هذا الكفيل، وإحسان أيضًا بالمتكفل عنه بأنه يطلق سراحه من الاعتقال والتضييق عليه، وهذا المعنى موجود في الكفالة بالوجه، فوجب أن تجوز لأن الغرض بها تحصيل المال الذي على المطلوب. فصار المقصود بها سببا لجوازها لكون الحمالة لم يختلف في جوازها.
واحتج المانعون لها بأن ضمان الأعيان ودخولها في الذمم لا يصح كما لا يصح السلم في عين مرئيّة تكون في الذمة؛ لأن معنى الذمة ها هنا استحقاق المطالبة مادامت الذمة موجودة، والعين المضمونة إن بقيت فلا فائدة في ضمانها، وإن هلكت فلا يقدر أحد من الخلق على إعادتها بعينها، فصار ضامنها (١) في الذمة في معنى المستحيل. فكذلك الكفالة ببدن الإنسان لا تصح لكونها عينًا مشاهدة. ولا يصح دخولها في الذمة، وكل مالًا يصح ضمانه حالي تلفه فإنه لا يصح ضمانه حال بقائه. أصله الوديعة لأن الإنسان لا يضمن الوديعة التي أودعت عنده إن تلفت ولا يضمنها حالي بقائها.
وعكسه الغصب يضمنه إن تلف وإن كان باقيا في يده.
واجيب عن هذا بأن الوديعة وإن كانت عينا قائمة فإنه مخاطب بردّها إلى صاحبها، ووداها (٢) إليه فعل إلزامه (٣) إياهْ قبوله للوديعة. فكذلك لا يمنع أن يتعلق بضمان الوجه حكم وهو إحضار المكفول له يستوي (٤) حقه منه.
وقد قيل في هذا أيضًا: لا نسلم أن الرد واجب، إذ لو كان عبدًا فأبق ما لزم المودعَ طلبُه. ولو كان شيئًا ثقيلًا مالزم المودعَ حملُه إلى ربّه، وإنما يلزمه رفع يده عن الوديعة، وتمكين صاحبها منها، وذلك ليس بفعل يفعله في العين المودعة.
стр. 2907
وبالجملة فإن اعتمادهم ينحصر إلى أن الحمالة بالوجه لا فائدة فيها. وكل ذلك منهم بناء على أصلهم؛ لأن المشهور من مذاهب الشافعية أن المتحمَّل بوجهه إذا مات أو غاب حيث لا يعرف مكانه فإن الحميل بوجهه لا غرامة عليه، ولا يقضى عليه بالحق الذي كان في ذمة المتحمل بوجهه.
وانفرد أبو العباس بن سُريج من أصحاب الشافعي فقال: تلزم حميلَ الوجه غرامةُ المال إذا (١) المتحمل بوجههْ أو مات. ومذهبنا نحن أنه إذا غاب توجه الطلب على حميل الوجه بالمال، على ما نفصله فيما بعد.
وانفرد أيضًا من أصحابنا محمَّد بن عبد الحكم يرى ما رأته الشافعية من أن الحميل بالوجه لا يُطلب بالمال إذا غاب المتحمَّل بوجهه. وهذا لأن غيبة المتحمل بوجهه، حيث لا يعرف مكانه، لا يدخل تحت قدرة الحميلَ إحضاره ولا يتمكن هذا منه، والحمالة إنما تكون بما يمكن، والمال ليس هو المتحمَّلَ به ولا دَخَل تحت قوله: أنا حميل بوجهه، لا تصريحا ولا توليجا (٢) فلا يلزم الضامنَ خلافُ ما اقتضاه لفظه.
وكأن محمَّد بن عبد الحكم (٣) روى ها هنا مع ما رواه ابن الجهم عن مالك كطرفي نقيض، لأن ابن الجهم روى عن مالك أن الحميل بالوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وهو فقير، فإنه لا يبرأ من غرامة المال، وإنما يبرأ بإحضار الغريم، إذا أحضره موسرًا، حتى يمكّن المتحمَّل له من أخذ حقه منه، والفقير لا يتمكن من أخذ الحق منه فإحضاوه فقيرًا كغيبته.
والذي ذكرناه من الاختلاف في صحة الحمالة، ومن إلاختلاف في إغرام الحميل بالوجه المال إذا غاب المتحمَّل بوجهه إنما ذلك إذا اطلق لفظ الحمالة بالوجه ولم يقيد ذلك بما يُبْرِئُه من المال، مثل قوله: أنا حميل بوجه غريمك،
стр. 2908
وليس عليَّ مما عليه من المال شيء. أو يقول: لا أضمن لك شيئًا سوى وجهه.
فإن هذا القول أيضًا يقتضي أنه لا يضمن إلا الوجه الذي استثناه يعد أن زعم نفي الضمان لكل شيء سوى ما استثناه.
ولو وقع اللفظ مطلقا فيه احتمال، مثل أن يقول: أنا حميل لك، وضمين لك بفلان. فهل يحمل على حمالة الوجه أو على حمالة المال؟ فاختلف المتأخرون في هذا:
فذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل على حمالة الوجه لكونها أقل الأمرين وأدنى المتحمَّلين والأصل براءة الذمة، فلا تعمر بأمر محتمل (١) وهو اختيار أشياخي. وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل ذلك على حمالة المال، لقول النبي ﷺ "الزعيم غارم" فأطلق الزعامة بمطلق الزعامة، وهي الضمانة، فاقتضى ذلك عنده حمل اللفظ على حمالة المال.
وهذا الاستدلال منه غير واضح، لأنه إنما قصد بالحديث بيان حكم وجوب المطالبة للكفيل بما ضمنه، ولم يقصد به بيان إطلاق هذه اللفظة التي هي الضمانة على ماذا تُحْمَل. على أن الغرامة إنما تكون في المال لا في الأبدان، إذ البدن لا يصح أن يُغرَم، فكأنه، قال: والزعيم غارم لما ضمن.
والضمانة التي تتصور فيها الغرامة إنما تكون في المال.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إذا علمت إن المشهور من المذهب أن الحميل يغرم المال إذا غاب المتحمل به، وأن المشهور عند الشافعي أن لا يغرم مالًا إذا غاب أو مات.
وخالف في هذا رجل واحد عندهم وهو ابن سُريج كما خالف المشهور عندنا في غيبة المتحمل بوجهه ابن عبد الحكم فقال. لا يطالب الحميل بغرامة مال كما فرضناه. فإنّ حدثَ الموت بالمتحمل بوجهه لا يخلو إما أن يكون
стр. 2909
مات بالبلد، أو مات بعد أن غاب عن البلد.
فإن كان مات وهو بالبلد فالمعروف من المذهب أن الحمالة ساقطة، بخلاف لو تغيب عن البلد، أو تغيب في البلد فإن الغرامة لازمة. وذلك لأنه مع التغبيب يمكن احضاره، والتغيب مما يكتسب ويكتسب التحفظ منه، فإنما أخذ الحميل بالوجه ليتحفّظ بمن تحفل بوجهه حتى لا يغيب، فإذا غاب توجهت الغرامة، لأنا إنما أجزنا الحمالة لما تؤدي إليه من الغرامة، وأن القصد بها تحصين ما في الذمة من الدين.
والموت لا يمكن اكتسابه ولا التحفظ منه.
فلهذا لم يضمن الحميل لموت المتحمَّل بوجهه لعدم القدرة البشرية على دفع الموت (١) من فرغ عمره.
ولو وقع الموت بعد أن تغيب المتحمل بوجهه فإن المذهب على قولين:
أحدهما: هذه الحمالة سقطت بالموت، كما تسقط بالموت لو كان المتحمل به في البلد. وإليه ذهب أشهب.
والقول الثاني: إن هذا الموت بغير البلد لا يُسقط هذه الكفالة. وإليه ذهب ابن القاسم.
فكأن من أسقط الحمالة بالموت في الغيبة رأى أن الموت لما وقع قبل مطالبته الحميل (٢) تحمل به، صار ذلك كموت المتحمل به بالبلد، لكون الكفيل مغلوبا في الحالين على إحضار من تكفل بوجهه سواء مات بالبلد أو غائبًا عنه.
ومن ذهب إلى المطالبة بهذه الحمالة رأى أن مجرد الغيبة أوجبت غرامة الكفيل، بحصول التعدي بها، لكون الغيبة توجب الغرامة في المشهور عندنا.
فموت الشخص بعد وجوب سبب يوجب الغرامة وهو الغيبة، لا يرفع عنه الحكم.
стр. 2910
هذا إذا كان قد غاب المتحمل بوجهه وقد حلّ أجل الدين.
فأمّا إن كان لم يحلّ، فعلى أصل أشهب الذي ذكرناه، تسقط الكفالة.
وأما ابن القاسم فإنه اعتبر موت المتحمل بوجهه: هل وقع في زمن يتّسع أن يمضي الكفيل ليأتي به، فتسقط الكفالة حينئذ، لكون هذا الغائب مات قبل أن تتوجه عليه مطالبة بالدين، وكون الكفيل لم يفرّط ولا تعدى في أمره. وإن بقي من أجَل الدين مالًا يُحصّل أن يذهب الكفيل إليه، فيأتي به، لزمت الكفيلَ الغرامةُ.
قال ابن القاسم وإن قلت لكم غير هذا فاطرحوه.
وروي عنه أنه قال: إنما تعتبر في هذا مسافة قدوم الغريم بنفسه، من غير أن يضاف إلى هذا مسافة للخروج ليؤتَى به.
وكأنه قرر في اعتباره مسافةَ السير والرجوعَ كون الغريم قاصدًا المنع من الحق حتى يُنفَذَ إليه فيؤتى به لأخذ الحق منه.
واعتبر في القول الآخر أنه يُحمَل على الوفاء، و (١) التنصل من الحق، فأتى بنفسه من غير أن يُستدعَى خَوْفًا ميت إثمه بالمطل.
وإذا تقدم حكم الموت والغيبة، وأن على الكفيل المطالبة لإحضاره: فهل يتُلَوَّم له ليحضره أم لا؟ وقد غاب المتحمل بوجهه.
أما ابن وهب فإنه ذكر أنه يطالب بالغرامة ورأه أن ذلك جارٍ مجرى الحمالة بالمال، فإن الحميل ليس من حقه أن يؤخّر ليحضر الغريم فكذلك الحمالة بالوجه.
وبعض أشياخي يحمل قول ابن وهب، هذا، على أنه خلاف المشهور من المذهب في تمكين الحميل من طلب الغريم الذي تحمل بوجهه والتزم له في ذلك.
стр. 2911
وبعضهم يحمله على أن مراده أنه لا يمكن من التلوّم الذي يضرّ. ورأى أن كلامه محتمل لهذا المعنى. ويشير إلى ارتفاع الخلاف في التلوم.
وإذا قلنا بالتلوم، وهو المشهور من المذهب، وقد غاب غيبة قريبة، ومقدار التلوم قيل فيه: اليومُ، ونحوه وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة أيام.
