قال: من ترك السنن متعمدًا أعاد أبدًا. وكذلك كان ينكر تخريجنا الآخر في هذه المسألة ويقول في مثلها: قد يرى الإعادة في الوقت من يرى أصل المتروك فرضًا إذا كان فرضه مختلفًا فيه مراعاة للخلاف. والذي قاله محتمل يمكن القول به والمصير إليه. لكن وقع لابن القصار فيمن لم يجد من التراب إلا ما يكفيه لضربة واحدة. أنه لا يتيمم؛ لأنه لا ينتفع بتيممه. وهذا الذي قاله ابن القصار كالنص على أن الضربة الثانية فرض. ولا حيلة لأحد في تأويله. وقد اختلف أشياخنا في مأخذ هذه المسألة. فقال بعض أشياخي: من يجيز التيمم على الصخر لا يوجب الضربة الثانية، إذ لا معنى فيها يقتضي إيجابها. ومن يشترط التيمم بالتراب، يوجب الضربة الثانية ليحصل له من التراب ما يمسح به مرة ثانية. وخالفه غيره من الأشياخ ورأى أن ذلك غير معلل ولا مخرج على هذا الخلاف، بل هو اختلاف من اعتبار حكم الضرب وعدده.
قال القاضي ﵀: فأما ما يتيمم به فالأرض نفسها وما تصاعد عليها من أنواعها كالتراب والحصي (١) والرمل والنورة والزرنيخ (٢) وغيره (٣) مما في بابه. وليس من شرطه (٤) علوق. شيء بالكف، بل يجوز بالحجر الصلد الذي لا يعلق (٥) باليد شيء منه.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما فائدة تقييده بقوله من أنواعها؟.
٢ - وما الصعيد المذكور في القرآن؟.
٣ - وما معنى وصفه بقوله سبحانه طيبًا؟.
٤ - وهل يجوز التيمم بتراب محمول في وعاء؟.
٥ - وهل يجوز مثل ذلك في المنورة والزرنيخ؟.
стр. 282
٦ - وهل يجوز التيمم بالملح؟.
٧ - وهل يجوز التيمم بالثلج؟.
٨ - وهل تغير ما يباح التيمم به بالصنعة يمنع التيمم به؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد يكون على وجه الأرض ما لا يجوز التيمم به كالنبات والرماد وغير ذلك مما ليس من أنواعها. فلهذا قيد بقوله من أنواعها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف في الصعيد. فقال جماعة من أهل اللغة هو وجه الأرض. وقال ابن فارس في كتاب مجمل اللغة: هو التراب. والصعيد في اللغة من أسماء القبر أيضًا. لكن هذا خارج عن أغراضنا (١). وإنما يقع النظر بين القسمين الأولين: هل الصعيد وجه الأرض أو التراب؛ وهذا سبب اختلاف العلماء. فذهب مالك إلى جواز التيمم بالصخر وما لا تراب عليه (٢) بناء على أن الصعيد وجه الأرض. وذهب الشافعي إلى أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب واختلف قوله في الرمل. وقال ابن شعبان من أصحابنا يمنع التيمم برمل لا تراب فيه، وصخر لا تراب عليه. وهذا هو مذهب الشافعي. واختلف العلماء لاختلاف أهل اللغة كما ذكرنا ولاختلاف الأحاديث.
ففي بعضها: جعلت لي الأرض مسجدًا أو طهورًا (٣). فعلق الطهارة بنفس الأرض ولم يشترط التراب واشترطه في كتاب مسلم فذكر وتربتها لي طهورا (٤). فإن ثبت ما نقل الفريقان من أهل اللغة: أن العرب أوقعت اسم الصعيد على مجرد التراب، وعلى مجرد وجه الأرض، فهل يدعى في ذلك العموم حتى يجوز التيمم بالنوعين كما قال مالك؟ يتعلق ذلك بمسألة من أصول الفقه وهو أن التسمية الواحدة إذا تناولت معاني مختلفة فهل يدعى العموم فيها؟
стр. 283
اختلف أهل الأصول في ذلك. فذهب بعضهم إلى دعوى العموم فيها على الإطلاق. ومنعه آخرون على الإطلاق. وجوز القاضي أبو بكر بن الطيب إرادة العموم بها *لكل معنى ينطلق عليه على الحقيقة ومنع إرادة العموم بها* (١) في حقائقها ومجازها معًا على صفة ذكرها. وقد كنا أشرنا إلى هذا الكلام (٢) على قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣). هل الباء للتبعيض أم لا؟ والكلام على إلحاق تلك المسألة السابقة بهذا الأصل الذي نحن فيه يغمض ويدق ويخرج عن غرض الكتاب.
والجواب عن السؤال الثالث: وأما قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ فإن الشافعية تحمله على أن المراد به مُنبتًا ولهذا قصروا التيمم على التراب؛ لأنه ينبت. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (٤) فالطيب في الأرض المحروث. والطيب في الطعام المستعذب. فالتسمية تختلف باختلاف المسميات.
وأما المالكية فتخالفهم في هذا الأصل. وتحمل قوله تعالى طيبًا على أن المراد به طاهر. لأن الأرض النجسة لا يجوز التيمم بها. وقد رجح أصحاب الشافعي تأويلهم بأن الله تعالى كرّم بني آدم فجعل تطهيرهم (٥) من أصلهم. فلما كان أصلهم من ماء وتراب كانت طهارتهم مقصورة على هذين النوعين وهما الماء والتراب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما التراب إذا نقل عن الأرض وصار في وعاء، فالمشهور عندنا من المذهب جواز التيمم به.
وانفرد ابن بكير فمنع التيمم به. وقد يحتج لكل واحد من المذهبين باختلاف الروايتين عن النبي ﷺ . فمن روى أن الأرض طهور. فالتراب الذي في الأوعية لا يسمى أرضًا. ومن روى أن تربتها طهور فالمنقول في الأوعية
стр. 284
يسمى ترابًا. وإذا قلنا أن قوله صعيدًا معناه ما صعد (١) عليها. فالمنقول في الأوعية ليس بصاعد عليها ما دام في الأوعية. وقد احتج للجواز، بتيممه ﷺ على الجدار لرد السلام (٢). وحجارة الجدار كالمنقولة عن الأرض.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المنورة والزرنيخ وما في معناهما كالكبريت والشب فيجوز التيمم على ذلك ما دامت في معادنها. لأنها بعض أجزاء الأرض ولأنها صاعدة عليها حال التيمم بها. وتغيرها عن المعهود من أجزاء الأرض بصنعة انفرد بها الخالق تعالى لا ينقلها عن أصلها كالماء المتغير طعمه بالكبريت ونحوه. فإن ذلك لا يمنع التطهر به.
وأما التيمم بها وقد نقلت من الأرض وصارت في أوعية فإن قلنا بأحد القولين: بأن التراب (٣) المنقول لا يتيمم به فهذه أحرى بذلك. وإذا قلنا بأنه يتيمم به. فقد وقع في السليمانية لا يتيمم بالكبريت والزرنيخ والشب ونحو ذلك مما قد صار في أيدي الناس؛ لأنه قد صار كالعقاقير. فأشار إلى أن ادخاره واستعداده للأدوية والمنافع يخرجه عن أصله ويفارق به حكم جنسه.
وأما الياقوت والزبرجد فإنه وإن كان من المعادن فإنه يمنع التيمم به لأجل السرف (٤) *كما منع استخدامه لأجل السرف* (٥). وقد أجاز ابن القصار التيمم على الحشيش. وللنظر فيه مجال. وقد حكى بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع قولين. وأجاز التيمم على الخشب وللنظر فيه أيضًا مجال.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في التيمم على الملح على ثلاثة أقوال. فمنع على الإطلاق. وأجيز على الإطلاق وأجيز المعدني
стр. 285
ومنع المصنوع. فالمنع على الإطلاق لأنه ليس من الصعيد. وإلى هذا أشار في السليمانية فقال يمنع لأنه طعام. والجواز لأنه من جنس الصعيد الذي تقدم الكلام (١) عليه كالكبريت والزرنيخ. والتفرقة لأجل أن حقيقة الصعيد إنما يتصور في المعدني دون ما سواه.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في التيمم على الثلج وتوجيه الخلاف (٢) يداني ما ذكرناه في الملح فلا معنى لإعادته.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: الجير المطبوخ وشبهه (٣) يمنع التيمم به. لأنه بالصنعة خرج عن كونه صعيدًا.
قال القاضي ﵀: فأما ما يتيمم له فكل قربة لزم التطهر لها بالماء كالصلوات كلها ومس المصحف، وغسل الميت. ولا يكاد يتصور في الطواف إلا للمريض. ولا يجوز التيمم للجنازة في الحضر إلا أن يتعين الفرض (٤). ولا يجوز الجمع بالتيمم بين صلوات فروض على وجه. ويجوز بين نوافل عدة.
ويجوز الجمع بين الفرض والنفل إذا قدم الفرض (٥) ويجوز التنفل بتيمم الفرض، ولا يجوز الفرض بتيمم النفل.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا منها أن يقال:
١ - ما المراد بقوله كل قربة لزم التطهر لها بالماء؟ هل ذلك على إطلاقه أو يحتاج إلى تقييد؟ (٦).
٢ - ولم لا يتصور في الطواف إلا ما ذكر؟.
٣ - وما معنى قوله في الجنازة إلا أن يتعين الفرض؟.
стр. 286
٤ - ولم لا يجوز الجمع بالتيمم بين فروض؟.
٥ - وما معنى قوله على وجه؟.
٦ - وهل يعيد إن فعل ذلك؟.
