← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

شيء. فأشار إلى قدح في هذا الجواب. وصرح بعض المتأخرين بما أشار إليه ابن المواز فقال: تسقط الحمالة عن هذا الحميل إذا حالل من له الدين الميتَ, لأن معنى التحليل ها هنا إسقاط الدين على كل، سقطت (١) الحمالة بما سقط, لأنها فرع عن ثبوت الدين في الذمة، فإذا بطل الأصل بطل الفرع. وهذا الذي أشار إليه ابن المواز من القدح، وصرح به بعض المتأخرين، يسبق إلى النفس صحته، وأنه لا وجه لما وقع في الرواية. لكن عندي المخرج من هذا أن الناس يعتقدون أن من له الدين يطالب به من له عليه في الآخرة، ويؤكد اعتقادَهم هذا قوله ﵇: "نفس المؤمن مرتهَنة بديْنه حتى يُقضى عنه" (٢) فأشار إلى أحكام الآخرة، وأن مَن مات وعليه دين كان الأمر فيه هكذا، وامتنع من الصلاة عليه حتى يقضَى دينه، كما تقدم ذكر هذا الحديث وما يتعلق به من مسائل الخلاف مبسوطًا. فإذا تقرر هذا وأمكن أن يريد من له الدين لما سئل في أن يحلل الميت الذي عليه الدين أن يؤيد بتحليله أن لا مطالبة عليه في الآخرة، وأسقط إثم المطل عنه إن كان مَطَله. وهذا مما يختص بالغريم الذي قد صار إلى الآخرة دون الحميل الذي هو حي، ويقضى عليه في الدنيا بأحكام المعاملة، حلف من له الدين أنه لم يرد إلا أحد الوجهين وهو التباعة في الآخرة دون الدنيا، وبقي الحميل مطلوبًا بما تحمل به، فلا يسقط عنه بالشك والاحتمالِ أمرٌ قد كان وجب عليه بيقين. والجواب عن السؤال التاسع عشر (٣) أن يقال:

стр. 2977

إذا تحمل رجل لرجلين بدينين لا شركة بينهما فيه، فقضى أحدَهما، فلا مدخل للغريم الآخر معه، إذا كان الغريم مليئًا بجميع الدينين (١). وإن قضى أحد الغرماء وقد أحاط الدين نجماله، فقد قدمنا اختلاف قول مالك. وتأول بعض الأشياخ أن هذا الاختلاف إذا قضى جزءًا من ماله، ويبقى (٢) في يده جزء، بخلاف أن يقضي جميع ما في يديه لغريم، ويبقى فقيرًا. وأما إن كان الدين مشتركًا بين رجلين فاقتضى أحدهما دون الآخر، فهل لصاحبه أن يشاركه فيما اقتضى؟ تقدم بيان ذلك مبسوطًا في كتاب البيوع، وأن المشهور من المذهب مشاركة من لم يقبض لمن اقتضى، على تفصيلَ في صفة المشاركة، تقدم أيضًا بيانه، وأن هذا إذا كان اقتضى أحد الشريكين دون استئذان صاحبه وإعلامه. وأما إذا رفع أمره إلى السلطان فأمَرَ شريكه بالاقتضاء معه، فلم يفعل، فإنه لا يشاركه، ويصير ذلك كحكم القاضي بينهما بالقسمة لهذا الدين، وتمييز أحدهما من الآخر. وذكر في المدونة أن الإشهاد على شريكه بأنه امتنع من الاقتضاء معه ينوب مناب الرفع إلى القاضي. وتعقبه بعض الأشياخ وأشار إلى أنه يمكن أن يكون المراد: الرفع إلى القاضي يتعذر، فقام الإشهاد مقامه للضرورة إلى ذلك. وهذا كله قد مضى مبسوطًا. لكن ذكر في المدونة في هذا الكتاب أن الحميل إذا تحمل بدينٍ مشترك بين رجلين، فأتى أحدهما فدفع إليه الحميل ما ينوبه من الدين، والحميل موسر، في يديه ما يقضي منه الشريك الآخر الذي لم يقبض لغيبته، فإن القضاء صحيح جائز. وإنما يبقى النظر في مشاركة الغائب إذا قدم من اقتضاء (٣) وهذا الخلاف الذي أشار إليه إذا لم يرفع المقتضي أمره إلى القاضي، فإن رفع الأمر إليه، والحميل موسر بجميع دين الشريكين، فإن

стр. 2978

القاضي يقضي لهذا الدافع إليه بجميع حقه، ولا يتعرض لحق الغائب بل يبقيه في الذمة على حسب ما كان. وأمّا إذا لم يكن في يد الحميل إلا نصف الدين الذي عليه فإن القاضي إذا قضى لهذا الحاضر بحقه عليه كان قضاؤه باطلًا، والدفع إلى أحد الغريمين فاسد. فلم يختلف المذهب ها هنا بأن الشريك القديم يشارك الشريك الحاضر فيما اقتضى. فإذا كان جميع الدين مائة دينار، وهي بين الحاضر المقتضي والغائب نصفان، فرفع الأمر إلى القاضي، فلم يجد في يد الغريم سوى خمسين دينارًا، فقضى بجميعها للشريك الحاضر لأنها منتهى جميع دينه، فإن الشريك الغائب إذًا قدم يقاسم المقتضي للخمسين , التي أخذ، نصفين، لكون قضية القاضي له بجميع الخمسين خطأً وغلطًا يجب أن يُنقض الحكم فيه. ولو وقع الغلط في مقدار ما ينوب في المحاصة، مثل أن يكون الدين مائهّ (١) دينار، وهي بين الشريكين نصفين، ولم يوجد في يد الحميل سوى خمسين دينارًا، فقضى له القاضي بجميعها، فإن الغلط ها هنا إنما وقع في أن زاده عشرة دنانير على ما ينويه في المحاصة، فإن من الأشياخ من ذهب إلى أنه يمضي له القاضي بأربعين دينارًا، وهي التي تنوبه في المحاصة ولم يقع فيها غلط في الحكم فلا مشاركة فيها وإنما الغلط في زيادة عشرة دنانير وهي التي ترد إلى الشريك الغائب. ومنهم من ذهب إلى أن المشاركة تقع في جميع الخمسين دينارًا وكأن الغلط لما وقع في (٢) سرى ذلك إلى كلها لأنها قضية واحدة , فإذا ظهر الغلط فيها وجب نقض الحكم غير ملتفَتٍ فيه إلى ما كان منه صوابًا, لأن الصواب لم يقصد إليه، فكأنه لم يقع الحكم به. واحتج هؤلاء بما قيل في القاسم إذا غلط أن حكمة ينقض. وتأول الآخرون هذه الرواية على أن المراد غلطُه فيما تختلف فيه

стр. 2979

الأغراض كالرباع وغيرها، وتختلف أجناسه، وأما الدنانير فجنس واحد فغلطه في بعضها لا يسري إلى ما أصاب فيه منها, لكونها لا تختلف فيها الأغراض، ولا يمكن ذلك في الرباع التي تختلف فيها الأغراض, لأن الغلط (١) بعضها يصيّر ما بقي مغلوطًا فيه لاختلاف الأغراض فيه. وأما لو قضى القاضي لهذا الحاضر الدافع إليه بمقدار نصيبه في المحاصة، ووقف نصيبَ الغائب، فإن هذه القضية ماضية، ولا مشاركة للغائب، إذا قدم، فيها (٢) قبفحه الحاضر من الحميل، لكون ما وقفه القاضي كأنه قبضه، ومصيبته منه. وأما إن لم يوقف القاضي نصيب الغائب، ولا بقاءه (٣) في ذمة الحميل، وليس عند الحميل سواه، فإن ظاهر كلام ابن القاسم أن ما أخذه الحاضر بحكم هذه القسمة يمضي له ولا يشاركه فيه. وعلى هذا تأول يحيى قول ابن القاسم في المدونة: إن القاضي فعل ذلك ولم ينتزع من يد الحميل نصيب الغائب. وقال غير ابن القاسم في المدونة: بل هذه القضية خطأ تُنقض كما لو قضى للحاضر بحقه كله. واعتذر الشيخ أبو محمَّد (٤) بن القاسم بأن القاضي لم يقصد سوى التمسمة بين الشريكين فمضى للحاضر ما قسم له، لكون ذلك هو المقصود بالقضاء، ولم يردّ ذلك لأجل غلطه على الغائب. واعترض هذا بأنه يجري مجرى التفليس للغريم، فيجب ألاّ يبقى في يديه من غاب، فلو لم يكن ذلك كالتفليس على هذا التعليل لاقتضاء هذا أنه لو قبض الحاصر نصيبه كله لمضى ذلك كله له، لكون من أحاط الدين بماله له أن يقضي غريمًا دون غريم. وبالجملة فإن في كلام ابن القاسم احتمالًا، وإنما يلتفت في هذا إلى كون هذا كالتفليس فتجري فيه أحكام التفليس، أَوْ لَا يكون كالتفليس فتجري فيه أحكام

стр. 2980

المديان لقوم من الغرماء دون قوم. والجواب عن السؤال العشرون (١) أن يقال (٢): قد تقرر أن من له دين على غريم وأخذ به حميلًا فإن دينه متردد بين ذمتين، فإذا دفع الغريم أو الحميل فلا خفاء في جواز ذلك. وأن غير ما عليه تغييرًا في الصفة أو تغييرًا في النوع (٣) في الجنس فإن ذلك إذا كان من (٤) عليه الدين فقد مضى ذلك في كتاب البيوع، بتنا فيها ما تجوز المعاوضة به وما لا تجوز، دينًا كان أو غيره. وإن كان ذلك من الحميل فشرى لنفسه ليملك بما دفع من الدين الذي على الغريم، وتبرأ ذمة نفسه منه، فإن ذلك أيضًا أصوله مفردة في كتاب البيوع، فيلتفت في ذلك إلى كون ما يفعله الغريم من تغيير الصفة والجنس في قضاء الدين قد عري من الوجوه الممنوعة، المذكورة فيما تقدم في شراء الديون والسلم فيها. وإن كان يقضي ذلك عن الغريم لا ليملك ما عليه، فهاهنا أيضًا تفاصيل جملتها ترجع إلى ما قدمناه من الممنوعات في المعاوضات من غرر أو وقوع في وعلى هذه الأصول يعرض صلح الكفيل لمن له الدين عن نفسه أو عن الغريم، وبيان هذا، على التفاصيل في صلح الكفيل، أنه لو تكفل بمائة دينار عن رجل مؤجلة عليه، فأراد، قبل الأجل، الكفيلُ أن يصالح من له الدين

