انقضت لو جبت زكاة الخمسين دينارًا .. أو يقال: لم تلزمه زكاة الخمسين دينارًا لجواز ان تتهدم الدار فيجب رد بعض ما انتقد من الكراء.
ففي مثل هذا يحسن الخلاف فيما بين المكتري والمكري. وأما المستحق فلم يختلف فيه أنه من يوم الاستحقاق ملَك المنافعَ التي توجَب فيما بعد، وإذا لم يختلف في ملكه لها لم يُختلف في استحقاقه لما قابلها من الكراء.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
من زرع ارضا في يديه فلا يخلو من قسمين: أَحدهما ان يكون يعتقد ان زرعها له مباح. أو يعتقد أنه حرام عليه.
فإن اعتقد أن زرعها مباح له، فلا يخلو من قسمين:
أحدهما أن يكون اعتقد الإباحة لكونه بذل فيها عوضا لمن باعها منه، وهو يظن أنه مالكها، أو اعتقد الإباحة، وبم يبذل فيها عوضا, لأنه أحياها وهي أرض ميتة، أو ورثها.
فأما من بذر فيها، وهو يعتقد الإباحة، وقد بذل عوضا أو لم يبذل عوضا، فإنه لا يخلو الذي أتى فاستحقها من أن يكون صادفه ولم يصنع فيها سوى الحرث خاصة، أو صنع فيها الحرث والبذل (١) وقد انقضى الإبان قبل ان يأتي، أو لم ينقض. فإن لم يفعل فيها مشتريها بعوض، أو محييها، سوى الحرث، فإن مطالبته لمستحقها بقيمة الحرث يجري على القولين فيمن اشترى قمحا فطحنه فحكم لمستحقه بأخذه، فهل يغرم قيمة الطحن؟ فيه قولان. وقد تقدم ذكر ذلك والإشارة إلى علّته.
وإن كان المستحق لم يأت، وقد انقضى إبان الحرث، فلم يختلف المذهب في أنه ليس له قطع ما زرعه الزارع في هذه الأرض بوجه شبهة، وذلك
стр. 3012
لأجل أن الزارع قد خسر مالًا في الحرث والبذر معتقدًا أنه مما يباح له ملكه، فلو مكنا المستحق من قلعه ظلمنا الزارع، وهو لم يقصد الظلم ولا اعتقده، ولو منعنا المستحقَّ أيضًا من أن يقلع هذا الززع، ومنعناه أيضًا من أن يأخذ كراءه لظلمناه وحرمناه الانتفاع بماله، وهو يمكنه إذا قلع زرع الزارع أن يزرع في الأرض لنفسه، فيكون قد أبطلنا ملكه ومنعناه من الانتفاع به، لأجل المخافة أن يتلف مثل ذلك على الزارع، وهو غير مالك، وهذا ظلم للمستحق، فإذا منعناه من قلع الزرع صيانة بمال (١) الزارع، وأعطيناه العوض صيانة لماله أن يحرم منفعته ويمنع من زراعته كُنّا قد عَدَلْنا بينهما.
أما إذا أتى المستحق بعد ذهاب الإبان، فذلك أحرى ألاّ يمكَّن من قلع زرع الزارع، ولكن لا يعطيه عوضا, لأنّا لو قلعنا الزرع لم يُفِدْ ذلك المستحقَّ شيئًا، بل تبقى الأرض عارية من الزراعة لا منفعة له بها، فلا يجب أن يعطيه قيمة منفعة ولم يتمكن من الانتفاع، ولا تُتصور له منفعة.
وإذا حكمنا للمستحق بكراء الأرض إذا أتى إبان الزراعة، فإن له الأكثرَ من المسمَّى إذا كان مشتري الأرض قد أكراها. أو قيمة كرائها لأنه لا يلزمه أن يُبقيَ الزرع على عوض دون القيمة، والمغبون في القيمة، أو الواهب لبعضها، غيرُ مالكها، فلا يلزم مالكَها ما وهبه من لا يملكها.
وأما إذا كان زارعا متعديا غاصبا للأرض، فإنه إذا أتى مستحقها, ولم يحدث غاصبها حرثا، فواضح تمكين مستحقها منه. وإن كان غاصب الأرض لم يحدث فيها سوى حرثها، فهل يطلُبُ المستحق لها، إذا أخذها، بقيمة الحرث أم لا؟ على القولين المذكورين في كتاب الغصب فيما أحدثه الحادث من حوادث ليست بعين قائمة ولا تتميز كتزويق الحيطان في الديار.
وأما إن أتى المستحق، وقد حرثها الغاصب، وبذر فيها، فإنه إن كان لو قلع لا منفعة للغاصب فيه، ولا له قيمة من المستحق من أخذ الأرض ما فيها،
стр. 3013
إذا لا فائدة للغاصب فيما نقله (١) منها، وابقاؤه في الأرض لمالك الأرض فيه فائدة. فقدم حقه على حق الزارع. ولكن مع هذا لَوُ أَشَارَ ربّ الأرض ألاّ يقبل هذه القائدة، ويقول للغاصب. اقلع هذا الزرع, لأن ملككَ خبيث، حتى أرزع أنا مكانه من مالي. لكان من حقه. فلو أراد مستحق الأرض ألاّ يأمره بالقلع ولا يقبل هذا الزرع ليملكه بتفسه، ولكن رضي بأن يبقى الزرع بكراء يأخذه من الغاصب بذلك، فإن في الموازية: المنع من تراضيهما بذلك, لأنه لما قدَر صاحب الأرض أن يبقي الزرع لنفسه بغير عوض ييذله فيه، صار للغاصب على معنى كراء يأخذه منه، فإن ذلك، وإن سمي كراءً، فإنه شراء من الغاصب لهذا الزرع الذي ملكه مستحق الزرع ليبْقيه لنفسمعتى يحصده بغير عوض يبذله له.
وهذا الذي قاله ابن المواز إنما يتضح عندي على إحدى الطريقتين المشهورتين في المذهب: مَن ملك ان يملك هل يعد كالمالك أم لا؟ في ذلك قولان. وهذا لما خُيِّر بين أن يأمر الغاصب بقلع هذا الزرع ليتمكن من زراعة أرضه بمال نفسه، وبين أن يصرف الغاصب عنه ويبقيه لنفسه باطلا، صار كأنه اختار إبقاءه لنفسه، ثم بعد اختياره لذلك باعه من الغاصب الزارع على التبقية أن يحصده الغاصب، ويأخذه، وبيع الزرع قبل بدوّ صلاحه على التيقية لا يُختلف في منعه.
وأما إذا قلنا بأنه لبم يختر ملك هذا الزرع، وإنما اختار قلعه، فصار الغاصب كأنه قلعه، ثم استأنف عقد كراء في زراعة هذه الأرض، فإن ذلك لا يتصور فيه كون الكراء ها هنا كالشراء للزرع.
وأما إن أتى مستحق الأرض وقد صار الزرع إذا قلع انتُفع به، وصار له ثمنٌ ولكن الإبّان لم ينقضِ، فإن له أن يأمر الغاصبَ بقلع الزرع ليزرع الأرض وإن أراد ألاّ يأمر الغاصب بالقلع، ويهعطيه قيمته مقلوعا، ويبقيه لنفسه، ففيه قولان، هل يجوز ذلك، لكون الحكمِ قلعَ الزرع إذا شاء المستحق، فكأنه
стр. 3014
اشتراه بعد قلعهِ ببيْعته واعاده إلى أرضه، أو يقال: لما كان من حق الغاصب أن يأخذه ليبيعه، أو لترعاه دوابه، صار ما أخذه فيه من المستحق ليبقى في الأرض كابتداء بيع زرع مَلَكَ أخْذَه قبل أن يبدو صلاحه، وعقد فيه بيعا على أنه يبقى لمشتريه، وهو المستحق إلى أن يبدو صلاحه.
وقد تقدم ما يعرف منه سبب هذا الخلاف لما ذكرنا في الموازية من تصور كون الكراء كالشراء في المسألة التي فرغنا منها الآن.
وأما إن أتى مستحق الأرض بعد ذهاب إبان الزراعة، ففيه روايتان: المشهور منهما أنْ ليس له أن يأمر الغاصب بقلع زرعه لأن في ذلك إبطالا لمال الغاصب، واتلافَه عليه من غير منفعة لمتلفه. وهو المستحق، إذ لا يمكنه ان يزرع هذه الأرض بعد مضي الإبان، والرواية الأخرى إن لمستحق الأرض أن يأمر الغاصب بقلع هذا الزرع، وإن كان بعد ذهاب الإبان، لقوله ﵇ "ليس لعرق ظالم حق" (١) وهذا الغاصب ظالم، فلا يجب أن يكون لعرقه حق، والتبقية حق، وقد نفى ﵇ أن يكون له حق.
وأما إن أتى هذا المستحق وقد حصد الغاصب الزرع وجمعه، فالمعروف من المذهب عند مالك وأصحابه أن الزرع للغاصب، وعليه كراء الأرض، وهو عوض المنافع التي قد أفاتها الغاصب، وصارت معدومة، ومن غصب شيئًا فأتلف عينه فإنما عليه قيمته. وروى الداودي في كتاب الأموال عن مالك رواية شاذة: إن الزرع لصاحب الأرض، وعليه للغاصب ما أنفق في ذلك. ومال إلى هذا المذهب، واحتج فمِه بحديث مروي، والحديث الذي احتج به خرّجه الترمذي فقال الترمذي في كتابه: قال النبي ﵇ "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه ما أنفقه" (٢) واححج الداودي لصحة هذه الرواية الشاذة عن مالك بأن من غصب أمة فولدت، فإن ولدها يكون لصاحب
стр. 3015
الأم، وقدّر أن النطفة كالبذر، والنماء في بطن الجارية كالنماء في بطن الأرض.
وقد ورد هذا السؤال إلى المهدية، وشيوخ الفتوى فيها متوافرون، فأفتى السُّلَمي، وهو اشهرهم وأفقههم مُنْذُ نحو ستين عاما، بأن الزرع لرب الأرض.
واحتج بما احتج به الداودي، وسطره في جوابه معتمدا عليه، وكأنه نسب هذه الحجة إليه، ووافقتُه أنا في الفتوى حينئذ باختيار هذا القول، وكان معنى الجواب الذي كتب في ذلك: أن الزرع إنما حدث من مجموع أمرين لو انفرد احدهما لم يكن هذا النماء: أحدهما الأرض، فإنها لا تُنبت من غير بذر، والآخرُ البذر، فإنه لا ينبُت في غير أرض، فكان مقتضى هذا الاشتراك أن يكون النماء الحادث مقسوما بينهما, ولكن لا يقفُ على حِدّ ما يكون عن كل واحد منهما من التنمية سوى الله سبحانه الذي خلقهما، وخلق ما يكون عنهما. فلما لم يعلم ذلك وجب إلحاق النماء بأرجحهما، فالأرض ها هنا مرجحة على البذر، لكونها مما لا يُزال بها ولا يُنتقل، والقمح المبذور في الأرض مما يُزال به ويُنتقل.
