الإقرارين حكم نفسه، لو انفرد، بمُثلُ يقر بها فيقول: لو قال رجل لزوجته: طلقتك على مائة دينار التزمتِها. فأنكرتْ المرأة ذلك، فإن الطلاق واقع، والمال ساقط. فقد تبعّض هذا الإقرار، وهو شيء واحد، فسقط منه دعواه على غيره.
بالمائة دينار، وثبت منه إقراره على نفسه بالطلاق.
وكذلك يجب ثبوت المشاركة في الميراث للمقر وإن سقط النسب.
وكذلك في العتق لو أقر بالعتق وادعى على العبد بأنه أعتقه على مال.
وكذلك لو أقر بأنه باع عبدًا من رجل سلمه إليه فأعتقه مشتريه وأنكر المدعى عليه الشراء والعتق، فإن العتق لا يرد (للاعتراف ومالك) (١) العبد بأنه صار حرًا وذلك إقرار على نفسه، ولا يقبل قوله في دعواه البيع لأنه إقرار على غيره ودعوى عليه.
وكذلك لو أقر بأنه ضمن لرجل دينًا له على رجل فأنكر المدعى عليه بالدين أن يكون عليه دين، فإنّ الضمان لا يِسقط، عن (٢) بعض من صار إلى هذه الطريقة.
وكذلك لو أقر لامرأة بأنها أخت له فإن نسبها لا يثبت من أبيه لكونه إقرارًا على غيره، ولكن هذا النسب وإن سقط فإن التحريم ثابت عليه، ولا يحل له أن يتزوجها طردًا للأصل فإنه يؤخذ بإقراره على نفسه ولا يؤخذ غيره بإقراره عليه. فقد علم: التحريم إنما يثبت في هذه المرأة فرعًا عن ثبوت النسب، والنسب لم يثبت وهو أصل التحريم، والفرع عنه وهو التحريم ثابت، فكذلك يجب أن يكون الحكم في إقرار أحد الولدين بولد ثالث.
وكذلك لو ادعى رجل على رجل أنه اشترى منه شِقصًا في دار فأنكر المدعى عليه الشراء، فطلب الشفيع الشفعة بمقتضى إقرار المدعي أن ملكه انتقل
стр. 2872
انتقالًا يوجب الشفعة، (فيطلب دعواه على المشتري وثبت عليه الشفعة) (١) لكون ذلك إقرارًا على نفسه بحق الشفيع، على رأي بعض أصحاب الشافعي، وهو الأصح عندهم في هذه المسألة. وإن كان أبو العباس بن سُريج من الشافعية طرد الأصل، وأسقط الشفعة ها هنا فلا تلزمه مناقضة. وكذلك طرد الأصل من الشافعية القاضي حسين فلم يحرم على المقر المرأة التي أقر بأنها أخته، فرد إقراره بنسبها، فتبع ذلك التحريم فلم تلزمه.
واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذه المناقضات بهذه المسائل بأن الطلاق والعتاق (يجوز أن يغير عوضًا) (٢)، ويثبتان. فصار العوض فيهما غير مرتبي بالطلاق كارتباط الميراث بالنسب. فإذا لم يثبت الارتباط في الطلاق والعتاق مع العقد، صار المقر بالطلاق والعتاق مدعيًا في مال ليس من شرطه أن يرتبط بغيره.
وكذلك دعواه على رجل أنه اشترى منه عبدًا فأعتقه، فإنه أقر بأن هذا المشتَرَى قد أتلفه مشتريه بالعتق، والتألف لا سبيل إلى رده، بخلاف الولد أقر بثالث فإنه لم يتضمن إقرارخ أمر به قد تلف.
ومسألة الشفعة يعتذر عنها من أصحاب الشافعي من قال بثبوتها بأن المقصود في دعوى البائع حصول الثمن وإلا فمالك الشقص قد أقر أنه خرج من يده، فإذا دفع له الشفيع الثمن حصل على غرضه فلا وجه لمنع الشفيع من الشفعة.
ونحن، وإن قلنا بسقوط الشفعة، فإنا نعتذر أيضًا على المناقضة بها وبما ذهبنا إليه من مشاركة المقر له بالنسب للمقر فيها بيده بأن المدعي لبيع النصيب إذا حكم القاضي باستحلاف المدعى عليه، فقد حكم بإبطال الدعوى، وإذا حكم بإبطال هذه الدعوى سقطت الشفعة المبنية على الدعوى، ألا ترى أن الولد لو قال لرجل: أنت ابن أبينا. ومعلوم ضرورة أن الرجل المشار إليه بأنه أخوهم
стр. 2873
أسن من أبيهم وأمهم، فإن هذا الإقرار باطل ولا تجب مشاركة المقر للمقر له لتبيّن كذبه، والحكم بإبطال إقراره ودعواه. وقد أشار في المدونة إلى هذا التعليل في اختلاف المتبايعين في ثمن الشقص إذا تحالفا وتفاسخا، فإن الشفع لا يأخذ بالشفعة وإن دفع الثمن الذي ادعاه البائع. وأشار إلى أن التحالف يوجب رد البيع وما قُضِي برده فلا شفعة فيه.
وممّا يرجح به مذهبه من قال بالمشاركة أيضًا أن من ادعى على رجل بدنانير أنه غصبه إياها، وقال المدعى عليه: بل هي وديعة عندي فخذها، فإنه يقضى عليه بتسليمها لمدعي الغصب، وإن كان مدعي الغصب قد أبطل الجهة والسبب الذي أوجب على المدعى عليه التسليم.
ومما يعتمدون عليه أيضًا أن القضاء برد السبب (١) حكم في الظاهر. وإذا كان المقر يعلم قطعًا صحة ما أقر به لكونه عاين الولادة. وهذا الباطن لو صار ظاهرأوخرج إلى الوجود لوجبت المشاركة في الميراث بإجماع الأمة. فإذا كان
يعلم صدقه باطنًا قطعًا. فصدقه بقطع منه على وجوب المشاركة، لم يسقط وما وجب وجوبًا قطعيًا، لما اقتضاه الحكم الظاهر الذي يعتقد مَنِ المال في يده أنه حكم باطل.
وقد أشار بعض حذاق الأئمة النظار، إلى كشف سرّ من هذه الأسرار، وهو أن مجرد السبب (١) وإن قطع عليه، أنه لا يوجب بمجرده التوارث حتى تنضم إليه الموالاة التي يقتضيها السبب (١). ألا ترى أن الأخ الكافر لا يرث أخاه المسلم، وإن كان يُعلم قطعًا أنهما أخوان، لأن اختلاف الدينين أوجب التقاطع. وكذلك العبد المملوك لا يرث أباه، لاستحقاق سيده جملة منافعه، فصار ذلك كالمعدوم في حق أبيه، والعدم لا يتصور فيه موالاة. وكذلك لو كان أبوه عبدًا قد خلع رقُّه الموالاةَ، فلم يكن للنسب تأثير في وجوب الميراث.
стр. 2874
وهذا المقر وإن علم في الباطن أن هذا المقر له أخوه فإن كون الظاهر بخلاف ذلك يوجب عدم الموالاة.
فحصل من هذا أن مجرد النسب والقرابة لا يوجب التوارث إلا أن تنضم إليه علة أخرى وهي الموالاة. فلهذا لم نغلب ها هنا حكم الباطن على الظاهر لعدم العلة الأخرى وهي الموالاة.
وأما التخريج بطريقة ثبوت النسب، ولا يشترط فيه الموالاة، ولهذا تحرم على المسلم ابنته الكافرة، وإن لم يكن بينها وبينه موالاة. وهذا يرد ما حكيناه عن القاضي حسين من اقتحامه على تحليل المقر لها بأنها أخت.
وإذا تقرر حكم إقرار بعض الورثة بوارث، وخالفه من سواه من الورثة، وتقرر ما ذكرناه من الاتفاق على أن نسب المقر له لا يثبت، وأن الشافعي لما رأى الاتفاق على نفي النسب ألحق به نفي المشاركة في الميراث للمقر. وأن مالكًا وأبا حنيفة، وإن لم يثبتا النسب، فإنهما أثبتا المشاركة في الميراث. ولكن اختلفوا في صفة المشاركة فعند أبي حنيفة أنها تكون للمساواة (١)، فيعطي المقر للمقر له نصف ما في يده، حتى كأنه لم يرث أباهما سواهما. ويقدر من ذهب إلى هذا المذهب أن الذي أخذه الجاحد النسب كأنه لم يكن من التركة، وكأنه جائحة وظلمه على المقر والمقر له نصفانْ، والذي في يد المقر يكون بينهما نصفين. وأشار بعض أصحابنا إلى هذه الطريقة. والمشهور من مذهبنا أن المقر يعطي للمقر له العدل. ويقر أن الولدين إذا أقر أحدهما بولد ثالث وجحد الآخر فإن المقَر له إنما يستحق ثلث التركة، وثلثها نصف ما في يد المقر ونصف ما في يد الجاحد، فالذي في يد الجاحد كأنه إنما غصبه للمقَر له فلا يلزم المقَر أن يغرَمه عن الغاصب. وقد قيل: إن هذا النصيب الذي هو نصف الثلث يكون نصف (٢) المقر له والنصف الآخر لبقية الورثة الجاحدين. وكأن من ذهب إلى
стр. 2875
أن (١) هذا يرى أنه إذا كان الواجب أن يقضى على المقر بما فضل في يده على نصيبه الذي يستحقه لو قسمت التركة أثلاثًا فكأن محصول إقراره التبري منه، واعتقاده أنه لا يستحق فيه ميراثًا. فإذا أنس عن نفسه مِلك هذا النصيب صار المقَر له يدعيه، وبقية الورثة الجاحدين يقولون: ليس لك فيه شيء، قيقسم ذلك بين المقرَ له وبين الورثة الجاحدين. وهذا أضعف المذاهب، ولا يتُصوّر له عندي وجه سوى ما ذكرته.
