← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خطابك المعظم. يُفصح البكم. وُينْزل العُصْم. هبّت عليه رياح البلاغة فنمقته، ووكَفَت عليه سحائب البراعة فرققته. فيا له من خط بهيّ. ولفظ شهيّ. تذكر فيه حسن ظنونك بنا. وتثبت مآثرنا. فلما أن عرّست بإزائها ورد من فسخ عليك. فخذْ بظاهر ما كان عندك وَرِد، ودع لربك علم ذات الصدور. والسلام (١). ما جاء في قصيد أبي العلاء المعري: وفي طريقه إلى مصر يمر على معرة النعمان. ويلتقي فيها بأبي العلاء المعري الذي صحبه ببغداد. فيأنس به في محبسه ويسجل أبو العلاء هذا اللقاء في القصيد الذي بلغ خمسة عشر بيتا وبعث به إلى القاضي التنوخي يذكره فيه بالأيام التي جمعتهما ببغداد ويذكر له فيها حاله في معرة النعمان. ويتعرض إلى أن صديقهما القاضي عبد الوهاب زاره. ويثني عليه. يفتتح قصيده باعتزازه باتحاده مع القاضي التنوخي في الانتساب إلى قبيلة تنوخ فيقول: لو مساعيك لم نعدد مساعينا ... ولم نُسام بأحكام العلى مضرا ثم يتعرض لزيارة القاضي عبد الوهاب فيقول (٢): والمالكي بن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا الظعن والسفرا إذا تفقه أحيا مالكا جدلا ... وينشر الملك الضليل إن شعرا فظل يثني عليك الخير مجتهدا ... ولم تغلب عن ذرى مسجد إذا حضرا فأبو العلاء يثني على القاضي ثناء يعبر عن إعجاب. أولًا: ينوه بقيمته الفقهية. والصورة التي ارتسمت في ذهنه هي قوة عارضة القاضي عبد الوهاب ونصاعة حجته وقوة جدله. فعبر عن هذا بأنه يحيي إن هو تكلم في الفقه الإِمام مالكًا. وهذه الصورة صادقة في ناحية غير صحيحة في ناحية أخرى. فهي صادقة في أن قدرة القاضي عبد الوهاب في الجدل بلغت قمة عالية. وهي غير صحيحة لأن مالكًا ما عرف بالجدل. وعذر المعري أنه ما

стр. 37

كان دارسًا للمذاهب الفقهية مميزًا بينها في أصولها ومناهج أئمتها. ثانيًا: ينوه بادبه فيجمع بينه وبين امرئ القيس "الملك الضليل" وهي صورة لا يستطيع أحد أن يناقش فيها أبا العلاء. لأنه حجة في إدراكه لجيد الشعر وأساليبه. ومناهج نبغائه. ويتجلى ذلك في قدرته على جمع كل ما يحيى به في كلمة يختصرها فتمثل الشخصية الشعرية بكل أبعادها. فهو لما كتب على شعر أبي تمام عنونه بذكرى حبيب. ولما تولى شعر أبي الطيب عنونه بقوله معجز أحمد. فمقارنته للقاضي عبد الوهاب بالملك الضليل امرئ القيس في شاعريته إنما كان ذلك لوجوه الشبه التي ترسمت في نفسه من شعره. كما يبدو ذلك في بعض الصور الغريبة، ومواصلة الصورة وسلاسة التعبير وعلو الهمة في قواسم جامعة بين الشاعرين ملك الشعراء. وشاعر الفقهاء. خروج القاضي إلى مصر الذي ذهب إليه معظم من كتب عن القاضي عبد الوهاب أنه خرج من بغداد لضيق ذات يده وشح أهل بغداد. وأنه قال لهم يوم خرج لتوديعه الفقهاء والأشراف من أهلها والله لو وجدت في بلدكم كسرتين من ذرة ما خرجت منها. ولقد ترك أبي جملة من دنانير ودارا أنفقتها كلها على صعاليك ممن كان ينهض بالطلب عندي فنكس كل واحد منهم رأسه ثم أمرهم بالانصراف فانصرفوا. وأنشد: لا تطلبن من المجبوب أولادا ... ولا السراب لتسقي منه ورادا ومن يروم من الأرذال مكرمة ... كمن يؤتد في الأتبان أوتادا (١) وهذا الخبر تلقفه كثير من الدارسين لتاريخ الحضارة كحجة من حجج إثبات اختلال الموازين في هذا العهد حتى وصل الأمر إلى أن عالمًا فقيهًا أديبًا كالقاضي عبد الوهاب تضيق عليه الأرزاق. ولا يجد لقمة العيش ولا أقل ما

стр. 38

يكفي الإنسان لدفع غائلة الجوع. وأن كثيرًا من الأغمار الأغبياء غارقون للأذقان في الترف واللهو والفساد. وثقوا بهذه الروايات بدون تمحيص ووجدوا في تكررها على ألسنة الرواة ما يعطيها قوة القبول. مع أن الخطأ إذا تكرر لا يعطيه التكرار آية قوة. كما أن ما شاع من طريقة البحث على المثالب. التي نأسف لانتشازها بين المتعصبين من المنتسبين إلى المذاهب المختلفة، أو البلدان أو الأقاليم، قد تأيدت بسرعة التصديق لها أولًا. ثم التعميم في الحكم. فقد تجدُّ حادثة من غبي أو لئيم في مجتمع من المجتمعات، فتعمم على الجماعة التي ينتسب إليها وتلصق بنابههم وخاملهم. وكريمهم ولئيمهم. وهي من أمراض المجتمعات وسقطات الكاتبين والناقلين المروجين. والمتلقفين ممن يعتبرون النكتة حقيقة. والخاص عامًا. فكانت المدن الأخرى تبحث وتروج ما تستنقص به بغداد. فنشرف هذه الحكاية. والذي يترجح عندي أن القاضي عبد الوهاب ما بلغت حدود خصاصته أنه يقنع برغيفين ليقيم ببغداد. لأنه ربي في بيت أبعد ما يكون عن الخصاصة، ونشأ على الكرم والسماحة. وتولى قضاء بادرايا. وباكسايا. وأسعرد. والدينور. وحج قبيل انتقاله إلى مصر بما يبعد أن يكون قد ألجأه إلى الخروج الفقر المدقع، وأنه وصل إلى درجة الخيار بين هلاك الجوع وبين الخروج إلى مصر. فإن من ربي هذه التربية وتولى مناصب القضاء في أربعة مراكز، من شأنه أن لا ينتظر حتى يبلغ هذا الحد من الفقر والخصاصة. وما كان للعالم الإِسلامي حدود عازلة تحول بين العالم وبين انتقاله من مركز إلى مركز آخر. نعم لم تكن الأرزاق مساعفة في أواخر مدة إقامته. ولكنا نستبعد وصولها إلى الحد المذكرر في الرواية. فينبغي أن يبحث عن أمر آخر كان سبب خروجه من العراق. يقول القاضي عياض بعد ذكره للرواية السابقة: والله أعلم أن سبب خروجه من بغداد قصة جرت له لكلام قاله في الشافعي فخاف على نفسه، وطُلبَ، فخرج فارًا عنها (١)

стр. 39

ويتأيد هذا بما ذكره أحمد أمين: كان الشافعية مشهورين بالشغب والتألب على خصومهم (١). فالقاضي عبد الوهاب كان قوي الحجة. ظاهر البيان. لا يجبن من تخطئة صاحب أي قول لم يتبين له صحة نظره. فجرى على لسانه ما لا يرضى عنه بعض المتعصبين من الشافعية، في الوقت الذي كانت فيه السلطة السياسية تساندهم مساندة قوية، لما كان الخليفة القادر من كبار علمائهم. وقد كان من آثار هذا التعصب أن قضي على المذهب المالكي في العراق، بعد أن أسند القضاء في مدنه وفي بغداد ذاتها إلى قضاة متفقهين بمذهب مالك. وبعد ما كان جهابذة من علمائه مواصلين للسند العلمي في جميع الاختصاصات ببغداد والبصرة والكوفة وغيرها من الأمصار العراقية، تتخرج على طريقتهم الأجيال المتعاقبة وينفذون به الأحكام القضائية، ويحلون به مشاكل المسلمين السائلين بالفتوى. فخرج منها خائفُ ايترقب متسترًا غير مشيع لا من أصحاب المحابر ولا من الطلبة. ولعله توجه لأداء فريضة الحج. وجه اختياره لمصر: الرسالة التي وجهها القاضي إلى صاحب مصر الفاطمي بعد أن أتم حجه تصرح بأنه كتبها إليه من أرض مصر = كتابي إليك من الجب بإزاء مصرك = فهو لم يعد إلى العراق لما كنا رجحناه من خوفه على حياته من المتعصبين. وفيها أيضًا اختبار لصاحب مصر ليطمئن هل إن الدولة ما زالت في سياستها التي أخذت بها بعد دخولها إلى مصر من مصانعة المالكية واعتمادهم في القضاء فكان الجواب باعث اطمئنان. ومن ناحية أخرى فإن المغاربة الذين كانوا بمصر يودون لو تعززوا بالقاضي. ولذلك لما قدم عليهم وصلوه بمال كثير -وتزوج- وولي القضاء. وما إن صفت له الأيام ووالت بالسعد والإقبال، واجتمعت حوله القلوب

стр. 40

وظفر بالتقدير العلمي الذي هو به حقيق وبالسلطة بتوليه قضاء مصر. وبخفض العيش، حتى انتهى ما قدر له من أيام في هذه الحياة الدنيا. فتوفي رحمة الله عليه في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. ودفن في القرافة الصغرى بين قبة الإِمام الشافعي وباب القرافة بالقرب من ابن القاسم وأشهب ﵏ (١).

