وكذلك ما هو بدل منه وهو الحجر* (١) وقيل لا يكتفي بذلك. قاله أبو الفرج وابن شعبان وبه قال الشافعي. ووجهه قوله نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (٢). واختلف على هذه الطريقة هل يشترط نقاء الثلاثة الأحجار. أو إنما يشترط نقاء بعضها. فوجه اشتراط نقاء جميعها، قوله وقد سئل عن الاستطابة بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع (٣) هذا وجه القول. ووجه القول بالاكتفاء بنقاء بعضها قوله: نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ولم يشترط نقاء جميعها. ولأن الماء لم يراع فيه عدد مخصوص فكذلك ما هو بدل منه وهو الحجر. ولأنه ﵇ أتي بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة (٤).
ومنها قوله أن كل جامد منق فهو كالحجر في الأجزاء. وقد يخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة *ويكره العظم والبعر* (٥) فإن أنقيا جاز. وإنما كان هذا هكذا ولم يقتصر في الاستنجاء على الأحجار خلافًا لداود، وأهل الظاهر في قصرهم الاستجمار على الأحجار لتخصيصها بالذكر في الحديث. لأن الغرض إذهاب النجاسة وهو السابق إلى النفس عند ذكر الحجر. فما فعل فعلها حل محلها. وأيضًا فإنه ﵇ لما أوتي بالروثة يستنجي بها ألقاها وقال: إنها رجس ولم يقل إنها ليست بحجر. وأيضًا فإنه لما ذكر الراوي خبر الاستنجاء ذكر أنه نهى عن الروث والرمة. وتخصيص هذين بالذكر يدل على بطلان القول بالاقتصار على الأحجار، إذ لو كان غيرهما ممنوعًا لما أفاد تخصيصهما بالذكر ولكنه خصصهما بالذكر لكون الروث نجسًا، والرمة عظم بال لا ينقي. وإنما اشترط أن يكون جامدًا لأن المائع سوى الماء لا يزيل النجاسة على ما قدمنا فيما سلف. وإنما اشترط كونه منقيًا لأن ما يزيل العين
стр. 247
كالإصبع وغيره لا يذهب النجاسة. والغرض ذهابها. وإنما شرط في الإباحة أن لا يكون له حرمة لأن الطعام تمنع حرمته من امتهانه. فمباشرة النجاسة به أحرى أن تمنع. فإن فعل ففيه قولان: أحدهما الأجزاء على ما أشار إليه في الكتاب، والثاني نفي (١) الأجزاء. فوجه القول بالأجزاء: أن الغرض إزالة العين وهي قد زالت بهذا النوع. ووجه نفي الأجزاء أن الاستنجاء بغير الماء رخصة، والرخص لا تتعلق بالمعاصي وأيضًا فإذا كان هذا منهيًا عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، عند بعضهم، منع ذلك من أجزاء الاستنجاء به. وينخرط في هذا السلك الاستنجاء بالأحجار الشريفة كالذهب والجوهر، فإن ذلك يمنع؛ لأن الشرب فيه نهي عنه لأجل السرف. فامتهانه في أن يمسح به المخرج أولى أن يكون سرفُ ا. فإن فعل فيختلف في الأجزاء على حسب ما تقدم.
وأما كراهية العظم والبعر. فلتعلق (٢) حق الغير بهما، وقد نهى ﵇ عن الاستنجاء بهما. وقال: إنه زاد إخوانكم من الجن (٣). وإنما قال بالأجزاء إذا أنقى بهما لأن الغرض ذهاب النجاسة وقد ذهبت. ولأن المنع، لتعلق حق الغير، وذلك لا يمنع من إجزاء الاستنجاء (٤) كما لو غصب حجارة فاستنجى بها. وقد قيل يعيد الصلاة هذا المصلي بهذا الاستنجاء ما دام وقت الصلاة المفروضة باقيًا. ووجهه أن إزالة النجاسة شرط في أجزاء الصلاة أو كمالها على ما سيأتي بيانه. فإذا أتى بذلك على وجه منهي عنه أمر بالإعادة ليأتي بالعبادة على الوجه المأمور به.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الغرض بالاستنجاء ذهاب النجس وتطهير البدن ليناجي المكلف ربه وهو (٥) على أشرف الأوصاف، وأجمل
стр. 248
الأحوال، على ما فيه من حصول النظافة التي يؤمر بها المكلف في كل أحواله عند الصلاة وغيرها.
قال القاضي ﵀: ومن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة فإن كان لعذر من سهو أو عدم ما يزيلها به أجزأه. وأعاد إن وجد في الوقت. وإن كان عامدًا قادرًا على الإزالة لم يجزه، وأعاد أبدًا. وليس على من بال أن يقوم ويقعد أو يزيد في التنحنح، ولكن ينتر ويستفرغ جهده على ما يرى أن حالته تقتضيه (١) من إطالة أو إقصار. ويكره له البول قائمًا في موضع صلب لا يأمن تطايره عليه. *أو مقابلة الريح* (٢) ويجوز في الرمل، والمواضع التي يأمن ذلك فيها.
قال الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال:
١ - لم فرق بين الناسي والعامد في ترك الاستنجاء؟.
٢ - ولم كره البول قائمًا في الموضع الصلب وأجازه في الرمل وشبهه؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تفرقته بين الناسي والعامد فإن ذلك مبني على إزالة النجاسة هل هو فرض أو سنة؟ وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وجعله أصلًا في العفو عن قليلًا النجاسة. وسيرد تحقيق القول فيه عند بلوغنا إلى موضعه من هذا الكتاب فلا معنى لذكره ها هنا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما كره البول قائمًا لقول عائشة ﵂: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (٣). وإنما خص بذلك المواضع الصلبة؛ لأنه إذا بال قائمًا تطاير عليه، فينجس بدنه وثوبه.
وتوقي النجاسات مأمور به. وإنما أجاز ذلك في الرمل. بحيث لا يتطاير لذهاب العلة التي من سببها (٤) نهينا عنه. وقد روي أنه ﵇ أتى سباطة قوم فبال قائمًا ومسح على خفيه (٥). والسباطة يأمن فيها من تطاير البول. وقد
стр. 249
قال بعضهم إنما فعل ذلك لعلة كانت به. وقال بعضهم إنما فعل ذلك لقرب الناس منه. والبول قائمًا يؤمن معه من خروج الصوت. وقال بعضهم إنما فعل ذلك لعذر، (١) لأنه خاف متى جلس أن يكون في السباطة نجاسة تمس ثوبه فاتقى ذلك وتوقاه: بأن بال قائمًا. وعلى الجملة فالبول قائمًا إنما يفعل عند عذر يقتضيه. وأما المختار، فالبول من قعود لقول عائشة: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (٢). وهذا الإنكار منها يقتضي أن المعلوم من عادته ﷺ البول من قعود (٣). وما تكرر من فعله وعلم من عادته فيه تتعلق الفضيلة. وما روي من بوله قائمًا ففعله لإحدى العلل التي ذكرناها أو ليشرع الجواز والإباحة.
стр. 250
باب آخر
قال القاضي ﵁: كل مائع خرج من أحد السبيلين نجس] وذلك هو البول، (١) والمذي والودي (١)، والمني ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغير ذلك من أنواع البلل والدماء كلها نجسة (٢) تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها، إلا دم الحيض ففيه روايتان. والأبوال على ثلاثة أضرب:
١ - بول حيوان محرم الأكل فهو نجس.
٢ - وبول حيوان مكروه الأكل فهو مكروه.
٣ - بول حيوان مباح الأكل فهو طاهر مباح. إلا أن يعرض ما يمنعه مثل أن يكون غذاء ذلك الحيوان النجاسة أو غالبه. وأجزاء الميتة كلها نجسة *إلا ما لا حياة فيه* (٣) كالشعر والصوف والوبر. وكل الحيوان في ذلك واحد. وجلود الميتة كلها نجسة لا تطهير (٤) بالدباغ. غير أنه يجوز استعماله في اليابسات. وعظم الميتة وقرنها نجس.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرون سؤالًا: منها أن يقال:
١ - ما النجاسة؟.
٢ - وما أقسامها؟.
٣ - وما الدليل على صحة ما قال؟.
٤ - وما معنى تقييده بقوله كل مائع؟.
стр. 251
٥ - وما معنى قوله وغير ذلك من أنواع البلل؟.
٦ - وما معنى تأكيده بقوله الدماء كلها؟.
٧ - ولم اختص دم الحيض باستواء قليله وكثيره على إحدى الروايتين؟.
٨ - ولم قال إن بول ما يحرم أكله نجس مع أن بول من لم يأكل الطعام طاهر في المشهور من المذهب؟.
٩ - ولم قال إن بول المباح طاهر؟ (١).
١٥ - ولم استثنى منه ما يتغذى بالنجاسة؟.
١١ - ولم أكد بقوله أجزاء الميتة كلها؟.
١٢ - ولم كان الشعر منها لا ينجس؟.
١٣ - وما معنى تنبيهه بقوله وكل الحيوان في ذلك واحد؟.
١٤ - وما معنى تأكيده في قوله وجلود الميتة كلها؟.
١٥ - ولم كان الجلد لا يطهر بالدباغ؟.
١٦ - ولم جاز استعماله في اليابسات؟.
١٧ - وما معنى تنبيهه على عظم الميتة وقرنها؟
١٩ - وهل حكم لبن ما لا يؤكل لحمه كبوله؟ (٢).