стр. 2981

بخمسين دينارًا، فإن ذلك لا يجوز على الإطلاق، كان الدين سلعة أو قرضًا، لأنه يقع في "ضع وتعجل" إن صالح عن الغريم. وإن صالح عن نفسه وقع في سلف بزيادة، أسلف من له الدينَ خمسين ليأخذ من الغريم إذا حل الأجل مائة. وإن كان الأجل قد حصل (١)، فصالح عن دنانير طيّبة بدنانير أَدْنَى منها، فإن ذلك جائز إن كان صالح عن الغريم، وذلك للعلم بأنّ العادة جرت بأن الغريم متى قدر أن يدفع أقلّ مما عليه فلا يدفع أكثر منه، فيصير الكفيل إذا صالح عن دنانير طيبة يدنانير ونهى (٢) يعلم من مقتضى العادة أن الغريم لا يدفع إليه إلَّا دنانير دنية مثل ما دفع هو لمن له الدين. ولأن دفع الحميل دنانير طيبة عن دنانير دنيئة في ذمة الغريم فذلك منه مكارمة لمن له الدين وهو يعلم أن الغريم لا يلزمه أن يتطوع بأجود مما عليه، فإنما يدفع إليه الدنانير التي عليه فلا يكون في هذا وقوع في ربا ولا في غرر، فلهذا جاز ذلك. لكنه لم يطرد الأصل في المدونة في هذا الذي قلناه في الكفيل بطعام جيّد حلّ أجله، وهو من سلم، فإنه منع الكفيلَ أن يصالح من له الدين إذا حلّ الأجل بطعام أجود مما تحمل به، أو طعام أدنى منه، وإن فعل ذلك قضى (٣) عن الغريم لا يشتريه لنفسه. وعلل ذلك بأن ذلك بيع للطعام قبل قبضه، لأجل ما يكون لمن عليه الدين من الخيار في أن يدفع مثل ما دفعه الكفيل لمن له الدين، أو يدفع خلاف ذلك، وهو الدين الذي عليه، فيصير من له الدين كبائع الطعام قبل قبضه. ولو كان تغيير هذه الصفة في الطعام المسلم فيه مِمّن عليه الدين، لجاز ذلك, لأنه مبادلة طعام جيد بدنيء أو دنيء بجيد، بخلاف الكفيل. وهذا التعليل يقدح في الأصل الذي قلناه, لأنه يجري في دفع الحميل عن سكة طيبة سكةً دنيئة وعن سكة دنيئة سكةً طيبة، فيكون ذلك أيضًا بيعَ ذهب

стр. 2982

بأدْنى منه أو أجود منه، ليس يدًا بيد، فيجب أن يمنع. وأمّا ما أشار إليه من التفرقة بين الطعام والدنانير، من كون ذلك في الطعام بيعًا له (١) قبضه فإنه لا يتضح هذا الفرق, لأن بيع الطعام قبل قبضه إنما يكون إذا باعه بغير جنسه من عوض (٢) أو طعام، وأما بيعه بجنسه فإنه لا يكون بيعًا قبل قبضه، بدليل أنه أجاز ذلك فيمن عليه هذا الطعام، وهذا الذي أسلم فيه ورآه مبادلة، لا بيع الطعام قبل قبضه. لكن قد يفرق بين من عليه السلم إذا قضى أجود أو أدنى برىء هو وبرىء الحميل، ولم يكن فيما دفع خيار لأحد، والكفيل إذا دفع ذلك على غير الصفة التي تحمّل بها ثبت التخيير لمن عليه الدين، هل يقضي للحميل مثل ما قضى عنه أَوْ لَا يقضيه إلا ما كان عليه؟ لكن هذه التفرقة وإن صحت من هذه الجهة فإن مقتضاها منع الصلح بسكة طيبة عن دنيئة أو دنيئة عن طيبة، لأجل ما يدخل في ذلك من التخيير للغريم، فيصير ذلك كالمبايعة ذهب بذهب أدنى منه أو أعلى، ليس يدًا بيد. ولو اتفق أن يكون صلح الكفيل في الطعام بما يخالف صفته ما تختلف الأغراض فيه، كمن صالح عن محمولة بمحمولة أدنى منها، والدنانير لا يتصور اختلاف الأغراض فيها على حال، لأمكن أن يكون هذا فرقًا بين صلح الكفيل عن طعام بأجود منه أو أدنى، أو عن دنانير ودراهم بأجود منها أو أدنى. ولو كان الصلح عن دنانير مؤجلة بدراهم معجلة لمنع ذلك من الغريم والحميل, لأنه صرف مستأخر، عخل دراهم عن دنانير إنما تستحق إلى أجل، سوأء كان ذلك الصلح من الغريم أو من الحميل. ولكن قد قيل، في قول شاذّ عندنا: إن لمن عليه دنانيرُ مؤجلةٌ أن يدفع عنها دراهبم معجلة، إذا رضي بذلك من له الدين. وبعدما (٣) تأجل ها هنا كالخالّ، فيجوز ذلك، على هذا القول،

стр. 2983

من الغريم، أو من الحميل إذا صالح بذلك عن إذن الغريم ورضاه، فيصير كالوكيل على هذه المصارفة. وأمّا إذا حلّ فأراد الكفيل أن يصالح من له الدين عن الدنانير تكفل (١) بدراهم لدفعها إليه، فإن فعل ذلك صلحًا عَمن له الدين فقد اختلف قول مالك في جواز ذلك، فقال مرة بالمنع من ذلك لما يتصور فيه من وجهين محرمين، وهو أنه دفع دراهم يكون الغريم عليه فيها بالخيار، إن شاء دفع له مثل ما دفع ويكون كأنه أسلفه دراهم أبرأ بها ذمة نفسه وذمة الغريم، (فلا يتصور ها هنا الوقوع) (٢)، أو يدفع إليه الدنانير التي عليه ولا يجيز ما عقد إليه (٣) من مصارفة، فيكون الحميل قد دفع دراهم معجلة لمن له الدين ويأخذ عوضها دنانير ممن عليه الدين ليست يدًا بيد، وذلك ممنوع، وتجويز الوقوع كتحقق الوقوع فيه، كما بيناه في كتاب الصرف، ويتصور فيه أيضًا معاوضة فيها غرر, لأنه دفع دراهم لا يدري هل يرجع إليه مثلها فيكون ذلك سلفًا أو ترجع إليه الدنانير التي هي على الغريم فيكون ذلك بيعًا، وذلك غرر، ودفع ما يكون تارة بيعًا وتارة سلفًا. وأجاز ذلك مرة أخرى، كما قدمناه في كتاب البيوع من أن المقصود متحيل (٤) أحكام العقود، (والقصد ها هنا من الحميل بما دفع عنه التخفيف عنه من الطلب، ومكارمة أن يجيز فعله فيكون سلفًا، أو يجيز فعله فيكون أخذ منه عما دفعه لمن له الدين لم يقصد به المبالغة وإنما قصد به التخفيف عنه فجاز ذلك) (٥). واعلم أن نكتة هذا الخلاف أن الحميل إذا دفع دراهم لمن له الدين عن دنانير، فإنه قد أبرأ نفسه بما دفع مما (٦) عليه من المتحمَّل بالدنانير، وأبرأ بهذا

стр. 2984

الدفع الغريم أيضًا، وقد حصلت المناجزة بينه وبين من له الدين فلا يتصور في ذلك صرف مستأخر، بل صرف منه ما في الذمة بدراهم دفعها إليه في الحال، وذلك غيرِ ممنوع. لكن مقتضى هذه المصارفة إثبات خيار لمن عليه الدين فيما يدفع للحميل عن هذه المصارفة. وقد صورنا في هذا التخيير الوقوع في الصرف المستأخر، فهو صرف ناجز فيه أوَّلًا، وتضمنت هذه المناجزة تأخيرًا من جهة أخرى، فهل يقضى في هذا الحكم المناجزة (١)، وهو السابق لثبوت التخيير، أو يلتفت في هذا إلى ما تصور بعدها مما يوقع في تأخير المصارفة وكأن ما يلزم عن الأول يقدّر في الأول ويتصور فيه. بالتحميل (٢) تصور فيها بين الحميل ومن له الدين , والتحريم يتصور فيها بين الحميل والغريم كما بينا. وقد قال ابن المواز في حميل جُبِر على قضاء الدين لعُدْم الغريم، فدفع عن دنانير دراهم، فإن ذلك جائز، ولكن تؤخذ الدنانير من الغريم فتصرف بدراهم، وتدفع الدراهم إلى الحميل قضاءً عما دفع الحميل وأسلف. فإن تقايلا بذلك (٣). وإن قصرت الدراهم التي صرفت عما دفع الحميل لم يطلب من عليه الدين بنقصها، وكان مُصيبة ذلك من الحميل الذي دفع خلاف ما تحمل به. وإن كان فيه فضل رُدَّ إلى الغريم، لكون ذلك فضل بعد أن قضى الحميل جميع ما دفع. قال ابن المواز: وقد رجع ابن القاسم عن هذا، وقال: هذا حرام بين الغريم والحميل. فأنت ترى كيف أشار إلى ما قلناه من أن التحريم إنما ينشأ في المسألة فيما بين الغريم والحميل.

