← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وكذلك اختلف عندنا فيمن قال لرجل: تسلفت منك مائة دينار، وكنت لم أبلغ، أو كنت سفيها لم أرشد، على ما يبسط القول فيه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. فقد قيل: إنه يعدّ هذا الاستدلال منه: كنت صبيًا، أو سفيهًا، كالندم على ما أوجبه عليه إقراره بالدين. فإذا تقرر الحكم فيمن أقر لحمل بمال، وتبين الحكم في تقييده بما يمكن أن يسند الملك فيه إلى العمل، وما يستحيل أن يسند إليه، وتبين إطلاق القول من غير تقييد، فإنه يجب أن ينظر وضع هذا العمل: فإن خرج ميتًا لم يثبت الإقرار؛ لأن الميت كالعدم، ولا يُدرى هل كان حيّا في البطن حين هذا الإقرار، أو حين السبب الذي أضيف إليه الإقرار، أو لم يكن حيّا. هكذا ذكر ابن سحنون. وإن خرج حيّا في زمن يعلم فيه أنه كان موجودًا حين ثبت الملك له، وذلك أن يولد حيّا في دون ستة أشهر، علمنا أن هذا الملك صادف كونه مخلوقا، فإن وُضع بعد سنين تجاوز أقصى العمل، وهو أربع سنين، أو أكثر منها على الخلاف المعلوم، علمنا أنه لم يكن مخلوقا حين ثبوت هذا الملك، فلا يصح أن يحكم له بهذا الملك. وإن كان ما بين هذين الوقتين اللذين هما أقلّ أمد العمل وأقصاه، وكانت الحامل ليست بذات زوج، ولا سيد يطأها، فإن ذلك يحمل على أنه كان مخلوقا، إذ يحل إضافة الزنى لها، وكون هذا الولد زنت به. ولو ولدت ولدين: أحدهما حي، والآخر ميت، لكان المال كله للحي منهما خاصة. وإن وضعتهما جميعًا حيّين لقسم المال بينهما نصفين، ذكرين كانا أو أنثيين أو أحدهما ذكر والآخر أنثى. إلا أن يذكر المقر سبب استحقاق هذا المال: صار إليهما عن مال لأبيهما عندي. فيكون للذكر سهمان وللأنثى سهم واحد، على حسب ما توجبه الفرائض. ولو قال: وجب لهما عن أخيهما الذي من الأب، لقسم أيضًا للذكر مثل ما للأنثيين.

стр. 2767

ولو قال: عن أخيهما، ومات ولم يبين، فذكر محمَّد بن عبد الحكم في هذه المسألة قولين: أحدهما: أنه يقسم على السواء. والثاني أن ينقسم أثلاثا، فيكون لكل واحد منهما سهم. ويبقى السهم الثالث، فيعلم أن الأنثى تسلم نصفه للذكر فيعطاه، ويبقى النصف من هذا السهم الثالث فيدعيه كل واحد منهما، فيقسم بينهما نصفين فتصح الفريضة من اثنى عشر: للذكر سبعة أسهم وللأنثى خمسة. ومما ينخرط في هذا السلك قول القائل لرجل: لك على مائة دينار، زورا وباطلا. فإن المقر له إن صدّقه في كونها باطلا وأن القول كذب، لم يختلف في سقوط هذا الإقرار، وإن كذبه في قوله: إنها باطل، وطلبه كلامَه، قال (١) فإن المنصوص أيضًا أن المقر لا يصدق في هذا، ويقضى عليه بما أقرّ به، ويعد قوله باطلًا كالندم ورفع ما ثبت عليه من الإقرار. وحكى بعض أصحابنا أن هذا متفق بيننا وبين المخالف. وإسناوإلاتفاق على هذا مما ينظر فيه. ولو قال له: لاحق لك على، وصدّقه المقَرّ له، ولكنه بعد القول كما قال: لا حق لك عليّ، وصدقه المقر له، أشهد لي على نفسك بمائة دينار. فإن ذلك يحمل على أن ذلك هبة، إنما يقضى بها على المقر ما لم يمت أو يفلس أو يمرض لا تفاقهما على أنه لاحق عليه، يقتضي أن قوله بعد هذا: لك عليّ مائة دينار، المراد به الهبة، والمخالف أسقط هذا القول ولم يقض به على حال، وكأنه يرى أنه لم يلفظ بلفظة الهبة، وقد تقدم من اتفاق المقرّ والمقرّ له: أَلَّا حق له عليه إبطال هذا الإقرار أصلًا، كما لو قال: لك عندي مائة دينار باطلًا وزورا، واتفقا على تصديق هذا القول، فإن هذا القول لا يقضى به. وكذلك لو أقر أنه باع منه داره، ووصل اقراره فإن (٢) ذلك توليجا زورا (٣)

стр. 2768

فإن الحكم فيه ما قدمناه من تصديق المقَر له وتكذيبه لقوله: إنه توليج وزور. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اعلم أن الإقرارات الأصل فيها أن تؤخذ على ظواهرها وما تفيده في اللغة أو العرف. لكن ربما اقتضت قرينة الحال ونساق المقال، ما يخرجها عن مقحضاها وينقلها عن هذا الحكم الذي أصلنا فيها. فقد كنّا قدمنا في كتاب الشهادات فيمن أقرّ لرجل بدين ووصل إقراره بأنه قضاه إياه، وأورد ذلك في (أنثى دحته الرجل وشطره أو أنثى ذمه له) (١). وذكر تسلطه وتعايظه (٢) في الحقوق، وهو من هذا السلك الذي نحن فيه. ولكن ما يرد أيضًا من الإقرار مورد الاعتذار فإنه يسقط حكمه. وقد روى أشهب عن مالك فيمن اشترى سلعة فسأله البائع في أن يقيله فقال له: تصدقت بها على ابنتي. ومات الأب فقامت الابنة تطلب هذه السلعة بمجرد اعتذار الأب وإقراره بأن الملك لها. فقال مالك: لا يقضى لها بذلك. وليس بقاطع. وكذلك روى أيضًا عن مالك فيمن سئل أن يكري داره فقال: هي لابنتي حتى أشاورها، فقامت الابنة طالبة بهذا الإقرار، فإن ذلك لايقضى به. وكذلك سئل مالك: من يسأله أحد من بني عمه أن يسكنه دارا، ثم سأله ثان من بني عمه، فقال: هي لزوجتي، ثم سأله ثالث من بني عمه، فقال: هي لزوجتي، فقامت هذه الزوجة بهذا الإقرار والتكرر، فإنه لا يقضى عليه به. وكذلك لو أضاف الملك إلى أجنبي، فقال: الدار لفلان، معتذرا بذلك لمن سأله في بيعها منه، ووافق أصبغ مالكا وأصحابه على هذا. وسواء طلب المقرّ له أخذ هذه الدار بدعواه أنه يملكها، (فربما قبل هذا الإقرار، أو أراد

стр. 2769

طلبها بمجرد هذا الاعترإف فإنه لا يقضى بها) (١). ولكن أصبغ ألزم المقر اليمين على أنه لاحق للمقَر له فيها. فإن نكل عن هذه اليمين نظرت في المقَر له: فإن كان يدعي ملكها بحق قديم قبل وقوع هذا الإقرار من المقر، فإنه يحلف ويستحقها. وإن كان إنما أراد أن يملكها بهذا القول، فإنه لا يقضى بهذا القول إذا أنكر (٢) المقر عن اليمين. وظاهر ما نقلنا، عن مالك وما رواه الأكثر من أصحابه يقتضي أن هذا المقر لا يستظهر عليه باليمين بناء على أن هذه قرينة حال تقوم مقام الشهادة على أنه لم يقصد التمليك وإنما أراد الاعتذار ومدافعة من سأله. وكأن أصبغ رأى أن هذه قرينة لا تفيد القطع ولكنها أفادت الظن، فأكدها باليمين على صحتها. ولكن ظاهر كلامه تعلق اليمين في دعوى المقر له أنه يملكها قبل الإقرار وطلبه بملكها بمجرد الإقرار. لكن قوله لا يقضى على المقر بالنكول عن هذه اليمين إذا طلب المقر له تملكها بمجرد الإقرار يقتضى ألا تجب اليمين أولًا في هذا الوجه لأن اليمين الذي إذا نكل الإنسان عنها لم توجب عليه شيئًا لم يتعلق عليه ابتداء. وكأنه إذا قال: ملكتها قديما صحّ رجوع اليمين لدعوة اليقين. فإذا أراد طلبها بمجرد هذا القول فإنه لا يتيقن ملكها فلهذا لم ترجع اليمين عليه. وكذلك أيضًا قال أصبغ لو سليم (٣) سلعة ليبيعها فقال: كنت بعتها من فلان بكذا أو كذا، أو كنت تصدقت بها عليه أو وهبتها له، فإنه يؤاخذ بهذا الإقرار. بخلاف قوله: هي ملك لفلان. واعتذر بأنه إذا قال: كنت بعتها من فلان أو وهبتها له فقد أقرّ بفعل يجب امضاؤه وهو البيع والهبة، وإذا قال: هي ملك لفلان، فلم يقر بفعل. وهذا الذي فرق به لا يتضح، لأنه أيضًا يجب أن يقضى على المقر

стр. 2770

بإقراره، سواء أقرّ بفعل أو أقر بملك. وقد حكينا عن مالك في صدر هذه المسألة فقال: تصدقت بها على ابنتي وماتت (١)، فإن الابنة لا يقضى لها بذلك إذا طلبت القضاء به. قال: وليس هذا بقاطع. وهذا ظاهره يخالف مذهب أصبغ، وان الاعتذار بالاقرار بالملك أو بالاقرار بالبيع والهبة سواء في كونه لا يلزم المقَز له ما قاله من هذا وهو الأصل إذا كانت قرينة الحال تدل على أنه إنما قصد بهذا الإقرار المدافعة، وقال الكذب والعذر. لكن ما حكيناه عن مالك وقع فيه أن السائل لمالك ذكر له أن هذا الناطق بالاعتراف بالتهمة مات. وقد يدافع أصبغ عن هذا بأن يقال: فإن البطلان ها هنا لأجل عدم الحوز في الهبة، ولا يكون ذلك حجة على تفرقتي بين اعتذاره بأنه باع أو وهب وبين اعتذاره بأن الملك لفلان. لكن ظاهر قول مالك ﵁ أنه أبطل الإقرار لكونه خرج مخرج الاعتذار لا يكون الحوز لم يثبت، ألا تراه قال: وليس هذا بقاطع، ولم يعلل يعدم الحوزة ولكنه مع هذا ليس كالنص الجلي وكذلك قال أصبغ: ولو سأل رجل رجلًا أن يزوجه ابنته، فقال: زوّجتها من فلان، فقام فلان طالبا لهذا المقر بأنه زوجه ابنته فإنه يقضى له بتزويجها، سواء قال هذا المضاف إليه التزويج: إني كنت تزوجتها قبل أن يقول أبوها هذا المقر ما قال، أو طلب كونها زوجا بمجرد هذا الإقرار الخارج مخرج الاعتذار. واعتل بأن الهزل واللعب يثبت في النكاح والطلاق والعتاق، كما ورد في الأثر "ثلاث هزلهن جد ... " (٢). وهذا الاعتلال منه بعيد على أصله، لأنا قدمنا عنه أن الاعتذار بأنه باع أو وهب يقضى به عليه. ولا يرجع حكم هذا الإقرار مخرجه مخرج الاعتذار.

