الشرع لأنه طهور في الطهارة العينية والحكمية. وما سواه في المائعات ليس
بطهور في الطهارة الحكمية باتفاق. فهذا عندي مما يدافع به أصحابنا عن
التعلق بالآية. وقد تعلق من جرى مع حكم القياس واتبع الغرض (١) بقوله في
الدرع يطهره ما بعده (٢) وبأمره في النعل أن تدلك، وبأن الخمر إذا استحالذينفسها خلا طهرت في نفسها وطهر الدن بالخل المستحيل. وأجيبوا عن هذا بأن حديث الدرع محمول على القشب اليابس كما تأوله مالك. وبأن الدلك في النعل محمله على أنه إنما أصابها أرواث الدواب. وقد قدمنا ذكر السبب في المعفو (٣) عنه. وأما الدن فإنه لم يطهر بالخل وإنما طهر لأن جميع الأجزاء النجسة قد استحالت، فصارت طاهرة فلم تبق نجاسة يسند إليها نجاسة الدن.
وأما ما حكيناه من تفرقة بعض أصحاب أبي حنيفة بين الجسد والثوب فإنه مر على الأصل الذي قررناه (٤)، ولكنه تخيل فيه خيالًا، أداه إلى التفرقة. وذلك أن نجاسة الثوب لا يجب غسلها إذا اختار استبدال الثوب النجس بثوب طاهر، فاتضح فيها أن الغرض الإزالة. ونجاسة البدن يتعين غسلها. فمن جهة التعين أشبه طهارة الحدث المتعينة. وهذا ساقط لمن عنده ثوب نجس لا يجد سواه.
فإن غسله يتعين كما يتعين غسل الجسد، مع أن تعين غسل الجسد لم يكن لأمر يعود إلى النجاسة المختصة به، وإنما هو لاستحالة استبدال البدن. ولو قدر زوال العضو النجس وانفصاله عن البدن لم يجب غسل نجاسته، وفي هذا مقنع.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن للشمس مدخلًا في تطهير النجاسة. فقال في جلد الميتة تجففه الشمس، أنه يطهر. وكذلك الأرض إذا جففت نجاستها الشمس فإنها تطهير ويصلى عليها. ولكن لا يتيمم بها. وكذلك عنده النعل إذا علقت به نجاسة غليظة فجفت، إن (٥) الدلك يذهب حكمها ورأيت القاضي إسماعيل نحا نحوه في هذا فقال: قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا
стр. 457
وطهورا" (١). فلو أكلت الأرض النجاسة حتى ذهب أثرها لرجوت أن تطهير كما تطهير النجاسة بالماء الكثير الغالب عليها، بخلاف الثوب فإن النجاسة لا يذهب أثرها منه والموطأل الزمن. وما قدمناه من الأدلة على اشتراط الماء في طهارة النجاسة كاف في الرد على من سلك (٢) هذه الطريقة. وقد ذكر الشيخ أبو الحسن اللخمي اختلافًا في إزالة النجاسة بالمائع. وأراه إنما أخذه من قول ابن حبيب إذا بصق دمًا في الصلاة فلا شيء عليه ما لم يتفاحش. فظن أنه إنما طهر عنده المحل بالريق. وهذا ليس كما ظن. لاحتمال أن يكون إنما عفي عنه ليسارته.
ألا تراه اشترط عدم تفاحشه؟ وقد أشار شيخنا أبو الحسن إلى أن مذهب ابن حبيب اعتبار النجاسة لا اعتبار محلها. وذكر هذه المسألة. وذكر قول ابن حبيب فيمن اقتصر على مسح موضع المحجمة، أنه لا يعيد لأنه يرى ذلك -لو اجتمع- في حكم الدم اليسير. وإن قول مالك إنه يعيد في الوقت، إما في العمد على أحد التأويلين. أو في العمد والسهو على التأويل الآخر؛ لأنه يعتبر مقدار محل النجاسة لا مقدارها في نفسها. وقد ذكر غيره من الأشياخ الأندلسيين هذا التأويل بقول مالك في أنه يعتبر المحل. وإذا كان هذا هكذا فلا معنى لتخريجه الذي أشرنا إليه. وكذلك أيضًا حكى اختلافًا في النجاسة إذا بولغ في مسحها حتى ذهب أثرها. فأشار إلى تخريج الخلاف من مسألة السيف يصيبه الدم. وقد قدمنا نحن ذكرها. والتخريج عنها (٣) فيه ضعف لأنه قد وقع في الرواية أنه يصلي به مسحه أو لم يمسحه. فأنت ترى كيف عفي عن هذه النجاسة وإن بقيت عينها لم يمسح. وذكر المسح في بعض الروايات. واعتل الأبهري وعبد الوهاب لذلك بأنه صقيل لا يبقى مع صقالته للنجاسة أثر إذا مسحت، وإن غسله يفسده. وهذان معنيان لا يوجد مجموعهما في غير السيف من الأشياء النجسة على الإطلاق. فلا يصح هذا التخريج الذي خرج لما ذكرناه.
стр. 458
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: لا يفتقر غسل النجاسة إلى نية لأنها طهارة معقول معناها. والمراد بها أمر محسوس وهو حاصل لمن نوى ولمن لم ينو. فمن طرح عنه ثوبه النجس أو غسل نجاسة بغير قصد، فإنه قد حصل الغرض المطلوب. فلا معنى لاشتراط النية في ذلك. ولما كانت طهارة الحدث لا يراد بها إزالة أمر محسوس ولا تحصيل غرض وإنما يحصل بها أجر في العقبى، افتقرت إلى نية لتحصيل هذا الغرض المطلوب. وقدر أبو حنيفة أنها إنما شرعت لتحصيل مكرمة النظافة. وإن لم يظهر ذلك للحس كما ظهر في النجاسة. فلم يعتبر فيها النية واعتبرها في التيمم لما لم يحصل ذلك فيه لا وجودًا ولا تقديرًا. وقد مال بعض المتأخرين من القرويين إلى أن النضح للنجاسة يفتقر إلى نية بخلاف غسلها. واستبعد هذا غيره من القرويين. وقال إن قدرنا أن ما شك فيه من النجاسة موجود فالنجاسة الموجودة لا (١) تفتقر إزالتها إلى نية. وإن قدرنا عدم النجاسة فالغسل ساقط. وإذ سقط لم تشترط النية. ومن عجيب ما ينبغي أن يتفطن له أن هؤلاء المتأخرين من المغاربة تحوم خواطرهم على هذه المعاني التي أبرزها حذاق أهل العراق للوجود. وذلك أنا قدمنا أن ما كان القصد به تحصيل أم رنا جز فلا معنى للنية فيه كغسل النجاسة. وإن طهارة الحدث لما كانت لا يقصد بها إزالة أمر محسوس افتقرت إلى نية. وهذا المعنى بسطه المتأخرون كأبي المعالي وغيره. وكأن من حكينا (٢) عنه من القرويين *إن النضح يفتقر إلى نية* (٣) استشعره ورأى أن الناضح لا يزيل عينا فأشبه المتطهر للحديث في افتقاره إلى النية، فلا وجه لاستبعاد قوله كما استبعده صاحبه. وقد قدمنا لك تفرقة بعض أصحاب أبي حنيفة بين النجاسة التي على البدن وبين النجاسة التي على الثوب في تطهيرها بغير الماء. ورأى أن ما على البدن، لما تعين، أشبه طهارة الحدث. ولم نوجه هذا القول لأنه الصواب عندنا. وإنما نبهناك على أن العالم، وإن لم يرد خاطره مورد الحقيقة، فإنه حولها يحوم.