ويرد الجميع على الشافعي في إنكاره أن يستحق المقَر له شيئًا بما قدمناه من أنه إقرار يتبعض، بعضه يجب أن يمضي، كقول بعض (٢) المقر: يعض هذا المال الذي في يدي لزيد، فلأنه يقتضي إبطال الإقرار لزيد كما لو أقر لزيد على أبيه وأنكر ذلك بقية الورثة، وقد قدمنا جوابه عن هذا أيضًا. هذا حكم إقرار بعض الورثة لرجل بالنسب وإكذاب بقيتهم له.
وأما القسم الثاني وهو أن يتفق جميع من يستحق التركة على الإقرار بالنسب، فلا يخلو أن يكون المستحق للتركة جماعة، اثنان فصاعدًا، أو واحد.
فإن كانوا جماعة فلم يختلف عن الشافعي وأبي حنيفة في ثبوت نسب المقَر له باتفاقهم على الإقرار.
وأما نحن فلا نحفظ عن مالك نصًا نجليًا في إثبات النسب، ولكنه تجب المشاركة في المال، على حسب ما قدمناه.
لكن ابن القصار، من أصحابنا، لما ذكر المذاهب، وحاج المخالفين، (يكون تكرر كلامه هذا السؤال) (٣) في أثناء معاريض تعرض إليها، فاقتضى
стр. 2876
كلامه أنه سلّم أن مذهبنا كما حكيناه عن الشافعي وأبي حنيفة من كون النسب يثبت بإقرار من يحيط بجميع التركة إذا كان المحيط بها اثنين فصاعدًا.
وأشار بعض الأشياخ إلى إبعاد هذا عن أصول المذهب. وسلم ابن القصار أن المحيط بالتركة إذا كان رجلًا واحدًا فإنه يشارك في الميراث ولا يثبت نسبه. ومَرّ في ذلك على أصل المذهب الذي قدمناه في الفصل الأول، وإليه ذهب محمَّد بن الحسن فرأى أن المشاركة تثبت بإقرار الواحد المستحق لجميع التركة، ولا يثبت النسب. ولكنه تثبت (١) النسب وإذا (٢) كان المقرون جماعة استحقوا جميع التركة. وهذا المذهب المشهور عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى وهي إثبات النسب والمشاركة في الميراث إذا أقر من يحيط باستحقاق التركة كلها، واحدًا كان هذا المستحق لجميع التركة أو جماعة. وبه قال صاحبه أبو حنيفة (٣). وإليه ذهب الشافعي وذهب بعض الناس إلى أنه لا يثبت النسب كان المقر بهذا النسب واحدًا أو جماعة. وهذا المذهب لا أحفظ الآن من ذهب إليه. فيعتمد الشافعي وأبو حنيفة، في الرواية المشهورة عنه، التفرقة بين إقرار الواحد المحيط بالتركة وإقرار الجماعة بأن شهادة الواحد بالنسب لا تقبل، فإقراره على غيره أحرى ألا يقبل، لكون الشهادة على الغير أقوى من الإقرار عنه. فلو شهد رجلان على رجل، وهما عدلان، لقضي عنيه. ولو ذَكَرَا ذلك على جهة الخبر عنه لم يقض بذلك عليه. وإذا شهد عدلان فأكثر منهما قضي بشهادتهما، فكذلك إذا أقر (٤) بالنسب جرى إقرارهما مجرى شهادة العدول، فقبل ذلك من إقرارهما، وإن لم يكونا عدلين، إذا أحاطا بالتركة، لأنهما إذا أحاطا بها حلاّ
стр. 2877
محل الميت المضاف إليه الميت (١)، والميت الذي أضاف (٢) إليه النسب إذا استلحق ولدًا ثالثًا قُبِل ذلك منه، فكذلك تقبل من ولديه المستحقين لجميع ما ترك.
وسلم أصحاب الشافعي ما قلناه عن كون الشهادة عن الغير أقوى من الإقرار عنه إلا في هذا السؤال فإنهم قالوا: الإقرار ها هنا آكد من الشهادة، لأن جميع الورثة يقبل منهم إذا أقروا، ولا يقبل في ذلك شهادة غير العدول، ممن لا يرث وتقبل شهادة جميع الورثة، وإن لم يكونوا عدولًا.
ويعتمد من ينكر إلحاق النسب بمجود إقرار من يحيط بالتركة على أن الولاء كالنسب، كما تقرر في الشرع. ثم إقرار الورثة بالولاء يوجب ثبوتَه في حق غيرهم، فكذلك الإقرار بالنسب. ويطعن في قياس إقرار الوارث الواحد المحيط بالتركة على استلحاق الميت بنفسه، فإن للميت أن يستلحق النسب، وله أن ينفيه عن نفسه باللعان، وليس ذلك لورثته.
ويُنفَصل عن هذا بأن استلحاق جميع الورثة يُتصور، ولا يتصور نفي جميعهم لأن الورثة إذا نفوا حمل امرأة، فليسوا حين النفي بجميع الورثة، لكان (٣) ما في بطن الزوجة أحد الورثة، فيستحيل مع هذا أن يتصور تطابق جميع الورثة على النفي والمنافي أحدهم، فلا يقبل دعواهم عليه. والأب يتصور فيه الاستلحاق والنفي فلهذا تساويا في حقه.
واعتمد الشافعي في نصرة مذهبه في إلحاق النسب بإقرار من يحيط بالتركة، واحدًا كان أو جماعة، بحديث عبد بن زمعة، وذلك: أن زمعة كانت له وليدة، فلما أن مات تحاكم فيه ابن سيد هذه الوليدة واسمه عبد فقال: هو أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد بن أبي وقاص: أخي عتبة بن أبي وقاص عهد أنه أَلمّ بهذه الوليدة في الجاهلية، وأن الولد ولده. فقال ﷺ لما تحاكما إليه:
стр. 2878
"هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١) فاعتمد الشافعي على هذا الحديث وجعله حجة في ثبوت النسب باستلحاق الواحد المحيط بالتركة، كما ألحقه ﵇ ها هنا بزمعة، ولم يدّعه إلا وحده.
ودُوفِع عن هذا بمدافعات: أحدها: أن النبي ﷺ لم يعول في القصة على مجرد استلحاق هذا الواحد الذي هو عبد. وإنما عوّل على الفراش، فذكر أن الحكم أنه لعبد، وأشار إلى علة الحكم فقال: "الولد للفراش" يريد: ولأجل هذا قضيت لك به يا عبد.
ويجاوب عن هذا بأن الفراش لم يكلف النبي ﵇ عبدًا إثباتَه، بل ظاهر الحديث أنه عوّل فيه على مجرد قوله، ولا فرق بين أن ينفرد الواحد بالإقرار بسبب النسب وهو (٢) الفراش.
والانفصال عن هذا: إلا أن يدعى أن الفراش اشتهر اشتهارًا استغني به عن طلب إثباته.
ودفع الشافعي أيضًا عن احتجاجه بهذا الحديث لم يرد على قوله: "هو لك يا عبدبن زمعة" بيان هل لعبدبن زمعة ملك، لكونه ولدته أمة أبيه فهي وولدها عبيد لمن ورث زمعةَ وهو ولده عبدٌ، أو أراد هو لك أخ. والأظهر أنه أراد: هو لك عبد لأن هذه اللأَمَ تقتضي الملك، كما يقال هذا الغلام لزيد.
وأجيبوا عن هذا الاعتذار بأن أبا داود قال في رواية هذا الحديث: ليس هو لك بأخ (٣). فلا يلتفت إلى روايتهم: ليس هو لك بأخ (٤). قال أصحاب الشافعي: لم يَرْوِ هذه الرواية عدْل ولا ضعيف، مع أن التعليل يقتضي إن (٥)
стр. 2879
أراد: هو لك أخ، ولم يُرد: أنه لك ملك، لأن الفراش لا يدل على الملك، ألا ترى أن رجلًا لو تزوج أمة رجل فولدت، فإن الولد ملك لسيدها لا لزوجها الذي هو صاحب الفراش، وإنما لزوجها النسب لأجل الفراش ورواية من روى "هو لك عبدٌ" لا يجب حملها على أن المراد: أنه لك يا عبدُ بن زمعة عبدٌ مملوك. ولأن المخاطَب لم يصرح ﷺ باسمه، وإنما أراد إخباره بأن هذا الوليد لك عبدٌ مملوك، لأنه لا يصح أن يكون المراد: هو لك يا عبدٌ، بحذف حرف النداء، وهو شائع في لسان العرب، قال الله تعالى خبر عن مخاطبٍ: ﴿يوُسُفُ أَعْرِض عَن هَذَا﴾ (١) والمراد: يا يوسف. ودُوفع الشافعي أيضًا عن هذا الحديث، بأن عبدًا لم يكن جميعَ ورثة زمعة، بل كانت أخته سودة تشاركه. وإذا أقر بعض الورثة فلا يختلف في أن النسب لا يلحق.
ويجاوب عن هذا بأن سودة كانت مسلمة، وكان زمعة أبوها مات كافرًا ووُلد عبدٌ حينئذ على دين أبيه، فلا تستحق سودة مشاركته في الميراث، إذ لا يرث المسلم الكاَفر، فصار عبدٌ هو المحيط بجميع التركة.
ودوفع الشافعي أيضًا، عن احتجاجه بالحديث بأنه ﵇: أمرها أن تحتجب من عبد (٢) فلو قضى بأنه أخوها لم تحتجب منه، إذ لا تحتجب المرأة من أخيها. فدلّ ذلك على أنه لم يقض بلحوق ابن زمعة نسبًا.
وأجاب الشافعي عن هذا بأنه قد كانت آية الحجاب قد نزلت، وحكمه مشهور، فلو كان الحجاب الذي أمرها به لكونه (احسا منها) (٣) لما احتاج إلى إعادته.
