجواب بأن قال: إذا كان المقرَ له لا يدعي علم ما أقر له به، فإن ادعى علم ذلك، وطلب من المقر أن يفسر ما ذكر ويحلف عليه، فامتنع صار ذلك كمن وجبت عليه يمين فنكل عنها، فإن الطالب يحلف ويستحق ما حلف عليه. ولو قال: لزيد معي سهم في هذه الذار، أو جزء أو نصيب أو حق أو طائفة. فإنه يقبل منه ما زعم أنه أراده بهذه الألفاظ لانطلاقها على ما يقل ويكثر من الأجزاء والسهام. لكن أشهب ذهب إلى أن القول قوله في هذه الدار حتى لا يقبل منه تفسيره بأقل من الثمن. وتحديد أشهب هذا بالثمن لا يكاد يظهر له وجه يتضح .. وليس كون الفرائض التي لم يذكر الله سبحانه فيما (١) أقل من الثمن للزوجة إذا كان معها ولد فالذي (٢) يدل على إطلاق القول بأن: له معي في هذه الدار حق يقتضي أنه أراد الثمن. ولو قال: له معي في هذه الدار حق، وفسر ذلك بأنه أراد بابها أو جدعها (٣)، فقد اختلف قول سحنون في قبول ذلك منه. وكذلك لو قال: له حق في هذه الشجرة، وقال: أردت ثمرها، أو كان في الدار وقال: أردت بقولي هذا القمح الذي فيها. فإن ذلك كله مما اختلف فيه قول ابن القاسم: هل يصدق المقرّ في ذلك أم لا؟ ومما يلحق بهذا الباب إذا قال: لفلان معي في هذه الدار شرك، أو قال: له في هذه الدار شرك ولم يقل: "معي". فإن هذا أيضًا من الألفاظ المحتملة

стр. 2827

المشكلة. فيقبل تفسيره هذه الشركة بأنها بالربْع أو بالثُّمن أو بغير ذلك من الأجزاء التي يمكن أن تسمّى شركة. وذكر ابن سحنون أن بعض أصحابنا قال: يحمل ذلك على النصف، وهو ظاهر مذهب أشهب. وذكر ابن سحنون أن غيرنا فرّق بين أن يقول: له فيها شرك معي، وبين أن يحذف قوله: "معي". فإذا قال: "معي"، قبل منه ما فسره من الأجزاء. وإن لم يقل "معى" عمل على النصف. وهذا أيضًا لا يكاد يظهر له وجه. وكذلك إذا قال: هذه الدار بيني وبين فلان، فإنه يقبل منه ما ذكر أنه لفلان من الأجزاء فيها، وهو اختيار الحذاق من أصحاب مالك من المحمدين كابن سحنون وابن عبد الحكم وابن المواز. والقول الآخر: أنه لا يقبل منه تفسيره بأقلّ من النصف. وإذا قال: أشركت فلانًا بنصف هذه الدار.، فهو شريكه بالنصف. ومقتضى اللفظ أنه إنما الشركة في نصفها، فيكون له ربعها، على أحد القولين، في إطلاق الشركة، لكون الرواية أنه يقضى له بالنصف. وحملوا لفظة "في" على حكم "الباء"، وقوله: أشركته في النصف، كقوله: أشركته بالنصف. ويجب أن تعلم ما قدمناه مرارًا من المعتبر في هذا الباب على كثرة ما ذكر فيه من الروايات، فالاعتماد على إعطاء اللفظ حقه في اللغة أو في عرف الاستعمال، وما احتمل رُجع فيه إلى تصير المقِرّ، ويقبل منه ما يذكر إذا أمكن ذلك. وقد أكثر ابن عبد الحكم وابن سحنون في تتبع ألفاظ المقرين، ولا فائدة في التطويل بها، وقد أخبرناك الأصل الذي اعتمدوا عليه. ألا تراهم قالوا: إذا قال: لزيد عندي بقرة. أن ذلك ينطلق على الذكر والأنثي. قالوا فيه خلاف.