واختار بعض الأشياخ: يوم واحد، لأنه مقدار ما يتلوم في الحضور، وذلك ثلاثة أيام لكون الحميل يسافر فيأتي بالغريم مسافة يوم ويتأخر في طلبه يوم، ويأتي به في اليوم الثالث.
وإذا قيل: التلوم يومان اقتضى ذلك تأخيره خمسة أيام. يومان في السفر إليه ومثلها في القدوم به ويوم في طلبه.
والقول بثلاثة أيام أبعد، لأن ذلك يقتضي سبعة أيام.
والأصح عندي في هذا مراعاة الضرر، فيُنْفَى، عمن له الحقُّ، ضررُ التأخير الذي يضر به، وينفى عن الحميل ضرر الاستعجال الذي يضر به.
فإذا تقرر هذا وأن الحميل بالوجه يبرأ باحضار من تحمل بوجهه، معسرًا أحضره أو موسرًا، في المشهور من المذهب، وإن كان قد روى ابن الجهم عن مالك أنه لا يبرأ إلا باحضاره موسرًا، لأنه إذا أحضره معسرًا لم ينتفع من له الدين بإحضاره، فصار حضوره كتغيبه، فإنه لو غاب وتوجهت الغرامة بغيبته، فأراد الكفيل بوجهه أن يثبت فقره لتسقط الكفالة عنه، لكونه إذا ثبت فقره انكشف من ذلك أن غيبته لم تضر بمن له الدين، لأنه لو احضره ما أفاد حضوره. فإن هذا: مقتضى المذهب سقوط الكفالة بإثبات فقر المتحمل بوجهه إذا غاب. لكن إنما يتوجه الحكم بالتقرير مع اليمين بعد إقامة البينة لأنهم (١) لا يعلمون له مالًا. فإذا كان حاضرا وأثبت فقره وحلف سقطت الكفالة لاستيفاء شرائط الحكم بالفقر. وإذا أثبت الكفيل فقر الغريم وهو غائب بقي من تمام
стр. 2912
الحكم بالفقر يمينُه. واستحلافه مع غيبته يتعذر. فهذا قد يجري على قولين عندنا، لكون هذا اليمين يمينَ استظهار، لأجل التهمة بأنه أخفى مالًا، ويمين الاستظهار والتهم ليس من القوة ما للأيمان الواجبة عن الدعاوي المحققة.
واختار بعض أشياخي في هذا الاكتفاءَ بثبوت فقر الغريم في غيبته، وعدمُ استحلافه لا يثبت غرامة على الكفيل لأجل عدم اليمين، لما ذكرناه من كونها يمين استظهار. وهذا على المشهور. وأما على رواية ابن الجهم عن مالك: فلا شك في أن هذا الذي ثبّته الكفيل لا يسقط عنده (١) الكفالة، لأن ما رواه ابن الجهم أثبت فيه غرامة الكفيل بالوجه، ولو حضر الغريم وأثبت فقره وحلف على صحة فقره، فكيف بهذا الذي لم يحضر ولم يحلف.
واعلم أن الحمالة بالوجه تقتضي عندنا الزام الكفيل إحضار الغريم الذي تحمل بوجهه لوجاء بنفسه إلى من له الدين فقال له: ها أنا جئتك ومكنتك من نفسي وطلبي فأسقط الكفالة بوجهي عن الذي تكفل ذلك به. فإن ذلك لا يسقط الكفالة.
هكذا ذكر في المدونة وغيرها. لكن ابن المواز قال: إلا أن يكون الكفيل بالوجه قال للغريم: اذهب فسلم نفسك إلى من له الدين عليك. ففعل الغريم، فإن ذلك يسقط الكفالة إذا ثبت ذلك، ويكون حينئذ الغريم كوكيل للكفيل على تسليبم الغريم لمن له الدين. ونحن لا نشترط أن يُحضر الكفيل الغريمَ بنفسه، بل يجزيه أن يوكل من يحضره لربّ الدين.
ومذهب الشافعية سقوط الكفالة بتمكين الغريم من نفسه صاحبَ الدين لأن القصد بكفالة الوجه: لا يتغيب الغريم عن من له الدين إذا طلبه به. وهو ها هنا لم يتغيب، وحصل المقصود من الكفالة، فلا يلتفت إذا حضر المقصود، إلى من حصل ذلك به: هل بالكفيل أو بالغريم؟ وإلى هذا ذهب محمَّد بن عبد
стр. 2913
الحكم من أصحابنا، واختاره بعض أشياخي وزاد عن هذا أن يمكّن (١) من له الدين من طلب الغريم لكونه حاضرًا بين يديه وهو غير ممتنع عليه، يسقط الكفالة إذا ترك طلبه اختيارًا منه، وجرى ذلك مجرى تمكين الغريم من نفسه أو إتيان الكفيل به.
وهذا الذي قاله مما ينظر فيه، لإمكان أن يكون من له الدين إنما أعرض عن طلبه، ولم يجحف به، ثقة بأن الكفيل بوجهه يصونه عن التعب متى أراد طلبه، أو يمتنع الغريم من التغيب مراعاة لمن تكفل به، لئلا يسأله في الكفالة به فيفعل ذلك محسنا إليه فيسيء هو ويغيب حتى يغرم الكفيل. لكن لو انضم إلى ذلك قرائن أحوال تَعلم منها ان الطالب أسقط الكفالة عن الكفيل لأجل تمكّنه من الغريم لحسن هذا الذي ذهب إليه.
وإذا تقرر أن تمكّن من له الدين من الغريم لا يسقط الكفالة، فإن الكفيل لو أتى بالغريم الذي تكفل بوجهه، وسلمه إلى من له الدين بموضع لا تأخذه الأحكام فيه، فإن هذا التسليم لا يسقط الكفالة إذا كان الغريم قادرًا على الامتناع ممن له الدين بسلطان أو فتنة أو كونه في مفازة لا يجد من يحكم له عليه، وهذا لأن المقصود من الكفالة بالوجه تحصيل الغريم حتى يؤذن (٢) ما في ذمته.
فإذا كان تحصيله في حال يمتنع به من أراد (٣) الحق، فالمقصود بالكفالة غير حاصل، فلم تقصد (٤) مع عدم المقصود بها. فلو سلمه بموضع يتمكّن من الطلب ولكن لا تحضر بينة، فإن ابن المواز رأى أن الكفالة تسقط، وإنما يمتنع سقوطها إذا وقع تسليم الغرماء في حال يمتنع الغريم بنفسه من أداء الحق ويمكنه ذلك. وأما عدم البينة فإنه ليس ذلك منه ولا من سببه، فلهذا لم يتعين وجود البينة مع كون فقدها يمنع من التمكن من الغريم. وقال محمَّد بن عبد الحكم:
стр. 2914
إنما تسقط الكفالة إذا سلمه تسليمًا لا يمكن الامتناع منه كما لا يمكنه الامتناع وقت الحمالة.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا كالاختلاف (١) لما قاله ابيت المواز، وعلى هذا لو سلم الكفيل الغريم وهو محبوس في حبس القاضي، فإن هذا التسليم يسقط الكفالة، لكون المتكفَّل به يتمكن من طلبه وهو في الحبس، ويحاكمه عند القاضي الذي حبسه حتى يمكنه من حقّه، ويقضي بذلك على المحبوس. وإن وجب حبسه زاد في مقدار أمد الحبس لأجراء هذا الطلب الثاني بحسب ما يقتضيه الاجتهاد. لكن لو كان الحبس بغير حق ولا سبب فيه للغريم، بل حبسه سلطان تعدّيا عليه، ومُنع منه. فإن هذا يجري مجرى موته، وموته مسقط للكفالة، فكذلك إذا كان هذا الامتناع ليس من الغريم ولا سبب له فيه.
وقد ينظر إلى هذه الطريقة التي اختارها بعض الأشياخ ما قاله ابن المواز من التسليم بموضع لا بينة فيه على الغريم، فتسقط الكفالة لكون عدم التمكن من أخذ الحق لا سبب فيه للغريم، وإنما يبقى النظر في إشارة محمَّد بن عبد الحكم في الكلام الذي ذكرناه عنه: إنما تسقط الكفالة بتسليم لا يمكنه الامتناع إلا كما يمكنه وقت الحمالة. فهذا مما ينظر فيه. وقد يفارق الموت حبسَه تعديا؛ لأن الموت غادٍ ورائح ولا يُرجَى صاحب التمكن من الطلب في المستقبل، ولا هو المقصود بكفالة الوجه، والمحبوس ظلما يمكن تتاول الحق منه والإعذار إليه فيه، والمقصود بحمالة الوجه أن يكون سببا إلى تحصيل ما في الذمة، فهذا مما ينظر فيه.
ولو كانت الكفالة مؤجلة فأتى الكفيل بالغريم قبل الأجل لم تسقط الكفالة عنه، لكون من له الدين لم يستحق الطلب فلا يفيده احضار الغريم، وهو لا يستحق طلبه.
стр. 2915
ولو اشترط المتحمل له على حميل الوجه أن يحضر له غريمه يبلد سمّاه فأحضره بغيرها من البلاد مما تأخذ فيه الأحكام لا مضرة تلحق المتحمل له في أخذه هناك، فإن محمَّد بن عبد الحكم ذكر في كتاب. الكفالة من كتابه أن في المسألة قولين. وهذا عندي قد يلاحظ مسألة الشروط التي لا تفيد. وكذلك ذكر محمَّد بن عبد الحكم لو اشترط على الحميل إحضار الغريم ببلد تأخذه فيه الأحكام فخرب ذلك البلد، وصار مما لا تجري فيه الأحكام، فإن إحضار الغريم فيه قولان أيضًا: أحدهما أن (الغريم (١) لا يبرأ) لأنه وفّى بما اشترطه له عليه.
والثاني أنه لا يبرأ، لأن المقصود حين الاشتراط التمكن من أخذ الحق من الغريم. وإذا صار البلد المشترط لا تجري فيه الأحكام بطل المقصود بالحمالة فلم تسقط.
ولو اشترط الكفيل في الكفالة بالوجه: أنك إن لقيت غريمك سقطت الكفالة عني. فإن هذا الشرط يعتبر. فإذا لقيه سقطت الكفالة. لكن إذا كانت اللقيا بموضع يتمكن منه ومن طلبه. فأمّا إذا كان بموضع لا يتمكن من طلبه فهذه اللقيا لا تفيد، فأشبه ذلك إحضار الكفيل في موضع لا تأخذه فيه الأحكام كما تقدم بيانه، إذا أطلق الحمالة ولم يقيدها بموضع يحضو فيه الغريم، لكنه يتمكن فيه من الطلب فإنه تسقط الكفالة كما بيناه، ولو عدم البينة فيه كما حكيناه عن ابن المواز وعند أصحاب الشافعي إن الكفالة لا تسقط مع الإطلاق لذكرها (٢) إلا بأن يسلمها بالبلد الذي وقعت الحمالة فيه، قياسًا على السلم المطلقال في لا يقيد فيه القبض ببلد، فإن القبض يكون بالبلد الذي وقع فيه العقد.