стр. 2771

بخلاف أن يعتذر بالاقرار بالملك مطلقا. فإذا كان هذا أصله، كما حكيناه عنه، فلا حاجة إلى أن يعتذر عن هذا في النكاح ويقول: إن النكاح هزله جد، والنكاح كالمعاملات والبياعات، فهذا التعليل منه ينافي ما قاله أوّلا من (١) المعتذر بأنه باع لا يقبل اعتذاره ويلزمه إقراره. ولم يفرق أصبغ بين أن يطلب هذه الزوجة المقر بها بدعواه انه تزوجها قبل الإقرار، وبين أن يطلبها بمجرد هذا الإقرار. وخالف ابن كنانة في هذا: إن طلبها بمجرد هذا الإقرار لم يقض له بها، وإن طلبها بدعواه أن أباها زوجها منه قبل هذا الإقرار الخارج مخرج هذا الاعتذار فإنه يقضى له بتزويجها. وهذا يبسط القول فيه في كتاب النكاح بأوسع من هذا إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الشك يقع من المقرّ في محلين: أحدهما: من يستحق عليه ما أقر به مع علمه بجنس المقر به. والثاني: أن يشك في المقر له مع علمه بالمقر به. فأما إن شك فيمن يستحق ما أقرّ به مثل قوله: لزيد على ألف درهم أو لعمرو. فإن ظاهر هذا اللفظ يتقثد بعمارة ذمته بألفء درهم وتشكيكه من يستحقها: زيد أو عمرو. فالذي وقع لأشهب وسحنون في هذا فيما حكاه ابن سحنون عنهما أن الألْف لزيد وهو المنطوق به أوّلا في الإقرار فيستحقها كلها، ولكن بعد أن يحلف: إني أستحقها عليك أنها المقر، وإني لا أعلم لعمرو فيها شيئًا. ولو قال: أتحقق ما أقر لي به، ولكنه (٢) أطلبه بموجب إقراره، فإن من

стр. 2772

حته ذلك، ولكن إنما يحلف لعمرو: إنه لا يعلم له فيها حقا. وكذلك يحلف المقر لعمرو: إنه لا يستحق قِبَله شيئًا. ولا يكون لعمرو مطالبةٌ على المقرَ. فإن نكل المقر عن اليمين لعمرو حلف عمرو واستحق عليه الألْف مثل ما استحق صاحبه الذي هو زيد. وقال ابن عبد الحكم: إن اتفق زيد وعمرو وقسصت الألف فذلك لهما، ولا يمكّن المقر من امتناعه من أدائها لهما، لأنه تضمن إقراره تيقنه بعمارة ذمته بالألف درهم، وإنما وقع شكه: هل يستحقها زيد أو عمرو؟ وإذا رضي زيد وعمرو بقسمتها فلا مقال للمقر. وإن ادعى الألف كل واحد من زيد وعمرو لنفسه وحلفا عليها اقتسماها. وإن نكلا عن اليمين اقتسماها أيضًا لتساويهما في الدعوى، وتساويهما في طرق الترجيج بينهما في اليمين أو في النكول. وهذا إذا كان المقر يجحد الإقرار وينكر دعواهما. وقال ابن عبد الحكم، في موضع آخر من كتابه،: هذا إذا كان يحلف المقِرّ لهما لتسقط عنه غرامة ألف ثانية. فإن نكل عن اليمين عنه. ولم يسقط ابن عبد الحكم عن المقر الغرامة أصلًا ولو حلف لهما، ولكنه حكى عن أبي حنيفة أنه إذا حلف لهما سقط عنه حكم الإقرار الذي شهدت به البينة. وقال ابن عبد الحكم: هذا فاسد، أرأيت لو كان اقراره هذا في دنانير بأعيانها أو دار بعينها؟ ومذهب ابن عبد الحكم أن المقر لو رفع التشكك عنه، وقال: هي لزيد وحده، أو لعمرو وحده، لقبل منه ذلك، وحلف لمن أنكر أن يكون له. ذكر ذلك فيمن قال: لزيد عندي مائة دينار، ولعمرو أو خالد عندي ألف درهم، أن الدنانير يختصّ بها زيد، إذ مقتضى اللفظ أنه لا يشك في استحقاق زيد عليه ما أقر له به من دنانير، وإنما الشك في الدراهم: هل هي لعمرو أو لخالد. وذكر ابن سحنون هذه المسألة، فقال: أمّا الدنانير فإنه يقضى بها لزيد في إجماعهم، وأما الدراهم فيقضى بها لعمرو، ويسقط حق

стр. 2773

خالد فيها. وقال غيرنا: بل يسقط في الدراهم حق عمرو وخالد جميعًا. والذي ذكره ابن سحنون في إثبات الدراهم لعمرو لكونه المنطوقَ به أولًا في لفظ التشكيك، في سقوط حق خالد، هو الذي حكاه فيما ذكرناه عنه أوَّلا عن أشهب وسحنون. وذكر ابن المواز فيمن أقرّ أنه تسلف مائة دينار من زيد أو عمرو، أو صارت إليه وديعة من زيد أو عمرو، وأنه يقوم لكل واحد منهما ما شك في كونه مستحقا له عليه من سلف أو وديعة، من غير يمين تلزم كل واحد من المسلّفين أو المودعين. كما لو ادعى رجل على رجل بمال فشك المدعَى عليه في صدق المدعي، فإن المدعي يقضى له بما ادعاه من غير أن يستحلف. لكنه ذكر أن المقرّ على جهة التشكيك لو مات لم يقض في هذا في تركته إلا بعد إليمين على زيد وعمرو. وأشار إلى أن الفرق بين حياته وموته كونه إذا مات يجوز -لو بقي حيا- ان يرفَع التشكيك عن نفسه وينكر الإقرار، فلهذا استظهر باليمين على من طلب تركته. وإذا كان حيا وتمادى على تشككه فقد أمن من رجوعه عن الشك إذا قضي عليه وهو لم يرجع عن الشك. وذكر أيضًا أن هذا الذي أقر على جهة التشكك لو بقي حيا وأكذب عمروًا وزيدًا في دعواهما عليه بما أقرّ على جهة التشكك، فإنه يحلف لهما، ويرد اليمين، ويغرم لمن رد اليمين عليه. ومقتضى أهل المذهب أن يكون إنما يقيده (١) ألا يغرم لكل واحد منهما الجملة التي أقر بها، كما يلزمه لو بقي على تشككه. لكن ما قدمناه مما حكيناه عن أبي حنيفة يسقط حكم الإقرار الأول إذا حلف لهما ولا يغرم لهما شيئًا. فأنت ترى هذا الاضطراب في شك المقر فيمن يستحق ما أقرّ به. وتلخص منه أربعة مذاهب: أحدها: إثبات الغرامة لكل واحد ممن شك المقرّ في كونه يستحق عليه ما

стр. 2774

أقرّ به. ورأى أنه لا يسوغ له التمسك بمال يشك فيه: هل يستحقه غيره عليه. ورأى ابن عبد الحكم أن اقراره إنما يتضمن الشك فيمن يستحق ما أقر به. ولكن مقتضى قوله: إنه يتيقن عمارة ذمته بالألف التي أقر بها لا أكثر منها، ويشك في مستحقها فيقضى عليه بما تيقنه، ولا تلزمه الغرامة مع الشك، على ما ذكرناه أيضًا عن أبي حنيفة. لكنه لخص من مضمون الإقرار جملة متيقنة، وإنما وقع الاشكال فيمن يستحقها، فيقسم بين المتشكك فيه، فتبرأ ذمته مما اقتضاه قوله من المتيقَّن. وكأن أبا حنيفة أفرد كل واحد من زيد وعمرو معه، وكل واحد منهما لا يستحق المقر أنه يستحق قبله شيئًا، فلا تلزمه غرامة له بالشك، فلهذا أسقط الإقرار على الجملة والتفصيل. ولكن هذا المذهب الذي حكيناه عن أبي حنيفة نقله عنه ابن عبد الحكم فيما إذا أنكر المقر أن يكون لواحد منهما قِبله شيء، وأنكر ذلك عليه وقال: هذا فاسد. أرأيت لو كان هذا الإقرار تبقي له ما أدري ما يقول أبو حنيفة في هذا. فإن التزمه لم يكن لابن عبد الحكم -بما ذكرنا- مناقضة له. وأطرد ما علل مذهبه به. وابن عبد الحكم لم يسقُطه على الجملة فيسقط ذلك حكم التيقن. وقد قال، فيما حكيناه عنه،: إنه يخرج المُقرّ الألف يقسمها زيد وعمرو، ليبرأ مما تيقن استحقاقه عليه. قال: ولو أبرأه زيد أو عمرو من هذا الإقرار وقال: لا استحق قِبَل المقر شيئًا لم يلزم المقر غرامة الآخر الذي لم يُبْرِه لإمكان أن يكون الحق لمن أبرأه منه، وقد أسقط عليه، فإن عدم التيقن مع إبراء أحد الرجلين، وهو إنما تثبت الغرامة إذا حصل التيقن على الجملة أو هو لا يحصل مع اعتراف أحدهما المقر (١) أنه لا يستحق قبله شيئًا.