стр. 2828

ولا وجه للاختلاف في هذا إلا ما صرفته العادة في الاستعمال. فمنهم من رأى أن القول "بقرة" ينطلق على الذكر والأنثي، كقوله في بني آدم: هذه نسمة (١). إن ذلك لا ينطلق إلا على الإناث من البقر. (ولو قال: له عندي طير. ثم سئل عنه فقال: مذبوح، لم يقبل منه، لكونه لو وصل الكلام المجمل بالتفسير لقبل منه كونه مذبوحًا إذا قال: له عندي طائر مذبوح) (٢)، فلو فسّر ذلك بدجاجة حية لقبل منه، ولو فسر بنعامة لم يقبل منه. وهذا كله شهادة بعادة مرادةٍ بهذه الألفاظ. ومما هو من جملة هذا النوع الذي أجمل فيه الإقرار قول الإنسان: لزيد عندي مال. فإنه لا يخلو أن يَقتصر على هذا القول، أو يقيّده بأن يقول: مال عظيم. فإن أطلق القول واقتصر على قوله: لزيد عندي مال، فقد اختلف المذهب في ذلك. والأشهر فيه أنه يقضى عليه في الجنس الذي أقرّ به بمقدار نصاب الزكاة لا أقل مثله. قال ابن المواز فيمن أوصى بأن: لفلان عندي مالًا: إنه يقضى في تركته بنصاب الزكاة من المال وهو عشرون دينارًا إن كان من أهل الذهب ومائتا درهم إن كان من أهل الورِق. وهكذا ذكر في التعليل أصبغ عن ابن وهب فيمن قال: لفلان في هذا الكيس، أنه يقضى عليه فيه بنصاب الزكاة. والقول الثاني: انه يرجع في تفسير ذلك إلى المقِر، فيقبل منه ما فسر قوله به، ولا يقضى عليه بزيادة على ما فسر إقراره به. ذكر هذا ابن سحنون، واختاره الشيخ أبو بكر الأبهري، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال ابن القصار: ليست هذه الصبحألة منصوصة لمالك. والذي يجري عندي على مذهبه إلزام المقر نصاب القطع في السرقة وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

стр. 2829

وسبب هذا الاختلاف أن الضابط لطرق النظر في هذه المسألة (درهمًا إلا) (١) مقتضى اللغة ومقتضى الشرع أو عرف الاستعمال. فمن ذهب إلى مذهب أبي حنيفة والشافعي واختيار أبي بكر الأبهري، من أصحابنا، عرض هذه المسألة على هذه الثلاثة أنواع، فلم يجد في اللغة لهذا الاسم الذي هو "مال" تحديدَ المقدار، ولا وجد ذلك في الشرع، ولا وجده في عرف الاستعمال، فأبقاه على حكم الإجمال، وقضى بما يفسره المقر من هذا الذي أجمله. ومن حدّ ذلك بما ذكرناه عنه (وما حدوا واحدًا) (٢) وهو اتباع إشارة الشرع لكن لما وجد في الشرع تحديدين أحدهمأوهو الأقل وهو قطع يد السارق في ربع دينار ومنع النكاح بأقل من المال من ربع دينار استشعروا من هذا أن هذا المقدار له حرمة فلهذا استبيحت به هذه الحرم من فروج أو قطع أيد. فوجب أن تحمل ألفاظ المقرين بمال على هذا المقدار الذي حده الشرع. وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "لم يكن النبي ﷺ يقطع في التافه وإنما يقطع في ربع دينار" (٣) فأشارت إلى أن ما قل عن ربع دينار في حكم التافه المحتقر، وما كان محتقرًا تافهًا لم تحمل هذه التسمية عليه. وقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٤) فأطلق المال على نصاب الزكاة فاقتضى هذا حمل إطلاق "مال" على هذا المقدار. ويقول الآخرون: وقد قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٥) وهذا يقتضي أن ما يستباح به فرج المرأة