стр. 2880
كتاب الحمالة
стр. 2881
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى:
وأما الحمالة فمعناها شغل ذمة أخرى بالحق.
ومعناها ومعنى الكفالة والزعامة والضمان واحد.
ولا تصح إلا بحق يمكن استيفاؤه من الضامن، أو بما يتضمن ذلك كالكفالة بالوجه لمن عليه مال تصح الكفالة بما عليه. فإن جاء الكفيل به برىء.
وإن لم يأت به لزمه ما عليه، إلا أن يشترط أنه لا يلزمه إلا إحضاره فقط، فلا يلزمه شيء من المال، الآن (١) بموت المتكفل به فلا يلزم الكفيل شيء شرط أو لم يشترط. وتصح في المعلوم والمجهول وقبل وجوب الحق وبعده، وعن الميت والحي.
وإذا كانت بالمال لم يُبرىءْ الضمينَ إحضارُ الغريم. وإذا كانت بالوجه برئ بأي الأمرين كان.
وللطالب أخذ الضمين عند تعذر أخذ الحق من الغريم، وفيه مع القدرة على الغريم خلاف.
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل عشرون سؤالا، منها أن يقال:
стр. 2882
١) ما حقيقة الحمالة في البغة والشرع؟
٢) وما الدليل على جوازها؟
٣) ومن تَصِحّ الحمالة عنه؟
٤) وما الذي تصح الحمالة به؟
٥) وهل تصح الحمالة بما لا يجب؟
٦) وهل تصح الحمالة على المحجور عليه؟ أو تصح الحمالة منه؟
٧) وما أنواع المتحمل به؟
٨) (١)
٩) وهل يصح أن يؤخذ بالحميل حميل؟
١٠) وهل تتوجه المطالبة على الحميك مع إمكان أخذ الدين من الغريم؟
١١) وهل يتوجه على الكفيل الطلب بمجرد إقرار المتكفل عنه؟
١٢) وهل للكفيل أن يرجع على الكفالة (٢)؟
١٣) وما حكم الكفالة الممتنعة لعدم الإمكان؟
١٤) وما حكم الكفالة الممنوعة شرعًا؟
١٥) وما الحكم في أحد الحملاء إذا دفع أحدهم الدين بشاهد واحد؟
١٦) وما الحكم في تداعي الحميل والمتحمل له؟
١٧) وما الحكم في تأخير المتحمل له الغريم أو الحميل؟ (٣)
стр. 2883
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
الحمالة، في اللغة، والكفالة والضمانة والزعامة، كل ذلك بمعنى واحد.
فتقول العرب: هذا كفيل وحميل وضمين وزعيم. هذه الأسماء هي المشهور استعماله (١) في اللغة.
وتقول أيضًا: قبيل بمعنى ضمين قال تعالى: "أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا" (٢):
ففيه اختلاف بين المفسرين:
فمنهم من ذهب إلى أن المراد بقولهم "قبيلًا" أي: متكفلين.
وقد اختلف في اشتقاق الضمين: فقيل: هو من ضم ذمّة إلى ذمة: وقيل: هو مشتق من التضمين، فإذا قيل فيما يلزم الشيء: هذا يضمن كذا، بمعنى أنه، يلزمه إلزامًا لا ينفك عنة. وهذا المعنى يقرب من الأول لأن في ذلك أيضًا معنى انضمام الشيء إلى الشيء.
والغرض بها في الشريعة الثقة بالحق كالغرض بالرهان.
وهذا الذي ذكرناه في اشتقاق الضمانة إنما يصح على مذهب فقهاء الأمصار. وجمهور العلماء الذاهبين إلى أن الضمانة مخالفة للحوالة، وأن الكفالة والضمانة لا يبرأ بها من عليه الدين كما لا يبرأ من عليه الدين بدفع الرهن فيه. وإنما المراد أن يكون الحق في ذمتين، كما يراد بالرهن في الحقوق كون الحق في ذمة من عليه الدين وفي عين الرهن الذي دُفع فيه فكانت ذمة انضمت إلى ذمة، وكان ذمة تضمنت ذمة.
стр. 2884
وذهب ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثور وداوود إلى أن الدين يبرأ من هو عليه إذا تكفل به رجل عنه. ويمكن أن يبهون رأى أن الحق إذا كان واحدًا! فلا يكون الواحد في محلين، كما في الاجتماع: لا يكون جسْم في مكانين.
وهذا لا يصح التشبيه فيه لأنه يعلم ضرورة استحالة كون الجسم في مكانين بخلاف الدين فإنه يصح أن يكون في ذمتين لأنه ليس بذات تفتقر إلى مكان تحل فيه. وإنما الغرض بالكفالة أن يكون الحق في ذمة، فإن تعذر استيفاؤه منها انتقل إلى ذمة أخرى، ولا يُستنكر انتقال الجسم من مكان إلى مكان.
هذا على أحد القولين في الحميل لا مطابقة (١) عليه مع إمكان أخذ الحق من الغريم. وإنما تتوجه عليه المطالبة عند تعذر ذلك من الغريم:
وعلى القول بتخيير صاحب الدين بين طلب ذمة الحميل فليس في ذلك أيضًا ما يستحيل، فكأنه خُيّر بين محلّين يستوي حقه من أيهما شاء، كما خير الله في كفارة اليمين بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فأي الأمرين اختار المكلف فهو الواجب عليه، فكذلك من له الدين وله كفيل:
أي الذمتين اختار طلبها فإن ذلك في حقه كالجالس في مكان يمكنه أن يختار (المنتقل منه إلى جهة اليمين أو من جهة الشمال) (٢).
والحوالة يُنمي اسمها عن تنقل الحق عن ذمة ومصيره في ذمة أخرى، كما يقال: تحول زيد من هذا المكان إلى هذا المكان. ومعناه خرج عن المكان الأول فصار في المكان الثاني. والضمانة بعكس هذا، لأنها تتضمن إضافة ذمة إلى ذمة. هذا سبب الخلاف من جهة المعنى المستند للعقليات.
وأما سبب الخلاف من جهة الشرعيات فإن ابن أبي ليلى ومن وافقه يرون
стр. 2885
أن النبي ﵇ اجتنب الصلاة على من مات وعليه دين ولا وفاء له، فلو كانت الحمالة لا تفيد براءة المتحمَّل عنه من الدين الذي عليه لكان النبي ﷺ قد صلى على من عليه دين وإن كان قد تحمل به أبو قتادة (١)، إذ لا فرق بين أن يكون عليه الدين لغريمه الأول أو لمن صار غريمًا فالمحتمل (٢) عنه.
ويجاوبون عن هذا بأنه ﷺ لم يمتنع من الصلاة على من عليه دين إذا خلف وفاء. وإذا تُحمّل عن الميت صارت ذمة الحميل وماله كمال الميت فصار كمن مات وترك وفاء بالدين.
وأما سبب الخلاف من جهة ألفاظ الحديث، فإن ابن أبي ليلى يقول: قد قال لعلي: جزاك الله عن الإِسلام خيرًا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك. فلولا أن الدين يسقط عن الميت بالحمالة لم يصح التشبيه بأنه افتك الرهن.
ويجابون عن هذا بأن المراد أنه فكه من امتناع النبي ﷺ من الصلاة عليه التي توجب له الجنة، فصار تحمّله الدين المقتضي صلاة النبي عليه كافتكاكه من هذه العقلة. وقد قال في الحديث: معلقة بدينه حتى يقضى عليه.
وتعلقوا أيضًا بقوله في بعض طرق حديث أبي قتادة (٣) عليك وقد يرى منه. وهذا يقتضي أنه يبرأ بالحمالة.
ويجاب عن هذا بأن اللفظ ليس بخبر عن حكم الله تعالى، فإن الحمالة تبرىء من الديون وإنما المراد التزامه للدين. ولهذا أجابه أبو قتادة عن هذا بأن قال: نعم (٤) لا يفتقر فيما أخبر به من الأحكام ﷺ إلى أن يقال: نعم. ويؤكد
стр. 2886
هذا بأن أبا قتادة قضاه بعد يومين أو ثلاثة، فقال له ﷺ : " الآن بَرَدَ جلده" فلو كان بنفس الحمالة برئ من الدين لكان جلده قد برد من وقت الحمالة ولم يقف ذلك على قضاء الدين عنه. وهذا واضح.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أمّا الدليل المعتمد عليه في جواز الحمالة فالكتاب والسنة مع الاتفاق على جوازها على الجملة.
فأمّا الكتاب فقد قال تعالى: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١). والمرادب "زعيم" كفيل كما قدمناه. فقد أثبت بهذه الآية الزعامة وهي الكفالة. وهذه كفالة بالمال.
وقال في السورة بعينها: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ الله عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢). وهذه حمالة بالوجه، وهو أحد أقسام الحمالة على ما سنبينه بعد هذا إن شاء الله.
وهذا الذي ذكر فيه الموثق والمعاهدة وإن لم يكن تصريحا بلفظ الحمالة ففيه معناها، ولكن هذا شرع من كان قبلنا. وإنما يكون هذا مما يعتمد عليه على مذهب من قال من الأصوليين: إن شرع من قبلنا نحن مخاطبون به إلا أن يأتي في شرعنا ما ينسخه. ولم يرد في شزعنا ما ينسخ جواز الحمالة بل ورد ما يؤكد جوازها.
وأما السنة فقوله ﷺ : "والمنحة مردودة والزعيم غارم (٣) وقوله فيما رواه قبيصة "لا تحل الصدقة إلا لثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى
стр. 2887
يؤديها (١) فجعله ﷺ من الغارمين الذين تباح لهم الزكاة. ولولا أن الحمالة لزمته ما كان من الغارمين.
وقد أباح الله تعالى الرهبان في الحقوق، ومعلوم أن ذلك القصد به الاستيثاق بالحق فلهذا جاز، فكذلك الحمالة.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
الكفالة تجوز عن الحي والميت والفقير والغني. هذا مذهمب الجمهور من فقهاء الأمصار.