стр. 41

المقدمة الثانية الإِمام أبو عبد الله محمَّد بن علي ابن عمر بن محمَّد التميمي المازري اسمه ونسبه: هو الإِمام أبو عبد الله محمَّد بن علي بن عمر بن محمَّد التميمي المازري. ينتهي نسبه إلى قبيلة بني تميم المضرية التي كانت منازلها في الشمال الشرقي لجزيرة العرب. جنوب البصرة. ولم أعثر على ما يحقق نسبه العربي هذا. هل كان تميميًا صليبا من أحفاد الجند العربي الفاتح لصقلية في ربيع الأول سنة ٢١٢ هـ جويلية ٨٢٧. أو هو تميمي ولاء؟ وسواء أكان هذا أو ذاك فإن وصل شجرة نسبه بقبيلة بني تميم يدل على إرادته إبراز هذا الانتساب العربي وتمسكه به. والقاعدة المرعية في الإِسلام أن الناس مصدقون في أنسابهم. وكما ينتهي نسبه إلى هذه القبيلة العربية فإنه أيضًا يرتبط من ناحية أخرى بموطن أسرته لمدة طويلة، إلى مدينة مازرة. وهي مدينة تقع في الجنوب الغربي لجزيرة صقلية. على ساحل البحر أرست بها سفن الجيش الإِسلامي عند فتحها بقيادة القاضي أسد بن الفرات. وانتصر جيش الفاتحين على الجيوش البيزنطية عند رأس قرنيتولا ول GRANITOLA المحاذي لمازارا في ١٥ جويلية ٨٢٧. التعريف باسم هذه المدينة وضبطها: يقول المؤرخ الإيطالي ميشال آماري MICHLE AMARI أن الشعوب الإِسلامية كغيرها كانوا يطلقون على ما يحتلونه من البلدان أسماء الوطن الأم

стр. 42

وهو يفترض أن اسم مازرا قد أطلقه عليها الوافدون عليها من الشرق الذين عمروا جزيرة صقلية قبل الفتح الإِسلامي. ويرجح ما يذهب إليه بأن مدينة كمدينة سيقاستان هي شبيهة في تركيبها من اسم داغستان ببلاد فارس. وكذلك مازرا، فإنه صنو قرية مازرة بلرستان من بلاد فارس (١). وجاء في تاج العروس. ومازر بلدة بلرستان بين أصبهان وخزستان وضبطها بفتح الزاي (٢). واسمها كما ينطق به أهل صقلية مازرا MAZARA. والنسبة إليه المازري بفتح الزاي. وهذا هو القياس. وفي القاموس مازركهاجر بلد بالمغرب بصقلية. قال شيخنا وقد تكسر زايه كما في شرح الشفاء وغيره منها الإِمام أبو عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري أحد الأئمة شارح صحيح مسلم (٣). وقد ذكر ابن خلكان في ضبط اسمه بزاي مفتوحة. وقد تكسر أيضًا (٤). وقد يترجح عندي أن كسر الزاي سببه أن معظم الإنساب هي إلى فاعل بكسر العين وفاعل بفتحها قليل كخاتم وطابق وهاجر. فلذلك يسبق اللسان إلى الكسر. وأن الصواب هو بفتح الزاي اعتمادًا على شقيقتها الفارسية، وعلى طريقة نطقها باللسان الإيطالي ولو كان أصلها بكسر الزاي لنطق بها الإيطاليون مكسورة. ويردف عماري في تعريفه مازرا. أن كتب التاريخ التي اعتنت بالفترة السابقة على الفتح الإِسلامي لم يرد فيها ذكر لمازرا. وإنما ابتدأ الحديث عنها في الأعمال التاريخية والجغرافية للكتاب العرب كالمقدسي وابن فضل الله وغيرهم (٥). ويذهب فيليبو ناتولي إلى أن الإِمام المازري ولد بمازرة يقول: "وكثيرًا ما

стр. 43

نجد عندما نقرأ الأدب العربي اسم المازري يسبق أسماء المسلمين الحيلة الذين ولدوا بمدينة مازرة للتفرقة بينهم وبين الذين يحملون نفس الاسم. ولكن ولدوا ببلاد أخرى (١). وهذه إلدعوى لم يؤيدها بدليل يثبت أنه ولد بمازرة. وارتباط النسب بالبلد الذي هو مقر الأسرة لا يزول بالتحول عنها ولو بعد أجيال. بل لعل الالتصاق ببلد الأسرة يكون أشد عندما تتحول عنها إلى غيرها من الأماكن للتعريف المميز بالارتباط بالبلد المنتقل عنه. حياة الإِمام المازري نما وتعلم ودرس وبلغ درجة الإمامة في الساحل الشرقي التونسي. لم يصلنا ما يوثق به عن المدينة التي ولد فيها. والقاضي عياض الذي بلغ درجة عالية من الثقة والضبط، لما لم يجد ما يثبت أنه ولد في المهدية أو في غيرها، حمله ورعه ودقته في التعبير أن يقول = مستوطن المهدية (٢). فاتخاذ هذا التورع في التعبير كدليل على أنه ولد في غير المهدية فيه نظر. إذ هو كمفهوم اللقب عند جمهور الأصوليين. لا يدل نص عياض ولا نص ابن فرحون لا على أنه ولد في المهدية ولا على أنه ولد في غيرها وانتقل إليها. على أن مكان الولادة لا أثر له في المستوى العلمي الذي بلغه الإِمام المازري وهو الذي يهم من يرغب في التعرف على شخصيته. وكما كان مكان ولادته غير معلوم على وجه الدقة فكذلك سنة ولادته. أما تاريخ وفاته فيجمع من كتب عنه أنه توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة في شهر ربيع الأول في الثالث منه عند عياض. وفي الثاني منه أو الثامن عشر كما هو عند ابن خلكان وبمثل هذا الترديد عند المقري (٣). وعياض كشأنه في التورع لا

стр. 44

يضبط عمر المازري. ويقول وقد نيف على الثمانين تبعًا لعدم علمه بتاريخ ولادته. وكذلك فعل ابن فرحون. ويضبط ابن خلكان والحافظ الذهبي والمقري أنه عُمّر ثلاثًا وثمانين سنة. وعلى هذا تكون ولادته سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. فهو قد عاش في النصف الثاني من القرن الخامس. والأول من السادس (١). الوضع السياسي: يعد عصر المازري من أظلم الفترات التاريخية لتونس- الجسم التونسي ينزف دماءه من الجراح العميقة للهجمة الوحشية لأعراب الصعيد على القيروان. فاختل الأمن وضعفت سلطة الدولة واستبد الأعراب خارج أسوار المدن، وانقسمت الوحدة فقامت إمارات في المدن التونسية ليس لها من رسوم الإمارات إلا التسلط والقهر، وثارت الحروب بينها فكانت بين مد وجزر. فالمعز بن باديس لما أراد أن ينتقل من صبرة إلى المهدية لم يستطع أن يقوم بهذه الرحلة سنة تسع وأربعين وأربعمائة إلا في خفارة رجلين من العرب كان صاهرهما ببنتيه الفضل بن أبي علي المرداسي. وفارس بن أبي الغيث. وخرجا به سرًا وفطن به الأعراب وكادوا يأسرونه (٢). وتوفي المعز سنة ٤٥٤ أي بعد ولادة المازري بسنة وولي الأمر بعد المعز ابنه تميم الذي تسلسلت فيه الدولة الصنهاجية إلى أن توفي بالمهدية سنة ٥٠١ ثم تولى الملك من بعده ابنه يحيي الذي توفي يوم عيد النحر فجأة سنة تسع وخمسمائة فتولى الملك من بعده ابنه علي الذي توفي سنة خمس عشرة وخمسمائة. وتولى الأمر من بعده الحسن بن علي الذي فر من المهدية يحمل ما خف عليه حمله من النفائس. وترك عاصمة ملكه نهبا لروجار. وبذلك سقطت

стр. 45

الدولة الصنهاجية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (١). أما تميم فيقول فيه التيجاني: استبد تميم بالملك وغلبه الأعراب على أمره فلم يكن له إلا ما ضمت أسوار بلده. خلا أنه كان في بعض الأحايين يحالف فريقًا من الأعراب فيجد السبيل بذلك إلى الخروج لقتال من يقصده وحصار من يثور عليه ببلد من بلاده (٢). واستقل حمو بن مليل بصفاقس التي تبعد عن المهدية بمائة كلم. يقول التيجاني: طمع حمو بعد وفاة المعز في الاستبداد والتغلب على غير صفاقس من البلاد فحالف جماعة من العرب عديا والأثبج ومن ضامهم وزحف بهم وبمن معه من رجاله إلى بعض القرى فملكها. واستحوذ عليها ثم نهض إلى المهدية يريد حصرها. فنهض تميم للقائه فولت فئة حمو أدبارها. وأسرعت فرارها. ورجعوا إلى صفاقس. وبعث بعد ذلك تميم ابنه يحيى لمحاصرة صفاقس فحاصرها أيامًا ثم رجع عنها وبقي أمرها بيد حمو إلى سنة ثلاث وتسعين فتوجه إليها تميم بنفسه فافتتحها وفر حمو مستجيرًا بمكي بن كامل الرياحي بقابس التي كانت هي أيضًا خارجة عن سلطته (٣). وسوسة التي تبعد عن المهدية بستين كلم مات المعز وهي خارجة ثم عادوا للطاعة في عهد تميم سنة ست وخمسين. ثم توالت عليها بعد ذلك أمراء من العرب ملكوها حين استولوا على البلاد وانتزعوها من أيدي صنهاجة واستقرت آخرًا تحت ملك جبارة بن كامل بن سرحان. ومن يده أخذها النصارى حين أخذوا المهدية من يد الحسن بن علي (٤). وأما تونس فكانت متابعة لبني حماد يدير أمرها والٍ من قبل الناصر بن علناس. هو عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان. ثم ولي الأمر بعده ولده عبد

стр. 46

العزيز بن عبد الحق ثم ولده أحمد. واضطربت أمور تونس مما أوجب تدخل بني حماد (١). إنه مع هذه النماذج المحزنة تزداد الصورة قتامة إذا ما أضفنا إليها استيلاء النصارى على المهدية وزويلة. قال أبو الصلت: ولجأ تميم إلى قصره المعروف بقصر المهدي وهو قصر حصين فأقام إلى أن وقع الصلح بينهم وبينه على مائة ألف دينار تدفع لهم ويقنعون بما حصل في أيديهم من المسلمين. فدفعت لهم. وأقلعوا بأموال المسلمين ونسائهم وأبنائهم. قال وقد استوفى وصف ذلك كله أبو الحسن علي بن محمَّد الحداد في قصيدة طويلة أولها منسرح: أنى يلم الخيال أو يقف ... وبين أجفانه نوى قذفُ (٢) ففي خضم هذه الفتن عاش الإِمام المازري. وكانت للأوضاع السياسية أثرها فيه مما سنبينه إن شاء الله. شيوخ الإِمام المازري: الإِمام المازري من العلماء الذين جمعوا بين شعب متعددة من العلوم. فهو محدث. وفقيه. وأصولي. ومتكلم. وطبيب وعلى حظ من علوم الحكمة. ومتقن للحساب. وعلم الميقات. وأديب. وهذه نماذج من تعريف الذين ترجموا له. يقول معاصره القاضي عياض. آخر المستقلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه. ودرس أصول الفقه والدين وتقدم في ذلك فجاء سابقًا وسمع الحديث وطالع معانيه. واطلع على علوم كثيرة، من الطب والحساب والآداب وغير ذلك. وإليه كان يفزع في الفتوى في الطب في بلده كما يفزع إليه في الفقه (٣).