стр. 2830

وهو ربع دينار يسمى "مال". ورد هؤلاء مذهب الأبهري من أصحابنا وأبي حنيفة والشافعي في قولهم فيمن قال: لزيد عندي مال، وفسّر ذلك بقيراط أو حبّة: أن ذلك يقبل منه. بأن قالوا: معلوم في العادة أنه لا يطلق غنيّ ولا فقير على القيراط أو الحبة اسم "مال" على حال من الأحوال، فلا يصح أن يقبل من المقر تفسيره بذلك، لأنه (١) بأنه أراد حبَّة أو قيراطًا. وأما إن فسره بربع دينار فإن هذا التفسير قد يليق بعرف الفقراء من الناس، وإن بعد ذلك في عرف الأغنياء. فإذا كان صنف من الناس يطلقون قول "مال لأ على الربع من دينار لم يقض على المقر بأكثر منه، بخلاف القيراط والحبة فإن هذا لا يطلقه أحد من فقير أو غني على هذا المقدار تسمية "مال". فلو قيد هذا الإطلاق بأن قال: له عندي مال عظيم، فقد اختلف فيه أيضًا: فاختار الشيخ أبو بكر الأبهري من أصحابنا أن هذا التقييد والوصف لا يؤثر، وأنه يقبل من المقر بهذا ما فسره به، ولا يقضى عليه بأكثر مما فسره وهو مذهب الشافعي. وذكر ابن سحنون عن أبيه وأهل العراق أنه لا يقبل منه تصير ذلك بأقل من ظ ب الزكاة. وهذا اختيار ابن القصار. وكأن الشافعي والأبهري رأيا أن "العظم" لا حدّ له، ويتفاوت تفاوتًا كثيرًا، كما أن المال لا حدّ له، ويتفاوت تفاوتًا كثيرًا، وما تفاوت هكذا من وصف أو موصوف لم تفد الصفة فيه زيادة على ما أفاده الإطلاق من غير تقييد، فيرجع في ذلك لاحتماله، أطلق أو قيد ووصف، إلى تصير المقر له (٢) لا سيما ولا يشك أحد في أن هذا الوصف بالعظم لا يصح التحديد فيه لا بإسناده إلى لغة أو شرع أو عرف أو استعمال. وكأن من ذهب إلى التحديد بنصيب الزكاة يرى أن هذا الوصف لا بد أن يفيد فائدة، وإلا يكون الكلام لغوًا لا فائدة تحته، ومعلوم أن المال يكون عظيمًا

стр. 2831

ويكون حقيرًا، فلولا أن قوله "عظيم" أفاد رفع هذا الاحتمال وهو كون المال حقيرًا قليلًا، ما حسن النظر به. ألا ترى أن قولهم: رأيت رجلًا طويلًا، أفاد هذا الوصف زيادة فائدة لم تكن في الإطلاق، إذ (١) قال: رأيت رجلًا، وهو رفع الاحتمال أن يكون رأى رجلًا قصيرًا. فكذلك إذا قال: له عندي مال عظيم، يجب أن تكون لهذه الزيادة فائدة، وإلا فيكون قوله: "عظيم" كقوله حقير، ويكون هذا من جنس ما لا ينطلق (٢) به عاقل. هذا حكم إقراره بمال مطلقًا أو مقيدًا موصوفًا. وأما إن وقع الإجمال من ناحية العدد لا من ناحية الجنس، مثل أن يقول: لزيد عليّ دراهم، أو يقول: لزيد عندي دينار (٣).فإن هذا أيضًا لا يخلو من أن يكون الناطق بهذا اللفظ نطق به مطلقًا، أو نطق به مقيدًا، بأن يقول: له عندي دراهم كثيرة. فأما إن أطلق القول فقال: لزيد عندي دراهم، فإن ذلك يحمل على ثلاثة دراهم. وكذلك إن قال: له عندي دينار (١)، فإنه يحمل على ثلاثة دنانير لأن ذلك هو العرف في الاستعمال عند الناس. قال ابن سحنون: وهذا إجماع فيما علمت. وكذلك لو صغر الجمع فقال: له عندي دنينرات، فإنه يقضى عليه بثلاثة، لحصول صيغة الجمع، ولا يبالَى بصيغة الجمع إذا حصلت، كانت مصغرة أو غير مصغرة. وأما إن قال: له عندي دراهم كثيرة، أو قال: له عندي دنانير كثيرة. فإنه اختلف في هذا الوصف: هل له زيادة فائدة على ما أفاده الإطلاق فيقبل منه تفسيره أنه أراد ثلاثة لا أكثر منها؟ هذا مما اختلف فيه أيضًا مذهب الشافعي