٧ - ولم أجاز ذلك في النوافل؟ (١).
٨ - ولم أجاز (١) الجمع بين الفرض والنفل إذا قدم الفرض؟.
٩ - وهل يعيد الفرض إذا قدم عليه النفل؟.
١٠ - ولم أجاز التنفل بتيمم الفرض؟ (٢).
١١ - ولم منع الفرض بتيمم النفل؟.
١٢ - وهل يعيد الفرض إن فعل؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: مراده بذلك من كان من أهل التيمم كالمسافر والفريض. لأن الحاضر الصحيح لا يتيمم عندنا للنوافل ومس المصحف. وهو قد أطلق ذكر الصلوات كلها والنوافل داخلة فيها. ومعنى قوله: لزم التطهر لها أي أراد استباحة الفعل. لأن النافلة ومس المصحف من شاء ألا يفعلها لم يلزمه التطهر. فلا بد من حمل إطلاق قوله على ما قلناه وتأويله على ما ذكرناه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أهل التيمم: مسافر، أو مقيم صحيح خاف فوات الوقت، أو مريض. والطائف بالبيت ليس بمسافر ولا خائف فوات وقت، ولا هو عادم للماء في الغالب وإنما يتصور ذلك في المريض كما قال.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: متى تعين الفرض وخيف فوات الوقت جاز التيمم للمسافر والمريض. ويختلف في الحاضر الصحيح على ما تقدم بيانه. وإن تعين الفرض ولم يخش فوات الوقت ويتصور ذلك في صلاة الجمعة فإن الحاضر يتعين عليه أداؤها فإن لم يفعل صلى الظهر بدلًا منها وأثم في ترك الجمعة. فهذا اختلف المذهب فيه فمنع أشهب في مدونته من خاف
стр. 287
ذوات الجمعة من التيمم. وذهب إلى أنه إن فعل لم يجزئه، وكأنه رأى أن وقت صلاة الظهر لما كان باقيًا، والتيمم إنما يباح للحاضر خوف ذوات الوقت، منع هذا من التيمم. وحكى ابن القصار وغيره إباحة التيمم في هذا لأنه لما كانت الجمعة لا يسوغ تركها اختيارًا ليستبدل منها صلاة الظهر صارت في معنى صلاة لا بدل لها، خاف ذوات وقتها. ومما يليق أن نذكره عقب (١) هذه المسألة، من عدم الماء فلم يجده إلا في سقاية أو بئر وسط مسجد، فهل يباح له التيمم لدخول المسجد ليتوصل بذلك إلى الماء الذي يتطهر به ويصير في معنى من تعين (٢) عليه الفعل، أو ينهى عن ذلك لما كان للماء بدل وهو التراب؟ فصار بذلك أيضًا في معنى ما لا يتعين. هذا لا أحفظ الآن فيه عن المذهب نصًا. لكن رأيت بعض المتأخرين قال (٣) مالك: يمنع من دخول المسجد للجنب عابر (٤) سبيل. فيجب إذا اضطر لدخوله أن يباح له التيمم. وقد أريناك من وجوه النظر في المسألة طريقًا يرشدك لما سواه.
وإن لم يتعين الفرض أصلًا، ولم تكن الصلاة سنة بل كانت من النوافل، فلم يختلف المذهب عندنا في إباحة التيمم للمسافر. ومنعه عبد العزيز بن أبي سلمة لما كان المسافر عنده في مندوحة عن التنفل وإنما جاز له في الفرض لما كان لا بد له منه.
وأما الحاضر فإن كان مريضًا فحكمه حكم المسافر. وإن كان صحيحًا فلا يباح له التنفل.
وأما السنن فطريقة بعض شيوخنا أن ما يخاطب به الأعيان يلحق حكمها بالفروض. كالوتر وركعتي الفجر. وما كان منها على الكفاية لحق بالنوافل.
وقد تقدم بيان (٥) حكم الفرض والنفل فأغنى عن إعادته. وقد قال ابن سحنون
стр. 288
من أصحابنا سبيل السنن كالعيدين والاستسقاء والكسوف في التيمم كسبيل الفروض. وقد وقع لابن وهب من أصحابنا فيمن خرج للجنازة متوضئًا فانتقض وضوؤه أنه يتيمم. ومنع من ذلك من خرج ابتداء على غير وضوء.
وكأنه رأى أن الخارج على غير وضوء كالمختار لترك الماء. ومن خرج على وضوء فانتقض (١) وضوؤه (٢) كالمضطر لأداء صلاة يخشى فواتها، ولا بدل منها. فلما رأى القاضي أبو محمَّد هذا الاضطراب كله تمسك بالوجه الذي لا يختلف فيه. وذلك أنه إذا تعين عليه الصلاة على الجنازة لعدم من يصلي عليها، فعلى القول بأن صلاة الجنازة فرض يلحق بالفروض المؤقتة كالظهر والعصر. بل هذه لها مزية من جهة أخرى، وهي أنها لا تقضى. وتلك تقضى بعد أوقاتها. وإن كانت هذه أيضًا مختلفًا في وجوبها وتلك متفقًا على وجوبها. وإن كان ابن القصار تردد قوله فيها مع التعين فقال يحتمل أن يقال لا يتيمم لجواز الصلاة على قبر من لم يصل عليه عند بعض الناس.
وروي عن مالك، والقياس أن يتيمم. وعلى القول بأن صلاة الجنازة سنة فإنها تلحق بالسنن المخاطب بها الأعيان. وقد أريناك وجه الطريقة فيها. وإن لم تتعين فقد نقلنا لك ما ذكر ابن سحنون وابن وهب. وقد تقدم إجازة التيمم للمسافر على الإطلاق. وفصلنا في الحاضر هذا التفصيل المستوعب لجميع مسائله.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما لم يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد لأنا قدمنا أنه مأمور بالطلب لكل صلاة. وقد (٣) ذكرنا أن من أجاز الجمع من أصحابنا قد التزم ما تقدم ذكره، وذكر الانفصال عنه فلا معنى لإعادته. ومن الناس من يخرج الخلاف في هذه المسألة على الاختلاف في التيمم، هل يرفع الحدث أم لا؟ فمن قال إنه يرفع الحدث أباح الجمع. ومن
стр. 289
لم ير أنه لا (١) يرفع الحدث لم يبح الجمع. وأشار القاضي أبو محمَّد في آخر هذا الباب إلى البناء على هذه الطريقة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما أكد بقوله على وجه لأن أبا الفرج أجاز الجمع بين فائتتين بتيمم واحد. وبعض أصحابنا حكى عنه إباحته في الفوائت، وللمريض الذي لا يقدر على مس الماء. وحكي عن ابن شعبان (٢) إجازته للمريض الذي لا يقدر على مس الماء، وكأنه يقصر إباحة الجمع على هذا لسقوط الطلب عنه. فلأجل الاضطراب في هذه الفروع والاختلاف في بعضها أراد القاضي أبو محمَّد استيعاب جميعها (٣) بالمنع.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في الإعادة. هل يؤمر بها في الوقت أو في الوقت وبعده؟ ورأى أصبغ أن الإعادة إنما تكون في الوقت وبعده إذا كانت الصلاتان لا اشتراك بينهما كالعصر والمغرب. فمن رأى أن ظاهر القرآن استئناف الطهارة عند كل صلاة أوجب الإعادة بعد الوقت. ومن رأى أن الظاهر لا يقتضي ذلك، وأن الذي وقع في السنة من إجازة الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد يقتضي مثل ذلك في التيمم، لم يوجب الإعادة بالاشتراك في وقته كالصلاة الواحدة بخلاف ما لا اشتراك فيه.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما جاز ذلك في النوافل لانخفاض رتبتها عن الفرائض. وأن النافلة الثانية غير مؤقتة بوقت، فيعد (٤) متيممًا للصلاة قبل وقتها. ولما كانت النوافل غير مؤقتة ولا منحصرة في تكرارها جعلت كالصلاة الواحدة.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما جاز الجمع إذا قدم الفرض
стр. 290
لأن النفل تبع للفرض. فإذا تيمم للفرض واستباحه بالتيمم انسحب هذا الحكم على النافلة التي تتبعه لأن التبع (١) حكمه حكم المتبوع. وإذا قدم النفل صار مقصودًا بالتيمم وصار الفرض بعده كالتبع فانقلبت الحقيقة التي ذكرناها. فلهذا لم يقدم النفل. وسواء كان النفل المتأخر سنة كالوتر أو لم يكن. واستحب سحنون تجديد التيمم للوتر. وكأنه لما رأى تأكدها في الشرع، وأن أبا حنيفة ذهب إلى وجوبها، استحسن أن يسلبها (٢) حكم الاتباع.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: اختلف في المتيمم إذا قدم على فرضه تنفلًا. هل يؤمر بالإعادة في الوقت خاصة أو في الوقت وبعده؟ فمن رأى أن تيممه بتقدمة النفل لما صار بتقدمته كالقاصد له بالتيمم أعاد أبدًا. ومن رأى أن قصده استباحة الفرض بتيممه لا ينقلب حكمه (٣) بتقدمة النفل، وأن تيممه لم ينتقض، لم يوجب الإعادة واستحبها لتبرأ ذمته باتفاق.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: قد تقدم جوابه في السؤال الثامن. ولكن لو كان النفل المتقدم سنة كركعتي الفجر. فقد روي عن مالك أنه خفف تقدمة ركعتي الفجر للمتيمم، والمشهور النهي عن ذلك. فإن خالف النهي، فقيل لا إعادة عليه، وقيل يعيد في الوقت. وقيل يعيد أبدًا. والتوجيه في ذلك يفهمه الواقف على توجيهنا لمثل هذا.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: إنما لم يجز الفرض بتيمم النفل، وجاز الفرض بوضوء النفل لأن الوضوء يرفع الحدث. والحدث إذا ارتفع، ارتفع حكمه على الإطلاق. والتيمم إنما يستباح به الصلاة. فإذا قصد استباحة النفل خاصة لم يجز له استباحة الفرض. لأنه يقصد لذلك ولا يصح أن يكون الفرض تبعًا للنفل على ما تقدم بيانه.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إذا صلى الفرض بتيمم
стр. 291
النفل* (١) اختلف في الإعادة هل يؤمر بها في الوقت خاصة أو في الوقت وبعده؟ فمن رأى أن التيمم يلحق بالوضوء لم (٢) يوجب الإعادة واستحبها لتبرأ ذمته باتفاق. ومن لم يلحقه بالوضوء ورأى أن الاستباحة مقصورة على ما قصد إليه أوجب الإعادة أبدًا.