стр. 47

وبمثله لفظًا ومعنى ترجم له ابن فرحون (١). ويقول ابن خلكان أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه. وله في الأدب كتب متعددة (٢). أولًا: هو محدث. جمع إلى الرواية الدراية. والرواية بطرقها المتعددة أعلاها التلقي المباشر وعليها تخرج كل المحدثين. ثم بعد ذلك طرق أخرى مكملة لاتصال السند كالإجازة والوجادة. وعياض يؤكد أنه سمع الحديث. واعتماده في ربط الفروع بالسنة خير شاهد على تمكنه من رواية الحديث عن محدثي عصره. ولكن لم نجد ذكرًا لشيوخه الذين أخذ عنهم هذا الفن. وأما الدراية، فيكفي شاهدًا على تقدمه، المعلم لفوائد مسلم. ثانيًا: هو من المتكلمين الذين دافعوا عن السنة حسب الطريقة الأشعرية. فهو الأشعري المتقدم في هذا المضمار. ألف كتابه "النكت القطعية في الرد على الحشوية". وذكر الشيخ الحافظ النحوي أبو العباس أحمد بن يوسف الفهري اللبلي في مشيخة شيخه التجيبي أن من شيوخه أبا عبد الله المازري. وأن من تآليفه عقيدته التي سماها "نظم الفرائد في علم العقائد" (٣). ثالثًا: هو أصولي يظهر ولوعه بهذا الفن وتمكنه منه في مناقشاته المتعددة للأقوال الفقهية. وفي شرحه لكتاب البرهان "إيضاح المحصول من برهان الأصول". كما أنه في شرحه للتلقين أبان عن عزمه على إملاء كتاب في مسائل الأصول. ولكنه لم يبلغنا أسماء من أخذ عنهم علم الأصول حتى برع فيه وناقش إمام الحرمين. رابعًا: هو طبيب. يقول عياض، وإليه كان يفزع في الطب في بلده كما

стр. 48

يفزع إليه في الفتوى في الفقه (١). وينقل ابن فرحون كلام القاضي لفظًا ومعنى ويضيف إليه. يحكى أن سبب قراءته الطب ونظره فيه أنه مرض فكان يطبه يهودي فقال له اليهودي يومًا يا سيدي مثلي يطب مثلكم وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين. فمن حينئذ نظر في الطب (٢). والطب علم يتلازم فيه الجانب النظري والجانب التطبيقي. ولا يصل الإنسان فيه إلى المرتبة العليا التي تحدث عنها القاضي إلا إذا أخذ هذا الفن عن شيوخه ولكن لم يحفظ لنا اسم أي طبيب أخذ عنه. وأما الحكاية المسندة إلى المجهول من السبب الحامل له على تعلم الطب. فهي حكايته متخيلة وغير محبوكة. فلعلها ركبت رمزًا لموقف كثير من اليهود والنصارى الذي كان الإِسلام بتسامحه يعطيهم مكانتهم في المجتمع وهم يكيدون له كما وقع من جرجير الأنطاكي الذي قرّبه تميم وحكمه في دخله وخرجه وصارت أموال المسلمين في يده ويد أقاربه. فخان الأمانة وانحاز إلى لجار في صقلية وأصبح ركنًا من أركان دولته (٣). خامسًا: إتقانه للعلوم الحكمية. كما يظهر ذلك في مناقشته لحد الجنس والفصل عند المناطقة وبيانه اختلال التعريفات التي ارتضاها المناطقة من قبل. أما الجنس فقد حده أهل علم المنطق، بأنه اللفظ المقول على كثيرين مختلفين بالنوع. وهذا الحد قد أطبق عليه جميع الفلاسفة المتقدمين منهم والمتأخرين. وهو حد فاسد. لأن الجنس شيء غير اللفظ الدال عليه. وهذا الذي ذكروه إنما هو حد اللفظ الدال عليه فقولهم إنه حد للجنس بعينه خطأ. ألا تراهم يقولون قولنا حيوان جنس، وقولنا إنسان نوع؛ لأنه بعض الحيوان، ومعلوم أن الحيوان ليس هو اللفظة، التي هي قولنا حيوان، وِوجه آخر يفسد به هذا الحد وهو أنهم ذكروا أنه اللفظ المقول على المختلف بالنوع. والنوع لا يعلم عندهم حقيقته إلا بعد أن يعلم حقيقة الجنس. فقد بينوا الشيء بما هو مأخوذ منه، ومتفرع عنه، وكيف يصح أن يعلم الأصل من الفرع؟ هذا عكس الحقائق. والصواب في هذا

стр. 49

أن يقال: أما الجنس فهو الشبه والمثل هذا أصله في اللغة. وأما العبارة الدالة عليه، فيمكن أن ترسم بأنها القول الشامل لمسميات تتباين بالصفات اللازمة لها ألا ترى أن قولنا حيوان ينطلق على أشياء متباينة: كالإنسان، والفرس، والطائر. وصفات الإنسان وشكله الذي فارق به الفرس والطائر، لازمة له. فلو فارقته لفارق كونه إنسانًا، فهذا هو الرسم الصحيح الذي يجب أن يُرسم به المعنى، الذي قصدوا هم إليه. أما النوع فقد حده من ذكرناه من الفلاسفة أيضًا، بأنه اللفظ المقول على كثيرين مختلفين بالشخص. وهذا أيضًا يفسد بنحو ما أفسدنا به الأول أيضًا. لأن هذا إنما هو حد اللفظ الدال على النوع. واللفظ غير النوع. ويفسد أيضًا بقولهم على كثيرين مختلفين بالشخص. لأن الأعراض ليست أشخاصًا. وقولنا - سواد- هو نوع وليس بشخص. والصواب في هذا أن ترسم العبارة الدالة على النوع الذي قصدوه: بأنها القول الشامل لمسميات تتباين بالتغاير خاصة. ألا ترى أن قولنا إنسان يطلق على زيد وعمرو وبكر، ولا تتباين بينهم في المعنى الذي كان به كل واحد منهم إنسانًا وإنما تباينوا بالتغاير؛ لأن زيدًا إنسان وعمروا إنسان (١). كما أنه ناقش إخوان الصفاء. يقول المقري وله أيضًا إملاء على شيء من رسائل إخوان الصفاء، سأله السلطان تميم عنه (٢) ولم ينقل عمن أخذ العلوم الحكمية. سادسًا: معرفته بعلم الحساب والهيئة. نص على أخذه علم الحساب القاضي عياض. وأحسب أنه القدر الزائد على التصرف في الكسور الذي تقوم عليه قسمة التركات وخاصة في باب المناسخات إذا توالى على السهم ورثة من أجيال قبل القسم. الذي برع فيه الفقهاء والموثقون حتى يصل الحظ من التركة الأصلية لأحد الورثة في الطبقة الدنيا إلى جزء من ثمن تسع عشر ربع نصف

стр. 50

سدس سدس المناب الأصلي وأقل من ذلك. واطلعت على تركات بقيت أجيالًا لم تقسم. وكانت قيمتها يوم أراد المستحقون قسمتها تصل إلى مئات آلاف الدنانير. فكان حظ بعض المستحقين لا يبلغ الدينار. وكل ذلك يتم على أساس الكسور التي تقوم منها التركة الأصلية ثم أخذ كل كسر والمضي به في الفرع الخاص. ثم كسر كسره وهكذا. ولذا فلما كان إتقان ذلك لا يعد في ترجمة الرجال من الإختصاص في الحسابيات. فيكون قصد القاضي أنه أخذ حظًا من علوم الحساب على المستوى الذي كان عليه العلم في عصره الأمر الذي مكنه من مناقشة بعض القضايا الهندسية. يقول في فرض الغائب عن مكة في استقبال القبلة: اختلف المالكية على قولين والشافعية على قولين: ما فرض الغائب عن مكة، ومطلوبه إذا اجتهد في استقبال القبلة؟ هل استقبال عينها وسمتها أو استقبال جهتها؟ فذهب الأبهري من أصحابنا إلى أن المطلوب الجهة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب ابن القصار إلى أن المطلوب السمت والعين. وأشار إلى أنه لا يمتنع كثرة المسامتين مع البعد كما لم يمتنع ذلك في مسامتة النجوم. وهذا الذي قاله يفتقر إلى تحقيق. وذلك أن المتكلمين اختلفوا في الدائرة هل يحاذي مركزها جميع أجزاء المحيط أو إنما يحاذي من أجزاء المحيط مقدار ما ينطبق عليه ويماسه؟ فذهب النظام من المعتزلة إلى أن المركز يحاذي جميع أجزاء المحيط، واحتج في ذلك بأنك لو قصدت إلى جزء من أجزاء المحيط وأخرجت منه خطًا لاتصل ذلك الخط بالمركز. ورد عليه مقالته هذه أئمتنا المتكلمون وقالوا بأن الخطوط من المركز إلى المحيط فإنها تضيق عند ابتدائها وتنفرج عند انقطاعها. وما ذلك إلا أن مآل مساحة المركز يفتقر فيه إلى تفريج الخط وتعويجه ليمكن الاتصال. وقالوا ولا يحاذي نقطة المركز من أجزاء المحيط إلا ما لو قدر منطبقًا عليها لماسها. فهذه المسألة التي ذكرها المتكلمون يجب أن يعتبر بها ما قاله ابن القصار، فيقال له إن أردت بتصحيح مسامتة الكثرة مع البعد، أنهم وإن كثروا فكلهم يحاذي بناء الكعبة. فليس كما توهمت. وقد أخبرناك إنكار أئمتنا على النظام هذا. وإن أردت أن الكعبة تقدر كأنها بمرأى منهم لو كانت بحيث ترى وأن الرائي يتوهم المقابلة والمحاذاة وإن لم تكن