وهذا القياس لا نسلمه لأن السلع تختلف لاختلاف البلاد في أسعارها
стр. 2916
وفيها اغراض للناس، ألا ترى أنه لو باع سلعة بدنانير إلى أجل فحلّ الأجل، والمتعاقدان في بلد آخر، فإنه يقضى بالدنانير لعدم اختلاف الاغراض فيها باختلاف البلاد، بخلاف غيرها (١) فيه اغراض باختلاف البلاد، وتسليم الكفيل بالوجه المكفول بوجهه يحصل الغرض فيه للمكفول له في سائر البلاد، ولا يبقى على "هذا إلاما قاله ابن المواز من سقوط الكفالة بموضع يسلم فيه الكفيل الغريم ولا بينه للطالب. وقد ذكرنا ما فيه.
ولو اشترط الكفيل ألاّ مطالبة عليه بالمال، وإنما عليه طلب الغريم والبحث عنهُ، فإن له شرطه، ولا يغرم مالا إن غاب الغريم، ويؤمر بطلبه، وإن لم يفعل واتهم فيه حتى يفعل. وإن طلب فلم يجد فلا غرامة عليه. ولو كان الغريم قد غاب إلى بلد قريب لكلف الكفيل طلبه فيه حتى يحضره وقد قيل: القريب ما كان على مسافة اليوم واليومين. وقد قيل: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلَّفه، وما يضعف عنه من السفر فلا يكلفه. وقيل: لا (٢) يكلف السفرَ، وإن كان أيامًا، إلَاّ ما كان بعداً متفاحشًا خارجا عن أسفار الناس المعتادة. ولو كان الكفيك يطلب عيب (٣) الغريم ولقيه فتركه حتى عاد (٤) ففرّط فيه، فإنه يغرم المال، وكأنه المقاصد بذلك إتلاف مال غيره بعد أن التزم صيانة (٥).
ولو زعم الكفيل لما أمر بالخروج في طلب الغريم إنه فعل لصدق في ذلك، إذا كان ذلك بعد مدة يمكن أن يخرج ويرجع. وبعض أشياخي كان يخرّج هذا على مسألة المدونة في الأجير المستأجَر على تبليغ كتاب إلى بلد آخر، فقال: بلّغت: هل يصدق في ذلك أم لا؟. في المدونة قولان. فكذلك تصديق الكفيل ها هنا في قوله: خرجت وعدت، يجري على القولين
стр. 2917
وهذا فيه نظر لكونه ها هنا يحاول بمجرد دعواه إثبات دين في ذمة أخرى، والديون لا تثبت في الذمم إلا ببينة، وهاهنا لا تثبت بدعواه دينا على آخر، وإنما يبرىء نفسه مما التزم من الطلب وهو مما لا يمكن فيه إقامة اليينة، فكأن الكفيل والمكفول له دخلا فيه على تصديق الكفيل. فهذا مما ينظر فيه.
وقد تكلمنا على موت المكفول بوجهه، وبيّنّا أن موته يسقط الكفالة. فلو كان الموت إنما حدث بكفيل الوجه، فإن المشهور من المذهب أن الحمالة لا تسقط عن حميل الوجه بموته، وكأنه إنما التزم حقا في ذمته، فلا يسقط بالموت. ورأى عبد الملك بن الماجشون أن موت الكفيل بالوجه يسقط الكفالة عنه، ولا يطالب بها ورثته بعده. وكأن ما التزم من الكفالة معلق بعينه كما علقت بعين المكفول به.
وإذا قلنا بأن الكفالة لا تسقط طُلِب ورثة الغريم، فإن لم يفعلوا تعلقت الغرامة بتركة الكفيل بالوجه، على حسب ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى في موت الكفيل بالمال.
وإذا تقرر أن موت الغريم يسقط مطالبة من تكفل بوجهه، لكونه مغلوبا على (١) احضاره بأمر لا قدرة له على دفعه عنه، وهو الموت، بخلاف التغيّب الذي يمكنه أن يتحفظ به حتى لا يغيب، فإن موت الكفيل بالوجه فيه قولان: هل تسقط الكفالة بموته فيطالب احضارَ الغريم و (٢) ورثتُه، ويؤخذ الدين من تركته، وهو المشهور؟ أو تسقط الكفالة كما حكيناه عن عبد الملك ابن الماجشون.
وأما موت الكفيل بالمال فإن الكفالة لا تسقط عنه بموته من غير خلاف، إذا كانت في أصل العقود. ولو كانت بعد العقد، فهل تبطل بالموت أو
стр. 2918
تجري مجرى الهبات؟ فيه قولان. وقد تقدم ذكر ذلك.
ولو كان الدين مؤجلًا فمات الحميل بالوجه، وقلنا بالمشهور إن موته لا يسقط الكفالة، فإن ورثته مطالبون بإحضار الغريم، فإن أحضروه سقطت الكفالة، كما لو أحضره الميت الذي تكفل به فمات، ورثوه.
لكن قال ابن المواز: إذا أحضره أحدُ الورثة برئت التركة من المطالبة، ولو كان الدين مؤجلًا.
وعارض هذا بعض الأشياخ المتأخرون، وقالوا: لا يحسن أن تسقط الكفالة المتوجهة في تركة الكفيل بالوجه إذا مات، بإحضار ورثة (١) الغريمَ قيل الأجل، لأن ذلك إحضار لا يفيد من له الدين، إذ لا يقدر على مطالبة الغريم الذي أتي به إليه قبل أن يحل الأجل.
ولعل ابن المواز رأى أن حكم هذه الحمالة المؤجلة حقت بموت الحميل كما يحلّ على الحميل المال الديُن المؤجلُ إذا مات الحميل به، وما ذلك إلا لما يلحق ورثته من الضرر في منعهم قسمة التركة.
وقد يتعلق بهذا حق المتحمّل له لإمكان أن يحل الأجل ويتغيب الغريم، فتتوجه الغرامة على الكفيل بوجهه وقد مات، فيكون الحكم أن يؤخذ من تركته ما ترك عليه من دين استحقه المتحمل له. ولا تصح قسمة ميراث ميّت قبل أن تقضى ديونه. وأما الديون المؤجلة فإنها تحل بموت الغريم من غير خلاف.
وهل تحل على الحميل بالمال بموته أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: اختار ابن القاسم أنها تحل كما تحل على الغريم بنفسه إذا مات.
ومذهب عبد الملك أنها توقف حتى يحل الأجل، فإن لم يوجد للغريم مال أخذ ما وُقف من تركة الحميل فدفع لمن له الدين.
стр. 2919
ومذهب ابن نافع أن تركة الحميل إذا كانت مأمونة واسعة، فإنها لا يؤخذ الدين منها معجلا ولا موقوفًا حتى يحل الأجل. وإن كانت غير مأمونة عجل الدين. فكأن القولَ بني على أحد قولي مالك في أن من له الدين غير إذا حل دينه، بين أن يطلب به الغريم أو الذي تحمل ما عليه. فيصير على هذا على هذا القول الحميلُ بالمال كالغريم نفسِه، فإذا اتفق على أن الغريم نفسَه إذا مات حل الدين المؤجل الذي عليه فكذلك الحميل، لأنه كغريم آخر. وعلى القول الثاني لمالك أنه لا يمكن من أخذ الدين من الحميل إلا إذا تعذر أخذه من الغريم (لأجل الدين) (١). ولكن يبقى النظر في وقفه إلى أجل، ومنع الورثة من التصرف في مقداره من التركة لحق من له الدين، إذ إبقاؤه مضرة على الورثة، وعلى من له الدين، لإمكان أن يضيع فيضير (٢) ضياعه الورثة ويضر من له الدين.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
أمّا تكثير الحملاء بالوجه أو بالمال فذلك جائز، لأن الغرض بالحمالة التوثق فأشبهت الرهبان، والبرهان يجوز أخذها وإن كثرت أنواعها. ولا فرق في هذا بين الحمالة بالمال أو الحمالة بالوجه.
ولو تكفل ثلاثة رجال بوجه رجل لصح ذلك وبرىء من الحمالة من أحضره منهم وحده، ولا يبرأ الحميلان الآخران حتى يحضره كل واحد منهما.
ولو انضاف إلى هذا أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة حميل بصاحبه لسقطت الكفالة عنهم أجمعين بإحضار واحد منهم الغريم، لأن كل واحد منهم لما تحمل بصاحبه صار كالوكيل له على احضار الغريم. وقد قررنا أن موت الغريم لا يسقط الحمالة بالمال ويسقط الحمالة لالوجه، وموت الحميل بالمال لا يسقط
стр. 2920
الحمالة، وموت الحميل بالوجه فيه قولان كما قدمنا.
ولو تحمل زيد لعمرو وتحمل يزيد و (١) بكر، وحمالة كل واحد منهما بالمال فإن موت عمرو لا تسقط الحمالة عن زيدل ولا عن بكر لما أصلنا. ولو تحملا بالوجه جميعًا فإن موت عمرو يُسقط الحمالة عن زيد، وإذا أُسقطت عن زيد سقطت عن بكر لأنه كالفرع عنه، وإذا سقط الأصل يسقط الفرع. ولو مات زيد لسقطت الحمالة عن تركته على مذهب عبد الملك ولم تسقط على المذهب الآخر، وإذا سقطت عن زيد بموته سقطت عن بكر لأن بكرًا حميل بوجه زيد، وموت المتحمَّل بوجهه يسقط. لكن لومات بكر لجرى سقوط الكفالة عنه وعن تركته على القولين المتقدمين في سقوط الكفالة عين الحميل بالوجه إذا مات.
ولو غاب عمرو لأُخذ زيد بالدين، ولو غاب زيد لأخذ بكر بما توجه على زيد من الغرامة.
ولو اختلفت طرق الحمالة من هذين الرجلين: فتحمل زيد بالوجه، وتحمل بكر عن زيد بالمال، فإن موت عمرو يسقط الحمالة عن زيد؛ لأنه حميل بالوجه وقد مات من تحمل بوجهه. وإذا سقطت عن زيد سقطت عن بكر لأنه كالفرع عن زيد.
ولو غاب عمرو لتوجهت الغرامة على زيد، فإن لم يوجد له شيء غرم عنه بكر الذي تحمل عنه بالمال. (ولو كان يمكن هذا) (٢) زيد تحمل بالمال وبكر تحمل بوجه زيد، فإن بكرا إذا أحضر زيدًا سقطت عنه الحمالة. ولو مات زيد لسقطت عنه الحمالة أيضًا. ولو مات بكر فإن الحمالة ثابتة بعد موته.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنه لما قال: هي ثابتة، ولم يقل تؤخذ من تركته بيمين لأنه لم تتوجه على من تحمل بوجهه غرامة.