ولم يختلف أحد من أهل العلم من جواز الحمالة عن الحي موسرًا كان أو معسرًا، ولا في الحمالة عن الميت إذا مات موسرًا. وإنما اختلفوا في الحمالة عن الميت إذا مات معسرًا:
فالجمهور على جواز الحمالة عنه، كما ذكرنا.
وانفرد أبو حنيفة والثوري فمنعا ذلك.
وصاحبا أبي حنيفة: محمَّد بن الحسن وأبو يوسف ذهبا إلى ما ذهب إليه الجمهور من جواز الحمالة على من مات معسرًا.
ودليلنا على أبي حنيفة ما خرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: أُتي النبي ﵇ بجنازة، فقال:. أعليه دين؟، فقالوا: نعم فقال: هل ترك شيئًا؟ فقالوا: لا، فقال ﵇: صلوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة عليّ دينه، يا رسول الله. فصلى عليه رسول الله ﷺ (٢). هذا كالنص في جواز استئناف (٣) الحمالة بدين، مات وهو عليه، وهو معسر.
стр. 2888
وهم يدافعون هذا بأن هذه ليست بحمالة، وإنما هو كالعِدَة وكالتبرع والتطوع بقضاء حق عن آخر، من غير أن يكون كفيلا به
وظاهر سياق الحديث يقتضى خلاف ما تأولوه لأنه ﷺ امتنع من الصلاة على هذا الميت. فلما قال أبو قتادة: عليّ دينه صلى عليه. فلولا أن هذه حمالة لم يصل عليه لأنه كان ﷺ في أول الإِسلام لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا تحضيضا على الوفاء بالديون.
وأيضًا فإنه ﷺ قال: "كانت تقتضي الغفران للميت وتحجزه عن النار" (١).
وقد قال ﷺ : "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" (٢) فكأنه إذا كان مرتهنًا بدينه كالمحجوز عن الجنة، فصارت صلاته كالمنافية لما قال. وقد قال لما صلى على السوداء التي كانت تَقُمّ المسجد: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله نورها بصلاتي عليهم" (٣)، فلما فتح الله الفتوح قضى الديون عن الغرماء، فقال: من ترك مالًا فلورثته ومن ترك كلًّا فعليّ" (٤).
وهذا الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع وإن لم يكن نصا في الحمالة فقد روى الحديث، جابر فقال فيه: "مات وعليه ديناران فتحملها أبو قتادة فقال ﷺ : هي عليك والغريم منها بريء" (٥) فهذه الرواية قد صرح فيها بلفظ الحمالة فلا مطمع لهم في تأويلها على غير الحمالة.
وهكذا روي أيضًا "أن رجلًا مات وعليه درهمان فلم يصل عليه النبي ﷺ فقال علي ﵁: هي عليّ فصلى علمه، وقال له ﵇: جزاك
стр. 2889
الله عن الإِسلام خيرا وفك رِهانك كما فككت رهان أخيك" (١) الحديث.
وأما سبب الاختلاف في هذه المسألة من جهة الاعتبار فإن أبا حنيفة يرى أن الدين لا بدّ له من محل، ومحله الذمة أو عين مال، وذمة الميت قد هلكت وتلفت بتلف صاحبها، لأن الذمة وصف من أوصاف الإنسان الحي، وإذا ذهبت الحياة ذهبت الذمة، وهو لم يترك عين مالي يقضى منه دينه. فلما استحال تصور محل الدين في حق الميت المفلس استحال توجه الدين عليه فاقتضى ذلك سقوطه عنه، والساقط لا تصح الحمالة به. وهذه عمدة القوم.
ونحن نعتمد على أن الإبراء منه يصح، والتبرع بالقضاء يصح أيضًا. فلولا كون هذا الدين ثابتا لم يصح التبرع بقضائه ولا الإبراء منه.
ونعتمد أيضًا على الاتفاق على أنه لو كانت الحمالة في حال الحياة ثم مات الغريم فقيرًا لم تسقط الحمالة. فلو كان الأمر كما قال أبو حنيفة إن الموت يسقط الدين إذا لم يترك الميت مالًا، لسقطت الحمالة التي كانت في حياة الميت؛ لأن الحمالة تبع لثبوت الدين وفرع عنه، فإذا سقط الأصل سقطت فروعه وما يتبعه. ألا ترى أن من تكفل بصداق امرأة فارتدت قبل الدخول سقط صداقها بارتدادها أن الكفالة به ساقطة أيضًا لما سقط الأصل سقط الفرع.
وهم ينفصلون عن الإبراء والتطوع بقضاء الدين أن المراد بذلك سقوط الإثم عنه في الآخرة.
ونحن نقول: بل حصول الإثم يدل على أنه لم يسقط وهم يقولون جوابا عن هذا: الآثام من حقوق الآخرة والديون من حقوق المعاملات في الدنيا، ونحن إنما أسقطنا عنه الدين في الدنيا لأنه ميت، وفي الآخرة يصير حيًّا، والحي تتوجه إليه المطالبة. والموتة التي بين الحياتين: حياة الدنيا وحياة الآخرة تجري عليه فيها أجكام الآخرة كما تجري عليه أحكام
стр. 2890
الاعتقادات الدينية، وقد يجرى على الأجنّة في البطون، قبل أن يخلق فيها الحياة، أحكام الحياة، لأنه سائر إليها، فلهذا أجاز الإبراء والتبرع بالقضاء والمتبرع بالشيء له الرجوع عنه إذا لم يلزمه، والكفالة التزام فافترقت حقيقتها (١). وإنما مطالبة الحميل مع كون الميت مات فقيرًا، وإن الالتزام كان في الحياة، والكفيل في يديه مال يقضى منه الدين، فصار ذلك كمالٍ تركه الميت يقضَى منه الدين بإجماع.
ونحن ننازعهم في كون مال الكفيل كتركة الميت لأن الميت له أن يوصي فيما ترك، ويكفن منه، (ويقبر فيه بالحقوق) (٢)، وليس له ذلك في مال الكفيل.
وينفصلون أيضًا عن جواز الحمالة بدين على من ثبت إعساره، فإنه يرجى له أن يكتسب مالًا فصار السقوط في حق الحي المؤجل إلى أجل ينتظر، والميت لا ينتظر أن يكتسب مالًا.
ونحن نقول جوابا عن هذا: يصح أيضًا أن يطرأ له مال لم يُعلم الآن، أو تكون له ذخيرة خفيت عنا، كما يمكن أن تكون ذخيرة للحي المعسر أخفاها هنا.
ويقولون هم أيضًا: نحن إنما أسقطنا الدين عمّن هو معسر في علم الله سبحانه، فإذا كان للميت مال خفي عنا، فلم يعسر في الباطن. وهذا كله معارك من جهة الاعتبار نكتته هل سقط الدين عن الميت بموته مفلسا فيسقط عن الحميل لكون الأصل إذا سقط سقط الفرع، أو يقدروا دينه باقيا فيصح التزامه؟ فإذا أضربنا عن هذا كله، وثبت التعلق بحديث أبي قتادة لا سيما على رواية جابر قدم ذلك على هذه المحاجة، لكوننا نرى أن خبر الواحد الصحيح مقدم على القياس، وفي هذا مقنع.
стр. 2891
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
الحمالة بالمجهول جائزة عندنا وعند، أبي حنيفة.
ومنعها ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والليث بن سعد وأحمد والشافعي.
وخرج ابن شريح، للشافعي قولًا آخر بجوازها سننبه عليه فيما بعد.
ولقد ذكر في المدونة فيمن ضمن ما قُضِيَ به لزيد على عمرو أن ذلك يلزمه، ولم يشترط علم الضامن بما يُقضَى به. وذكر في المدونة أيضًا:
فالقائل: (٦) بايعْ فلان (١) والثمن عليّ. أن ذلك يلزمه. (ولم يشترط الضامن ها هنا ثمن اثمانًا للمبايعة) (٢).
وقد وقع لمالك في الموازية والعتبية في من وصّى لولده أن تقضى ديونه، ولا يعلم مقدار الديون ولا مقدار التركة، أن ذلك جائز. ولو طرأ غريم لم يعلم به لَلَزِم الولدَ القيامُ له بدينه، لكون أصل الضمان وقع على غير معلوم وهذا منه.
وكذلك أيضًا ذكر فيمن مات وجمليه ديون فقال أحد ورثته لغرمائه:
سلموا إليّ تركته، إلى أجل سماه، وأنا أقوم بديونكم، أن ذلك جائز إذا قصد به المعروف، وعلم أنه إذا فضلت فضلة عن الديون كلها يستحقها الميت دخل بقية الورثة فيها فقسموها على الفرائض المشروعة. وأما لو كان على (٣) النقص عليه يقوم به للغرماء، وينفرد بزيادة إن ظهرت، فإن ذلك لا يجوز لأنه يضمن نقصا مجهولا رجاء أن يربح ربحا مجهولًا، وهذا لا يجوز.
ومذهب الشافعي ما ذكرناه عنه من منعه لضمان المجهول، وكأنه أجراه
стр. 2892
مجرى المعاوضات التي لا تجوز فيها الجهالات. ونحن أجريناه مجرى الهبات التي تجوز فيها الجهالات.
وقد ذهب بعض الأئمة إلى كراهية هذا المجهول، وعلّل ذلك بأنه قد يظهر ما يندم على إخراجه من ملكه وهبته لغيره، فلا يحسن أن يفعل معروفًا يؤديه إلى الندم عليه.
وقد نبهنا عن نكتة سبب الخلاف في هذا: هل تجري الكفالة مجرى عقود المعاوضات فتمنع فيها الجهالات والغرر، أو مجرى عقود الهبات والعتق والوصايا فتجوز فيها الجهالات والغرر وأصحابنا يستدلون على جوازها من الظواهر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ (١) وقوله ﵇: "الزعيم غارم" (٢) وهذا العموم يقتضي الجواز.