стр. 51

كذلك في الحقيقة. فهذا نسلمه لك ويسلم تمثيلك فيه برؤية الكواكب فإن الأمر فيها على ذلك جرى. ولكن مع هذا لا يكون كل فصل محاذيًا مقابلًا، ولكنه مسامتًا ببصره، ولا يكون كل فصل مسامتًا بجسمه. فهذا الذي يظهر لي في تحقيق ما قاله ابن القصار وكشف الغطاء عنه وقد قال الشيخ أبو الطيب عبد المنعم وهو أحد أشياخ شيخنا، وكان ممن لم تمنعه الإمامة في الفقه عن الإمامة في الهندسة: (من قال إن الفرض استقبال الجهة لا العين فقد غلط لأن الله تعالى قال: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾، والشطر إن كان هو النحو أو القبالة أو القصد أو النصف فذلك غير الجهة. والوجه والجهة والمواجهة والوجاهة ما استقبل. والوجاه والتجاه استقبال الشيء. ولو كان المطلوب الجهة لكان من كان من الكعبة في الشمال مستحقًا لكان مخيرًا بين أن يصلي إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب. لأنه يكون حينئذ مستقبلًا للكعبة إما بوجهه أو أحد خديه، وهذا الذي نصر به الشيخ أبو الطيب أبا الحسن ابن القصار لا يدفع ما قلناه في تحقيق القول في المسامتة. والنظر فيه أيضًا يطول ويقطع عن غرض الكتاب (١). أما علمه بالهيئة فقد ذكر في باب صلاة الخسوف أن مذهب الشيخ أبي محمَّد عبد الحق أنه إذا اجتمع العيد والخسوف وصلاة الاستسقاء فإن صلاة الاستسقاء تؤخر إلى يوم آخر. لأن يوم العيد يوم تجمل ومباهاة والاستسقاء ليس يوم تجمل وإنما هو رهبة وسكون فيؤخره. ويبدأ بالخسوف لئلا تتجلى الشمس ثم بالعيد ثم بالجمعة ويعقب على الشيخ أبي محمَّد بقوله. ولم أزل أعجب من إغفاله فيه. إذ لا يكون كسوف يوم عيد ولا يتفق. وإنما يكون كسوف الشمس في آخر الشهر. وعند إنسلاخه. وبعد أن يقرر أن هذه هي العادة التي أجرى الله عليها الكون ولله أن يفعل ما يشاء. يستطرد فيقول ولقد وقع الشافعي على عظيم شأنه في هذا التصوير، ورأيته قد صور اجتماع العيد والكسوف. وتكلم على ذلك ... وهذا لا معنى له إلا أن يراد به معرفة فقه

стр. 52

المسألة لو خرقت العادة فوقعت المسألة (١). وهو اعتذار يدل على الخلق الرفيع للمازري. إذ يلتمس مخرجًا يناسب مقام الإِمام الشافعي ولا يعجل بأنه خطأ محض أو جهل كما يخف إليه خفاف الدين والأدب في نقدهم للعلماء. ومما يجري في هذا الاتجاه أعني معرفته بالعلوم الحكمية التي كانت تشمل في عهده علوم المنطق والطب والحساب والطبيعة وما وراء الطبيعة. ما ذكره المقري قال: حكي أن بعض طلبة الأندلس ورد على المهدية، وكان يحضر مجلس المازري، ودخل الشعاع من كوة. فوقع على رجل الشيخ المازري فقال الشيخ: "هذا شعاع منعكس" فذيله الطالب لما رآه متزنًا. فقال: هذا شعاع منعكس ... لعلة لا تلتبس لما رآك عنصرًا ... من كل علم ينبجس أتى يمد ساعدًا ... من نور علم يقتبس (٢) تعلق كل من ذكر هذه الحادثة بالناحية الأدبية وهي جميلة خاصة مع حضور البديهة وبراعة الارتجال. ولكن الناحية التي أريد لفت النظر إليها -هي الناحية الحكمية- في انعكاس الشعاع. والنظريات المترتبة على ذلك. وهي التي ترجح عندي أن المازري قصدها. إذ لو كان قصده إلى ضوء الشعاع لعدل عن الانعكاس إلى تصوير الشعاع بآثاره التي يلحظها الأدباء لا بأثره الذي يلحظه العلماء حسب قوانين الحكمة الواسعة المدلول في عصره. سابعًا: علمه باللغة وتضلعه بالأدب. ينبىء عنه: ما ذكره ابن خلكان قال: وله في الأدب كتب متعددة (٣). وما ذكره القاضي عياض واطلع على علوم كثيرة ... والآداب. وكان مليح المجلس

стр. 53

أنيسه، كثير الحكاية وإنشاد الشعر (١). وبمثل هذا لفظًا ومعنى عرف به ابن فرحون (٢). فهؤلاء الثلاثة وكفى بهم حجة مجمعون على أنه أديب تأثر منطقه بما استوعبه قلبه. فكان مليح المجلس، أنيسه، تسعفه حافظته بما أبدعه الشعراء من فصيح القول. وينفرد ابن خلكان بإثبات أنه ألف في الأدب كتبًا متعددة. ولكن عوادي الزمن أضاعت مؤلفاته الأدبية. كما طوت أسماء الشيوخ الذين تخرج على أيديهم في الأدب وعلوم العربية. ثامنًا: المازري الفقيه. تمكن المازري بعقله الكبير من هضم علوم كثيرة وسعت مداركه، ففتحت له آفاقُ المعرفة المتنوعة نوافذ زادت سلطانه العقلي مضاء وحدة. ويسرت له الغوص على المعاني البعيدة، وانتظمت في نفسه. فتكون منه أحد أساطين الثقافة الإِسلامية. وغلب عليه الفقه فعَلا نجمه فيه وبلغ الرتبة الرفيعة. والقاضي عياض في دقته وتوفيقه يفتتح الحديث عن المازري بقوله: "إمام بلاد إفريقية. وما وراءها من المغرب. وآخر المستقلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر، لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض في وقته أفقه منه. ولا أقوى لمذهبهم. أخذ عن اللخمي وأبي محمَّد عبد الحميد السوسي وغيرهما. ونقل ابن فرحون عبارة عياض (٣). وجعله الشيخ خليل أحد العلماء الأربعة الذين يرجع إليهم في تحقيق الفقه بعد المدونة. فقال وبالاختيار للخمي إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره. وهو في نفسه وبالاسم فذلك لاختياره من الخلاف وبالترجيح

стр. 54

لابن يونس كذلك وبالظهور لابن رشد كذلك. وبالقول للمازري كذلك (١) ومعلوم أن الفقه بعد خليل انكمش فأصبح محوره مختصره والفقهاء بين شارح ومحش ومقرر. وارتبط اسمه بالإمام. لقب الشرف الذي بايعه به الفقهاء وجماهير المسلمين لعلو كعبه وحسن قصده وإخلاصه لله وعدم اغتراره بمباهج الحياة وبريق السلطة. ويروون في ذلك رواية أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال أحق ما يدعونني برأيهم يدعونني بالإمام. فقال وسع الله صدرك للفتيا (٢). ولما كانت القصة غير محبوكة تفطن لها العدوي في حاشيته على الخرشي. فقال لم يجبه المصطفى ﵇ بل دعا له بما هو أنفع ومستلزم لجوابه عرفًا. أي ملأ الله صدرك علمًا حتى لا يشق عليك ما يرد في أسئلة السائلين، أو زاد الله في حسن خلقك حتى لا تسأم مما ذكر (٣). والشيوخ الذين تخرج عليهم في الفقه واتصل له منهم السند العلمي كثر. ولكن المازري لم يسم من شيوخه إلا الشيخ أبا الحسن اللخمي. والشيخ عبد الحميد الصائغ. أما بقية شيوخه فأكثر ما يعبر عنهم "بعض أشياخي" كقوله عندما استشكل الاتفاق على تأثيم من صلى بالنجاسة عامدًا مع اختلافهم في فرضيتها وسنيتها. قال وقد سألت بعض أشياخي عن هذا فقلت له ما معنى الاختلاف في كونها فرضًا مع الاتفاق على التأثيم؟ فوقف في الجواب عن هذا. وسألت غيره من الأشياخ ... (٤) وفي المواطن التي يعجب فيها بدقة النظر يقول شيوخنا الحذاق. وعلى هذا النحو. قد تدل هذه الصياغة من كلام المازري أن صلته بشيوخه بقيت مستمرة

стр. 55

يعود إليهم ويتطلع إلى معرفة رأيهم في المشكلات. وتدل من ناحية أخرى على أنه ما كان يذكر أسماءهم. وقد يكون ذلك. والله أعلم. مراعاة للظروف السياسية كما سيأتينا في محنة شيخه عبد الحميد. الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهو الشيخ أبو الحسن علي بن محمَّد الربعي المعروف باللخمي، وهو ابن بنت اللخمي أصله من القيروان نزل بصفاقس. وكان فقيهًا فاضلًا دينًا، ذا حظ من الأدب والحديث جيد النظر، حسن الفقه. جيد الفهم، كان فقيه وقته، وأبعد الناس صيتًا في بلده، وبقي بعد أصحابه فحاز رئاسة بلاد إفريقية جملة. وكان حسن الخلق مشهور الفضل توفي سنة ٤٧٨. بهذا ترجم له القاضي عياض في المدارك (١). فهذا النص يدل على: ١ - أن اللخمي تفقه ببلده القيروان وخرج منها بسبب فتنة الأعراب وتخريبهم لحضارة هذه العاصمة الإِسلامية وقضائهم على الأمن والأرزاق والأرواح. ٢ - أنه عُمّر وبقي، بعد أصحابه فانفرد بالرئاسة العلمية وطار صيته في البلاد الإفريقية. وأنه توفي يوم كان عمر المازري خمسًا وعشرين سنة. ولكن لم تذكر المصادر تاريخ ولادته. ٣ - أنه جمع إلى العلم زينة العلماء الخلق العالي والنباهة وجودة الفكر. ولا يؤثر عن اللخمي أنه انتقل من صفاقس بعد أن حل بها بما يرجح أن المازري قصده في بلده. وأخذ عنه في المسجد الذي كان يدرس به. ويقول في معالم الإيمان ومسجده بصفاقس مشهور إذا دخله الداخل يرى فيه نورًا زائدًا عن غيره من المساجد (٢). وهذا المسجد هو المسجد المواجه

стр. 56

لدار الآثار ولإدارة الآثار ولإدارة والي صفاقس في القرن الماضي المعروفة "بالدريبة" ثم تم توسيعه وأصبح جامعًا تقام فيه صلاة الجمعة. ويعرف بجامع الشيخ اللخمي وبجامع الدريبة. وأما قبره فقد دفن ﵀ وسط المقبرة العامة الكائنة في الجهة الشمالية من سور المدينة. ثم بني على ضريحه مسجد صغير. ثم قام مراد بأي ملك تونس ببناء قبة عليه وعلى باب القبة في العتبة العليا نقشت هذه الأبيات مثبتة ذلك لأحد الشعراء: هلال يندى من على الأفق ساطع ... وأشرق عنه الكون كالبرق لامع أمين كريم علي زكي الفواضل ... مراد مراد الباي في العز طالع فأحيى شريح الحبر علمه ظاهر ... أبي الحسن اللخمي يكن له شافع (١) وفي ٩ شعبان ١٤٠١ - ١٢ جوان ١٩٨١ تم إنجاز أوسع جامع في مدينة صفاقس. ملاصق للحائط القبلي للمسجد المبني على قبره. وسمي بجامع الإِمام اللخمي. ولم يذكر له من التآليف إلا التبصرة. قال عنها القاضي عياض. وله تعليق كبير على المدونة سماه التبصرة مفيد حسن. وهو مغرى بتخريج الخلاف في المذهب. واستقراء الأقوال وربما تبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده. فخرجته اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب (٢) وبعد نظري في جزء مصور بمكتبتي عن نسخة بالقروييي، يبدأ بكتاب القضاء وينتهي بكتاب الجراحات تبين لي أن التبصرة ليست تعليقًا على المدونة. ذلك أن التعليق يرتبط فيه المعلق بترتيب المسائل ويقتصر على ما يستحق التعليق ويكتفى بالمعلق عليه إذا كان وافيًا. وعمله عمل تابع مرتبي بالأصل في منهجه وطريقة عرضه. وهذا ما لم تجر عليه التبصرة وذلك: أولًا: صاحب التبصرة يفتتح طوالع الكتب بسرد النصوص من الكتاب