قال القاضي ﵀: والجنب ينوي بتيممه الحدث الأصغر ناسيًا (٣) فيه روايتان.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال:
١ - ما وجه الروايتين؟.
٢ - وما الفرق بين غسل الجنب العضو بنية الحدث الأصغر ناسيًا للجنابة وبين التيمم على رواية المنع في التيمم؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: وجه قول مالك أن من تيمم للحديث الأصغر ناسيًا لجنابته أن تيممه يجزيه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي أن صورة التيمم للجنابة وللحدث الأصغر سيان. والقصد في كل واحد منهما استباحة الصلاة (٤). وقد نوى هذا استباحتها. فلا يعرج على (٥) نسيانه لأحد الأحداث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يضر نسيانه. وقد قال ﵇ وإنما لامرئ ما نوى (٦). وهذا نوى استباحة الصلاة وكان له أن يصلي. ووجه الرواية الثانية عن مالك أن التيمم بدل عن طهارة الماء، وطهارة الماء في الجنابة تعم جميع الجسد. وطهارة الماء في الحدث الأصغر تخص بعض الجسد.
فكما لا يجزي غسل بعض الجسد عن جميعه، فكذلك البدل فيهما لا يجزي القصد بالتيمم للحديث الأصغر عن الحدث الأكبر. وتقوى عندي هذه الطريقة
стр. 292
على القول بأن التيمم يرفع الحدث. وقد يخرج الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في ذلك.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الظاهر من المذهب أن من غسل أحد أعضاء الوضوء بنية الوضوء ناسيًا للجنابة أنه يجزيه عن غسل ذلك العضو للجنابة. وهو ظاهر قوله في المدونة في مسألة الجنب الناسي لغسل ما أزال عنه الجبيرة. والفرق عنده بين ذلك وبين التيمم، ما قدمناه في توجيه كون التيمم لا يجزئ، لاختلاف محل الطهارة الصغرى والكبرى في طهارة الماء. فقيس عليه بدله وهو التيمم. ومن غسل وهو جنب عض وَابن ية الوضوء ناسيًا للجنابة، فإن كل واحدة من طهارتي (١) الماء أصل في ذلك العضو (٢) وليست إحداهما بدلًا من الأخرى. وحكمهما فيه حكم واحد. فإذا أكمل على ذلك العضو غسل ما سواه من الجسد، وكان قد تقدم له غسل ما سواه، ارتفع حكم الجنابة عنه وخالف في ذلك التيمم لأجل ما قدمناه.
قال القاضي رحمه الله تعالى: ولا يخلو مريد التيمم من ثلاثة أحوال:
١ - إما أن يغلب على ظنه اليأس (٣) من وجود الماء في الوقت.
٢ - أو أن يغلب على ظنه وجوده ويقوى (٤) رجاؤه له (٥).
٣ - أو يتساوى عنده الأمران. فالأول يتيمم أول الوقت. والثاني آخره. والثالث وسطه. هذا هو الاختيار.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة هذا التقسيم؟.
٢ - وما الوقت المشار إليه؟.
стр. 293
٣ - وهل في الذي اختاره اختلاف؟ (١).
٤ - وهل يعيد من خالف ما اختار؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد تقرر وعلم أن للماء فضيلة على التراب كما تقرر أيضًا عندنا أن لأول الوقت فضيلة على آخره. فالآيس من وجود الماء في الوقت، لو أمرناه بالتأخير، ونحن نعلم أنه لا يجد الماء، لكنا حرمناه الفضيلتين: فضيلة الماء وفضيلة أول الوقت. ولا شك أن تحصيل إحدى الفضيلتين أولى من تركهما جميعًا.
وأما الراجي لوجود الماء، فإنما أمر بالتأخير إلى آخر الوقت لأنه يحصل من فضيلة الماء فوق ما فاته من فضيلة أول الوقت. إذ فضيلة الماء متفق عليها، وفضيلة أول الوقت ليس (٢) بمتفق عليها.
وأما الشاك فإنما أمر بوسط الوقت ليجعل لكل واحدة من الفضيلتين قسطًا من المراعاة. فيؤخر عن أول الوقت طلبًا لفضيلة الماء ويرتفع عن آخر الوقت تقربًا من فضيلة آخره (٣). فكان وسط الوقت عدلًا بينهما.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الوقت المشار إليه ها هنا وقت الاختيار: القامة في الظهر، والقامتان في العصر، والشفق في المغرب على ما تقف عليه في كتاب الصلاة إن شاء الله. وإنما كان هذا هكذا لأن وقت الاختيار لا ينهى الواجد للماء عن تأخير الصلاة إليه. وجميعه محل لأداء العبادة فكان جميعه محلًا للتيمم. ولكن الاختيار في المشهور الرتبة التي فصلها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلفت روايات المذهب في ذلك. فالمشهور ما ذكره القاضي أبو محمَّد. وروي عن مالك في المتيمم على الإطلاق أنه يتيمم آخر الوقت. وقيل في المسافر على الإطلاق أنه يتيمم أول الوقت، وقيل بل يتيمم وسط الوقت، إلا الراجي فإنه يؤخر. وقيل بل آخر
стр. 294
الوقت إلا الآيس فإنه يقدم أول الوقت *فكأن من أطلق القول بآخر الوقت رأى أن الضرورة إنما تتحقق في آخر الوقت. لا سيما على طريقة من قال من أهل الأصول أن الوجوب إنما يتحقق في العبادة المؤقتة في آخر الوقت* (١) ومن أطلق القول بأول الوقت رأى أن المصلي مأمور إذا قام إلى الصلاة بالوضوء، فإن لم يجد فبالتيمم، والأمر بذلك ورد نسقًا واحدًا وله أن يقوم إلى الصلاة أول الوقت بل ذلك أفضل له. فإذا عدم الماء في (٢) هذه الحالة التي أمر بالقيام فيها كان له التيمم على مقتضى الظاهر. وأما القولان المستثنى فيهما ما قدمناه فتوجيههما مأخوذ مما بيناه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما من فعل المختار على حسب ما أمرناه فلا إعادة عليه. لكن الشاك المأمور بوسط الوقت إن كان شكه هل يجد الماء أو لا؟ فوجده بعد صلاته فلا إعادة عليه. وإن كان شكه هل يبلغ الماء المعلوم مكانه أو لا يبلغه؟ فبلغه بعد صلاته فإنه يعيد في الوقت. وإنما أعاد هذا وإن كان فعل في صلاته المختار وخالف بقية الأقسام لأنه كالمقصر في اجتهاده وكالمخطئ في حدسه. ولو أنهى الاجتهاد نهايته لأمكن أن يعلم أنه يبلغ الماء فلهذا أمر بالإعادة في الوقت. وكذلك الخائف من الوصول إلى الماء للصوص عليه لجواز تقصيره في اجتهاده. وكذلك المريض العادم لمن يناوله الماء، لتقصيره في ترك الاستعداد بالماء، فحكم هؤلاء التيمم وسط الوقت لأجل الشك. واختصوا بالإعادة في الوقت دون من لا علم عنده من الماء، لما (٣) ذكرناه من تقصيرهم. وقد قال بعض المتأخرين من الأشياخ قد يدل ظاهر المدونة على أن المريض الذي لا يمكنه مس الماء يتيمم وسط الوقت؛ لأنه يجوز زوال مرضه في أثناء الوقت. وسائر الأشياخ على خلاف هذا. ولا شك أن مرضه إذا كان يقطع بأنه لا يذهب في الوقت، فإن حكمه حكم الآيس من
стр. 295
وجود الماء في الوقت. وأما من خالف المختار الذي أمر به في التقسيم المتقدم، فإن المأمور بأن يقدم الصلاة أول الوقت فأخرها في آخره فلا شك في أن لا إعادة عليه. لأنه بالغ في الاستظهار حتى خالف المختار. فلا إعادة عليه لوجود الماء.
لأجل مبالغته في انتظاره وطلب تحصيله. وأما من أمرناه أن يؤخر إلى آخر الوقت، فقدم الصلاة في أوله ثم وجد الماء في الوقت فقيل يعيد في الوقت خاصة. وقيل بل يعيد (١) في الوقت وبعده. فكأن من يرى الإعادة في الوقت يرى أن جميع الوقت محل للتيمم. وإنما التأخير من باب أولى وأحسن، ولا يعيد بعد الوقت من أحل بالأولى المستحسن. ومن رأى أنه يعيد بعد الوقت يرى أن التأخير متأكد؛ لأنه به تتحقق الضرورة وهي محل الوجوب على الرأي الذي ذكرناه. فأمر بالإعادة بعد الوقت. وقد وقع في المدونة فيمن يعلم أنه يصل إلى الماء في الوقت، فتيمم في أوله أنه يعيد في الوقت. واختصر المسألة حمديس فأبدل قوله يعلم بيطمع وكذا وقعت المسألة في المبسوط لابن القاسم إبدال يعلم بيظن. قال بعض الأشياخ إنما تحسن الإعادة في الوقت على رواية يطمع ويظن، وأما على رواية يعلم، فتعاد الصلاة بعد الوقت، لقوة إيجاب التأخير في حق العالم، وانخفاض رتبته في حق الظان.