والمخالف يمنع من هذا الاستدلال، ويرى أن المراد بقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ العقود الجائزة. وفي جواز الكفالة بالمجهول وقع الخلاف. وكذاك الزعيم غارم. وفي كون هذا زعيما كفيلًا وقع الخلاف.
ويعتمدون أيضًا على جواز الكفالة بالعهدة في المبيعات. وتتصور في ذلك الجهالة والغرر لألمه قد يستحق جميع المبيع وقد يستحق يعضه، ولا يدري المضمون له مقدار ما يرجع على الكفيل. وقد اشتهر في سائر الأمصار والأعصار كَتبة العهدة إلى (٣) المبيعات، ولم ينكر ذلك أحد مع ما فيه من الجهالة. وإن كان قد يحكي أبو العباس بن سُريج قولًا آخر عندهم (٤) في جواز الكفالة بعهدة المبيع، ولكن حذاقهم يرون أن مذهبهم جواز ضمان عهدة الدرك في المبيعات.
стр. 2893
ويجيب المخالفون عن هذا الاحتجاج أيضًا بأن الحمالة إنما تعتبر حين العقد، والمتكفَّل به ها هنا حين الكفالة معلوم وهو الثمن، فإن الكفيل يجب عليه ردّه إذا وقع الاستحقاق، وإنما تؤثر الجهالة في الكفالة حين عقدها ووقوعها ألا ترى أن من باع عبدًا من أعبد ثلاثة فإن ذلك لا يجوز لكون المبيع مجهولًا حين العقد. ولو استحق (١) الأعبد الثلاثة، وقد باع جميعهم صفقة واحدة لوجب الرجوع بمقدار ما استحق،. فكذلك الجهالة بالعهدة لا تؤثر فيها الجهالة بمقدار ما يستحق كما لم يؤثر ذلك في جواز البيع المجتمع على اجتناب الغرر الكثير فيه.
ويحتج أصحاب الشافعي على المنع من الكفالة بالمجهول بأنه يثبت عقد شيء في الذمة لا يُدرى مبلغه، فوجب منعه كالأثمان. والكفيل إنما يحل محل المشتري الذي تكفل عنه بالثمن فإذا كان المشتري لا يجوز له أن يشتري بثمن مجهول، فكذلك الكفيل لا يضمن أيضًا شيئًا مَجهولًا.
ويناقضهم أصحابنا هذا بأن الذمة قد ثبت فيها حق مجهول عن عقد، كمثل صداق المثل إذا قضي به في النكاح الفاسد، وهو مجهول، وعوض عن عقد، فدل ذلك على أنه لا يستنكر ثبوت حق مجهول في الذمة عن عقد.
ويجيب أيضاَّ أصحاب الشافعي عن هذا يأن التثبيت خلاف الثبوت، لأن المراد بالتثبيت تعاقد المتعاملين على ثمن مجهول تشترى به السلعة. والمراد بقولنا ثبوت ما يوجبه الشرع في الذمة بغير اختيار المتعاملين، والزوجان إذا تعاملا على صداق فاسد، ووقع الدخول، فالقضاء بصداق المثل الشرع أوجبه، بخلاف ما يقع المتعاملان فيه اختيارا.
واستدل أصحاب الشافعي بأن من تكفل ببعض دين على آخر لا تصح به الكفالة لكون ذلك كفالة بمجهول.
стр. 2894
واختلف الجواب عن هذا الاستدلال، فأشار بعضهم إلى أن الكفالة ببعض الدين كفالة بمجهول لا تعلم حقيقته حين الكفالة، ولا يعلم ذلك بعدها في ثاني حال، بخلاف من تكفل بمجهول مثل ما يقضي به القاضي على رجل، أو ما شهدت، به بينة، أو ما يبايع به فلانا، كما مثلنا به الكفالة بالمجهول فيما قدمناه، فإن هذا كله يكشف مقدار ما تكفل به الكفيل إذا قضى القاضي بالدين، أو شهدت به البينة، أو (بيع به المكفول له المكفول عنه) (١). وذكر البعض لا يعلم مقداره حين الكفالة ولا بعدها.
ويدافع أصحاب الشافعي هذه التفرقة بأن العلم بالمجهول بعد انعقاده جهل لا (٢) يؤثر، ألا ترى أنه لو باع منه عبدًا غائبًا لم يوصف، ولم تتقدم مشاهدته، لفسد البيع، ولو قدم العبد وأحيط به علمًا بعد ذلك.
وأما ابن القصار، من أصحابنا، فسلك في الجواب طريقة أخرى، فقال: لا تمنع هذه الكفالة، لكن يقال للكفيل: بيّنْ لنا مقدار ما أردت بقولك: أتكفل
ببعض الدين. فيلزمه ما أقرّ به من ذلك.
وهذا أيضًا قد يقولون فيه: إن هذه الكفالة إنما انكشف مقدارها بعد وقوعها فعاد الأمر إلى الجواب الأول.
فإذا صح ذلك فإن رضي المتحمل به والمتحمل له ليس بشرط في صحة الكفالة، بل يجوز أن يقول الرجل: أنا حميل لك بمن يثبت لك عليه دين وينعقد لك عليه، ثم يكون المكفول له بالخيار بين أن يقبل ذلك منه أو لا يقبل.
وكذلك لو لم يرض المتحمل عنه بالحمالة فإن من حق المتحمل له أن يطالب الحميل بما التزم من ذلك، كما لو التزم لرجل أن يقضي له دينا على رجل آخر. وهكذا الظاهر من مذهبنا أنا لا نشترط في صحة الحمالة معرفة من
стр. 2895
يتحمل له: هل سهل في الاقتضاء أوصعب.
والثالث اشتراط المعرفة فيمن يتحمل له لأن المعاملة انحصرت بين الحميل وبينه ولا يشترط معرفة من تحمل عنه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
اعلم أن الحقوق المتحمل بها تتنوع أنواعها:
فمنها حمالة بحقوق تتعلق بالأبدان، وهي حقوق الله سبحانه، كالحد في الزني وشرب الخمر والقطع في السرقة، فهذا لا تجوز الحمالة به، إذ لا يجوز أن ينوب فيه أحد عن أحد، فيشرب رجل الخمر ويقوم الآخر بدلا عنه.
وكذلك في حقوق الخلق المعلقة بالأيدان، كرجل قتل رجلًا أو قطع يده عمدًا، فيقول آخر، اقتصوا مني بدلا منه.
ولو كانت الحدود التي هي من حقوق الله سبحانه إنما تثبت بالإقرار لكان التكفل بالطالب للمقر جائزًا على القول عندنا: إن للمقر الرجوع عن اقراره وإن لم يظهر له عذر، وعلى القول بأن هروبه كالرجوع عن الإقرار. واختلفت الرواية في حديث العامرية: هل كفل بها رسول الله ﷺ لما أقرت بالزنى وهي حامل حتى تضع حملها أو لم يكفل؟ وذلك جار على ما نبهنا عليه من هروب المقر ورجوعه عن اعترافه.
وأما الحقوق المالية فإنها أيضًا تنقسم على أقسام: فمنها حق واجب لازم استقر وجوبه ولزومه كأروش الجنايات وقيم المتلفات، وأثمان السلع بعد قبضها، وصداق الزوجة بعد الدخول بها، فلا خفاء بجواز الحمالة بها. وكذلك لو كانت عقودًا لازمة ولكنها قد يطرأ عليها ما يسقط اللزوم، كصداق الزوجة قبل الدخول بها، فإنها قد ترتدّ فيسقط جفيعه، أو تطلق فيسقط نصفه. وأثمان الاجارات قبل استيفاء المنافع، فإن الدار المكتراة قد تتهدم فيسقط الكراء والعبد المستأجر قد يموت فتبطل الإجارة، فهذا أيضًا قد تصح الحمالة به.
стр. 2896
ومنها ما ليس بعقد لازم كالجعالة على مذهب من رأى أن الجّعل لا يلزم بالعقد كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق ذلك عشرة دنانير، فإن هذا تصح الحمالة به أيضًا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم الحميلَ ما تحمل به وإن لم يأت به سقطت الحمالة. ولأصحاب الشافعي في هذا القسم قولان: أحدهما الجواز لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١)، فهذه كفالة بالجعالة.
والقول الآخر أن ذلك لا يجوز، لأن الثمن في الجعالة ليس بدين ثابت لإمكان الرجوع عن العقد على طريقة من ذهب لذلك، وإنما تصح الحمالة بما ثبت من الديون، ألا ترى أن الكتابة لا تصح الحمالة بها لما كانت ليست بدين ثابت على المكاتب، والحميل يحل محل المتحمل عنه، فإذا كان الدين ليس بثابت عدى الأصل فأحرى ألا يكون ثابتا على من هو فرع عنه وتبع له وهو الحميل.
وينفصل هؤلاء عما في هذه الآية -على القول بأنا متعبدون يشرع من كان قبلنا- بأن الحمالة ها هنا ليست مما يراد بها التزام المنادي بهذا الحق نيابة عن الملك، وإنما ورد هذا مورد التأكيد بأن الملك قال هذا الذي نادى به المنادي.
وقد خرج بعض الأشياخ قولًا بجواز الحمالة بالكتابة من قول أشهب فيمن قال لرجل: كاتب عبدك وعليّ مائة دينار. فإن هذا يجوز. فيتخرج من هذا جواز الحمالة بالكتابة لأن الحمالة بالكتابة عند من خرج هذا إنما منعت لأن المقصود من الحميل حصول العتق للمكاتب فإذا عجز ولم يحصل له العتق وجب بطلان الحمالة فبطلت من الأول.