стр. 2985

واعلم أن هذا الذي قال ابن المواز لا ينبغي أن يختلف في جوازه, لأنه لا يتصور فيه وجه من التحريم، لكون من عليه الدين لم يُلزَم بأكثر من دفْع ما عليه، والحميل أخرج دراهم سلفًا، وعاد إليه مثل سلفه. فما صورناه من وقوع في الربا، أو غرر في المعاوضة، يرتفع في هذه المسألة. وإنما يتصور فيها الخلاف إذا لم يُجْبَر على القضاء، وأثبتنا التخيير للغريم، وأن يدفع ما عليه، أو يدفع إلى الحميل ما دفعه عنه. فإذا تقرر حكم صلح الكفيل عن دنانير تحمل بها بدراهم يدفعها لمن له الدين، فلو كان هذا الصلح عن هذه الدنانير بمكيل أو موزون مما يقضى بمثله، وصالح بذلك بشَرْيٍ منه للدين الذي تحمل به، فإن هذا يعتبر فيه ما يعتبر في شراء الديون التي في الذمم، من النظر فيما يشترى به الدين، هل يجوز أن يكون ثمنًا للدين أم لا, وهذا يعرف حكمه مما قدمناه في كتاب البيوع وبيناه، مما يجوز أن يكون رأس م الذي السلم، وعوضًا عما أسلم فيه، من اعتبار اختلاف الأغراض إلى غير ذلك مما بيناه. ومن شرطه أيضًا أن يكون الغريم الذي بيع الدين عليه حاضرًا مقرًّا بالدين الذي عليه، لئلا يقع الغرر والتخاطر في العقد بالجهل بما يجري على الغريم في ذمته، وجواز جحوده لما عليه .. لكن وإن كان شرط في المدونة مثل ذلك في شراء الحميل الدين الذي تحمل به، فإن الرواية في المدونة اختلفت في إثبات كونه مقرًّا، ففي بعضها إسقاط اشتراط كونه مقرًا، وفي بعضها إثبات ذلك، كالأجنبي إذا اشترى دينًا لم يتحمل به. ووجه إسقاطها أن الحميل مطلوب بغرامة الدين الذي اشتراه، فكأنه اشترى الدين الذي عليه واشترى ما لا يخشى سقوطه بخلاف الأجنبي الذي اشترى دينًا لم يتحمل به، وقد أنزل الحميل منزلة الغريم حتى كأنه هو. وبهذا منعوا أن يشتري الحميل الدين المسلم فيه بدنانير هي أكثر من رأس مال المسلم، كما يمنع من ذلك الغريم الذي عليه السلم, لأن الغريم إذا أسلم إليه مائة دينار، وأقاله من له السَّلَم على مائة دينار وخمسين، فإن ذلك لا يجوز،

стр. 2986

لأنهما يتهمان على أن المائة الأُولى أخذها سلفًا، وأظهرا أن يزيدا أكثر من السلف، وذلك حرام إذا كان بشرط، وقد حصل أمرهما في هذه الإقالة على أن المسلِم أخرج مائة دينار فرجع إليه أكثر منها، فيتهمان أن يكونا جعلا تسمية ما وقع السلمُ فيه زورأ ومحلِّلًا لسلف جرّ منفعة. وهذه العلة مفقودة في الحميل إذا اشترى المسلم فيه بأكثر من رأس المال, لأنه لم يقبض شيئًا فرد أكثر منه فهو في هذا كالأجنبى تولى سلمًا في عروض بأكثر من رأس مالها, لكنهم منعوا ذلك في الحميل، وإن فقدت فيه هذه العلة، لكونه أحل نفسه محلّ الغريم، فكما منع ذلك في الغريم منع فيمن حل محله وهو الحميل، لا سيما إذا قلنا بإحدى الطريقتين: إن حماية الذرائع قد يتصور أن يكون للحماية حماية. هذا إذا اشترى الحميل هذه الدنانير يمكيل أو موزون لنفسه. وأمّا إن اشتراها للغريم حتى يكون الغريم بالخيار إن شاء أمضى على نفسه ما فعله الحميل من المعاوضة على الدنانير التي عليه بمكيل أو موزون، فيَغرم للحميل مثل ما دفع عنه، وإن شاء لم يُجِز فعلَه، ولم يغرم سوى الدنانير التي عليه، فإن هذا اختلف فيه القول في المدونة: ففي كتاب الحمالة جواز ذلك، وفي كتاب السلم منعه. وسبب الخلاف فيه ما تقدمت الإشارة إليه من كون هذه معاوضة فيها غرر، لأجل أن الحميل أخرج مكيلة من الطعام، ولا يدري هل يرجع إليه مثلها، فيكون ذلك سلفًا أسلفه الغريم، والسلف جائز، و (١) يكون ذلك بيعًا، باع طعامًا بالدين الذي على الغريم، وما يكون تارة بيعًا وتارة سلفًا يمنع منه، ولكن المعاملة بين الحميل ومن له الدين لا غرر فيها, لأن من له الدين أبرأ ذمة الغريم وذمة الحميل بهذا الطعام الذي وصل إليه، لكن ذلك يتضمن تخيير الغريم، وتغييره (٢) يصور فيه الغرر الذي قلناه.

стр. 2987

والعقد إذا تضمن شيئًا ولزم عنه، فهل يكون ذلك كالمعقود عليه المقصود بالعقد أم لا؟ هذا سبب الإشكال الذي اقتضى الاختلاف. وأما لو كان الصلح عن الغريم بعوض (١) إنما يلزم الغريم، إذا أمضى هذا الصلح عنه، قيمةُ العوض (١) الذي دفعه الحميل وهي دنانير من جنس ما عليه. فإذا كانت قيمته مائة دينار مثل المائة التي عليه، يمكن في هذا غرر, لأنه إنما يغرم مائة دينار سواء أجاز الصلح ورده (٢). وإن كانت قيمة العرض أكثر من المائة دينار أو أقل منه، فمعلوم من جهة العادة أنه لا يختار أن يدفع إلا الأقل من الأمرين: إما المائة دينار أو قيمة العرض. وهذا يرتفع معه ما صورناه من الغرر. وعندي أن هذا الذي أطلقه أهل المذهب من الجواز للصلح على الدنانير التي على الغريم بعوض (٢) إن كان ذلك يقوم بالدنانير. وأما إن قوِّم بالدراهم ودفع الحميل العرض على أنه لا يدري ما. يرجع إليه، إما دنانير وهي التي على الغريم، وإما دراهم، فإن المسألة قد ترجع إلى المسألة الأولى في دفع دراهم عن دنانير. وقد حاول الشيخ أبو إسحاق تخريج خلاف في هذا فقال: قد منع في الموازية، في هبة الثواب، أن يخرج رجل عن الموهوب له عرضًا، يكافىء به عن الهبة قضاء عن الموهوب له، مع كونه إنما يقضي له بقيمة أقلِّ العرضين: إما العرض الذي هو هبة، وإما العرض الذي دفعه أيضًا عن الموهوب له، وهو يعلم أيضًا أن الموهوب له لا يختار إلا الأقلّ من القيمتين. فكان الواجب له، على مقتضى التعليل الذي ذكرناه في صلح الكفيل، أن يجوز هذا أيضًا.

стр. 2988

وهذا الذي قاله من التخريج فيه نظر، وذلك أن الهبة للثواب، الأصل منعها, لأنها معاوضة فيها غرر، إذ لا يدري الواهب ما يعوض عنها. لكن إنما جازت قياسًا على نكاح التفويض كما نصّ عليه أئمة المذهب فصارت كالرخصة، والرخصة فيها اختلاف: هل يقاس عليها أم لا؟ فلا يقاس هذا الرجل الثاني، المتبرع بالمكافأة عن غيره، بالموهوب له السابق، مع كون الغرر في هذا أوضح, لأن الموهوب له الغالبُ أنه لا يكافىء بأقل من قيمة الهبة، بل الغالب أن يكافىء بأكثر منها بما لا يدرى حقيقة مبلغه. فكأن العلة ها هنا بالعكس من علة الحميل، مع كون هذا الثاني إنما هو كمشترٍ حقًا على غيره لا يعرف مبلغه ولا جنسه، فهو بخلاف الموهوب له الذي يقبل الهبة على أمر يضمر أنه به يكافىء. وإذا أخذ الكفيل من الغريم سلعة على أن يؤدي عنه ما تحمل به عنه من دنانير أو دراهم فأتى من له الدين فألزم الغريم أن يعطيه دينه، فأعطاه دينه، (في أن) (١) البيع في هذه السلعة لا ينفسخ, لأن من اشترى سلعة بدنانير أو دراهم فاستُحقت الدنانير أو الدراهم من يد البائغ، فإنه يرجع بمثلها على المشتري، ولا ينفسخ البيع. فكذلك ها هنا يرجع الغريم على الحميل بالدنانير التي قضاها عنه. وإذا صالح من له الدين الكفيل على الخمسين دينارًا، وقد تحمل له بمائة، وقد حل الأجل، جاز ذلك وسقطت المطالبة عن الحميل بالخمسين دينارًا، وبقيت المطالبة بها على الغريم. وإذا تحمل رجلان لرجل بألف درهم فأخذ أحدهما من صاحبه مائة درهم، على أن يؤدي عنه ما توجه عليه بالحمالة، فإن ذلك لا يجوز إذا كان ذلك قبل حلول الأجل، أو كان ذلك بعد حلوله، والذي له الدين غائب, لأن قابض المائة استعجلها قبل حلول أجلها، أو بعد حلوله، والذي يستحق قبضها منه غائب، فتبقى في يديه ينتفع بها، حتى إذا حل الأجل وقدم الغائب، قام له

стр. 2989

بدينه ما يختص بحمالة صاحبه الدافع إليه المائة درهم، فصار دافع المائة إليه كالمسلف لها، قد ينتفع مدة ثم يؤدي عنه ما وجب عليه بالحمالة، ويرجع هو به على الغريم، وذلك سلف جر منفعة، فيحرم. فإن كان الأجل قد حل ومستحق قبض الدين حاضر، ولم يقصد قابضُ المائة منفعةَ نفسه، بل التخفيف عن صاحبه أو مكارمة من له الدين لم يحرم ذلك لأنه لا يتصور فيه سلف جر منفعة. ولو أن من له الدين صالح عن الألف (١) درهم بخمسين درهمًا، فإن دافع المائة درهم يرجع على صاحبه الذي قبضها منه بخمسة وسبعين درهمًا, لأن هذه الخمسين كأنها هي أصل الدين، لا يستحق من له الدين أكثر منها، وبها وقعت الحمالة، فعلى كل واحد من الخمسين منها خمسة وعشرون درهماً، فيبقى في يد قابض المائة درهم خمسة وعشرون يؤديها عن صاحبه ويدفع هو عن نفسه خمسة وعشرين فالفاضل من المائة لدافعها خمسة وسبعون لمّا ظهر أنه لا يستحق عليه إلا الحمالة بخمسة وعشرين. ولو كان الصلح عن هذه الألف بمائة وخمسين درهمًا لرجع دافع المائة على قابضها بخمسة وعشرين درهمًا, لأن الصلح لما وقع بمائة وخمسين درهمًا ظهر أن الحمالة إنما توجهت بمائة وخمسين درهمًا بين الحميلين نصفين، فعلى دافع المائة خمسة وسبعون درهمًا فيعسها (٢) قابض المائة منه ويفضل له من المائة خمسة وعشرون يزيدها قابض المائة إلى دافع المائة. ولو كان الصلح بمائتين لم يسترجع دافع المائة من قابضها شيئًا، لكونها مقدار ما يظهر أنه توجه عليه بالحمالة. فلو كان الصلح بخمسمائة لم يسترد أيضًا دافع المائة شيئًا، يؤدي قابض