стр. 57

والسنة والقياس أو المقصد الشرعي مما كان عليه مدار فقه الكتاب. فمثلًا في كتاب هبة الثواب يستدل على جوازها: بأن القصد من أخذها مكارمة الواهب فجاز قبولها على ذلك. وقياسًا على نكاح التفويض في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١). فأجاز النكاح على ما يفرضه الزوج بعد العقد لما كان القصد فيه المكارمة. ولقول عمر ﵁: من وهب هبة يُرى أنها على الثواب فهو على هبته ما لم يرض منها. وأباح النبي ﷺ العرية بخرصها إلى الجذاذ وهو الطعام بالطعام متأخرًا والرطب باليابس. فأجاز ذلك لأن القصد المكارمة من المعري إلخ. ويفتتح كتاب اللقطة بحديث خالد بن رشيد الجهني. ويفتتح كتاب الشفعة بحديث جابر المخرج في الصحيحين ويتبعه بحديث جابر بصيغة انفرد بها مسلم. ويفتح كتاب القسم بأدلة منها قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ (٢) وقول النبي ﷺ "الشفعة فيما لم يقسم ... " (٣) وفي القسم بالقرعة بقوله ﷺ : "مثل القائم في حدود الله ومثل الواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة ... " (٤). وحديث عمران بن حصين في إقراعه ﷺ بين ستة أعبد أعتقهم سيدهم عند موته فقسمهم أثلاثًا وأقرع بينهم فنفذ العتق في الثلث. وقوله سبحانه: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٥). وقوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٦). ثانيًا: أنه يتبع ذلك بالأبواب التي يجمع فيها المكونات الأساسية للكتاب. ثم يتبع الباب بفصول هي المسائل الأساسية التي يتتبعها في صورها المتعددة. ثالثًا: هو يتبع الاستدلال بإثارة أسئلة تكون هي التي يبنى عليها تفصيل القول في ذلك الكتاب. فيعقب مثلًا كتاب هبة الثواب بقوله: ويعتبر في ذلك خمسة أوجه. أحدهما هل للواهب أن يحبس هبته حتى يثاب. والثاني في

стр. 58

الصنف الذي يثاب. والثالث القدر الذي يلزم قبوله. والرابع ما يفيتها. والخامس الوقت الذي يعتبر قيمتها فيه. وبعد هذا أخذ في الإجابة عن السؤال الأول فنقل عن ابن القاسم في كتاب الصدقة من المدونة له أن يمنع من هبته حتى يثاب. وقال محمَّد ليس له أن يمنع من قبضها. ثم يختار قول محمَّد ويعلل اختياره. فيقول: وهو أحسن. والشأن أن يسلم ثم يطلب الثواب. ثم يخرج على هذا الخلاف ما إذا كان الواهب مريضًا فإنه يجوز أن يسلمها قبل القبض وعلى القول الثاني يجبر إلا أن يكون الموهوب له فقيرًا فللورثة منعه منها. فإن قبضها "أي الموهوب له " منعوه من بيعها حتى يثيب وإن كان موسرًا لم يكن لهم إلخ. وهذه الطريقة تأثر بها المازري في شرحه للتلقين. فهو يفتتح شرح القاضي بإيراد أسئلة ثم يأخذ في الإجابة عنها. انتقاد المازري لشيخه أبي الحسن: الإِمام المازري متمكن من علم الأصول يجري مع أنفاسه وهو ينظر في الفروع الفقهية ويحقق القول فيها حتى تنتظم عنده الشريعة تحت الضوابط الإجمالية التي هي مدارك علم الأصول. ولكن الشيخ أبا الحسن لم يكن على هذا القدر من التمكن. لذا كان المازري يتعقب كلامه مصرحًا بأن حظه من الأصول ضعيف. فمن ذلك ما رد به المازري تعقيب اللخمي على ابن عبد الحكم عندما استدل على وجوب صلاة الجنازة بقوله تعالى. ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ (١) الآية. فتعقب الاستدلال أبو الحسن اللخمي وقال: هذا النهي عن الشيء أمر بضده إن كان له أضداد. فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحة الصلاة على المؤمنين والندبُ والوجوب، فليس لنا أن نحمل الآية على الوجوب دون الإباحة والندب، إلا أنه لم تختلف الأمة أن الناس مأخوذون بالصلاة على موتاهم وأنهم لا يسعهم ترك ذلك. وهذا الذي قاله ﵀ هفوة لا يقع فيها حاذق بعلم الأصول. وإن كان ﵀ ليس بخائض في علم الأصول. ولكن تعلق بحفظه منها ألفاظ ربما صرفها في غير

стр. 59

مواضعها. ولقد كنت خاطبته على مواضع منها رأيته انحرف فيها عن أغراض أهلها فربما أظهر قبولًا لذلك، وربما استثقله. ولقد جمع في هذا الكلام بين حقائق مختلفة ساقها مساق الحقيقة الواحدة. فقال النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان ضدًا واحدًا وليس كذلك إذا كان ذا أضداد. وقد صدق فيما قال لأنه إذا كان ضد واحد، وكان الخطاب أمرًا، كان ذلك نهيًا تعين الأمر في الضد الواحد وإن كان ذا أضداد كان الأمر بواحد منها لا بعينه. ولكنه مثل الضد الواحد بالفطر والصوم. فلما كان الفطر والصوم ضدين كان الأمر بأحدهما نهيًا عن الآخر والنهي عن أحدهما هو الأمر بالآخر. ومثل ذي الأضداد يكون النهي عن الشيء ضده الإباحة، لذلك الشيء أو الندب إليه أو الوجوب له، فأنت تراه كيف مثّل الأضداد مرة بالأفعال المأمور بها، ومرة بنفس الأوامر والنواهي. وليس هو سياقة الحاذق بالأصول ولكن مقصده مفهوم. وتحقيق العبارة عنه أن تقول إن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان ذا ضد واحد وعن سائر أضداده إذا كان ذا أضداد. والنهي عن الشيء أمر بضده إذا كان ذا ضد واحد. وبأحد أضداده إذا كان ذا أضداد. فالنهي عن الصلاة على الكفار أمر بأحد التروك المضادة للصلاة عليهم لأن الصلاة عليهم ترك لأمور كثيرة تكون كلها أضدادًا للصلاة عليهم. واحد هذه الأضداد الصلاة على المؤمنين لأنا إنما نجعل النهي عن الشيء أمرًا بأحد أضداده لا بعينه. فلا يمكن هذا تعيين الأمر بالصلاة على المؤمنين لأجل هذا النهي. فأنت ترى كون الأمر بالشيء نهي عن نحمده لا مدخل له في الاستدلال على هذه المسألة، ولكن إنما سلك فيها إجراءها على باب دليل الخطاب (١). وكما يناقش شيخه اللخمي في كثير من القضايا الأصولية. فكذلك هو يناقشه في بعض التخريجات التي يرى أن شيخه قد أغفل فيها بعض المعطيات. ومن ذلك تخريج اللخمي أنه يمكن أن يترتب على قول عيسى بن دينار أن من ترك السورة عامدًا أو جاهلًا يجب عليه إعادة الصلاة. خرج عليه القول بأن قراءة السورة واجب. ذلك أن إيجاب إعادة الصلاة لمن ترك السنن عامدًا هي طريقة في المذهب في السورة وفي غيرها.

стр. 60

أما إيجاب الإعادة على الجاهل فيتخرج منه أن قراءة السورة واجب هكذا قرر الشيخ أبو الحسن. فعقب عليه الإِمام المازري بأن المذهب اختلف هل إن الجاهل يعامل معاملة العامد أو لا؟ فإذا قلنا إن الجاهل والعامد سواء لم يبق وجه للتخريج الذي كشف عنه أبو الحسن. وقد حاول الشيخ أبو الحسن اللخمي أن يخرج من المذهب قولًا بالإيجاب بقراءة السورة. واعتمد علي قول عيسى: من ترك السورة عامدًا أو جاهلًا أعاد. وأظنه إنما اعتمد على هذه الرواية لما ذكر فيها ترك القراءة جهلًا. لأن القول بالإعادة مع العمد قد يحمل على طريقة القائلين بالإعادة لترك السنن عمدًا. وفي هذا التخريج نظر لأن المذهب اختلف في الجاهل هل هو كالعامد أو لا؟ فإذا قيل إنه كالعامد وكان تعمد ترك السنن يوجب الإعادة لم يسلم له هذا التخريج (١). الشيخ عبد الحميد الصائغ: هو الشيخ أبو محمَّد عبد الحميد بن محمَّد القروي المعروف بابن الصائغ. كان فقيهًا نبيلًا فهمًا فاضلًا أصوليًا زاهدًا نظارًا جيد الفقه قوي العارضة. محققًا. بهذا ترجم له القاضي عياض. تخرج على أيدي جلة مشائخ القيروان إذ أدرك أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا عمران. وتفقه بالعطار وابن محرز والمولي والتونسي والسيوري. وسمع أبا ذر الهروي (٢). ثم انتقل من القيروان إلى سوسة إثر الزحف المخرب من أعراب صعيد مصر لعاصمة الحضارة بالمغرب. وبجمعه بين الفقه والتضلع في علم الأصول كان أقرب إلى تلميذه المازري الذي كان ينوه به ويعتمده ويستطلع رأيه. ومع ذلك فإن هذا التقدير والاعتراف بالفضل لم يمنعه ذلك من مناقشة شيخه. ولكن بصفة أقل من تعقبه لآراء اللخمي وذلك في نظري لسببين مرتبطين: السبب الأول: أن اللخمي لم يكن متمكنًا من علم الأصول فانفلتت عليه بذلك كثير من المسائل ولم تنتظم في السلك الأصولي الجامع. بينما كان الشيخ عبد الحميد أصوليًا. كما أثنى عليه بذلك القاضي عياض. ولبراعة الإِمام