стр. 2921
وأشار غيره من الأشياخ إلى أن ذلك جار على الخلاف في موت الحميل بالمال إذا كان الدين مؤجلًا هل. يحل بموته أم لا وإن كان لم يتوجه غرامة على من تحمل عنه بالمال؟
وكذلك يكون حكم بكر ها هنا يجري على القولين: هل يؤخذ من تركته، إذا مات، الدين، و. إن كان الدين لم يتوجه على زيد الذي تحمل بوجهه وهو حميل بالمال مطالب.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
قد قدمنا أن الحمالة بالمال لا تبرىء ذمة المتحمَّل عنه، بل يصير الدين متوجها في ذمتين: في ذمة الغريم وذمة الحميل. وذكرنا فيما سلف أن من الناس من ذهب إلى أن الحمالة بالمال تبرىء ذمة المتحمّل عنه وذلك كالحوالة: فإن حقيقة الحوالة أن يكون الدين في ذمة واحدة ثم ينتقل إلى ذمة المحال عليه وتبرأ الذمة الأولى وهي ذمة الغريم الذي عليه الدين. وذكرنا سبب الخلاف في هذه المسألة وأن جمهور العلماء على أن الحمالة لا تبرىء ذمة المتحمَّل عنه. ولكن اختلف هؤلاء في تمكين من له الدين من طلب الحميل بما تحمل به من (١) تمكنه من أخذ دينه من ذمة غريمه الذي عامله بأصل الدين، في الأكثر على أن من له الدين مخيّر بين أن يطالب بدينه الغريم أو الحميل، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وبه قال مالك في أحد قوليه. وله قول آخر أنه لا يمكن من له الدين من طلب الحميل مع إمكان أخذ دينه من غريمه.
والروايتان عنه مشهورتان في المدونة وغيرها.
واتفق الجميع على أن من له الدين إذا حيل بينه وبين أخذ حقه من الغريم لفقر حدث بالغريم، أو تغيّب، أو لَدَدٍ، أو امتناع لا يقدر معه على الانتصاف
стр. 2922
منه، فإن له أخذ الدين من الحميل.
وسبب الخلاف في تمكين من له الدين بطلب الحميل مع تمكنه من أخذه من الغريم قوله ﵇ "والزعيم غارم" (١) يعم سائر الأحوال: حالة كون الغريم حاضرًا موسرًا يتُمكن طلبُه بالدين، وبين كونه ممتنعا من أدائه. وهذا كالعموم في المعنى، وفيه اختلاف بين الأصوليين. فاقتضى هذا العموم تمكين من له الدين من طلب الحميل على أيّ حال كان الغريم. وكأن من ذهب إلى رفع التخيير بين طلب الحميل والغريم إذا أمكن أخذ الدين من كل واحد منهما رأى أن قوله في هذا الحديث "والزعيم غارم" فيه إشارة إلى أنه إنما يغرم ما قد صار في حيز التلف لكون الغريم فقيرًا أو ممتنعا فيصير الحميل غارمًا لما هو في حكم التالف. وكأن هؤلاء رأوا أن لفظة الغرامة تشعر يكون ما يؤدى عوضا عن ما هو في حكم الفائت التالف، وإنما يقال غرم زيد قيمة ثوب استهلكه، ولا يقال إذا اشتراه وأدى ثمنه غرم زيد ثمنه هذا المألوف في الاستعمال.
وهذا يقتضي ألا يتوجه على الحميل. مطالبة إلا عند فوت أخذ الحق من الغريم. ويرجح أصحاب هذه الطريقة مذهبهم بأن القصد بأخذ الحميل، التوثق في الدين، وكون الطالب للحميل إذا اشترطه في أصك المعاملة فإنما يفعل ذلك توثقا من مشتري سلعته، حذَرًا أن يفتقر أو يتغيب، فصارت الحمالة في معنى الرهبان، بل (٢) القصد من الرهبان التوثق من الغريم مخافة أن يفتقر أو يتغيب فيكون الرهن يقضى منه الدين. وقد اتفق على أنه لا يمكن الطالب من أخذ حقه من الرهن إلا عند تعذر استيفاء الدين من الراهن، فكذلك لا يمكن من له الدين من طلب الحميل إلا بعد تعذر استيفاء الدين من الغريم.
ومقتضى التحقيق عندي في هذا أن الحمالة التزام لم يلزم في أصل الشرع فلا يتجاوز فيه حدّ ما التزمه الملتزم وتطوع به. فلو صرح حين الالتزام بأن قال:
стр. 2923
إنما أتحمل عن فلان بما عليه من دين بشرط أن يطرأ عليه فقر، أو يحدث منه تغيب فإنه لا يختلف في أن من له الدين لا يمكن من طلب الحميل إلا عند حصول الشرط الذي علق الالتزام به. فإن اتفق هذا أوجب أن ينظر إلى قوله: أنا حميل عن زيد بما عليه من الدين: هل هو نص في الالتزام على أي حال كان الغريم فيقضى بمقتضى لفظه ويمكن المتحمل له من مطالبته مع إمكان أخذ دينه من غريمه أو يكون هذا اللفظ محتملا لكونه إنما أراد الالتزام بشرط أن يتعذر القضاء من الغريم حتى تكون الحمالة كالرهان فيقبل قوله إن ذلك مراده، وقصارى ما فيه أن يحلف على أن ذلك مراده، ولا تعمر ذمته بالشك والاحتمال.
ولو جرت عادة قوم في الحمالة أنها إنما تتوجه عند تعذر أخذ الحق من الغريم حتى صارت العادة كالقرينة الدالة على مراد المتكلم، لكان ذلك كما لو قيّد الحمالة نطقا بشرط فقر الغريم أو تغيبه. هذا حكم الكفالة المطلقة المقيدة بشرط تعذر الاستيفاء من الغريم.
وأما المقيدة بالتمكن من طلب الحميل مع إمكان استيفاء الحق عن الغريم، مثل أن يشترط من له الدين أن يبدّأ به بالطلب، وإن كان غويمه حاضرًا يمكن الاستيفاء منه، فإنه اختلف قول مالك ﵁ في هذا الشرط والتقييد: هل يؤثر ويقضَي به أو يكون مصرَّحًا لا تأثير له؟ فرآه مرة مؤثرًا يوجب القضاء به، ويمكّن من له الدين من طلب الحميل، وإن أمكن أخذ الحق من الغريم. ورآه مرة غير مؤثر، وقال: لا يمكّن من ذلك، واعتل لهذا القول بأن قال: أيُتبع ربع الحميل وعقاره والغريم حاضر موسر وهذا من الاضرار؟! وإنما يتصور الخلاف في هذا الشرط على القول بأن من له الدين لا يمكّن من طلب الحميل مع حضور الغريم وإمكان أخذ الحق منه، وأما إذا قلنا: إن الحمالة المطلقة يتوجه معها طلب الحميل، وإن كان الغريم يمكن الاستيفاء منه، فأحرى أن يقال بهذا مع التصريح في أصل الحمالة بأن من له الدين أن يبدأ
стр. 2924
بطلب الحميل. ومقتضى الفقه في هذه المسألة ردها إلى أحكام الشروط، وهي منوّعة أنواعها كثيرة، ذكرناها في كتاب البيوع، وذكرنا أن من اشترط شرطا مباحا ولكنه لا منفعة له فيه ولا غرض يعتمده العقلاء فإن المذهب على قولين: هل يقضى له بشرطه لأن عليه وقعت المعاملة، أوْ لا يقضى له به لكونه كاللّغْو من الكلام المطَّرح؟ وقد قال في المدونة فيمن أكرى داره على أنه لا يسكنها المكتري إلا بعدد معلوم فأراد المكتري الزيادة في العدد فإنه يمكّن من ذلك إذا لم يلحق صاحبَ الدار منه ضرر وهذا من النوع الذي نحن فيه. وإن شرط مالًا يفيد لم يقض به في هذه المسألة التي ذكرناها في الأكرية. ولو كان في شرط التبدئة بالحميل منفعة لمشترطه لكونه يتعب في اقتضاء الغريم لوجب الوفاء بشرطه.
وإنما يحسن الخلاف إذا شرط التبدئة بالحميل، وكان تناول الحق من الغريم ومن الحميل على حد سواء في ارتفاع المشقة وسهولة الطلب.
ولو كان اشتراط التبدئة بالحميل إنما وقع ذلك من الغريم بأن يقول مشتري السلعة لبائعها: أعطيك فلانا حميلا بالثمن على أن تعبدًا بطلبه. وكان المشتري (١) في هذا الاشتراط غرض، مثل أن يعلم أن الحميل إذا وزن (٢) عنه الثمن آخره عليه، ولم يقبضه فما وزن (٢) عنه إلا بعد حين، لكان ذلك أيضًا شرطا مفيدا يقضى به.
وأما لو كان دفع الحميل الثمن رجع به في الحال على المشتري، وكان دفع الثمن للبائع والحميل على حد سواء لا منفعة فيه لجرى ذلك أيضًا على القولين في شرط مالًا يفيد.
ومما ينخرط في هذا المسلك ما قدمناه في الحمالة، فإن محمدًا بن عبد الحكم ذكر في كتابه في الحميل بالوجه إذا اشترط عليه المتحمّل له بوجه غريمه
стр. 2925
أن يحضره له في بلد سماه، فأحضره له في بلد آخر يمكنه فيه الطلب كما يمكنه في البلد المشترط إحضار الغريم فيه، فذكر في المسألة قولين. وهذا أيضًا من شرط مالًا يفيد هل يوفى به أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة وما يلحق بها في أحكام الحمالة بالوجه.
وأصحاب الشافعي ذكروا هذه المسألة أيضًا وأشارو إلى أنه إذا أحضره ببلد آخر غير البلد المشترط، ولا مضرة على المتحمل في ذلك فإن الشرط ساقط، وذكروا قولين. و (١) لو اشترط حضوره في البلد الذي سماه بمكان فأحضره بموضع آخر منه. وهذا كله يؤكد ما حكيناه من الاختلاف في اشتراط مالًا يفيد: هل يقضى به أم لا؟ ومما يلحق: بالمسألة التي نحن فيها اختلاف الحميل ومن له الدينَ في كون الغريم فقيرًا حتى يتوجه الطلب على الحميل من غير خلاف، أو كونه مليئا حتى يجري وجه الطلب عليه على اختلاف قول مالك الذي ذكرناه في صدر هذه المسألة فيه قولان:
أحدهما: حمله على الغنى حتى ينكشف من حاله ما يدل على فقره، فيرتفع الخلاف في توجه الطلب على الحميل.
والقول الآخر: حمله على الفقر حتى يظهر ما يدل على ملائه.
وقد قدمنا في كتاب التفليس سبب هذا الاختلاف وأشرنا إلى أنا إن قلنا: إن الغالب في الناس الغنى، والفقر نادر، صار من ادعى الفقر ادعى خلاف الغالب فلا يقبل ذلك منه. وإنا إن قلنا: إن من اشترى سلعة ثم ادعى الفقر والعجز عن ثمنها لا يصدق. وعلة كونه لا يصدق أنه أخذ عوضا عما يُطلب به من الثمن، فيستصحب وجود ذلك في يديه حتى يظهر ما يدل على تلفه من يده، والحميل لم يأخذ عوضا فصدق في دعوى الفقر، كما ذكرناه هناك في تصديق الإنسان في أنه فقير "إذا طلب بالإنفاق على أبويه لما كانت هذه المطالبة لم
стр. 2926
يؤخذ عنها عوض. على أن الحمالة تشعر باعتراف الحميل بأنه قادر على قضاء ما تحمل به فيطالب بموجب اعترافه. وهذا بسطناه في كتاب التفليس.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
إذا تكفل رجل عن رجل بما وجب عليه من دين أو بما يوجَب في المستقبل، صحّتْ الكفالة، وإن لم يعلم الكفيل بمقدار ما تكفل به، كما قدمنا أن هذا مذهبنا فيه، وأن الشافعي لم يجز الكفالة بالمجهول.