стр. 2775

فهذا تلخيص المذاهب الأربع والاشارة إلى الأصول التي بنيت عليها. فإذا تقررت المذاهب الأربع فإن طريقة أشهب وسحنون إسقاط حكم اللفظ الواقع بعد حرف الشك. وما أراهما صارا لذلك إلا حملًا منهما ما وقع بعد حرف الشك يعدّ ندما من المقر، فكأنه لما قال: لزيد عليّ ألف درهم، ندم على ما فرط منه مما يوجب عمارة ذمته، فاستدرك هذا بأن قال: أو لعمرو، ليرفع حكم ما اقتضاه اللفظ الأول من كون قائله متيقنا أن لزيد عنده ألفَ درهم. وابن عبد الحكم يرى أن الألف عمرت ذمته بها، ولكن لا يدرى من يستحقها، قسمت بين من يشك في إستحقاقه لها. وابن المواز يرى أن شك المقر لا يرفع عنه المطالبة بما شك في كونه في ذمته لمن أقر له به ولم يُلزم المقر له يمينا لأنه لا يُمكّن من ردّها على الشاك. والمذهب الرابع الذي قدمناه إسقاط حكم الإقرار مع الشك بأسره. ونحن نضرب لهذا مثالا حتى يرسخ في النفس تصور التفريع على هذه المذاهب: فإذا قال القائل: لزيد عندي مائة دينار، أو لعمرو. فهذا (١) اللفظ الذي صورنا فيه المذاهب الأربع. فلو زاد زيادة فقال: لزيد عندي مائة دينار، أو لبكر وخالد، فإن مقتضى هذا اللفظ كون هذا المقر متيقنا أن في ذمته مائة دينار، وهو يشك: هل جميعها لزيد، المسمى أوّلا، أو لا شيء له فيها وجميعها لخالد وبكر جميعًا، فتقسم نصفين بين المشكوك فيها وهو زيد فيأخذ نصفها، وبكر وخالد يأخذان النصف الآخر. وهذا مذهب ابن عبد الحكم في هذه المسألة.

стр. 2776

ومذهب سحنون فيها أن المائة كلها لزيد، ويسقط ميت سماه بعده على جهة الشك فيه، كما قدمناه. وعلى مذهب ابن المواز يغرم مائتين: مائة لزيد ومائة يقسمها بين بكر وخالد، لكونه شاكًّا في كون بكر وخالد يستحقانها عليه. وأصله التغريم بالشك. وعلى المذهب الرابع، الذي حكيناه، تسقط عنه الغرامة للجميع: زيد ومن ذكر بعده. ولو قال: لزيد ولعمرو عندي مائة دينار، أو لبكر وخالد، فهذا أيضًا مقتضى لفظه كونه متيقنا أن في ذمته مائة دينار لا يدري من يستحقها عليه: هل زيد وعمرو أو بكر وخالد فإن سماها بعد ذلك للأوليْن: زيد وعمرو، وتحقق أنها لهما سقط حق بكر وخالد بعد يمينه لهما إن أنكرهما، وإن لم يعينها لزيد وعمرو وبكر وخالد قسموها أرباعا، وإلى هذا ذهب ابن عبد الحكم. وذهب ابن سحنون: بل تكون لزيد وعمرو، ويسقط حق بكر وخالد بناء على أصله الذي ذكرناه في إسقاط ما بعد حرف الشك. وعلى أصل ابن المواز يغرم مائتين: مائة لزيد وعمرو يقتسمانها، ومائة لبكر وخالد يقتسمانها أيضًا. وعلى المذهب الرابع يسقط الإقرار كله. ولما ذكر ابن سحنون هذا المذهب في هذا قال: وقال غيرنا: يكون ثلث هذه المائة لأول من سماه وهو زيد، ويكون ثلثها أيضًا الآخر لآخر من سماه وهو خالد، ويسقط حق بكر. وهذا المذهب الذي حكاه لم يظهر لي وجهه إلا أن يقدر أن الشك إنما وقع في رجل واحد وهو بكر الذي جعله ثالثا فيمن سماه، ويكون المراد أنها لزيد وعمرو، ولما ذكر زيدًا بحرف التمليك وهو اللام في قوله: لزيد، وذكر عمروا بحرف العطف والتشريك الذي هو الواو، وذكر بكرا بحرف التشكيك

стр. 2777

وهو قوله: أو، وعطف على حرف الشك بالواو فقال: وخالد، وحرف الواو قد أوجب أولًا في عمرو المشاركة لزيد، وكذلك خالد لما عطف بالواو وجب أيضًا أن تكون له مشاركة في المائة الباقية، لكنه لما عطفه بحرف الواو وعلى حرف الشك لم يعطه شيئًا، ولكنه أفاد فيه. عطفُه بحرف الواو انتقاض ثلث المال عن زيد وعمرو لعطفه عليهما بحرف الواو، ولكنه لم يعطه هذا الثلث لوقوع هذا العطف بعد حرف شك. ولم أقف لهذا المخالف على تعليل في هذا، ولكن ذكر ابن سحنون فيمن قال: لزيد علي مائة درهم أو لعمرو وخالد. أن مذهبه كون المائة كلها لزيد، ويسقط حق عمرو وخالد فيها، لكون عمرو إنما سمّاه بعد حرف الشك وعطف خالدًا عليه فصار عمرو وخالد مشكوكا في استحقاقهما لهذه المائة. ومن مذهبه تقدير ما بعد الشك ندما لا يؤاخذ به المقر كما قدمناه، لكن ذكر عن نفسه أنه كان يقول: إنما يسقط حق عمرو خاصة لأنه هو الذي باشر اسمه حرف الشك، وتكون المائة بين زيد وخالد. فقرر أن خالدًا معطوف على زيد فيكون شريكًا له في المائة، ولم يجعله معطوفا على عمرو، وقال: لم يتبين لي أن الشك بين الثاني والثالث وهو عمرو وخالد فيسقط حكمهما. وهذا المذهب الذي رجع عنه. كأنه يلاحظ التعليل الذي عللت به مذهب المخالف. وقد قدمنا يمين المقر لمن طلبه بها (فمن يسقط) (١) حقه في الإقرار. لكن ابن عبد الحكم قال: لو قال: عليّ مائة دينار لزيد أو لغلام عمرو، وغلام عمرو غير مأذون له في التجارة، فإن الحكم أن تكون نصفين بين زيد وغلام عمرو بناء على أصله الذي قدمناه. لكنه ذكر أن زيدا الحر إذا حلف أخذ النصف وإن نكل أخذ العبد جميع المائة من غير يمين عليه، لأنه لو أقر بكونها لزيد دونها (٢) لم يلزمه اقراره لحق

стр. 2778

سيده في مال أوجبه الحكم لعبده. واقرار العبد بما يتلف مال سيده (١) ولا ينفذ له ولا يلتفت إليه. فإذا تقرر الحكم في تحققه في ذمته مالًا معلومًا وتشكك فيمن يستحقه عليه، فلو أضاف إلى هذا الشك في جنس ما استحق عليه، مثالُه أن يقول: لفلان عليَّ مائة دينار أو لفلان علي مائة درهم، فإنه إذا أنكر أن يكون لكل واحد منهما عليه بأقل الجنسين اللذين أقر بهما وهذا الدينار فيكون بين الرجلين المقر لهما إذا اتفقا على أخذه. وكذلك إذا قال: لزيد علي مائة دينار ولعمرو عليّ مائة قفيز قمح، أو لخالد عليّ مائة قفيز شعيرا. فإن زيدا يقضى له بالمائة دينار، ويبقى الشك في الإقرار ما بين عمرو وخالد، فإن أقر لأحدهما وانكر الآخر حلف له، وسقط حق من حلف له صاحبه، وإن نكل عن اليمين وحلف المنكول له عن اليمين غرم المقر، وإن حلف لهما قضي عليه بالأقل ثمنا من القمح أو الشعير وكان بين زيد وخالد اللذين أقر لهما على جهة التشكيك. هذا مذهب ابن عبد الحكم كما قدمنا ذكره. ومذهبه انه تثبت المائة دينار لزيد وتثبت المائة قفير لعمرو، وسقط حق خالد، لما قدمناه لكونه يرى أن ما وقع بعد حرف الشك فإنه كالندم والقصد إلى رفع ما ثبت عليه بحكم ما قبله من الإقرار لعمرو. وقد ثبت الأمر في هذا أيضًا على ما قدمناه من التخريج على المذاهب الأربع. وإن كان الإقرار في شيء معين فقال في عبد في يديه: هذا العبد غصبته من زيد أو من عمرو ونسيت الآن ممن غصبته منهما (٢). فإنه يدفع العبد إليهما جميعًا إذا ادّعاه كل واحد منهما. ويغرم مع ذلك قيمته أيضًا، لأنه أتلف على أحدهما عبدا بنسيانه له. ثم يكون له (٣) العبد بين زيد وعمرو نصفين. وكذلك

стр. 2779

تكون القيمة بينهما نصفين، إذ ليس أحدهما أحق بأن تقبل دعواه في العبد من الآخر، فصار كمالٍ يدعيه رجلان لا يدفعان عنه، وليس أحدهما أرجح في دعواه من الآخر، والحكم أن يقسم بينهما بعد ايمانهما. وكذلك هذا العبد وهذه القيمة. فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان العبد للذي حلف منهما، وسقط حق الآخر لنكوله عن اليمين لصاحبه. ولم يسقط حق الناكل في نصف القيمة لكون المقر شاكا في استحقاق الناكل لها. وقد تقدم اللفظ (١) بالحكم على هذا المقر بإخراجها من يده. ولو كان مثل هذا التشكيك في وديعة معينة فقال: أودعني هذه الوديعة زيد (٢) وعمرو ونسيت من أودعنيها منهما. فإن فيها قولين: هل يضمن لأجل نسيانه فيقضى بها لزيد ويقضى عليه لعمرو بمثلها، ويقسم (٢) بينهما نصفين بعد أيمانهما أولًا يضمن لأجل نسيانه شيئًا لكونه مغلوبا عليه فصار كأنه تلف بغير اكتسابه ولا جنايته؟ فإذا تقرر الحكم في تحقق المقر أن في ذمته جنسا من المال وشك في أحد رجلين يستحقانه فأضاف إلى الشك في المستحقيْن الشك في جنس المستحَق عليه، كما قدمنا الأمثلة في الوجهين، فلو كان التشكيك ها هنا من المقر، هل تجب عليه مطالبة لشخص سماه أولًا تجب؟ مثل أن يقول: لزيد علي مائة دينار، أو هي له على عمرو، أو يقول: لزيد عليّ مائة دينار، أو ليست له علي، أوله عندي وديعة، أو ليست له، أو غصبته مالًا أو لم أغصبه إياه. فإن المذهب على قولين في هذا النوع من التشكيك: فمذهب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم أن هذا ليس بإقرار يؤخذ به