стр. 2832

والشيخ أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن هذه الزيادة وهي الوصف بالكثرة لا تفيد أكثر مما يفيده الإطلاق، ويحمل ذلك على ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير، ويقبل منه تصير ما أجمله بعدد لا يتقاصر عن الثلاثة. وتوجيه هذا المذهب مأخوذ مما قدمناه من أن لفظ الجمع وهو قوله: دراهم، يقع على الدراهم الكثيرة والدراهم القليلة، فلم يفد التقييد زيادة على ما أمكن دخوله في القول: له عندي دراهم. وإنما تكون الزيادة لها حكم في هذا المعنى إذا أفادت ما لم يفده القول الأول، ولا أمكن دخوله فيه. ومَن سوى هؤلاء الرجلين: الشافعي وأبي بكر الأبهري رأوا أن هذا التقييد بالوصف فيه زيادة فائدة على الإطلاق. واختلفوا في تحديد هذه الزيادة: فقال محمَّد بن عبد الحكم: لا يقبل منه التفسير بثلاثة إلا أن يزيد عليها، فإذا زاد عليها قبل تفسيره ولم يحدّ هذه الزيادة. وذهب ابن المواز إلى تحديد هذه الزيادة فقال: إذا قال: هي أربعة درأهم، قبل منه ذلك. فكأنه رأى أن هذه الزيادة لا تكون بالكسر والجزء من الدرهم، وإنما تكون بواحد كامل، فلهذا قال: يحد ذلك بأربعة. وذكر محمَّد بن عبد الحكم أنه قيل: يحذ ذلك بخمسة دراهم. وكأنه رأى ثَمّ عدداَّ بَين الكثرة والقلة، فلو قال: له عندي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لقضي عليه بأربعة دراهم لأن هذا العدد يرتفع عن القليل وهو ثلاثة دراهم وينحط عن الكثير وهو ما زاد على أربعة. فإذا كان سلْب هذا الجمع الوصف بالقلة والكثرة يقتضي أربعة وجب أن يكون ما زاد على ذلك يوسف بالكثرة وهو خمسة. وذكر أيضًا أنه قيل: تسعة دراهم. قال: ولا وجه لقول النعمان: يحدّ ذلك بعشرة دراهم، ولا لقول أبي يوسف: يحد ذلك بنصاب الزكاة مائتي درهم.