стр. 459
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف المذهب في المصلي إذا رأى في ثوبه، وهو في الصلاة، نجاسة لا يعفى عنها. هل يقطع الصلاة أم لا؟ فقيل يقطع الصلاة. وقيل يتمادى بعد نزعها عنه. وإن لم يمكنه النزع تمادى وأعاد. وقيل إن لم يمكنه النزع قطع. وإن أمكنه النزع تمادى. وسبب الاختلاف اختلاف الأحاديث. فقال ابن شهاب بلغنا أن النبي ﷺ وجد في ثوبه دمًا، وهو في الصلاة، فانصرف (١). وفي الصحيح أنه ﵇ خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل ﵇ أن بهما قذرًا (٢). وقد قال بعض المتأخرين من أصحابنا لا حجة في حديث النعلين؛ لأن النجاسة بأسفلهما وقد حال بينه وبينها أعلى النعل. ومن بسط على النجاسة ثوبًا كثيفًا صحت صلاته.
ومن قام على نعلين بأسفلهما نجاسة فإن أعلاهما جلد كثيف يحول بين المصلي وبين النجاسة. فإذا نزعهما بأن أخرج رجليه منهما من غير أن يحركهما -فيكون بتحريكهما- حامل النجاسة صحت صلاته. وقد قال بعض المتأخرين من الأندلسيين أمره في المدونة أن يقطع. وهذا محمله: على أن الصلاة بالنجاسة ناسيًا غير صحيحة. وأمره إذا لم يعلم، أن يعيد في الوقت. والإعادة في الوقت تشعر بالصحة، فكان ينبغي على مقتضى قوله إن الإعادة في الوقلت: أن يتمادى ويعيد في الوقت. وقال بعض أشياخي إنما أمره بالقطع استحسانًا (٣). وقال ابن حبيب إذا رأى الحجاسة في الصلاة فانسيها وتمادى، فإنه يعيد الصلاة (٤) وإن خرج الوقت. لأن برؤيتها انتقضت صلاته. وكذلك لو أمرناه بالإعادة في الوقت إذا صلى بها ناسيًا فنسي أن يعيد في الوقت، فإنه يعيد بعده. فأنت ترى ابن حبيب كيف قال فيمن رأى النجاسة وهو في صلاته، إن صلاته انتقضت.
فهذا يشير إلى أن القطع واجب وليس باستحسان كما قاله شيخنا.
стр. 460
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: المشهور من المذهب أنه إذا انصرف لغسل النجاسة فغسلها وعاد فإنه (١) يستأنف الصلاة. وقال أشهب لو بني لأجزأه كالراعف. وسنتكلم على حكم البناء على ما مضى من الصلاة في موضعه إن شاء الله تعالى .
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: معنى تقييده لقوله مع الذكر تحرزًا من الناسي، فإن المشهور أن (٢) صلاته صحيحة. وإنما يعيد في الوقت. وفي قول آخر عندنا أنه يعيد أبدًا وإن كان ناسيًا. فعلى هذا القول لا يفتقر إلى زيادة التحرز بالذكر. وأما قوله: والقدرة فتحرزًا ممن لا يجد ما يستر به عورته إلا ثوبًا نجسًا فإنه يؤمر بالصلاة به وصلاته مع هذا صحيحة لعدم القدرة على ثوب طاهر. والكلام في إعادته للصلاة يذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى .
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: تصير قوله: فأما ما كان على الثوب فلا يتوجه عليه فرض إلا في ترك محله، أو فعل الإزالة إن اختار المحل أو وجب. لأن من عليه ثوب نجس فإنما عليه ألا يصلي به. فإذا نزعه ولبس الطاهر سقط الفرض عنه. فإن اختار (٣) بقاءه عليه ليصلي به فلا بد من إزالة النجاسة. وكذلك إن وجب بقاؤه عليه *لأنه لا يجد ثوبًا يستره سواه فإنه يجب عليه الغسل ويصير إذن إذا اختار المحل الذي هو محل النجاسة أو وجب بقاؤه عليه* (٤) كالبدن الذي لا بد من غسله لاستحالة استبداله.
قال القاضي ﵀: وحكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة. إلا أنه لا يتصور فيه الترك.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة عشر سؤالًا. منها أن يقال:
стр. 461
١ - هل ستر العورة فرض أو سنة؟.
٢ - وما حد العورة؟.
٣ - وهل هي في الرجال والنساء سواء؟.
٤ - وهل تصح الصلاة مع انكشافها؟.
٥ - وما المشروع من اللباس للصلاة؟.
٦ - وما حكم من لم يجد ما يستر به عورته؟
٧ - وما حكمه إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؟.
٨ - وما حكمه إن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا؟.
٩ - وما حكمه إن وجدهما خاصة؟.
١٠ - وما حكمه إن صلى بأحدهما اختيارًا؟.
١١ - وما أمر بإعادته من الصلاة هل يعاد بهما؟.
١٢ - وهل حكم الخز حكم الحرير؟.
١٣ - وما قدر ما يعفى عنه من الحرير؟.
١٤ - وما حكم ما طرأ في أثناء الصلاة من انكشاف العورة؟.