٢٠ - وهل تطهير النجاسة بالاستحالة كما يطهر (٣) الجلد بالدباغ؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أصل النجاسة الدنس. وهي تسمية موضوعة لكل ما يستخبث (٤) أو يستقذر. فمنها ما يثبت (٥) له هذا المعنى بحكم الطباع والشرع. ألا ترى أن الغائط والبول والدم مما تعافه النفوس وتستقذره الطباع. والشرع ورد فيه بمثل ذلك. ومنه (٦) ما لا تستقذره النفوس كالخمر.
стр. 252
ولكن الشرع ورد (١) بأنه خبيث مجتنب. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢). فإنهم *وإن كانوا بما شوهدوا بعضهم نظيفةٌ* (٣) أبدانهم وثيابهم، فإن معهم صفة لازمة هي أخبث وأحق بالاجتناب من غيرها من النجاسات. وهي الكفر بالله تعالى. وقد نبّه سبحانه لهذا على منع الصلاة بسائر النجاسات. لأنه إذا نهى عن أن تقرب النجاسة من موضع الصلاة فنفس الصلاة التي شرف موضعها بها أولى.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما أقسامها فهي على قسمين: نجاسة لازمة العين كنجاسة الميتة، وبول ما لا يؤكل لحمه، والدم. ونجاسة معلقة بسبب يطرأ على العين كعصير العنب إذا صار خمرًا. وبول ما يتغذى بالنجاسة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الدليل على نجاسة البول فقوله ﵇: تنزهوا من البول. فإن عامة عذاب القبر منه (٤). والدليل على نجاسة الغائط قوله ﵇ لعمار: (٥) إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء (٦). ومحمل ما قاله في القيء عندنا على أنه تغير حتى لحق بالغائط. وأما المذي فدليله قوله ﵇: إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك
стр. 253
وتوضأ وضوءك للصلاة (١). وأما الودي فمقيس عليه أيضًا، فإنه يخرج مع البول فكان حكمه حكمه. وأما المني فقد اختلف الناس فيه. فذهب مالك إلى أنه نجس. ووافقه أبو حنيفة على ذلك. إلا أنه أجاز إزالة يابسه بالفرك. وذهب الشافعي إلى أنه طاهر. وسبب اختلاف المذهبين اختلاف الروايتين. يروى عن عائشة أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يصلي فيه (٢). قال الأصيلي حديث الفرك مضطرب الإسناد. وليس يختلف في صحة حديث الغسل. ومع هذا الترجيح الذي ذكره الأصيلي، فإنه مائع خرج من مخرج البول، فوجب أن يكون نجسًا لسلوكه مسلك النجاسة. وقد رجح أصحاب الشافعي حديثهم بأنه مائع يتكون منه حيوان فوجب أن يكون طاهرًا كمح البيضة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قيد بقوله كل مائع لأنه قد يخرج من السبيلين من الجامدات ما هو طاهر في نفسه كالدود والحصى. والدود والحصى طاهران في أنفسهما، وإنما يكتسبان النجاسة بما تعلق بهما من بول أو غائط.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما أشار بقوله وغير أنواع البلل إلى رطوبة فرج المرأة. فإن من أصحابنا من ذهب إلى أن بلة فرج المرأة نجسة. لأنها تسلك مسلك النجاسة. ومن الناس من ذهب إلى طهارتها، قياسًا على العرق. وكذلك العلقة قد قال بعض أصحابنا مفسدًا لقول الشافعية بطهارة المني لتكوُّن الخلق منه، إن العلقة نجسة مع تكون الخلق منها. قال: (٣) فإن قالوا بطهارتها خرجوا عما عليه المسلمون. وهذا الذي قالوا من الإجماع لم يسلموه، فإن أبا بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي ذهب إلى طهارة العلقة لأنه
стр. 254
دم غير مسفوح كالكبد والطحال. فأراد القاضي ﵀ أن يشير بقوله وغير ذلك من أنواع البلل (١) إلى هذه الفصول المختلف فيها.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما وجه تأكيده بقوله الدماء كلها فيشير إلى ما اختلف فيه من الدماء، كدم السمك. فقد قيل بطهارته. لأنه ليس بأكثر من الميتة. وميتة السمك طاهرة بخلاف سائر الميتة، فكذلك دمه يجب أن يكون بخلاف سائر الدماء.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما اختص دم الحيض في أحد الروايتين باستواء قليله وكثيره لأن الأصل في سائر الدماء أن يستوي قليلها وكثيرها في الحكم، كالبول والغائط. لكن لما كان قليل الدم لا يمكن التحرز منه، رخص فيه لرفع الحرج. وقد قال الشافعي لا يرخص فيه. ودليلنا عليه: أنه رخص في دم البراغيث لما لم يمكن التحرز منه فكذلك ما نحن فيه؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. ودم الحيض مما لا تعم البلوى به في حق الرجال أصلأولا في حق النساء مؤبدًا.
لأنه إنما يطرأ عليهن من وقت إلى وقت. فلم تدرك المشقة فيه كما تدرك في غيره من الدماء ولهذا لم يرخص في قليل النجاسات سوى الدم. خلافًا لأبي حنيفة في قوله يعفى في سائر النجاسات عن قدر الدرهم البغلي فأقل. وما أشرنا إليه من أن الأصل وجوب استواء قليل النجاسة وكثيرها يبطل ما قاله. وقد أمرنا بالاستنجاء. ومحل النجاسة فيه أقل من المبلغ الذي قدره. ولا حجة له بقوله ﵇ في الدم: اغسليه. ولا يضرك أثره (٢). فسامح بأثره (٣) لما كان قليلًا لأنه قد أمر في أول الحديث بغسله ولم يفرق بين قليل وكثير (٤).
стр. 255
وأما وجه إحدى الروايتين في العفو عن قليل دم الحيض فلأنه (١) رآه مما يشق التحرز منه، فألحقه بغيره من الدماء ليجري الحكم في المتجانس مجرى واحدًا. وقد اختلف في العفو عن قليل القيح وقليل الصديد. وتوجيه القول فيهما كتوجيه القول في قليل دم الحيض. وقد قال بعض شيوخنا يجب أن يكون ما طرأ على الإنسان من دم غيره من الحيوان الذي يمكنه التحرز منه كدم الشاة وشبهها غير معفو عنه لأنه ليس مما يشق التحرز منه فيجب العفو عنه.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما قال بنجاسة بول ما لا يؤكل لحمه ولم يستثن من لم يأكل الطعام لأنه روي عن مالك نجاسة بول من لم يأكل الطعام قياسًا على غائطه. وقد اتفق على نجاسته. وإذا ثبت للغائط حكم ثبت للبول. ألا ترى أن غائط من أكل الطعام نجس وكذلك بوله؟ وغائط ما يحل أكله كالشاة والبعير طاهر، فكذلك بوله. ووجه الانفصال على هذه الرواية عما روي عنه ﵇: أنه أتي بطفل لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (٢). أن يقال قد يسمى الغسل نضحًا. ومنه قيل للإبل نواضح فيمكن أن يكون صب ﵇ من الماء ما أذهب عنه النجاسة. وذلك يسمى نضحًا. وقد فرق بعض أصحابنا بين بول الجارية والغلام. فذهب إلى نجاسة بول الجارية دون الغلام. وقصر الحديث الوارد في الطفل على ما ورد عليه. وهذا ضعيف في القياس. فيمكن أن يكون القاضي أبو محمَّد إنما لم يستثن بول الطفل آخذًا بالرواية التي قدمنا في نجاسته. وإنما (٣) يكون أراد بقوله: كل حيوان محرم الأكل يريد محرمًا لا لحرمته. وتحريم كل بني آدم لحرمتهم، بخلاف غيرهم من الحيوان.
стр. 256
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إنما قال (١) أن بول المباح مباح خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله ﵇: ما كل لحمه فلا بأس ببوله (٢).
ولأنه ﵇ أباح للعرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل تداويًا بها. ولو كان نجسًا لم يأمرهم بذلك ولو كان على جهة التداوي. لأنه ﵇ قال: لا شفاء فيما حرم الله (٣). فإن احتجوا بقوله ﵇: كان لا يستتر من البول (٤). فعم. قيل: قد روي كان لا يستتر من بوله (٥) فيرد المطلق إلى المقيد.
وقد تعلقوا أيضًا بأن الإجماع قد تقرر على نجاسة بول الإنسان الذي أكل الطعام. وليس لذلك علة سوى تسميته بولًا. فحيث ما وجدنا هذه العلة التي هي مجرد التسمية، جعلناها علة للحكم. وهذا الذي قالوه له تعلق بأحكام العلل. وليس هذا موضع استقصائه. وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب كون (٦) الاسم العلم علة للحكم. فمثله أبو القاسم عبد الجليل الصابوني: يكون تسميته عرفة علة في وجوب الوقوف بها. وهذا الذي قاله لا تظهر فيه فائدة. لأنه لا يوجد فروع يختلف فيها فترد لهذا الذي ذكره. وأعظم ما فيه إن سلم (٧) له أن يكون من العلل القاصرة. وقد مثل بعضهم كون الإسم العلم علة للحكم بهذه المسألة التي نحن فيها. وهي كون مجرد تسمية البول علة في الحكم بنجاسته. وهذا إن سلم تجري فائدته بخلاف ما ذكره أبو القاسم عبد الجليل.