لكن لا يخلو الوجوب من أن يثبت ببينة أو بإقرار المتكفّل عنه، إذا قال رجل: لي عند زيد مائة دينار، أو لي عليه دين. فقال عمرو: أنا كفيل بذلك. فإن ذلك يجب عليه على الجملة إن ثبت الدين. ولا يخلو ثبوته إما أن يكون ببينة تشهد به، أو بإقرار المدعَى عليه. فإذا جاء زيد فأنكر أن يكون عليه دين ولم تشهد عليه بينة به وحلف على بطلان دعوى المدعي لم يلزم الكفيل مطالبة، لأنه إنما ذكر أنه كفيل، والكفالة تسمية لمن ضمن دينا يؤديه ثم يرجع به على من أداه عنه بخلاف الحميل الذي مقتضاه أن يؤدي رجل عن رجل في دينًا على ألَّا يرجع به عليه.
فإذا كانت الحمالة (١) مقتضاها رجوع الحميل (١) بما أدى بخلاف الحميل، وأتى زيد فجحد أن يكون عليه هذا الدين، وحلف على ذلك، فقد برىء من المطالبة بإجماع، وإذا برىء منها لم يصح أن يرجع عليه الكفيل بما تحمل به. والحمالة تسمية لما لَه به مرجع كما قررنا. ولا يكون قول هذا: أنا حميل. تصديقا للمدعي فيما ادعاه، لما ذكرناه من كون الحمالة تسمية لما له به مرجع.
ولو نكل عن اليمين وردها على المدعي حلف المدعي وثبت الدين، ولزم الكفيلَ القيامُ به إذا كان المدعى عليه معسرًا، ثم يرجع به على المدعى عليه لأن
стр. 2927
ثبوت هذا الدين بنكول المدعى عليه ويمين المدعي كثبوته بالبينة.
وذكر في كتاب الشفعة من المدونة أن زيدا إذا أتى فجحد الدين، وحلف عليه، أن للمدعي تحليفَ الكفيل بأنه لا يعلم ثبوت هذا الدين. فإن نكل الكفيل عن هذه اليمين غرم. وهذا لأن الكفيل إذا أقر بثبوت الدين وأن المدعي يستحقه فكأنه يعلم أن المدعي إذا استحق هذا الدين استحق على الحميل به أن يقوم له به. ولا يضر ها هنا كون الحميل لا مرجع له لأنا إنما ذكرنا هذا التعليل فيما لم يعلم الحميل بثبوته من الدين فيحمل لفظ الحمالة على أنه قصد أن يتحمل بما يجب الطلب به، فإذا لبم يعلم وجوب الطنب به فلا مطالبة عليه، وها هنا هو عالم بثبوت الدين وإن المتحمل له يستحقه على المدعي عليه، فصار جحود المدعى عليه كجائحة طرأت على الحميل منعته أن يرجع بما يجب له الرجوع وأما كون الكفيل ها هنا إذا نكل عن اليمين أنه لا يعلم صحة هذا الدين فإنه يغرم من غير أن يُرجع اليمين على من يطالبه بالغرامة، فإن هذا هو الأصل في أيْمان التهم أن النكول عنها يوجب الغرامة، إذ المتَهِم لغيره لا حقيقة عنه (١) بباطن الأمر، والإنسان ممنوع أن يحلف على ما لا يعلم صدقه في يمينه.
وفي الموازية، في المريض إذا قال عند احتضاره: لي على فلان مائة دينار، ثم مات، إن المدعَى عليه يحلف، ولم يراع في يمينه الخلطة لكون المريض يعتقد أنه منتقل إلى الآخرة، فتبعد التهمة في أن يدعي محالًا، فتسقط مراعاة الخلطة ولا يكون انتفاء هذه التهمة (٢) اليمين يوجب قبول دعواه، كما قلنا في القسامة صيانة للدماء واحتياطا لها لكونها لا يتمكن احضار البينة فيها ويتمكن ذلك في المعاملات بالمال.
ولو أتى زيد فأقر بصحة الدعوى عليه: فهل تلزم الكفيل الغرامة أم لا؟
стр. 2928
صرّح ابن المواز بأن ذلك لا يلزم بمجرد الإقرار دون أن تقوم بينة على ذلك.
وظاهر المدونة إلزام الكفيل الغرامة بمجرد إقرار زيد المدعَى عليه لأنه قال في المدونة إذا أتى زيد فجحد: إن الكفيل لا تلزمه غرامة لأن زيدًا قد جحد فقال: نفي الغرامة بجحود زيد يدلس ذلك أنه لو أقر للزم الكفيل الغرامة.
فمضى الأشياخ على أن المذهب على قولين في إيجاب الغرامة بمجرد الإقرار.
وكذلك لو كانت الحمالة بما يستحب (١) من دين كقول رجل لآخر: عامل فلانا وبايعه، وأنا كفيل لما تبايعه به، فإن هذه الكفالة لازمة عندنا كما قدمناه.
ولو أنكر المتحمَّل به أن يكون عامل هذا لكان القول قوله، وتسقط الحمالة عن الحميل، على حسب ما فصلنا القول فيه. ولو ثبتت عليه المعاملة ببينة لأخذ الحميل بذلك. ولكن قال غير ابن القاسم في المدونة: إذا عامله بما يشبه. وأطلق ابن القاسم الجواب. وحمله بعض الأشياخ أن مراده بالإطلاق ما قيد به الغير من مراعاة الشبه وأن ذلك مما يمكن أن يكون أراده ابن القاسم وهو الأظهر.
وإن لم يجحد المتحمل به المعاملة ولكنه أقرّ بها فإن ذلك يجري مجرى القولين اللذين قدمناهما. ففي المدونة أن الكفيل تلزمه الكفالة إذا ثبتت المعاملة. وفي الزمياطة (٢): أن الكفيل تلزمه الكفالة بإقرار المتحمل عليه بالمعاملة، وإن لم تعاين البينة المعاملة، ما لم يكن الإقرار بعد أن نهاه الكفيل عن المعاملة.
стр. 2929
وظاهر ما قال أنه إذا كان الإقرار بالمعاملة بعد أن قال الكفيل: لا تعامله، أن الإقرار لا يعتدّ به.
وبالجملة فإن التحقيق في هذا اعتبار مقتضى اللفظ الواقع من الحميل.
فإن صرح: بأني لا أتحمل إلا بما يثبت بالبينة، فإنه لا يختلف في أنه لا يطلب بمجرد إقرار المدعي عليه. وإن صرح بالتزام الحمالة إذا ثبت الدين ببينة أو بإقرار المدعى عليه فلا يحسن الخلاف في هذا.
وإنما وقع الإشكال إذا أطلق: أنا حميل بما وجب لك على فلان، أو بما سيجب. فإن الوجوب هو الثبوت قال تعالى: ﴿فَإِذا وَجَتَ جُنُوبُهَا﴾ (١) يعني: سقطت عن جنوبها، وما ثبت ببينة فقد استقر. وما يعتبر فيه ما يقول المدعى عليه من جحود أو إقرار، فكأنه غير ثابت، فلا يحمل إطلاق هذا اللفظ على أن الحميل أراد أنه يتحمل بما يجب بالبينة أو بالإقرار.
أو يقال: فإن من أقر بحق عليه لآخر قضي عليه بما أقر به باتفاق. هنا يقضى عليه لو شهدت البينة به. فإذا كان الإقرار يوجب الغرامة كما توجبه (٢) البينة، وجب أن يتوجه الطلب على الحميل بمجرد الإقرار. هذا التحقيق فيه.
وإذا احتمل اللفظ وأدى الاجتهاد إلى الاستظهار باليمين على الحميل أنه ما أراد بالحمالة إلا أن يكون حميلا بما يثبت بالبينة دون الإقرار، فيستحلف على ذلك، ويبرأ من الغرامة بمجرد الإقرار، أو تكون قرينة حال أو عادة تدل على القصد بهذا اللفظ فيرجع إليها.
هذا مقتضى النظر عندي في هذه المسألة.
وإذا حملنا إطلاق القول: عاملْ فلاناً وأنا حميل لك بما تعامله به، على أن المراد بالعاملة بما يشبه أن يتبايع به الرجلان في مقتضى العادة كما قال غير
стр. 2930
ابن القاسم في المدونة: إذا عامله شيئًا فشيئا حتى إذا انتهى إلى ما يشبه سقط ما زاد عليه من معاملة تستأنف. وأما لو عامله دفعة واحدة بمال كثير لا يشبه أن يكون الحميل تحمل به، فإن بعض أشياخي رأى أن الغرامة ساقطة عن الحميل، لكونها معاملة واحدة وقعت على خلاف ما اشترطه الحميل فلم يلزمه منها شيء.
وعندي أن هذا قد تتخرج فيه طريقة أخرى، وهي أن يلزم الحميلَ من هذه المعاملة مقدارُ ما يشبه أن يعامل به، وتسقط عن الحميل المطالبة بما زاد على ذلك.
وقد أشرنا في كتاب الوكالة إلى هذا الأصل في مسألة إذا وكله على أن يبيع له ثوبه باثنى عشر، فباعه بعشرة، فإن. الآمر لا يلزمه أن يبيعه بعشرة. فلو قال المشتري للآمر: أنا أتحمل لك بدرهمين بحال ما أمرت به. فهل يسقط مقال الآمر أم لا؟ في ذلك قولان. وكأن سبب الخلاف أن من تعدى من جنس
إلى جنس اتضح كونه متعديا، وأن ما عقده على الموكل لا يلزم، وأن من عقد على الجنس المأمور به وعلى العدد اتضح لزوم ذلك للآمر، ومن عقد على الجنس وقصّر في العدد أو زاد: فهل يكون ذلك بهذه الزيادة في الجنس أو النقصان كالمتعدي إلى جنس آخر فلا يلزم ذلك، أو لا يكون ذلك كالتعدي إلى جنس آخر، فإذا أكمل عدد الجنس صار العقد الواقع من الوكيل هو العقد الذي أذن فيه رب السلعة. فكذلك مسألتنا إذا أمره أن يعامله بما يشبه، وكان الذي يشبه مائة دينار، فعامله صفقة واحدة بمائتي دينار، فهل تكون المائة الزائدة أخرجت المائة المأذون فيها عن جنسها، فصار ذلك كله غير مأذون فيه، أو لم تخرجها عن جنسها، فإذا سقطت المائة الزائدة على ما يشبه بقيت المائة الأخرى هي نفس المائة المأذون فيها.