وقد منع أبو حنيفة تصور الغصب في العقار لهذه الغلة. فكان إلحاق النماء بالأرض أولى، مع كون تنميتها للنبت ليس بظلم ولا حرام، وتنمية البذر ظلم وحرام، والحلال أرجح من الحرام. وقد قيل: إن الأرض قابضة لما فيها، وصاحب البذر لما أودعه الأرضَ زَالَ قبضه عنه، وبقيت الأرض هي القابضة، وقبضها قبض لصاحبها، فكان إضافة هذه التنمية إليها أولى، مع أن سبحانه نبه على علة شرع القصاص مِمّن قتل آخذه (١) ظلما فقال تعالى ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢) والمراد به ما كانت الجاهلية تعبر عنه بعبارة ظهر فَصَاحةُ القرآن فيها وعلوُّها عنها، وكانت تقول "القتل أنس للقتل" ويعني بذلك أن القاتل إذا لم يُقتل بمن قتله استبيحت الدماء، وتفانى الناس بالقتل, لأن كل من علم أنه لا
стр. 3016
يُقتل إذا قتل تكرر منه القتل، وإذا علم أنه يُقتل كفّ عن القتل، فأنزل الله هذا المعنى بلفظ بليغ لا يُلْحَق فقال: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) يريد أن القاتل إذا اقتص منه حفظت حياة بني آدم، فكأن القصاص صار لهم حياةً. ثم فيها تنمية (٢) على العدل، وهو قوله "القصاص" والقصاص إشارة إلى العدل، فورد هذا المعنى في القرآن بلفظين وهما القصاص حياة، من غير تكرير، واوردته العرب بثلاثة ألفاظ، وفيها التكرير، وليس فيها إشارة للعدل، وإذا نبه صاحب الشرع على أن القصاص إنما شرعه لصيانة الدماء، فكذلك يجب أن يكون الزرع لصاحب الأرض المغصوبة، صيانة للأموال والأرَضين عن أن تغصب. وحرمة المال يجب ان تصان كحرمة الدم.
وتعقبت استدلال الداودي بقياس الزرع على حمل الأَمَة, لأنه قد اتفق المذهب على أن من اشترى أرضًا فَزَرَعَهَا، فإن الزرع له. ولو اشترى أمة فاستولدها، فإن الولد لمستحقها, ولكن لا يسترقّه لحُرمة الحرية فيه، بل يأخذ قيمتَه. فإذا افترق الحكمان في الأمة والزرع، فيما كان بوجه شبهة، فكذلك يفترقاد فيما كان على وجه الغصب, لأن الولد من جنس أمّه، فهو كعضو منها يردّ معها، وإن كان استولدها بوجه شبهة، بخلاف الزرع الذي هو ليس بجنس الأرض المغصوبة.
هذا معنى الجواب الذي كان فرط منّى حين افتيت به قديما. فإذا وضع حكم الزراعة مع اعتقاد الإباحة، وثبوت الشبهة، وحكم الزراعة مع اعتقاد التحريم وارتفاع الشبهة، فإنه قد يعرض بين هذين ما يشكل هل هو من هذا الطرف أو من هذا الطرف مثلما في المستخرجة لابن القاسم في ارض ادعاها رجلان كل واحد منهما يدعيها لنفسه، فيأخذ أحدهما فيزرع فيها فُولًا، ثم بعد حين أتى خصمه فزرع فيها قمحا، فأبطل بذلك ما زرعه الأول من القول، فحكم فيها بعد ذلك
стр. 3017
للأوّل الذي زرعها فولا، فقال اين القاسم: يبقى القمح المبذور لزراعه، ويؤدي الكراء إذا كان الإبّان لم يذهب، ويغرم لصاحب القول ما اتلفه عليه وأبطله من القول، قيمتَه على الرَّجاء والخوف أن لا يسلم. ولو توجّه الحكم بهذه الأرض للآخر النبي زرعها قمحا كان عليه قيمة القول على الرَّجاء والخوف ويخفف عنه في التقويم. ويشير بالتخفيف في التقويم إلى أن صاحب القول (١) ولو مُكِّن من إيقافه (٢) فسلم، لوجب عليه الكراء لمن حكم له بها وقد زرع فيها قمحا.
وكان بعض أشياخي رأى أن هذا الذي قاله إنما بناه على أحد القولين في أن الاختلاف ما بين الخصمين بشبهة (٣)، واحد الخصمين إذا زرع مع اعتقاده أنه ادعى باطلا، وحُكم له بغير حق، فإن هذه شبهة تُلحقه بحكم من اشترى ارضا فزرعها.
وأما على القولين (٤) بأن الاختلاف ليس يشيهة، وأنه يجري مجرى الغصب حكمُ من زرع منهما، وقد توجه الحكم لخصمه حكم الغاصب إذا زرع، وقد بينّا حكم الغاصب إذا زرع فأتى مستحقُّ فاستحق الأرض.
وعندي أن هذا الذي وقع لابن القاسم يجري على أمر مختلَف فيه، هو أولى مما قاله شيخنا. وهو أن المذهب على قولين في المترّقبات وإذا وقعت، هل تعدّ كأنها إنما حصلت (٥) اليومَ وقوعها، أو تقدّر أنها لم تزل حاصلةً. وقد تكرر هذا وبيّناه في كتاب البيوع. ولو لم يكن منه إلا ما في كتاب العتق من المدونة فيمن اعتق عبده بحضرة شهود، وجحد العتقَ، ثم استعمله. ذلك تقدم بيانه.
ومما يلحق بهذا ما ذكره عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد في
стр. 3018
شريكين، في أرض، وهي مما ينقسم، فبنى فيها بناء، فقال ابن القاسم فإن وقع النصف الذي وقع بالقسمة للباني [بغير البناء] (١) وإن وقع في نصيب شريكه كان له أخذه بالقيمة، على ما تقدم في المشتبري إذ ابن ي أو غرس فاستُحِق ما في يده. وقد بيّناه.
ولو كانت الأرض مما لا ينقسم ويجب بيعها جملةً، لكان الثمن إذا بيعت به ينظر فيه: ما زاد البناء على قيمته براحا، فيكون الباني كما قيل في مركب بين شريكين أصلحه أحدهما فإنه إذا بيع كان لمن أصلحه ما زاد في ثمن الإصلاح.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
كان الترتيب عندنا يقتضي أن نؤخر الكلام على هذه المسألة إلى كلامنا على من اشترى أمة فاستولدها فصار لها بالالستيلاد حرمة، ولكن قدمنا الكلام على هذه المسألة ها هنا باتصالها بأحكام الأبنية.
واعلم أن من بني داره مسجدًا فأتى من استحق الدار فإنه باستحقاقها لما صار مستحقا لإزالة ما بني فيها، أو يتملكّه إن كان مما يُتملكّ، على ما تقدم تفصيل القول فيه. فقال ابن القاسم في المدونة، فيمن بني داره مسجدًا، فأتى من استحق الدار: إن المسجد يهدم. وأطلق القول في ذلك، ولم يفرق فيه بين كون الباني للمسجد بناه وهو غاصب للأرض، أو مشتر لها.
وتأول هذا الإطلاق سحنون على أن محمله على كون الباني غاصبا للأرض. وأما لو كان بوجه شبهة كالمشتري للأرض بني فيها مسجدًا، فإن الحكم عند سحنون أن يعطي مستحقُّ الأرض بَانِيَ المسجد قيمَة بنائه قائمًا. فإن أبى أعطاه الباني قيمة الأرض. فإن أبى كانا شريكين، على حسب ما تقدم بيانه
في حكم من بني بوجه شبهة.
стр. 3019
وعارضه ابن عبدوس في هذا الجواب لكونه يقتضي إبطال التحبيس.
فانفصل له عن ذلك بأنه إذا أخذ قيمه البناء صرفه في حبس مثله.
ومذهب بعض أشياخي أن المذهب على قولين في كون البناء للمسجد وقع بوجه شبهة: فسحنون يجري حكم مالًا حرمة له من الأبنية، ويمكنّ (١) المستحق من أن يعطي قيمة البناء قائما.
وظاهر إطلاق قول ابن القاسم أنه يهدم، ولو كان البناء بوجه شبهة، لأنه (٢) يفصل في جوابه.
وأيضًا فإن سحنون وافقه على أن الباني لو كان غاصبا للأرض لهُدِم المسجد عليه، والحكم في الغاصب، إذ ابن ي مالًا حرمة له، تمكينُه من تكليف الغاصب قلع بنائه، وإعطائه قيمة النقض بعد أن يحط أجر القلع، كما قدمناه في البناء الذي لا حرمة له. فإذا وافق سحنون ابنَ القاسم في افتراق الحكم في بناء الغاصب مالًا حرمة له، وماله حرمة فلم يفكهت المستحق من إعطاء قيمة النقض للغاصب، ومكنه من ذلك إذا كان البناء لا حرمة له، فكذلك ينبغي أن يفرِّق الحكم فيمن بني بوجه شبهة بين أن يبني مالًا حرمة له أو يبني ماله حرمة.
واعلم أن مثار الخلاف في هذه المسألة تزاحُمُ حقيْن فيها: أحدهما حق الله سبحانه، وهو المنع من إبطال الاحباس وتملِكُّها، والثاني حق المخلوق، وهو الباني، في أن لا يُبِطل عليه ملكَه، ويُفسِد بناءَه، فتذهب نفقته باطلا، فأي الحقين يقدم؟
قدّم ابن القاسم حق الله سبحانه في أن لا تُغيَّر الاحباس ولا تُتَملك، فأمر بهدْمها, ولم يلتفت إلى ابطال حق الباني في البناء.
وغلب سحنون حق الباني، فلم يتلفْ عليه ما انفق، وجعل له أخْذَ قيمة
стр. 3020
بنائه قائمًا. ولكن هذه العلة قد تُنقَض عليه بموافقة ابن القاسم إذا كان غاصبا للأرض، بأن بناءهَ يُهدم ويُعطى نقضَه يبني به مسجدًا آخرَ. وفي ذلك أيضًا إبطالٌ لحق المستِحق للأرض, لأنه إذا مُكِّن من اعطائه قيمة النقض، بقي النقض مبنيا له.
(لكن هذا الحق الذي صورناه له ليس له فيه إيطال ما أنفقه، وإنما فيه حِرْمانه أخذَ بنائه، وتلفيق فعله غيره، وشتان بين اتلاف ملك محقق وبين منع إنسان من أن يأخذ ملكا من يد غيره لم يسبق له فيه ملك.
فهذا العذر عنه عندي في تفرقته بين كون البناء الذي يحترم بناؤه بَناهُ غاصب، ولو بناه من له شبهة في البناء.
(وبعض أشياخي يشير إلى هذا الخلاف في بناء يصح الانتفاع به ويبعد وهو على صورته، وأمّا مالًا يحل الانتفاع به وهو على الشكل الذي هو عليه (١)).
وإذا قلنا: يهدم هذا المسجد، فإن انقاضه تنقض (٢) فيبنى بها مسجد يقرب من المسجد المهدوم. وإن تعذر بناء المسجد بذلك البلد، فقال بعض الأشياخ ينُقل إلى مكان أخر وتؤدَّى أجْرة نقله منه، ويبنَي هناك بالانقاض مسجدًا.
وهذا مما ينظر فيه لأن المحبِّس قد يكون له عوض (٣) في بناء المسجد في بلده، فإذا نُقِل خولف غرضه فيه، فينظر هل تُرَمّ به مساجد في البلد بعينه أم لا فيكون ذلك أقرب إلى قصد المحبس.
وسنتكلم على هذا الأصل في كتاب الحبس، إن شاء الله تعالى، فإن فيه اضطرابا في المذهب. هذا حكم البناء المحترم في أرض غير محترمة.