стр. 257
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة. فاختلف فيه هل ينتقل حكم بوله ولبنه وعرقه عن أصله أم لا؟ فقيل: هو باق على أصله لأن النجاسات التي يتغذى (١) بها قد استحالت. واستحالتها تسلبها حكم النجاسة كاستحالة الخمر خلًا. وقد قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. (٢) فأخبر في ظاهر الآية عن مخالطته للنجاسة في باطن الجسم. فإن ذلك (٣) لا يضر إذا انفصل عن الجسم، فكذلك العرق والبول. وقيل بل ينتقل جميع ذلك عن أصله ويصير نجسًا. لما رواه الترمذي والنسائي على النبي ﷺ : أنه نهى عن أكل لحوم الجلالة وألبانها (٤). ومن هذا الأصل اختلف في عرق السكران. ويختلف في لبن المرأة تشرب الخمر. واختلف في البقول تسقى النجاسة وسنزيد ذلك بيانًا في الكلام على النجاسة هل تطهير بالاستحالة إن شاء الله تعالى؟.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: إنما أكد بقوله كلها. يشير إلى ما ذهب إليه المخالف في هذا على ما سيرد بيانه إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما شعر الميتة فإنه طاهر عندنا. وذهب الليث وغيره إلى نجاسة الشعور كلها. وأنها تطهير بالغسل.
وذهب الشافعي في أحد أقواله إلى طهارة شعر ابن آدم خاصة، ونجاسة ما سواه من الشعور. واعلم أن نكتة الخلاف في هذه المسألة - وفي مسألة العظم والقرن تدور على تحقيق القول في حياة هذه الأشياء. وأنها تعدم منها الحياة بعد وجودها فتسمى ميتة. وتلحق بسائر أجزاء الميتة في الحكم. أو تكون مواتًا لا حياة فيها أصلًا (٥). فلا تسمى ميتة. لأن الميتة ما كان حيًّا فمات حتف أنفه.
وهذه إذا لم تكن فيها حياة لم تستحق هذه التسمية حتى تلحق بأحزاء الميتة في
стр. 258
الحكم. وقد استدل أصحابنا على فقد الحياة من الشعر بكونه لا يبيح ولا يألم. ودليل حياة الحي حسه وألمه. ألا ترى أن سائر أعضاء الإنسان يتألم بقطعها والشعر لا يتألم بقطعه، كما لا يتألم (١) الجماد. واحتج من قال بحياة الشعر بأنه متصل بالحي وينمو ويزيد، وذلك عنوان الحياة. وهذا ضعيف؛ لأن القوة المغذية (٢) يشترك فيها الحيوان والنبات (٣) وهي سبب النماء والزيادة. فلا دلالة لها على الحياة. والقوة التي بها الحس تختص بالحيوان فكان دلالتها على الحياة أولى. فإذا لم توجد دلت على عدم الحياة على ما يستقرأ من أحوال الموجودات. فإن احتج الليث على نجاسة الشعر وطهارته بالغسل بقوله ﵇: لا بأس بمسك جلد الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها ووبرها إذا غسل (٤). فهنا يحمل الحديث إن صح على أن الغسل مستحب لما قدمناه من الاستدلال على أن الشعر ليس بحي فيحس بالموت إن صح (٥) وأما الشافعي فأنه إن قال: إنما فرق بين شعر الإنسان وغيره من الحيوان؛ لأن للإنسان حرمة تقتضي تشريفه على غيره من الحيوان. وفي الحكم بنجاسته إلحاق له بصنف الخسيس من الحيوان. ولهذا كان لبن ما لا يؤكل لحمه نجسًالأولبن بنات آدم طاهرًا لحرمتهن. ولهذا كان الإنسان لا ينجس بالموت في أحد القولين عندكم.
وقد قال ﵇: لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيًّا ولا ميتًا (٦). قيل له إذا ثبت كون الشعر حيًا فإنه يلحق بأجزاء الميتة ويدخل في الظاهر الوارد بتحريم الميتة. ولا يخص (٧) بقياسه على لبن الآدمية بغير علة
стр. 259
جامعة. وإن ركبنا له أحد القولين في نجاسة الإنسان إذا مات لم يبق له متعلق.
والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: وأما قوله وكل الحيوان واحد. إن أعدناه على الشعر والصوف، فإن ذلك تنبيه على ما فصله الشافعي في شعر الإنسان وغيره من الحيوان. واللبن (١) لعلة الحكم في ذلك. وإن أعدناه على جميع الجملة كان فيه تنبيهًا أيضًا على أخذه بأحد القولين: في أن الإنسان ينجس بالموت. وكونه عائدًا على الجملة الأخيرة أولى لأنه ليس كل الحيوان ينجس بالموت عندنا. ألا ترى أن السمك والجراد وكل ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت. فلهذا اخترنا إعادة هذا الكلام إلى الجملة التي تليه.
والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: إنما أكد بقوله الميتة كلها لأن الأوزاعي ذهب إلى أنه يطهر بالدباغ جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل.
لأن المذهب اختلف عندنا في طهارة جلد الميتة بالدباغ إلا أن تكون الميتة خنزيرًا فلم تختلف الروايات في أنها لا تطهير بالدباغ. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وألحق الشافعي الكلب بالخنزير. وذهب أبو يوسف وداود إلى أن جميع الجلود تطهير بالدباغ حتى جلد الخنزير. فلأجل هذا الاختلاف وهذا التفصيل الذي وقع في هذه المقالات أكد بقوله جلود الميتة كلها. لئلا يظن به أنه أراد بعضها على حسب ما قاله المخالف.
والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: أما طهارة الجلد بالدباغ فقد اختلف المذهب فيها. فقيل: يطهر بالدباغ لقوله ﵇: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٢) وقيل لا يطهر بالدباغ لقوله ﵇: "لا تنتفعوا (٣) من
стр. 260
الميتة لا بإهاب ولا عصب" (١). والمذهب الأول أولى. وإن (٢) قلنا ببناء العمومين إذا تعارضا. لأن قوله لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب يمكن أن يكون أراد به إذا لم تدبغ الأهب (٣). وإذا أمكن هذا تطلبنا دليلًا له. فوجدنا قوله ﵇: إذا دبغ الإهاب فقد طهر. نصًا في طهارته بالدباغ فيقضي على الحديث الآخر. ويحمله (٤) على أنه أراد به لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب إذا لم تدبغ الأهب، لا سيما وقد قال في الحديث الآخر إنما حرم أكلها. فخص تحريم الميتة في الأكل خاصة. وهذا يقتضي أن جلدها لا تحرم الصلاة عليه ولا بيعه إذا دبغ. وإذا لم يحرم ذلك منه وجبت طهارته.
والجواب عن السؤال السادس عشر: أن يقال: إن قلنا (٥) أنه يطهر بالدباغ، جاز بيعه والصلاة عليه والانتفاع به في المائع والجامد كسائر الأواني الطاهرة. وإن قلنا أنه لا يطهر فإن الصلاة عليه لا تجوز لأنه لا يصلي على النجس] وكذلك بيعه لا يجوز. لأن النجاسة لا يجوز بيعها. ولكن يجوز أن ينتفع بها في الجامدات خلافًا لأحمد. لأن الجامد لا يعلق أثر الجلد به. وإذا لم يعلق ذلك به أمن من نجاسته. فلا معنى لمنعه. ولأنه ﵇ قال: "ألا انتفعتم بجلدها" (٦). ولو تركنا وإطلاق هذا، لانتفعنا بجلدها في الجامد والمائع. فلما علم أن استعمالها في المائع لا يؤمن معه نجاسة المائع، منعناه وحملنا الحديث على ما سواه من الجامدات. فإن قيل هب أنكم خصصتم قوله: ألا انتفعتم بجلدها بهذا الضرب من الاستدلال فلم شرطتم في (٧) جواز
стр. 261
الانتفاع كون الجلد مدبوغًا؟ وهلا أجزتم بها قبل الدباغ كما أجازه الزهري آخذًا بإطلاق هذا الخبر؟ قيل قد روي مقيدًا بالدباغ. وقالت عائشة أمران يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت. والمطلق يرد إلى المقيد فلهذا شرطنا الدباغ في جواز الانتفاع.
والجواب عن السؤال السابع عشر: أن يقال: إنما نبه على عظم الميتة وقرونها. لأن أبا حنيفة ذهب إلى طهارتها. ونقطة الخلاف بيننا وبينه وقد تقدم الكلام عليها وهي اعتبار وجود الحياة بالعظم فيكون ميتة عند الموت. أو عدم الحياة منه أصلًا. فلا يكون ميتة. وقد ذكرنا المعنى الذي به يعرف (١) الحيوان من الجماد. فلا معنى لإعادته. وقد احتج أصحابنا على حياة العظم بقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٢). وهذا تنبيه على وجود الحياة بها. فإن قيل: فلم قلتم بنجاسة الريش والظفر وهما لا حياة بهما؟ قيل قال بعض أصحابنا أن دم البدن ينبعث إليهما وبه تتغذكرًاصولهما فلهذا حكمن ابن جاستهما. ولولا هذا لكانا طاهرين كالشعر. وقال بعض أصحابنا أيضًا يجوز أن يكون القرن والسن لا حياة بهما وإنما قلن ابن جاستهما لأنهما يتغذيان بالدم فحكم بنجاستهما.