١٥ - وما تصير قوله إلا أنه لا يتصور فيه الترك؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما ستر العورة ففرض عن أعين المخلوقين. وهذا معلوم متقرر في الشرع. ومستحب عن أعين الملائكة. وقد خرج الترمذي أن النبي ﷺ قال: إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوا منهم وأكرموهم (١). وخرج البخاري أنه نهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء (٢). وأقل مراتب هذا النهي أن يحمل على الاستحباب. وأما ستر العورة في الصلاة فقال القاضي أبو محمَّد ﵀: اختلف أصحابنا في ذلك.
فذهب القاضيان إسماعيل وابن بكير والأبهري إلى أن ذلك من سنن الصلاة.
стр. 462
وذهب أبو الفرج إلى أن ذلك من فروض الصلاة. هكذا ذكر القاضي أبو محمَّد.
وأشار ها هنا في التلقين إلى نقل المذهب على غير هذه الرتبة؛ لأنه ذكر أن حكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة. وهو قد قدم أنه قد قيل في إزالة النجاسة أنها ليست من شرط الصحة. ولا يدل ذلك على أنها ليست بفرض. وذكر أنه قد قيل إنها من شرط الصحة مع الذكر والقدرة. فأثبت أن كلا المذهبين لا ينفي كونها فرضًا. وإذا جعل ستر العورة حكمه حكمها انتفى الخلاف أيضًا في كونه فرضًا.
وقد ذكر في غير هذا الكتاب الخلاف في ذلك كما حكيناه عنه. فهذا يجب أن يتأمل. وقد بسطنا نحن القول فيما تكلمنا عليه في الفصل الذي أحال عليه بما يغنيك عن إعادته ها هنا.
وأما أبو حنيفة والشافعي فذهبا إلى أنه من فروض الصلاة *وقد تعلق بعض من رأى أن ستر العورة من فروض الصلاة* (١) بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) وهذه الآية قد كثر كلام الناس عليها. فأشار مالك ﵁ في المستخرجة إلى أن المراد بالزينة الأردية، وبالمساجد الصلوات في المساجد. وذكر ابن مزين أن المراد بالمساجد الصلوات. وقال القاضي إسماعيل: ذهب قوم إلى وجوب لباس الثياب في الصلاة تعلقًا بهذه الآية. والآية إنما نزلت ردًا لما كانوا يفعلونه من الطواف عراة تحريمًا للباس.
فهذا القصد بها. ألا تراه سبحانه يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٣). ويتعلق أيضًا من رأى ستر العورة فرضًا في الصلاة بقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة الحائض إلا بخمار" (٤). ويستدل من أنكر كونها فرضًا في الصلاة بأنها لو كانت فرضًا لسقطت الصلاة عمن لم يقدر على ما يستر به عورته كما تسقط (٥) عمن لم يقدر على الماء والتراب. وقد روي أن الآية إنما تضمنت
стр. 463
الأمر بالزينة، والزينة إنما تكون بعد حصول العورة مغطاة. فكان العورة لا ذكر لها في الآية.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما السوءتان القبل والدبر فلا شك في كونهما عورة. وما فوق السوأة إلى السرة، وما تحتها إلى الركبة هو من العورة عندنا أيضًا. وليست نفس الركبة ولا نفس السرة من العورة (١). وقد قال بعض أصحابنا إنما العورة السوءتان والفخذان. وذكر (٢) ابن خويز منداد: أن مالكًا أجاز للرجل أن ينظر إلى فخذ خصي امرأته. وأن أصحابنا حملوا هذا على أن العورة هي الفرج. وأن التحديد من السرة إلى الركبة، لأصحاب مالك لا لمالك. وبما قلناه إن العورة من السرة إلى الركبة. قال أبو حنيفة والشافعي.
لكن لأبي حنيفة تفصيل في إعادة الصلاة بانكشاف بعض ذلك. وقد اختلفت الأحاديث. ففي حديث جرهد: خمر عليك فخذك. أما علمت أن الفخذ عورة (٣). وهذا كالنص على كون الفخذ عورة. وفي حديث عثمان لما ستر رسول الله ﷺ منه فخذه. وقد (٤) كان منكشفُ الأبي بكر وعمر ﵄ (٥).
ما قد يستدل به على أنه ليس بعورة. والواجب بناء هذه الأحاديث إن أمكن أو
стр. 464
الترجيح بينها إن لم يمكن. وذلك مما يتسع القول فيه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: النساء على قمسين: حرة وأمة.
فأما الحرة فكلها عندنا (١) عورة إلا الوجه والكفين. لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢). قيل المراد بما ظهر منها: الكحل والخاتم.
قال ابن الجهم لأن بها ضرورة إلى إبداء هذين العضوين للمعاملات والأخذ والعطاء فدعت الضرورة إلى استثناء هذين العضوين. لأن المرأة يباح لها لبس الخفين في الإحرام. فلو كان ساقها ليس بعورة ما جاز أن تستره كما لا تستر وجهها في الإحرام.
وأما الأمة فقد قال مالك في المدونة إنها لا تصلي إلا بثوب يستر جميع جسدها وتصلي بغير قناع. فجعلها أخفض رتبة من الحرة التي لا تصلي إلا بقناع. ونص أصبغ في كتاب ابن حبيب على أن مبلغ عورتها مبلغ عورة الرجل.
وقال لو صلت مكشوفة البطن ما ضرها. والستر موضوع عنها عند الرجال. وفي المبسوط إجازة إبداء يديها وعنقها وصدرها *ما على الثديين منه وارتفع عنهما. ولمالك في كتاب ابن حبيب كراهة نظر المشترى عند التقليب لصدرها* (٣) ومعصمها. وبالجملة فإن ظاهر المذهب انخفاض رتبتها عن الحرة في حكم العورة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: قد أشار القاضي أبو محمَّد ﵀ إلى الجواب عن ذلك لما ذكر أن حكم ستر العورة حكم إزالة النجاسة. وذكر أن إزالة النجاسة اختلف فيها. هل ذلك من شرط الصحة أم لا؟ وأشار إلى أنه يصح القول بصحة الصلاة مع (٤) كون ذلك فرضًا. والبخاري على الألسنة في المذاكرة، وهي طريقة بعض الأشياخ، إن القول بأن ستر العورة فرض يقتضي بطلان الصلاة إذا لم تستر. وإن القول بأنها سنة لا يقتضي بطلان
стр. 465
الصلاة إذا لم تستر. وقد (١) قال ابن القاسم في المصلي عريانًا إنه يعيد أبدًا.