وأما حكم البناء الغير المحترم في أرض محترمة، فإن سحنونًا قال، فيمن
стр. 3021
بني في أرض ثبت بعد ذلك أنها حبس: إن بناءه يهدم. قال ابن عبدوس: قلت: كيف يهدم عليه بناؤه، وقد بناه بوجه شبهة؟ قال: من يعطيه قيمته؟. قال: فقلت له: يكونان شريكين في الأرض والبناء. فأنكر ذلك. فقال من حضر: يكون ذلك بيعًا للحبس. وسحنون يسمع فلم ينكر ذلك. فقال: فقلت له: يعطَى المحبِّس قيمة البناء. فلم ير ذلك.
فاعلم أن الأصل الذي نبهنا عليه في تزاحم الحقوق يجري ها هنا، أما الشركة أو إعطاء الباني قيمةَ الأرض المحبسة، فإن ذلك إبطال للحبس، وبيع له، نهى الله سبحانه ألاّ (١) تباع الأحباس. وأما هدم البناء، ففيه إفساد المال على الباني، وله حق في ألاّ يَفْسُد ماله، كما قدمناه، فيمن بني داره مسجدًا.
لكن هناك مالك الأرض يصحّ أن يمكن من دفع قيمة البناء، وها هنا ليس يوجد مالك الأرض المحبسة فيؤمر بإعطاء قيمة البناء، (فالثمن من اعطاه قيمة البناء وتعذر ذلك) (٢)، فافترق الجواب في السؤالين عند سحنون. وأما منع سحنون في هذه المسألة من تمكين المحبِّس من اعطاء قيمة البناء، فإنْ كان مراده أنه يعطي ذلك ليتملك ويبقيه في الأرض المحبسة، فإن ذلك تغير (٣) للحبس، وقد يكون الحبس وقع لغرض منفعة يُبطلها البناء في الحبمس، مع كونه إذا أبقاه على ملكه تملَّك بعض أجزاء أرض الحبس، وإن أزاد أن يُلحقه بالحبس اعتبر فيه ما ذكرناه من تغيير المقصود بالحبس والمنفعةِ التي حُبِّس عليها.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
امّا من اغتلّ، وهو مشتر قد دفع ثمنا فيما اشترى، فقد تقدم أن الغلآتِ له إلى يوم الاستحقاق، على ما فصلناه هناك. وأما من بيده الربّاع، ولكن لم يؤدِّ عنها عوضًا، كوارث ورث أرضًا عن أخيه، فأكراها، فأتى ولد الميت فاستحق
стр. 3022
جميعها، (١) وأتى أخ فاستحق مشاركة هذا الأخ في ميراثهما فإن الغلّة تؤخذ جميعُها من يد مكتريها إن أتى مَن يحجُبُه عن الميراث، أو يؤخذ نصيب القادم إليه من الميراث، وهذا إذا أكرى بالقيمة.
وأمّا إن حابي في الكراء فهو واهبٌ لمَا حطَّ من قيمة الكراء، فلا تلزم هذه الهبة القادمَ الذي إستحق جميع هذه الأرض، أو استحق بعضَها، إذ ليس للإنسان ان يَهَب مال غيره، ولكن ينظر فيمن يُرجَع عليه بهذه الهبة، الثي هي المحاباة، هل الوارث الواهب (١) والمكتري المنتفع بالأرض والدار؟
وأما الرجوع على المكتري إذا كان الوارث الذي اكترى منه وحاباه معسرا فلم يختلف القول عندنا أنه يرجع عليه بهذه المحاباة, لأنه قد أنتفع بمال الوارث القادم بغير عوض بَذَلَهُ في مقدار ما حاباه الوارث الذي أكرى منه، ومن انتفع بمال غيره بذِر عوض من غير أن يأْذَن له المالك في الانتفاع به، فإنه يغرم للمالك قيمته ما انتفع به.
وأما إن كان الوارث الذي أكرى هذه الأرض موسرًا ففيه قولان: أحدهما انه يرجِع الوارث القادم على أخيه الذي أكرى نصيبه يغير إذنه.
وإلى هذا ذهب ابن القاسم في المدونة وقال غيره: لا يرجع الوارث القادم على الوارث الذي أكرى وإن كان موسرا.
واعلم أن من أتلف مال غيره تعديا وظلمًا، فإنه يطالب به بغير خلاف.
وإن أتلفه خطأ وبوجه شبهة، وهو مأذون له في التصرف إذنا خاصا، فإن فيه قولين: هل يضمنه أم لا؟
إذا كان لم ينتفع بإتلافه فإنه يرجع عليه بعوض ما أتلف.
وتفصيل ذلك أن الغاصب إذا وهب لرجل ما غصبه، والموهوب له غير عالم بالغصب، فانتفع به الموهوب له معتقدًا انه لاعوض عليه فيه، فأتى من
стр. 3023
استحق، فإن فيه ثلاثة أقوال:
احدها أن المستحق يبدأ في الغرامة بالموهوب له المنتفعِ بهذا المال، وإن لم يوجد عنده مال رجع على الواهب (١) والقول الثالث ان المستحق بالخيار بين أن يبدأ بغرامة الواهب أو بغرامة المنتفع الموهوب له.
وسبب الاختلاف أن ها هنا إتلافين:
أحدهما: بالتسليط والتمكين في مال الغير، وهكذا فَعَل الغاصب فيما غصبه ثم وهب, لأنه سلّط الموهوبَ له على إتلاف هذا المال ودَفَعه إليه ليُتلفه.
والثاني: أن الموهوب له باشر الإتلاف والمباشرة للاتلاف هي الأصل في غرامة الاعواض
وأما الأسباب المؤدية إلى الإتلاف من غير أن تكون مباشرة للإتلاف، ها هنا يَضطرب العلماء، وينظر المحققون فيما صار كإتلاف من الأسباب فيُلحقونه بحكم الإتلاف، وما بَعُد من ذلك حتى كأنه لم يكن سببًا في الإتلاف لم يُجروا عليه حكم مباشرة الإتلاف.
وهاهنا إتلافان: أحدهما من الغاصب بالتسليط والتمكين، والتسليط سبب يزاحم الإتلافَ مباشرةً. وإتلاف الموهوب له، وإن كان مباشرة، فإنه مخطى في الإتلاف معتقدًا أنه أتلف مالًا عِوَضَ يلزمهْ فيه، والغاصب سبب الإتلاف، وهو وإن لم يكن باشَرَهُ فإنه يعلم أنه متعدٍّ في ذلك، فاعلٌ مالَا يحلّ له، وإن لم يكن مباشرًا على مباشرة إتلاف يحلّ، والحرامُ يرجَّح على الحل الذي وجوب الغرامة. أو ترجح المباشرة للإتلاف، وإن كانت حلالًا في الظاهر، على سبب الإتلاف. وإن كان حرامًا. ها هنا وقع الاختلاف في أي الأمرين أرجح؟ فمن حكم ببداية غرامة الغاصب الواهبِ رتجح جانبَه في الغرامة بكونه فَعَل مالًا يحل
стр. 3024
له. ومن رجّح في الغرامة جانب الموهوب له رجحها بالمباشرة، فلهذا حكم ببدايته في الغرامة. ومَن ساوى بين الترجيحين خيّر صاحبَ المال فيمن يبدأ بغرامته، هل الواهب الغاصب أو الموهوب له؟ هذ حكم هبة الغاصب. وأما هبة من وهب بوجه شبهة، فالأشهر من المذهب أنه لا غرامة عليه. وذهب ابن القاسم إلى الحكم بغرامته، كما حكيناه عنه ها هنا في الوارث إذا أكرى محابيا في الكراء. وهذا أصل مقرّر في المذهب أن. متلِف الشيء إذا انتفع به غرم عوضَه وإن كان بوجه شبهة في يديه. وإن لم ينتفع بإتلافه، وقد أتلفه خطأ، ففيه قولان، ألا ترى ان من اشترى طعامًا فأتلفه، ثم أتى مستحقه، فإن مشتريه الذي أكله يغرمه له. ولو اشترى عبدا فقتله عمدًا، ثم أتى مستحقه، فإنه يغرمه له أيضًا لأن تعمُّدَ القتل لا يحِل، فضمِن وإن لم ينتفعْ، لأجل تعديه وظلمه، فإنْ قتلَه خطأً ففيه قولان: تضمينه، وإن لم ينتفع بذلك، لكون الخطأ والعمد في اموال الناس سواء، أوْ لَا يضمنه لإذْن الشرع في التصرف له خاصّا.
وهذا التأصيل الذي أصلناه يجب أن يستوي حكم المشتري إذا وهب ما اشتراه فأتلفه الموهوب له، وحكم الوارث إذا وهب ما ورثه, لأن الأصل الذي رددنا هذا الفرع إليه يستوي فيه (من وهب في يديه بوجه شبهة كان الذي في يديه كالمشتري، أو بغير عوض) (١). على أن بعض المتأخرين حاول الفرق بين هبة من كان في يديه الشيء الموهوب بعوض أو بغير عوض، فقال: أما إذا كان في يديه بعوض فيحسن ألا يغرم ما وُهب، وإن كان في يديه بغير عوض فإنه يحْسن أن يغرم, لأن الوارث الذي في يديه المال بغير عوض إذا وهبه لغيره اتُّهِم في أن يكون عَلِم أن يكون شاركَه وارثٌ آخُر، فكتم ذلك وأخفاه، وعقد هذا على الموهوب له بمال غيره، والمشتري يبعد هذه التهمة فيه لأنه أدى ثمن ما وهب، فلا يتهم في أن يتلف مال نفسه بالهبة.
стр. 3025
ومن سلك هذه الطريقة تأوّل ما وقع لابن القاسم في المدونة في الوارث إذا أكرى وحابى فقَدِم أخوه، فإنه إنما قال ابن القاسم: يرجع على أخيه بالمحاباة, لأنه لم يُرد فيما وهب عوضا، فتصورت منه، بما ذكرناه، التهمة.
فعلى هذه الطريقة ترتفع في هبة المشتري, ويكون الحكم فيها ألاّ يغرِم المشتري ما وهب.
ومن الأشياخ من حاول أن يرفع الخلاف في المشتري من طريقة اخرى، فيحْمل قوله في المدوتة: إن الأخ القادم يرجع على أخيه بالمحاباة، على أن الأخ الذي اكترى علم أن للميت أخا آخر، وهو إذا كان عالماً صار غاصبا، والغاصب يغرم، وإنما اختلف في البداية (١) أو بالموهوب له، كما قدمناه، ويرى أن قوله في المدونة: يرجع على أخيه بالكراء، علم أو لم يعلم، ثم قال: فإن حايى في الكراء رجع على أخيه. فإنما هذا الكلام مستأنف معناه إذا كان الأخ عالماً.
وكان شيخي أبو محمَّد عبد الحميد، ﵀ يرى أن في هذا الكلام احتمالا، كما أشار إليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، ولكن الظاهر عند شيخنا أن هذا الكلام، وهو قوله "وإن حابى" معطوف على ما تقدم. وقد تقدم قوله:
سواء علم الأخ أو لم يعلم.
ويعتضد من تأول عن ابن القاسم أن مراده بإطلاق القول في الرجوع على أخيه إذا حابى كونُ الأخ عالماً، فإنه قال في المدونة: إذا اشترى دارا فأكراها فهدمها المكتري فترك (٢) له مشتريها الذي أكراها قيمة الهدم، فإن مستحقها إذا قدم لا يرجع على الواهب، ويرجع على المكتري بما وهبه من قيمة الهدم.