والجواب عن السؤال الثامن عشر: أن يقال: أما عرق من يتغذى بالنجاسة، كعرق السكران وما في معناه، فقد اختلف في ذلك، هل هو نجس أو طاهر؟ وقد تقدم القول فيه. والأصح عندي طهارة عرق السكران إذا كان ظاهر بدنه طاهرًا. لأن الأمة أجمعت على أن الخمر إذا صارت خلًا من قبل الله سبحانه فإنها طاهرة لانقلابها واستحالة صفاتها. وانقلاب الخمر (٣) عرقًا أبعد من انقلابها خلًّا. فوجب القول بطهارته. وكذلك يختلف القول في لبن المرأة إذا شربت الخمر. والأصح طهارته لما قلنا. وأما لبن الميتة فليس نجاسته من قبل أنه في الأصل نجس ولكن من قبل نجاسة وعائه لأن الميتة
стр. 262
ينجس سائر أجزائها بموتها كما قدمنا. وأما بيض الدجاجة الميتة فقد قال بعض أهل العلم إن خرجت رطبة فإنها نجسة بنجاسة وعائها، وتكون كاللبن. وإن خرجت وقد تصلب قشرها حتى صار يحجب النجاسة عن باطنها كانت طاهرة إلا أن قشرها لا يطهر إذا علقت به نجاسة حتى تزال.
والجواب عن السؤال التاسع عشر: أن يقال: أما لبن ما يحرم أكل لحمه فإنه على قسمين: إما أن يكون (١) يحرم أكل لحمه لحرمته وذلك بنات آدم فإنهن إنما حرمن لحومتهن. فإن لبنهن حلال طاهر. وإما أن يحرم أكل لحمه لغير حرمته وذلك على قسمين: إما أن يكون تحريم أكله مجمعًا عليه قد علم ضرورة من دين الأمة كالخنزيرة فإن لبنها حرام كلحمها. وإما أن يكون تحريم أكله غير معلوم ضرورة ولا منصوص عليه نصًا لا سبيل لمخالفته، كالحُمر والسباع والكلاب عند من قال بالتحريم. فاختلف فيه. فقيل: لبنه تابع للحمه كما كان بوله تابعًا للحمه. وقيل ألبانها تخالف (٢) لحومها وهي حلال (٣) طاهرة لأنه لم يأت نص بتحريم الألبان فتدخل هذه في عمومه. فبقيت على أصل الإباحة.
والجواب عن السؤال العشرين: أن يقال: أما طهارة النجاسة بالاستحالة، فقد مضى من فروعه كثير في أثناء هذا الفصل. فمنه نجاسة البقول التي تسقى بالنجاسة أو تسمد بها وعرق السكران، وبول ما يتغذى بالنجاسة فلا معنى لإعادته. ولكن يختص هذا الموضع بالكلام على الخمر إذا خللت أو تخللت فإن خللها الله تعالى فمتفق على طهارتها. وقد خطب عمر فقال: لا يحل خل من (٤) خمر أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها. فعند ذلك يطيب النحل. وإن خللها آدمي، فاختلف فيها، فقيل تطهير قياسًا على ما خللها الله تعالى والجامع بينهما زوال الشدة المطربة التي هي علة التحريم. وقيل لا تطهير فإن أبا طلبة سأل
стр. 263
النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا فقال أهرقها. فقال ألا أخللها؟ فقال لا (١). فلو كانت تطهير بالتخليل لصان ﷺ أموالهم به. وأما الميتة إذا حرقت فصارت رمادًا أو العذرة وما في معنى ذلك فإنها لا تطهير عند الجمهور من الأئمة. لأن النجاسة معلقة بعينها وأجزاؤها باقية. وبهذا فارقت الخمر لأن نجاسة الخمر بمعنى وهو الشدة المطربة فإذا ذهبت ذهب التحريم. وقد تنازع الناس في دخان النجاسة إذا أحرقت هل هو نجس كرمادها أو طاهر لأنه بخار فهو (٢) بخلاف رمادها.
стр. 264
باب التيمم
قال القاضي ﵀: التيمم فصوله خمسة:
١ - من يجوز له التيمم من المحدثين؟.
٢ - وشروط جوازه.
٣ - وصفة التيمم.
٤ - وما يتيمم به؟.
٥ - والصلوات التي يتيمم لها وتؤدى به؟ (١).
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سؤلان منها أن يقال:
١ - هل هذا الحصر والتقسيم متعين لا بد منه أو يقسم الكلام (٢) على فصول أخرى سواه؟.
٢ - وما معنى قوله من يجوز له التيمم؟ هل أراد به الجواز بمعنى الإباحة أو غير ذلك؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: يصح تقسيمه على نوع آخر وقد قسمه بعض المؤلفين على غير هذا التقسيم. والذي ذكره صاحب الكتاب يحيط بالمقصود فلهذا اقتصر عليه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المراد بذلك من يخاطب به ويؤمر بفعله؟ وكان التيمم لما علم وجوبه واشتهر فرضه ولكن له مواقع لا يجزي إيقاع
стр. 265
الفرض عليها، عبر عن ذلك بالجواز. وقد اختلف أهل الأصول في الوجوب إذا نسخ هل يبقى الفعل جائزًا أم لا؟ فمنهم من قال: إن الوجوب يتضمن الجواز.
فإذا رفع الوجوب بالنسخ بقي الحكم الآخر وهو الجواز. فأنت ترى هؤلاء كيف أثبتوا حقيقة الجواز مع حقيقة الوجوب، فلا تستنكر هذه العبارة التي وقعت ها هنا. وتعبيره بقوله من المحدثين يشير به إلى حقيقة ما قلناه، إذ إباحة الفعل لا يختص بها المحدثون.
قال القاضي ﵁: فأما من يجوز له التيمم فكل محدث حديثًا أعلى أو أدنى ممن يلزمه الوضوء والغسل (١).
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سؤلان. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة التيمم في الحدث الأعلى؟.
٢ - وما فائدة تقييده بقوله من يلزمه الوضوء والغسل؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في جواز التيمم للجنب، بعد اتفاقهم على جوازه لمن حدثه الحدث الأصغر. فجمهور العلماء على جوازه. وحكي عن عمر وابن مسعود ﵄ منعه (٢). والدليل لما عليه الجمهور قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣). والملامسة الجماع. وإن قلنا أن الملامسة اللمس باليد. ومنعنا من حمل الآية على العموم الجامع بين المذهبين (٤) جميعًا، مس اليد والجماع، اعتمدنا على قوله ﷺ للذي أجنب: إنما يكفيك ضربة لوجهك وكفيك (٥) الحديث.
стр. 266
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما فائدة تقييده، فتحرزًا ممن أحدث حدثًا أعلى أو أدنى، وهو ممن لا تلزمه الصلاة كالصبي والمجنون، فإنهما إذا لم تلزمهما الصلاة لم يلزمهما الغسل والوضوء (١). لأن الغسل والوضوء إنما يرادان لغيرهما وهو الصلاة. فإذا سقط المراد سقط ما أريد له (٢).
وإذا سقط الوضوء والغسل سقط التيمم. لأنه كالبدل من ذلك والفرع عنه. فإذا سقط الأصل سقط الفرع وهذا فائدة التقييد.
قال القاضي ﵁: وأما شروط جوازه فشرطان: عدم الماء الذي يتطهر به، أو عدم بعضه. فإن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله. والشرط الآخر تعذر استعمال الماء مع وجوده.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما فائدة تقييده بقوله الذي يتطهر به؟.
٢ - وما الدليل على أنه إن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله؟.
٣ - وما الفرق عند من أوجب عليه استعماله بينه وبين واجد بعض الرقبة التي وجد؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما فائدة تقييده فلأنه قد يجد ماء مضافُ افيجوز له التيمم مع وجود هذا الماء. فلو أطلق قوله وقال عدم الماء لأمكن أن يفهم قارئ كتابه عنه أن واجد الماء المضاف لا يتيمم. وأيضًا فإن واجد الماء القليل الذي حلت فيه النجاسة اليسيرة يتيمم في أحد القولين (٣) عندنا. وهو واجد لما يسمى ماء على الإطلاق. ولكن من قال من أصحابنا إنه يتيمم فإنه يرى أن هذا الماء (٤) لا يتطهر به. وكذلك من وجد إناءين فيهما ماءان معلوم نجاسة أحدهما ولا يعلم عين النجس منهما فإنه واجد لماء وهو مع هذا
стр. 267
فرضه التيمم في أحد الأقوال عندنا إلى غير ذلك من المسائل. فتعرض صاحب الكتاب لهذا التقييد لهذه المسائل كلها ليدل بالإجمال على التفصيل. وهذا من الحذق والتحصيل.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لوضوئه. فمذهب مالك وأبي حنيفة أن استعمال ذلك القدر لا يجب عليه. ومذهب الشافعي أنه يجب عليه استعماله. ويتيمم مع ذلك. وذهب بعض المتقدمين إلى أنه يبني التيمم على الوضوء ويكمل إحدى الطهارتين بالأخرى. فإذا وجد ما يغسل به وجهه غسل وجهه ومسح بالتراب كفيه.
وسر الخلاف بين العلماء في هذه المسألة هو أن الله سبحانه أمر القائم إلى الصلاة بغسل الأعضاء المذكورة. ومعلوم أنها لا تغسل إلا بماء. ولكن الماء غير مذكرر ولا منصوص عليه في صدر الآية. فلما قال عقب ذلك: فلم تجدوا ماء وقع الإشكال. هل المراد ماء وإن لم يكف. فيجب استعمال ما لا يكفي في الطهارة منه؛ لأنه يسمى ماء أو المراد الماء المتقدم التنبيه عليه وإن لم يذكر.