стр. 2780

المقر. وقدَّره لما كان غير متيقّن بعمارة ذمته على حال كقول ملغى مطّرح، إلا أن يضيف هذا الشك إلى من يستحيل أن يضاف إليه، كقوله: لزيد عندي مائة دينار أو هي له على هذا وأشار إلى رضيع ابن أيام، أو هي له على هذا الحجر. فإن هذا الإقرار يؤاخذ به، وتكون المائة عليه وحده لأنه لم يصرفها عن ذمته إلى من يمكن أن تكون عليه. ومذهب ابن سحنون أن هذا الإقرار لازم يطلب به المقر وحده دون ما (١) أضافه إليه على وجه الشك فيه، ويعد ما وقع بعد أحرف الشك كالندم منه، كما قدمنا ذكر طريقته في غير هذا من الشكوك. وكذلك مذهب أبيه سحنون. وقد قال ابن سحنون إن غيرنا خالفنا في هذا. قال: وقد جامعونا إلا أبا يوسف أن القائل: لزيد على مائة دينار أو على هذا الحجر، أن المائة تلزمه دون الحجر، ويعدّ كالنادم. وكذلك فيمن (٢) ذكرناه من الشكوك. وكذلك قال فيمن قال: لزيد عليّ مائة دينار أو لعمرو على خالد مائة دينار، فإن المائة تلزمه ويكون ما بعد إقراره على نفسه من الشهادة على خالد إن تيقن صحتها شهد بها. وقال: قال غيرنا: لا يلزمه هذا الإقرار. وهذا كله إذا حقق هذا الأصل الذي قدمناه سهل بناء هذا كله عليه. وأستلوح منه أن من ذهب في هذه المسألة التي ذكرها ابن سحنون ان اقرار هذا على نفسه ليس إقرارا بيقين يتيقنه، وإنما هو على جهة الشك، هل يلزمه ذلك أم لا؟ وإنما تلزم عمرًا لخالد. ومما يتفرع على مذهب ابن عبد الحكم على هذا الأصل ما ذكره بنفسه في رجل قال: لزيد علىّ مائة دينار أو انما هي له على ولدي، فإن هذا ليس بإقرار كما قدمناه على أصلّ ابن عبد الحكم، لكن ابن عبد الحكم قال: لو مات الولد وترك مائة درهم فورثها أبوه وزوجته، فإن الزوجة تأخذ ربعها، ويبقى ثلاثة

стр. 2781

أرباعها للأب فيسلمها لمن أقر له بذلك، فإن المائة له عليه وعلى ولده الميت، لكون اقراره المتقدم تضمن أنه لا يحل له أن يمنعها منه، لأنها إن كانت الدنانير دينا عليه فلا يحل له منع المقر له بها منها، وإن كانت على ولده فلا يحل له، أن يرث ولده قبل أن يؤدي الدين الذي عليه. لكن ابن عبد الحكم قال: لو كان ترك الولد مائتي دينار فإن الأب لا يلزم أن يؤدي إلا ثلاثة أرباع إحدى المائتين التي ورثها. وكأنه رأى أن المقر له إنما يستحق من المائتين التي ترك الولد مائة واحدة، فغصبت الزوجة ربعها من هذا المقر له وظلمته في إمساكه عنه، فتكون جائحة ذلك منه، ولا يلزم الأب أن يغرم ما أخذته الزوجة من هذه المائة، وإنما عليه قدر نصيبه من المائة التي أقر بها. وقد فرضنا نحن الكلام في ولدين ورثا أباهما، وأقر أحدهما بدين على أبيه: هل إنما يلزمه ذلك منه ما ينوبه فيما ورث خاصة، وما أخذ الولد المنكر للدين جائحته على الغريم لا يطالب به المقر. وقد بسطنا القول في ذلك، وهذا منه. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذ الأصل ما أصلناه في السؤال الذي فرغنا منه الآن وهو شك المقر فيمن يستحق عليه، علم منه ومما أصلناه فيه، الحكم إذا شك المقر فيما يُستحَق عليه. وقد يشك فيما يستحق عليه وهو متجانس أو مختلف. ومثاله في المجانس قوله في ثوبين بيده: لفلان هذا الثوب، أو هذا الثوب. أو عبدين: لفلان هذا العبد، أو هذا العيد الآخر. فقال ابن القاسم في المستخرجة في هذا: إن المقر يحلف أنه لا يعلم أيّ الثوبين للمقرّ له، فإذا حلف المقر له أنه ما يعلم هو أيضًا أي الثوبين له، فإن حلفا كانا شريكين. وإذا عين المقر أجودهما حيث سلمه للمقرّ له من غير يمين. وكذلك إن طلب

стр. 2782

المقر (١) أدناهما أخذه بغير يمين، ورأى أن التهمة ترتفع عن المقر إذا عين الأجود، وعن المقر إذا عين الأدنى. ورأى أشهب أنهما إذا نكلا جميعًا قضي للمقر له بأدنى الثوبين. ونحن نؤصل لك سبب هذا الاختلاف، وما تدور عليه أكثر فروع أنواع شك المقر فيما أقر به. فاعلم أن ما يتيقنه المقرّ فإنه لا محيص له عنه، وما شك فيه وأيقنه المقرّ له أخذه، على خلاف في أخذه له: هل يأخذه بيمين أو بغير يمين؟ وإن شكّا جميعًا: المقرّ والمقرّ له، ففي هذا قولان: أحدهما: أن الذي شكّا فيه تسقط غرامته ولا تجب مطالبة المقر من أجله استصحابا لبراءة الذمة. والقول الثاني: أنه يقسم بين المقر والمقرّ له لتساويهما في إمكان كون المشكوك فيه لهذا أو لهذا: فيقسم بينهما نصفين، كمالٍ تداعياه رجلان، فإن بنينا على القول بقسمة المشكوك فيه فقد صار أدنى الثوبين كالمتيقن استحقاق المقر له. وإنما يتعرض الشك إلى الأجود من الثوبين: هل يستحق هذه الجودة المقر أو المقر له؟ فيقسم نصفين بين هذين الرجلين. فيخرج من هذا ما ذهب إليه ابن القاسم من كونهما يشتركان في الثوبين حتى يكون أدناهما بينهما وأجودهما بينهما أيضًا فتقع القسمة في المشكوك فيه. ورأى أشهب أن الأدنى هو الذي يتحقق على المقر والأعلى من الثوبين يشك فيه فلا يستحقه المقر له مع الشك فيه. ومن أصحاب مالك من سلك طريقة أشهب وبناه على ما بني عليه مذهبه إلى أنه لا يستحق عين الثوب الأدنى وإنما يستحق قيمته، وهو اختيار

стр. 2783

محمَّد بن عبد الحكم، وأشار إلى تعليل ذلك بأنهما لو كانا (١) جاريتين لم يحسن أن تسلم أدناهما بعينها إلى المقر له فيستبيح فرجها من غير اعتراف ملكها ولا من هي في يديه أنها لمن أقر له. وإلى هذا المعنى أشار ابن المواز. ولكن الشيخ أبا محمَّد بن أبي زيد أشار إلى حمل هذا الاعتلال على أن الطالب لا يعلم أيضًا عين من يستحق، كانه إذا علم أنه يستحق الأدنى من الجاريتين صار القول قوله، ولم يستبح الفرج على شك بل على يقين أنه له. وقد كنا نحن تكلمنا في كتاب البيوع على من تبايعا جارية واختلفا في ثمنها وتحالفا وتفاسخا، وعادت إلى يد بائعها: هل يطؤها لأن المشترى لما حلف فكأنه وإن كذب في اليمين كالراضي بدفعها عوضا عن الثمن، فيحل للمشترى وطؤها، ولا يحل للبائع وطؤها لاعتقاده أن المشتري ملكها، وإنما ظلمه في جحوده بعض الثمن وردها عليه ظلما وعدوانا. وهذه تلاحظ المسألة التي تكلمنا عليها الآن. وقد قال ابن المواز في مثل هذا التشكك من المقرّ فيما يُستَحَق عليه إذا شهدت على إقراره البينة، وهو يجحد: إنه يحبس حتى يأتي بإحدى الجاريتين، وإن أدى الاجتهاد إلى ضربه ليقر فعلنا. وهذا التفاوت (٢) إلى ما أشرنا من كون المقَر له لا يستبيح شيئًا بالشك. وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه لو قال: غصبت فلانا هذا العبد أو هذه الجارية، ثم أنكر وطلب استحلافه، فنكل عن اليمين، وادعى المقَر له العبدَ والجاريةَ، وحلف عليهما فإنه يقضى له بهما جميعًا. وكأنه رأى أن المقر إذا طلب منه أن يحلف على العبد أو الجارية ليُعتن حق المقَر له، فنكل عن اليمن وحلف المقر له لمّا ادعاهما جميعًا، صار كل شخص من المملوكين العبد

стр. 2784

والجارية طلب مدعيهما جميعًا أن يحلف المقر على كل واحد منهما أو على أحديث فلم يفعل، صار كمن ادُّعِي عليه بشيء ونكل عن اليمين، فإن المدعي يحلف ويستحقه. وهكذا قال سحنون فيمن قال: لفلان عندي مائة درهم أو دينار، فإنه تلزمه المائة درهم ويحلف على الدينار ويسقط عنه. فإن نكل عن اليمين، وادّعى الطالب الجميع: المائة درهم والدينار، يحلف ويستحق الصنفين جميعًا. وهكذا أصل سحنون، فيما قدمناه مما حكاه في السؤال الذي قبل هذا أن ما بعد حرف الشك ساقط، ويعد كالندم من المقر فقال: إذا قال: لفلان عندي مائة دينار أو ذكر (١) حنطة، فإن المائة دينار تلزمه والكر يسقط إذا حلف المقر على أنه لا يستحقه عليه. وإن نكل وادعاه المقَر له حلف واحدة. وفرع على هذا فروعا مبنيّة على هذا الأصل فقال لمن قال: لفلان عليّ مائة درهم ودينار (٢) وكُرّ حنطة، فإن المائة تلزمه بإجماعنا والدينار يلزمه عند سحنون، ويسقط عنده ما بعد حرف الشك وهو كرّ الحنطة إذا حلف عليه فإن نكل وادعاه الطالب حلف وأخذه. وكذلك لو قال: لفلان عندي مائة درهم ودينار (٢) وكر حنطة وكر شعير، فإن المائة درهم تلزمه في اجماعنا وكذلك الكر الشعير، ويلزمه الدينار عند سحنون، ويسقط عنه كرّ الحنطة، ويلزمه الشعير في اجماعنا. وقال غيرنا: تلزمه المائة درهم والكر الشعير، وهو أول اللفظ وآخره، وأمّا ما بينهصا وهو الثاني والثالث فإنه يقضى عليه بأقلها قيمة. فأنت ترى كيف أشار (٣) سحنون ها هنا إلى الاتفاق على لزوم كر الشعير لما وقع عقيب حرف العطف وهو الواو. فكأنه إنما عطف بحرف الواو على الأمرين المتقدمين ولهما (٤) المائة درهم والدينار، وخص ما بعد حرف الشك