стр. 2990

المائة جميع الخمسمائة التي وقع الصلح عليها، مائة منها هي التي دفع إليه صاحيه وأربعمائة منها عن نفسه، وثلاث مائة عما التزم اداؤه عن صاحبه الذي تحمك معه، ويرجج الحميلان كل واحد بما أدى لمن له الدين، وإذا كانت الحمالة بثمن طعام فلما حلّ أجل الثمن طُلب الحميل به، فأداه، ثم أراد أن يأخذ من الغريم الذي أداه عنه طعامًا من صنف المبيع، أو من غير صنفه، أقلَّ من كيله أو أكثر، فذلك جائز، ولا يحل الكفيل ها هنا محل من تكفل عنه بثمن الطعام المبيع, لأن مشتري قمحٍ بمائة دينار إلى أجل، إذا حل فأراد أن يمّضى عن المائة دينار فولًا أو طعامًا غيره، لم يجز ذلك، على ما قدمناه في كتاب البيوع, لأنهما لتهمان على أن أظهرا بيع قمح بدنانير، وأبْطنا بجع قمح بفول إلى أجل وبحع الطعام يالطعام إلى أجل لا يجوز. ولا يتصور هذا في الحميل بدنانير إذا أراد أن يأخذ من الغريم، عنها طعامًا, لأنه لم يخرج من يده إلا دنانير وهي التي أداها بالحمالة، ورجج إلى يده عوضًا عنها طعامٌ، وبيع دنانير (وطعام) (١) بطعام إلى أجل جائز. وإذا كان بائع القمح هو الذي أخذ عن ثمنه فولًا، خرج من يده قمحٌ ورجع إليه بعد مدة فولًا، وذلك لا يجوز. وكأن ظاهر هذه العلة تقتضي أن بائع القمح لو كان قد تسلف دنانير مثل ثمن القمح من رجل، وأحال بها على الرجل الذي باع منه القمح ألَاّ يمنع هذا المحال، أن يأخذ طعامًا ممن أحيل, لأنه لم يخرج من يده طعام ثم رجج إليه طعام عوضه، لكن يمنع من ذلك ها هنا لأن هذا المحالَ يَدُه كيد المحيل له، وكأنه عنه يقبض، ألا ترى أن المحيل لو غرّه بفلَس المحال عليه لكان له الرجوع على من أحاله، فلما كانت يد المحال كيد المحيل له، وهو بائع القمح، وبائع القمح لا يجوز له أن يأخذ من ثمن طعامه طعامًا، فكذلك من حل محله، وكانت يده كيده.

стр. 2991

وإذا تحمل من طعام من سَلَم فدفع إلى الحميل الذي تحمل عنه بالطعام دنانير لشتري بها طعامًا، ويقضيه عنه، فدفع الحميل ذلك الطعام من عند نفسه، فاتصل ذلك بالذي عليه السلَم فأجاز فعله، لم يمنع من ذلك. ولو كان أعطاه الدنانير ليدفع عنه بها طعامًا من عند نفسه لم يجز ذلك إلا أن يكون قبضه منه أو وكّل من يقبض ذلك منه، ثم يقضيه عنه لمن له السلم. ولو وكل الحميلَ بدفع ذلك عنه، فإنه تردد القول فيه عندنا: فقيل: يجوز. أو لا يجوز (وها الآن بما) (١) وأشاروا إلى ضعف الجواز وارتفاع المنع. وإذا تكفل الكفيل بطعام في الذمة، فتطوع لمن تحمل له بأن يعجله قبل الأجل على صفهّ ما هو عليه، لم يمنع من ذلك، كما قدمناه. ولو أن أجنبيًا لم يتحمل، تطوع بدفع هذا الطعام إلى من استحقه على أن يحيله على غريمه يقضيه منه عند أجله، لم يجز ذلك, لأن الحوالة كالبيع، فيصير ها هنا من له الطعام كبائع له قبل قبضه من الذي أخذ منه الطعام وأحاله به على غريمه. وقد تعقب بعض الأشياخ هذا، وأشار إلى أن الحميل قبل الأجل لم تتوجه عليه مطالبة، فإذا دفع قبل أن يتوجه عليه، صار كالأجنبي التي (٢) لم تتحمل. لكنهم لما رأوا أن الحميل تتوجه عليه المطالبة إذا حل الأجل، كما تتوجه على الغريم المتحمل عنه إذا حل الأجل، فارق ذلك حكم الأجنبي الذي لم يتحمل ولم تجب عليه مطالبة لا في الحال ولا في المآل .. وإذا تقرر حكم الحميل وأداء الدين الذي تحمل به، فلا يخلو: إما أن يؤديه من عند نفسه من شيء ملكه قبل المطالبة بالحمالة، أو يشتريه بثمن ثم لا يخلو ذلك أيضًا، في الوجهين جميعًا، من أن يكون ما أدّى مكيلًا أو موزونًا

стр. 2992

أو عرْضًا مما يقضى فيه، في الاستهلاك، بالقيمة. فأمّا إذا أدى من شيء قد تقرر مِلكه عليه، وكان مما يكال أو يوزن رجع بمثله على من أداه عنه، من غير خلاف, لأنه كالمسلف لمن أداه عنه، ومن أمملف مكيلًا أو موزونًا فإنما يرجع بمثله. وإن كان الذي أداه من ملك نفسه حيوانًا أو عروضًا فمذهب أشهب وغيره من أصحاب مالك أنه يرجع أيضًا بمثله كما يرجع أيضًا بذلك في سلف العروض. واختلف قول ابن القاسم فيه: ففي الموازية عنه: أنه يرجع بمثله كما قالت الجماعة. وفي الواضحة أنه يرجع بقيمته كما يرجع بالقيمة في العروض في البياعات الفاسدة والاستحقاقات والاستهلاكات. وأمّا إن كان كُلِّف القضاءَ فاشترى ما يقضيه بثمن، فإنه يرجع بمثل الثمن الذي اشترى به، سواء كان ما اشتراه وقضاه مكيلًا أو موزونًا أو عروضًا، ولا يعتبر في ذلك قيمة العروض لأنه لما كلف شراءه، صار ذلك كأنه وقع بإذن الغريم الذي تحمل عنه، فكأنه أسلفه الثمن فلا يرجع عليه إلا به. ولهذا التعليل اختار بعض المتأخرين التفرقة بين أن يكون تحملا عنه بإذنه أو بغير إذنه: فإن تحمل عنه بإذنه صار كالإذن له في السلف. وإن تحمل عنه بغير إذنه لم يكن له رجوع إلا بالأقلّ مما اشترى، أو قيمة ما أدى عنه لأن الغريم يقول: من حقي إذا كنت معسرًا التأخيرُ، فأنت أضررت بي في تعجيل ما يجب تأخيره، فإذا كانت القيمة الآن الأقل فلا أعطيه أكثر منها. تم كتاب الحمالة والحمد لله.

стр. 2993

كتاب الاستحقاق

стр. 2994

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وصلِّ الله على سيدنا محمَّد وسلم كتاب الاستحقاق قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى ورضي عنه، في فصل تضمن أحكام الاستح قال: ومن بني أرضا أو غرسها، ثم جاء مستحقها، فلا يخلو الباني أو الغارس أن يكون غاصبا، أو مبتاعا - من غاصب، أو محيا مواتا. فأما الغاصب فللمالك أخذه (بقلع أو بغرس) (١) أو دفع قيمته (٢) إليه مقلوعا بعد حط أجرة القلع. وأما المبتاع من غاصب فلا يخلو أن يكون عالمًا بأن البائع غاصب أو غير عالم: فإن كان عالمًا فحكمه حكم الغاصب. وإن كان غير عالم فالملك لمالكه، ويدفع إلى الباني أو (٣) الغارس قيمة العمارة قائمة. فإن أبي دفع الآخر إليه قحمة أرضه براحًا. فإن أبى كانا شريكين بقدر قيمة اليراح براحًا وقيمة العمارة قائمة.

стр. 2995

وحكم المحيي مثل ذلك. قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة عشر سؤالا، منها أن يقال: ١) ما الدليل على أن مستحق الأرض يستردها ممن هي في يديه؟ ٢) وما الحكم فيه إذا استردها؟ هل تسترد بثمن أم لا؟ ٣) لو وَجد من هي في يديه قد أحدث فيها حدثا، هل يمنعه ذلك من أخذ المستَحَق أم لا؟ ٤) وهل إذا مُكِّن من أخذها يعطي البانيَ والغارسَ قيمة ما بني وغرس، قائما أو منقوضا؟ ٥) وما الحكم في مشتري منافع الأرض دون رقبتها إذا بني أو غرس؟ ٦) وما الحكم في زارع الأرض بوجه شبهة أو تعّديا منه؟ ٧) وما الحكم فيمن بني بناء يُحزم (١) في أرض لا تحزم (١)؟ أو بني ما لا حرمة له في ارض محترمة؟ ٨) وما الحكم فيمن كانت في يده رِباع بوجه شبهة فأكراها، وحابط (٢) في كرائها؟ ١١) (٣) وما الحكم في المستحِق إذا أجاز الكراء، هل للمكتري في ذلك مقال؟ ١٢) وما الحكم في دعوى المشتري ضياع ما استُحِق من يديه؟

стр. 2996

١٢) وما الحكم في استحقاق المعاوضة عن الدعاوي؟ ١٣) وما الحكم في الاستحقاق إذا وقعت المعاوضة؟ فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: ما (١) الدليل على تمكين المستحق للشيء إذا لم يكن أزال ملكه عنه، بأنه يعلم ذلك من قواعد الشرع ضرورةً، كما يعلم تحريم الزنى ضرورة، من غير حاجة إلى إسناد ذلك إلى حديث يُروى. ثم لو سلكنا إثبات هذا بالاحاديث لكانت كثيرة، كقوله ﵇ في خطبة الوداع، "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم" هذا الحديث المشهور، وقد أضيف ذلك إلى النبي عيه السلام، وذكر أنه قاله في مجمع عظيم، وهي الحَجة التي (٢) عَقِبها وحج المسلمون فيها، فلو كان الراوي لهذا كاذبا لكذّبه كلّ من حضر. وكقوله "على اليد أن ترد ما أخذت حتى تؤديه" (٣) وكقوله "كل ذي مال أحق بماله" (٤) وقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٥) وكقوله ﵇ "من أحْيي أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" (٦). وخرج أبو داود عن عروة: "أن رجلين اختصما إلى النبي ﵇: غرس أحدهما نخلا في أرض آخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر

стр. 2997

صاحب النخل أن يخرج نخله" (١) فاقتضى مجموع هذه الأحاديث تمكينَ الإنسان من ماله الذي أُخذ منه بغير حق مع قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلفت الأحاديث في مستحق ماله الذي لم يسقط ملكه عنه وهو في يد مشتريه هل يأخذه بثمن أو بغير ثمن؟ فخرج النسائي وأبو داود عن سَمُرة بن جُندُب قال ﵇ "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق ويتبع البائع من باعه " (٣). وخرج الترمذي إن رسول الله ﷺ (قضى أنه إذا وجدها في يد رجل غيرِ متَّهمٍ، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه"، قال الترمذي: وقضى بذلك أبو بكر وعمر (٤) وخرج النسائي أيضًا "أن النبي ﷺ قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متَّهم يخيّر سيدُها: فإن شاء أخذ الذي سرُق منه بثمنه وإن شاء أَتبع سارقه" قال: وقضى بذلك أبو بكر وعمر (٥). فأنت ترى اختلاف ظواهر هذه الأحاديث. ففي كتاب أبي داود ما ظاهره أن المستحق يأخذها بخير ثمن، وإنما يطلب مشتريَها بثمن الذي دفعه لمن باع منه البائع الذي قبض الثمن منه. في كتاب الترمذي أن المستحق لا يأخذها إلا بعد أن يدفع الثمن إلى مشتريها، وأَضاف هذا المذهب إلى أبي بكر وعمر ﵄. وأما النسائي فروى الحديثين أحدهما مثل ما رواه أبو داود. والثاني مثل ما رواه الترمذي وكأن ما رواه الترمذي وأضافه إلى أبي بكر وعمر رضي الله

стр. 2998

عنهما وجْهُه توخّي العدل بين الرجلين, فقد قال ﵇: "كل ذي مال أحق بماله" (١). وهذا يقتضي كون المستحق لا يمنع من أخذ عين ماله، والمشتري له حق أيضًا في الثمن الذي دفع، ولولا دفعه ما صارت السلعة إليه من يد السارق الذي باعها منه، فكأن مستحقها لم يمكْن أخذهُ إلا بعد ما (٢) دفعه مشتريها فصار ذلك كمن فَدَى من يد اللصوص شيئًا بمال دفعه إليهم، فإن في أحد القولين، أن صاحبه لا يمكّن من أخذه من يد فَادِيه إلا بوَزْن ما دفع فاديه فيه. ولم يُذكر هذا تخريجا للخلاف عندنا في هذه المسألة من الخلاف المذكور عندنا فمن (٣) فدى من يد اللصوص شيئًا هل يمنع مالكه من أخذه إلا بعد أن يدفع الفداء, لأن الفادىِ من أيدي اللصوص (يدُل فيه مال يدُلّ) (٤) لمنفعة غيره على أنه يتملكه، فكأنه جرى مجرى من وإن على المسلم ماله لئلا يتلف عليه، والمشتري من السارقال في يظنه هو المالك (٥) ولى يقصد بما دفع من الثمن صيانةً على ربه, لأنه لم يعلم به، وإنما قصد بذلك تملك السلعة التي باعها منه، فصار كمن غلط على مال نفسه، فدفعه لغير مستحقه. والفادي لم يأخذ مال نفسه، غلطا منه، لتحصيل منفعه نفسه. وإنما ذكرنا هذا لما بين المسألتين من الملاحظة على الجملة، ألا ترى أن القاضي إذا شهد عنده عدلان بأن رجلًا مات، فباع تركته، ثم أتى حيّا أنه لا يمكن من أخذ السلع، التي اشترى مشتريها، إلا بعد أن يدفع ثمنها لمن بيعت منه, لأن المشترى لهذه السلع إنما يذل فيها الثمن لمنفعه نفسه، وليملكها على التأبيد، لكن ها هنا أيضًا يحكم القاضي بصحة تمليك المشتري لها عوضا مما دفع من الثمن، وهو حكم صحيح في الظاهر، وإن كان باطلا في الباطن.

стр. 2999

(والاحكام تؤخذ على الملك عنه إلى المشتري) (١) بخلاف من اشترى من السارق طوعا منه، (وقد يتعامى عن كون. ما بيع منه مستوفى) (٢) ويترك البحث عنه فصار كمشارك للسارق في سرقته. ألا ترى فيَ الحديث الذي ذكرناه قال: "فوجدها في يد رجل غير متهم" وهذا كالإشارة على ما قلناه. على أنّا سنتكلم بعد هذا على تفرقته في المدونة بين كون الشهود تعمدوا شهادة الزور بموت هذا الرجلِ، أو شُبِّه عليهم. وفي كلامنا على ذلك ما يوضح ما ذكرناه ها هنا على الجملة، ان شاء الله تعالى. وهو الذي ذكرناه دليلًا على صحة ما ذهبنا إليه نحن وغيْرنا من كون المستحق يأخذ سلعته من يد مشتريها بغير ثمن يغرمه له، لقوله ﵇ "كل ذي مال أحق بعين ماله" ولم يذكر وجوب غرامة عليه، بعمومه (٣) يقتضي أنه أحق بعين ماله على كل حال، مع كون غلط المشتري لا يؤاخذ به المالك المستحق, لأن غلطه جناية عن نفسه بأن دفع الثمن لغير مستحقه، فلا يُسقط ذلك حق من استحق العين التي لم تخرج عن ملكه. وقد ذكرنا ما ذكره أبو داود في (الرجلين اللذين اختصما في نخل غرسها أحدهما في أرض الآخر فأمر ﵇ بقلع النخل ورد الأرض على صاحبها) (٤) ولم يذكر أنه غرسها غصبًا أو بوجه شبهة وشراء. والجواب عن السؤال الثالث ان يقال: إذا تقرر أن من استحق أرضًا من يد مشتريها من غاصبها وهم (٥) لم يعلم بالغصب، أنها ترد على مالكها ولو غرسها من هي في يديه، أو بني فيها وهو

стр. 3000

غاصب أو مشتريًا (١). خلافا لأبي حنيفة لأنه ذهب إلى أن من غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس أن صاحب الأرض (٢) لم يمكن منها بل الحبهم عنده أن يعطيه الغاصب الذي بني أو غرس، قيمة أرضه. إذ قيل ذلك في الغاصب فأحرى أن يقوله فيمن اشترى أرضا فبنى فيها بوجه شبهة، وكأنه قدر الأرض في حكم ما تلف عينه وانعدمت، فعلى متلفها غرامة قيمتها. ورأى مالك وأصحابه عكس ما رآه أبو حنيفة، وأن صاحب الأرض أوْلى بها، وأن حكم الغرس والبناء في التَّبَع لها، وورآها أبو حنيفة في حكم التبع للغرس والبناء، فلهذا أخرج ملكَه عن صاحبها، وأعطاه قيمتها. ولنا عليه ما ذكرناه من كتاب أبي داود من كون النبي ﵇ أمر مَن غرس في أرض غيره بأن يقلع غرسَه، كالنص في الرد عليه. والحكم تغليب حكم الأرض علق (٣) حكم البناء فيها والغرس. وكان شيخي أبو محمَّد عبد الحميد، ﵀، يبني هذه المسألة على اعتبار تغليب أحد الضررين، ويرى أن مالكا، ﵁، إنما ذهب إلى تغليب حكم الأرض لكونها أكثر ثمنا مما بُني فيها أو غرس. وما عظم كان أكثر حرمة مما قلّ ثمنه. ويشير إلى أن الأمر لو كان بالعكس وكان البناء عظيما، والأرض محتقَرة، لكان البناء هو المغَلَّبَ، ويكون للباني أو الغارس أن يعطي صاحب الأرض قيمتها. هذا على طرد هذا التعِلل، ولكنه كان يقول: ربما كانت العلة عند مالك

стр. 3001

في تغليب حكم الأرض كون مِلكِها سبق ملكَ ما أُحْدِثَ فيها من البناء والغرس، والسبق له تأثير في الترجيح، لا سيما أنه مِلْك صحيح في الظاهر، خلاف ما أُحدث من البناء والغرس، وطرد هذا التعليل يقتضي ألا يفترق الحكم في كون الأرض قليلة الثمن أو كثيرة الثمن. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا غلبنا حكم صاحب الأرض، وأسقطنا حكم الباني والغارس، وأزلنا ملكه عن ذلك، فإنه: إن كان غاصبا فله نقض م ابن ي أو غرس ممن له منفعة إذا أخذه وأزاله، ولكن لصاحب الأرض المغصوبة أن يعطيه قممة بنائه وغرسه منقوضا بعد أن تُحَطَّ أجرة النقض والقلع، على ما بيناه في كتاب الغصب. وأما إن كان مشتريا, ولم يعلم بأن من باع منه غاصب، فإن رب الأرض من حقه أن يزيل مِلْك الباني والغارس عن بنائه وغرسه بالقيمة. وهل يكون التقويم لذلك على أنه منقوض، كما قلناه في الغاصب، أو على أنه قائم؟ المعروف من المذهب: يقوَّم على أنه قائم .. وذكر شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد أنه قيل، فيمن بني بوجه شبهة، أنبما يُعطَى قممة بنائه منقوضا. وأظنه إنما حكى ذلك عن شيخه أبي القاسم السيوري أنه نقله. فإن صحّ هذا، فإنه أجراه صاحب هذا المذهب مجرى الغاصب لكون غلطه على أرض غيره لا يوجب بقاء بنائها. والمعروف من المذهب خلافُ ذلك. فكأنه لما كان له شبهة فيما أحدث لم يجر مجرى الغاصب، وقد قال ﵇ "من أحي أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" (١) دليل هذا الخطاب أنه إذا لم يكن ظالما فلبنائه حرمة، وحرمته أن يكون قائما. وهذا يقتضي ما ذهب إليه الجمهور من كونه يُعطَى قيمةَ بنائه قائما. وقد روي عن مالك أيضًا: يُعطَى ما أنفق. وهذا ربما