وأما من أمرناه بالوسط فخالف الاختيار بأن (٢) قدم فإنه لم يختلف هؤلاء في أنه لا يعيد بعد الوقت. وقد ذكر ابن حبيب فيمن لا علم عنده من الماء، أنه لا يعيد بعد الوقت إذا خالف المختار. ولكن المختار عنده في هذا أنه يؤخر إلى آخر الوقت. وإنما لم يقل بالإعادة في هذا بعد الوقت بخلاف قوله في المسألة التي قبل هذه؛ لأن الأول إذ رجا تحصيل الماء في آخر الوقت تأكد أمره بالتأخير (٣). وهذا لما كان لا علم عنده من الماء ضعف أمره بالتأخير لضعف الشك عن الظن. فلهذا افترقت المسألتان.
قال القاضي ﵀: ومن تيمم ثم وجد الماء فله ثلاثة أحوال:
١ - إما أن يجده قبل الدخول في الصلاة؟.
стр. 296
٢ - أو بعد الشروع فيها.
٣ - أو بعد الفراغ منها.
فالأول يلزمه استعماله ويبطل تيممه، إلا أن يكون الوقت من الضيق بحيث يخشى معه ذوات الوقت (١) إن تشاغل به. والثاني يمضي على صلاته ولا يؤثر وجود الماء شيئًا وكذلك الثالث.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أنه يبطل تيممه إذا رأى الماء قبل الصلاة؟.
٢ - وهل يتخرج اختلاف في قطع الصلاة؟.
٣ - وما وجه الاختلاف في ذلك؟.
٤ - *وهل تمزق الخف في الصلاة كطرو الماء في الصلاة؟ * (٢).
٥ - وما الدليل على أنه إذا فرغ من الصلاة لم يعدها؟.
٦ - وهل يكون نسيان الماء في رحله كطروئه عليه؟.
٧ - وما الفرق بين نسيان المكفر رقبة في ملكه وبين نسيان المتيم ماء في رحله عند من فرق بينهما؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المتيمم إذا رأى الماء قبل الشروع في الصلاة، فالعلماء على أن تيممه قد بطل. وانفرد أبو سلمة بن عبد الرحمان فقال لا يبطل تيممه. والدليل للجماعة أن الله سبحانه أمر القائم إلى الصلاة بالتيمم. بشرط عدم الماء. وهذا حين قيامه إلى الصلاة واجد للماء، فلم تصح صلاته بالتيمم، إلا أن يخشى ذوات الصلاة إن تشاغل باستعمال الماء (٣) فيسقط حكم الماء. وقد قدمنا عن مالك ﵁: أنه يبيح التيمم لمن خاف الفوات باستعمال الماء. وهذا آكد لحصول (٤) هذا متيممًا. قد أباح له تيممه الشروع في الصلاة.
стр. 297
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا طرأ على المتيمم، وهو في أثناء الصلاة ماء، فالمنصوص من المذهب أنه لا يقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة يقطع الصلاة إلا في صلاة الجنازة والعيدين. ويتخرج عندنا قطع الصلاة على رأي بعض أشياخي، من القول، بأن الذاكر لصلاة نسيها تبطل الصلاة التي هو فيها. والناوي الإقامة يبطل ما هو فيه من صلاة السفر. وإمام الجمعة يبطل ما هو فيه من الصلاة بطرو من عزله. فلما جعلوا في هذه المسائل هذه الطوارئ تمنع استدامة الصلاة كما منعت ابتداء الصلاة، كان طرو الماء على المتيمم يمنع من الاستدامة أيضًا.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: هذا الاختلاف يدور على نقطة واحدة وهي: هل التيمم شرع بدلًا من الوضوء لصحة الشروع في الصلاة أو لصحة الشروع مع الاستدامة. ولما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. قدر قوم أن الأمر (١) إنما توجه حالة القيام إلى الصلاة لا أكثر. وقد رأى آخرون أنه في كل جزء من الصلاة قائم للصلاة. فجعلوا التيمم شرع للابتداء والاستدامة، بشرط العدم. فإذا لم يحصل العدم حال الاستدامة، لم يصح التيمم. ثم اختبر العلماء أيضًا أصول الشرع فوجدوها أيضًا مختلفة. منها ما شرع فيه تساوي الحكم في الابتداء والاستدامة. كالردة والرضاع، فإنها تمنع ابتداء عقد النكاح وتمنع استدامته. ومنها ما يمنع الابتداء دون الاستدامة، كالإحرام والصفة المبيحة لنكاح الأمة. فإن ذلك يعتبر حال العقد ولا يعتبر حال الاستدامة. فرد (٢) كل واحد من الفريقين مسألة التيمم إلى الأصل الموافق لما حكيناه عنه. ورجح القائلون بمساواة حال الاستدامة لحال الابتداء مذهبهم، بأن الصلاة متى طرأ على المصلي فيها تمكن من القيام أو القراءة بعد عجزه عنهما، خوطب بهما. ولم تصح باقي الصلاة دونهما.
وفرق الآخرون بأن الانتقال لفعل الطارئ من التهام أو القراءة لا يبطل ما
стр. 298
مضى من عمل (١) الصلاة. فأمر المصلي به إذ ليس في فعله ما يبطل عمله. ولو أمرنا المتيمم بالوضوء لأبطلنا ما مضى من صلاته وتد قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢).
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الماسح على خفيه إذا شرع في الصلاة فطرأ عليه ما مزق خفه حتى ظهر أكثر رجله، فإن ابن القصار أشار إلى أن الصلاة تبطل وأن الفرق بين ذلك وبين طرو الماء على المتيمم، (٣) أن باب كون التراب بدلًا عن الماء أوسع من مسألتنا. لأن الماء قد يجوز تركه مع القدرة عليه لعطش ونحوه من الأعذار، فشروع هذا في الصلاة عذر يسقط حكم الماء.
وهذا فرق إن نوقش فيه قد لا يصفو له. وأمثل منه إن كان لا بد من تطلب الفرق أن يقال أن التيمم فعل قد تقضى حسًّا وبقي بعد (٤) تقضيه حكمًا. وطرو الماء لما (٥) منع من استعماله حرمة الصلاة صار كأنه لم يوجد. وإذا لم يوجد الماء تمادى على صلاته باتفاق. ويكون تماديه بطهارة ثابتة الحكم. والخف إذا تمزق فقد ذهب حسًّا، وهو في حال الصلاة، وظهرت الرجل، وليست بمغسولة، فيكون التمادي على الصلاة، وقد فقد الممسوح ولم يحصل (٦) الغسل. فلا تصح صلاة عريت من مسح وغسل. أشار إلى هذا الفرق بعض الأشياخ ولم يبسطه هكذا، ومع بسطي له، أنا على تطلب فرق أوضح منه وأبعد من المناقشة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إذا طرأ الماء بعد الفراغ من الصلاة فالعلماء على إجزاء الصلاة وصحتها. وانفرد طاوس فأمر بإعادتها بالوضوء في الوقت. والدليل للجماعة أن الله سبحانه قد (٧) جعل التيمم بدلًا من
стр. 299
الوضوء عند القيام إلى الصلاة. ووقع الإشكال: هل هذا اللفظ يتناول ابتداء القيام خاصة أو يقدر أنه في كل جزء قائم إلى الصلاة على ما سبق بسطه. فأما إذا انقضى جميع الصلاة. وسلمها إلى الله سبحانه المطالب له بها، فلا يقال إنه قائم إلى الصلاة. ولا عهدة عليه بعد تسليم الحقال في عليه. وأظن طاوسًا نحا طريقة من قال من أهل الأصول أن الوجوب إنما يتحقق بآخر الوقت. وقد جاء الخطاب بالوجوب وهو من أهل الماء، فيؤمر باستعماله. والذي قلناه كاف في الرد عليه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الناسي للماء في رحله يقطع إن ذكره وهو في الصلاة. وإن ذكره (١) بعد فراغه فقيل لا إعادة عليه وقيل يعيد في الوقت، وقيل يعيد أبدًا.
فمن رأى أن الصلاة لا تصح وأنها تعاد أبدًا اعتمد أن الله سبحانه شرط في صحة التيمم عدم الماء. وهذا واجد له حين التيمم فلم يصح تيممه ولا يعذر بالنسيان كما لا يعذر (٢) ناسي ركعة أو سجدة أو ناسي الحدث.
ومن لم يوجب الإعادة رأى (٣) أنه إنما خوطب باستعمال الماء مع التمكن منه. وأما وجوده مع عدم التمكن فلا تأثير له كوجود المريض إياه. والناسي غير متمكن منه مع نسيانه فلا يضره وجوده كالمريض. والفرق عند هؤلاء بينه وبين ناسي ركعة وسجدة وناسي الحدث، أن هذا قد أتى ببدل مما نسيه (٤) وهو التيمم. وأولىك لم يأتوا ببدل عما تركوه فيقدر لهم عوضًا مما تركوه.