стр. 2785

خاصة وهو الحنطة التي ذكرها في ثالث مرتبة. وقد قدمنا عنه ما حكاه عن نفسه من اختلاف قوله إذا قال: لفلان عندي مائة درهم، أو لفلان، وفلان، أنه كان يذهب إلى الأول والثالث هما اللذان يستحقان هذه المائة، وقدر أن الثالث المذكور بخلاف العطف إنما عطف على الأول الذي الاقرار له لازم قال وكتب هذا وأشار إلى رجوعه عنه إلى الشك وقع بين الثاني والثالث، وكأن المائة درهم لازمة، فلما قال بعدها: أو لفلان دينار ومائة درهم، صرف هذا الشك إلى الثاني والثالث، خلاف ما أشار إليه ها هنا من الاتفاق. وهذا ينبغي أن يتأمل كلامه. وجميع ما تفرع من هذه المسائل مبني على ما قدمنا تأصيله لك. وقد كئا قدمنا مذهب ابن عبد الحكم في الشك في الإقرار: المتيقنُ به من الإقرار هو الألزم ويقسمه المتداعيان فيه المستويان في شك المقر فيهما جميعًا. وهكذا قال: إذا قال: لفلان عندي مائة درهم أو مائة دينار، فإنه يكون للمقرّ له أقلهما، جريا منه على الأصل الذي ذكرناه. فاحتفظ بما أصلنا ذلك في هذه المسائل فعليه يدور جميعها مع التفاتك إلى مقتضى عبارة المقرّ في اللغة أو في الحرف. فإذا تحصل لك معناها عرضت المعنى على المذاهب التي أصلناها لك. ولو قال في عشر: فلان عنده لفلان أحدها لطُلب بتعيينها، فإن عيّنها لم يقض عليه بخلاف ما عتن، وإن لم يعيّنها وشك أفي واحدة هي من العشرة عاد الأمر إلى ما عقدناه لك في هذا السؤال الذي نحن فيه وهو شك المقر في أحد ثوبين، وفي هذا ممتنع (١).

стр. 2786

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا وقع في الإقرار اضراب عنه بعد النطق به فإن ذلك لا يخلو أيضًا من أحدهما: أن يكون إضرابا عن ذكر من يستحق. والثاني: أن يكون إضرابا عن الجنس المستحَق. فأمّا إن كان إضرابا عن من يستحق، مثاله قول القائل: لزيد عندي مائة دينار بل هي لعمرو. فإن هذا الحرف الذي هو "بل" عند النحاة وضع للإضراب عن الأول المذكور، وصرف ما نسب إليه من ذكر بعد حرف "بل". فأما المذكور أوّلا فإنه يغرم له ما أقر به وهي المائة دينار في قوله: مائة دينار عندي لزيد بل لعمرو. ولا خلاف في استحقاق زيد لهذه المائة على المقر. ويغرم لعمرو مائة أخرى باعترافه بها له. ولا يسقط حق زيد في استحقاقه على المقر المائةَ دينار بإقراره لعمرو بمائة دشار. ويحمل ذلك على أن عليه مائتين: إحداهما لزيد والأخرى لعمرو، كما لو قال: لزيد عندي مائة دينار ولعمرو عندي مائة دينار أخرى. ولو قال غصبت هذا العبد من زيد بل من عمروة لكان لزيد، ويقضى عليه لعمرو بقيمته. وأشار ابن سحنون إلى مخالفة أشهب في حكم عمرو. فقال: قال أشهب قولًا أباه سحنون وذلك أنه قال فيمن قال: غصبت هذا من زيد أو عمرو، بل من خالد: إن العبد لزيد، ويحلف لمن شك فيه. ولم يعجب هذا سحنونًا لإجماع العلماء على من قال: غصبت هذا العبد من زيد بل من عمرو إن العبد لزيد، ويقضى لعمرو بقيمته. وقد اتفق سحنون وأشهب فيمن قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو (١)

стр. 2787

من زيد أنه يقضى بالعبد لزيد وعمرو نصفين بينهما، ويغرم لزيد نصف قيمة العبد إن أراد ذلك زيد. وإن أراد زيد أن يغرم له قيمة العبد كله فذلك من حقه لكونه لما قال: بل من زيد. أضاف غصبه لجميع العبد إلى ملك زيد، فليس له أن يغصبه عبدًا كاملًا. ويرد عليه نصف عبد. وهذا لما كان بالخيار بين أن يأخذ النصف على ما فيه من عيب الشركة وبين أن يرده على المقر ويغرمه قيمة جميع العبد، قال: وهذا يدل على قول سحنون: وكذلك لو قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو، بل غصبت جميعه من عمرو. فإن العبد يكون بين زيد وعمرو نصفين، ويطالبه عمرو بنصف قيمة العبد إذا شاء، لكونه استهلك هذا النصف عليه لاقراره به لغيره، ولكن بعد أن يحلف كل واحد من زيد وعمرو لصاحبه: أنه ليس له فيه حق. فإن حلفا كان الحكم ما ذكرناه. وكذلك إذا نكلا. وإن نكل زيد، الذي لم يقض له إلا بنصف العبد، عن اليمين، وحلف عمرو، فله أخذ جميع العبد على مقتضى إقرار المقر لقوله: بل هو لعمرو، ونكولِ زيد عن اليمين لعمرو. ولكن يكون نصف القيمة لزيد لاعتراف المقر أنه قد غصبه نصف العبد لمّا قال: غصبت هذا العبد من زيد وعمرو. فقد يتضمن هذا القول أن زيدا يستحق نصف العبد، فإذا اتلفه عليه بإقراره أن جميعه لعمرو استحق قيمة ما تلف عليه. ولو كان الناكلَ عن اليمين عمرو، وقد حكمنا له بنصف (قيمة العبد) (١) كله لزيد إذا ادعى جميعه وحلف عليه ونكل عمرو. ويبقى لعمر نصف القيمة التي أوجبها على المقر اقرارها (٢) بأن جميعها (٢) لعمرو. قال: وقرأت على سحنون قول أصبغ: لو قال: مائة دينار عندي لزيد من دين أو تعدّ أو وديعة، بل هي لعمرو. لغَرِم لكل واحد منهما مائة، ولو كان ذلك في سلعة فقال: هذا العبد غصبته من زيد بل من عمرو. فإن كان ذلك قاله قبل أن يقبض زيد العبد كان العبد بين زيد وعمرو نصفين.

стр. 2788

ولو قال: غصبته من زيد، ثم قال بعد ذلك: من عمرو، وقد قبض زيد العبد: فإن. العبد يكون لزيد، ويغرم لعمرو قيمته. قال سحنون: أصاب إلا في الذي قاله في العبد فإن الحكم أن يكون العبد لزيد ويقضى عليه لعمرو بقيمته، سواء قال: بل هو لعمرو بعد أن قبضه زيد (١) وقبل أن يقبضه؛ لأنه إذا قبضه صار كالمستهلك له. وهذا الذي ذكره عند أصبغ قد أشار إليه أيضًا أشهب فقال: لو مات رجل ولم يترك وارثا سوى ولده، فقال ولده: هذه وديعة عندي لفلان وفلان معه. فإن قال ذلك نسقا وكلاما متصلًا قضي بالوديعة لهما. وإن قال: هذه وديعة لفلان، ثم بعد حين قال: أو لفلان معه، أو لفلان دونه، وكان عدلا، فهو كالشاهد على أبيه: يحلف المقَز له آخرأً عني ما شهد به، ويقضى له بموجب الشهادهّ. وإن لم يكن الولد عدلا أو نكل المقر له (٢) آخرًا عن اليمين معه قضي بذلك للمقر له أوّلا، ولا غرامة على الوارث إلا أن يدفع ذلك إلى المقر له أوّلا، فيضمن للثاني لاستهلاكه حقه بالدفع. وهذا ينظر فيه إلى طريقة أصبغ. ولعل الذي أنكره ابن سحنون على أشهب فيما قدمنا ذكره عنه محمله على ان العبد لم يقبض أوّلا، فيكون ذلك مطابقا لما حكيناه عن أشهب في هذه المسألة، في اقراره (٣) الوارث بهذه الوديعة لإنسان ثم أقر بعد ذلك لآخر. ولا شك أن مذهب أشهب أن مجرد الإقرار الثاني بعد أن أقر للأول ليس بإتلاف على الثاني يوجب على المقر القيمة. وقد ذكر سحنون فيمن قال في عبد في لديه: هو بيني وبين فلان، وسمى رجلًا ثالثا: أنه قيل: إن الذي سماه في الإقرار أوّلا له نصف العبد، لاعتراف المقر أنه بينه

стр. 2789

وبينه، (ويكون لمن أقر له ثانيا، أنه بينه وبينه، نصف العبد الذي بقي في يد المقر، ويكون المقرّ له ثالثا نصف الربع الذي وقع في يد المقر وهو الثمن، ويبقى للمقر الثمن) (١). قال: وسمعت بعض أصحابنا يقول: يقضى للمقر له أوّلًا بنصف العبد، ويغرم بقيمة هذا النصف لمن أقر له به بعد ذلك. ولو قال: هذا العبد كله لزيد بل لعمرو ولم (٢) يكن لعمرو على المقر شيء. قال أشهب: إلا أن يدفعه المقر إلى من أقر له به أوّلا. وهذا نفس ما حكيناه من الخلاف في إثبات الغرامة على المقر لكونه أتلف بالقول لا بالفعل. وكأن أصحاب هذه الطريقة رأوا أن الاستهلاك الموجب للضمان هو دفع الملك لمن لا يستحقه. وأما استهلاك بالقول الذي أقتضى الشرع من أجله الاستهلاك فلا يوجب الضمان وكأن قوله: هذا العبد لزيد، وقوله بعد ذلك: بل لعمرو، وَإِذَنْ حصل منه اتلافه على عمرو بقول قاله لا بفعل فعله. وقد اختلف المذهب عندنا في الشهود بزنى المحصن، فرجم بشهادتهم، ثم رجعوا عنها وقالوا: تعمدنا الكذب: هل يقتلون كما لو قتلوه بأيديهم، ويكون قولهم هذا الذي ألجأ القاضي إلى قتله كقتل بأيديهم أم لا؟ وأمّا ما ذكرنا عن أصحاب هذه الطريقة من التفرقة بين المقر له أوّلا: هل قبض أو لم يقبض، فإنهم قدروا أن القبض له تأثير يمنع من الشركة. وقد قيل في المذهب الأشهر عندنا: إن من اشترى سلعة من وكيل بائعها فباعها بائعها من آخر بعد أن باع الوكيل، ولم يعلم الوكيل بذلك: إن المشتري الثاني أحق بها إذا قبضها، فإن لم يقبضها كان الأول أحق بها. وقدّر من ذهب إلى هذا أن القبض شبهة توجب الترجيح على من هو أحق بالملك على الحقيقة وهو المشتري الأول. وهذا مما يطول استقصاؤه، ولعلنا أن نورد استقصائه في الموضع الذي يتعلق به الكلام على هذا الأصل. هذا الحكم في الإضراب عمن يستحق.