فأسقط هاهنا الرجوع بالهبة لما كان الواهب وهب بوجه شبهة.
وهذا الاستدلال ممن استدل به غير صحيح, لأن المشتري لم يسلّط
стр. 3026
المكتري على هدم الدار، ولا أمره بذلك، ولا أمكنه منه، وإنما وجبت على المكتري الهادم قيمة الهدم في ذمته، فاعتقد المكتري أنه يستحق ذلك في ذمة الهادم بوجه ما يعتمد أنه يملكة، فإذا كشف الغيب أن غيره هو مالكه لم تلزمه غراهة ما وهب، ولا يلزمه طلبه. بخلاف الأخ إذا أكرى فحابى فإنه سلط المكتري الساكن على إتلاف المنافع، ومكنه منها بغير عوض، فصار كالمسِلّط على الإتلاف، وقد قدمنا أن المسِلّط على الإتلاف كالمباشر له.
واعلم أن المتأخرين كثر اضطرابهم في ضيط المذهب في هذا فمنهم من يرى أن الخلاف إنما يتصور في هية الغاصب لرجل قَبِل الهبة، ولم يعلم أن واهبها غاصب. فقيل بغراهة الموهوب له الذي انتفع بالهبة، وقيل: بل المستحق السلعة المغصوبة فيمن (١) يبدَّأ بغرامته.
وإن استغرم الموهوب له المنتفع، ففيه اختلاف أيضًا: هل يرجع بما كرم على الواهب بأنه غرّه أم لا؟ وهذا تقدم مبسوطًا.
وأما الواهب إذا وهب ما يعتقد أنه له، فإنه لا يطلب بغرامة، موسرا كان أو معسرا.
وهؤلاء الاشياخ يشيرون إلى ارتفاع الاختلاف في هذا ولا يفرقون بين الواهب مشتريا أو وارثا. ومنهم من يرى أن المذهب على قولين في الرجوع على الواهب إذا وهب ما يعتقد أنه ملكه، ولا يفرقون بين كون الواهب مشتريا أو وارثا. وهذه طريقة الحذاق من الأشياخ بناء منهم على ما عُرف من أصول
المذهب أن المنتفع بوجه شبهة يغرم. وإذا لم ينتفع وإنما سلط غيره على الانتفاع، أو أخطأ فأتلف ما في يديه بغير انتفاع منه، فإن المذهب على قولين، فيمن اشترى عبدا فقتله عمدًا، فإنه يضمنه, لكونه فعل مالًا يحلّ له، وإن قتله
стр. 3027
خطأ ففي تضمينه قولان لأنه أتلف على وجهٍ لا منفعة له فيه، وسواء كان المتلِف مشتريا أو وارثا.
ومنهم من يشير إلى طريقة ثالثة، ويرى أن الواهب إذا كان مشتريا فوهب، فإنه لا يضمن، وإن كان وارثا فإنه يضمن. ويعتلّ هؤلاء بأن الواهب إذا وهب ما ورثه فإنه يُتَّهم أن يكون علم من شاركه في الميراث، فكتم ذلك، وأظهر أنه أتلف ما وهب غلطا منه، والمشتري يَبْعُد تصور هذه التهمة فيه، لكونه بذل ثمنا فيما وهبه، فلا تتطرق إليه هذه التهمة.
وهذه الطريقة بعيدة عن ظاهر الروايات، ألا ترى أن ابن القاسم قال، فيمن اشترى ثوبا فوهبه لمن لبسه حتى أبلاه: إن الواهب لا يضمن. وقال في المدونة، في كتاب كراء الدور والأرضين, في الوكيلَ إذا وُكِّل على كراء دار فحابى: إنه يضمن.
وهذا مما غرّ أصحابَ هذه الطريقة، ورأوا أن الفرق بين المسألتين كون المجموعة (١) وقعت في مشترٍ بذل عوضا فوهب، ومسألة كراء الدور والأرضين وقعت في وكيل لم يبذل عوضا. وقد نص ابن القاسم في المدونة، في كتاب القسم، على فساد هذه الطريقة، فقال، فيمن وُصِّيَ له بثلث دار، فأتى فوجدها قد فاتت في يد الورثة بهدم: إنه لا يضمن الورثة قيمة الهدم، قال: ألا ترى أن مالكا قال، فيمن اشترى دارا فهدمها، ثم أتى مستحقها: أنه ليس له تضمين المشتري قيمة الهدم. فاستشهد بنص مالك في المشتري على من ملك الشيء بغير عوض. ولو كانا يفترقان عنده، كما أشار إليه بعض الأشياخ، لم يكن لاستدلاله وجه، ولم يساو بين مسألتين مفترقتين، على رأى هؤلاء المتأخرين الذين أشاروا إلى ما ذكرنا.
وإنما التحقيق ما قدمنا مرارًا من أن الخطأ والعمد في إتلاف أموال الناس سواء، إلا أن يكون المتِلف له إذن خاص فيُخْتلفَ فيه. وقد ذكرنا مثل هذا في مسائل.
стр. 3028
ومما يلحق بهذا حكم اغتلال الوارث لما ورثه، فإنه متى طرأ عليه وارث يستحق جميع ما في يديه، ويحجبه عن الميراث، كولد طرأ على الأخ، أو طرأ عليه وارث فشاركه فيما ورث، كأخ طرأ على أخ، فإنه يطلب القادمُ من قَبضَ الميراثَ واغتله بما اغتل، بخلاف المشتري إذا اغتلّ فإنه لا يردّ الغلة لكونه بذل عوضا فيما اغتله، فلا يجتمع عليه حِرمانُ انتفاعه بالعوض الذي بذل، وحرمانُ الاغتلال، وأيضًا فإنه لو هلك ما اشتراه في يديه لم يرجع بالثمن، وكان ضمان الثمن منه. وقد قال ﵇: "الخراج بالضمان" (١) والوارث لم يبذل شيئًا، فيكون ضمانه منه، ولا حَرَمَ التَّجْرَ بثمن يحَسُن أن يرجع بالغلة. وكذلك الحكم في هذا الوارث لو لم يغتل، ولكنه لو سكن أو زرع، فإن للوارث القادم أن يرجع عليه بقيمة ما انتفع به.
هذا هو الأصل في المذهب، وهو الذي قاله ابن كنانة. لكن ابن القاسم فرّق بين انتفاعه بنفسه، واغتلاله، فقال: يردّ الغلة، ولا يؤدي كراء ما سكن، إذ قد يكون في نصيبه ما يكفي، عن سكنى نصيب أخيه. فكأنه لم ينتفع بمال أحد ولا هو غاصب له، فإنه لا يغرم عن منافعه عوضا. وهذا يقتضي انه لو طرأ وارث حجبه حتى لا يرث شيئًا، فإن للوارث القادم أن يطلبه بقيمة ما انتفع به، لارتفاع العِلَّة التي ذكر ابن القاسم من كون (٢) إذا شاركه في الميراث فإنه يمكن أن يكتفي بمقدار نصيبه الذي ورث.
والجواب عن السؤال التاسع (٣) أن يقال:
إذا اشترى دارا فأكراها فأتى مستحق فاستحقها فله فسخ العقد فيما لم يَفتْ من المدة، وكراؤه لمن اشترى الدار فأكراها، كما تقدبم بيانه، (٤) لو كان
стр. 3029
الذي اكراها شرط نقد جميع الكراء حين العقد، فلما جاز (١) المستحق ما فعله المكتري من عقد الكراء بالنقد قال المكتري: إنى أتخوف ميت المستحق، أن يَبطُل الكراء بما يطرأ على الدار، ولا نجده (٢) عند المستحق مالًا أرجع فيه، فلا أقبل منه إجازته الكراء، فإن في المدونة: لا مقال له إذا كان المستحق مأمونا ولادين عليه، وإن لم يكتب مأمونا أو عليه دين كان من حىّ المكتري أن يسترد النقد، ويقال للمستحق: تجيز العقد على أنَك (٣) تنتقد ما انتقده المكري وإنما تأْخُذُ بحساب ما سكن المكتري أوْ تفسخ الكراءَ. وقد تعقب الأشياخ ها هنا كون المستحق عليه دين, لأنه لو فُلّس، وأحاطت الديون بما في يديه، كان الساكن أحقّ بسكنى الدار من سائر غرماء المستحق فلا يلحق الساكنَ ضرر لكون المستحق مديانا. وأما التعليل يكون الدار مخوفة فإنه لا يجوز اشتراط النقد في الدار التي يُخاف سقوطها، وبطلان عقد الكراء فيها، كما لا يجوز كراء أرض غير مأمونة ويشتوط النقد فيها، على ما سيرد بيانه في كتاب الدور والأرضين، إن شاء الله. لكن لو كان النقد تطوَّعا من المكتري، وأراد بهذا التطوع مكارمة الذي أكرى الدار منه، لم يلزمه أن ينقد هذا الكراء للمستِحقّ إذا كان المستحق غيرَ مأمون على صفة ما ذكرنا، كمن وهب هبة أراد بها عين الموهوب له، فلم يقبضها حتى مات، فإنها لا تورث عنه. ولو أراد هذا المكتري بتطوعه بالنقد، بعد صحة العقد، ابراءَ ذمته من الكراء، (أو لم يؤدّ عين) (٤) الذي أكرى له الدار لكان من حق المستحق أخذُ الكراء, لأنه تبرأ ذمته أيضًا بقيض المستحق (٥) والكراء، فلم يبطل عليه غرض يكون له سببه (٦) مقال.
стр. 3030
ولو كانت الدار إذا انهدمت بقي من نقْضها ما يَوفّي بالنقد الذي يأخذه المستحق لارتفعت علّة التخوّف منه، وكان من حقه أن يأخذ النقد.
وإذا تقرر أنه بالخيار بين أن يجيز العقد أو يفسخه، فإنه بأن (١) لا يُمضي العقدَ إلا بعد علمه بمقدار ما ينوب ما مضى من شهور السنهّ التي لا حق له في غلتها وما ينوب المشهور التي تبقى من السنة التي يستحق هو غلّتها, لأنه إذا أجاز ذلك صار (٢) ملك الفسخ فاستأنف الإجارة بثمن مجهول. وهذا الأصل مختلف فيه: يمنعه ابن القاسم، ويجيزه غيره.
وكذلك الخلاف في جمع رجلين سلعتيهما في عقد واحد من غير معرفة كل واحد منهما ما ينوبه من الثمن. وعلى هذا خرج الاشياخ الاختلاف في هذه المسألة من إلاختلاف في جمع السلعتين.
وكان بعض أشياخي يرى أن هذه المسألة ليست كمسألة جمع السلعتين، لأن هذا إذا أجاز عقدَ المُكري، فكأنه صار وكيلا له، والوكيل له أن يبيع بثمن لا يعرف حدَّه الموكِّل، لا سيما علي القول بأن المترقَّبات إذا وقعت فإنه يُقَدَّرُ وقوعها يوم الأسباب التي انقضت أحكامها، وإن تأخرت الأحكام عنها، وقد قدمنا هذا مرارا.
ومما ينخرط في هذا السلك مكتري دار فاستُحقت منها بيت، أو استُحق منها جزء معلوم، كنصفها أو ثلثها مما يلحق المتكرىَ ضررُ باستحقاقه ومشاركته في السكنى، فإن المكرّي إذا كان له الردّ فلا تنبغيّ له الإجازة إلا بعد أن يَعلم مقدار ما يلزمه فيما يستحقُّ، على أحد القولين اللذين ذكرناهما الآن.