وقال أشهب يعيد في الوقت. وقال أصبغ إن عورة الرجل والأمة من السرة إلى الركبة. ولكن انكشاف فخذ الرجل في الصلاة لا يقتضي الإعادة. وانكشاف فخذ الأمة (٢) يقتضي الإعادة في الوقت. فأنت ترى كيف ساوى (٣) بينهما في كونهما عورة، وفرق بينهما في حكم الإعادة. وما ذلك إلا لغلظ حكم العورة في فخذ الأمة وخفته في فخذ الرجل.
ولقد قسم أبو حنيفة العورة إلى قسمين: مغلظة وهي السوأتان، ومخففة وهي ما سواهما. فانكشاف السوأتين عنده يوجب الإعادة، وانكشاف فخذ الرجل لا يوجب الإعادة. وانكشاف أقل من الربع من ساق المرأة أو شعرها لا يوجب الإعادة. وعند صاحبه أبي يوسف انكشاف النصف فأقل مما ذكرناه لا يوجب الإعادة. وقد قال بعض المتأخرين من الأندلسيين لا يبعد تقسيم العورة إلى المغلظة والمخففة كما قال أبو حنيفة. وذكر أن قول مالك في المرأة تصلي بادية الصدر والشعر أنها تعيد في الوقت، يشير إلى ذلك. وما ذكرناه نحن عن أصبغ من التفرقة في الإعادة بين فخذ الرجل والأمة، فيه إشارة أيضًا إلى التغليظ والتخفيف. ولكن ليس على الصورة التي قصد أبو حنيفة إليها. وقد وقع لأشهب ما يشير إلى خلاف هذه الطريقة. وذلك أنه قال: من صلى عريانًا أو في ثوب يشف، أو في ثوب لا يبلغ الركبتين فإنه يعيد في الوقت، فأشار ها هنا إلى كون (٤) الفخذ عورة لذكره الثوب المتقاصر عن الركبة. وسوى في الإعادة بينه وبين العريان. فلم يختلف عنده حال العورة. وإن كان قد وقع له أن من صلى في سراويل أو تبان فإنه يعيد في الوقت وإن كان هذا لم تنكشف له عورة. ولعله إنما أمره بالإعادة لأنه لم يأخذ الزينة المأمور بها عند الصلاة. وقد قال بعضهم إن الصلاة بالمئزر أحسن من السراويل *لأن السراويل تصف شكل
стр. 466
الفرج. وإنما ذكرنا قول أشهب هذا في المصلي بالسراويل لإمكان تأويل الصلاة* (١) في الثوب المتقاصر عن الركب على هذا والأظهر تأويله على ما تقدم.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اضطرب المذهب في المشروع من اللباس للصلاة. وقد كنا أشرنا إلى الاختلاف في المذهب في تأويل قوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). فتأول السدي الآية على أن المراد بها ستر العورة. وهذا يطابق قول أصبغ إن صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد بناءً على تخفيف حكم العورة في الفخذ (٣). وقد يطابق أيضًا قول ابن القاسم: من صلى بمئزر لم يعد. فلعله بناه على أن الفخذ عورة وأن المئزر يستر نهاية العورة وزيادة عليها. وقد قال بعض أشياخي بأن في المذهب اختلافًا في الواجب من اللباس في الصلاة. وأشار إلى هاتين الطريقتين: إحداهما إيجاب ستر السوأتين، والآخر إيجاب الائتزار في الوسط. وذكر أبو الفرج أن لمالك في الواجب من اللباس للصلاة كلامين. أحدهما ما يدل على وجوبه وهو قوله في المكفر عن يمينه: إنه يكسو للرجل ثوبًا وللمرأة درعًا وخمارًا وذلك أدنى ما يجزئ في الصلاة. وقوله في أم الولد: تصلي بغير قناع تعيد، ولا أوجبه عليها كما أوجبه على الحرة. والكلام الثاني الموهم أنه سنة، قوله في الحرة: تصلي بادية الصدر أو الشعر، أنها تعيد في الوقت. قال: وبما دلَّ عليه قوله من الوجوب أقول. وحمل بعض أشياخي هذا الذي نقلناه عن أبي الفرج على أن الواجب ستر جميع البدن على حسب ما فصله مالك. ولعله تعلق في هذا بقول مالك: وذلك أدنى ما يجزئ في الصلاة. وظاهر عبارة الإجزاء يقتضي الوجوب. وهذا الذي قاله، وإن كان ظاهرًا، يمكن (٤) المنازعة فيه، بأن يقال لعل مالكًا أراد بقوله: وذلك أدنى ما يجزئ في الصلاة، أي ما يكفي فيها.
стр. 467
ويحتاج إليه للقيام بالفضل من اللباس لا بالفرض. لأن اللباس يتنوع إلى فرض وفضل. وإذا ثبت أن المستحب والمشروع ستر جميع البدن في الصلاة أمكن أن يعبر عن ذلك بأن يقال إن الثوب هو أدنى ما يجزئ فيه بمعنى أدنى ما يكفي فيه. وقد كنا قدمنا أنه قد وقع في المذهب تأويل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، على أن المراد بالمسجد الصلوات. وهذه إشارة إلى أمر الفذ بالزينة. فإن صح ما حمله شيخنا على أبي الفرج فيكون الأمر عنده ها هنا على الوجوب، فخرج من مضمون ما حكيناه أن المذهب عنده (١) على أربعة أقوال: أحدها: إيجاب ستر جميع البدن على حسب ما تأوله على أبي الفرج. والثاني: لا يجب ستر شيء منه بناءً على ما كنا قدمناه من قول من قال من أصحابنا إن ستر العورة سنة. فمن صلى على هذه الطريقة في بيته عريانًا لم تكن صلاته باطلة. والقول الثالث: إيجاب ستر السوأتين خاصة. والقول الرابع: إيجاب الاتزار من الوسط. وقد بسطنا القول في هذا فلا معنى لإعادته. وإذا ثبت أن الزينة مأمور بها فقد قال مالك: إنها الأردية. وإن المسجد المذكور في القرآن المراد به الصلوات في المساجد. فأشار إلى استحسان الأردية للمصلين في المساجد ورأى أن الحال فيها ينبغي أن يكون أرفع من الح الذي البيوت. وكره في المدونة للإمام أن يصلي بغير رداء في المسجد. واستخفه إذا أم في غير المسجد. واستحب مع هذا أن يجعل عمامة على عاتقه. ورأيت فيما علق عن أشياخي القرويين: أن الشيخ أبا عمران رأى أن العمامة إذا جعلت على العاتقين قامت مقام الرداء وسقطت الكراهة. وخالفه في ذلك أبو القاسم بن الكاتب. وقد قال النبي ﷺ : "لا يصلي الرجل بثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" (٢).