стр. 2790

وأما الاضراب عما يستحق المقر له مثل أن يقول: له عندي كذا، بل له عندي. فإنه لا يخلو من أن يكون رجع في الإقرار الثاني إلى زيادة عما أقرّ به أوّلا، والنوع واحد، أو إلى أنقص منه، والنوع واحد. فإن رجع إلى زيادة عمّا أقر به أوّلا قضي عليه بالزيادة التي رجع إليها، مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار، بل ألف دينار. فإنه يقضى عليه بألف دينار لا أكثر، لكونه أضرب عن المائة ورجع إلى الاعتراف يكون المائة ألفا. وهذا الحرف الذي هو حرف "بل" يسميه النحاة حرف إضراب في قول العرب: جاء زيد بل عمرو. فكأن المراد أن زيدًا لم يجىء وإنما جاء عمرو. ذكر ابن سحنون عن المخالف أنه يقول: إن القياس إلزام المقر الجملتين جميعًا ما أقرّ به أوّلا وهو مائة دينار، ثم ما رجع إليه وهو ألف دينار، فيغرم الألف ومائة دينار. قال: ولكنا نستحسن أن لا يُلزمَ المِقر الألف دينار. وانكر ابن سحنون هذا القول، وقال: كيف يخالَف القياس بغير أثر، ولا قول سلف. والكلام في الحكم بالاستحسان للمخالف للقياس يتسع، وموضعه كتاب الأصول، وللأصوليين في تأويل الانشحسان المتبع دون القياس تأويلات مبسوطة في كتاب الأصول. وكأن من رأى أن القياس أن يغرم المقر الجملتين يقول: فإن قول المقر: لزيد عندي مائة دينار، أوجب استقرار مائة في ذمة المقر، فليس له إسقاطها، وقوله: بل له ألف دينار، إقرار بجملة ثانية، فيؤخذ بالجملتين. ولو كان الاضراب عن الأول إلى ما هو أقل منه، مثل أن يقول: لزيد عندي ألف دينار بل خمسمائة، والكلام متصل بعضه ببعض، لم تلزمه إلا خمسمائة دينار، ويقدر ما أضرب عنه كأنه استثناء بالقول الثاني. ولو قال: لزيد عندي ألف دينار إلا خمس مائة لم يقض عليه إلا بالخمس مائة، وكذلك إذا بدّل حرف الاستثناء وهو "إلا" بحرف "بل" فقال: بل خمسمائة دينار. ولو قال: بل خمسمائة دينار، بعد انقضاء القول الأول، واستئناف هذا الاضراب بعد زمن

стр. 2791

لم يقبل ذلك منه كما لا يقبل الاستثناء المتراخى عن النطق بالمستثنى منه. هذا في الإضراب عن المقدار بأقل أو بأكثر. وأما لو كان الإضراب عن الصفة لجرى ذلك مجرى الإضراب عن المقدار مثل من يقول: لزيد عندي مائة درهم سودٍ بل مائة درهم بيضٍ. فإنه يقضى له بالبيض لكونه زاد في الإقرار، فهو كزيادة المقدار. ولو قال: له عندي مائة درهم بيض بل سود. لقضى بالسود لأنه كالمستثني مقدار ما بين السود والبيض. وأجرى أصحابنا الدنانير والدراهم هذا المجرى وقدروه كاختلاف الصفات. فإذا قال له: لك عندي درهم بل دينار. فإن الدرهم يسقط ولا يلزم المقر إلا الدينار، وكأنهم رأوا أن الدينار كالعبارة عن عشرة دراهم. ولو قال له عندي درهم بل عشرة دراهم لقضي عليه بالعشرة دراهم كما قدمنا. وذكروا عن المخالف لنا أنه يرى إلزام المقر الدرهم والدينار جميعًا لكونهما كالنوعين. وناقضوه بأنه يرى أنه من قال: له عندي دراهم بيض بل سود، أنه يلزمه أفضلهما. وكذلك ينبغي أن يلزم المقر الدنيار ويسقط عنه الدرهم لكون الدينار أفضل. ولو اختلف النوع مثل أن يقول: لزيد عندي قفيز قمح بل قفيز شعير فقال محمَّد بن عبد الحكم من أصحابنا: إن في المسألة قولين: أحدهما: يلزمه الشعير لكونه أقل قيمته من القمح، فكأنه استثنى من القمح مقدار ما بينه وبين الشعير فلا يلزمه (١) الشعير. قال: والقول الآخر، وهو قول عندنا: إنه يلزمه القمح والشعير جميعًا.

стр. 2792

وكذلك لو قال: له عندي رطل دهن بنفسج بل دهن خيري. للزمه دهن الخيري لأنه إن كان أفضل فهو كالزيادة في الإقرار، وإن كان أدنى فهو كالاستثناء من الإقرار، كما قلناه في الدراهم البيض والسود. وكذلك قوله: له عندي سمن بقري بل غنمي. لجرى الأمر على هذا الأسلوب، يلزمه الجميع، كما حكيناه في الدرهم والدينار. ولو كان على المقر وثيقة بمائة درهم وعشرة دنانير فقال: قبضت دينارًا بل درهما، لجرى الأمر على القولين في النوعين على ما ذكره بعض أصحابنا. على أن هذا قد تقدم إثبات النوعين في ذمته، ثم بعد هذا صدقوه في أنه لم يرد قبض النوعين جميعًا. وكل ما ذكرناه ها هنا في إضرابه عن نوع إلى نوع أدنى، وقلنا: يقبل منه ولا يلزمه إلا أدنى، فإنه يحلف على ذلك عند الذاهبين إلى هذا المذهب. والجواب عن السؤال السابع أن يقال: اعلم أن الاستثناء نوع مما قسمته النحاة في أقسام الكلام. وهو في الشرع يدل في أكثر الكلام في الأحكام في الإقرار بالمعاملات والطلاق والعتاق والحدود وغير ذلك. وله عند النحاة أحرف تختص به كقوله: له عندي كذا إلا كذا، بحرف الأصل في حروف الاستثناء. وكذلك قوله: "غير" و"خلا" و"حاشا" و"عدا"، إلى غير ذلك مما ذكرته النحاة في كتبهم. وهو يقع على قسمين: أحدهما. الإستثناء من جنس المذكور. والثاني: أن (١) الاستثناء من غير الجنس. فأما الاستثناء من جنس المذكور فكقوله: له عندي مائة درهم إلا درهما.

стр. 2793

وأمّا الاستثناء من غير الجنس فكقوله: له عندي مائة درهم إلا قفيز حنطة، أو إلا ثوبا. فأمّا إذا كان الاستثناء من الجنس فإنه يقع على ثلاثة أضرب: أحدها، استثناء قليل من كثير، كقوله: مائة درهم، إلا درهما أو إلا عشرة. والثاني: استثناء يساوي المستثِني ما استثنى منه كقوله: عندي مائة درهم إلا خمسين درهما. والثالث أن يستثني أكثر عدد من أقله، كقولك له عندي مائة درهم إلا تسعين، أو إلا ثمانين. فأفا إذا استثنى أقل العدد فإنه جائز. ولم يذكر فيه خلاف عند، عامة العلماء والنحاة. وذكر عن قوم شذّوا فقالوا باستقباح ذلك إلا أن تدعُوَ ضرورة إليه، كاستثناء الكسور. كقولك: عليّ مائة درهم إلا (١) عشرة دراهم أو إلا نصف درهم. أن قول القائل: عندي مائة درهم إلا عشرة دراهم يعني عنه قوله: له عندي تسعون درهما. والكلام الصحيح ما استغني عنه (١) عن الإطالة والحشو إلَاّ (٢) يفيد. ونقضوا ذلك عليهم بقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣)، وهذا استثناء أقل من أكثر (٤) من غير أن يكون كسرا في العدد. وأجابوا عن هذا بأن هذا في معنى الكسر لأن التجزئة المفتوحة (٥) من

стр. 2794

النصف إلى العشر، وهذا كالكسر، لأن الخمسين من الألف كنصف العشر، فصارذلك في معنى استثناء الكسر. وهذا الذي قالوه مستنكر عند جميع العلماء من أهل الفقه واللسان. وأمّا استثناء الأكثر من الأقل، فالمشهور عند سائر الفقهاء جوازه. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل اللسان. وخالف فيه من الفقهاء عبد الملك ببن الماجشون من أصحاب مالك، فلم يجزه، ومن النحاة ابن درستويه فلم يجزه أيضًا، وذكر أنه ناظر على ذلك أبا علي بن أبي هريرة وهو من كبار أصحاب الشافعي. واعتذر بعض الأشياخ عن ابن الماجشون بأنه لم يخالف في الحكم، وإنما خالف في استعمال العرب لذلك، فرأى أنها لم تستعمل استثناء الأكثر من الأقل، ولكنها وإن لم تستعمل ذلك فلا يسقط حكم الإستثناء في إقرار المقر إذا قال: له عندي مائة درهم إلا تسعين درهما. ويعتمد في ذلك على أن الاستثناء إنما يتبع فيه لسان العرب، وفي غيره من أنواع الكلام، ولم ينقل عنها استعمال استثناء الأكثر من الأقل، فوجب ألا يدخل ذلك في أحكام اللسان. واعتمد الجمهور على قوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) فاستثنى في هذه الآية المخلصين تارة، واستثنى تارة الغاوين ولا بد أن يكون أحدهما أكثر من الآخر في الظاهر والأغلب. فتحصل من ذلك جواز استثناء الأكثر من الأقل. فانفصل بعضهم عن ذلك بأن قال: المخلصون ها هنا الملائكة والنبيون، وهم المراد بذلك إذ لم يذكر في صدر هذا الكلام لفظ سائر العباد، ومعلوم أن الملائكة والنبيين وجميع من في السماوات هم أكثر من الغاوين. وهذا إذا حمل الكلام عليه كان استثناء من النوع الذي أجزناه وهو استثناء