ومن (٥) أمر بالإعادة في الوقت فيمكن أن يكون لا يوجب الإعادة ولكنه استحبها في الوقت لتبرأ الذمة باتفاق.
стр. 300
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما فرق من لم يوجب الإعادة بعد الوقت وأوجب عتق الرقبة متى ذكر، (١) لأن عتق الرقاب لا وقت له محددًا بل كل زمن (٢) يقال أنه وقت له، فصارت سائر الأزمنة فيه كالوقت في الصلاة.
ومن أصحابنا (٣) البغداديين من أشار إلى أن الفرق بينهما أن الماء يصح تركه للتيمم مع صحة الملك له لعذر، وعتق الرقبة لا يصح العدول عنها مع صحة الملك لها، وكونها مما يجزي إعتاقه فصار المعتبر في الرقبة الملك. وهو حاصل. والمعتبر في الماء التمكن من الاستعمال لا الملك وهو غير حاصل.
قال القاضي رحمه الله تعالى: والتيمم لا يرفع الحدث. وفائدة ذلك شيئان: منع الجمع بين فرضين (٤) بتيمم واحد. وأنه إذا وجد الماء بعد تيممه تطهير للحديث المتقدم.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال:
١ - هل اختلف في ذلك؟.
٢ - وما وجه الخلاف فيه؟.
٣ - وهل له من الفوائد سوى ما ذكر في الكتاب؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف فقهاء الأمصار في ذلك وحكى ابن خويز بنداد عن مالك في ذلك روايتين. وفي المذهب ما يدل على الاضطراب في ذلك نذكره في الجواب عن السؤال الثالث. وقد حكي عن ابن المسيب وابن شهاب أنه يرفع الحدث الأصغر. وحكي عن أبي سلمة أنه يرفع المحدثين جميعًا. وكنا حكينا عنه أن من طرأ عليه الماء قبل الشروع في الصلاة لا يلزمه استعماله.
ولكنه يحتمل أن يكون إنما قال ذلك لأنه لما لم يصل بتيممه لم يصح أن يبطل حكمه. ولكن هكذا حكي عنه أنه يرفع المحدثين قولًا مطلقًا من غير تفصيل.
стр. 301
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إن الله سبحانه أمر القائم إلى الصلاة بطهارة الماء، وجعل طهارة التراب بدلًا منها عند العدم. فيجب أن تسد مسدها. فلما كانت طهارة الماء ترفع الحدث كان بدلها مثلها. ولما رأى الآخرون ما حكاه بعض أصحابنا من أنه لا خلاف في أن المتيمم إذا وجد الماء اغتسل، دل ذلك على أن حدثه لم يرتفع. إذ لو ارتفع لما لزمه الغسل. كمن اغتسل لجنابة فإنه لا يلزمه الغسل إلا بجنابة أخرى. وينفصل الأولون عن هذا بأن يقولوا: إنما يرفع التيمم الحدث إذا كان صحيحًا. ومن شرط صحته عدم الماء. فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلًا، وصار كمن لم يتيمم. ومن لم يتيمم ولا اغتسل لم يرتفع حدثه. فإنما يقول إنه يرفع الحدث بشرط استصحاب حال عدم الماء الذي باستصحابه يصح التيمم. وهذه مسألة مع كثرة بحثي عنها (١) لم أجد لهذا الاختلاف تحقيقًا، كما تقتضيه عبارة مطلقيه. وذلك أنهم إذا كانوا متفقين على أنه إذا وجد الماء اغتسل، فالحدث لم يرتفع ارتفاعًا مطلقًا.
وإذا كانوا متفقين على أن الصلاة مباحة فلا يصح القول بأن الحدث لم يرتفع.
إذ الصلاة لا تصح من المحدث. ولولا أنه طهور (٢) -كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٣)، وكما قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (٤) - لم تستبح به الصلاة لقوله: لا صلاة إلا بطهور (٥). فلم يبق لهذه العبارة التي أطلقها الأيمة فيما لا يحصى من الكتب كثرة، حقيقة. لكن اشتهر اختلافهم في الجمع بالتيمم بين صلوات. وجعلوا هذا أحد ثمرات الخلاف (٦).
لكون (٧) التيمم رافعًا للحديث كما قاله القاضي أبو محمَّد. وهذا إنما التحقيق
стр. 302
في العبارة عنه أن يقال: هل جعل الشرع التيمم بدلًا من الوضوء بشرط واحد وهو العدم؟ أو بشرطين وهما العدم، وتوجه فرض القيام إلى الصلاة؟ فإذا قلنا بشرط العدم خاصة، جاز الجمع بين الصلوات بتيمم واحد، لاستصحاب حال العدم خاصة. وإن قلنا بشرطين، وهما العدم وتوجه الفرض، فالصلاة الثانية لم يتوجه فرض القيام إليها، فلا يكون التيمم بدلًا فيها. هذا هو محض التحقيق. وعجبًا للقاضي أبي محمَّد أن يقول في كتابه هذا إن من فائدة الخلاف إذ وجد الماء تطهير. وهو يرى الأئمة وفقهاء الأمصار المختلفين في هذا متفقين على أن المتيمم إذا وجد الماء اغتسل. فعم. وقد حكينا اختلافًا في ذلك عن مالك. أفترى مالكًا إذا قال بأن التيمم يرفع الحدث يسقط فرض استعمال الماء عند وجوده؟ هذا ما لا يظن به. كيف وقد حكينا الاتفاق على الأمر بالغسل. ولكنها مسألة لما تساهل الأئمة في إطلاقهم (١) فيها (٢). مر (٣) في ذلك على ما مروا عليه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد ذكر بعض الأشياخ أن من ثمرة الاختلاف في كون التيمم رافعًا للحديث، جواز وطء الحائض إذا تيممت. وقد أجازه ابن شعبان بناء منه على أنه يرفع الحدث. ومنها من لبس خفيه بطهارة التيمم قبل أن يصلي ثم أحدث فإن أصبغ أجاز له إذا توضأ أن يمسح على خفيه بناء على أن التيمم يرفع الحدث. ومنها إمامة المتيمم بالمتوضئين فقد أجازها ابن مسلمة من أصحابن ابن اء على أن المتيمم يرفع الحدث، وإن كان كرهها مالك. ومنعه ربيعة.
وقد احتج للجواز بأن عمرو بن العاصي صلّى بأصحابه وهو جنب فقال له ﷺ : صليت بهم وأنت جنب؟ (٤) ولم يأمره (٥) بإعادة. واحتج أيضًا، بهذا
стр. 303
الحديث للقول: بأنه لا يرفع الحدث. لقوله وأنت جنب. فدل (١) أن التيمم لا يرفع حدث الجنابة. وقد كشفنا نحن عن حقيقة هذا الاختلاف. وأنه لا يتصور فيما تقتضيه عبارته، مما يغني عن النظر في التعلق بإطلاق هذا اللفظ في الحديث. وإذا حصل الاتفاق على القسمين اللذين قدمنا، حمل إطلاق هذه التسمية على معنى آخر لا يكون مناقضًا لما اتفق عليه إن صح الاتفاق وثبت.
وقد تسامحنا في هذا الفصل بأن عبرنا عنه بالعبارة التي أنكرناها (٢). وإنما جربنا فيها على ما جرى عليه القوم بعد (٣) أن نبهنا على ما فيه. كما أنا أكثرنا أيضًا في هذا الباب من إطلاق عبارة البدل في التيمم. وإن كان قد تعقب ذلك بعض المتأخرين لأنه ظن البدل أنه إنما يستحق هذه التسمية إذا كان بدلًا في كل الأحوال. والتيمم إنما يكون بدلًا في حال دون حال. وهذا الذي قاله مناقشة.
وقد غلب (٤) على ألسنة الأيمة تسمية التيمم بدلًا. فلو صح ما قاله المتعقب لكانت هذه من الأسماء العرفية عند أهل هذه الصناعة. والعبارة بما تعارفوا عليه أسرع إلى فهمهم، وقد تقدم الكلام على ذلك في افتتاح مسائل هذا الكتاب بما فيه كفاية.
стр. 304
باب المسح على الخفين *وما يتعلق به* (١)
قال القاضي ﵀: المسح على الخفين جائز في السفر والحضر (٢)، للرجال والنساء إذا أدخل رجليه في الخفين بعد كمال وضوئه، من غير توقيت بمدة من الزمان لا يقطعه إلا الخلع، أو حدوث ما يوجب الغسل، كان الخف صحيحًا أو فيه (٣) خرق يسير لا يمنع متابعة المشي.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها: أن يقال:
١ - ما الدليل على جواز المسح على الجملة؟.
٢ - وما الدليل على أن الحضر كالسفر (٤)؟.
٣ - ولم ذكر النساء مع الرجال؟.
٤ - ولم اشترط كون الرجلين طاهرتين بإكمال الوضوء؟.
٥ - وهل يجزي تطهير الرجلين خاصة؟.
٦ - وما الدليل على سقوط التوقيت؟.
٧ - وهل لبس أحد الخفين قبل غسل الرجل الثانية كلبسه بعد غسلهما جميعًا؟.
٨ - ولم كان خلع الخف قاطعًا؟.
٩ - ولم كان حدوث ما يوجب الغسل كذلك؟.
стр. 305
١٠ - ولم كان الخرق اليسير معفوًا عنه؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على جوازه على الجملة الآثار الواردة بذلك، وهي لا تحصى كثرة. وقد حكى بعض أصحابنا عن مالك إنكار جواز المسح وأنه لا يمسح المسافر ولا المقيم. وقال ناقل هذا إن صحت هذه الرواية عنه (١) فلعله رأى المسح منسوخًا. والظن عندي أن مالكًا لم يسلك هذا المسلك الذي ظنه ناقل هذه الرواية. وإنما الرواية الثابتة أنه قال: لا أمسح في السفر، ولا في الحضر. وكأنه كرهه. فإنما حكى عن نفسه ما يؤثر فعله.