وقد ذكر محمَّد بن عبد الحكم فيمن قال لرجل: بيع من فلان دارك بألف درهم، وأنا ضامن لك الثمن فباع منه الدار بألف وخمس مائة درهم فذكر أن في
стр. 2931
المسألة قولان (١):
أحدهما: أن الحميل لا تتوجه عليه غرامة، لأن زيادة الخمسمائة على الألف المأذون فيها تصيّر الألف كأنها جنس آخر غير ما تحمل به، فأشبه من قال: بيع دارك بألف وأنا ضامن لك بالثمن، فباع منه بستانه، فإن ذلك لا يلزم.
وقيل: يلزمه إذا باع منه داره بألف وخمس مائة الألف التي تحمل بها الحميل، وتسقط عن الحميل الخمسمائة الزائدة، ولا تكون هذه الزيادة مخرجة الألف عن كونها مأذونا فيها.
وهذا الذي ذكرناه عن محمَّد بن عبد الحكم أنه ذكر فيه قولين في كتابه فيمن قال: بع منه دارك بألف وأنا كفيل لك، فباعها بألف وخمسمائة أن في ثبوت الألف على الكفيل قولين بما نبهناك عليه، يؤكد عندك أن هذا الأصل مختلف فيه، وأن الذي قاله بعض أشياخي إحدى الطريقتين (على أن قد يبدوا عوض) (٢) في مسألة ابن عبد الحكم بأن يقول الحميل: إنما التزمت الحمالة لغرض لي في ذلك، وهو أن تبيعها منه بدون القيمة، فإذا بعتها منه بأكثر لم تلزمني الحمالهّ، لبطلان الغرض الذي تحملت لأجله. فيكون هذا القول على هذا التعليل خارجًا إلى أصل آخر، وبه علل هذا القول.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:
أمّا ما استقر وجوبه سابقا للحمالة فإن من تحمل به لا يمكّن من الرجوع عن الحمالة، كما: قال: لي عند فلان مائة دينار، فقال له آخر: أنا كفيل لك بها. فإذا ثبتت على زيد بالبينة وجب على الكميل الغرامة، ولا يمكّن من الرجوع عن هذه الحمالة.
ولو كان إنما تكفل بما سيجب، مثل أن يقول: عامْل فلاناً وأنا كفيل لك
стр. 2932
بما تعامله به، فإنه يمكّن من الرجوع عن ذلك لكون هذا لم يلتزم ما قد وجب وإنما التزم ما سيجب، والرجوع عن الشيء قبل وجوبه بخلاف (١) الرجوع عنه بعد وجوبه.
وقد اختلف المذهب فيمن وعد رجلا أن يعطيه مائة دينار في المستقبل ثم امتنع من أن يعطيه، فقيل: يقضى عليه بها، وقيل: لا يقضى عليه بها، وقيل: إذا كان الوعد له سبب قضي به، وإذا كان لا سبب له لم يقض به.
وهذا إذا رجع الكفيل قبل المعاملة. وأما إن رجع بعد وقوع المعاملة فلا ينفعه ذلك، ولا تسقط عنه الغرامة، لأن من أدخل رجلا في إتلاف مال لزمه ما أدخله فيه.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أن التمكن من الرجوع قبل المعاملة إنما يُمكّن منه إذا أطلق القول بالحمالة فقال: عاملْه وأنا كفيل لك بما تعامله به.
وأما إن قيّد فقال: عامله بمائة دينار وأنا كفيل لك بها، فإنه لا يمكن من الرجوع عن ذلك وإن لم تقع المعاملة، لكون المسِمّي مائةَ دينار حَدَّ غايةً معلومة ينتهي إليها. ومن أطلق ولم يحدّ فليس هناك غاية تطلب، فلا يمنع من الرجوع فيها. ألا ترى أن من أكرى داره سنة لزم هذا العقد بالقول لهما جميعًا.
ولو أكراها كل شهر بدينار لكان لكل واحد منهما الرجوع فيما يستقبل من السكنى لما لم تكن غاية يُنتهَى إليها. واعتمد أيضاً على ما وقع في المدونة فيمن أعار أرضه رجلًا يغرس فيها ويبني وحدَّ أجلًا معلوما، فليس له الرجوع، وإن لم يحدّ أجلا فله الرجوع على ما ذكره في المدونة، واشترط فيه، ولا فرق إلا ثبوت العارية وتحديدها وانتفاؤها (٢).
وقد كان بعض الأشياخ يجري هذه المسألة على اختلاف القول في الهبة:
стр. 2933
هل تلزم بالقول أو لا تلزم؟ والحمالة كالهبة لمنافع، لأن الحميل يدفع عن الغريم مالًا هو كالسلف له ليأخذه منه بعد حين، فكأنه وهبه منافع مال. وهذا يبسط في كتاب الهبات إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
قد قدمنا أن الشافعي منع في أحد قوليه الحمالة بوجه الغريم، وما ذاك إلا لكونه عينا لا يدخل تحت القدرة بقاؤها وتحصيلها والتمكن منها عند الأجل المضروب للضمان.
ومما يلحق بهذا المعنى ضمان الدرك في المبيعات: فضمان درك الأثمان عند إلاستحقاق جائز لأنه مقدور على ردّه، إن كان عينا، أو قيمته إن كان عرضا قد فات. وقد كنا ذكرنا خلاف بعض أصحاب الشافعي فيه.
وأمّا ضمان درك المبيع المتعلق بعينه على أنه إن وقع استحقاق لزم البائع تحصيلها وأعطى كفيلا ضامنا لتحصيلها فلا يصح، لعدم القدرة عليه. وإن المستحق لعين السلعة لا يملك الحميل أن يأخذها منه بغير اختياره، إلا أن يغصبه فيها، والغصب لا يحلّ، ولو حلّ. فقد لا يمْكِن، فهي أعلى رتبة من ضمان وجد (١) الغريم، لأن مال (٢) ضمان وجد (١) الغريم غرامة الدين الذي عليه إن تغيّب، وضمان الدّيون يصح، وضمان تخليص عين السلعة من مستحقها لا يصح. لكن (٣) وقع ذلك على غير قصد إليه بل تأكيد درك الثمن فإنه لا يفسد البيع ولا يؤخذ الضامن بغرامة، إذا كان ذلك تلفيفا من الموثقين لم يقع العقد عليه، ولهذا قال في المدونة: إن ذلك تلفيف من الموثقين إذا قالوا: وضمن فلان درَكَ هذه السلعة. ولو أريد به عينها لم يجز. ولهذا أجري الرسم منا ومن
стр. 2934
أشياخنا: الفتوى بترك الاعتداد بما يقوله الموثقون في وثائقهم: شهد على فلان وفلان بما نسب إليهما في هذا الكتاب طوعا في صحة عقولهما وجواز أمورهما. وأن ذلك لا يكون ترشيدا لمن وصف بِإنه جائز الأمر لكونه لم يقصد الشهود إلى الشهادة ولو قصدوا إلى الشهادة بذلك لم يحل لهم أن يشهدوا حتى يكونوا اختبروا من وصف بذلك وعلموا رشده. ولهذا يقول الموثقون إذا أرادوا ذلك: وعلى علم بكون فلان وفلان رشيدين لا يولىَّ عليهما. على حسب ما اعتادوه من العبارة في هذا المعنى.
لكن بعض الاشياخ إنما يرى هذا تلفيفا من الموثقين إذا أدرجوه في آخر الوثائق، جريا على ما اعتادوه.
وأما إذا وقع في أحكام القضاة فوصفوا رجلا بأنه جائز الأمر، فإنه لم تجرِ عادة بأنهم يصفونه بذلك تلففا، بل قصدًا إلى ثبوت ذلك الوصف عندهم.
فإذا عقد ضمان الدرك لتخليص عين السلعة عند إلاستحقاق قصدا إليه، وقد قلنا: إن ذلك لا يجوز، فلو وقع الاستحقاق فهل تلزم الكفيل مطالبة أم لا؟ فيه قولان:
أسقط مالك ﵁ في المدونة عن الكفيل غرامة شيء لأجل هذا الضمان، ورآه لا يُثبت عليه غرامة.
وحكى في المدونة عن غير ابن القاسم أن الكفيل تلزمه غرامة الأقلّ من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، أو قيمة السلعة التي أخذت من يديه بالاستحقاق، وضمن له هذا الكفيل تخليصها من مستحقها. وتكون القيمة يوم الاستحقاق. يريد يوم تنزع السلعة من يد مشتريها بحكم الاستحقاق.
فمالك ﵁ نظر إلى هذا الضمان من مقتضى لفظه، فأسقط حكمه، واللفظ إنما هو صريح في ضمان تخليص عين السلعة، وذلك لا يقدر عليه، كما بيّناه، وما لا يقدر عليه لا يُلزَمه الإنسان، والثمن لم يذكر في هذا
стр. 2935
الضمان فيطالب به الكفيل، ولا يطالب أحد بغرامة ما لم يلتزم غرامة (١) فلهذا لم يوجب على هذا الكفيل غرامة. وأما قول الغير في المدونة: إن الكفيل تجب عليه غرامة الأقل من الثمن الذي دفعه المشتري، ثقة بضمان هذا الضامن لتخليص السلعة، أو قيمتها يوم الاستحقاق إن كانت قيمتها حينئذ أقل من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، فإنما ذلك منه اطّراح بحكم (٢) اللفظ والتفات إلى المعنى.
ومعلوم أن المعنى والقصد بأخذ الحميل التوثق فيما يدفعه الإنسان ويضمن له دركه، فلولا ثقة مشتري هذه السلعة بقول هذا الكفيل: أنا ضامن تخليصها، لم يدفع إلى البائع من الثمن الذي دفع إليه فيها، فكأنه أتلفه الكفيل عليه بسبب هذا الضمان، فتلزمه غرامته. إلا أن تكون قيمة السلعة حين انتزاعها من يد مشتريها أقل من الثمن الذي دفع فيها فلا يلزم الكفيل إلا غرامة هذه القيمة ويرجع المشتري بتمام ماوزن من الثمن على البائع الذي قبضه منه، لأن الكفيل يقول للمشتري - أرأيت لو لم تُستحق هذه السلعة من يديك: هل يلحقك ضرر لأجل ضماني أم لا؟ فلم يجد المشتري مدفعا لقوله، لأنه إن غبن في الثمن فالغبن لم يكن من جهة هذا الكفيل، وإنما كان من جهة جهل المشتري بالقيم، فدرك جهله عليه، فإنما أضر ضمانه المشتري أخذ السلعة من يديه فلا يكون عليه أيضا أكثر مما خرج من يديه من الثمن. فهذا وجه قول الغير.
فإذا غرم الكفيل القيمة، وهي أقل من الثمن، فإن حق المشتري من إكمال ما دفع من الثمن لا يسقط عمّن قبضه منه، وهو البائع، وإنما يسقط عن الكفيل لأجل ما ذكرناه من كونه لم يضمنه.
وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا الخلاف إنما يتصور إذا كان الكفيل ومشتري السلعة جاهلين بحكم هذا الضمان، فيكون جهل المشتري المضمون له الدرك قد أعان على تلف مال المشتري من جهة التغرير به غلطا منه. وأما إذا
стр. 2936
علم المشتري يكون هذا الضمان ساقط (١) وجهل ذلك الضمان (٢)، فيبعد الخلاف في هذا، لأن المشتري وثق بما يعلم أنه غير لازم ولا موثوق به ولا قصد الكفيل إلى التغرير به فيطالب بغرامة.
وكذلك لو كانا عالمين جميعا: الكفيل والمشتري، بكون هذا الضمان ساقط (١).
وإذا كان المشتري معتقدا كون هذا الضمان لازما، والكفيل يعلم أنه غير لازم، فلا يحسن الخلاف، لكون الكفيل ها هنا انفرد بالتغرير بالمشتري فضمن له ما يعلم أنه ساقط، والمضمون له يظن أنه ثابت.
وهذا الذي أشار إليه في هذا القسم فيه إشكال لكون الكفيل إذا انفرد بالعلم، وكان المشتري جاهلا، إنما وقع منهما التغرير بالقول، وإتلاف المال بالتغرير بالفعل يوجب الضمان باتفاق، كمن أخذ من إنسان زيتا فأفرغه بيده في زير يعلم أنه مكسور لا يثبت فيه الزيت وصاحب الزيت جاهل بذلك، ولو سأله صاحب الزيت عن زيد هل هو صحيح فنَصبُّ فيه الزيت؟ فقال المسؤول: هو صحيح، فصُبَّ فيه زيتكَ. وهو يعلم أنه مسكور، وصاحب الزيت يجهل ذلك، فإن في غرامة هذا الغارّ بالقول قولان (٣) في المذهب.
فهذا إن أخذت هذه فصورت المسألة من هذه الطريقة لم يبعد تصور الخلاف في غرامة الكفيل. لكن قد يقال: هذا كالغرر بالفعل، لأنه زاد هاهنا على التغرير بالقول التزامَ تخليص مالٍ من ذمته، ودفعِ عوضه، (فكأنه ارتفع بذلك عن رتبة التغرير بالقول التزام تخليص مال من ذمته ودفع عوضه، فكأنه ارتفع بذلك عن رتبة التغرير بالقول مجردا من التزام الدرك. فهذا ينظر فيه إذا
стр. 2937
شاء الله تعالى.) (١) فإذا صح القول في حكم هذه الكفالة بتخليص هذه السلعة عند إلاستحقاق، فإن البيع يفتقر إلى النطق في صحة أو فساد، وفساده متعلق باشتراط المشتري على البائع حين العقد بتخليصها، فإن هذا الشرط فاسد كما بيّنّا، والعقد في المبيع إذا قارنه شرط لا يجوز، قد أوعبنا الكلام عليه في كتاب البيوع الفاسدة، وذكرنا هناك ما يؤثر في صحة البيع ويوجب فسخه على كل حال، وما يجب فسخه إن لم يُسقط المشترط من المتبايعين هذا الشرط الذي اشترطه، وإمضاء البيع إذا أسقط شرطَه، أو يسقط الشرط على كل حال ويمضي البيع.
وبعض أشياخي يرى أن هذه الثلاث طرق تجري في هذه المسألة، وتختلف فيها على هذه الثلاثة مذاهب.
هذا الحكم في كفالة من تكفل بتخليص السلعة.
وأما الكفالة بثمنها عند إلاستحقاق أو عند ردها بعيب، فقد تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن العلماء بأسرهم على جواز ذلك. وأما (٢) أبا العباس بن شريح ذكر فيه اختلافًا عن الشافعي، وأنكره عليه حذاق أصحابه.
لكن إذا تكفل كفيل بضمان الدرك في الثمن فوجد البيع فاسدًا يجب فسخُه وإبطالُ الثمن عن المشتري فهل يبطل ذلك عن الكفيل أم لا؟ ذلك جار على القولين المتقدمين في الكفالة بتخليص السلعة هل تسقط الكفالة لأنه كالمتكفل بما هو في حكم المستحيل طبعًا، فكذلك الكفيل هاهنا تكفل بثمن كالمستحيل ثبوته شرعًا فيجب سقوطه. وعلى القول الآخر يكون كفيلًا لِأقلَّ من الثمن أو القيمة، لكون الكفالة هي السبب في إخراج المتكفَّل له ما كان في ملكه إلى المتكفَّل عنه. فإن كان الثمن أقلّ من القيمة فلم يتكفل يأكثر منه فيغرمه، فتجب على الغريم هذه القيمة التي هي بدل العين، وتصير القيمة كأنها ثمن
стр. 2938
السلعة، والكفيل إنما تكفل بالثمن، ومع الفَوْت قيمتها ثمنها.
وفي الموازية لابن القاسم: إن الكفيل لا تلزمه غرامة. وهذا على أحد القولين في المدونة في ضمان تخليص السلعة، لأن الثمن قد سقط عن المشتري، وما سقط عنه سقط عن الحميل. وعين السلعة لم يتحمل بها ولا ببدلها، الذي هو قيمتها، فلم يجب عليه شيء.
وهكذا لو كان المبيع مكيلاً أو موزونًا، غيرَ الدنانير والدراهم، فتكفل كفيل بثمنه فوجد البيع فاسداً، أو قد فات المبيع، فوجب على المشتري ردّ مثله، فإن الكفيل لا غرامة عليه لأنه لم يتحمل بهذا المثل، والثمر الذي (١) به سقط. وعلى القول الآخر عليه غرامة الأقل من الثمن أو مثل المبيع، لما قدمناه من التعليل.
ولو كانت الكفالة بالثمن، وهو مؤجل، ووجد البيع فاسدًا، فإن الكفيل لا يطالب بغرامة حالَّة لأنه إنما تكفل بثمن مؤجل، فلا يلزم أكثر منه. فإذا حل الأجل: فهل عليه غرامة أم لا؟ ذلك على القولين المذكورين فمن أعطى اللفظ حقه لم يُلزِمه شيئًا، لأنه إنما تكفل بالثمن، والثمن قد سقط بالشرع، وغير ذلك لم يتكفل به فلا يطالب بما لم يتكفل به، ومَن راعى القصدَ فإن الكفالة توثّقٌ للمتكفَّل له والقصد بها ذلك، ولا يخرج ملك الإنسان من يده إلا أن يكون الثمن أو قيمة المبيع في ذمة يثق بها لزمه الأقل كما قلناه.
وفي المبسوط لعبد الملك بن الماجشون فيمن باع زيتًا بمائة دينار إلى أجل، فوجد البيع فاسدًا، فلا يغرم الحميل حتى يحل أجل الثمن، فإذا حل غرم الثمن، واشترى به زيتًا، وهو الذي وجب على المشتري، وأمّا الثمن فقد سقط. ويشتري الذي غرمه الكفيل بمكيلة الزيت التي وجبت على المشتري، ولم يُطلب الكفيل بما بقي من الزيت، وإنما يبقى في ذمة المشتري الذي أتلفه.
стр. 2939
وهذا هو أحد القولين في إلزام الكفيل الأقل من الثمن أو مثل المبيع إذا فات.
وفي الموازية لأشهب فيمن باع دينارًا بدراهم إلى أجل: أن الكفيل لا مطالبة عليه. وهذا لما قلناه من كون الدراهم التي تحمّل بها أسقطها الشرع وأبطلها. والدينار لم يتحمل به فلا يطالب بما لم يتحمل.
وعلى القول الآخر وما ذكرناه عن عبد الملك يكون عليه الأقل من الدراهم التي تحمل بها والدينار الذي وجب رده.
والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال:
الحمالة قد تمنع من أوجه، منها:
أن تقع الحمالة بعوض يأخذه الحميل، فإن ذلك لا يجوز. ويسلك في تعليل المنع مسلكان أحدهما: أن ذلك من بياعات الغرر. وبيع الغرر ممنوع منه، وذلك أن من اشترى سلعة وقال لرجل: تحمّل عنّي ثمنَها، وهو مائة دينار وعلى أن أعطيك من حمالتك عشرة دنانير. أو قال البائع السلعة: تحمل عنّي بالدرك في ثمنها إن وقع استحقاق، وأنا أعطيك عشرة دنانير. فإن ذلك معاوضة وقعت على جهة الغرر إذ لا يدري الحميل: هل يفلس عن (١) من تحمل عنه أو يغيب فيخسر مائة دينار، ولم يأخذ إلا عشرة دنانير، أو يسلم من الغرامة فيرجع (٢) العشرة دنانير من غير خسارة. وهذا نفس الغرر والمخاطرة، فلهذا منع.
والمسلك الثاني: أن المنع يردّد هذه المعاوضة بين أصلين ممنوعين لا تنفك عنهما. إما أن يكون الحميل لا يطالب بغرامة ليسار من تحمل عنه،
стр. 2940
فيكون قد أخذ العشرة دنانير باطلًا، وأكل المال بالباطل نهى الشرع عنه .. أو يكون يغرم ما تحمل به، ولكنه يرجع به على من تحمل عنه متى أيسر، فيكون ذلك سلفًا جر منفعة لأنه يسلف من تحمل عنه هذه المائة دينار، ويرجع بها عليه متى أيسر، وقد حصل معه زيادة على ما [سلف] وهي العشرة دنانير التي قبضها ثمنها (١) للحمالة فيكون ذلك سلفآ بزيادة، وذلك ممنوع. فإذا وقر ذلك فسخ، ورد. الحميل ما أخذه. ويبقى النظر في إلزامه الحمالة مع رد العوض الذي أخذ عنها، فإن كان العوض بذله من له الحق فلا مطالبة على الحميل، لأنه قد ردّ على ما تحمل عنه ما أعطاه عوض الحمالة. فإذا بطل العوض بطل المعوض عنه، وصاحب الحق هو الذي جنى على نفسه البيعَ بغير حمالة إن كان لما أعطى من تحمل له العشرة دنانير وهو يعلم أن ذلك لا يجوز.
وأمّا إن كان دافع العشرة دنانير من عليه الحق، ومن له الحق غير عالم بذلك، فإن الحمالة لازمة لأن المشتري الذي عليه الثمن لم يبع منه البائع السلعة إلا لثقته بالحميل، فإذا عامل المشتري الحامل معاملة فاسدة ولم يعلم بها البائع، فلا يسقط حق البائع في الحمالة، لكون الحميك غرّه بحمالته حتى أخذ سلعته من يده، فمن حقه أن يطالبه بثمن سلعته التي تلفها (٢) عليه بحمالته.
هذا إذا انفرد بعلم ذلك الباذلُ لعوض الحمالة.
فأما إن علمًا جميعًا: مَنْ له الحق ومن عليه الحق، بأن الحمالة وقعت بجُعْل، فكان لمن له الحق المتحمَّل به مشاركة وسبب في تحمل الحميل، فإن الحمالة ساقطة، لكون من له الحق علم أن الشرع يسقطها ويمنع منها، وله سبب في ذلك وسعي فيه. وأما إن لم يكن إلا مجرد علمه، دون أن يكون له سبب في ذلك، ففيه قولان: أحدهما: سقوط الحمالة، والمنع من مطالبة الحميل بما تحمل به، وهو مذهب ابن القاسم. والثاني: إن ذلك لا يُسقط عن
стр. 2941
الحميل المطالبة بما تحمل به وهو مذهب ابن المواز.