стр. 2795

الأقل من الأكثر، مع أنه أيضًا إذا لم يُعلم من (١) الأقل السامع جاز ذلك. وإنما يقبح إذا استثنى ما يعلم السامع أنه أكثر مما أبقاه. وتعلقوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿قمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ (٢) وهذا لما ذكر الزيادة اقتضى ذلك الاستثناء (٣) الأكثر من الأقل لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء جار على الأصل وهو استثناء القليل، وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾ كأنه بدل من قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا﴾ وعطف عليه قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾. وأنشدوا أيضًا في ذلك قول الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكمًا بالحق قواّلا وهذا استثناء الأكثر من الأقل وإن لم يكن بحرف الإستثناء لكنه بكلمة ثابت مناب حرف الاستثناء، وهو قوله: التي نقصت تسعين من مائة. وأيضًا فإن التخصيص للعموم هو بيان مراد المتكلم، ويجوز التخصيص وإن كان ما خصص أكثر مما بقي في العموم، وكذلك يجب أن يكون في الاستثناء. وهذا إنما يحسن الحجاج به على مذهب من قال من الأصوليين: إن اللغة تؤخذ قياسًا. وأما من أنكر القياس على اللغة فإن هذا لا يلزمه. وكثيرًا ما يتحد المعنى وتختلف أحكام إعرابه عند العرب، فلا يبعد أن يكون إخراج الأكثر من العموم يحسن عند العرب إذا كان بغير لفظ الاستثناء ويقبح إذا كان بحرف الاستثناء متصلًا بالكلام. وقد أشبعنا هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في إيضاح المحصول من برهان الأصول. وأمّا إن كان الإستثناء مساويا للمستثنى منه فإن المانعين لاستثناء الأكثر

стр. 2796

من الأقل قد اختلفوا في ذلك: هل يلحق بالأقل أو بالأكثر؟ فظاهر كلام ابن القصار إلحاقه بالأقل. وابن درستويه نص على المنع منه وألحقه بالأكثر. والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: قد فرغنا من حكم الاستثناء إذا انفرد. ولكنه قد لا ينفرد ويلحق به استثناء آخر مثل أن يقول: له عندي عشرة دنانير إلا ستة إلا اثنين، فإن هذا يجب أن تعلم أن الاستثناء الثاني إنما يكون مما يليه من الخطاب، والذي يليه الاستثناء الأول، فإذا قال: له عندي عشرة دنانير، إلا أربعة، صار الباقي ستة. فإذا قال بعد قوله: إلا أربعة إلا اثنين، فالإثنان ها هنا مستثناة من الاستثناء الذي قبلها وهو أربعة. فقوله: أربعة إلا اثنين يصير الباقي من أربعة اثنين فهي المستثناه من العشرة، فيكون عليه ثمانية دنانير، لأن الإستثناء لا يكون أبدا إلا ضد المستثنى منه. فإذا كان الكلام إيجابًا كقولك: له عندي عشرة دراهم، كان قوله، عقيب ذلك: إلا درهمين نفيا لإيجاب الدرهمين عليه، والنفي ضد الإثبات. ولو كان افتتاح الكلام نفيا لكان الاستثناء اثباتا، كقولهم: ما جاء أحد إلا زيدًا، فكل أحد لم يجىء وزيد قد جاء، فهو ضد ما قيل في أحد. فإذا تقرر هذا فتسهيل معرفة هذا إذا كثر أن تُبقي من العدد الاستثناء الأولَ، وما بعد الاستثناء الثاني تثبته، وما بعد الاستثناء الثالث تنفيه، وما بعد الاستثناء الرابع تثبته، هكذا أبدًا. فلو قال رجل: لفلان عندي عشرة دراهم إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحد! لكان للمقَرّ له على المِقر خمسة دراهم، لأنك تنفي التسعة من العشرة فيبقى واحد. فإذا قال: إلا ثمانية، فذلك إسقاط الثمانية من التسعة، وهو إثبات، لكون التسعة نفيا، فيضيف الثمانية إلى الدرهم فيصير معك تسعة. فإذا قلت: إلا سبعة فذلك أيضًا إسقاط لبعض ما أثبت من الثمانية، وقد كانت الثمانية اثباتا فتكون السبعة نفيا فيبقى اثنان، فإذا قلت: إلا ستة، فيكون ذلك اثباتا لكون

стр. 2797

السبعة نفيا، فيضير معك ثمانية. فإذا قلت: إلا خمسة، كان ذلك نفيا، لكون الستة إثباتا، فيبقى معك ثلاثة. فإذا قلت: إلا أربعة، أكان ذلك نفيا، لكون الأربعة إثباتا، فإذا قلت: إلا ثلاثة، كان ذلك نفيا لكون الأربعة إثباتا، (١)، فإذا قلت: إلا اثنين كان ذلك إثباتا، لكون الثلاثة نفيا، فتبقى معك ستة. فإذا قلت: إلا واحدًا، كان ثفيا لكون الاثنين إيجابا، فتبقى معك خمسة. هكذا وجه العمل في تكرير الاستثناءات بعضها من بعض. واعلم أنه بقي من تقسيم الاستثناء: استثناء الكل من الكل، مثل أن يقول: له عليّ ألف درهم إلا ألف درهم. واستثناء أكثر من الجملة كلها فيقول إلا ألفي درهم. فإن هذا الاستثناء باطل باتفاق، فيصير في معنى قوله: "له عندي ألف درهم لكنّ ذلك كذب وباطل". فلا يقبل ذلك منه. وذكر ذلك ابن سحنون وقال: هذا الحكم في اجماعنا. وذكر غيره أيضًا الاتفاق على من قال: امرأتي طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، فإن الطلاقَ الثلاثُ، لكونه أثبت الكل ثم رفع الكل. وقد فرع العلماء مسائل في تكرير الاستثناء في الطلاق، فإذا قال القائل: امرأتى طالق ثلاثًا إلا ثلاثا لزمه الثلاثة، كما قلنا. ولو قال: امرأتي طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنين. لم يلزمه سوى طلقة واحدة، لما أصلناه لك من كون الاستثناء مضافًا لمقابله. فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا، فقوله: إلا ثلاثًا، نفي الثلاثة، وقوله، عقيب ذلك،: إلا اثنين، نفي من الثلاثة التي قبلها. فهذا مما للعلماء فيه ثلاثة مسالك: أحدها: يلزمه الطلاق الثلاث.

стр. 2798

والثاني: يلزمه طلقتان. والثالث: أنه تلزمه طلقة واحدة. وسبب الخلاف في هذه المسالك أن قوله: أنت طالق ثلاثًا (١)، قد قدمنا أن هذا الاستثناء لا يلتفت إليه ولا يعتد به، والطلاق الثلاث لازم باتفاق. وقوله، عقيب ذلك: إلا اثنين، مستخرج مستثنى من قول باطل لا يعتد به، فإذا كان الأصل باطلا كان ما أخذ منه باطلا أيضًا، وبقي حكم اللفظ الأول، وهو قوله: أنت طالق ثلاثًا، ثابتا لازما، لكون الاستثناءين الواقعين بعده ساقطين. وأمّا المسلك الثاني، وهو إلزامه طلقتين، فإنه مبني على أن قوله: إلا ثلاثًا، إنما أُجمع على سقوطه إذا اقتصر عليه؛ لأنه نفي للكل بعد أن أثبته، وهاهنا لم يقتصر عليه بل عقّبه ووصله لما يرفع الاستحالة، وهو قوله: إلا اثنين، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا، لكن أنت طالق إلا (٢) اثنين؛ لأنا قدمنا أن الاستثناء من النفي إيجاب. والمسلك الثالث، وهو الزامه طلقة واحدة، مبني على أن الاستثناء الأول ساقط، والساقط كأنه لم ينطق به، فكأنه قال: طالق ثلاثًا إلا اثنين فتبقى واحدة. وإنما يبقى النظر فيما قد يشكل، وهو أن يزيد في الأول على الثلاث، فيقول: أنت طالق أربعة إلا ثلاثة، فإنه يلزمه الثلاث لكون الطلقة الرابعة لم يَرِدْ بها الشرع، فالنطق بها كالعدم. يحصل من هذا إذا كانت كالعدم أنه كالقائل: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، وقد، قدمنا الاتفاق على كون هذا الاستثنا، لا ينفع، فلو قال: أنت طالق مائة إلا طلقتين أو طلقة، لزمه الثلاث. وقد يتصور أن ما قلناه من كون ما زاد على الثلاث لا يعتد به وكأنه لم

стр. 2799

ينطق به أنه لا يلزمه إلا طلقتين، إذا قال: أنت طالق مائة إلا واحدة ويكون الاستثناء من الثالث (١) لكون الزائد عليه كالعدم. ومَن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، فإنما تلزمه طلقتان. لكن هذا لما أبقى الاستثناء عددًا هو: ثلاثًا، أُخِذ بما أبقى بعد الاستثناء. فالقائل: أنت طالق (إلا مائه واحدة) (٢) قد أبقى من المستثنى منه ثلاث طلقات وأكثر منها، فأُلزِم الثلاثة، فيعتبر في هذا المعنى ما أبقى بعد الاستثناء، فإن أبقى ثلاثًا فأكثر لزمه الطلاق الثلاث بحكم قصده إلى ما أبقى من المستثنى منه، بخلاف قوله: أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا، للزمه (٣) الثلاث لكون حكم ما زاد على الثلاث إلى الخمس في اللفظ الأول ساقط فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا. ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ستًا، للزمه الطلاق الثلاث على الطريقتين جميعًا، إن راعينا ما أبْقي بعد الاستثناء فقد أبْقي ثلاث. فإن لم يراع الباقي، وراعينا كون ما زاد على الثلاثة كالعدم وكأنه لم ينطق به، صار كالقائل: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، وكأن الستة عبارة عن الثلاث، فتدبر ما قاله أصحابنا في هذا من التفاتهم إلى عدد ما أبقى من المستثنى منه، فإن أبقى ثلاثًا فأكثر أحدثهما (٤)، فإن لم يبق ثلاثًا ولكنه طلق أولًا زيادة على الثلاثة صارت الزيادة على الثلاثة كالعدم. فإذا قال: أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا لم يعتبر الباقي، واعتبر حكم إسقاط ما زاد على الثلاثة وهي الطلقة الرابعة والخامسة. فإذا أُسقطَتَا في النطق صار كالقائل: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا. ومما يشكل في مسائل الاستثناء قول الرجل: له عندي درهم ودرهم