وقد يكون الفعل جائزًا عند الفقيه ويؤثر تركه. فيحتمل أن يكون مالك رأى أن المسح رخصة. والفضل في ترك الرخص. فأخبر عن نفسه أنه يأخذ بالأفضل.
كما يرى أن فطر المسافر في رمضان جائز، ويقول الصوم أفضل له إذا كان مطيقًا له. وكيف يظن به إنكار المسح أصلًا، وقد قال الحسن روى المسح عن النبي ﷺ سبعون نفسًا على أنحاء مختلفة؟ وبعض من صنف الخلاف من أصحابنا لم يضف (٢) إنكاره إلا إلى المبتدعة. وطائفة من أهل الأصول يرون أن الزيادة على النص كالنسخ فلا يرجع فيها إلى أخبار الآحاد. وهو أصل أبي حنيفة وأصحابه. ولما استشعرت هذه الطائفة هذا (٣). قال أبو يوسف يجوز نسخ القرآن بمثل الأخبار الواردة بمسح الخف. يشير بهذا إلى أن إثباته مسح الخف لم يكن إلا بآثار خارجة عن أخبار الآحاد. وقال أبو حنيفة في ذلك هي كضوء الشمس يشير إلى إظهارها (٤) واشتهارها وانتشارها. فأنت ترى أبا حنيفة وأصحابه مع تقصيرهم في البحث عن الآثار عن مالك أثبتوا المسح على الخفين وقالوا فيه ما حكيناه عنهم. فكيف يظن بمالك ﵁ مع معرفته بالآثار واتباعه لها إنكاره أصلًا. وهذا كله يحقق عندك ما ظننا به في تلك الرواية.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف قول مالك في الحاضر.
стр. 306
هل يجوز له المسح على الخفين أم لا؟ فوجه الجواز ظواهر الآثار وهي كثيرة.
وفي الحديث: أنه أتى سباطة قوم فبال قائمًا ومسح على خفيه (١). والسباطة المزبلة ولا يقال مزبلة قوم إلا في الحضر. وفي كتاب مسلم أنه وقت للحاضر يومًا وليلة (٢). وفي هذا إثبات المسح على الجملة وقياسًا على الجبائر التي يستوي فيها حال الحاضر والمسافر. ووجه نفي المسح أنه رأى الرخص مختصة بالسفر كالقصر والفطر. فقاس مسح الخفين عليه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: لما رأى أن علة جواز المسح على الخفين ما يلحق بالمسافر (٣) من النزع عند الطهارة لاشتغاله بالحل والترحال.
والغالب أن يقال: إن هذا من أشغال الرجال، خاف أن يظن أن النساء لا يجوز لهن ذلك. فأخبر بجوازه لهن. وأن الرخصة عامة لهن (٤) كما يجوز لهن القصر والإفطار (٥).
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما اشترطنا الطهارة لأن المغيرة لما أهوى لنزع خفي رسول الله ﷺ قال له ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين (٦). فلو لم تكن الطهارة شرطًا في جواز المسح لم يكن لهذا التعليل فائدة. وكلامه ﷺ يجل عن أن يكون لا معنى فيه ولا فائدة له.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: المعتبر تطهير الرجلين بالطهارة المعهودة التي هي طهارة الحدث. هذا هو (٧) المعروف من المذهب. وقد وقع
стр. 307
في المستخرجة فيمن غسل رجليه خاصة، ولبس خفيه ونام قبل أن يكمل طهارته، أنه يجزيه المسح عليهما. وهذه إشارة إلى ترك اعتبار الطهارة المعهودة *التي هي طهارة الحدث* (١) والاكتفاء بتطهير الرجل خاصة. ألا تراه يقول يمسح ولو نام، والنوم يبطل الطهارة. ولو كان (٢) غسل رجليه بنية وضوء منكس لأن قوله قبل أن يكمل وضوءه فيه إشارة إلى قصد الوضوء المنكس. ويكون الوجه في هذه الطريقة حمل قوله ﵇ أدخلتهما طاهرتين (٣) على طهارة الرجلين على وجه ما.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: المشهور من المذهب ترك اعتبار التوقيت. وقد روي عن مالك إثبات التوقيت. وأنكر بعض البغداديين ما نسب إليه من التوقيت في الرسالة المضاف إليه أنه كتب بها (٤) إلى هارون الرشيد. وذكر الأبهري أن أشهب روى التوقيت للمسافر ثلاثة أيام. وبالتوقيت قال أبو حنيفة والشافعي. وسبب هذا الاختلاف، اختلاف الأحاديث (٥).
فلإثبات التوقيت ما خرجه مسلم من أنه ﷺ وقت للحاضر يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها (٦). ولنفي التوقيت أن رجلًا قال يا رسول الله: أمسح على الخفين. قال: نعم. قال: يومًا ويومين. قال وثلاثة وما شئت (٧). وقياسًا على الجبائر. وقد قال من أثبت التوقيت أن طهارة التيمم لما كانت لا ترفع الحدث عن شيء من الأعضاء لم يستبح بها أكثر من صلاة. وطهارة الغسل لما كانت ترفع الحدث عن سائر الأعضاء استبيح بها ما لا ينحصر بعدد من الصلوات.
والماسح على خفيه لما ارتفع الحدث عن بعض أعضائه دون بعض، كان له
стр. 308
حكم متوسط. فارتفع عن الصلاة الواحدة وانحط عن عدم الحصر. فوقت بما في الحديث وهذا ينتقض بمسح الجبيرة فإنه غير مؤقت. هذا وبعض المؤقتين لم يسلم أن الحدث لم يرتفع. وقد اختلف المؤقتون في المقيم إذا لبس خفيه ثم سافر.
فمذهب الشافعي أن ميقات المقيم الذي هو اليوم والليلة لا يبطل لأن ابتداء الفعل كان في الإقامة فخاتمته محمولة (١) على ابتدائه.
ومذهب أبي حنيفة إبطال ميقات المقيم. واعتبار (٢) ميقات المسافر لأن ما حدث من السفر يجب فيه صلوات غير متعلقة بما كان في الحضر. فوجب أن يعتبر فيها حال المصلي.
ولا أعرف في المذهب فيها نصًالأولكنها تلاحظ الاختلاف (٣) في المدونة فيمن ابتدأ الصيام في الحضر ثم سافر في أثناء النهار فأفطر. هل يكفر مراعاة لحال مبتدأ الفعل. أو لا يكفر مراعاة للحال التي هو عليها. فبين المسألتين
تناسب من هذه الجهة.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف المذهب عندنا فيمن توضأ وغسل إحدى رجليه وأدخلهما في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف. هل له أن يمسح على خفيه؟ فقيل ليس له ذلك لأنه لبس الأول قبل كمال الطهارة. ومن شرط جواز المسح إكمال الطهارة. وقيل يجوز له المسح لأن الرجل الأولى لم تدخل إلا وهي طاهرة فجاز المسح.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا خلع خفيه (٤). فقدإنتقل الحكم للرجل. وإنما يرتفع الحدث عنها يكون المسح على الخف نائبًا عنها.
فإذا زال الخف سرى الحدث إليها.
стр. 309
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إنما كان حدوث ما يوجب الغسل قاطعًا لأن غسل الجنابة لا يجزئ فيه المسح على الخفين وقد جعل ذلك حجة له من أنكر المسح أصلًا. فقال: لو كان للمسح على الخف أصل في الطهارة الصغرى لكان له في الكبرى. وهذا لا يلزم لأن الطهارة الكبرى أغلظ وأقوى مرتبة في هذا. ألا ترى أن الرأس في الطهارة الصغرى فرضه المسح، ولا يجزئ الجنب مسح رأسه. بل عليه غسله. فكذلك يمسح الخف في الطهارة الصغرى دون الكبرى.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف الناس في خرق الخف المانع من المسح فمنهم من يتسهل في المسح فأجاز المسح وإن كثر الخرق ما دام الخف يعلق بالرجل. ومنهم من منع المسح لظهور بعض المغسول.
وتوسط مالك فأجازه في الخرق اليسير إذ لا تسلم الخفاف منه غالبًا، ومنعه في الكثير لفقد هذه العلة مع ظهور كثير من المغسول، والكثير لا يعفى عنه.
وقد قال بعض أصحابنا إذا شك هل الخرق يسير أو كثير فلا يمسح.
ووجه هذا أن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة. فلا يتعدى بها المرتبة التي جاء الشرع بها. ومتى وقع الشك عدنا إلى حكم الأصل.
قال القاضي ﵀: ويستحب للمقيم (١) خلعه كل جمعة للغسل وإذا خلعهما غسل رجليه وبطل حكم المسح. ولا يجوز المسح على جوربين غير مجلدين. وفي المجلدين والجرموقين روايتان.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - لم استحب للمقيم خلعه كل جمعة؟.
٢ - وما الدليل على أنه إذا خلعهما غسل رجليه؟.
٣ - وهل ينتقض وضؤوه أو يكفيه غسل رجليه خاصة؟.
٤ - وهل تأخيره غسل رجليه يبطل وضوءه؟.
стр. 310
٥ - وهل تأخيره مسح خفيه يبطل وضوءه؟.
٦ - ولم لا يجوز المسح على الجوربين؟.