стр. 2833

وهذا الذي ذكره محمَّد بن عبد الحكم عن أبي يوسف من التحديد بنصاب الزكاة هو الذي ذكره ابن سحنون في كتابه وقال: يقضى عليه بنصاب الزكاة. وذكره أيضاَّ اَبن القصار عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن واختارا ذلك. وقال يقضى بنصاب الزكاة. وذكر أنه ما رأى لمالك. في ذلك نصًا، ولا لأصحابه سوى محمَّد بن عبد الحكم فنقل عنه بعض ما نقلناه عنه مما ذكره في كتابه. وتوجيه هذه المذاهب مأخوذ مما تقدم سوى من قال: يقضى بخمسة دراهم، فإنا ذكرنا ما قيل في توجيهه. وأما مذهب أبي حنيفة، وهو التحديد بعشرة دراهم، فإنه رأى أن أهل اللسان ذكروا أن المجموع على قسمين: جموع قلة وجموع كثرة. فما تقاصر عن العشرة سموه جمع قلة، والعشرة فأكثر منها يسمى عندهم جمع كثرة. وأما من ذهب إلى التحديد بتسعة، فإنه رأى أن القول: له عندي دراهم، يفيد أقل الجح وهو ثلاثة دراهم، فإذا قال: كثيرة، فإن (١) ذلك تضعيف الجمع الذي أشار إليه، وتضعيفه يكون بتكريره ثلاث مرات أيضًا، فكأنه قال: له عندي ثلاثة مضروبة في ثلاثة، وذلك تسعة. هذه جملة المذاهب في هذه المسألة، وهي سبعة مذاهب قد ذكرناها إلى توجيهها وفي هذا مقنع. ومما ينخرط في هذا السلك إذا قال رجل: لزيد عندي جُلّ مائة أو عُظْمها، أو أكثرها، أو نحوها، أو قريب منها. فإن هذا مما اختلف فيه المذاهب أيضًا على قولين: أحدهما أنه لا يقبل منه دعواه، بأنه قصد بهذه العبارة أقل من ثلثي المائة.

стр. 2834

والقول الثاني: أنه يقبل منه إذا زعم أنه أراد نصف المائة وزيادة دينار واحد عليها. وكذلك لو أقر بجُلّ ألف دينار، لقبل منه عند هؤلاء تفسيره لذلك بأنه أراد خمس مائة وزيادة دينار واحد. وذكر ابن سحنون عن رجل من أصحابنا ناظر أباه سحنونًا في المسألة، وذهب إلى أنه يقبل منه في قوله: جل المائة، ما فسر قوله به ولم يحدّ ذلك بِحَذً فيما حكاه عنه. وهذا الاختلاف لا حدّ له ولا سبب سوى إسناده لما ذكرناه مرارًا من النظر في المعتاد في إطلاق هذا اللقظ، فالذين قالوا: يحمل على ثلثي المائة فأكثر، قدروا أن الثلث في حيز القليل، فإذا سقط من المائة فالثلثان الباقيان هما جلها وأكثرها. والذين قالوا: يحمل على نصف الجملة وزيادة دينار واحد عليها، اعتقدوا أن هذا المقدار من المائة يطلق عليبما اسم الجُل والأكثر. وهذا بعيد في عرف الاستعمال عندنا. وعلى هذا النوع من الاختلاف أجروا الاستثناء المجمل أيضًا في هذه الجملة، وهو أن يقول: له عندي مائة دينار إلا شيئًا، أو مائة دينار إلا قليلًا. فإن القولين المذكورين قبلت (١) في هذه المسألة وهي إلزامه ثلثا (٢) المائة فأكثر، أو نصفها وزيادة واحد، وتصديقه فيما فسّر به. هكذا ذكر ابن سحنون عن الذي ناظر أباه في المسألة. وذهب إليه أحمد بن ميسر فقال: إذا قال: له عندي عشرة إلا شيئًا، قبل منه ما يدعيه أنه أراد من مقدار ما استثناه. وذكر عبد الملك في هذه المسألة معنىً أشرنا إليه في حكم الاستثناء الذي