وقد وقع في المدونة في هذا السؤال، لغير ابن القاسم أنه لو استُحق نصف الدار أو ثلثها لم يكن للساكن أن يتمسّك بما بقي لأنه يكون تمسَّكَ بمجهول.
стр. 3031
وتأول سحنون أن مراد غير ابن القاسم بما قاله كونُ المشهور تختِلف قيمتُها، فلا يتصوّر ما اعتلّ به الغير، إلا أن تكون المشهور تختلف قيمتها. وأما إذا تساوت قيمتها فلا شك أن ما استحق معلوم، وما بقي من السَّنَة معلوم, لأن من اكترى دارا بعشرة دنانير فاستحق نصفها فإنه معلوم أن ما سكن، وهو نصف السنة، تنوبُه خمسة دنانير، وكذلك تنوب الخمسةُ الباقية، فما اعتل به غيرُ ابن القاسم من الجهالة لا يتصور ها هنا.
وهذا الاستدراك الذي استدركه سحنون على ما قاله غير ابن القاسم تدارك (١) أيضا الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد على تأويل سحنون على أنه سكن بعض السنة، والشهور تختلف، بهذين (٢) الشرطين تتصور الجهالة التي أشار إليها غير ابن القاسم.
وأما إذا لم يسكن، والشهور مختلفة، فإنّ اختلافها لا تتصور معه الجهالة, لأنه يبدأ بالنصف، الذي لم يُستحق من أوَّل السنة، فيسكنه إلى آخرها، فلا تصور ها هنا جهالة.
وممّا يلحق بما نحن فيه أن المستحق إذا أجاز العقد، فهل يحلّ محلّ المكتري (٣) الذي تولّى العقد أم لا؟ مثالهُ أن يُكري رجل أرضا بِعبدٍ أخذه من المكتري، فأتى مستحق استحق العبد وأخذه من يد مكْري الأرض، فإن الكراء ينفسخ من مكري الأرض ومكتريها, لكون صاحب الأرض إنما رضي بكرائها بعبد بعينه لغرض له فيه، فإذا استِحُق العبد رجع فيما أعطاه عوضا عن العبد، وهي منافع الأرض التي أكراها. وهذا إذا لم يكن المكتري أفات الأرض بأن زرعها ولا بأَنْ حرثها، فإنه إن كان المكتري زرعها أو حرثها، فإن ذلك فْوت فيما بين المكري والمكتري. وإنما لمكتري الأرض أن يرجع بقيمة كراء السَّنَة
стр. 3032
التي وقع العقد عليها. وأما إن أتى من استحق العبدَ فلم يأخذْه، وقال: أنا أجيز العقد، وآخذ عوض العبد، وهي منافع العبد، وأحُلّ في ذلك محك مكتريها إذا ارتجعها. فأما إن وجد المكتري قد زرعها، فذلك فوت، وليس له ارتجاع الأرض، لما يتضمن ارتجاعها من إفساد زراعة المكترى وأما إن وجدها لم يزرعها المكترى، ولكنه قبلها (١) فإن فيه قولين:
أحدهما: إن ذلك فوت أيضًا في حق المستحق، كما كان فوتا فيما بين المكري والمكتريء والقول الثاني: إن ذلك ليس بفوت، وللمستحق أن يعطي الحارثَ قيمةَ حرثه، ويأخذ الأرض. فإن أبى أعطاه الحارثُ قيمة كراء السنة.
وهذا لأن المستحق لعين الشيء لم يأذن لمن هو في يديه أن يتصرف فيه، ولا سلّطه، على حرثه والتصرف فيه، ولا أذن له في ذلك، فكان من حقه أن لا يُفيت الأرض بحرث لم يَأْذن فيه، ولم يسلط المكتري عليه، بخلاف الحكم بين المكري والمكتري فإن المكريَ قد سلط المكتري على حراثة الأرض والتصرف فيها، فليس له أن يبطل حكم تصّرفٍ أَذِنَ فيه وسلط المتصرف عليه.
وهكذا لو اشترى رجل عبدا فأعتقه، ثم أتى مستحق عيْن العبد، فإن له أن يبطل عتق المشتري لكونه لم يسلط المشتري على التصرف، فكان له ردّ العتق.
ولو أنه أجاز بيع العبد، وأراد أن يأخذ عوضه، وكان عوضه جاريةً أعتقَها من هي في يديه، فهل له أن يرّد عتقها ام لا؟ هذا على القولين المتقدمين: ففي الموازية: يحل محل من استخق عين الجارية، فيرد عتقها. ولو استولدها من هي من يديه لأخذَها وقيمةَ ولدها.
وخالفه سحنون ورأى أن من أجاز بيع ما استحقه، واراد أن يأخذ عوضه، فوجده في يد مشتريه قد حال سوقُه، فإنه يُمنَع من أخذه. كما يكون الحكم بين
стр. 3033
البائع والمشتري إذا استُحِق ما في يد أحدهما، وأراد أن يرجع فيما دفع، فوجده قد حال سوقه، فإنه يُمنَع من أخذه بعينه، وإنما له أخذ قيمته.
وهذا عندي يجري على الأصل الذي ذكرناه مرارا، وهو المترقبات إذا حصلت هل يعد حصولها يوم وجودها، وكأنها فيما قبْلُ كالعدم، أو يقدّر أنها لَم تزَل من حين حصلت أسبابها التي أثمرت أحكامها وأُسنِد الحكم إليها، فإن قلنا: إنها إنما يقدر حصولها يوم المحاكمة، وفيما قبل ذلك هي كالمعدومة، فإنه تقوى ها هنا طريقة ابن المواز. وإن قلنا: إنه أجاز العقد فكأنه لم يَزَلْ ماضيا، فكأنه كالإذْن في التصرف، فتقوى طريقة سحنون وبالله التوفيق.
ومما يلحق بهذا الاسلوب ما ذكره في المدونة فيمن أوصى بوصايا فأنفذها الوَصي، ثم أتى من أثيت أن الميت الذي وَصَّى مملوك له، وحُكم له بذلك، فإنه إن كان الميت مشهورا بالحرية فلا تباعة على الوصي، ولا تلزمه غرامة ما أنفذه من وصاياه. ولو باع في وصاياه سلع الميت لكان لمن استحق رقبة الميت أن ينقض البياعات إذا لم تتغير السلع في يد من اشتراها, ولكن بعد أن يدفع أثمانها لِمنَ اشتراها من الوصي. وكذلك قال فيمن شهد شهود بموته على مشاهدة شخصٍ ميتا، كقتيل قتل في معترك، فإن الشهود الذينْ حكم القاضي بشهادتهم إن كان تعمدوا شهادة الزور (ترد فيما باع من تركته، و) (١) كانت باقية في أيدي مشتريها لم تتغير، أو كانت فاتت أو تغيرت. وأما إن اشتبه عليهم بأن رأوا شخصا؟ ميتا فاعتقدوا أنه فلان الذي شهدوا بموته أو تقلوا ذلك عن شهود أشهدوهم على شهادتهم، فإن البياعات ماضية إذا تغيرت في يد مشريها، وإن لم تتغير فللقادم الذي شُهِد بموته أن يأخذها من يد مشتريها بعد أن يدفع إليه الثمن.
وأما زوجته فترد إليه في القسمين جميعًا، تعمدوا الزور في شهادتهم أو كانوا شبّه علمهم، فأمضى العتق في المدونة إذا كان الشهود شبه عليهم، ولم
стр. 3034
يمضه إذا كان تعمدوا الزور. وفرق بين حكم الزوجة وحكم البياعات، ولم يفرق يينهما إسماعيل القاضى في الميسوط، ووأى أن الحكم يزول (١) عصمة الزوجة نافذ إذا زوجها (٢) آخّر، فأمضى الحكم وإن كان غلطا في الباطن في الزوجة والمال, وإن اختلقت الحرمة فيهما.
وكذلك قيل أيضا: إن العتق يردّ، ولو كان الشهود شُبه عليهم. فصار في امضاء العتق قولان، وفي امضاء الحكم. بزوال العصمة عن الزوجة قولان: فالتفرقهّ بين الزوجة والبياعات عند من ذهب إلى هذه الحِرمة (٣) الفروج والاطلاع على العورات وانتشار الحرمة والمصاهرات، والتسوية بين العصمة وبياعات السلع لم. لأجل نفوذ الأحكام بما هو صواب في الظاهر.
واعلم أن هذه قاعدة التفرقة بين كوفي الشهود شهدوا وقد تعمّدوا الزور، أو شهدوا غلطا منهم، قد اتفق المحققون أنه لا يتصور فيها فرق واضح بين حالتي الشهود حتى (إذا مد اليح) (٤) الشيخ ابا القاسم السيوري إلى أن قال في هذا وفي غيره من أمثاله الذي لا يتصور قيها فرق: إنهما قولان جمعا في التأليف، وكأن السامع سمع تخصيص السائل لمالك بأن الشهود تعمدوا الزور، فقال: تنقض الأحكام المبنية على شهادتهم. ولو سئل حينئذ سؤالا مطلقا غير مقيد بتعمد الزور لأجاب بنقض الأحكام. وسئل مرة أخرى، وقد قُيِد له السؤال بشهادة شهود شبِّهَ عليهم؟ فقال: تمضي الأحكام. وقد (٥) أطلق السّؤال حينئذ لقال أيضًا تمضي الأحكام. وهذا هروب من الاعتراف بأنه لا يتضح له فرق إلى ما يوقع الرواة في جهالة أو تكذيب.
стр. 3035
وكذلك اعتذر القاضي إسماعيل عن هذه التفرقة بأن قال: إنما فرق مالك بين كون الشهود تعمدوا الزور، أو شبه عليهم، إذا كان الورثة هم الذين تلوا (١) بيع مال الميت. واما لو حكم بذلك الحاكم لم يفترق الحكم بين كونهم شهدوا بالزور أو شُبّه عليهم.
وهذا الذي تأولوه نص على خلافه في المدونة, لأنه ذكر في تمثيل كون الشهود شبه عليهم، قال: أو شهدوا عند القاضي على شهادة قوم أشهدوهم.
بنص (٢) على التفرقة وإن كان ذلك بحكم. وغير الشيخ أبي القاسم السيوري من الأشياخ الحذاق يرى ما رأى من الفرق لا يتصور، فاقتصر على اعترافه بذلك، ولم يتكلف فرقا ولا تأويلا، لكن قصارى ما يمكن عنده أن يقال في هذا: إن الشهود إذا تعمدوا الزور صاروا بشهادتهم كمن غصب مال هذا الذي قَدِم حيًّا فباعه، فإن لمستحقه أن ينقض البيع، وينقض العتق أيضًا، بخلاف كون الشهود شبّه عليهم, لأنهم إن شبه عليهم لم يحلوا محل الغصّاب لهذا المال، فلم يُرَدَّ اذن تغير.
وهذا أيضًا لا يتضح, لأن التعويل، إن كان على حكم القاضي، فالقاضي لم يخرج في حكمه، ولا تعمد باطلا، بل ماجوز (٣) في حكمه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك من كون الشهود تعمدوا الكذب أو لم يتعمدوه. وإن كان الحكم لا تأثير له فكذلك أيضًا يجب للمستحق أخذ ماله وإن تغير, لأنه لم يأذن في التصرف فيه، وقد بيع ملكه عليه بغير إذن منه غلطا من بائعه، فإنه لا ينبغي (٤) ملكه لهذا البائع.