стр. 2800

ودرهم إلا درهم. فإن هذا أيضًا فيه مسلكان للعلماء: أحدهما: أنه يعتد بهذا الاستثناء، ولا يلزمه سوى درهمين، لأن قوله: له عندي درهم ودرهم ودرهم المراد ثلاثة دراهم، ولا فرق عند العرب والناطقين بين قولهم ثلاثة دراهم وبين العبارة بدرهم ودرهم ودرهم؛ لأن النحاة قد جعلوا أن قولهم: جاءني الزيْدون بدلًا من قولهم: جاءني زيد وزيد وزيد. فإذا كان ذلك بدلًا نفع الاستثناء كما ينفع في قوله: ثلاثة دراهم إلا درهما. والمسلك الآخر: أنه لما فضل ها هنا، وأتى بلفظ الآحاد عاد الاستثناء إلى الدرهم الأخير، فيصير إذا عدناه (١) إلى الدرهم الأخير كمستثني الكل من الكل، فكان قوله: إلا درهمًا، راجعًا إلى الدرهم الأخير خاصة فيبطل الاستثناء. هذا حكم الاستثناء إذا كان من الجنس انفرد أو تكرر. وأما إذا كان الاستثناء من غير الجنس مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا مائة درهم، أو إلا عشرة أقفزة قمحًا، أو إلا عشرة ثياب، أو إلا عشرة أعبد، إلى ما يشبه ذلك مما يتقدر بالكيل (٢) أو وزن أو عدد. فهذا مما اختلف الناس فيه على ثلاثة أقوال على الجملة: فمذهبنا ومذهب الشافعي صحة هذا الاستثناء والاعتداد به. ومذهب محمَّد بن الحسن وزفر اطّراح هذا الاستثناء وكونه لا يعتد به ولا يُسقط من الجملة التي استثنى هذا منها شيئًا. وفصل أبو حنيفة فذهب إلى أن كل ما يقدر بكيل أو وزن أو عدد. مثال العدد أن يقول: له عندي مائة درهم إلا مائة بيضة، أو إلا مائة جوزة. فإن الاستثناء يؤثر ويعتد به ويسقط مقداره من الجملة الأولى التي كان الاستثناء منها. وإذا كان مما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد اطرح حكمه، ولزمته الجملة

стр. 2801

الأولى التي استثنى منها بأسرها. وحكى هذه المقالة عنه محمَّد بن عبد الحكم وأنكرها فقال: لا فرق بين ما يقدر وما لا يقدر بكيل أو وزن أو عدد. وذكر ابن سحنون أن استثناء الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير مما يعتد به. فإذا قال: له عندي مائة دينار إلا فائة درهم طرح من المائة دينار مقدار صرف المائة درهم. وكذلك إن قال: له عندي ألف درهم إلا عشرة دنانير طرح من الألف درهم مقدار صرف العشرة دنانير. وأشار إلى الاتفاق على ذلك لكون الدنانير والدراهم كالنوع الواحد فحصل منه استثناء الشيء من جنسه. وقد قدمنا أن استثناء القليل من الكثير إذا كان من جنس واحد لم يختلف في صحة الاستثناء. وأما إن قال: له عندي مائة دينار إلا عشرة أقفزة قمحًا، فذكر ابن سحنون أن فيه قولين: أحدهما: الاعتداد بهذا الاستثناء واطراح قيمة العشرة أقفزة قمحًا. والقول الآخر: إن الاستثناء باطل. وهكذا ذكر ابن المواز في استثناء الدنانير من الدراهم أن ذلك يعتد به ولم يذكر فيه خلافًا. وكذلك لو استثنى ما لم يقدر بكيل أو وزن أو عدد مثل أن يقول: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا أو عبدًا، فإن فيه القولين المتقدمين: أحدهما أن هذا الاستثناء لا يعتد به. والثاني أنه يعتد به. ويقال للمقِرّ: صف الثوب أو العبد، وتحط قيمة ذلك مما أقرّ به من دنانير أو دراهم. فكذلك لو قال: له عندي عبدًا (١) إلا ثوبًا، لكان في ذلك القولان اللذان ذكرناهما عن حكايته بعض أصحابنا كما تقدم: أحدهما: اطراح هذا الاستثناء وإلزام المقر عبدًا. والثاني: الاعتداد به واطراح قيمة الثوب من العبد. والقول قول المقر في صفة ذلك كله: المستثنى والمستثنى منه.

стр. 2802

وذكر بعض الأشياخ الحذاق أن في الاستثناء من غير الجنس قولين. واختار القول باطراحه، وصرف إلى كونه ندمًا من المقر. وهذا المذهب الذي حكيناه من اطراح الاستثناء من غير الجنس قولًا على الإطلاق وجهه أن حقيقة الاستثناء بيان المراد بالخطاب وإخراج بعض ما يشتمل عليه الخطاب أو يصلح أن يشتمل عليه فإذا قال: له عندي مائة درهم، اشتمل ذلك على المائة كلها، فقوله: إلا درهما إخراج لبعض ما اشتمل عليه اللفظ الأول وبيان المراد به. فالقائل: له عندي مائة درهم إلا حمارًا أو إلا عبدًا لا يفيد هذا الاستثناء إخراج ما اشتمل عليه اللفظ الأول ولا بيان المراد به، فصار من الكلام اللغو المطرح الذي لا يفيد، فلهذا لم يعتد به، لأن الاعتداد به يبطل حقيقة ما ذكرنا من حقيقة الاستثناء وفائدته. وأمّا الذاهبون إلى الاعتداد به فإنهم يقولون: المرجع في حكم العبارات ومقتضاها إلى اللغات، ولغة العرب يقع فيها كثير الاستثناء من غير الجنس فإبطاله إبطال لفظ جرى على ألسنة العرب وجاء به القرآن. فأما القرآن، وهو أصدق شاهد على إثبات اللغة، فقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (١) والظن ضد العلم وليس من جنسه. وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) والتجارة حلال وأكل المال بالباطل حرام. فقد استثنى الشيء من غير جنسه لكون التجارة مباحة، وليست من أكل المال بالباطل. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى *إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (٣) وابتغاء وجه الله بالصدقة والصلاة ليست من النعم التي يجزي بها الإنسان صاحبه.

стр. 2803

وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (١) وإبليس ليس من الملائكة، بدليل قوله في آية أخرى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢). وأما ألسنة العرب فقد ذكر سيبويه أن أهل اللغة يثبتون الاستثناء من غير الجنس. قال: وإنما اختلفوا في إعرابه إذا كان منفيً: هل هو بالنصب أو بالرفع؟. وأمّا الأشعار فقد قال الشاعر وهو النابغة: وقفت فيها أصيلًا (٣) أسائلها ... عيّت جوابا وما بالرَّبع من أحد إلا الأُوَاريَّ لَأْيامَّا أباينها (٤) .... والنواك الحوض المظلومة الجلد (٥) والأواري ها هنا ما يحسن (٦) بها الخيل من وتد وحبل. واحدها آرِيٌّ وسيماخية (٧) والجمع أواخي. والوتد والحبل لا ينطق عليه اسم "أحد" فصار ذلك استثناء من غير الجنس. وفي هذا البيت روايات منها: وقفت فيها طويلًا كي أسائلها. ومنها: وقفت فيها أصيلانا. كما ذكرنا، فقيل: إنه جمع أصيل كرغيف ورغفان.

стр. 2804

ويروى: أصيلًا كي أسائلها. والأصيل العَشِيّ. وكذلك اختلفوا في إعرابها: فيروى إلا الأوارَيَّ بالنصب، ويروى إلا الاوارِيُ بالرفع. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو لِمَ. رفعوا الاواري في هذا الاستثناء؟ قال: لاعتقادهم أنها من جملة البيت. فكأنه يقول: وما بالرّبْع إلا الأُواريُّ. والربع: المنزل في الربيع، ثم كثر استعمالهم له حتى صار كل منزل يسمى (١) ولأيًامَّا: مَعناه طويلًا. والنُّوْيُ ما يحفر حول البيت. والمظلومة الأرض التي حفر ذلك بها. كأنهم وضعوا الحفر في غير موضعه. والجَلَد: الأرض التي لا حجارة فيها. وبالنصب في مثل هذا جاء القرآن. قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢) اتباع (٣) بعد حرف الاستثناء، وإن كان من غير الجنس كما قدمناه وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس واليعافير والعيس ليسا من الإنس. وقد بسطنا القول في هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في كتابنا المترجم: بشرح المحصول من برهان الأصول.

стр. 2805

وإذا تقرر كون ذلك لغة، بدل ما أوردناه من الشواهد، وجب ألا يطرح وأن يعتد به. ولهذا أشار بعض الفقهاء من أصحاب مسائل الخلاف إلى أنه استثناء على الحقيقة لأنه إذا قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا، وطرحنا قيمة الثوب، وهي دينار من المائة دينار صار استثناء من الجنس. وذكر عن بعض العلماء قيل له: كيف يتصور معنى هذا اللفظ من هذا الاستثناء؟ فقال: يمكن أن يكون المقر (١) له على المقر مائة دينار فأعطاه منها ثوبًا له شبه بثمنه من المائة دينار، فلما طلب بالإقرإر عبر عنها بالذي جرى، أن قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبًا، يعني دفعته إليه قَضَاء على بعض المائة، عند الذي قال: يصح أن يتصور معناه ويصح ويقع في الوجود دعواه أنه قضى ثوبًا أم لا؟ هذه مسألة أخرى. وذكر ابن سحنون لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة دراهم. فإن هذا الاستثناء لا ينفع ولا يعتد به لأنه ردّه إلى الجملة الأولى التي هي ألف درهم بعد أن حال بين الاستثناء والمستثنى منه بجملة أخرى، فلم يصح رجوع ألاستثناء إلى جملة، وتكلم، بعد جملة أخرى، كما لو استثنى بعد أن سكت سكوتًا انفصل به حكم الخطاب الأول، فإنه لا يقبل. وكذلك نطقه بجملة أخرى يقدر كالسكوت، ولكن لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة درإهم لصرف هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وحط من المائة دينار صرف عشرة دراهم على ما قدمنا بيانه، ويصير كأنه ملحق بما قدمناه من إلاستثناء من غير الجنس لكون ذلك من التقدير كالجنس الواحد. وقاعدة المذهب في هذا الاستثثاء بعد الإقرار بمالين إن كان الإقرار لرجل واحد فإن الاستثناء يصح كقوله: لزيد عندي مائة دينار وعائشة درهم إلا دينارًا واحدًا. واختلف هل يحط الدينار من المائة دينار أو يحط من المالين؟
следующие страницы →