стр. 2835

قدمناه، وقال: قوله: إلا شيئًا، يصرف إلى لحسن (١) في الكلام، فإذا قال: له عندي مائة إلا شيئًا، أسقط من المائة تسعة، وإذا قال: ألف إلا شيئًا، أسقط من الألف تسعة وتسعون. وأشار في هذا إلى أن الاستثناء إنما يحصل بالكسور كقوله تعالى: ﴿ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ (٢) قال: ولا تجد أحدًا يعبر عن الألف بألف إلا مائة، بل هو يقول: تسع مائة. وذكر أيضًا أنه قال: له عندي ألف وشيئًا (٣)، ومات قبل أن يفسر ذلك، فإن ذلك الشيء ساقط لا حكم له لجهلنا بما أراد به من الأجناس والمقادير. وهذا أيضًا توجيه الخلاف فيه على حسب ما تقدم. وإذا قال رجل: لزيد عندي نيف وخمسون دينارًا. لكان القول قولَه فيما أراد بالنيف، فيقبل ما ادعاه وكثر (٤) حتى لو قال: أردت بالنيف جزءًا من الدينار لصدق. وإذا قال: له عندي بضع عشرة درهمًا. فإن مالكًا نصّ على أن البضع يحمل على ثلاثة دراهم، وهي أقل ما ينطلق عليه هذا الاسم، ورآه منطلقًا على الثلاثة إلى التسعة. وقد اختلف الناس وأهل اللغة في هذه التسمية فبعض أهل اللغة صار إلى ما حكيناه عن مالك، وبعضهم صار إلى أنه إنما يطلق على الواحد إلى الخمسة. وقد ذكرنا هذا في كتابنا المترجم بالمعلم. وهذا الذي ذكرناه في الإقرار المحتمل المتردد بين أعداد كاليضع، فإنه (٥) شك المقِر في مقدار البضع الذي عليه وشك المقَر له في هذا المقدار أيضًا، فإنه

стр. 2836

يقضى بالأقل، ويسقط ما زاد على ذلك، لكون الأقل متيقنًا، وما زاد عليه مشكوك فيه، فلم تثبت في الذمة غرامة بالشك. والقول الآخر أنه يقسَم المشكوك فيه بين المقِر والمقَر لهما (١) لتساويهما في الشك في ثبوته ونفيه. ولو أيقن أحدهما وشك الآخر، لكان القول قول الموقِن منهما، سواء كان المقِرَّ أو المقَرَّ له. وأختلف في تحليف الموقن على ما ادعاه ما دام المقِر حيًا، فلو مات قبل أن يسأل عما أراده لم يصدق المقر له، لجواز أن يكون المقر لو بقي حيّا لفسر ما أراد فيبْقى الأمر على ما حكيناه من الأخذ من تركته الأقل خاصة، أو يؤخذ الأقل ويُقسَم ما شك فيه. ولو وقع الإقرار (٢) منهما في الأجناس لا في المقدار مثل أن يقول: لزيد علي ألف، فإن المقر يسأل عن هذا الألف: ما هي من الأجناس؟ فيقبل قوله في الجنس الذي أراد هل هو دينار أو دراهم أو طعام أو ثياب؟ لكن لو عطف على هذا الإبهام عددًا للسرج (٣) فيه بالجنس مثل أن يقول: له عليّ (٤) ألف درهم، فإن هذه المسألة مما اختلف الناس فيها: فذهب الشافعي إلى أنه يقبل قوله في بيان الجنس الذي أجمل، ولا يكون ما أجمل (٥) عليه تفسيرًا للعدد المجمل، سواء كان ما عطف على المجمل مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد، كالدنانير والدراهم والطعام [أ] وغير ذلك مما (٦)