стр. 3002

رجع إلى القول بأنه يعطَى قيمة بنائه قائما, لأن التقويم يكون بمقدار النفقة إن لم يعئن المُنفَق. وذهب ابن سلمة إلى أنه إنما يُعطَى قيمة ما زادت قيمة بنائه وغرسه في قيمة الأرض براحا. وكأن من ذهب إلى هذا رأى ان صاحب الأرض إذا غُلِّب حكمه فمقتضى هذا لا لعطَى صاحب الأرض إلا مقدارَ ما انتفع به من فعل الباني والغارس. وأما إذا أعطاه قيمة بنائه، وإن لم يزد البناء في قيمة ارضه فكأنه لم يغلب حكمه على صاحب النساء إذا حكم عليه بخسارة مالًا ينتفع به. وبعض أشياخي يرى أن الأوْلى القضاء بأقلّ المذهبين، فإن كانت الزيادة في القيمة هي الأقل لم يكلَّف صاحب الأرض خسارةَّ، لما غلبناه من تغليب حكمه. وإن كان قيمة البناء أقلّ وقد رفع الضرر عن الباني إذا أعْطِيَ قيمة ما بني. وإذا قلنا: يعطَى قيمةَ ما بني، فهل تُعتبر قيمته يوم بناه، أو يوم المحاكمة؟ في ذلك قولان، وهما مبنيان على ما كررناه مرارًا في كتاب البيوع وغيرها: أن كل أمر مترقب حدوثه ووقوعه، وهو مسند إلى سبب تقدّم إيقاعَ الحكم به، فهل يقدَّر، إذا وقع الحكم به، كأنه لم يَزَل الحكم ثابتا فيه، فيعطَى، على هذا قيمةَ بنائه يومَ بناه، أو يقدر أنه إنما تحّمل الحكم يومَ وقوعه، ولم يُلتفت إلى تقدم السبب الذي أسند الحكم إليه، فيعطَي قيمته بنائه الآن. وقد مثلنا الفروع التي تجري على هذا الأصل بما يُصحِّحُ ما قلناه. وإذا تقرر تغليب حكم صاحب الأرض في أن له التملك بأرضه، وطرد الغارس والباني عن غرسه وينائه، لكن يعو أن يعطيه عوضا، على الخلاف في تقدير العوض، كما قدمناه، فإنه إن امتنع من ذلك، فعن مالك روايتان: أحدهما، وهي المشهورة عندنا، أن لصاحب الغرس والبناء أن يطرد المستحق أيضًا عن أرضه، كما يرى المستحقُّ في أن طرد الباني والغارس عن بنائه وغرسه، ولكن يعد أن يعطيه قيمة أرضه، فإن امتنع من ذلك الباني والغارس

стр. 3003

أيضًا كانا شريكين: مستحقَّ الأرض يكون له منها ومن غرسها وينائها بمقدار قيمة أرضه بَراحًا، ويكون للباني والغارس من الأرض والبناء والغرس قيمته غرسه أيضًا ما بني أو غرس قائمًا على الخلاف الذي قدمناه. وروي عن مالك أيضًا نفي الشركة وأنه إذا امتنع مستحق الأرض من دفع قيمة البناء أجبرَ الباني أو الغارس على دفع قيمة الأرض. وكأن الذاهب إلى هذا رأى أن البناء والغرس فوت في حق الباني والغارس، إذا امتنع مستحق الأرض من أن يعطيه قيمة البناء والغرس، فجَبر الغارسَ والبانيَ على دفعْ قيمة ما أفاته باليناء والغرس. وكأنه في القول المشهور رأى أن ليس أحدهما أولى بأن يُقدَّر البناء فوتًا في حقه من الآخر. فإذا لم يترجح أحدهما عن الآخر كانا شريكين، فلا يجبر صاحب الأرض على دفع قيمة الأرض. ولو كان من اشترى أرضًا فبناها وغرسها، ثم أتى مستحق فلم يستحق جملتها وإنما استحق نصفها، فإن النصف المستحَق يجري فيه وفي حكم بنائه وغرسه ما قدمناه في مستحق جميع الأرض، لا فرق بينهما في هذه الأحكام كلها. لكن إنما تختص هذه المسألة بالنظر في الشفعة، فإنه إذا استحَق نصف الأرض كانت له الشفعة في النصف الباقي على ملك المشتري، إلا أن يكون المستحِق لا يتمسك بنصف الأرض الذي استحق، ولكن أغرم الباني أو الغارس قيمة ما بني وغرس في النصف الذي استحقه، فإنه لا شفعة له، على أحد القولين فيمن كان له نصيب في دار لأجله وجبت الشفعة فيما بيع منها، فباع النصيب الذي به يستشفع قبل أن يأخذ الشفعة. ولو أنه أعطى الباني أو الغارس قيمة بنائه وغرسه في جميع الأرض لمالك (١) جميعها النصف بالاستحقاق والنصف بالشفعة. وإذا لم يعط قيمة البناء، ولا اعطى الباني أو الغارس قيمة الأرض، وكانا شريكين، فالمذهب على قولين في كونه يستحق جميع النصف الذي اشتراه

стр. 3004

المشتري، أو يسقط من الشفعة بمقدار ما سقط من ملكه في النصف في المستحَقال في به وجب له الشفعة لأجل الشركة فيه. وهذا يبسط في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اكترى رجل دارًا أو أرضا مدة معلومة من مشتري الأرض والدار، فأتى مستحق فاستحق الأرض أو الدار بعد أن مضى بعضُ مدة الكراء، فإن ما مضى من المدة لا سبيل إلى رده وارتجاعه، وكذلك لا سبيل للمستحق في أخذ كرائه, لأن ذلك يقضى به المشتري (١)، لآن الاستحقاق من يد المشتري بوجه شبهة لا توجب عليه رد الغلة إلى المستحق، كما سنبينه فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وأمّا ما بقي من المدة فإن للمستِحق أن يجيز عقد مكتريها، وهو مشتري الأرض بالمسقى الذي وقع به العقد، ويصير كمن بيعت سلعة (٢) بغير إذنه، فإن له أن يجيز بيعها، ويأخذ الثمن، ولكن بعد أن يعلم مقدار ما ينوب باقي المدة من الإجارة التي عقد بها البيع، لئلا يكون كمبتدى عقد كراء مدةً بثمن مجهول لا يعلم مقداره. وهذا على أحد القولين في جمع السلعتين، وفيمن اشترى عشرة ثياب فاستُحِق منها ثمانية فأراد أن يتمسك المشتري بالاثنين الباقيين منهما، فإنه يمنع من ذلك في المدونة، وأجيز في كتاب ابن حبيب. وهذا الخلاف انبنى على من ملك أن يملك هل يعد مالكًا (أو أن يقدر كالمالك) (٣) (إلا اختار أحد الوجهين اللذين خير بينهما) (٤).

стр. 3005

وقد تقدم بسط هذا الاختلاف في كتاب البيوع، وذكر سبب الاختلاف ولو كان هذا المكتري للأرض عشر سنين, مثلًا، يبني ويغرس، ثم أتى مستحِق فاستحق الأرض، فإن ما نص (١) من مدة الكراء مقدارُ كرائه لمكري الأرض الذي اشتراها، وما يُستقَبل من الزمان إلى انقضاء العشر سنين الحكمُ للمستِحق، فَيُخَيَّرُ بين إجازة العقد، وردّه، ويبقى الشجر والبناء بقيمة العشر سنين، فإذا انقضت أُمر الغارس أو الباني بقلع بنائه وغرسه، أو يعطيه قيمتَه منقوضا بعد أن يحطّ من ذلك أجرة النقض. وهذا لما بيناه في كتاب الغصب. وأما إذا لم يجز الكراء، واختار فسخ ما بقي من مدة الكراء، فإنه لا يلزمه أن يُبقي الغرس والبناء يقية مدة الكراء لأنه كمن استحق سلعة بيعت بغير إذنه فله فسخ العقد فيها وردها إلى يديه. ولكن في مقابلة هذا كون المكتري الذي غرس وبنى بوجه شبهة يلحقه الضرر في إفساد ملكه، وإبطال الانتفاع به بقية المدة التي اكتراهًا، كما يلحق الياني في أرض اشرّاها الضرر في قلع بنائه وغرسه، فلهذا أعطيناه قيمة البناء والغرس قائمًا. وهكذا قال في المدونة في المكتري إذا فسخ المستِحقُّ للأرض بقية مدة الكراء، فإن يُعِطي المكتري الذي بني أو غرس قيمة بنائه أو غرسه قائمًا، ويرجع المكتري الذي بني وغرس على ما (٢) أكرى منه بما ينوب المدة التي فسخ كراءها مستِحق الأرض، كما يرجع من اشترى سلعة فاستِحقتْ من يديه (قيمتها عن) (٣) من باعها منه. وقد أكثر المتأخرون من الاشياخ القدح في هنا الجواب بأن قالوا: أما قوله: إن المكتري إذا فُسِخت عليه بقية كراء المدة، وأعطِي قيمةَ بنائه وغرسه

стр. 3006

قائمًا، فكيف يصح رجوعه عن المكري منه بجميع ما قابل من الكراء بقيةَ هذه المدة، وهو قد أخذ بقية قيمة المدة من مستحق الأرض لمّا اعطاه قيمة بنائه وغرسه قائمًا، ومعنى كونه قائمًا أي باقيا في الأرض، فلا يصح أن يرجع بالثمن الذي أعطاه المكري، وبقيمته ذلك على مستحق الأرض، فيكون قد أخذ ثمن ما اكتراه مرتين، وهذا لا يصح. وكذلك أيضًا عارضوا قوله في المدونة: إن المستِحق يعطي للباني أو الغارس قيمة بنائه قائمًا، فيصير قد قوّم له مالًا يملكه، وهو جزء من الأرض التي بطل عقْد كرائه فيها. وقد كنا نحن قدمنا ذكر الخلاف في مستحق الأرض من يد مشتريها، وقد بني فيها أو غرس، هل يجب على المستِحق أن يعطي الباني قيمة ما زاد بناؤه وغرسه في الأرض أو لا يعتبر ما زاد، ولعطيه قيمة بنائه وغرسه قائمًا؟ فإن قلنا: إنه إنما يعطى ما زادت قيمة البناء والغرس في قيمة الأرض برأحا، فإنه يقال ها هنا: ما حكم قيمة الأرض براحا؟ فيقال: مائة دينار، ثم يمّال: كم قيمتها بهذا البناء والغرس؟ فيقال: مائة وخمسون دينارا. فنعلم أن مستحق الأرض إنما انتفع من قِبَلِ الباني أو الغارس بخمسين دينارًا، فيقضى له بها. وأما إذا قلنا: مستِحق الأرض يعطي البانَي أو الغارس، وقد اشترى الأرض وغرسها وبنى فيها، قيمة بنائه وغرسه قائما، فإن مَحْمَل قوله في المدونة، في مكترٍ غرس الأرض التي اكتراها وبنى فيها: إنه يقضَى له بقيمة بنائه وغرسه قائمًا. المراد بهذا الإطلاق: قائما في الأرض إلى انقضاء العشر سنين التي عقد الكراء عليها. ولم يرِد قائما قياما مؤبّدا, لأن المكتريَ لم يملِك التأبيد في إبقاء الغرس أو البناء على التأبيد، فكيف يقوّم له ما لم يعاوِض عنه ولا إستحقه ولا دخل في ملكه؟ وبعض المتأخرين يشير إلى إبقاء هذا اللفظ الذي في المدونة على