стр. 61

المازري في الأصول كان لا يخفى عليه ما استتر على اللخمي. السبب الثاني: أن اللخمي كان مغرى بتخريج الأقوال. والترجيح بين الآراء ثم الإعلان عما يتحصل عنده لنباهة واضحة عند التأمل في الاتجاهات والأقوال ولشجاعة بينة في إعلانه بذلك. ومن أمثلة تعقيبه على شيخه ما رآه شيخه عبد الحميد أن أثر الاختلاف في اعتبار تكبيرة الإحرام في الصلاة ركنًا أو شرطًا، فساد الصلاة أو صحتها إذا نظر المأموم لعورة إمامه عند تكبيرة الإحرام. يقول: وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد ﵀ يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون من أن الناظر إلى عورة إمامه في صلاته تعمدًا، أن صلاته تبطل. فإذا قيل إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في حين إحرامه. وإن قيل. ليست من نفس الصلاة لم تبطل صلاته. والذي عندي أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة. فمن رأى الإحرام من نفس العبادة اشترط في صحة إيقاعه الوقت كما يشترطه في سائر أجزاء العبادة (١). فتنة الشيخ عبد الحميد الصائغ: ذكر عياض أن المعز بن باديس لما أراد تولية ابن شعلان قضاء المهدية اشترط عليه ابن شعلان أن لا يتقلد ذلك إلا إذا شد عضده بالشيخ عبد الحميد ليقوم بالفتوى. إذ لا يرى استفتاء أحد من فقهائها لأمور نقمها عليهم. فأسندت له الفتوى وانتقل إلى المهدية. فلما شغبت سوسة على ابنه تميم قبض على جماعة فيهم ولد عبد الحميد فضربه، وأغرمه ستمائة دينار باع فيها عبد الحميد كتبه. وكان سبب انقباض عبد الحميد عن الفتيا، فلقيه بعد ذلك تميم واعتذر إليه، فلم ينفعه، ولزم الانقباض ولزم داره، وأظهر التجاؤر، ولم ينتفع به في شيء. وجعل لا يجالس أحدًا، وتحيل في الخروج إلى سوسة لعلة المعاناة، لحسن هوائها. فبقي على حالته تلك ستة أعوام إلى أن دخل الإفرنج المهدية، واستباحوا أهلها. ودخلوا قصر صاحبها. وذلك سنة ثمانين، فانكسر بعد ذلك تميم، وفل غربه، وهان على الناس وداراهم، فظهر عبد الحميد، وراجع حالته

стр. 62

الأولى، وأفتى ودرس. وانتفع به إلى أن مات (١) سنة ست وثمانين وأربعمائة ﵀. أما ولادته فلم يتعرض لها أحد من مترجميه. إلا أنهم أشاروا إلى أنه أدرك أبا بكر بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٤٣١. وأبا عمران الفاسي المتوفى سنة ٤٣٠ فيكون سنه حوالي خمس عشرة سنة عند وفاة أبي عمران. إذ هو أقل سن التلقي غالبًا أي حوالي سنة ٤١٥ - ويكون قد عمر حوالي سبعين سنة. هذه الرواية التي ذكرها عياض نقلها عنه الحجوي وعلق عليها. وإني لأعجب من انبساطه لا من انقباضه. ولقد فسدت أحوال وأخلاق ذلك الزمان. ولذا كانت دولة إفريقية في اضمحلال حيث صارت أفكار أكابر علمائها وأعمال أمرائها إلى ما سمعت (٢). إن هذه القضية تدلنا على أمور: أولًا: عن انخرام الأمن وفساده فسادًا كليًا. بانتشار الظلم، إذ أصبح الإنسان مؤاخذًا بما لم يفعله ولم يشارك فيه، ولم يدبر. وتنزل العقوبة التي لا ترحم ولا مثنوية فيها بالمجرم وغير المجرم. وأن هذا البلاء قد عم. فلا فرق في نزول صواعقه بين أن يكون المسلط عليه عالمًا أو جاهلًا مكرمًا في نظر الجماعة أو غفلًا لا يؤبه به. ثانيًا: أن أعز شيء على العالم كتبه بعد دينه وعرضه. فإذا بلغ به الأمر إلى بيع كتبه. فلا بد لنا من أن نتصور القسوة في المعاملة التي كانت تنتظر ولده لو لم يبع الوالد كتبه. ثالثًا: أن النص يدل على أنه كان مضغوطًا عليه محصورًا في المهدية لا يبرحها مع أنه الركن الذي يفزع إليه القاضي لتبين حكم ما استبهم، وأهل المهدية لمعرفة ما أشكل من أحكام دينهم. إذ لو لم يكن محكومًا عليه بالإقامة في المهدية ما عمل الحيلة للخروج إلى سوسة. رابعًا: أنه يفهم من ثنايا النص تبعًا لما ذكرناه أن تميمًا غضب عليه وأنه

стр. 63

اقتنع بان استبداد هذا الحاكم مع غضبه عليه مما يقيد حريته في الفتوى وُيعرضه للامتحان. فلما انكسر عاد إلى الفتوى لا شماتة ولا انشراحًا. ولكنه أمن على نشر دين الله حسب علمه وما يصل إليه نظره. إذ لا صلة بين الشماتة والعود إلى التدريس. فالامتناع من التدريس كان لسبب: هو السطوة والظلم تبعًا للحكم المطلق. فلما انكسر تميم ورأى بعينيه عاقبة ما جنت يداه خفت حدته، وأخزي، وعرف نفسه أنه: أسد علي وفي الحروب نعامة فالحجوي قد تعجل في التسوية بين العالم المضطهد المغلوب على أمره غير الآمن من دسائس العيون المرصودة حوله. وبين الحاكم الطاغي الظالم. ألا وإن النبلاء يحل بالشعوب إذا ذهب العدل وأبغض الناس حكامهم. وأبغضهم الحكام. فتنتهي الدولة كلها إلى الزوال. سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا في هذا الكون. أثر هذه القصة سقت هذه القصة لأنها أعطتني ضوءًا كشف لي عن الأمر الذي قد يكون هو السبب في أن المازري على علو كعبه في العلم، وتفرده بالإمامة بعد شيوخه، لم يتول الخطط والمناصب والعمل مع الحكام. فما شاهده من فتنة شيخه عبد الحميد الذي كان يعرف قدره ومكانته في العلم وطهارة خلقه، وما كانت تجري عليه الأمور من أن أشد الناس خوفًا من السلطان الجائر هم أقرب الناس إليه، ولذلك في نظري نجا الإِمام المازري بعلمه وبكرامته. وأمكنه أن يواصل مهمته التي نذر نفسه لها، وهي بث العلم. وتحقيق المسائل. وتكوين الطلاب. هذه المهام التي كثيرًا ما أشار إليها في كتابه هذا. هل يمكن تعيين شيوخ المازري؟ ما سبق في هذا البحث يكشف بجلاء أن المازري في كتابه هذا ما كان معنيًا بذكر الحوادث التي اضطرب بها عصره. كما أنه لا يعير كبير اهتمام لضبط أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم. كما أن عدد هؤلاء الذين وصله عن طريقهم

стр. 64

السند العلمي وأثروا في تكوينه، عددهم كثار. ولذا فإني أرى أن عرق جبين بعض من كتب عن المازري في فرض الفروض، والترجيح بينها، واستبعاد أن لا يكون المازري أخذ عن فلان أو عن فلان لأنه كان من أعلام العصر عند تلقيه للعلم، كل ذلك في نظري تعسف ورجم بالغيب وتحميل للظواهر ما لا تتحمل وكد للذهن فيما لا يفيد. لأن المهم ليس هو التلقي والأخذ ولكن المهم هو التأثر الحاصل من امتداد شخصية الملقى في المتلقي. وهذا ما نجده واضحًا في تأثره باللخمي في طريقته التأليفية في التبصرة من حصر الموضوع بالأسئلة ثم الإجابة عما أثاره واحدًا واحدًا، وهي طريقة مبتكرة في المنهج القيرواني تختلف عن طريقة السؤال والجواب التي جرت عليها المدونة، تأثر بها المازري لما وجد فيها من شحذ للذهن الذي هو المنهج العلمي الصحيح، الذي يقوم على أن كل حل هو مفض إلى إشكالات جديدة وراءه، تدعو الناظر إلى التأمل ومواصلة البحث. كما أن إثارة الصعوبة على شكل سؤال يبعث في الذهن نشاطًا، يكون به أقدر على التغلب على الصعوبة، ثم على ترسخ الإجابة في الحافظة، وانفلاتها من الغفلة التي تلقي بظلالها فتحجب الذهن عن التفاعل معها. كما أن شيخه عبد الحميد قد أثر فيه. في دقة النظر، وربط الفروع بالأصول. وإذا كنا لا نستطيع أن نجلي هذا التأثر بصفة تفصيلية. لأن آثار شيخه قد ذهبت فيما ذهبت من ثروة نتاج الفكر الإِسلامي، إلا أن الإشارات التي وردت في أثناء هذا الكتاب تدلنا إجمالًا على ذلك. تلاميذ المازري. انتصب المازري للتدريس صغيرًا: يقول في القراءة في الوتر: وقد كنت في سن الحداثة وعمري عشرون عامًا وقع في نفسي أن القراءة في الشفع لا يستحب تعيينها. إذا كانت عقب تهجد بالليل. وإنما الاستحباب يتوجه في حق من اقتصر على شفع الوتر. فأمرت من يصلي التراويح في رمضان أن يوتر عقيب فراغه من عدد الإشفاع ويأتي بجميع مقروءاته بالحزب الذي يقوم به فيه ويوتر

стр. 65

عقيبه. فتمالأ المشائخ المفتون حينئذ بالبلد على إنكار ذلك واجتمعوا بالقاضي وكان ممن يقرأ على، ويصرف الفتوى فيما يحكم به إليّ فسألوه أن يمنع من ذلك فأبى عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي على المسألة فأبوا فأبى (١) ... يفيد هذا النص أنه تصدر للتدريس صغيرًا. وأنه قد ظهر نبوغه مع بواكير شبابه، إذ كان قاضي المهدية "عاصمة الصنهاجيين" أحد تلاميذه، ويعتمده في الفتوى للقضايا التي تعرض عليه. وبناء على هذا يكون عمره يوم ابتدأ التدريس دون العشرين سنة. وإذا كان قد عمّر ثلاثًا وثمانين سنة. كان مقتضى ذلك أنه جلس الطلبة حوله للأخذ عنه ما يقارب خمسًا وستين سنة. وفي هذه المدة الطويلة التي محض فيها نفسه للتدريس ونشر العلم يكون طلبته كثيرين قطعًا منهم النابغ النابه، ومنهم المتوسط والخامل. وقد أجود الشيخ محمَّد الشاذلي النيفر نفسه لشبع من ذكر من تلاميذه في كتب التراجم ممن أخذ عنه وممن كاتبه فأجازه وممن يحتمل أن يكون قد أخذ عنه وحتى من لم يلقه وإنما أجيز من تلاميذه فبلغ بهم أربعة وثلاثين. على أن الإجازة صلة اعتبارية أكثر منها حقيقية. وأن تلاميذه المذكورين الذين لم يبلغوا العشرين في هذه المدة الطويلة لم يذكر عن واحد منهم أنه انطبعت ملكته بالطريقة المازرية. على معنى أن السند العلمي الذي اتصل بالمازري من مشيخة القيروان عن طريق شيخيه اللخمي والصائغ قد وقف عنده. وأنه لم يخلف من يقوم على ذلك المنهج ومن يواصل امتداده فتوقف دفقه. وسنزيد ذلك بيانًا عند تعقيبنا على كلام المقري. وسبب ذلك يعود إلى ما حلل به ابن خلدون في مقدمته في الفصل الثاني من أن التعليم للعلم من جملة الصنائع. يقول: فاعلم أن سند التعليم لهذا العهد كاد ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقص الدول وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها. كما مر وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس. واستبحر عمرانهما. وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة. ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما. وما كان فيهما من الحضارة، فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلًا كان في دولة الموحدين