وسبب هذا الخلاف ما قد يعرض من إشكال في هذا السؤال، وذلك أن من له الحق إذا كان عالمًا بأن الحميل لم يتحمل إلا بعوض أخذه، ويعلم أن ذلك لا يجوز في الشرع، فكأنه باع بغير حمالة، لا (١) مطالبة له على الحميل.
أو يقال: فإن الحميل قد علم أن العوض الذي تحمك من أجله، يؤخذ من يديه، ومع هذا التزم الحمالة بالثمن، فكأنه تحمل بغير عوض أخذه، والحمالة بغير عوض تلزم، فَمَن التفت إلى أن من (٢) علم من له الحق بفساد الحمالة إسقاط لحقه في القيام به أسقط المطالبة عن الحميل. ومن التفت إلى أن (٣) علم بأن العوض الذي أخذه يؤخذ منه ومع هذا التزم الحمالة بالثمن، أثبت عليه المطالبة بالثمن.
وأما إن جهلًا جميعًا الحكم، فقد قال أصبغ: إن الحمالة ساقطة. وعلى مقتضى ما حكيناه عن ابن المواز: إن الحمالة ثابتة.
وسبب الخلاف في هذا أيضًا يلاحظ ما عللنا به إذا علمًا جميعًا. وذلك أن من له الحق إذا تيع بهذه الحمالة وهي لا تجوز، جهلًا منه بأنها لا تجوز، فكانه الجاني على نفسه إتلاف ماله، فلا. مطالبة له به على الحميل. والحميل أيضًا لما التزم الحمالة بعوض، وذلك لا يجوز، فكأنه بجهله أتلف مال من تحمل له غلطًا منه عليه، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء. فهذا الحكم في هذه المسألة إذا علمًا جميعًا، أو علم أحدهما وخفي عن الآخر ما صنع باذل المجهل (٤).
وإذا تقرر أن الحمالة بعوض يأخذه الحميل ممنوعة، لأجل ما ذكرناه،
стр. 2942
وأن العوض مردود، ومطالبة الحميل وسقوطها فيه التفصيل الذي ذكرنا، فيبقى النظر في صحة البيع وفساده. وقد كنا قدمنا أن بعض الأشياخ أجرى حكم صحة البيع وفساده على بياعات الشروط فيمن تكفل بخلاص السلعة. ولكن ذلك أمر يعود إلى نفس المبيع ويتعلق بالمتعاقدين بكونهما دخلا جميعًا عليه، والحمالة يجعل ها هنا كأنه أمر خارج عن الثمن والمثمون وعن ما يشرك المتعاقدين جميعًا فيه، لا سيما إذا كان أحدهما غير عالم بما صنع الآخر من بذل العوض في الحمالة، فهذا مما ينظر فيه. ولو تحمل الحميل بعوض شرْطَ أن يأخذه غيره،
ولا يأخذه هو، لكان ذلك أيضًا ممنوعًا، لما ذكرناه من التعليل. لكن لو كان الغير الذي شرط ذلك له هو من تحمل عنه، لكان في ذلك قولان، مثل أن يحل دين على رجل فيقول له من له الدين: أنا أضع عنك -عددًا سماه- وتعطيني به حميلًا إلى أجل آخر، فإن هذا فيه ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم.
ففي الموازية عن مالك وابن القاسم جواز ذلك. وذكر عن أشهب أنه روى عن مالك الجواز، وروى عنه الكراهة. وفي العتبية لمالك أن ذلك لا يصلح، وشبّهه بحميل آخر (١) عوضًا عما تحمل به، فقال: لا يصلح ذلك، وهو كما لو قال له: اعطني عشرة دنانير من دينك وأنا أعطيك حميلًا. وهذا التشبيه يشير إلى التحريم.
وفي العتبية عن ابن القاسم: لو قال له: اعط غريمك عشرة دنانير، وأنا أتحمل لك بما عليه: إن ذلك جائز وعلى القول الآخر يحرم ذلك.
وكأنه في هذا القول قذر أن الحميل تحمل بعوض أخذه لنفسه ثم وهبه الغريمَ. وفي القول الآخر: أَن منفعة ذلك للغريم لا يتصور فيه ما صورناه في الحميل إذا أخذ عوضًا لنفسه، فيكون ذلك سلفًا بزيادة أو أكل المال بالباطل.
ولو كان الدين مؤجلًا ولم يحل أجله، فقال من له الدين للغريم: أعطني
стр. 2943
به حميلًا إلى الأجل نفسه، أو اعطني رهنًا، وأنا أحط منه، عددًا سماه، فإن
في ذلك قولين:
ذهب أشهب إلى الجواز. وذهب ابن القاسم إلى المنع.
وكأنه قدر أن الحميل إنما يؤخذ ها هنا خوفَ التفليس عند الأجل فتجب النظرة اليسيرة فإذا شرط استعجال ذلك ميب الحميل قضاءً عن الغريم، صار كأن الغريم عجّل دينًا قبل أجله، على أن وضع عنه من له الدين بعض دينه، وضعْ وتعجلْ لا يجوز، كما بيناه في كتاب البيوع.
ومما ينخرط في هذا المسلك الذي نحن فيه من أنواع الحمالة الفاسدة أن من سأل غريمه أن يعطيه حميلًا بما لَه عليه من دين فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يسأله أن يعطيه حميلًا بالدين إلى أجله الذي دخلا عليه، أو يعجله له قبل أجله، أو يؤخره عنه إلى أبعد من أجله.
فإن أخذ منه حميلًا قبل الأجل على أن يقضي الدين عند أجله الذي أجلاه، فإن ذلك جائز على الإطلاق، وهو إحسان من الغريم إلى من له الدين.
والقصد بهذا التوثق من الدين، ورفع ما يَخشى من له الدين من فلس الغريم أو غيبته، والحمالة من مصالح العقود في البساعات، ولهذا أجيزت.
فإن أعطاه حميلًا على أن يعجل الدهين قبل أجله، والدين من قرض عين أو عرض أو ثمن بيع، فإن ذلك جائز لأنه تضاعف إحسان الغريم إليه بأن وثقه من الدين وزاده مع ذلك إحسانًا بتعجيله إليه قبل أجله.
وأما إن كان الدين عوضًا من بيع فإن هذا لا يجوز لأن الغريم ليس له تعجيل ما عليه من حق العروض المؤجلة إذا كانت من بيع، لأن لمن له الدين عوضًا (١) في بقائها في الذمة لتضمن له إلى الأجل، فلم يقبل التعجيل من له
стр. 2944
الدين إلا بسبب الحميل الذي أعطاه، والمعاوضة على خط (١) الضمان لا تجوز، حسب تقدم في كتاب البيوع.
وأما إن أعطاه حميلًا بالدين يؤخره إلى أبعد من أجله، فإن ذلك لا يجوز، لكون التأخير عن الأجل المشترط كابتداء سلف، لأن من له الدين يستحق قبضه إذا حل أجله، فالتأخير إلى أجك ثان تطوعَّ به، كأنه قبض دينه ثم رده على من أعطاه له سلفًا منه بشرط حميل يوثق به قبل انقضاء الأجل الأول، فصار ذلك كسلف، وهو التأخير، جرّ منفعة وهو توثق الغريم بالدين قبلَ أن يحل أجله، مخافة أن يفلس الغريم قبل الأجل أو يتغيب. ولكن إذا وقع سقطت الحمالة، ولم يؤخذ الحميل بغرامة قبل انقضاء الأجل ولو فلس الغريم، لأن من له الدين أعطى ماله بغير حميل، فلم يغرّه الحميل في الأجل الأول ولا تلف (٢) عليه شيئًا، فلهذا سقطت الحمالة.
وأما إذا وقع الفلس في الأجل الثاني الذي اشترطاه عوض الحمالة، فإن ذلك مختلف فيه على قولين: هل تسقط الحمالة عن الحميل في الأجل الثاني، لكون أصلها فاسدًا حرامًا، والحميك لا يطالب في معاملة فاسدة، أو تلزمه الغرامة لأن رب المال إنما يسمح ببقاء ماله في الأجل الثاني ثقة بحمالة الحميل، فكأنه أخرج من يده ما لا ثقة بحمالته، ولولا ذلك ما خرج من يده ومن عن (٣) غيره حتى أتلف عليه مالًا لزمته غرامته؟ وفي الموازية سقوط الحمالة. واحد قولي ابن القاسم إثبات الغرامة عن الحميل.
وهذا يلتفت فيه إلى ما قدمناه قبل هذا من تعليل إثبات الغرامة أو نفيها عن الحميل إذا تحمل بجعل أخذه، وقوإنفرد بالعلم بالتحريم أو انفرد به
стр. 2945
المتحمل له أو علماه جميعًا على ما بسطنا القول فيه فيما تقدم.
ولو كان بذل الحميل في هذه المسألة رهنًا أخذه لكان ذلك أيضًا ممنوعًا، لأنه سلف جر منفعة، والسلف هو التأخير إلى الأجل الثاني، والمنفعة إعطاء الرهن في الأجل الأول، وقد كان ذلك غير لازم لمن عليه الدين، ولولا هذه المنفعة ما تطوع من له الدين بالتأخير. وإن وقع هذا ففي الموازية أن قابض الرهن يكون أحق به من الغرماء. بخلاف الحمالة فإنها ساقطة.
وأراه إنما فرق بينهما لكون حق المرتهن به تعلق بعين، وقد قبضها وحازها، فصار ذلك الفوت في المعاملة الفاسدة، (والحميل لم يجزه المتحمل له، ولا حقه فيه) (١) متعلق بعين استحقها عليه. وقد وقع في الموازية قولًا مطلقًا: إن الرهن والحميل جميعًا ساقطان، ولا يكون من بيده الرهن أحق به وقد قبضه. وهذا يبسط فيه القول في كتاب الرهون إن شاء الله تعالى في أحكام الرهان الفاسدة.
ولو كان الدين قد حك فأعطاه حميلًا على أن آخره به، فلا يخلو من عليه الدين أن يكون موسرًا به، ولو طلبه من له الدين لحكم له بجميعه، فإن ذلك الآمر كذلك جائز إعطاء الحميل والرهن بشرط التأخير إلى أجل آخر، ويقدر في هذا أنه لما ملك قبض جميعه صار كأنه قبضه ثم استأنف سلفًا إلى أجل بحميل أو رهن، فإن ذلك لا يتصور فيه وجه يوجب المنع. وهذا مذهب مالك وابن أبي سلمة وغيرهما.
وأما لو كان الغريم عليه ديون، أو تحاصّ من له الدين الذي سئل في التأخير بحميل لو (٢) يستوف إلا بعض دينه فأخره بشرط حميل، فإن هذا لا يجوز، لما ذكرناه من كون التأخير كابتداء سلف، واختصاص هذا الغريم دون الغرماء برهن يستوفي منه جميع دينه، أو بحميل، وقد كان لا يتمكن إلا