стр. 3007

إطلاقه، ولكن بعد إن يصوّر التقويم على صفه (يخلى فيها) (١) من اعترض ما وقع في المدونة بما ذكرناه، فيقول: إنما يصح إطلاق هذا اللفظ على أن تكون صفة التقويم ان يقال: بكم يبقى هذا البناء؟ وما قيمته مبنيا؟ غيرَ ملتفتٍ في ذلك إلى هدمه بعد مدة معلومة، أو إبقائه على التأبيد, لأن من استأجر بناء يبقى له في أرضه، فإنه إنما يقع بينه وبينه المكايسة فيما يأخذ في اليناء خاصة، ولا يلتفت المكري والصانع إلى كون ما يبنى يهدم بعد سنة أو بعد عشر سنين. فإذا لم تختلف الإجارة في أمد هدمه، لم يحصل في ذلك ما اعترض به من كون الباني قد قوّم له جزء من الأرض لا يملكه. وعبر بعضهم أيضًا عن هذا المعنى، محاولًا دفع ما ذكرناه من الاعتراض يكون الباني قد قوم له جزء من الأرض، فإن صفة التقويم أن يقال: بكم يُشترى هذا البناء على أن يضعه مشتريه في البقعة التي بني فيها، إذا كان مالكَها وهي براح؟ فإذا فُعِل هذا سقط الاعتراض. أو يكون الباني أو الغارس قد قِوّم لهما جزء من الأرض. ولو امتنع المستحق من قيمة البناء والباني امتنع أيضًا من دفع قيمة الأرض كانا شريكين بقيمة البناء قائمأوقيمة الأرض براحا، لضعف الاعتراض لكون الباني والغارس قد قِوّم لهما جزء من الأرض، وهما لا يملكانه, لأنا إذا أدخلنا في التقويم للأرض براحا مغارسَ الشجر وأساسَ البناء، فلم يُظلَم صاحب الأرض. وكذلك أيضًا إذا قومنا للباني والغارس بناءه قائمًا، فيتساوى، هو ورب الأرض، في تقويم هذا الذي هو مغارس البناء, لأنّا لم نسقط حق صاحب الأرض في تقويمه إذا أراد الشركة بقيمة الأرض. وقد يقال، عندي، في دفع هذا الاعتراض الذي ذكرناه: إن مستحق الأرض لما كان قادرًا على أن يُلزم البانَي، والغارسَ قيمة الأرض براحا، فعدَل عن ذلك إلى أن يغرم الباني (٢) والغارس قيمة بنائه وغرسه الذي فعله بوجه شبهة، وباعتقادٍ انه يملك ذلك على التأبيد، في حق المشتري إذا كان هو

стр. 3008

الغارسَ أو في حق المكتري، أي الأجل، صار عدول رب الأرض عن تقويم الغارس والباني قيمة الأرض براحا، كالرضى بإمضاء ما فعل، وتصويب ما اعتقد من أنه يفعل ذلك على جهة الملك المؤبد. وإذا قررنا الأمر كذلك سقط الاعتراض الذي ذكرناه. وإذا اكترى الأرض ليزرعها، وقد اكتراها من مشتريها، فأتى من استحقها قبل أن يحرثها مكتريها فواضح حكم ذلك: أن له فسخ العقد، ومنع المتكري منها. فإن أتى المستحق وقد حرثها المكتري، ولكنه لم يزرعها، فيه قولان: هل يغرم المستحق قيمة الحرث أو يأخذ الأرض ولا غرامة عليه لذلك؟ وهذا مبني على الاختلاف فيما فعله الغاصب في دار غصبها مما ليس بعين قائمة ولا يتميز كالتزويق، فإن فيه اختلافا، فإذا تسلم الدارَ صاحبُها فقيل: يتسلمها ولا غرامة عليه، وكأنه الأَشهَر في أصل المذهب. وأما المشتري إذا فعل مثل ذلك، فقيه أيضًا اختلاف، وكأنّ الأشهر في أصل المذهب أنه يلزم المستحق قيمةُ ما عمل. وقد اشتهر فيمن اشترى قمحا فطحنه، فأتى رجل فاستحق القمح، فوجده مطحونًا، هل يأخذه ولا غرامة عليه في الطحن، أو يغرم قيمة الطحن؟ وإذا قلنا: إنه إذا استحق الأرض فإنه يغرم أجرة الحرث، فإن امتنع غرم له المكتري كراء السنة التي اكتراها أو حرثها زرعا، فإن امتنع المكتري أيضًا من ذلك فقيل: تسلم الأرض. وعلى الطريقة الأخرى يكون هو ورب الأرض شريكين في حرث هذا العام. وهذا كالاختلاف في قطع الثوب الذي دفعه القصار إليه غلطا منه عليه، فيقطعه (١) قابضه وخاطه، فإنه اخُتلف فيه إذا امتنع مستحقه من أجرة الخياطة، وامتنع الذي خاطه من دفع قيمة الثوب، هل يسِلّمُ الثوبَ مخيطًا، أو يسلمه ويكون شريكًا بمقدار الخياطة؟

стр. 3009

ولو اتى المستحق وقد زرع المكتري الأرض، فإنه ليس له قلع زرعه, لكونه وضعه يوجه شبهة، وليس له أن يتلف مال غيره إذا لم يكن تعدى من استحق الأرض من يديه في الزراعة، ولكن يأخذ المستحق كراء الأرض إن كان استحقها في الإبان, لأن زراعتها قد منع ربها من الانتفاع بها، وكان الأصل أن لمستحقها قلع الزرع، ولكن صيانة الأموال عن التلف اقتضت منعه من ذلك. ولكن أيضًا لا يلزمه أن يصون مال غيره بإتلاف مال نفسه، فلهذا كان له كراء هذا العام. ولو أتى بعد انقضاء الإبان (لم يكن للكراء) (١)، وكان كراع هذا العام لمشتري الأرض الذي أكراها, لأن الزارع لم يمنعه من الانتفاع بها، إذ لا قدرة لمستحقها عن الانتفاع بها إذا (٢) ذهبت أيام الزراعة. وقد قال ابن الماجستون: لو استحقها المستحق، وقد مضى بعض أيام الابان، ففضْل ما بين الكراء في أول الإبَّان ويومَ جاء المستحق، يكون لمكري الأرض قدرُ ما مضى من الإبان كفوت جميعه. ولو خوصِم المستحق في استحقاقه فلم ينقض الخصامُ حتى مضى الإبان، ففيه قولان: هل يكون الكراء للمستحق، أو يكون الكراء لمكري الأرض, وهذا على الخلاف في المُتَرَقّبَات إذا ودعت مسنَدة لأسباب متقدمة، هل يقدر كأن الحكم وقع في تاريخ السبب الذي يستند إليه الحكم، أو أنه وقع يوم الحكم؟ وقد عهلم الخلاف في المدونة فيمن اعتق عبده في سفر، ثم قدم، فأنكر العتق، وقدم من يشهد عليه بعد إنكاره، فحكم بالشهادة، هل يقدّر كان الحكم يوم أعتق في سفره أو الآن وقع؟ وقد يقال ها هنا: إن مدافعة المستحق إن كانت بتأويل ووجهِ شبهة، فإنه

стр. 3010

يحسن القضاء بإسقاط حقه في الكراء، وإن كانت المخاصمة له بباطل واضح، فإن الكراء يكون له، وقد حضرتُ مجلس الشيخ أبي الحسن اللخمي وقد استفتاه القاضي في امرأة دعت زوجها للدخول فأنكر النكاح، فأثبتته عليه، فأفتاه بأنه تعتبر مدافعته لها في النكاح هل كان من الزوج بتأويل وشبهة فلا يطالب بالنفقة أيام الخصام، أو دافعها بباطل واضح فيكون كالغاصب لها حقَّها في النفقة فيقضى لها بذلك؟ وهذا نحو ما أشرنا إليه نحن في هذه المسألة. ولو كانت الأرض تزرع بطونا لكانت كالسكنى، فما مضى من البطون لمكري الأرض، وما بعد ذلك من يوم الاستحقاق (١) ويكون للمستحق، لكون الأرض التي تزرع بطونا يمكن مستحقَّها أو (٢) يزرعها يوم استحقها، فأشبهت السكنى. وقد كان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد ﵀ يشير إلى التردد في السكنى، لأجل أنه إذا أكرى المشتري الدار وانتقد الكراءَ، وهي مأمونة، صارت بقيةُ السنة كالمقبوض، كما قالوا في أرض النيل إذا رويت: إن المنافع كالمقبوضة. وإن كانت بقية الستة في الدار المأمونة كالمقبوض منافعها، صار ذلك كما لو أتى المستحق وقد انتقضت (٣) جميع السنة. وهذا الذي تردد فيه بعيدٌ عما يقتضيه جميع روايات المذهب في أحكام الاستحقاق, لأن ذلك إنما يحصور فيه قبض ما لم يوجد في أحكام أُخَر، مثل: لو أكرى داره خمس سنين بخمسين دينارًا فهل يزكي الخمسين كلَّها إذا مَضى حول واحد, لأن بقية الخمس سنين كالمقبوض، ولا خلاف أن السنين كلها لو

стр. 3011

انقضت لو جبت زكاة الخمسين دينارًا .. أو يقال: لم تلزمه زكاة الخمسين دينارًا لجواز ان تتهدم الدار فيجب رد بعض ما انتقد من الكراء. ففي مثل هذا يحسن الخلاف فيما بين المكتري والمكري. وأما المستحق فلم يختلف فيه أنه من يوم الاستحقاق ملَك المنافعَ التي توجَب فيما بعد، وإذا لم يختلف في ملكه لها لم يُختلف في استحقاقه لما قابلها من الكراء. والجواب عن السؤال السادس أن يقال: من زرع ارضا في يديه فلا يخلو من قسمين: أَحدهما ان يكون يعتقد ان زرعها له مباح. أو يعتقد أنه حرام عليه. فإن اعتقد أن زرعها مباح له، فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يكون اعتقد الإباحة لكونه بذل فيها عوضا لمن باعها منه، وهو يظن أنه مالكها، أو اعتقد الإباحة، وبم يبذل فيها عوضا, لأنه أحياها وهي أرض ميتة، أو ورثها. فأما من بذر فيها، وهو يعتقد الإباحة، وقد بذل عوضا أو لم يبذل عوضا، فإنه لا يخلو الذي أتى فاستحقها من أن يكون صادفه ولم يصنع فيها سوى الحرث خاصة، أو صنع فيها الحرث والبذل (١) وقد انقضى الإبان قبل ان يأتي، أو لم ينقض. فإن لم يفعل فيها مشتريها بعوض، أو محييها، سوى الحرث، فإن مطالبته لمستحقها بقيمة الحرث يجري على القولين فيمن اشترى قمحا فطحنه فحكم لمستحقه بأخذه، فهل يغرم قيمة الطحن؟ فيه قولان. وقد تقدم ذكر ذلك والإشارة إلى علّته. وإن كان المستحق لم يأت، وقد انقضى إبان الحرث، فلم يختلف المذهب في أنه ليس له قطع ما زرعه الزارع في هذه الأرض بوجه شبهة، وذلك