стр. 66

بمراكش مستفادًا منها، ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراض بمبدئها. فلم تتصل فيها أحوال الحضارة إلا في الأقل. وبعوإنقراض الدولة الموحدية ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لهذا أوساط المائة السابعة، فأدرك تلاميذ الإِمام ابن الخطيب، فأخذ عنهم، ولقن تعليمهم وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن (١). فنص ابن خلدون واضح في انقطاع السند العلمي من تونس في عهد الدولة الموحدية. وإذا كان المازري توفي سنة ٥٣٦. وأن الدولة الموحدية طهرت المهدية سنة ٥٥٥ من احتلال النرمان لها سية ٥٤٣. وما سبق الزحف النصراني من تفكك الدولة وذهاب رسوم الوحدة، وتغلب قوة البداوة على الحضارة. وما صحب الاحتلال من خوف وما عقبه من تغلب البداوة على الدولة الموحدية أيضًا، فإنه يظهر لنا أن انقطاع السند قد جرى على سنة ارتباط الأسباب بالمسببات في الاجتماع كما هي في غيره. تلاميذه المذكورون في مقدمة المعلم حسب الترتيب الوارد فيها (٢): أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي المتوفى سنة (٥٨٣). أبو محمَّد عبد السلام البرجيني (هل هو المتوفى سنة ٦٢٢ فيكون منتسبًا للمازري بالواسطة أو هو غيره)؟. أبو يحيى زكرياء بن الحداد المهدوي. يقول الشيخ مخلوف لم أقف على وفاته. أبو يحيى أبو بكر بن الجواد المهدوي. أبو الطاهر بن الدمنة التونسي. أبو الحسن السوسي. أبو القاسم بن مجكان.

стр. 67

أبو الحسن بن الأوجقي. أبو عبد الله محمَّد بن تومرت الهرغي. أبو الحسن صالح بن أبي صالح بن خلف بن عامر الأنصاري الأوسي تـ (٥٨٦). أبو عبد الرحمان مساعد بن أحمد بن مساعد المعروف بابن زُعُوقة. أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن سعادة تـ (٥٦٦). أبو عبد الله محمَّد بن عيسى الشلبي تـ (٥٥١). أبو الحسن محمَّد بن خلف بن صاعد الغساني تـ (٥٤٧). أبو الحسن علي بن محمَّد بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن الضحاك الفزاري. أبو العباس أحمد بن طاهر الأنصاري تـ (٥٣٢). أبو الحسن محمَّد بن أبي عمرو عبد الرحمان العبدي ابن عظيمة (٥٤٣)، عبيد لله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن مسعود ابن عيشون المعافري (٥٧٣: ٥٧٤). أبو إسحاق إبرّاهيم بن أحمد بن عبد الرحمان الأنصاري الغرناطي. أبو بكر محمَّد بن أحمد بن عبد الملك بن موسى بن أبي حمزة تـ (٥٩٩). أبو القاسم محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن لب يعرف بابن الحاج تـ (٥٧٥). أبو جعفر أحمد بن محمَّد بن إبراهيم ... بن خلصة الحميري الوزعي. أبو بكر محمَّد بن خير بن عمر بن خليفة اللمتوني الأموي تـ (٥٧٥). محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد الحفيد تـ (٥٩٥). أبو عبد الله محمَّد بن صاف بن خلف بن سعيد بن مسعود الأنصاري تـ (٥٥٢). أبو الحسن صالح بن عبد الملك الأوسي تـ (٥٨٦). أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الأنصاري الأوسي البرنامج تـ (٦٣٩) أجازه تلاميذه.

стр. 68

أبو محمد عبيد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن ذي النون يعرف بابن عبيد الله تـ (٥٩٥). أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمران اليحصبي السبتي تـ (٥٤٤). أبو بكر عبد الرحمان بن محمد بن أبي العيش تـ (٥٧٠). أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم ابن الفرس ت (٥٩٩). أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأنصاري الخزرجي ابن الفرس (٥٧٦). أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني الحمزي ابن قرقول تـ (٥٦٩). أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن المخزومي الشاهد ابن كوزان لقيه في المهدية. مؤلفات المازري. تنقسم مؤلفات المازري إلى قسمين: أولاً: المؤلفات المستقلة. ونعني بها التآليف التي كان هو المصمم فيها لمنهج التأليف. تصوراً وترتيباً. ثم إخراجاً وطريقة. ثانياً: المؤلفات المرتبطة بمن سبقه. التي يكون دور المازري الشرح والإضافة والتكميل. والتقييد. والاستدلال والتنظير. ما ذكر من تآليفه: أولاً في السنة النبوية المطهرة: كان عصر المازري قد تم فيه جمع السنة النبوية الشريفة. ودونت فلم يصرف عنايته إلى التأليف في الجمع أو الترتيب. ولم ينقل أنه ألف كتاباً في ذلك رغم أن بعضاً ممن جاء بعده أضافوا إضافات لطريقة تدوين السنة النبوية. ولكنه صرف جهده لشرح السنة وتحقيق المعاني واستنباط الأحكام،

стр. 69

واختلاف الفقهاء، وسبب الخلاف، ودفع الشبه والتوجيه إلى ما ينبغي أن تحمل عليه الظواهر. مبرزًا انتظام صحيح السنة في سلك لا نشاز فيه ولا اختلاف ولا تضارب ولا تناقض مع الأصول القطعية في الإِسلام. كما اعتنى ببعض الأسانيد ذاكرًا الطرق المروية في سند الحديث وخواص الإسناد. ومن تآليفه: أولًا: المعلم بفوائد صحيح مسلم (١). الذي أملاه على طلبته في شهر رمضان سنة ٤٩٩ (٢). وإن النظر في المعلم يرجح صحة ما ذكر الشيخ مخلوف في ترجمة أبي مروان عبد الملك بن عيشون المعافري البلنسي أنه لقي في طريقه إلى الحج بالمهدية أبا عبد الله المازري. وحكى عنه أنه سمعه يقول وقد جرى ذكر كتابه المعلم بفوائد صحيح مسلم: أني لم أقصد تأليفه وإنما السبب فيه أنه قرئ علي صحيح مسلم في شهر رمضان فتكلمت على نقط منه. فلما وقع الفراغ من القراءة عرض علي الأصحاب ما أمليته عليهم. وإذ ذاك نظرت فيه وهذبته فهذا سبب جمعه (٣). وذلك أن المعلم يعبر عن عمق نظر المازري وولوعه بأمرين بصفة خاصة. تحرير العقيدة بتأويل النصوص تأويلًا يبعد كل اختلاف بينها وبين القواطع الثابتة، وتحرير بعض الأحكام الفقهية. وفي كليهما هو لا يطنب ولا يجري على نفسه كما نجده في شرح التلقين بما يرجح أن القصد كان ختم صحيح مسلم قراءة عليه في شهر رمضان. ثانيًا: تعليق على أحاديث الحافظ أبي بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن زكريا الشيباني الجوزقي النيسابوري تـ ٣٨٨ (٤). وهو كتاب غير معروف الآن. وللحافظ الجوزقي في خدمة السنة المطهرة كتب. منها: الأربعون. الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم. الصحيح المخرج على مسند مسلم. ولم ينص

стр. 70

المقري على أي الكتب الثلاثة كان تعليقه. واستبعد الشيخ محمَّد الشاذلي النيفر أن يكون الصحيح المخرج على مسند مسلم. لأنه لو كان هو لكان تكرارًا لخدمته لمسلم (١). والذي يغلب على الظن أن الكتاب الذي علق عليه هو الجمع بين الصحيحين لأنه بذلك يكون المازري قد أملى على صحيح مسلم وأملى على صحيح البخاري وأملى على الجمع بين الصحيحين للجوزقي. وعلى كل فإنه عندما يظهر ما يغلب هذا الفرض أو غيره يبدو وجه الحق. ثالثًا: إملاؤه على البخاري. وهذا الكتاب لم يذكره أحد من الذين عنوا بالترجمة للمازري. مع أنه قد أحال عليه عندما فصل القول في تقدير طول القراءة. واختلاف الفقهاء في ذلك واختلاف الآثار وأنهى تفصيله بقوله: وعن النبي ﷺ أحاديث أخر تقتضي التخفيف. وقد أوعبنا الكلام على جميعها وذكرنا صفة البناء فيها. وما تؤولت عليه فيما أمليناه على البخاري. فمن أحب الوقوف عليه فليلتمسه هناك (٢). وإذا كانت طريقته في إملائه على البخاري ما ذكره هنا فإن هذا الإملاء يكون قد توسع فيه أكثر مما علق به على صحيح مسلم. لقوله وقد أوعبنا الكلام على جميعها وذكرنا صفة البناء فيها. وما تؤولت عليه. وهذه غير طريقته في المعلم. وقد تظهر نسخة من هذا الإملاء الذي لم أجد له ذكرًا فيما اطلعت عليه من شروح صحيح الإِمام البخاري. ثانيًا: في علم العقيدة. ١ - نظم الفرائد في علم العقائد: وهذا الكتاب الذي أورد ابن فرحون في تعريف الإِمام ما يلي: ذكر الشيخ الحافظ النحوي أبو العباس أحمد بن يوسف الفهري اللبلي في مشيخة شيخه التجيبي أن من شيوخه أبا عبد الله المازري. وأن من تآليفه عقيدته التي سماها "نظم الفرائد في علم العقائد". لم يظهر لحد الآن أثر لهذا التأليف. ويترجح أن الإِمام ألف كتابًا في العقيدة. وذلك لأن توجهه