وهذا التخريج قد يقال فيه: إن من كاتب عبده على أن أعطاه حميلا بالكتابة، فقد اعطاه حميلًا بدين قد لا يثبت، فلم يصح ذلك لما قدمناه.
وهاهنا في مسألة أشهب إنما دفع إليه مالًا على أن يستأنف الكتابة ويرفع حقه في بيع العبد.
стр. 2897
وهذا مما ينظر فيه لإشكاله.
والمعروف من مذهب الشافعي أن الحمالة بما لم يجب ممنوعة.
ومذهب مالك وأبي حنيفة جوازها ولزومها وقد أضاف أبو العباس ابن سُريج إلى الشافعي قولًا آخر بجوازها، من قول الشافعي بنفقة الزوجة مدة مقدرة جائزة.
وأنكر عليه هذا بعض حذاق أصحابه، وقال: قد اختلف قول الشافعي في نفقة الزوجة: هل تجب بالعقد ويستقر وجوبها بمضي الأزمنة أو إنما تجب يومًا فيومًا؟ فقوله: إن الحمالة بنفقة الزوجة مدة معلومة جائزة بناءٌ منه على أن النفقة وجبت بالعقد، لا على القول بأنها لم تجب حين الحمالة وإنما تجب فيما بعد.
وقد كنا قدمنا الكلام على الحمالة بالدرك عند استحقاق المبيعات وذكرنا جوازها عندنا وعند أبي حنيفة وفي المذهب المشهور عند الشافعية، وأن بعض أصحاب الشافعي خرج قولًا آخر: لكونه حمالة بما لم يجب، والحمالة بما لم يجب عندهم ممنوعة.
وأنكر عليه هذا من أصحابنا ابن القصار، وأشار إلى الإجماع على جواز ذلك وأن الناس في سائر الأمصار يكتبون ضمان الدرك في المبيعات ولم ينكر ذلك أحد.
وأشار في الرد عليه هو وأبو حامد إلى أن السلع المبيعة إن لم تستحق فلا ضمان، وإن استحق (١) فقد كشف الغيب باستحقاقها أن العمل (١) لم يضمن (١) وما وجب.
وأما ضمان ذلك الدرك فيما يحدثه المشتري من غرس أو بناء إذا وجب له
стр. 2898
الرجوع بذلك عند إلاستحقاق فإنه يجوز عندنا أيضًا وعند أبي حنيفة، لأنا وإياه لا نمنع ضمان المجهول ولا ضمان ما لم يجب.
والشافعي يمنع من ذلك ويرى أن الحمالة ساقطة لكونه في ضمانًا بأمر مجهول، وكونه ضمانا لما لم يجب، وضمان الأعيان لا يصح لأن العين لا تصير بعينها في الذمة. فلو أعاره ثوبًا لم تصح الحمالة بعينه لكونه إن هلك لم يقدر على رده بعينه. وأما ضمان قيمثه إن أتلفه المستعير فذلك عند الشافعية على قولين لأنه ضمان ما لم يجب بعد.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
المحجور عليهم على: نوعين:
أحدهما محجور عليه لحقّ نفسه، وهو الحر السفيه والثاني لحقّ غيره، وهو المريض والعبد والزوجة والمديان.
فأما المحجور عليه لحق نفسه، وهو الصغير الذي لم يبلغ أو البالغ السفيه، فإنما تصح الحمالة عنهم ويرجع عليهم بما أدّى الحميل إذا كان الدين الذي تحمل به الحميل عنهم مما يلزمهم، كاستدانة استدانها الصغير أو السفيه أنفقها في قوته وحفظ حياته، مما لو لم يفعل ذلك لباع القاضي عليه من ماله مثل الذي استدان، وكذلك ما استدان في إصلاح رباعه مما لو لم يفعل هو ذلك لفعله القاضي، فإن هذا تصح الحمالة به عنه. وإذا أدى الحميل ما تحمل به قضي بالرجوع على الموتى عليه.
وأما دين لا يلزم المولّى عليه وهو ساقط عنه بحكم الشرع، كمال استدانه لينفقه فيما لا يسوغ الإنفاق به، والحميل إنما تحمل عنه بشرط أن يكون له مرجع على المولّى عليه، فإن هذا الدين ساقط على المولى عليه، وعن الحميل لكون الحميل إنما تحمل بشرط أن يكون له مرجع، فإذا منعه الشرع من المرجع سقطت عنه الحمالة لعدم شرطها. وإن تحمل بما يعلم سقوطه عن المولى عليه
стр. 2899
لزمته الحمالة، وصار كواهب ماله بغير عوض لغير (١) له في ذلك.
وأمّا المحجور عليهم لحق غيرهم، فمن ذلك العبد: فإنه إن لم يكن مأذونا له في التجارة لم تصح منه الحمالة بغير إذن سيده. في ذلك قولان: منع ذلك ابن القاسم، وأجازه عبد الملك بن الماجشون، حكى ذلك عنه ابن المواز، وحكاه عنه إسماعيل القاضي في المبسوط. وذكر إسماعيل القاضي تعليله لذلك بأنه مصلحة للعبد واستئلاف لمن يعامله ويتحمل به كما يتحمل هو بغيره. وإن كان ذلك بإذن السيد صحت الحمالة بغير اختلاف في العبد القن المأذون له في التجارة. وهل تصح في المكاتب أم لا؟ فيه قولان: أحدهما الجواز، والآخر المنع. وهما مبنيان على تمكين العبد من فسخ كتابته مع قدرته على أدائها. فإن قلنا بتمكينه من ذلك صحت الحمالة منه إذا أذن له سيده، وإن قلنا بمنعه من تعجيز نفسه وفسخ كتابته فكانت حمالته قد تؤدي إلى رقه وعجزه لم ينفع في ذلك إذن سيده لأن سيده، وإن أسقط حقه بالإذن، فيبقى حق الله سبحانه في منع العبد من إرقاق نفسه مع قدرته على فكها من الرق. وأما إكراه سيده له في الحمالة وهو عبد قن لم يكاتبه، فإن ابن القاسم في المدونة منع سيده من اجباره على الحمالة. فإذا قال له سيده: تحمل لفلان عن فلان. فقال العبد: لا أفعل. فأشهد سحده أنه ألزمه هذه الحمالة، فذلك لا يلزمه عند ابن القاسم ويلزمه عند غيره. وقد أشار ابن القاسم إلى هذا الخلاف في المدونة لأنه لما قال: لا يجبره عقب ذلك بأن قال: وقد قال مالك، فيمن قال لعبده: أنت حرّ وعليك مائة دينار،: إن ذلك يلزم العبد. فأشار بهذا إلى مقتضى مذهب مالك أن له إجباره على الكفالة، وتعمير ذمته، وإن طلب به بعد عتقه، كما ألزمه تعمير ذمته إذ قال له: أنت حر وعليك مائة دينار. وأما إجباره لمكاتبه فلمس له ذلك إن كان يقتضي تعجيزه، وليس لسيده المكاتِب أن يعجز
стр. 2900
عبده عن إذا (١) نُجُومه، ولا له أن يفسخ كتابته. ولو تحمل العبد القن عن سيده فإن الغريم له مطالبة السيد بمالَه عليه من الديون،
(ويتبع عنده هذا الذي تحمل به في هذا الدين إذا لم يجد السيد بما لم يقضه منه) (٢)
وله أن يترك مطالبة السيد ويتبع العبد في ذمته عند ابن القاسم، وقال غيره: ليس له ذمة العبد إلا إذا لم يجد السيد ما يقضي منه دينه. فمن الأشياخ من رأى أن ابن القاسم إنما أجاب بهذا الجواب بناء على أحد قولي مالك في أن للغريم أن يتبع الحميل مع كون المتحمل عنه موسرأ. وإن كان اختيار (٣) من قولي مالك خلاف هذا فكأنه اختلف خياره، كما اختلفت (٤) قول مالك. ومنهم من رأى أنه لم يختلف اختياره كما اختلف قول مالك. ومنهم من رأى أنه لم يختلف اختياره وكأن هذه المسألة خارجة عما أصل. وإنما أراد أن السيد فُلسّ فلهذا مكن الغريم من اتباع العبد الحميل.
وأما ذات الزوج فإنها إن تحمّلت بمقدار ثلث مالها فأقلّ لم يكن للزوج منعها من ذلك. وإن كان بأكثر من ثلث مالها وتحملت بذلك عن رجل معسر فإن للزوج منعها من ذلك. وإن كانت تحملت بذلك عن رجل موسر ففيه قولان: هل تمكن من ذلك؛ لأنها إنما منعت لحق زوجها من إتلاف ما زاد على الثلث، وهاهنا لم تتلف من مالها شيئًا لكون من تحملت عنه موسرًا حاضر النقد ولا مضرة على الزوج في ذلك.
وإن لم تكن ذات زوج، وهي رشيدة، جازت كفالتها.
стр. 2901
وإن كانت ذات زوج وتحملت بزوجها (١) أو تحملت له صح ذلك، لأن المنع من إتلاف ما زاد على الثلث لحق زوجها، فإذا أذن لها في ذلك بأن تحملت له أوتحملت عنه لصحت الحمالة (٢).
فلو ادعت أنه أكرمها على ذلك، وأجبرها على أن تحملت له أو تحملت عنه، فإنها لا يقبل ذلك منها إلا بإثبات.
وفرق أشهب بين حمالتها به أو حمالتها (٣) فقال في حمالتها به مثل ما قال ابن القاسم: إن ذلك لا يقبل منها إلا أن يثبت ذلك ببينة، أو يكون التحمك له عالمًا بأن زوجها أكرهها على أن تتحمل به، فتسقط الحمالة. وإن انكر المتحمل له أن يكون عالمًا بذلك فإنه يلزمه اليمين إذا كان ممن يظن به العلم بذلك كالجار والقريب في النسب. وأما إن زعمت أنه أكرهها على أن تتحمل له، فإنه إن عرف بالإساءة إليها وقهرها فالقول قولها، وكأنه رأى أن هذه قرينة حال تشهد بصدقها، فكان القول قولها.