стр. 3012

لأجل أن الزارع قد خسر مالًا في الحرث والبذر معتقدًا أنه مما يباح له ملكه، فلو مكنا المستحق من قلعه ظلمنا الزارع، وهو لم يقصد الظلم ولا اعتقده، ولو منعنا المستحقَّ أيضًا من أن يقلع هذا الززع، ومنعناه أيضًا من أن يأخذ كراءه لظلمناه وحرمناه الانتفاع بماله، وهو يمكنه إذا قلع زرع الزارع أن يزرع في الأرض لنفسه، فيكون قد أبطلنا ملكه ومنعناه من الانتفاع به، لأجل المخافة أن يتلف مثل ذلك على الزارع، وهو غير مالك، وهذا ظلم للمستحق، فإذا منعناه من قلع الزرع صيانة بمال (١) الزارع، وأعطيناه العوض صيانة لماله أن يحرم منفعته ويمنع من زراعته كُنّا قد عَدَلْنا بينهما. أما إذا أتى المستحق بعد ذهاب الإبان، فذلك أحرى ألاّ يمكَّن من قلع زرع الزارع، ولكن لا يعطيه عوضا, لأنّا لو قلعنا الزرع لم يُفِدْ ذلك المستحقَّ شيئًا، بل تبقى الأرض عارية من الزراعة لا منفعة له بها، فلا يجب أن يعطيه قيمة منفعة ولم يتمكن من الانتفاع، ولا تُتصور له منفعة. وإذا حكمنا للمستحق بكراء الأرض إذا أتى إبان الزراعة، فإن له الأكثرَ من المسمَّى إذا كان مشتري الأرض قد أكراها. أو قيمة كرائها لأنه لا يلزمه أن يُبقيَ الزرع على عوض دون القيمة، والمغبون في القيمة، أو الواهب لبعضها، غيرُ مالكها، فلا يلزم مالكَها ما وهبه من لا يملكها. وأما إذا كان زارعا متعديا غاصبا للأرض، فإنه إذا أتى مستحقها, ولم يحدث غاصبها حرثا، فواضح تمكين مستحقها منه. وإن كان غاصب الأرض لم يحدث فيها سوى حرثها، فهل يطلُبُ المستحق لها، إذا أخذها، بقيمة الحرث أم لا؟ على القولين المذكورين في كتاب الغصب فيما أحدثه الحادث من حوادث ليست بعين قائمة ولا تتميز كتزويق الحيطان في الديار. وأما إن أتى المستحق، وقد حرثها الغاصب، وبذر فيها، فإنه إن كان لو قلع لا منفعة للغاصب فيه، ولا له قيمة من المستحق من أخذ الأرض ما فيها،

стр. 3013

إذا لا فائدة للغاصب فيما نقله (١) منها، وابقاؤه في الأرض لمالك الأرض فيه فائدة. فقدم حقه على حق الزارع. ولكن مع هذا لَوُ أَشَارَ ربّ الأرض ألاّ يقبل هذه القائدة، ويقول للغاصب. اقلع هذا الزرع, لأن ملككَ خبيث، حتى أرزع أنا مكانه من مالي. لكان من حقه. فلو أراد مستحق الأرض ألاّ يأمره بالقلع ولا يقبل هذا الزرع ليملكه بتفسه، ولكن رضي بأن يبقى الزرع بكراء يأخذه من الغاصب بذلك، فإن في الموازية: المنع من تراضيهما بذلك, لأنه لما قدَر صاحب الأرض أن يبقي الزرع لنفسه بغير عوض ييذله فيه، صار للغاصب على معنى كراء يأخذه منه، فإن ذلك، وإن سمي كراءً، فإنه شراء من الغاصب لهذا الزرع الذي ملكه مستحق الزرع ليبْقيه لنفسمعتى يحصده بغير عوض يبذله له. وهذا الذي قاله ابن المواز إنما يتضح عندي على إحدى الطريقتين المشهورتين في المذهب: مَن ملك ان يملك هل يعد كالمالك أم لا؟ في ذلك قولان. وهذا لما خُيِّر بين أن يأمر الغاصب بقلع هذا الزرع ليتمكن من زراعة أرضه بمال نفسه، وبين أن يصرف الغاصب عنه ويبقيه لنفسه باطلا، صار كأنه اختار إبقاءه لنفسه، ثم بعد اختياره لذلك باعه من الغاصب الزارع على التبقية أن يحصده الغاصب، ويأخذه، وبيع الزرع قبل بدوّ صلاحه على التيقية لا يُختلف في منعه. وأما إذا قلنا بأنه لبم يختر ملك هذا الزرع، وإنما اختار قلعه، فصار الغاصب كأنه قلعه، ثم استأنف عقد كراء في زراعة هذه الأرض، فإن ذلك لا يتصور فيه كون الكراء ها هنا كالشراء للزرع. وأما إن أتى مستحق الأرض وقد صار الزرع إذا قلع انتُفع به، وصار له ثمنٌ ولكن الإبّان لم ينقضِ، فإن له أن يأمر الغاصبَ بقلع الزرع ليزرع الأرض وإن أراد ألاّ يأمر الغاصب بالقلع، ويهعطيه قيمته مقلوعا، ويبقيه لنفسه، ففيه قولان، هل يجوز ذلك، لكون الحكمِ قلعَ الزرع إذا شاء المستحق، فكأنه

стр. 3014

اشتراه بعد قلعهِ ببيْعته واعاده إلى أرضه، أو يقال: لما كان من حق الغاصب أن يأخذه ليبيعه، أو لترعاه دوابه، صار ما أخذه فيه من المستحق ليبقى في الأرض كابتداء بيع زرع مَلَكَ أخْذَه قبل أن يبدو صلاحه، وعقد فيه بيعا على أنه يبقى لمشتريه، وهو المستحق إلى أن يبدو صلاحه. وقد تقدم ما يعرف منه سبب هذا الخلاف لما ذكرنا في الموازية من تصور كون الكراء كالشراء في المسألة التي فرغنا منها الآن. وأما إن أتى مستحق الأرض بعد ذهاب إبان الزراعة، ففيه روايتان: المشهور منهما أنْ ليس له أن يأمر الغاصب بقلع زرعه لأن في ذلك إبطالا لمال الغاصب، واتلافَه عليه من غير منفعة لمتلفه. وهو المستحق، إذ لا يمكنه ان يزرع هذه الأرض بعد مضي الإبان، والرواية الأخرى إن لمستحق الأرض أن يأمر الغاصب بقلع هذا الزرع، وإن كان بعد ذهاب الإبان، لقوله ﵇ "ليس لعرق ظالم حق" (١) وهذا الغاصب ظالم، فلا يجب أن يكون لعرقه حق، والتبقية حق، وقد نفى ﵇ أن يكون له حق. وأما إن أتى هذا المستحق وقد حصد الغاصب الزرع وجمعه، فالمعروف من المذهب عند مالك وأصحابه أن الزرع للغاصب، وعليه كراء الأرض، وهو عوض المنافع التي قد أفاتها الغاصب، وصارت معدومة، ومن غصب شيئًا فأتلف عينه فإنما عليه قيمته. وروى الداودي في كتاب الأموال عن مالك رواية شاذة: إن الزرع لصاحب الأرض، وعليه للغاصب ما أنفق في ذلك. ومال إلى هذا المذهب، واحتج فمِه بحديث مروي، والحديث الذي احتج به خرّجه الترمذي فقال الترمذي في كتابه: قال النبي ﵇ "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه ما أنفقه" (٢) واححج الداودي لصحة هذه الرواية الشاذة عن مالك بأن من غصب أمة فولدت، فإن ولدها يكون لصاحب

стр. 3015

الأم، وقدّر أن النطفة كالبذر، والنماء في بطن الجارية كالنماء في بطن الأرض. وقد ورد هذا السؤال إلى المهدية، وشيوخ الفتوى فيها متوافرون، فأفتى السُّلَمي، وهو اشهرهم وأفقههم مُنْذُ نحو ستين عاما، بأن الزرع لرب الأرض. واحتج بما احتج به الداودي، وسطره في جوابه معتمدا عليه، وكأنه نسب هذه الحجة إليه، ووافقتُه أنا في الفتوى حينئذ باختيار هذا القول، وكان معنى الجواب الذي كتب في ذلك: أن الزرع إنما حدث من مجموع أمرين لو انفرد احدهما لم يكن هذا النماء: أحدهما الأرض، فإنها لا تُنبت من غير بذر، والآخرُ البذر، فإنه لا ينبُت في غير أرض، فكان مقتضى هذا الاشتراك أن يكون النماء الحادث مقسوما بينهما, ولكن لا يقفُ على حِدّ ما يكون عن كل واحد منهما من التنمية سوى الله سبحانه الذي خلقهما، وخلق ما يكون عنهما. فلما لم يعلم ذلك وجب إلحاق النماء بأرجحهما، فالأرض ها هنا مرجحة على البذر، لكونها مما لا يُزال بها ولا يُنتقل، والقمح المبذور في الأرض مما يُزال به ويُنتقل. وقد منع أبو حنيفة تصور الغصب في العقار لهذه الغلة. فكان إلحاق النماء بالأرض أولى، مع كون تنميتها للنبت ليس بظلم ولا حرام، وتنمية البذر ظلم وحرام، والحلال أرجح من الحرام. وقد قيل: إن الأرض قابضة لما فيها، وصاحب البذر لما أودعه الأرضَ زَالَ قبضه عنه، وبقيت الأرض هي القابضة، وقبضها قبض لصاحبها، فكان إضافة هذه التنمية إليها أولى، مع أن سبحانه نبه على علة شرع القصاص مِمّن قتل آخذه (١) ظلما فقال تعالى ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢) والمراد به ما كانت الجاهلية تعبر عنه بعبارة ظهر فَصَاحةُ القرآن فيها وعلوُّها عنها، وكانت تقول "القتل أنس للقتل" ويعني بذلك أن القاتل إذا لم يُقتل بمن قتله استبيحت الدماء، وتفانى الناس بالقتل, لأن كل من علم أنه لا
следующие страницы →