стр. 3036
والنكتة التي يجب أن ينظر فيها في. هذه المسألة أنَ الحاكم (١) ها هنا بما ظاهره الصواب والحق وباطنه خطأ وباطل، فهل يغقب حكم الظاهر على حكم الباطن فتنفذ الأحكام، أو يغلب حكم الباطن على حكم الظاهر فتردّ الأحكام؟
هذا هو وجه التحقيق عندي في المسألة.
وهذه النكتة يجري عليها فروع كثيرة قد اختلف بعضها أهل المذهب، وقد عُرف أن المشهور من المذهب في امرأة المفقدد إذا حكم بِتمْوِيتِه ثم قدم حيًّا، وقد تزوجت رجلًا بني بها، أنها لا تُردّ إلى الأَوّل. واختلف قوله إذا جاء المفقود حيّا، وقد عُقِد نكاحها ولم يدخل الزوج الثاني بها، هل يفسخ النكاح أم لا؟ وقال في المنعى (٢) لها زوجها انها ترد إليه إذا قدم حيّا، وإن دخل بها الزوج الثاني, لأن هذه لم يجتهد في أمرها، فيقول على حكمه في الظاهر بالصواب وإن كان خطأ في الباطن.
وكذلك إذا حكم الحاكم بطلاق امرأة على زوجها لأجل عدم الإنفاق، فأتى الزوج فوجدها قد تزوجت، فأثبت أنه قد ترك لها الإنفاق.
وكذلك إذا شُهِد عليه بأنه قال: زوجتي عائشة طالقٌ. فادّعى أن له (٣) بلد آخر بعيد زوجة أخرى تسمى عائشة، وهي التي قصد طلاقها، فلم يقبل دعواه، فتزوجت عائشة المحكوم بطلاقها ثم أثبت ببيّنة أن له ما ادعاه من زوجة تسمى عائشة.
وكذلك إذا باع القاضي سلع رجل غائب في دين قضاه لمن أثبت الدين على الغائب، ثم أتى الغائب فأثبت أنه قد قضى الدين. فقد قيل: إن هذا الغائب يمكّن من أخذ سِلَعِه المبيعة إذا دفع للمشتري ويرجع مشتريها على من دفع إليه
стр. 3037
الثمن. وكان بعض أشياخي يرى أن مقتضى قول مالك أن يكون للغائب إذا ثبت أنه قد قضى الدين، وأرتجع ما بيع (١) انه طلب باطلا فأشبه شهود الزور، وفي هذا الذي قال نظر؟ وكان أيصَا يرى أن ما ذكره في المدونة أن الموصى إفا انكشف أنه مملوك يعد نفوذ وصاياه لا يحسن الخلاف فيه، ويمكن من رد الوصايا لأن الحكم لم يقع عليه، وإنما وقع على غيره، بخلاف من حكم موته فجاء حيّا.
وفي المجموعة في من جعل أكثر زوجته بيدها إن غاب عتها مدة معلومة، "فاختارت الفراق لأجل غيبته، وحكم لها الحاكم بذلك, فأثبت أنه لم يغب: أنها ترد إلى عصمته، ولو دخل بها الثاني. وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد يرى ان هذه المسائل يعتذر (٢) فرق واضح بين بعضها عن بعض، والخلاف يحسن أن يجري في جميعها من بعضها في بعض. على أنه قد قيل في امرأة المفقدد: إن القاضي لما حكم على زوجها المفقود، بالفراق، وكان متعرّضا في حكمه إلى جواز الخطأ عليه، وأنه قد لكون حيّا, فتجويره لهذا صار كالحكم بإمضاء الخطأ الذي ينكشف في ثاني حال وقوعه منه.
وعندنا روايتان في القاضي إذا حكم بشهادة من اعتقده أنه عدل، ثم بعد الحكم ثبت إنه كان مستَجْرَحَا هل له نقض حكمه أم لا؟ وقيل في هذا: إنما يحسن الخلاف فيه لأن تعديل الشهود كان عنده بالظن أن الشهود المعِدَّلين صدقوا، فالتجريح بعد ذلك مبني أيضًا على إن الشحهود المجرِّحين صدقوا، ولا يرد ظن يظن، وقد أتفق على أن القاضي إذا حكم بحكم أخطأ فيه النصَّ الجليَّ أن حكمه يردّ لأجل القطع على خطئه.
وإذا قدم المفقود حيّا، أو المشهود بموته قدم أيضًا حيّا، فإن الخطأ في
стр. 3038
الحكم مقطوع به أيضًا. ولعلّنا أن نتكلم على هذه المسائل كل مسألة في الكتاب الذي وضعت فيه في المدونه، ومما يلحق بهذا ما ذكره في المدونة في رجل بني لرجل يناء، فأتى رجل فأثْبت أن الباني مملوك له، فقال: يرجع المستحق بقيمهَ إلبناء على من له البناء، وصار العبد كغاصب وهب ما في لديه عن (١) ملك غيره لرجل فانتفع به الموهوب له وأفاته، فإنه قد قدمنا الاختلاف فيمن يبْدأُ المستحِق بالرجوع عليه، هل الواهب أو الموهوب، أو يخير بينهما؟
وهذا الخلاف في الرجوع على الغاصب والبداية ترتفع (٢) ها هنا, لأن العبد الواهب لمنافعه إذا أتبعه سيده يقيمتها، وما في لديه من قيمتها مال لسيده، فكأنه لم يأخذ غرامة. عن أحد، بخلاف الغاصب إذا وهب فإن المستحِق إذا بدأ به أخذ مال غيره.
وهذا واضح، ولكن حمل ابن المواز المسألة على أن السيد إذا وجد البناء قائما. ولو وجده مهدوما لم يرجع على صاحب البناء بشيء، وقدّر أن العوض عن البناء إنما يستحقه السيد إذا كان البناء موجودا فسلمه لمن بُني له، فإذا كان معدوما فإئه لم يسلّم للباني ما يطالبه بعوضه. وكأنه رأى أن التعليق (٣) إذا ذهب فكأن الذي بني له لمن (٤) يتسلم ما يكون عوضا للمنافع.
وقد قيل في الصاتع إذا فرغ من الصنعة فضاع الثوب المصنوع عنده ببينة، إنه لا أجر له، وإن كانت حركاته قد فاتت وكأنه أودعها في الثوب. وسنبسط الكلام على هذه المسألهّ في كتاب تضمين الصناع.
ومما يلحق بهذا ما يحدثه المشتري يوجه شبهة: من اششرى دارا فهدمها
стр. 3039
فإن المستحِق إذا أتى لا يطالبه بقيمة الهدم, لأنه غير متعدّ في الهدم، وإنما هدم ما ظنّه ملك نفسه لمصلحة، فلم يضمنه.
وكذلك الخلخال لو كسره لم يضمن كسره. وأما لو كان ثوبا فقطعه فإن ابن المواز رأى انه يضمن قيمته القطع. وكذلك لو كانت فضة فكسرها فإنه يضمن قيمة ما أفسده. والفرق يينهما بأن الدار إذا هدمت يمكن أن يعاد البناء لهيئته، والثوب إذا قطع لا يمكن أن يعاد لهيئته.
وهذا الفرق لا يتضح، ولا مناسبة بينه وبين الأصل الذي يتفرع منه هذا وغيره. وظاهر المدونة أنه لا يضمن الثوب أيضًا إذا قطعه. والأصل الذي يناسب هذا الفرع وأمئاله أنا قدمنا مرارا أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ما لم يقارن الخطأَ اذنٌ خاصّ، فإنه اختلف فيه على قولين: هل يلزم به الضمانُ أم لا, وهذا الأصل يُجري لك الخلافَ في الدار إذا هدمت، والثوب إذا قطع.
ومما يلحق بهذا لو اشترى أمة بكرا فافتضها، ثم أتى من استحقها، فإنه لا يخرم ما نقصها الافتضاض عند مالك وابن القاسم، ويضمنه عند سحنون.
وهذا أيضًا يجري على هذا الأصل الذي ذكرناه ها هنا ولكن بع وإسناده إلى أصل آخر، وهو أنه قد تقرر (١) المشتري إذا انتفع. بما اشتراه، مثل ان يكون ثوبا لبسه حتى أبلاه، ثم أتى مستحقه، فإنه يغرمه قيمته، لكون أنه انتفع بمال غيره، وصان بذلك مال نفسه. وإذا. لم ينتفع به وأتلفه غلطا ففيه القولان المذكوران، فينظر في الوطء هل هو يجري مجرى اللباس للثياب، والطعام في الفوت، فيكون المشتري ضامنًا للافتضاض، أو يلحق بما لا منفعة فيه فيجري على الأصل الثاني (٢) إتلاف المال خطأ بإذن.
стр. 3040
والجواب عن السؤال العاشر (١) أن يقال:
أما من اغتلّ ما في يديه ثم استُحِق عليه، فلا يخلو من أن يكون اغتل بوجه شبهة، معتقدًا لإباحة اغتلاله، أو لإباحة انتفاعه بنفسه فيما في يديه، أو معتقدًا تحريم ذلك عليه.
فأما المغتل معتقدًا للإباحة بوجه شبهة فإنه إذا أتى (٢) ما في يديه لم يغرّمه الغلة، وكانت الغلات له لأجل ضمانه. وهم خمسة أنواع من جهة الأحكام، فتنزع ما في يد المغتل باختياره، أو باختياز المغتل، كمن اشترى عبدًا فاغتلّه ثم اطّلَع على عيب فاختار المشترى ردَّه على بائعة فإنه لا يردّ الغلات إذا رد العبدَ أو غيره مما اغتله ثم رده بالعيب. أو مشتر اشترى عبدا فاغتله ثم أفلس، فلبائع العبد أن يسترد العبد إن شاء، وإذا استرده لم يطالب مشتريَه بغلته. فهذا الرد باختيار البائع أو باختيار المبتاع، أو يكون الرد باختيار ثالث غير البائع والمشتري، وهو الشفيع، إذا استحق شِقْصًا بالشفعة واختار أخذه من يد مشتريه بالثمن الذي وَزَن فيه، فإنه لا يستحق أن يأخذ الغلة.
وكذلك من اشترى من غاصب لا يعلم أنه غاصب، ثم أتى سيد العبد المغصوب فاختار أخذ عبده، ونقض بسعه، فإنه لا مطالبة له، على المشتري، بغلة.
والقسم الخامس ما نقض فيه البيع من غير اختيار المتبايعين، ولا باختيار رجل ثالث غيرهما، كمن اشترى عبدًا شراء فاسدًا، فاغتله، ولم يحلْ وهو في يديه، ولا تغيرّ العبد في نفسه، فإن القاضي إذا نقض هذا البيع لم يأمر المشتريَ بردّ الغلة. هذا حكم بوجه شبهة.
وأما من اغتل متعديا، فقد تقدم القول فيه كتاب الغصب، وذكرنا
стр. 3041
أنه يرد الغلات، في إحدى الروايات، قولًا مطلقًا، ولا يردها في الآخر قولًا مطلقا.
واختلف إذا لم ينتفع الغاصب بما غصب، مثل أن يكون غصب دارًا فأغلقها، فإن في تضمينه كراءها قولين ذُكِرا في كتاب الغصب.
وكذلك إن لم يكن انتفع بها ولكنه سلط غيرَه على الانتفاع، كغاصب لعبد باعه ممن لم يعلم أنه غصب، فإن مشتريَه لا يردّ الغلة كما تقدم.