وإن تحملت البكر التي لا يولي (٤) عليها باب ولا وصي لجرت حمالتها على القولين في أفعال السفيه الهمل هل تمضى أو ترد؟ على مابسطناه في كتاب الحجر.
ولو بلغت التعنيس، وهي بكر في بيت أبيها، وأونس رشدها، فتكفلت، فاختلف قول مالك في ذلك: فألزمها الكفالة مرة، ومنعها أخرى، ومرة صرف ذلك إلى ما يقوله الأب من إمضاء أو ردّ لكونه أخبرُ بحالها وباطن أمرها.
وأما كفالة المريض فإنها في ثلثه، لأن الكفالة كالهبة لمنافع مال يؤديه عن رجل ثم يرجع عليه بعد حين.
стр. 2902
ولو تكفل في مرضه ثم صحّ لزمته الكفالة.
ولو مرض بعد صحته ومات لأخذ من رأس ماله. فإن قيل هلا سقطت إذا مات بعد صحته لأنها كهبة لم تقبض حتى مات الواهب؟ قيل: في هذا اختلاف في المذهب.
فإن قيل: إن عدم الحوز فيها كعدم الحوز في الهبات. وقيل (١): هذه بخلاف الهبات، لأن الهبة لم يتعلق بها حق سوى حق الموهوب له، وأما الحمالة فهي هبة لمن عليه الدين بأن يقضى عنه دينه ثم يرجع به عليه إذا أيسر، ولكن تعلق بهذه الهبة حق لغير الموهوب له وهو المتحمل له المستحق للدين، وهو ليس بالموهوب له، فصارت الهبة ها هنا كالمقبوضة لزوال يد الموهوب له عنها وحلول غيره محله، فصار هذا كالحوالة، والحوالة ها هنا كالقبض من الموهوب له، فلهذا أمضاها. وقد اختلف فيمن وهب سلعة لرجل فلم يقبضها الموهوب له حتى باعها من رجل آخر، ثم مات الواهب وهي في يديه، فقيل ببطلان الهبة لعدم الحوز، وقيل بإمضائها لتعلق حق المشتري بها، والمشتري ليس بموهوب له وإنما يستحقها عن معاوضة، وعقود المعاوضة لا تفتقر إلى حيازة.
على هذا يحيل الأمر في مسألة المدونة (٢) في القائل لرجل: ما ناب لك على فلان فأنا حميل به، فمات الحميل قبل أن يقضى بالدين على المتحمل به فإن ذلك يؤخذ من تركته إذا قضي به، على الخلاف الذي ذكرناه ونبهنا عليه، وكأنّ الحميل يحل محل الغريم والدين الذي على الغريم ثابت في ذمته والحميل قد حل محله، فيتوجه ذلك في ذمته.
وأما حمالة من أحاط الدين بماله فالحكم، كما بين، أن لغرمائه أن يردوا
стр. 2903
ذلك؛ لأنها هبة لما في يديه، وقد استحقوه عليه، وليس لمن أحاط الدين بماله أن يهب، على ما بيناه في كتاب التفليس، وذكرنا ما قيك فيه من تخريج خلاف.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
قد ذكرنا في السؤال الذي أمليناه ها هنا، وهو ما تصح الحمالة به، أن الحمالة لا تصح بالحدود التي هي حق لله سبحانه، إذ لا يجوز أن يحد رجل لرجل آخر، ولو أوصى بذلك، وكذلك الحقوق البدنية التي للخلق كالقصاص، فإنه لا يجوز أيضًا التحمل بها على أن يقطع أو يقتل رجل بدل ما يوجَب على آخر بالقصاص في النفس أو قطع اليد. إلى غير ذلك مما اشتمل عليه ذلك الفعل. واقتضى الترتيب أن نملي هناك ما نمليه هنا من الكلام في الحمالة بالوجه.
فاعلم أن المحتمل به إما أن يكون ببدن الإنسان المطلوب مال أحال عليه. فإن كان التحمل ببدن الإنسان ولم يشترط ما عليه من المال، فإن هذه الحمالة اختلف الناس فيها، على ما نقله بعضهم، وذلك أنه لم يختلف عن مالك وأصحابه ولا عن أبي حنيفه وأصحايه، في جواز الحمالة بوجه من عليه دين. وبذلك قال جمهور العلماء فمنهم شريح والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وغيرهم، حتى أن بعض أصحابنا البغداديين وبعض أصحاب الشافعي يشيرون إلى إجماع السلف على جواز ذلك.
وإنما وقع النزاع، في إثبات الخلاف في هذه المسألة وارتفاع الخلاف فيها، في لفظة وقعت للشافعي فاختلف أصحابه في تأويلها، وذلك أن ابن القصار، من أصحابنا، يقول: إن الشافعي قال بالجواز، وقال بالمنع، وكيار أصحابه ينكرون إضافة المنع إليه، ويرون أنه موافق لمذهب الجماعة، وإلى هذا أشار أبو حامد الاسفرايني، فذكر أن المعروف عنه في كتبه جواز الحمالة بالوجه. ونقل ذلك عنه من كلامه في الإقرار، والمواهب، وفي اختلاف
стр. 2904
العراقيين، وفي الظاهر من قوله اللعان. ونقل عنه، في كتاب الدعوى والبينات، أنه قال: إذا ادعى رحل على رجل أنه تحمل له ببدن رجل فأنكر المدعى عليه، فإنه يحلف، فإن نكل حلف المدعي قال: الحمالة بالوجه عندي ضعيفة. فحمل هذه اللفظة المزني وأبو إسحاق من أصحابه على أن مراده المنع بجواز الحمالة بالبدن. وأنكر ذلك غيرهما من أصحابه، وتأول قوله: إنها ضعيف، من جهة القياس لامن جهة الآثار.
وتأويل هؤلاء عندي محتمل لما قال، بل ربما كان أظهرَ في سياق كلامه. وبعض أصحابنا الناصرين لما عليه الجمهور يشير إلى أنه إجماع السلف، كما قدمناه وأن الناس في سائر الأعصار يشترطون ذلك، ويكتبون ويشهدون فيه، ولم ينكره أحد من الحكام ولا غيرهم ويؤكدون هذا بما روي أن عبد الله بن عمر طلب علي بن أبي طالب، ﵄، بمال له عليه فتكفلت به أم كللثوم ابنة علي بن أبي طالب ﵁، وهي زوجة عمر بن الخطاب ﵁، ولم ينكر ذلك عبد الله بن عمر الطالب وعليّ المطلوب ولا غيرهما.
وبذلك ما روي أن رجلًا من بمسجد عبد الله بن النواحة، فسمعه يقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فإنه سمعه ووقف حتى سمع أصحابه يصرحون بذلك، فأتى ابن مسعود فأخبره بذلك، فاستدعاهم فأقر عبد الله بن النواحة، فقال له ابن مسعود: وأين القرآن الذي كنت تقرؤه؟! كنت (١) أمنع نفسي به منكم فضرب عنقه، واستشار في أصحابه، فأشير عليه بأن يستتابوا، وتكفل به (٢) عشائرهم فاستتابهم فتابوا، وكفل به (٢) عشائرهم، فقال ذلك إنه مذهب مشهور.
وأجيب عن هذا بأن محل كفالة أم كثلوم بأبيها علي بن أبي طالب ﵁ إنما كانت بالمال، وهو ظاهر اللفظ لأنه قال: فطلبه بمالي أَنْ كان له
стр. 2905
عليه، فتكفلت به أم كلثوم. فهذا الضمير في قوله به يعود على أقرب المذكورين وهو المال، والكفالة بالمال لا ينكرها أحد.
وأجيب عن حديث ابن مسعود بأن المرتد إذا استتيب لم يلزمه أن يأتي بمن يتكفل به، هذا لا يؤخذ بظاهره باتفاق.
ابن القصار، من أصحابنا إلى أن مدافعة هذا الانفصال بأنهم كانوا متهمين بأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الاستتابة فكفل بهم عشائرهم ليرفعوا خبرهم إليه، ويمنعوهم من الرجوع إلى الكفر، فصارت الكفالة ها هنا لها مدخل في الإفادة.
وتعلق من أجاز ذلك بقوله في خبره عن أخذه يوسف ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) ويقولون خبرًا عن أبيهم يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٢) فهذه كفالة بالوجه.
واجيب عن هذا أيضًا بأن شرع يوسف كان الشرع فيه استرقاق السارق، وبهذا جعل الصواع في رحل أخيه ليستبيح بذلك منعهم منه، وهذا منسوخ في شرعنا، على أن الاسترقاق ليس بكفالة ولا بقول أخوته "خذ أحدنا مكانه" كفالة به. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ (٣) ليس بصريح في الجواز للكفالة بالوجه، وإنما هي معاقدة ومعاهدة عاهدهم أبوهم على أن يعيدوا إليه ولده. هذا، وذلك ليس بكفالة.
واستدلوا أيضًا على جواز الكفالة بالوجه: بأن الكفالة بالمال أجيزت لما فيها من المصلحة والرفق والإحسان إلى المتكفل له بأن يستوثق من حقه بضمان
стр. 2906
هذا الكفيل، وإحسان أيضًا بالمتكفل عنه بأنه يطلق سراحه من الاعتقال والتضييق عليه، وهذا المعنى موجود في الكفالة بالوجه، فوجب أن تجوز لأن الغرض بها تحصيل المال الذي على المطلوب. فصار المقصود بها سببا لجوازها لكون الحمالة لم يختلف في جوازها.