فلا يجب استعمال ما لا يكفي منه؟ هذه نقطة الخلاف بين فقهاء الأمصار. ومن
البديع المحقق لديك ما قلناه اتفاق مالك والشافعي ﵄ على أن
واجد بعض الرقبة لا يعتق ما وجد ويصوم. لأن الله تعالى قال في صدر آية الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾. فلما تقدم ذكر الرقبة بالنص عليها اتفقا على أن قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ محمول على من لم يجد ما تقدم النص عليه، وهو الرقبة الكاملة. ولما لم يتقدم ذكر الماء في صدر الآية وقع الإشك الذي المراد بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فاختلف فيه على حسب ما بيناه.
ومما ينخرط في سلك هذه المسألة المضطر للميتة. وعنده اليسير من الطعام الذي لا يمسك رمقه، فإنه يجب عليه أكله، ثم بعد أكله ينتقل إلى الميتة. ولا يكون هذا حجة لمن قال أن الواجد من الماء ما لا يكفيه يجب عليه استعمال ما وجد. كما وجب على المضطر أكل الطعام الذي وجد؛ لأن القدر
стр. 268
اليسير من الطعام له حصة في إمساك الرمق. والغرض في الشرع إمساك الرمق. لما كان للطعام المباح حصة فيه وجب استعماله. والغرض من الطهارة رفع الحدث وهو لا يرتفع إلا بغسل جمع الأعضاء. فلهذا افتراق الأصلان، لا سيما على طريقة من قال لا يرتفع حكم الحدث عن العضو المغسول تحقيقًا إلا بعد إكمال الطهارة. وأما من قال يرتفع الحدث عنه، ففي انفصاله عن مذهب الشافعي كلام يغمض.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا من وجد ما يستر بعض عورته فإنه يجب عليه ستر ذلك. فيقال ما الفرق بين هذا وبين الواجد من الماء ما لا يكفيه وقد قلتم لا يجب عليه استعماله؟ قيل نحن إنما تركنا استعمال ما لا يكفي من طهارة الماء إلى بدل عنها، وهي طهارة التراب، فتركنا بعضًا واستبدلنا به كلًا (١).
وهذا إذا لم نأمره بستر بعض العورة بالذي وجد، فإنا منعناه من ستر ما قدر عليه ولم نعوضه منه بدلًا. فجمعنا بين ترك البدل والمبدل منه. وفي الطهارة لم نفعل ذلك بل أتينا بطهارة كاملة واستغنينا بها عن طهارة ناقصة.
ومما ينخرط في هذا السلك من بثوبه نجاسة، ومعه من الماء ما لا يزيل أصلها ويزيل بعضها، فإن بعض العلماء أمره أن يزيل منها القدر الذي أمكنه. وهذا وجهه أيضًا ما قلناه في ستر بعض العورة.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا مسألة (٢) من غمرت الجراح أكثر جسده فإنه يتيمم عندنا. وعند الشافعي يجمع بين التيمم وغسل ما صح من بدنه. ولا فرق بين عدم إمكان استعمال الماء في بعض الأعضاء لعدم الماء، أو لاستيلاء الجراح على أكثر الجسد. والكلام على هذه المسألة كالكلام على نظيرها وقد تقدم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد أشرنا في كلامنا على السؤال الثاني حيث قلنا: إن الله سبحانه نص على الرقبة في صدر الآية، ثم قال: فمن لم يجد. فحمل ذلك على من لم يجد رقبة وهي التي تقدم ذكرها.
стр. 269
ولم يذكر الماء في صدر آية الطهارة، فوقع الإشك الذي قوله: فلم تجدوا ماء. هل المراد به ما سمي ماء أو ماء كافيًا لغسل ما تقدم ذكره في الآية؟.
قال القاضي ﵀: وكل واحد من هذين الشرطين متعلق بشروط.
منها ما يعم، ومنها ما يخص. فأما ما يعم: فهو أن يكون محتاجًا إلى التيمم وذلك بأن يدخل الوقت، ويتوجه عليه فرض الصلاة. فإن قدمه على ذلك فلا يجزيه. وأما ما يخص، فهو أن (١) عادم الماء لا يجوز له التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه. وإن وجده بثمن مثله أو غاليًا غير متفاحش لزمه شراؤه، إلا أن يجحف به. وهذه الشروط منتفية في القسم الآخر وهو تعذر استعماله.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما معنى تقييده بقوله ويتوجه عليه فرض الصلاة؟.
٢ - وما الدليل على مراعاة دخول الوقت؟.
٣ - وما الدليل على وجوب الطلب؟.
٤ - وهل الطلب محدود أم لا؟.
٥ - وهل تلزمه إعادة الصلاة إن لم يطلب؟.
٦ - ولم سقط استعمال الماء إذا غلا ثمنه؟.
٧ - وهل زيادة الثمن محدودة أم لا؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما التقييد فتحرز ممن يدخل الوقت عليه وهو غير مخاطب بالصلاة كالصبي والمجنون والحائض. وهذه إشارة منه ﵁ إلى مذهبنا في أن العبادة المؤقتة بوقت يتعلق الوجوب بجميع أجزاء الوقت، خلافًا لمن قال: إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت. فعلى مذهبنا يصح قوله ويتوجه عليه فرض الصلاة. وأما من قال إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت فلا تصح هذه العبارة على أصله. ولكنه قد يقول يصح التيمم أول الوقت، وإن لم يتوجه فرض الصلاة، كما يصح عنده إيقاع الصلاة في أول الوقت وتجزئ عن الفرض. وإن كان لا يتوجه الفرض إلا في آخر الوقت عنده.
стр. 270
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما مراعاة الوقت فإن المشهور من المذهب أن التيمم لا يصح قبل دخول الوقت. وقال ابن شعبان من أصحابنا يصح التيمم ولم يعتبر دخول الوقت. فأما ابن شعبان فإنه يقيس التيمم على الوضوء. فلما صح الوضوء قبل دخول الوقت كان التيمم الذي هو بدل عنه يصح قبل دخول الوقت. وأما الحجة للمشهور فإن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). فأمر بهاتين الطهارتين عند القيام إلى الصلاة. ولا يقام إليها إلا إذا دخل الوقت، فخصت السنة الوضوء بجواز تقدمته قبل الوقت. وبقي التيمم محكومًا فيه بما اقتضته الآية، لما لم يرد ما ينقل عنها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الطلب فالمشهور من المذهب إثباته. وخرج بعض أصحابنا من القول بإجازة (٢) الجمع بين صلاتين فائتتين بتيمم واحد سقوط الطلب. إذ لو كان واجبًالأمر بالطلب للصلاة الثانية. وجعل المذهب على قولين إيجاب الطلب وإسقاطه. وفي هذا التخريج نظر لأنه قد يكتفى بالطلب الكائن عن الصلاة الأولى عن استئناف طلب للصلاة الثانية.
ويجعل حكم الطلب الأول منسحبًا (٣) على الصلاة الثانية. كما يكتفي بالنية عند افتتاح الصلاة وينسحب حكمها على بقية الركعات. فكذلك يجعل الصلاتين ها هنا كالصلاة الواحدة في حكم الطلب. وحكى أصحابنا البغداديون عن أبي حنفية سقوط الطلب جملة من غير تفصيل. والذي وقفت عليه في كتب أصحابه أنه إنما يسقط الطلب في الأسفار خاصة لكونها مختصة بعدم المياه غالبًا بخلاف الحواضر الموجود الماء فيها (٤) غالبًا. ودليلنا على وجوب الطلب قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. وهذه العبارة إنما تستعمل فيمن بحث عن (٥)
стр. 271
الشيء فلم يجده. ولا يقال لمن كان الماء بقربه وهو قادر على طلبه وتحصيله أنه غير واجد للماء. فإذا دلت العبارة على البحث عن الشيء كان الطلب في مسألتنا واجبًا.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الطلب فليس بمحدود. وأما الواجب منه طلب لا شديد مشقة فيه، ولا عظيم نصب. وإذا كان لا ينال إلا بمشقة سقط الطلب. والمشقة لا تتحدد لأن الشاب المطيق لا يشق عليه من معاناة المشي في الطلب، ما يشق على المرأة والرجل الضئيل. وإذا كان ذلك كذلك امتنع التحديد. وقد وقع عندنا أنه لا يلزم طلب الماء من جميع أهل الرفقة الكثيرة ... وإنما يطلب ممن يليه منها. وهذا اعتبار لما قلناه من المشقة. لأن الطواف على الخلق الكثير في الرفقة العظيمة مما يشق. فلهذا أُسقط اعتباره.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قال بعض أصحابنا: إن لم يكن معه إلا الرجلين ونحوهما فلم يطلبهما (١) أعادا الصلاة أبدًا. وإن ترك طلب العدد القليل الذي أمرناه بالطلب منه في الرفقة القليلة أعاد في الوقت وإن ترك الطلب أصلًا في الرفقة الكثيرة لم يعد. وهذا ضعيف لأن القليل من الرفقة الكئيرة إذا أمرناه بالطلب منه كان كالقليل الذي لا حد له معه وإضافة كثير للقليل الذي ذكره لا يغير حكمه (٢).