стр. 71

إلى قضايا العقيدة في المعلم وتخصيصها بالعناية يدل على اهتمامه بهذا الميدان وحرصه على بيان الحق فيه. ولأن آثار التشيع والاعتزال لم تقتلع كل جذورها بعد من إفريقية، فالظن أن الإِمام يسهم في تعقيم تلك الآثار والقضاء عليها ببيان الحق. ولأن اتصاله بعبد الملك الجويني وبالمدرسة المالكية في المشرق من القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب، تجعله تلك الصلة متمكنًا من الطرائق الكلامية الأشعرية. وكلما امتلأ العالم من فن من الفنون فاض على لسانه وقلمه. ٢ - كتاب النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين يقولون بقدم الأصوات والحروف. وحسبما يفهم من عنوانه. أن المازري نصر فيه مذهب الإِمام الأشجري ورد على كل الفرق من المجسمة من الشيعة وغيرهم الذين ذهبوا إلى أن القرآن المسموع وكذلك المكتوب قديم (١). ٣ - كتاب قطع لسان النابح في المترجم بالواضح. أشار إلى هذا الكتاب في المعلم. عند بيان تواتر القرآن. وأن الذين حفظوه لا يحصون عدًا. وأن الذين وصلوا إليه بأسمائهم خمسة عشر صاحبًا. ذكرهم في كتابه هذا. وعلق عليه بأنه كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين ثم ارتد. وأخذ يلفق قوادح في الإِسلام. فنقضنا أقواله في هذا الكتاب وأشبعنا القول في هذه المسألة وبسطناه في أوراق (٢). كما أشار إليه أيضًا في شرحه هذا. عند بيانه لحكم قراءة القرآن في الصلاة بقراءة ابن مسعود. ومعنى قوله ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف. فقال وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة. وتأويل قوله ﵇: أنزل القرآن على سبعة أحرف. وذكرنا تأويل ما حكي عن ابن مسعود وابن شهاب. في كتابنا

стр. 72

المترجم =بقطع لسان النابح في المترجم بالواضح= وهو كتاب نقضنا فيه كتابًا ألفه بعض حذاق نصارى المشرق. قصد فيه إلى جمع المطاعن التي تشبث بها الملحدون، وقذفها الطاعنون على ديننا، وأضافوها إلى العقل والنقل فاكتفينا بذكرها هناك عن ذكرها ها هنا، لاشتغال أهل الأصول بالخوض فيها دون أهل الفروع (١). فكتبه في العقائد الثلاثة اثنان منها قد استقل فيهما بالتأليف. والثالث ارتبط بالرد على النصراني القادح. فحسبما جاء في كلامه يُتابع شبهاته ويزيل ما يدلس به على الناظرين في كلامه. ويكشف الحق في القضية المنارة. ويشير المازري. إلى أن هذا الطاعن قد جمع متتبعًا ما طعن به الطاعنون ولفقده. ثالثًا: كتبه في علم أصول الفقه. يتبين لك بعد قراءة شرح التلقين أنك تدرك الفقه إدراكًا جديدًا وأنك مع عالم لا يلقي إليك بالأحكام الجزئية مكررة بدقة ومسندة إلى أصحابها ومرتبطة بأدلتها فقط. ولكنه يأخذ بيدك إلى رتبة أسمى وذلك بربط الفروع بالأصول. وتكون القواعد الأصولية هادية لك في انتظام الفقه الإِسلامي. وأن ما حدث من اختلاف بين الفقهاء لا يعود إلى نظرة جزئية للمسألة المعروضة. وإنما هو خلاف مبني على تأصيل القاعدة في الاعتبار للأدلة الإجمالية وطرق دلالتها. فمن تآليفه في الأصول: ١ - إيضاح المحصول من برهان الأصول: ذكر عياض أنه شرح البرهان ولم يذكر اسم الكتاب. وذكر ابن فرحون أنه شرح البرهان لأبي المعالي وسماه إيضاح المحصول من برهان الأصول (٢). وعبد الملك بين عبد الله بن يوسف بن محمَّد الجويني أبو المعالي إمام الحرمين أحد الكواكب اللامعة في مجرة علماء الإِسلام، عمق نظر وسعة مدارك وذكاءًا متوقدًا، وتقوى قام بالتدريس فتحلق حوله العلماء. وقام بالوعظ فأحيا القلوب وربطها بالخير والصلاح. وألف في الكلام والأصول والفقه، فكانت كتبه مرجع العلماء على مدى الأعصار.

стр. 73

ومما يعرف من كتبه في أصول الفقه الورقات والبرهان: البرهان من المراجع التي يعتمدها الأصوليون في تحرير قضايا هذا العلم. ومع هذا فالكتاب قد اودعه صاحبه من الآراء والمناقشات والاختيارات ما يجاوز حجمه فاستغلق فهمه، وكان الأخذ منه والاستفادة منه على مقدار حظ الناظر من العلم والفطنة. يصفه ابن السبكي بقوله: وأنا أسميه لغز هذه الأمة لما فيه من مصاعب الأمور. وإنه لا يخلي مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه وتحقيقات يستبد بها (١). فأبو المعالي في هذا العلم يعتبر مجتهدًا لا مقلدًا. أراد الإِمام المازري أن يقرب هذا الكتاب للناظرين فيه وأن يكشف مغالقه ويوضح إشكالاته. ويصحح ما ينبغي تصحيحه من اختياراته. فسمى تاليفه بإيضاح المحصول. وهذا الشرح الذي نجزم بان الإِمام المازري قد حقق فيه تحقيقات نفيسة وأضاف إليه إضافات هامة إكمالاً أو تصحيحاً، قد طواه الزمن فيما طوى من كنوز المؤلفات الإِسلامية. ندعو الله أن ييسر اكتشافه وإخراجه للناس. ويتفق المقري وابن السبكي على أن المازري لم يكمله. وفي اهتمام الإِمام المازري بشرح هذا الكتاب ما يؤكد تعلقه وتضلعه من هذا العلم. ثم هو قطعًا لما كان شارحًا فقد ارتبط بتأليف أبي المعالي. والمازري كما تبين لنا، مقامه في علم الأصول مقام التحقيق ومكانته فيه تدعوه إلى إبرازه حسبما انتظم في عقله وما انطبعت به مداركه. ولذلك ذكر أكثر من مرة في شرحه للتلقين أنه سيُملي في أصول الفقه ما يجلي المسألة التي تعرض لها. ولكن لم نجد في كتب التراجم ما يفيد أنه ألف هذا التأليف المستقل فلعله قد اخترمته المنية قبل أن يتمكن من ذلك لاشتغاله بما كان بصدد إتمامه من التآليف.

стр. 74

رابعًا: كتبه في الحكمة. ذكر المقري أن له تعليقًا على شيء من رسائل إخوان الصفا، سأله السلطان تميم عنه (١). لقد كان لهذه الرسائل تأثير في الدولة الإِسلامية في العصر الذي ألفت فيه القرن الرابع الهجري وفي القرون التالية. إذ أن مؤلفيها قد أخفوا أسماءهم وخلطوا في كلامهم بين الدين والفلسفة والطبيعيات. والحسابيات. وقام مذهبهم على التأويل والرمز. وعلى الافتراض. وهم يهدفون فيما يهدفون إليه إلى تكوين جماعات سرية يعملون، بواسطة تربيتهم على طاعة كل طبقة لمن هي فوقها طاعة كاملة، على تقويض السلطة العباسية في المشرق والوصول إلى الحكم. وهم بما سطروه وما يدعون إليه قد سلكوا منهجًا يناقض منهج علماء السنة. إذ يؤولون النصوص تأويلات بعيدة. ويدعون أن العلم الكامل تصل إليه الطبقة العليا بعد سن الخمسين. فتشهد حقائق الأشياء على ما هي عليه. فإذا وصل السالك إلى هذا المقِام يكون فوق الطبيعة والشريعة والناموس. ولذا فهم لنزعتهم السياسية يكونون خطرًا على أنظمة الحكم. ولانحرافهم في تأويل النصوص ولَيّ عنقها بلى ما اقتبسوه من فلسفة القدماء كانوا هدف حملة علماء المسلمين المستبصرين. ويبدو أن الرسائل وصلت بالطرق السرية التي كان يسير عليها أتباعهم. وصلت إلى المهدية. وكان الطود الشامخ الذي يدفع المكائد عن الإِسلام هو الإِمام المازري لإمامته في علوم الشريعة وتضلعه بالعلوم الحكمية. ولذا انتدبه تميم بن المعز ليكشف زيف هذه الرسائل وليبصر الناس بانحرافاتهم ويكشف عن خطر ضلالاتهم. فقام بهذا العمل ولكن لم يصلنا رده الذي نصر به الدين وقمع به دسائسهم السياسية. ومخارقهم.

стр. 75

آثاره الفقهية: رزق الإِمام المازري من سعة المدارك والنباهة والذكاء والجد في تحصيل العلم ونشره ما استحق به أن يتفق عارفو فضله على تلقيبه بالإمام. وكما سبق هو علَم يمثل الثقافة الإِسلامية بجمعه بيق علوم متنوعة، ساعدته مواهبه وجده أن يكون مرجعًا فيها. ولكن إمامته تظهر بصفة أتم وأجلى في ميدان الفقه. ففي هذا العلم تعددت تآليفه ومحض معظم نشاطه. فمما ذكر له من الآثار الفقهية. ١ - كشف الغطاء عن لمس الخطأ. ذكره المقري. وكذلك ابن ناجي مع بيان سبب تاليفه وذلك في ترجمة أبي محمَّد عبد الله التبان أنه وقعت يده على ساق ابنته وهو يظنها زوجته ففارق الزوجة أم البنت ورأى أنها حرمت عليه بهذا القدر. ثم أخذ يناقش القول بالتحريم مبينًا من يقول بعدم التحريم من شيوخ القيروان وعد منهم أبا القاسم بن محرز الذي ألف فيه تأليفًا. ثم قال واختاره المازري أيضًا وألف فيه تأليفًا واعتمد على تأليف بن محرز وسماه كشف الغطاء عن لمس الخطأ (١). ٢ - فتاوى المازري: وهذه الفتاوى لم يجمعها الإِمام في كتاب. ولكن وردت موزعة في دواوين الفقه للذين جاؤوا من بعده وخاصة البرزلي والونشريسي قد اعتنى بها د. الطاهر المعموري وجمع ما وصلته يده منها. والإمام الذي انتصب للتدريس والإفتاء كما بيناه خمسًا وستين سنة تقريبًا نرجح أن فتاواه كانت متنوعة حفظ بعضها وذهب الكثير منها. وتتميز هذه الفتاوى بالتزام مذهب مالك. والتوجيه بأسرار الشريعة. والشجاعة في الاستقلال بما حصل عنده بعد النظر. وهي تعبر عن المشاكل الاجتماعية والأوضاع السياسية في عصره. وهذان الأثران هما من الآثار المستقلة.
следующие страницы →