وأما تغريم الغاصب لما اغتله المشتري، ففيه قولان أيضًا، وهما مبنيان على ماذكرناه الآن من تضمينه ما مَتع انتفاعَ مالكه به وإن لم ينتفع هو بنفسه.
وأما الوارث, فإنه يحل محل ورثتة (١)، فإن ورث ولد أبا، وأخذ من تركته عبدا غصبه, أو دارا اغتصبها، فاغتلها وهو لا يعلم ان أيا غصبهما، فإنه تؤخذ منه المغلات كما كانت تؤخذ من أبيه لما حل محلّه فيما ترك فملَكة بغير عوض حل محله فيما اغتل أيضًا مما ورث، فكما كان أبوه يردّ الغلات فكذلك يردها هو.
وأما وارث المشتري، فإنه يحل محل أبيه أبيه أيضًا: كونه لا يردّ الغلة كما لا يردها أبوه.
وأما الموهوب له لدار المغصوبة، أو العبد المغصوب وهو لا يعلم بكونهما مغصوبين، فإنه إن كان الواهب له مشتريا فإنه لا يرد الغلة أيضًا، ويحلّ في ذلك محل وارث المشتري.
وأما لو كاد الغاصب هو الواهب، والموهوب له لا يعلم بكونه غاصبا، فإن في تغريم الغاصب ما اغتلّه الموهوب له قولين: نفى عنه اشهب الغرامة فيما اغتله الموهوب له, وأثبتها عليه ابن القاسم.
стр. 3042
وهذا الخلاف أيضًا مبني على تضمين الغاصب ما حَرمَ صاحبَه من الانتفاع ومنعه منه. وأما الموهوب له له فهل يغرم الغلة ام لا؟ أما إن كان الغاصب الواهب موسرًا، فإن الموهوب له لا يغرم الغلة. وأما إذا كان معسرًا فإن ابن القاسم أثبت عيه الغرامهّ، ونقاها اشهب.
فأين القاسم رأى أن الموهوب له هاهنا، كالوارث للغاصب، وقد قدمنا إن وارثَ الغاصبِ يرد الغلة لما اغتلِّ (١) ما لم يدفع فيه عوضا ولا دفعه ابوه الذي ورثه عنه، فكذلك الذي وهبه الغاصب فإفه اغتل ما لم يدفع فيه عوضا, ولا دفعه فيه من وهبه.
والأصل في جميع هذه المسائل قوله ﵇ "الخراج بالضمان (٢) " وكأن هذا الباب باب التسبب، فنيه على أن الخراج سبب ملكه الضمان، وهذا العموم ذُكر أنه خرج على سبب، وهو أن رجلين تخاصما عند النبيّ ﵇ في خراج عبد رُدَّ يعيب فقال ﵇: "الخراج بالضمان" (٢) مشيرا بذلك إلى أن المشتريَ لما كان ضامنا لما كان في لديه لو هلك، ولا يرجع بالثمن، قكذلك يجب أن تكون له المنفعة يالغلة، قإن التَّوى ضدّ النماء، فإذا كان النقصر والتلف على من في يديه العيد المردود بعيب، فكذلك يجب إليه أيضًا.
وقد اختلف الأصوليون في العموم إذا خرج على سبب هل يقضى على سببه، وتكون الألف والسلام. للعهد، والمراد يها السبب التىِ أجيب عنه باللفظ العام، أو يكون اللفظ متعديا شاملًا للسبب وغيره, فإن قلنا: إنه مقصور على السبب لم يتعلق به في (٣) المشتري إذا اغتل، فأتى من أستحق ما في يديه، ولا في
стр. 3043
الأربع مسائل التي ذكرناها. وإن قلنا: إنه يجب حمله على العموم الذي اقتضاه الخطاب في اللغة حسُن التعلق به في جميع المسائل التي ذكرناها.
لكن يبقى ها هنا نظر آخر، وهو تحقيق الضمان الذي أشار إليه ﷺ بأن الغاصب يضمن عين ما اغتلّ إذا هلك، ويرد قيمته إن كان عبدًا أو دارًا.
وإن كان هلاكه بغير سبب منه يحسن التعلق فيه بقوله "الخراج بالضمان" والمشترىِ إذا هلك ما في يديه من غير سببه لم يضمنه للمستحِق، ولا يغرم له قيمته، وإنما يُتصور فيه الضمان من جهة أنه إذا هلك ما في يديه لم يرجع بالثمن على الغاصب الذي باعه منه، فصار الضمان يُتصور في الغاصب في الأعيان، ويتصور في المشتري من الأثمان، وقد ذكرنا أن الحديث خرج على سبب، وهو التحاكم في غلة ما رُدَّ بعيب، فقال ﵇: "الخراج بالضمان". والمشتري إذا هلك ما في يديه قبل أن يطلع على العيب لم يرجع بالثمن على البائع، ولم يضمن غير ما في يديه. فصار الضمان ها هنا كالمشار به إلى ما تُضمن عينه أو يضمن ثمنه.
وكان الشيخ أبو القاسم السيوري أفتى بأن الغلة يردها المشتري من الغاصب وإن لم يكن علم أنه غاصب، ويقول: قد اغتل المشتري مال غيره من غير إذن مالكه في التصرف فيه، ولا تسليطٍ للمشتري في ذلك، فيجب أن يردّ غلّة ما اشتراه، كما وجب باتفاق ان يردّ عين ما اشتراه. وقد بيّنا على مأخذ الخلاف في هذا، ومنشأ النظر فيه.
وإذا وضح حكم اغتلال الغاصب وما فيه من الاختلاف في حكم اغتلال المشترى، فالذي يغتَلّ، هو وارث أو موهوب له، لا يردّ الغلة إذا لم يتحقق كون من ورثه غاصبا. وهو محمول على انه اغتل بوجه شبهة لا على جهة التعدي. ولو اغتل وهو غير متيقنٍ الإباحة. ولا متيقن التعدي، وإنما هو على الظن، مثل أن يشتري دارًا من رجل زعم انها لرجل غائب وكّله على بيعها، فإن
стр. 3044
سحنونا عوّل في ذلك على ما تدل عليه قرائن الأحوال أو تقييده (١) من الظنون بصدْق الوكيل، فقال: إن كان هذا الوكيل ينظر في الدار، ويقوم بأمر الغائب، فأتى الغائب فأنكر الوكالة فإن المشتري لا يردّ الغلة. وإن كان لا سبب بينه وبين الغائب يدل المشتريَ على أنه صدق في الوكالة، فإنه يردّ الغلة. ولو كان هذا الاغتلال لمن اشترى حرًّا يظنه عبدا فتبين أنه حر، فإن المذهب على قولين، في رد مشتريه ما اغتل منه، فالمشهور والمعروف من المذهب أنه لا يرد الغلة، وذهب المغيرة إلى أنه يرد الغلة. وهو اختيار شيوخنا الحذاق، لأجل أن الأصل في ردّ المغتل الغلة أو بقائها في يديه قوله ﵇ "الخراج بالضمان" والحرّ لا تُضمن عينه إذا بيع على أنه مملوك، ولا يضمن ثمنه لأنه لو مات في يد مشتريه لرجع بالثمن على من باعه منه لكونه اشترى مالًا يصح تملكه في الشريعة، ولا عقد البيع عليه، ولا يضمنه بائعه بقيمته أو بالثمن الذي أخذ فيه، فوجب رد الغلة لعدم تصور الضمان في عين هذا الحرّ في ثمنه. ولو اشتراه وله مال لكان المال تبعًا للحرّ.
ولو جُرِح هذا الحر فأخذ منه أَرْشا، لكان هذا الأرش لهذا الحر.
وكذلك لو وُهب له مال فإنه إذا حكم بحريته بقي المال له.
ولو كانت جاريةً فوطئها وهي بكر أو ثيب، لم يكن عليه في الوطء، غرامة عند مالك وابن القاسم. وذهب المغيرة القائل برد الغلة إلى انه يرد عوض الوطء كما يرد الغلة، وعوض الوطء عنده ها هنا صداق المثل.
واعلم انّا قدمنا في كتاب الغصب اختلاف فقهاء الأمصار فيمن وطئ حرّة غير ممكِّنة له من نفسها، بل أكرهها على وطئها، هل يلزمه لها صداق المثل أم لا يلزمه لها غرامة، بل يقتصر فيه على الحد المشروع في الزنا؟ وأشرنا إلى سبب الخلاف في هذا، وهوا لنظر في كون منافع الفرج هل هو من الحقوق المالية التي يلزم في استهلاكها الأعواض، أو ليس هو من الحقوق المالية بدليل
стр. 3045
أن منا تزوّج امرأة، وبذلك لها صداقًا فإنه لا يحلّ له أن يُكري فرجَها من غيره. وورد يشعر بأن منافع الفرج ليست بمال يقوَّم، أو يقال بأن الشرع لما منع استباحته إلا بمال، وما سواه مما هو بمال أياح تملكه يغير مال. وهذا يشعر بأنه من الحقوق المالية، أو يقال جوابا عن هذا: إن التعبد يمنع من استباحة الفروج إلا بعوض، من يأب العبادات المشروعه لا من باب المعاوضات والمعاملات وقد تقدم بيان هذا في كتاب الغصب.
فإذا تقرر هذا أو قلنا: إنه ليس من الحقوق المالية ولكنه مما ينتفع به، ويصان به المال، جرى على القولين فيمن أخطأ على مال الغير هل يغرمه لصاحبه أم لا إذًا قارن هذا الخطأ إذن، كمن اشترى عبدا فقتله خطأ، فإن في إلزامه غرمه قيمته قولين، تقدم ذكرهما مرارا، هذا وجه التحقيق في منشأ الخلاف في إلزام واطىء الحرة على أنها أمة، وقد اشتراها، بصداق مثلها.
والجواب عن السؤال الحادى عشر أن يقال:
قد قررنا في كتاب الرهن النكته التي يعلم منها ما يضمن ومالا يضمن, ومنشأ الخلاف في فروع هذا الباب، وهو من قبض الشيء لمنفعة نفسه لا لمنفعة دافعه إليه فإنه يضمنه، ومن قبضه لمنفعة دافعه ولا منفعة لقابضه فيه فإنه لا يضمنه.
ومن اشترى عبدا من سوق المسلمين فإنه معلوم إنما قبضه لمنفعة نفسه فيجب عليه ضمانه، على مقتضى ما أصلناه، فإن أقياستحق استحقه، وطلب أخذ عينه، فدافعه مشتريه عن ذلك، فإن قال له: ضاع لي, فإن المعروف من المذهب أن هذا يجري مجرى الرهبان والعواري، فيصدَّق المشتري ها هنا في دعواه ضياع مالًا يغاب عليه، كالعبد والدابه، (أو مرتهنا) (١) ما لم يتبين كذيه بأن يدعىِ الموت بمكان به جماعة لا يخفي عنهم موته، (ويصير كأنه لا يغاب عليه، دلالة على صدق المشتري في دعواه التلف والموت، كما لو أقام البينة
стр. 3046
على ضياعه، على حسب ما بسطنا القول فيه، وفي قيام البينة في كتاب الرهن) (١).
ولو كان ادعى الضياع فيما يغاب عليه, كالثوب والطعام، فإن المشهور من المذهب أنه لا يصدَّق، كما لا يصدق في الضياع إذا ادعى ذلك في الرهن والعواري.
وذهب أصبغ إلى أنه يصدق المشتري في الضياع فيما يغاب عليه مع يمينه.