стр. 2837

يوزن أو يكال أو يعد، وإلى هذا ذهب ابن القصار من أصحابنا. وذهب أبو ثور ومحمد بن عبد (١) الحسن أنه يقضى عليه فيما أجمل بجنس ما عطف عليه من المفسر، سواء كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد أو لا يقدر. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان ما بعد حرف العطف مما يقدر بكيل أو وزن أو عدد فإنه يكون تفسيرًا لما أجمل قبله من العدد، مثل أن يقول: له عليّ ألف ودرهم، أو: ألف وقفيز قمح، أو: وألف أقفزة قمح. وإن مال: ألف ورمانة، كانت الألف رمانًا. بخلاف أن يقول: له عنبي ألف وثوب، أو: ألف وعبد، فإنه لا تكون الألف ثيابًا ولا عبيدًا، وإنما يُقضى فيها بما يفسره من الأجناس. وإلى هذا ذهب سحنون، وكأنه رأى أن ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد مما يثبت في الذمة بغير عقد معاوضة، (فإنه إذا ذكر وكان مقدر لكون ما تقدم في ذمة المقر أيضًا لكونه يستقر مثله في الذمة بالاستهلاك وإن لم يكن ذلك عن معاوضة) (٢). وإذا قال: ألف وثوب، لم يكن ذكر الثوب تفسيرًا للألف لأن من استهلك ثوبًا فإنما تلزمه قيمته، ولا تعمر ذمته بمثله، فلم يحسن أن يكون (٣) ذكره تفسيرا لما تقدم من اللفظ المجمل. وهذا الذي يعول عليه أصحاب هذا المذهب من أصحاب أبي حنيفة استدلال لا يتضح تعلقه بما نحن فيه، بل تجد العرب تعطف الشيء على مثله وعلى خلافه، فتقول رأيت زيدًا ومحمدًا من غير الهتفات في هذا العطف إلى ما يقدر أو لا يقدر. ولكن أضطرب أصحاب الشافعي في فرع من فروع هذا الباب وهو إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، أو ألف وخمسون درهمًا. هل يقبل قوله في تصير الألف في هذه المسألة، أو تكون هذه المسألة بخلاف ما تقدم، ولا يقبل

стр. 2838

تفسيره لما أجمل من العدد، لكونه أراد ما بعد حرف العطف بل سقط عليه إذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، لكون الألف دراهمَ أيضًا. وكذلك إذا قال: ألف وخمسون درهمًا تكون الألف دراهم أيضًا. فذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أنه يقبل تفسيره لما أجمل، ورأى ألاّ فرق بين قوله: ألف ودرهم، وبين قوله: له ألف وثلاثة دراهم أو ألف وخمسون درهمًا. ورأى أبو إسحاق وغيره من أصحاب الشافعي، وهو المشهور من مذهب الشافعية، أن هذه المسألة بخلاف ما ذكرناه من أخواتها لأنه إذا قال: له ألف درهم فقد ذكر بعد حرف العطف وهو الواو لفظة أفادت زيادة على العدد المتقدم، فكان ذلك هو المراد بها وقصرها على هذه الإفادة خاصة. وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، كانت الألف والثلاثة من قبيل المجمل في سائر الإجمال (١) وقوله "دراهم" (٢) وقوله "درهم" لفظ فيه بيان الجنس، ولكنه ما أفاد زيادة في العدد، فتصرف إفادته إلى أنه أراد بيان جنس ما تقدم من الجملتين اللتين هما الألف والثلاثة أو الألف وخمسون. وأيضًا فإن الإعراب يختلف فيهما: فإذا قال: له عندي ألف درهم ودرهم، بالرفع، فبالرفع فكذلك (٣) معطوف على قوله (٤):. وإذا كان معطوفًا عليه حتى استحق إعرابَه، لم يستحق بيان الجنس. وإذا قال: له عندي ألف وثلاثة دراهم، فذكر الدراهم ها هنا ليس معطوفًا على إعراب الألف التي في مجملة فكانت تفسيرًا لها. وذكر ابن القصار من أصحابنا هذه المسألة وكأنه تردد بين المذهبين: مذهب الاصطخري الذي حكيناه، ومذهب أبي إسحاق وكأنه مال إلى مذهب أبي إسحاق.