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما سقط استعمال الحاء إذا غلا ثمنه لأن للمال حرمة، وللصلاة حرمة. والمال إذا بذل لم يوجد منه بدل دنيوي. والماء إذا عدل عنه فإلى بدل يعدل عنه فكان الرجوع إلى البدل أولى.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما زيادة الثمن فإنها غير محدودة
стр. 272
إلا بأن تكون الزيادة متفاحشة خارجة عن العادة. وحده بعض أصحابنا بالثلث وكأن هذا الحد منه حد للعادة (١).
قال القاضي ﵀: وأما جوازه لتعذر الاستعم الذيعتبر فيه أربعة أشياء:
١ - خوف تلف.
٢ - أو زيادة مرض.
٣ - أو تأخر برء.
٤ - أو حدوث مرض يخاف معه ما ذكرناه.
والثاني أن يجد الماء ويخاف لخروجه إليه لصوصًا أو سباعًا، فيجوز له التيمم *والثالث أن يخاف متى تشاغل باستعماله ذوات الوقت لضيقه. أو تأخر المجيء به، أو لبعد المسافة* (٢) في الوصول إليه أو لعدم الآلة التي توصله إليه كالدلو أو الرشا. والرابع أن يخاف على نفسه أو على إنسان يراه التلف من شدة العطش. أو أن يخاف ذلك في ثاني حال ويغلب على ظنه أنه لا يجده. فأما المحبوس فكالعادم وكذلك المريض الذي عنده ماء ولا يجد من يناوله إياه هو (٣) كعادم الآلة وليس من شرطه ألا يكون حاضرًا. بل يجوز للحاضر والمسافر على الشروط التي ذكرناها.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدليل على جواز التيمم للمريض؟.
٢ - وما الدليل على أن حدوث المرض أو زيادته كخوف التلف؟.
٣ - ولم كان خوف السباع واللصوص يبيح التيمم؟.
٤ - وما الدليل على أن خوف ذوات الوقت للتشاغل يحيى التيمم؟.
٥ - ولم كان الخوف من شدة العطش على نفسه أو غيره (٤) يحيى التيمم؟.
стр. 273
٦ - وما الدليل على جواز التيمم للحاضر؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد منع بعض الناس المريض من التيمم إذا كان واجدًا للماء، تعلقًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). فشرط في جواز التيمم عدم الماء ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ولأن الشرع جاء بالمسح على الجبائر وإنما جاز المسح على الجبيرة للمرض (٤).
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد منع الشافعي من التيمم ما لم يخف التلف. وروي ذلك عن مالك رواية شاذة وذكرها (٥) بعض البغداديين من أصحابنا. والمعروف من مذهبه. ومذهب أصحابه ما ذكره القاضي أبو محمَّد.
والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦). ولأنه إذا سقط استعمال الماء صيانة للأموال سقط صيانة للأجسام عن الأسقام.
وأما السؤال الثالث فإنا قدمنا (٧) جوابه في المسائل المتقدمة حيث قلنا أنه إذا غلا الثمن (٨) جاز التيمم لحرمة المال. فإذا خيف من اللصوص سلب جميع المال كان أحرى وأولى. وقد قدمنا أن الخوف من حدوث المرض يحيى التيمم.
فالخوف من السباع المتلفة للنفس أحق بالإباحة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: روى أبو جعفر الأبهري عن مالك أن الحكم التيمم كما قاله القاضي أبو محمَّد ها هنا. وقال بعض الأشياخ المتأخرين بل الحكم استعمال الماء وإن فات الوقت. فوجه المروي عن مالك
стр. 274
أنه قد علم أن الماء لا يعدم أصلًا. وقد اتفق على أن عادمه في الوقت يتيمم مع العلم أنه يجده بعد الوقت. فاقتضى ذلك أن العلة تحصيل الفعل لئلا يذهب وقت الوجوب فينتقل الفعل عن كونه أداء لكونه قضاء. وإذا كانت العلة هذه، وجب أن يتيمم في مسألتنا. لأنه إن لم يتيمم أوقع الصلاة قضاء، وقد أخبرنا أن إيقاعها بالتيمم أداء أولى من إيقاعها قضاء بالماء.
وأما ما ذهب إليه بعض المتأخرين فوجهه أنه رأى أن الله تعالى إنما أباح التيمم للصحيح عند عدم الماء. فإذا خشي ذوات الوقت متى طلب الماء، حسن أن يقال: إنه غير واجد للماء لعدم القدرة عليه في الوقت الضيق. وعادم القدرة على الشيء غير واجد له. فإذا كان الماء موجودًا وغسل الأعضاء به ممكنًا استحال أن يقال: إنه (١) غير واجد. وإذا استحال ذلك لم يصح التيمم لتعليق إجازته على عدم الوجود.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما إذا خاف متى استعمل الماء أن يعطش عطشًا يهلكه فلا شك في إباحة التيمم له لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣). وأما إن خاف أن يعطش عطشًا يمرضه فإنه يجري على الاختلاف الذي قدمناه في جواز التيمم خوفُ امن حدوث المرض. وأما خوفه تلف آخر (٤) من العطش فإنه يبيح له التيمم أيضًا؛ لأن حرمة نفس غيره كحرمة نفسه. ويتعين على الإنسان صيانة نفس غيره. ويجب ذلك عليه. ولا بدل من ذلك. والوضوء منه بدل وهو التيمم. فتقدمة الواجب الذي لا بدل (٥) منه أولى. وقد قال ابن حبيب بجواز التيمم إذا خاف على غيره الموت أو ضررًا يشبه الموت. وقد قيد القاضي أبو محمَّد كلامه ها هنا بخوف التلف، لما كان خوف الإنسان مرض نفسه فيه الاختلاف الذي قدمناه. وأما خوفه من مرض غيره ففيه نظر. وقوله أو أن يخاف
стр. 275
ذلك في ثاني حال ويغلب على ظنه أنه لا يجده ووجهه ما قدمناه. لأنه لا فرق بين أن يخاف التلف من العطش في الحال، أو يخاف ذلك في المستقبل.
بأن يغلب على ظنه بأنه لا يجد ماء (١) يشتريه في المستقبل، وغلبة الظن ها هنا تقوم مقام العلم. ومما يليق بهذا الوضع أن يقال: قد قلتم فيمن معه من الماء قدر ما يذهب به عطشه وإن لم يشربه كفاه الوضوء، إن الحكم إذا خاف التلف التيمم. فما قولكم فيمن معه من الماء ما يذهب (٢) نجاسة بدنه وإن لم يغسل به النجاسة كفاه لوضوئه؟ قيل أما هذا فلا أحفظ الآن في عين هذه المسألة نصًّا لأحد من أصحابنا سوى ما حكاه ابن حبيب عن بعض أصحاب مالك فيمن مسح على خفيه، ثم لحقتها نجاسة وهو في السفر، ولا ماء معه أن ينزع خفيه ويتيمم. فهذه الرواية تشير إلى أن الصلاة بطهارة التيمم مع عدم النجاسة أولى منها بطهارة الماء مع حصول النجاسة. فعلى هذا يغسل نجاسته بالماء وإن نقله ذلك إلى التيمم. وقد يحتمل أن تخرج مسألتنا عن القولين في غسل النجاسة هل هو فرض أو سنة؛ فإن قلنا إن ذلك سنة وأن من صلى بالنجاسة عامدًا أعاد في الوقت كما روي عن أشهب، حسن أن يقال إنه يتوضأ ويكون ذلك أولى من غسل النجاسة. لأن الوضوء مع وجود الماء والقدرة على استعماله فرض، وغسل النجاسة على هذا القول سنة. فالفروض مقدمة على السنن. وإن قلنا: إن غسل النجاسة فرض وإن من صلى بها ناسيًا أعاد أبدًا حسن ها هنا أن يقال إن يتيمم؛ لأنهما فرضان تقابلا. وأحدهما له بدل والآخر لا بدل له وهو غسل النجاسة. وما لا بدل له أولى أن يقدم. ومذهب أصحاب أبي حنيفة استعمال الماء لغسل النجاسة. قالوا لأن بذلك نجمع ما (٣) بين ما تعارض من العبادتين فيطهر النجاسة بالماء ويتطهر للصلاة بالصعيد. وذهب بعض الناس إلى أن الواجب استعمال الماء في طهارة الحدث لكونها أغلظ إذ لا تجوز الصلاة بغير طهارة أصلًا.
стр. 276
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما الحاضر الصحيح إذا خاف ذوات الوقت إن تشاغل بطلب الماء فإن في جواز تيممه قولين: المنع والجواز.
وبالمنع قال أبو حنيفة. وبالجواز قال الشافعي. فإذا قلنا بالجواز فهل يعيد الصلاة إذا وجد الماء؟ (١) فيه قولان: وبالإعادة قال الشافعي. فوجه المنع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ. . . فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢).
فأباح التيمم للسفر أو للمرض. والصحيح المقيم خارج عنهما. فخرج عن أن يكون من أهل التيمم. ووجه القول بالجواز: أن التيمم إنما فرض لئلا تفوت الصلاة وتفعل قضاء، مع إمكان فعلها أداء. وهذه العلة موجودة في المقيم الصحيح كوجودها في المريض والمسافر فوجب أن يكون حكم الجميع سواء.