وإذا قلنا: إنه لا يصدق، فهل يستحلف على الضياع، وإن كان لا يد من غرامته القيمة, أم لا؟ المعروف من المذهب أنه يستحلف على ذلك. ويتخرج على قول آخر أنه لا يحلف على ذلك. قال مالك في مثل هذا: لو أحلفته على الضياع ما ضمَّنتُه وكأن هذا القول المخرج وجهُه أن اليمين مقتضاها في الشريعة تصديق الحالف. وإذا حلف المشتري ها هنا على الضياع وجب تصديقه، وهو إذا صدِّق لم يضمنْ، كما إذا صدقته البينة في دعواه الضياع، فإنه لا يضمن.
وإذا كان أمران متلازمان فإثبات أحدهما إثبات للآخر، واليمين يقتضي التصديق، والتصديق يقتضي ففي الضمان. فهذا وجه القول المخرج.
وأما وجه القول المشهور فإن ها هنا حقّين: طلب المستحق للعين وطلبه بقيمتها إن تلفت. قإن حلف على الضياع لم تتضمن يممِنه إلا المقصود بها، وهو أنه ما أخفى العين. وأما الغرامة والتضمين فإنه ليمس المقصودَ باليمين، فيبقى على أصله. وبالجملة فإن هذا ينبني على الخلاف في أيمان التّهم، تتعلق وتثبت ثبوتا مطلقا، على حسب ما قدمناه عن بعض الأشياخ في إطلاق هذا إطلاقًا عامًا (٢) ولمسائل هذا النوع ومخالفة غيره له في هذا.
وإذا صدقنا المشتري في الضياع، فإنه لا يرجع بالثمن على البائع منه، لأن الضياع ها هنا كالهلاك، وقد قدمنا أن العبد إذا مات في يديه لا يضمنه, وإن ثبت استحقاقه لمدعيه, وإنما يأخذه مدّعيه بعوضه على البائع، فيغرِّمه الثمن أو القيمة.
стр. 3047
ولو باعه المشتري لكان للمستحق إجازة بيعه، وأخذ الثمن، ويصدق المشتري في مبلغ الثمن إن ادعى ما يشبه. وإن ادعى مالًا يشبه من جهة الأسعار لم يصدق، وإن ادعاه من جهة عيب حدث عنده يالمبيع فإنه: إن كان المبيع حيوانا صدِّق في ذهاب جزء منه، كما يصدق في ذهاب جملته، ومن صدّق في ذهاب الكل صدق في ذهاب الجزء. وإن كان عرضا جرى الخلاف في تصديقه على القولين المتقدمين: فالمشهور أنه لا يصدق في الجزء كما لم يصدق في الكل، وعلى مذهب أصبغ يصدق في ذهاب الجزء كما صدق في ذهاب الكل.
وكذلك يجري الخلاف في تصديقه في التاريخ الذي وقع فيه البيع، إذا اختلفت الأسعار باختلاف التواريخ، فإن بهان سعره يوم يضمنه وهو يوم القيام عليه بالاستحقاق أرفعَ من سعره في التاريخ الذي زَعَم أنه ضاع فيه فإنه لا يصدق فيما يزعمه من نقص القيمة الواجبة عليه، على القول المشهور، ويصدق على مذهب أصبغ.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:
إذا كان بيد رجل دار، فأتى رجل فادعى انها له، فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يصدِّقه في دعواه مَن الدار في يديه.
والثاني: (١) ينكر ذلك عليه.
فأما إن صدقه في دعواه فالحكم تسليمها للمدعي. فإن تراضيا بأن يدفع من في يديه الدار بالعبد (٢) ويسلم الدارَ مدعيها إِلىَ من هي بيده، فأصل المذهب ومقتضاه أن هذا يجري مجرى البياعات. في حكم الاستحقاقات، فيرجع كل واحد منهما، إذا استحق ما في يديه، في العِوَض الذي عاوض به، فإن استُحِق
стр. 3048
العبد رجع المستحَقُّ من يده العبدُ في عين الدار من غير خلاف، كما لو باع عبدا بدار، فاستِحق العبدُ، فإنه يرجع في عين الدار. وأما إن استحقت الدار فالمعروف من المذهب أن من أُخِذت الدار من يديه أنه يرجع فيأخُذُ العبدَ الذي دفعه عوضا عنها. وقيل: لا يرجع في العبد، ولا مقال له في هذا الاستحقاق، لأنه لما صدَّق المدعيَ وأقرَّ بأن الدار ملكٌ له تضمّن اقرارُه هذا تكذيبَ بينة المستحق للدار الطاري عليها، وإذا كُذبت بينةُ المستحِقِ فقد صار معترفا بأن الدار أُخِذت من يده بغير حق بل بحكم الغصب، ومن اشترى دارًا فَغصبت منه بعد أن قبضها، فإنه لا مرجع له على بائعها بإجماع، فكذلك هذا.
من هذا الأسلوب في هذا المعنى الاختلاف المشهور فيمن أودع وديعة عند رجل، فأتى رجل ممن (١) عنده الوديعة فقال: فلان أرسلني إليك لنقبض منك الوديعة التي أوْدعك فدفعها إليه، فأتى المودِع فكذَّب الرسول، وقال: لم أبعثه إليك، واستغرمَ الوديعةَ دافعَها في تعدّيه في الدفع لما أودعه، فأراد المودَع لمَّا أُغرِم الوديعةَ ليرجع بها على قايضها، فقيل: يمكّن من ذلك، وكأن من ذهب إلى هذا رأى أن مجرد الدفع لا يقتضي تصديق الرسول تصديقا مطلقا، وإنما صدّقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدّق الرسولَ، فإذا كذّب الرسولَ فإنه له أن يرجع على الرسول بِفِقْدَ انِ الشرطِ الذي دفع الوديعة عليه. وقيل: لا مرجع له على الرسول, لأنه كالمصدق له في الظاهر والباطن، ومعتقدا أن صاحب الوديعة ظلمه في غرامتها، فلا يظلم هو غيره.
واعلم أنه لو وقع للتصريح (٢) حين الدّفع بأحد هذين الوجهين، إما كون دافع الوديعة يقول: أدفعها إليك بشرط أن يأتي صاحبها فيصدقك، فإن أتى فكذبك أعدتَها إليّ، فهذا لا يُختلف أن الدافع إذا غرمها رجع بها على الرسول.
أو يقول: أصدقك في الظاهر والباطن، فإبئ أتى صاحبُها فغرمنيها فإنه ظلمني وظلمك، فلا رجوع لي عليك. فهذان الوجهان لا يحسن الخلاف فيهما. وإنما
стр. 3049
يحسن الخلاف في الدفج مطلقا، هل يُحمل على هذا الوجه أو على الوجه الآخر؟ وقد قال الطحاوي: مذهب أهل المدينة وابن أبي ليلي أن الصلح على الإقرار لا يرجع المقِرّ مدعَّى عليه بما دُفِع إليه إذا وقع الاستحقاق فيما أقرّ به المدعَى عليه، هذا حكم الاستحقاق (الاعواض في الدعاوي) (١) إذا وقع الإقرار بصحتها.
وأما إذا وقع الاستحقاق، والمدعى عليه متماد على الإنكار، وعاوض عن المدّعَى فيه، وهو منكر للدعوى مكذب لها، فإنه إذًا استُحِق ما في يد المدَعى عليه، هل ترجع فيما دفع أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال، مثاله أن يدعي رجل دارا في يد رجل، فينكَر المدَعى عليه ما أدعاه المدِعي، ثم يتراضيان على أن يدفع إليه عبْ"، ويتركَ خِصَامه في الدار، فيستحق الدار فإن ابن القاسم ذُكِر عنه أنه يرجع في العبد الذي دفع إن كان قائما، أو قيمته إن فات. ومذهب سحنون أنه لا يرجع في العبد قائما أو كان فائتا. والقول الثالث ذكره في المجموعة، وفصل فيه القول بين كون الاستحقاق وقع بقربٍ من هذه المعاوضة ودفْعِ العبدِ، ويين أن يقع الاستحقاق إذا طال الزمان، فرأى أنه يرجع في القْرب، كما حكيناه عن ابن القاسم، وبعد طول الزمان لا يرجج، كما حكيناه عن سحنون. واعتل الذاهب إلى هذا بما يقع بالمدعي من الضرر الذي بسبب من استحقت الدار من يده، بأن يقال: كنتُ أتمادى على خصامك بأخذ الدار من يديك ببّينة تشهد لي بما يوجب ذلك، فلما دفعتَ إلىّ العبد أهملتُ السعيَ في بينتي وتحصيل شهادتهم، وسبب ذلك دفعُكَ العبدّ إليّ، فليس لك مرجع عليَّ مع كونك سببا في تعطيل شهادة بينتي.
واعلم أن منشأ الخلاف في هذا، أن من الأقوال ما تكون له نتائج وتلزم عنه لوازم لا ينفك منها. فمن نظر في هذا وجد المدعَى عليه يقول المدَّعي: مالك في الدار شيء، ولكن أَدْفعُ إليكَ هذا العبد تنزُّها منّي عن الخصام. ولا يصح أن يتصور هذا مقتضى قوله: مالَك في الدار شيء، أن يكون العبد
стр. 3050
معاوضة عن الدار, لأن قوله: مالك فيها شيء، يلزم عليه ويتضمَّن إستحالةَ المعاوضة عنها، فيتضح على هذا البناء ما قاله سحنون إذًا صرف المعاوضة إلى إسقاط الخصام إلى معاوضة ملكٍ يُمْلَكُ وإذا كان ومعاوضة عن الخصام فقد أسقطه المدعي، وهو متماد على إسقاطه، فصحت المعاوضة، فلا تنتقض بعد هذا. وإن التُفِت في هذا إلى قول المدعي: إن الدار ملكي، فاللازم على هذا القول ومتضمَّنُه أن المعاوضة بالعبد وقعت عن نفس الدار، وهي نقلُ ملكٍ عوضا عن ملكٍ، وإذا كان ذلك كذلك وَضُح ها هنا ما قاله ابن القاسم من رجوع من أُخِذت الدار من يديه في للعبد الذي دفع، وصار ها هنا حُكْمان يتدافعان على محلّ واحد فأيهما يثبت وينفى (١) الآخر.
هذا سبب هذا الخلاف.
وأما الذي في المجموعة فالتفت فيه إلى علة أخرى وهي ما ذكرناه عنه، وهي تعطيل بيّتة المدعي، ويكاد للحق هذا البناء ما علم في المذهب في رجل قال لآخر: لك عليّ دين، فقال المقر (٢): ليس لي علمك دين. فإذا نظرت إلى مقتضى كل واحد منهما وجدَته كهذه المسألة التي ذكرناها.
وقال أبو بكر ابن اللباد وأبو سعيد ابن أخي هشام: المعروف من مذهب أصحابنا أن الدار إذا استحقت رجع دافع العبد في عبده، وأما إن وقع الاستحقاق (٣) ففيه قولان:
ذهب ابن القاسم أنه يعود إلى الخصام في الدار، كما ثبتت الدار للمدعي فباعها بعبد فاستحِق العبد، فإنه يرجع في عين الدار إذا كانت ثبتت له قبل الصّلح.
وذهب سحنون إلى أنه لا يرجع في محين الدار، ولا إلى الخصام فيها, ولكن يرجع بقيمة العبد، لكون رجوعه في محين الدار غيرَ ممكن, لأنه لم تثبت له،