стр. 2839

والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال: إذا قال رجل: لزيد عندي من مائة درهم إلى عشرة دراهم، أو من درهم إلى مائة درهم، فبدأ بأقل العدد فجعل الغاية أكثر منه، أو عكس ذلك فقال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم واحد، فإنه لم يختلف المذهب عندنا، فيما علمت، في أن حرف ابتداء الغاية يقتضي دخول البداية في النهاية، فالدرهم الأول، في قوله: له عندي من درهم إلى عشرة دراهم، داخل في الإقرار ولازم للمقِر، كما يلزم الدرهم الثاني والثالث إلى التاسع. وإنما اختلف المذهب إلزامه ما بعد حرف الغاية وهو الدرهم العاشر، فاختلف في ذلك قول سحنون ﵁، فقال بإسقاطه، في أحد قوليه، ولم يلزم المقرَّ إلا تسعة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال مرة أخرى بل يلزم المقر الدرهم العاشر فيقضي عليه بعشرة دراهم كلها. وجعل ما بعد الغاية داخلًا في الجملة، كما جعل أهل المذهب الدرهم المذكور بعد حرف ابتداء الغاية لازمًا داخلًا في الجملة. وهذا (١) إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى درهم، يلزمه الدرهم العاشر إلى بقية الجملة ويختلف في الدرهم الذي جعله غاية: هل يدخل في الإقرار فتلزمه العشرة دراهم أو لا يدخل في الإقرار فتلزمه تسعة دراهم؟ وكذلك لو اختلف نوع ما بدأ به المقر وما جعله غاية، مثل أن يقول: له عندي من درهم إلى دينار، ينبغي أن يجري على ما أصلناه لك من هذا الاختلاف. ومقتضاه أن يلزمه الدرهم ويختلف في الدينار. وإلى هذا أشار محمَّد بن عبد الحكم في رده على أبي حنيفة، فقال: إنه يقول: إذا قال: له عندي من عشرة دراهم إلى عشرة دنانير، إنه تلزمه العشرة دراهم وتسعة دنانير، فقال ابن عبد الحكم: هذه مناقضة، والإشارة إلى أنه إذا كان مذهبه أن ما بعد حرف الغاية غير داخل في الإقرار فإنه ساقط، فكذلك يجب أن تسقط العشرة

стр. 2840

دنانير كلها؛ لأن ابن سحنون أجرى اختلاف قول أبيه، فيما حكيناه عنه، في قول المقر: له عندي من درهم إلى عشرة، إنه يلزمه التسعة، واختلف قوله في الدرهم العاشر، فيمن (١) قال: له عندي مائتا كُرّ حنطة إلى كر شعير، إن الحنطة تلزمه من غير خلاف، وأما الشعير الذي جعله غاية فإنه يلزمه جميعه على أحد قولي سحنون، وعلى القول الآخر يلزمه كر (٢) القمح ويحط من كر الشعير قفيز شعير، وهذه منه إشارة إلى أنه وإن اختلف النوع فلا بد أن يسقط مما ذكر بعد حرف الغاية شيئًا حتى يُجري على الأصل مقتضى حرف الغاية أن ما بعدها لا يدخل فيه، وكان (٣) الكرُّ: له أجزاء يحط منها جزءًا واحدًا وهو قفيز. وهكذا ذكر عن أبي حنيفة فيمن قال: له عندي مائتا كر حنطة وكر شعير، أنه يَلزمه كل الحنطة والشعير، لكنه يحط من الشعير مقدار ما ذكرناه وهو قفيز. وقال محمَّد بن عبد الحكم: إنما يجب أن يقضى عليه بفضل ما بين كر الحنطة وكر الشعير. وهذا الذي قاله هو مقتضى اللفظ في حكم اللغة، وهو الذي ذكره من التفريع في هذه المسألة ظاهر المذهب عنده أنه بني قول الإنسان: لزيد عندي مائتا درهم إلا (٤) عشرة دراهم وبين قوله: عندي من درهم إلى عشرة دراهم، إلى (٥) حكم الغايتين حكم واحد يثبت الدرهم ويختلف في الدرهم العاشر المذكور بعد حرف الغاية. لكن ظاهر مذهب الشافعية التفريق بين العبارتين إذا قال: له عندي مائتا درهم إلى عشرة فإنما تلزمه ثمانية دراهم وهو جملة ما بين المبدأ والمنتهى. وإذا قال: له عندي من درهم إلى عشرة، قالوا: فيه قولان: أحدهما أنه تلزمه ثمانية، مثل ما قالوا في العبارة الأولى.
следующие страницы →