وهذا الحديث يصلح أن يكون حجة لمن تأول على أبي الفرج من إيجاب اللباس في الصلاة، لإيجابه ستر العاتقين. إذا قلنا إن النهي ها هنا على الحتم
стр. 468
والإلزام. وإن لم نقل إنه على الحتم والإلزام كان حجة لما قلناه من أن في اللباس فضلًا مندوبًا إليه في الصلاة. وذكره ﷺ العاتقين إشارة لما استحبه (١) العلماء من وضع الرداء على العاتقين أو العمامة على تفصيل لهم قد ذكرناه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: من لم يجد ما يستر به عورته فإن حكمه عندنا أن يصلي قائمًا كما (٢) يصلي الساتر لعورته. وعند الأوزاعي حكمه أن يصلي جالسًا. وخيره أبو حنيفة بين الأمرين. وسبب الخلاف في ذلك أن ستر العورة فرض. والقيام في الصلاة فرض. والقائم تبدو عورته والجالس تستر، فيعتبر أي الفرضين آكد؟ فيترك الأضعف له. فرأى مالك أن (٣) القيام آكد لأن الشرع لم يسقطه إلا إلى بدل وهو الجلوس. وستر العورة يسقط إلى غير بدل فدل على أنه أضعف. فإذا أثبت أن القيام آكد قدم، وكان الواجب الصلاة قائمًا. ورأى الأوزاعي أن ستر العورة آكد لأنه لم يسقط في الشريعة، *في موضع من المواضع ولا في صلاة من الصلوات. والقيام قد سقط في الشريعة* (٤) اختيارًا في صلوات النوافل. وما لم يسقط أصلًا آكد مما يسقط في حال ويثبت في حال. وإذا ثبت أنه آكد فيكون الفرض الجلوس لأنه أستر.
ورأى أبو حنيفة الترجيحين كالمتساويين فخير بين الأمرين.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي به خلافًا للشافعية في قولهم إنه يصلي عريانًا. ولأبي حنيفة في قوله إنه (٥) بالخيار. وإنما قلنا هذا لأن ستر العورة آكد من طهارة الثوب. ألا ترى أن كشف العورة لا يباح في حال من الأحوال، ولباس الثوب النجس سائغ في كل الأحوال إلا في الصلاة. فإذا كان ستر العورة آكد قدم.
стр. 469
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا فإنه
يصلي عريانًا. قاله ابن القاسم وأشهب. ويتخرج من قوله في المدونة -فيمن لم
يجد إلا ثوبًا حريرًا أو ثوبًا نجسًا أنه يصلي بالحرير- أن يصلي من لم يجد إلا
ثوبًا حريرًا، بالثوب الحرير؛ لأنه قدمه في المدونة على الثوب النجس. والثوب النجس مقدم على التعري. فإذا قدم على -ما قدم على التعري فلا يصح أن يقدم التعري عليه. وسبب هذا الاختلاف مراعاة الترجيح: فمن قدر أن ستر العورة آكد صلى بالحرير. ويحتج بأن النبي ﷺ رخص في لبسه لحكة (١) فضرورة الصلاة به آكد. ومن رأى اجتناب الحرير آكد صلى عريانًا. وعندي أنه لما كان لبس الحرير يمنع عمومًا في غالب الأحوال، والتعري يمنع عمومًا، حسن الخلاف فيهما. أيهما يقدم؟ ولما كانت النجاسة يجوز لباسها عمومًا إلا في الصلاة لم يختلف عندنا في أن الصلاة بها أولى من التعري.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إن لم يجد إلا ثوبين كتانًا نجسًا أو حريرًا طاهرًا فبأيهما يصلي؟ فيه قولان: أحدهما: يصلي بالنجس] والآخر بالحرير. وسبب الاختلاف في ذلك ما قدمناه من مراعاة الأخف والأثقل.
فمن رأى الحرير أخف؛ لأن النهي عنه لا يختص بالصلاة قدمه. ومن رأى النجس أخف لأنه يحل لبسه في عموم الأحوال إلا في الصلاة قدمه.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما إن صلى بالنجس اختيارًا مع وجود ثوب طاهر فقد تقدم الكلام عليه، وذكر الاختلاف فيه. وما قيل في غسل النجاسة هل هو سنة أو فرض فلا معنى لإعادته. وأما إن صلى بثوب حرير، مع القدرة على ثوب طاهر، فلا يخلو من قسمين: أحدهما أن يصلي به، وعليه ما يواريه سواه، أو صلى به وليس عليه سواه. فإن صلى به وعليه ما يواريه، فاختلف في الإعادة. فقيل لا إعادة عليه. وقيل يعيد في الوقت. وهكذا اختلف
стр. 470
فيمن صلى متختمًا بالذهب. فمن نفى الإعادة فلأن العورة مستورة بما تحل الصلاة به. ولأن النهي عن لبس الذهب والحرير لم يكن لأجل الصلاة ولا مختصًا بها فلا تعاد لمخالفة نهي لا يختص بها ولا يعود إليها. ومن رأى الإعادة في الوقت، فلأن ركوب النهي في الصلاة يثبت فيها نقصًا، فينبغي أن يتلافى هذا النقص بالإعادة في الوقت ليأتي بصلاة لم يركب فيها نهيًا. وأما إن لم يكن عليه ما يواريه سوى ثوب الحرير فصلى به اختيارًا، ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: نفي الإعادة. والثاني: إثباتها في الوقت. والثالث: إثباتها وإن خرج الوقت.