واحتج المانعون لها بأن ضمان الأعيان ودخولها في الذمم لا يصح كما لا يصح السلم في عين مرئيّة تكون في الذمة؛ لأن معنى الذمة ها هنا استحقاق المطالبة مادامت الذمة موجودة، والعين المضمونة إن بقيت فلا فائدة في ضمانها، وإن هلكت فلا يقدر أحد من الخلق على إعادتها بعينها، فصار ضامنها (١) في الذمة في معنى المستحيل. فكذلك الكفالة ببدن الإنسان لا تصح لكونها عينًا مشاهدة. ولا يصح دخولها في الذمة، وكل مالًا يصح ضمانه حالي تلفه فإنه لا يصح ضمانه حال بقائه. أصله الوديعة لأن الإنسان لا يضمن الوديعة التي أودعت عنده إن تلفت ولا يضمنها حالي بقائها.
وعكسه الغصب يضمنه إن تلف وإن كان باقيا في يده.
واجيب عن هذا بأن الوديعة وإن كانت عينا قائمة فإنه مخاطب بردّها إلى صاحبها، ووداها (٢) إليه فعل إلزامه (٣) إياهْ قبوله للوديعة. فكذلك لا يمنع أن يتعلق بضمان الوجه حكم وهو إحضار المكفول له يستوي (٤) حقه منه.
وقد قيل في هذا أيضًا: لا نسلم أن الرد واجب، إذ لو كان عبدًا فأبق ما لزم المودعَ طلبُه. ولو كان شيئًا ثقيلًا مالزم المودعَ حملُه إلى ربّه، وإنما يلزمه رفع يده عن الوديعة، وتمكين صاحبها منها، وذلك ليس بفعل يفعله في العين المودعة.
стр. 2907
وبالجملة فإن اعتمادهم ينحصر إلى أن الحمالة بالوجه لا فائدة فيها. وكل ذلك منهم بناء على أصلهم؛ لأن المشهور من مذاهب الشافعية أن المتحمَّل بوجهه إذا مات أو غاب حيث لا يعرف مكانه فإن الحميل بوجهه لا غرامة عليه، ولا يقضى عليه بالحق الذي كان في ذمة المتحمل بوجهه.
وانفرد أبو العباس بن سُريج من أصحاب الشافعي فقال: تلزم حميلَ الوجه غرامةُ المال إذا (١) المتحمل بوجههْ أو مات. ومذهبنا نحن أنه إذا غاب توجه الطلب على حميل الوجه بالمال، على ما نفصله فيما بعد.
وانفرد أيضًا من أصحابنا محمَّد بن عبد الحكم يرى ما رأته الشافعية من أن الحميل بالوجه لا يُطلب بالمال إذا غاب المتحمَّل بوجهه. وهذا لأن غيبة المتحمل بوجهه، حيث لا يعرف مكانه، لا يدخل تحت قدرة الحميلَ إحضاره ولا يتمكن هذا منه، والحمالة إنما تكون بما يمكن، والمال ليس هو المتحمَّلَ به ولا دَخَل تحت قوله: أنا حميل بوجهه، لا تصريحا ولا توليجا (٢) فلا يلزم الضامنَ خلافُ ما اقتضاه لفظه.
وكأن محمَّد بن عبد الحكم (٣) روى ها هنا مع ما رواه ابن الجهم عن مالك كطرفي نقيض، لأن ابن الجهم روى عن مالك أن الحميل بالوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وهو فقير، فإنه لا يبرأ من غرامة المال، وإنما يبرأ بإحضار الغريم، إذا أحضره موسرًا، حتى يمكّن المتحمَّل له من أخذ حقه منه، والفقير لا يتمكن من أخذ الحق منه فإحضاوه فقيرًا كغيبته.
والذي ذكرناه من الاختلاف في صحة الحمالة، ومن إلاختلاف في إغرام الحميل بالوجه المال إذا غاب المتحمَّل بوجهه إنما ذلك إذا اطلق لفظ الحمالة بالوجه ولم يقيد ذلك بما يُبْرِئُه من المال، مثل قوله: أنا حميل بوجه غريمك،
стр. 2908
وليس عليَّ مما عليه من المال شيء. أو يقول: لا أضمن لك شيئًا سوى وجهه.
فإن هذا القول أيضًا يقتضي أنه لا يضمن إلا الوجه الذي استثناه يعد أن زعم نفي الضمان لكل شيء سوى ما استثناه.
ولو وقع اللفظ مطلقا فيه احتمال، مثل أن يقول: أنا حميل لك، وضمين لك بفلان. فهل يحمل على حمالة الوجه أو على حمالة المال؟ فاختلف المتأخرون في هذا:
فذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل على حمالة الوجه لكونها أقل الأمرين وأدنى المتحمَّلين والأصل براءة الذمة، فلا تعمر بأمر محتمل (١) وهو اختيار أشياخي. وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل ذلك على حمالة المال، لقول النبي ﷺ "الزعيم غارم" فأطلق الزعامة بمطلق الزعامة، وهي الضمانة، فاقتضى ذلك عنده حمل اللفظ على حمالة المال.
وهذا الاستدلال منه غير واضح، لأنه إنما قصد بالحديث بيان حكم وجوب المطالبة للكفيل بما ضمنه، ولم يقصد به بيان إطلاق هذه اللفظة التي هي الضمانة على ماذا تُحْمَل. على أن الغرامة إنما تكون في المال لا في الأبدان، إذ البدن لا يصح أن يُغرَم، فكأنه، قال: والزعيم غارم لما ضمن.
والضمانة التي تتصور فيها الغرامة إنما تكون في المال.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إذا علمت إن المشهور من المذهب أن الحميل يغرم المال إذا غاب المتحمل به، وأن المشهور عند الشافعي أن لا يغرم مالًا إذا غاب أو مات.
وخالف في هذا رجل واحد عندهم وهو ابن سُريج كما خالف المشهور عندنا في غيبة المتحمل بوجهه ابن عبد الحكم فقال. لا يطالب الحميل بغرامة مال كما فرضناه. فإنّ حدثَ الموت بالمتحمل بوجهه لا يخلو إما أن يكون
стр. 2909
مات بالبلد، أو مات بعد أن غاب عن البلد.
فإن كان مات وهو بالبلد فالمعروف من المذهب أن الحمالة ساقطة، بخلاف لو تغيب عن البلد، أو تغيب في البلد فإن الغرامة لازمة. وذلك لأنه مع التغبيب يمكن احضاره، والتغيب مما يكتسب ويكتسب التحفظ منه، فإنما أخذ الحميل بالوجه ليتحفّظ بمن تحفل بوجهه حتى لا يغيب، فإذا غاب توجهت الغرامة، لأنا إنما أجزنا الحمالة لما تؤدي إليه من الغرامة، وأن القصد بها تحصين ما في الذمة من الدين.
والموت لا يمكن اكتسابه ولا التحفظ منه.
فلهذا لم يضمن الحميل لموت المتحمَّل بوجهه لعدم القدرة البشرية على دفع الموت (١) من فرغ عمره.
ولو وقع الموت بعد أن تغيب المتحمل بوجهه فإن المذهب على قولين:
أحدهما: هذه الحمالة سقطت بالموت، كما تسقط بالموت لو كان المتحمل به في البلد. وإليه ذهب أشهب.
والقول الثاني: إن هذا الموت بغير البلد لا يُسقط هذه الكفالة. وإليه ذهب ابن القاسم.
فكأن من أسقط الحمالة بالموت في الغيبة رأى أن الموت لما وقع قبل مطالبته الحميل (٢) تحمل به، صار ذلك كموت المتحمل به بالبلد، لكون الكفيل مغلوبا في الحالين على إحضار من تكفل بوجهه سواء مات بالبلد أو غائبًا عنه.
ومن ذهب إلى المطالبة بهذه الحمالة رأى أن مجرد الغيبة أوجبت غرامة الكفيل، بحصول التعدي بها، لكون الغيبة توجب الغرامة في المشهور عندنا.
فموت الشخص بعد وجوب سبب يوجب الغرامة وهو الغيبة، لا يرفع عنه الحكم.
стр. 2910
هذا إذا كان قد غاب المتحمل بوجهه وقد حلّ أجل الدين.
فأمّا إن كان لم يحلّ، فعلى أصل أشهب الذي ذكرناه، تسقط الكفالة.
وأما ابن القاسم فإنه اعتبر موت المتحمل بوجهه: هل وقع في زمن يتّسع أن يمضي الكفيل ليأتي به، فتسقط الكفالة حينئذ، لكون هذا الغائب مات قبل أن تتوجه عليه مطالبة بالدين، وكون الكفيل لم يفرّط ولا تعدى في أمره. وإن بقي من أجَل الدين مالًا يُحصّل أن يذهب الكفيل إليه، فيأتي به، لزمت الكفيلَ الغرامةُ.
قال ابن القاسم وإن قلت لكم غير هذا فاطرحوه.
وروي عنه أنه قال: إنما تعتبر في هذا مسافة قدوم الغريم بنفسه، من غير أن يضاف إلى هذا مسافة للخروج ليؤتَى به.
وكأنه قرر في اعتباره مسافةَ السير والرجوعَ كون الغريم قاصدًا المنع من الحق حتى يُنفَذَ إليه فيؤتى به لأخذ الحق منه.
واعتبر في القول الآخر أنه يُحمَل على الوفاء، و (١) التنصل من الحق، فأتى بنفسه من غير أن يُستدعَى خَوْفًا ميت إثمه بالمطل.
وإذا تقدم حكم الموت والغيبة، وأن على الكفيل المطالبة لإحضاره: فهل يتُلَوَّم له ليحضره أم لا؟ وقد غاب المتحمل بوجهه.
أما ابن وهب فإنه ذكر أنه يطالب بالغرامة ورأه أن ذلك جارٍ مجرى الحمالة بالمال، فإن الحميل ليس من حقه أن يؤخّر ليحضر الغريم فكذلك الحمالة بالوجه.
وبعض أشياخي يحمل قول ابن وهب، هذا، على أنه خلاف المشهور من المذهب في تمكين الحميل من طلب الغريم الذي تحمل بوجهه والتزم له في ذلك.