وأما وجه الاختلاف في الإعادة على القول بالجواز، (٣) فإن من قال بنفي الإعادة رأى أنه إذا كان مأمورًا بالتيمم ووجب إلحاقه بالمسافر والمريض، وجب أن لا يعيد، كما لا يعيدان: وأما من قال بالإعادة فإنه رأى أن المسافر مجمع على جواز التيمم له (٤). وهذا مختلف في جواز التيمم له. فاحتيط له بالإعادة لتبرأ ذمته من الصلاة من غير خلاف. وقد وقع للقاضي أبي محمَّد في هذا الباب تقسيم لم يف به كما ينبغي في صناعة التأليف. وذلك أنه قال وكل واحد من هذين الشرطين متعلق بشروط منها ما يعم ومنها ما يخص. وظاهر هذا أن لكل واحد من الشرطين شرطًا عامًا وشرطًا خاصًا. فذكر الشرط العام والخاص في أحد القسمين ولم يصرح به في الآخر، ويبينه (٥) كما بينه في صاحبه. وهذه مناقشة في عبارة ولست أرى الاشتغال بها إنما نبهنا عليها لتعرف.
стр. 277
قال القاضي ﵀: فأما صفة التيمم فهو (١) أن يضع يديه على الصعيد ثم يمسح (٢) وجهه كله ويديه إلى المرفقين. وقيل إن مسح إلى الكوعين أجزأه (٣). والاختيار ضربتان فإن اقتصر على واحدة جاز (٤).
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما الفرض في اليدين؟ هل الكفان خاصة أو الكفان والذراعان؟.
٢ - وما الدليل لكل واحد من المذهبين؟.
٣ - وهل يخلل أصابع يديه في التيمم؟.
٤ - وهل ينزع الخاتم لمسح ما تحته؟.
٥ - وهل الضربة الثانية فرض أم لا؟ (٥).
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في ذلك. فمذهبنا أنه مأمور بالبلوغ إلى المرفقين. وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي بالاقتصار على الكفين، واضطرب المذهب في الذراعين. فالبغداديون يرون أن الفرض مقصور على الكفين وأن مسح الذراعين سنة. وهذا مقتضى ما قيل في المذهب المشهور عندنا: أن من اقتصر على كفيه يعيد الصلاة في الوقت. وقال بعض أصحابنا بل يعيد الصلاة أبدًا *والأظهر أن صاحب هذا المذهب يرى مسح الذراعين فرضًا. ولهذا أمر بإعادة الصلاة أبدًا* (٦) وإن بعض أشياخي يقول في مثل هذا: يمكن أن يكون إعادة الصلاة بعد الوقت بناء على طريقة من يرى أن من ترك السنن متعمدًا يعيد الصلاة بعد الوقت. وذهب ابن شهاب إلى أن مبلغ التيمم إلى الآباط. وحكي عن بعض أهل العلم أن الكفين فرض والذراعان (٧) إلى
стр. 278
المرافق سنة، والعضدان إلى الآباط فضيلة. هذا جملة ما قيل في ذلك.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الأدلة دائرة بين أثر واعتبار ولغة.
فأما الأثر ففي الأحاديث الاقتصار على ذكر الكفين وفي بعضها ذكر الذراعين.
ويقول من أثبت مسح الذراعين ما تعلق به المخالف، يمكن تأويله على مذهبي، ولا يمكنه تأويل ما تعلقت به على مذهبه. لأن الذراعين مع الكفين قد يعبر عنهما بالكفين، ولا يعبر عن الاقتصار على الكفين بالذراعين. هذا منتهى القول من جهة الأثر. وأما من (١) جهة الاعتبار فيستعمل فيها أصلان من أصول الفقه: أحدهما الأخذ بأول الإسم أو بآخره. واليد من الأصابع إلى الإبط. فمن أخذ بأول الإسم اقتصر *على الكفين. ومن أخذ بآخر الإسم بلغ إلى الآباط كما حكيناه عن بعض من سلف* (٢) واقتصر على المرافق وأخرج العضدين بدليل (٣). والأصل الثاني من أصول الفقه رد المطلق إلى المقيد فيما يتناسب.
وفيه اختلاف بين أهل الأصول. فمن أنكر الرد ولم يقم له دليل على مسح الذراعين اقتصر على الكفين. ومن قال بالرد فهاهنا آيتان إحداهما قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤) والثانية قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥). وقد تقرر أن القطع مقصور على الكفين. فمن رده إلى القطع في السرقة اقتصر في التيمم على الكفين. ومن رده إلى الوضوء بلغ في التيمم إلى المرفقين. لكن رده إلى آية الوضوء أحق وأوجب. ولا يتشاغل بالرد إلى آية السرقة إلا ضعيف النحيزة (٦). وذلك أنا شرطنا في رد المطلق إلى المقيد أن يكونا متناسبين. ولا تناسب بين السارق والمتطهر. فهذا عاص مذموم محدود.
وهذا متطهر متقرب. بل المتوضئ متطهر والمتيمم متطهر. وهما جميعًا
стр. 279
ينحوان نحوًا واحدًا بفعلهما، وهو استباحة صلاة فكأنهما شيء واحد أطلق في موضع وقيد في آخر. فيجب رد مطلقه إلى مقيده. لا سيما والتيمم والوضوء مذكرران في آية واحدة بكلام متصل مرتبي بعضه ببعض. ونص التقييد في صدر الآية، وآية السرقة في موضع آخر ومع كونه كذلك فليس بمقيد هناك. ولا قيد في القرآن أصلًا. وإنما أخذ التقييد من جهة أخرى. فشتّان ما بين الردين، وبعيدًا ما بين المعنيين. هذا هو (١) الذي عليه المدار من جهة الاعتبار.
وأما من جهة اللغة فقد قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢) فحمل بعض من انتصر للاقتصار على الكفين، الباء ها هنا على التبعيض (٣). بناء على طريقة من قال: أصل الباء للتبعيض. وإذا وجب حملها على التبعيض
*جاز الاقتصار على بعض اليدين [وما قيل قل] (٤) من الكفين. ومن انتصر لإيجاب مسح الذراعين أنكر أن يكون أصل الباء للتبعيض* (٥) وحملها ها هنا على أنها دخلت صلة في الكلام كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٦). ويعضد (٧) بأن الوجه فيه دخلت الباء، والواجب إيعابه. فلم تدل فيه على التبعيض.
فأحرى ألا تدل على التبعيض فيما عطف عليه. وليست الباء فيه مذكررة بل هي فيه (٨) مقدرة. ولا يصح أن تحمل الباء في الوجه على الصلة، وفي الذراعين على التبعيض، فيكون حقيقة مجازًا معًا، وهي كلمة واحدة. وهذا له تعلق بمسألة من أصول الفقه، وفيها غموض. وهذ الإرادة باللفظة الواحدة معاني مختلفة. وتكون في بعضها مجازًا، وفي بعضها حقيقة. ولعلنا نشير إلى شيء من هذا الأصل في الكلام على مسألة الصعيد.
стр. 280
فإن قيل قد ذهب ابن مسلمة من أصحابكم إلى أن التارك للشيء اليسير من الممسوح في التيمم يجزيه تيممه. وظاهر كلامه إن تارك اليسير من الوجه يجزيه تيممه. فلم يثبت الاتفاق على إحالة (١) كون الباء للتبعيض في الوجه. قيل كونها للتبعيض يوجب جواز الاقتصار على اليسير منه. وابن مسلمة إنما يجيز ترك اليسير منه لكون اليسير عنده لا حكم له: فشتان بين مذهب يوجب فعل الكثير، ومذهب يقتضي إيجاب فعل اليسير. فلم يكن فيما قلناه قدح بهذا الاعتراض والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد قال ابن شعبان من أصحابنا: يخلل المتيمم أصابع يديه. وذلك في التيمم أوجب منه في الوضوء. وإنما قال هذا لأن الحكم إيعاب الكفين. ولا يمكن إيعابهما إلا بالتخليل. وإنما قال: إن ذلك في التيمم أوجب منه في الوضوء؛ لأن جوهر الماء لطيف يسيل بطبعه خلال الأصابع والتراب بخلافه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: يؤمر المتيمم بنزع خاتمه ليمسح ما تحته. وهذا في التيمم؛ لأن التراب لا يسيل بطبعه فيباشر البشرة القياسترها الخاتم. فإن لم يفعل فأصل المذهب أنه لا يجزيه. وعلى ما قدمناه عن ابن مسلمة -أنه يعفى عن اليسير في التيمم- يجزئ هذا التيمم ليسارة ما تحت الخاتم.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف في المأمور به من عدد الضربات فالمعروف من المذهب ضربتان. وانفرد ابن الجهم فقال ضربة واحدة. وقد اختلفت الأحاديث: ففي بعضها ضربة وفي بعضها ضربتان. فإن قلنا بالمشهور فاقتصر على ضربة واحدة فهل يؤمر بالإعادة أم لا؟ فيه قولان.