فتوجيه القولين الأولين كتوجيه ما تقدم في الصلاة به وعليه ثوب آخر سواه. وأما القول الثالث بالإعادة أبدًا فإنما اختص بهذا القسم لأجل أن ستر العورة واجب على الطريقة التي قدمناها. ولبس الحرير منهي عنه كما قدمناه، فإذا كان ستر العورة مأمورًا به ولبس الحرير منهيًا عنه فلا يكون ركوب النهي امتثالًا للأمر. وإذا لم يكن امتثالًا صار في معنى من صلى عريانًا. ومن صلى عريانًا يعيد الصلاة أبدًا على الطريقة التي قدمنا. ولكن يلزم هؤلاء عندي على هذا التعليل أن يقولوا فيمن صلى بثوب مغصوب أنه يعيد الصلاة أبدًا. وإن التزموه طرد عليهم الأمر في الصلاة في الدار المغصوبة. وإجزاء الصلاة في الدار المغصوبة، هو المعروف عند العلماء. لا يكادون يجدون انفصالًا عما ألزمناهم إلا أن يقولوا إن النهي عن الصلاة بالثوب المغصوب وفي الدار المغصوبة لحق الخلق، والنهي عن لباس الحرير لحق الخالق. والنهي يفترق حكمه إذا كان عائدًا لحق الخلق أو عائدًا لحق الخالق. وهذه الطريقة (١) يستعملها أشياخ المذهب، ولعلنا نبسط القول فيها في كتاب البيوع إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: ذكر أشهب فيمن صلى عريانًا وهو واجد لثوب نجس أنه يعيد به (٢) في الوقت. وقد قدمنا أن أصل أشهب فيمن صلى عريانًا أنه يعيد في الوقت. وقال سحنون فيمن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا أو ثوبًا حريرًا نجسًا فصلى به، ثم وجد في الوقت ثوبًا حريرًا طاهرًا
стр. 471
فإنه لا يعيد. ووجه هذا الذي ذكره سحنون أن الإعادة في الوقت إنما تكون لتلافي نقص وقع في الصلاة فتعاد ليحصل الكمال الذي فات في الأولى. فإذا صلى بثوب نجس أو حرير نجس مضطرًا، ثم وجد حريرًا طاهرًا، فإن الحرير الطاهر منهي عن لباسه والصلاة فيه. فلا يحسن أن يؤمر بتلافي نقص بفعل نقص آخر. وإنما يتلافى النقص بفعل الكمال. هذا هو العمدة المرجوع إليها في هذه المسائل وما كان في معناها. والمذهب فيمن صلى بثوب نجس اضطرارًا، أنه يعيد في الوقت بالثوب الطاهر ليتلافى بكمال الطاهر نقص النجس. واختلف عندنا فيمن صلى بالحرير اضطرارًا. هل يتلافى هذا النقص بالإعادة بثوب كتان طاهر؟ ففي المدونة فيمن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا وثوبًا حريرًا أنه يصلي بالحرير ويعيد إن وجد غيره في الوقت. وفي كتاب ابن المواز، لاصبغ أنه (١) يصلي بالنجس ويعيد في الوقت. وإن صلى بالحرير فلا إعادة عليه. وقد يسبق للنفس إنكار هذا الذي قاله أصبغ لأجل أنه أمر بالإعادة لمن صلى بالثوب النجس ولم يأمر بالإعادة لمن صلى بالحرير. وهذا يقتضي أن الحرير أخف وهو قد قال: يقدم النجس على الحرير. وهذا يقتضي أن النجس أخف وهذا كالمتناقض.
وعندي أنه اعتبر في الإعادة ما يختص من النواهي بالصلاة دون ما لا يختص بها. واعتبر فيما يؤمر به من اللباس، ابتداء عموم النهي عن اللباس وخصوصه.
فلما كان لباس الحرير لا يحل على حال، ولباس النجس يحل في كل حال، إلا في الصلاة، كان النجس في حكم اللباس أخف لجوازه في الغالب. وفي حكم الإعادة أثقل لاختصاص النهي عنه بالصلاة. هذا هو (٢) الذي يمكن عندي في توجيه قوله هذا. وقد قدمنا عن أشهب أنه أمر من صلى عريانًا وهو واجد للثوب النجس أن يعيد به في الوقت. وقد يقع في النفس أن هذا كالنقص، لما أصلناه لأنه أمران يتلافى نقص التعري بنقص آخر وهو الصلاة بالثوب النجس. وقد كنا نحن قدمنا أن المعتبر في هذا أن لا يتلافى نقص بنقص. والذي يمكن أن يقال أيضًا في توجيه ما قاله أشهب أن المصلي عريانًا كان مأمورًا حين صلاته
стр. 472
بلبس هذا الثوب النجس من غير خلاف عندنا. فلم يوقع الصلاة إلا وهو مأمور حين إيقاعها بلبس هذا الثوب. فلهذا أمره بالإعادة. ويحتمل أن يكون يرى (١) نقص النجاسة أخفض رتبة من التعري فأمر بالاعادة لينتقل إلى ما هو أعلى في الكمال قليلًا. وعلى هذا التعليل يؤمر بالإعادة عنده من كان واجدًا للثوب النجس حين صلاته عريانًا، ومن كان فاقدًا له ولكنه وجده في الوقت. وقد أجمع أصحابنا على أن الصلاة بالثوب النجس أولى من التعري. وهذا يدل على انخفاض رتبة النجاسة عن التعري. فإن قيل اعتذاركم عن أشهب بهذا يوقعكم في التعقب على سحنون لأنكم ذكرتم عنه أن من صلى بثوب نجس أو ثوب حرير نجس أنه لا يعيد إن وجد حريرًا طاهرًا. والحرير الطاهر أعلى رتبة من الحرير النجس. والحرير الطاهر أيضًا أولى بأن يصلى به من الثوب النجس على مذهب المدونة. فلِمَ لمْ يأمر سحنون بالإعادة لينتقل أيضًا إلى ما هو أعلى في الكمال قليلًا على حسب اعتذاركم عن أشهب. قيل الترجيح ما بين مثل (٢) هذه النواهي من أغمض مسائل الفقه. وهي نظير الترجيح بين العلل وبين التأويلات عند أهل الأصول. فقد يغلب على ظن الفقيه أن شيئًا أرجح ويغلب على ظن آخر خلافه. فلم يقدر سحنون بين الحرير الطاهر والحرير النجس من التفاوت في رتب الكمال ما يوجب الإعادة. وأيضًا فإن لبس الحرير محرم والإعادة في الوقت ليست بأمر ضروري، فلم يأمره بلبس الحرير اختيارًا. ألا ترى أن ابن القاسم وأشهب قد قالا فيمن لم يجد إلا ثوبًا حريرًا أن صلاته عريانًا أولى. فإذا كانا قالا في الصلاة الواجبة التي هي معنى الأمر الضروري لا يصلي بالحرير، فلأن يقولا ذلك في الصلاة المعادة في الوقت التي هي في المعنى الاختياري، أولى وأحرى. والثوب النجس اتفق المذهب على أن الصلاة به أولى من التعري. وهذا يدلك على تفاوت منازل هذه الأمور عندهم.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما الحرير فجمهور العلماء على منعه للرجال وإباحته للنساء. فأما منعه للرجال فلقوله ﷺ : "إنما يلبس
стр. 473
الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" (١). وتفسير الخلاق: النصيب الوافر من الخير. وأما إباحته للنساء فلأن أسامة راح في حلته فنظر إليه النبي ﷺ نظرًا عرف منه أن النبي ﷺ أنكر ما صنع. فقال يا رسول الله ما تنظر إلى؟ أنت بعثت بها إلى. فقال ﷺ : "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ولكن بعثت بها إليك لتشقها خمرًا بين نسائك" (٢). وهذا يدل على الإباحة للنساء كما قلناه. وهذا حكم الحرير المحض. وأما المختلط كالذي سداه حرير ولحمته قطن أو كتان، فكرهه مالك للرجال وهو مذهب ابن عمر. ومذهب ابن عباس جوازه (٣). وقال بعض المتأخرين من أصحابنا اختلف فيه فأجيز وكره. وإجازته أكثر. وأما الخز فذكر عن مالك جوازه.
وقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: يجوز لبسه وكرهه مالك لأجل السرف. وذكر ابن حبيب عن خمسة عشر من الصحابة إجازته.
والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: أما القدر اليسير من الحرير المحض المضاف إلى الثياب فإنه ممنوع. وفي كتاب ابن حبيب النهي عن اتخاذ الجيب منه. وقد قال بعض أصحابنا ما وقع في الحديث من استثناء العلم يدل على جواز اتخاذ الطوق منه أو اللِبْنة (٤). وقد يحتج أيضًا عندي على الجواز بما خرجه مسلم عن عبد الملك بن عبد الله مولى أسماء قال: أرسلتني أسماء إلى ابن عمر فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب. وذكرت ما سواه.
فأجابها ابن عمر سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له. فخفت أن يكون العلم منه. قال فرجعت إلى أسماء فأخبرتها فقالت: هذه جبة النبي ﷺ فأخرجت إلى جبة طيالسة كسروانية
стр. 474
لها لِبْنة ديباج وفرجاها ملفوفان بالديباج، فقالت هذه كانت عند عائشة ﵂ حتى قبضت. فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى تستشفي بها (١). وقوإنفصل عن هذا بعض أصحابنا بأن قال يحتمل أن يكون هذا الحرير أحدث فيها بعد موت النبي ﷺ . وإذا احتمل ذلك لم يكن في الحديث حجة. وأما المختلط كالذي سداه حرير ولحمته قطن أو كتان فقد تكلمنا عليه. وإذ قلنا بالنهي عنه فإن العلم يكون في الثوب ذكر ابن حبيب أنه رخص في لبسه والصلاة فيه وإن عظم. وقد روي عن مالك في غير كتاب ابن حبيب في مقدار الأصبع من الحرير يكون علمًا في الملاحف فنهى عنه مرة وأجازه أخرى. وقال في كتاب مسلم أن عمر ﵁ خطب فقال نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثًا أو أربعًا (٢). وهذا يدل على جواز العلم اليسير يكون في الثوب. وأما لباس الحرير لعذر فقد رخص فيه النبي ﷺ لبعض أصحابه، لحكة. وقال القاضي أبو محمَّد يجوز لبسه للضرورة والحاجة. وظاهر كلام مالك النهي عنه. واختلف في لباسه في الغزو فمنعه مالك واستخفه ابن الماجشون.
والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: إذا صلى عريانًا لعدم الثوب فطرأ عليه الثوب في أثناء الصلاة أو صلت أمة بلباس الإماء ثم اعتقت في أثناء الصلاة فقال بعض الأشياخ، من يرى ستر العورة فرضًا في الصلاة، يأمر بالقطع. وهي طريقة سحنون في هذه المسألة. ومن يرى ستر العورة سنة يتناول الثوب فيستتر (٣) به، وهي طريقة ابن القاسم في هذه المسألة. لأن الفروض كيفما تركت أفسدت الصلاة. والسنن إذا لم تترك استخفافًا وتهاونًا لم تفسد الصلاة.
والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: تصير قوله إلا أنه لا
стр. 475
يتصور فيه الترك: أن النجاسة الواجب غسلها، أو ترك محلها بأن ينزع الثوب النجس عنه. والعورة: الواجب سترها. ولا يتصور فيها واجب غير ذلك كما تصور في النجاسة. إذ النجاسة يمكن إزالتها بالنزع والترك، ولا يمكن إزالة العورة وتركها.
قال القاضي ﵀: وأما استقبال القبلة ففرض بشرط القدرة. فإن كان معاينًا لزمه استقبالها إلا مع عدم القدرة وهو حال المسايفة. وأما مع الغيبة فالفرض فيه الاجتهاد مع القدرة. فإن كان مسايفُ الم يلزمه وصلى كيف أمكنه، وكذلك المتنفل (١) على دابته في سفر القصر. وأما في السفينة فمع التعذر يسقط عنه. وإذا اجتهد مع القدرة فصلى ثم بأن له غلطه فالإجزاء حاصل ويستحب له الإعادة في الوقت.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن استقبال القبلة فرض؟.
٢ - وهل فرض المعاين استقبال العين أو الجهة؟.
٣ - وهل فرض الغائب مثله أم لا؟.
٤ - ولم سقط الفرض عن المسايف؟.
٥ - ولم سقط عن المتنفل على دابته في السفر؟.
٦ - وهل السفينة مثل الدابة؟.
٧ - وما حكم الصلاة داخل الكعبة؟
٨ - وما حكم الصلاة على ظهرها؟
٩ - وما حكم الصلاة في الحجر؟.
١٠ - ولم أجزأت صلاة المجتهد الغالط في القبلة؟.
١١ - وما حكم من لم تظهر له أمارة يعول عليها؟.
١٢ - وهل تجوز إمامة من خالف في الاجتهاد؟.
стр. 476
١٣ - وما الوقت الذي يعيد الغالط الصلاة فيه؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على وجوب استقبال القبلة قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). وقد كان النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس على اختلاف في ذلك.
هل كان بأمر من (٢) الله سبحانه لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ (٣).