٧ - ولم اختلف في المسح على الجرموقين؟.
٨ - وهل يجزئ مسح ما قطع دون الكعبين؟.
٩ - وهل يجوز (١) للمحرم أن يمسح الخف الزائد على الكعبين؟.
١٥ - وهل يجزئ مسح خفين تحتهما آخران؟.
١١ - وهل يجزئ ذلك في إحدى الرجلين خاصة؟.
١٢ - وهل يجزئ غسل إحدى الرجلين ومسح الأخرى فوق الخف؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: وقع في بعض الروايات أن تحديد المسح من الجمعة إلى الجمعة، وتؤول ذلك على أن المراد به الحاضر المخاطب بالجمعة. لأنه مأمور بالغسل للجمعة. ولا يجزئ في الطهارة الكبرى مسح الخفين كما قدمناه. وقول القاضي أبي محمَّد استحب للمقيم خلعه كل جمعة إنما هذا (٢) عند من لم يوجب غسل الجمعة. ومن أوجبه من العلماء لا يرى ذلك مستحبًّا بل يجعله واجبًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: جمهور العلماء على أن خلع الخفين يبطل طهارة (٣) الرجلين. وإذا بطلت طهارتهما وجب غسلهما.
وقال داود نزع الخفين لا يبطل (٤) طهارة الرجلين، بل يصلي بطهارته تلك ما لم يحدث. والدليل لما عليه الجمهور أن المسح على الخفين بدل من غسل الرجلين. فإذا بطل المسح بنزع الخفين لم يبق بدلًا مع بطلانه. وإذا بطل كونه بدلأوجب فعل البدل الآخر كالجبيرة إذا نزعت بطل حكم المسح *ولداود المناقضة بمسح الرأس فإنه لو ذهب الشعر الممسوح لم يبطل حكم المسح* (٥)
стр. 311
والفرق عندنا أن مسح شعر الرأس أصل في نفسه وليس ببدل عن غيره، فينتقل الأمر إلى البدل (١) عند زوال الشعر. والخف بدل فانتقل إلى غيره عند زواله.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: المعروف من المذهب أن وضوءه لا ينتقض. وروى عن مالك رواية شاذة أن وضوءه ينتقض. وبه قال الشافعي.
وسبب الاختلاف في ذلك أن الموالاة قد قدمنا الاختلاف في وجوبها. فمن أنكر وجوبها لم ينقض الطهارة ها هنا. ومن قال بوجوبها وقدر أن غسل الرجلين الذي انتقل إليه الفرض الآن، لما تأخر عما سواه من الأعضاء، حصلت التفرقة وعدمت الموالاة، أبطل الوضوء. ومن رأى أنه كالمغلوب على التفرقة أو رأى أنه إنما غسل رجليه بدلًا عن طهارتهما التي بطلت في الحال، لم يبطل الوضوء لصحة الموالاة في جميعه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: تأخير غسل رجليه، فيه اضطراب. ويتخرج على الاختلاف في وجوب الموالاة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: تأخير المسح على خفيه، المعروف منعه. وقد روى الأجزاء. وهذا يحتمل أن يكون بناء الأجزاء على القول بأن الموالاة غير واجبة أو على القول بأن الممسوح حكمه أخف من حكم المغسول. لأن مبناه على التخفيف.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما لم يجز المسح على الجوربين خلافًا لأبي يوسف وصاحبه محمَّد في إجازتهما المسح على الجوربين، الغير مخروزين إذا كانا ثخينين؛ لأن الآثار إنما جاءت بالمسح على الخفين. والجوربان لا يسميان خفين. والحاجة إلى الخفين فوق الحاجة إليهما. فلا يقاس حكمهما على الخفين، فإن جلدا فقد اختلف فيهما لأنهما أشبها بالتجليد الخفين فقاسهما مرة عليهما ومرة لم يقس على الرخصة ولم يبعد ما جاءت به الآثار (٢).
стр. 312
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في الجرموقين ما هما؟ فقيل خفان غليظان لا ساق لهما. وقال بعض البغداديين هما خفان تحتهما خفان. وأشار ابن القاسم إلى أن ما (١) خرز عليه يسمى جرموقًا. فإن كان الأمر كما فسره من قال: هما الخفان الغليظان اللذان لا ساق لهما، والتوجيه فيه كنحو التوجيه في الجوربين المخروز عليهما، وإن كان كما أشار إليه ابن القاسم فقد تقدم توجيهه. وإن كان كما قال بعض البغداديين فسنتكلم عليه بعد
هذا.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا قطع الخفان دون الكعبين فالمعروف من المذهب أنه لا يصح المسح عليهما لظهور بعض المغسول.
وحكى ابن شعبان أن الوليد بن مسلم روى عن مالك: أنه يمسح عليهما وعلى ما ظهر من الرجلين. وهذا مذهب شاذ، وإنما ينسب إلى الأوزاعي. وكان الوليد كثير الرواية عنه. ووجه هذه الرواية" إن صحت، أنه رأى (٢) أن الظاهر من الرجل في حكم اليسير. فعفي عنه كما عفي عن الخرق اليسير في الخف.
والفرق على المشهور بينهما، أن الخرق مما لا ينفك الخفاف عنه غالبًا، ومما لا يخرجه عن السورة التي جاءت بها الآثار. والمقطوع دون الكعبين بخلاف ذلك.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: منع بعض أصحابنا المحرم من المسح لأنه منهي عن لبس الخفين التأمين. وإذا نهى عن لبسهما لم يرخص له في المسح عليهما. وعندي أنه قد يتخرج على القولين في جواز القصر لمن سفره معصية. وعلى هذا تمسح على الخفين المحرمة لأنها في لبسهما غير عاصية.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: حكى البغداديون وغيرهم اختلافًا في ذلك عن مالك. وأطلقوا الحكاية عن ذلك. وقال بعض شيوخنا إنما
стр. 313
الاختلاف فيمن لبس خفين، على خفين لم يمسح عليهما. وأما إذا مسح على الأسفلين ثم لبس خفين فإنه يمسح عليهما إذا توضأ من غير خلاف في ذلك.
وسبب الاختلاف في ذلك أن الآثار إنما وردت بالمسح على خفين مفردين لا على أربع خفاف فلا تتعدى (١) الآثار. ومن أثبت المسح قاس على ما ورد من الآثار في ذلك.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: اختلف فيمن نزع الخف الأعلى من إحدى رجليه هل عليه أن ينزع الأعلى من الرجل الأخرى أم لا؟ فمن أوجب النزع رأى أن حكم الخفين لا ينبغي أن يختلف. وقد صار ها هنا تحت الخف الرجل. وحكمها الغسل. وتحت الخف في الرجل الأخرى خف آخر وحكمه المسح. فوجب النزع لرفع هذا الاختلاف. ومن لم يوجب النزع لم يلتفت إلى ما تحت الخف وإنما اعتبر الخفاف خاصة وهو ماسح على الخفين في كلا الرجلين. فلا يضر اختلاف العدد.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: لا يجزئ من خلع إحدى خفيه غسل الرجل التي خلع خفها، ومسح خف الرجل الأخرى. لأن هذا قد اختلف معه حكم الرجلين. فصارت إحداهما مغسولة والأخرى ممسوحة من فوق حائل. وكل المسح بدل من كل الغسل، فلا يبعض ذلك. وأجاز ذلك أصبغ وهذا عندي ينظر إلى الاختلاف في مسألة المكفر عن يمينه إذا أطعم خمسة وكسا خمسة. ولعلنا أن نبسط. الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى. وقد قال بعض الأشياخ لو تعذر على هذا الغاسل لإحدى رجليه نزع الخف عن الرجل الأخرى، وخشي ذوات الوقت إن تشاغل بنزعه، فإنه يباح له المسح عليه. ويحمل على الجبيرة التي أبيح المسح عليها للضرورة.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والمختار مسح أعلاهما وأسفلهما. فإن اقتصر على أعلاهما أجزأه وإن اقتصر على أسفلهما لم يجزه (٢) ولا يجوز المسح
стр. 314
على عمامة، ولا خمار، ولا على حائل دون عضو، سوى الرجلين، إلا لضرورة كسر (١)، أو جراح (٢). فيمسح على الجبائر والعصائب شدهما محدثًا أو متطهرًا بخلاف الخفين.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن المختار مسح الأعلى والأسفل؟.
٢ - ولم أجزأ الاقتصار على الأعلى ولم يجز الاقتصار على الأسفل؟.
٣ - وما الدليل على منع المسح على العمامة والخمار؟.
٤ - وما الدليل على جواز المسح على الجبائر؟.
٥ - ولم كانت بخلاف الخفين في اشتراط (٣) الطهارة؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المشروع عندنا مسح أعلى الخف وأسفله. وقال أبو حنيفة المشروع مسح أعلاه خاصة. وسبب الاختلاف اختلاف الأحاديث. ففي بعضها: أنه مسح أعلى الخف وأسفله، وفي بعضها أنه مسح أعلاه خاصة. وقال علي لو كان الدين يؤخذ بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره (٤). ولكني رأيت رسول الله ﷺ : يمسح أعلاهما. فأخذ مالك بحديث مسح الأعلى والأسفل، وحمل حديث الاقتصار على الأعلى على أنه فعله ليعلم بجوازه. وعضد مذهبه بالقياس على الجبائر الواجب عمومها بالمسح.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا اقتصر الماسح على الأعلى.