فإن قلنا بالإعادة فهل يعيد في الوقت أو يعيد أبدًا؟ فيه أيضًا قولان. فالأظهر أن من نفى الإعادة أو أثبتها في الوقت لا (٢) يرى الضربة الثانية فرضًا. ومن أثبت الإعادة أبدًا يرى الضربة الثانية فرضًا. وقد قدمت عن بعض أشياخي أنه أنكر مثل هذا التخريج، وقال يحتمل أن يؤمر بالإعادة أبدً ابن اء (٣) على طريقة من
стр. 281
قال: من ترك السنن متعمدًا أعاد أبدًا. وكذلك كان ينكر تخريجنا الآخر في هذه المسألة ويقول في مثلها: قد يرى الإعادة في الوقت من يرى أصل المتروك فرضًا إذا كان فرضه مختلفًا فيه مراعاة للخلاف. والذي قاله محتمل يمكن القول به والمصير إليه. لكن وقع لابن القصار فيمن لم يجد من التراب إلا ما يكفيه لضربة واحدة. أنه لا يتيمم؛ لأنه لا ينتفع بتيممه. وهذا الذي قاله ابن القصار كالنص على أن الضربة الثانية فرض. ولا حيلة لأحد في تأويله. وقد اختلف أشياخنا في مأخذ هذه المسألة. فقال بعض أشياخي: من يجيز التيمم على الصخر لا يوجب الضربة الثانية، إذ لا معنى فيها يقتضي إيجابها. ومن يشترط التيمم بالتراب، يوجب الضربة الثانية ليحصل له من التراب ما يمسح به مرة ثانية. وخالفه غيره من الأشياخ ورأى أن ذلك غير معلل ولا مخرج على هذا الخلاف، بل هو اختلاف من اعتبار حكم الضرب وعدده.
قال القاضي ﵀: فأما ما يتيمم به فالأرض نفسها وما تصاعد عليها من أنواعها كالتراب والحصي (١) والرمل والنورة والزرنيخ (٢) وغيره (٣) مما في بابه. وليس من شرطه (٤) علوق. شيء بالكف، بل يجوز بالحجر الصلد الذي لا يعلق (٥) باليد شيء منه.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما فائدة تقييده بقوله من أنواعها؟.
٢ - وما الصعيد المذكور في القرآن؟.
٣ - وما معنى وصفه بقوله سبحانه طيبًا؟.
٤ - وهل يجوز التيمم بتراب محمول في وعاء؟.
٥ - وهل يجوز مثل ذلك في المنورة والزرنيخ؟.
стр. 282
٦ - وهل يجوز التيمم بالملح؟.
٧ - وهل يجوز التيمم بالثلج؟.
٨ - وهل تغير ما يباح التيمم به بالصنعة يمنع التيمم به؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد يكون على وجه الأرض ما لا يجوز التيمم به كالنبات والرماد وغير ذلك مما ليس من أنواعها. فلهذا قيد بقوله من أنواعها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف في الصعيد. فقال جماعة من أهل اللغة هو وجه الأرض. وقال ابن فارس في كتاب مجمل اللغة: هو التراب. والصعيد في اللغة من أسماء القبر أيضًا. لكن هذا خارج عن أغراضنا (١). وإنما يقع النظر بين القسمين الأولين: هل الصعيد وجه الأرض أو التراب؛ وهذا سبب اختلاف العلماء. فذهب مالك إلى جواز التيمم بالصخر وما لا تراب عليه (٢) بناء على أن الصعيد وجه الأرض. وذهب الشافعي إلى أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب واختلف قوله في الرمل. وقال ابن شعبان من أصحابنا يمنع التيمم برمل لا تراب فيه، وصخر لا تراب عليه. وهذا هو مذهب الشافعي. واختلف العلماء لاختلاف أهل اللغة كما ذكرنا ولاختلاف الأحاديث.
ففي بعضها: جعلت لي الأرض مسجدًا أو طهورًا (٣). فعلق الطهارة بنفس الأرض ولم يشترط التراب واشترطه في كتاب مسلم فذكر وتربتها لي طهورا (٤). فإن ثبت ما نقل الفريقان من أهل اللغة: أن العرب أوقعت اسم الصعيد على مجرد التراب، وعلى مجرد وجه الأرض، فهل يدعى في ذلك العموم حتى يجوز التيمم بالنوعين كما قال مالك؟ يتعلق ذلك بمسألة من أصول الفقه وهو أن التسمية الواحدة إذا تناولت معاني مختلفة فهل يدعى العموم فيها؟
стр. 283
اختلف أهل الأصول في ذلك. فذهب بعضهم إلى دعوى العموم فيها على الإطلاق. ومنعه آخرون على الإطلاق. وجوز القاضي أبو بكر بن الطيب إرادة العموم بها *لكل معنى ينطلق عليه على الحقيقة ومنع إرادة العموم بها* (١) في حقائقها ومجازها معًا على صفة ذكرها. وقد كنا أشرنا إلى هذا الكلام (٢) على قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣). هل الباء للتبعيض أم لا؟ والكلام على إلحاق تلك المسألة السابقة بهذا الأصل الذي نحن فيه يغمض ويدق ويخرج عن غرض الكتاب.
والجواب عن السؤال الثالث: وأما قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ فإن الشافعية تحمله على أن المراد به مُنبتًا ولهذا قصروا التيمم على التراب؛ لأنه ينبت. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (٤) فالطيب في الأرض المحروث. والطيب في الطعام المستعذب. فالتسمية تختلف باختلاف المسميات.
وأما المالكية فتخالفهم في هذا الأصل. وتحمل قوله تعالى طيبًا على أن المراد به طاهر. لأن الأرض النجسة لا يجوز التيمم بها. وقد رجح أصحاب الشافعي تأويلهم بأن الله تعالى كرّم بني آدم فجعل تطهيرهم (٥) من أصلهم. فلما كان أصلهم من ماء وتراب كانت طهارتهم مقصورة على هذين النوعين وهما الماء والتراب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما التراب إذا نقل عن الأرض وصار في وعاء، فالمشهور عندنا من المذهب جواز التيمم به.
وانفرد ابن بكير فمنع التيمم به. وقد يحتج لكل واحد من المذهبين باختلاف الروايتين عن النبي ﷺ . فمن روى أن الأرض طهور. فالتراب الذي في الأوعية لا يسمى أرضًا. ومن روى أن تربتها طهور فالمنقول في الأوعية
стр. 284
يسمى ترابًا. وإذا قلنا أن قوله صعيدًا معناه ما صعد (١) عليها. فالمنقول في الأوعية ليس بصاعد عليها ما دام في الأوعية. وقد احتج للجواز، بتيممه ﷺ على الجدار لرد السلام (٢). وحجارة الجدار كالمنقولة عن الأرض.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المنورة والزرنيخ وما في معناهما كالكبريت والشب فيجوز التيمم على ذلك ما دامت في معادنها. لأنها بعض أجزاء الأرض ولأنها صاعدة عليها حال التيمم بها. وتغيرها عن المعهود من أجزاء الأرض بصنعة انفرد بها الخالق تعالى لا ينقلها عن أصلها كالماء المتغير طعمه بالكبريت ونحوه. فإن ذلك لا يمنع التطهر به.
وأما التيمم بها وقد نقلت من الأرض وصارت في أوعية فإن قلنا بأحد القولين: بأن التراب (٣) المنقول لا يتيمم به فهذه أحرى بذلك. وإذا قلنا بأنه يتيمم به. فقد وقع في السليمانية لا يتيمم بالكبريت والزرنيخ والشب ونحو ذلك مما قد صار في أيدي الناس؛ لأنه قد صار كالعقاقير. فأشار إلى أن ادخاره واستعداده للأدوية والمنافع يخرجه عن أصله ويفارق به حكم جنسه.
وأما الياقوت والزبرجد فإنه وإن كان من المعادن فإنه يمنع التيمم به لأجل السرف (٤) *كما منع استخدامه لأجل السرف* (٥). وقد أجاز ابن القصار التيمم على الحشيش. وللنظر فيه مجال. وقد حكى بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع قولين. وأجاز التيمم على الخشب وللنظر فيه أيضًا مجال.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في التيمم على الملح على ثلاثة أقوال. فمنع على الإطلاق. وأجيز على الإطلاق وأجيز المعدني
стр. 285
ومنع المصنوع. فالمنع على الإطلاق لأنه ليس من الصعيد. وإلى هذا أشار في السليمانية فقال يمنع لأنه طعام. والجواز لأنه من جنس الصعيد الذي تقدم الكلام (١) عليه كالكبريت والزرنيخ. والتفرقة لأجل أن حقيقة الصعيد إنما يتصور في المعدني دون ما سواه.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في التيمم على الثلج وتوجيه الخلاف (٢) يداني ما ذكرناه في الملح فلا معنى لإعادته.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: الجير المطبوخ وشبهه (٣) يمنع التيمم به. لأنه بالصنعة خرج عن كونه صعيدًا.
قال القاضي ﵀: فأما ما يتيمم له فكل قربة لزم التطهر لها بالماء كالصلوات كلها ومس المصحف، وغسل الميت. ولا يكاد يتصور في الطواف إلا للمريض. ولا يجوز التيمم للجنازة في الحضر إلا أن يتعين الفرض (٤). ولا يجوز الجمع بالتيمم بين صلوات فروض على وجه. ويجوز بين نوافل عدة.
ويجوز الجمع بين الفرض والنفل إذا قدم الفرض (٥) ويجوز التنفل بتيمم الفرض، ولا يجوز الفرض بتيمم النفل.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا منها أن يقال:
١ - ما المراد بقوله كل قربة لزم التطهر لها بالماء؟ هل ذلك على إطلاقه أو يحتاج إلى تقييد؟ (٦).
٢ - ولم لا يتصور في الطواف إلا ما ذكر؟.
٣ - وما معنى قوله في الجنازة إلا أن يتعين الفرض؟.