فقيل لا إعادة عليه. وقيل يعيد في الوقت. وقيل يعيد أبدًا. فمن نفى الإعادة تمسك بالحديث الوارد بالاقتصار على الأعلى. ومن أثبت الإعادة في الوقت قال قد بنينا الأحاديث وحملنا الاقتصار على الأعلى على تعليم الجواز. وأثبتنا
стр. 315
الكمال (١) في مسح الأعلى والأسفل فيعيد في الوقت ليحصل له الكمال. ومن قال يعيد أبدًا قاسه على الجبيرة إذا أحل بمسح بعضها. فإنه يعيد أبدًا. ولأن المسح بدل من الغسل، فلو ترك بعض غسل رجليه (٢) لأعاد أبدًا. فكذلك ترك ما هو بدل عنه.
وأما إن اقتصر على الأسفل خاصة. فالمعروف من المذهب أنه يعيد أبدًا.
لأنه لم يرد حديث بالاقتصار عليه. وورد في الأعلى حديث بالاقتصار عليه فاختلف حكماهما، وقياسًا على ترك مسح بعض الجبيرة وترك غسل بعض الرجل. وقال أشهب يجزيه وكأنه رأى أن مبنى المسح على التخفيف، فلا تفسد الطهارة بترك بعضه كما لا تفسد الطهارة بترك (٣) مسح بعض الرأس عند بعض أصحابنا. وعند جماعة من فقهاء الأمصار.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في المسح على العمامة. فمنعه جمهور العلماء لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤). وهذا يقتضي مباشرة الرأس بالمسح. وأجازه ابن حنبل، وغيره لما روي أنه ﷺ : مسح على العمامة (٥). وتأول الجمهور هذا الحديث على أنه فعل ذلك لعذر حال (٦) بينه وبين مباشرة الرأس. فأشبه المسح على الجبيرة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: المسح على الجبائر واجب عندنا.
وأنكر أبو حنيفة كون المسح فرضًا وقال هو سنة. وسبب الاختلاف في ذلك أن القرآن جاء بالغسل. وأمر النبي ﷺ عليًا بالمسح على الجبيرة (٧). وهذه قضية
стр. 316
في عين. فإذا قلنا بتعديها لسائر الأشخاص، كما قال جماعة من أهل الأصول، فقد صارت هذه القضية زائدة حكمًا، وهي خبر واحد. والزيادة على النص نسخ على أصل أبي حنيفة. وليست بنسخ (١) عند غيره. فمن لم يجعلها نسخًا أثبت المسح كما قال مالك. ومن جعلها نسخًا لم يوجب المسح على الجبيرة كما قال أبو حنيفة. لأن النسخ لا يكون بخبر الواحد. وإنما قال بالمسح على الخفين؛ لأنه خرج عنده ما ورد فيه من الآثار عن مرتبة الآحاد. ولما سقط عنده العمل بهذا الخبر على جهة الإيجاب استخف أن يعمل به على حكم السنن لئلا يبطل العمل بالخبر أصلًا.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما لم يشترط الطهارة في مسح الجبيرة واشترطناه (٢) في مسح (٣) الخفين. لأن لبس الخفين اختياري يمكن أن يؤمر اللابس إذا أراد المسح ألا يلبسهما إلا على طهارة. فلما أمكن ذلك جاء الشرع به. ولا يمكن أن يقال للإنسان لا تكسر أو تجرح إلا على طهارة. فلما لم يمكن ذلك لم يجىء الشرع به. وقد قال الشافعي إن شد الجبيرة على غير طهارة أعاد الصلاة. وإن شدها على طهارة فله في الإعادة قولان. ولا معنى عندنا نحن للإعادة؛ لأنه مكلف انتقل بحكم الضرورة إلى بدل فلم تلزمه الإعادة (٤) كالمسافر إذا تيمم لعذر ما (٥). والمكفر إذا صام لعدم الرقبة. وهذا واضح. وقد كنا أشرنا في باب التيمم إلى ذكر الاختلاف فيمن لبس خفيه قبل الصلاة وهو متيمم ثم أحدث. هل له أن يمسح عليهما؟ فأغنى ما أشرنا إليه هناك عن نقل نص الاختلاف في ذلك ها هنا.
стр. 317
واضطرب في صفة المسح هل يبدأ بأن يضع (١) عند الأصابع ويمر إلى العقب. أو عند العقب ويمر إلى الأصابع. أو يضع إحداهما عند العقب والأخرى فوق الأصابع ويمر بكل واحدة منهما إلى مبدإ الأخرى لئلا يكون في أسفل الخف ما ينبغي إزالته فيلصقه بالعقب إذا كان مروره بيده إليها.
والاختلاف في هذا قريب. فلهذا لم يفرد (٢) بالذكر في سؤال يختص به.
стр. 318
باب في الحيض والنفاس وما يتصل بهما
قال القاضي ﵀: الدماء التي تزجيها (١) الرحم ثلاثة:
١ - دم حيض.
٢ - ودم نفاس.
٣ - ودم علة وفساد، وهو الاستحاضة.
فأما دم الحيض: فهو الخارج من الفرج على وجه (٢) الصحة بغير ولادة.
والنفاس ما كان عقيب الولادة. والفساد ما خرج عن صفتهما (٣).
ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئًا وهي:
١ - وجوب الصلاة.
٢ - وصحة فعلها.
٣ - وفعل الصوم دون وجوبه. وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم، ونفيه في الصلاة (٤).
٤ - والجماع في الفرج، وما دونه.
٥ - والعدة.
٦ - والطلاق.
٧ - والطواف.
٨ - ومس المصحف.
стр. 319
٩ - ودخول المسجد.
١٠ - والاعتكاف.
١١ - وفي قراءة القرآن روايتان. ويمنع الجنب من القراءة إلا الآيات اليسيرة للتعوذ.
قال الإِمام رضي الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة هذا التقسيم؟.
٢ - ولم جعل الحيض يمنع وجوب الصلاة دون وجوب الصوم؟.
٣ - ولم حرم الجماع في الحيض؟.
٤ - وما فائدة تقييده بقوله وما دونه؟.
٥ - ولم منع مس المصحف؟.
٦ - ولم منع دخول المسجد؟.
٧ - ولم اختلف في قراءة القرآن؟.
٨ - ولم منع الجنب من القراءة؟.
٩ - ولم جوزت له الآيات اليسيرة؟.
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على صحة هذا التقسيم: أنه ليس للجسم سوى حالتين: صحة أو مرض. فالدم الخارج من الفرج لا بد أن يصادف إحدى هاتين الحالتين. فإن خرج على حالة المرض سمي دم استحاضة. وإن خرج على حالة الصحة فليس للمرأة الصحيحة أيضًا سوى حالتين. إما أن تكون حاملًا. أو تكون حائلًا. فإن كان خرج عند وضع العمل سمي نفاسًا. وإن خرج من حائل صحيحة سمي حيضًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد تعقب بعض الأشياخ من أهل الأصول على القاضي أبي محمَّد هذا الكلام. وقال: كيف يقال إن الحيض لا يمنع الوجوب، والحيض لا يصح معه الصوم، بل الصوم فيه معصية؟ فكيف يوسف ما هو معصية بأنه واجب هذا غاية التناقض. واعلم أنا نفتقر ها هنا إلى
стр. 320
أن نورد عليك فصلًا يتعلق بعلم الأصول ليتضح لك الكلام (١) المتعقب عليه.
فنقول الصوم الذي لا يجوز تأخيره لا امتراء في وجوبه. لأن الواجب ما يستحق الذم بتركه على وجه ما. وهذه الحقيقة موجودة فيما قلناه من الصوم الذي لا يؤثم مؤخره. وقد جاء الشرع بجواز تأخير صوم رمضان لمريض. وإيجاب التأخير على الحائض. فالتبس فيه الأمر على من خاض في علم الأصول. فقد يستلوح من حيث أن الصوم لم يسقط أصلًا (٢) أن الوجوب لم يسقط. وقد يستلوح من حيث أن الفطر جائز أن الوجوب ساقط. لأن الواجب لا يجوز تركه. وقد اضطرب أهل الأصول في ذلك. فأنكر الكرخي خطاب هؤلاء بالصوم، وأشار غيره إلى خطاب جميعهم. وقال جماعة من أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم بخطاب المسافر والمريض دون الحائض. وقال آخرون من أصحابنا وغيرهم أيضًا بخطاب المسافر دون الحائض والمريض. وسبب الاختلاف بين أهل الأصول ما نبهتك عليه أن التأخير، لما وجب أو جاز، لم يصح مع ذلك أن يقال بأن الخطاب بالوجوب متصل بهؤلاء. لأن اتصال الخطاب بالوجوب يمنع الترك. والترك جائز لهؤلاء أو واجب. ولما رأى آخرون وجوب القضاء على جميعهم وحقيقة القضاء إنما تستعمل (٣) في ترك واجب، بَعُدَ عندهم مع ذلك وصفهم بسقوط الوجوب. إذ لو سقط لم يكن الصوم الموقع بعد رمضان قضاء. ورأى آخرون افتراق حال ما يجب تركه كصوم الحائض، وما يجوز تركه كصوم المريض والمسافر. فقالوا سقوط الوجوب عن الحائض لأن وجوب الفعل مع وجوب تركه طرفا نقيض. فكيف يتصور أن يقال الصوم واجب على الحائض، ومن فعل الواجب أجر، ويقال مع هذا، الصوم محرم عليها. ومن فعل المحرم أثم. فتكون مأثومة مأجورة معًا في حالة واحدة؟ هذا عين التناقض؟ وأما المسافر والمريض فإنهما لو صاما لأجرا ولم يأثما، وناب صومها مناب الواجب، وبرئت الذمة به. فلم يُوقِعْ القول بأن