أو كان باجتهاد؟ ويكون: كنت. بمعنى أنت عليها. وقد أطلق العلماء القول بأن هذا أول ناسخ فإن لم يريدوا أول ناسخ بالمدينة كان في هذا دلالة على أن لا نسخ بمكة. فإن قيل لا يستقبل لكم (٤) الاستدلال بهذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٥). قيل هذه الآية منسوخة أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، على أصل مالك وأصحابه. والظاهر على هذه الطريقة أنها من نوع نسخ الحكم قبل امتثاله وفعل المأمور به، إذ لم يثبت أن النبي ﷺ صَلَّى فريضة إلى أي جهة شاء، ولا ثبت ذلك عن أحد من أصحابه (٦). وبما قلناه من كونها منسوخة قال ابن عباس وغيره وقد قيل فيها بمذهب آخر هو (٧) طرف نقيض لما قلناه. وهو أنها ناسخة للصلاة لبيت المقدس. *لأن اليهود لما أنكروا التحول عن بيت المقدس* (٨) وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٩). أنزل الله هذه الآية منبهًا على طريق الرد عليهم بأن الجهات كلها لله سبحانه، وإنما يختص بعضها بالتعبد والتشريف عند أمره بذلك. وإطلاق هؤلاء على هذا المعنى تسمية الناسخ فيه
стр. 477
بعد. وإنما هو تقرير (١) لصحة الناسخ. والناسخ شيء غير المقرر (٢) لصحته.
ومن النّاس من ذهب إلى أنها ليست بمنسوخة كما قلناه ولا ناسخة كما قال هؤلاء ولكنها محكمة مخصوصة. واختلف هؤلاء في تعيين ما خصت به. فقال بعضهم محملها على الدعاء أي ادعوا إلى أي جهة شئتم. وقال آخرون بل محملها على صلاة المسافر للنافلة على راحلته. وقال آخرون محملها على صلاة النبي ﷺ على النجاشي حين صلى عليه واستقبل جهته فهي (٣) من خصائص النبي ﷺ ، وقال آخرون (٤) محملها على من خفيت عليه القبلة.
والنظر في الصحيح من هذه الأقوال والفاسد، يفتقر إلى خوض بحر من الأصول. وذلك أن النسخ إنما يكون عند المحققين إذا وقع بين الآيتين تعارض حتى لا يمكن رد بعضها إلى بعض. فإذا كانت الآيتان أو إحداهما من قبيل الظواهر أمكن صرف الظاهر عن المعنى الذي هو ظاهر (٥) فيه بطريق التأويل. فأما من قال محملها على الدعاء فإنه يعتمد على أن الآية لم يذكر فيها المعنى الذي نولي وجوهنا لأجله، وإنما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾.
فيحتمل أن يكون للصلاة أو للدعاء. فإذا احتمل الأمرين وكان قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ معلوم أنه مراد به أن يولي وجهه للصلاة. وكان الدعاء معلوم جوازه إلى كل الجهات وجب البناء. فحمل إحدى الآيتين على الصلاة والأخرى على الدعاء. وأما من يقول محملها على صلاة النبي ﷺ على النجاشي، ومن يقول محملها على من خفيت عليه القبلة، فإنه يرى نزولها على هذا السبب يقتضي قصرها عليه. وبين أهل الأصول اختلاف في العموم إذا خرج على سبب هل يقصر عليه أو يتعدى سببه، فإن قلنا بقصره على سببه وصح نزولها على السبب الذي زعموه صح ما ذهبوا إليه. وأما من يقول محملها على صلاة النافلة في السفر على الراحلة فإنه يرى أن المراد بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أي للصلاة.
стр. 478
ويرى الآية الأخرى التي هي قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ يقتضي تعيين جهة ويرى أن الشرع جاء بجواز النافلة على الراحلة في السفر فيبني الآيتين، فيحمل إحداهما على صلاة الفرض والنفل على الأرض، ويحمل الأخرى على تنفل الراكب المسافر. ليسلم من التعارض، ويعتضد في صحة هذا البناء بمطابقته للوارد في الشرع بإباحته (١) الصلاة للمتنفل على الراحلة سفرًا. وهذا كله مع العلم بأن الآية حكمية. وليست على ما يقتضيه ظاهرها من كونها خبرية.
فهذه طريقة العمل في النظر بين هذه المذاهب. ومن أحب سلوك طريق التحقيق في معرفة الناسخ والمنسوخ فليسلك هذه الطريقة التي أريناك. وإنما لم نتمم لك النظر في ترجيح هذه الطرق لأن ذلك يخرج الكتاب عن غرضه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشروع لمن كان بمكة الصلاة إلى عين (٢) الكعبة لا إلى جهتها. وقد اختلف الناس هل المشروع لهذا استقبال بنائها (٣) أو استقبال هوائها؟ فمذهب أبي حنيفة أن المشروع استقبال هوائها.
وأما مذهبنا فقد نص محمَّد بن عبد الحكم على أن من صلى على ظهر الكعبة أن صلاته تجزيه. قال وهو كالمصلي على أبي قبيس. فإنه إنما يحاذي هواء الكعبة الذي بين الأرض والسماء. وبمثل ذلك احتج أيضًا أصحاب أبي حنيفة.
والمشهور عندنا من (٤) المذهب منع الصلاة على ظهرها. وإن ذلك أشد من منع (٥) الصلاة في بطنها. وهذا المذهب المشهور يشير إلى خلاف ما قاله ابن عبد الحكم. ويقتضي كون المشروع استقبال البناء لا الهواء. وعلى ذلك خرجه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في غير هذا الكتاب، فقال: إن لم يكن على ظهر الكعبة سترة فإنه يمنع من الصلاة عليها إلا على القول بأن الفرض طلب السمت. وإن كان عليها سترة كان حكم الصلاة عليها كحكم الصلاة في بطنها.
стр. 479
وقد أنكر بعض أشياخي احتجاج ابن عبد الحكم بالصلاة على أبي قبيس وقال إن المصلي على أبي قبيس فصل إلى الكعبة ومتوجه إليها، والمصلي على ظهرها لم يفعل ما أمر به من التوجه إليها. فكأن شيخنا رأى أن المستعلي على أبي قبيس يمكن أن يخفض بصره حتى يرى بنيانها وجدرانها، إذا كانت منه بحيث لا مانع يمنع من الرؤية. والمستعلي عليها لا يمكنه ذلك. وكأن ابن عبد الحكم لم يعتبر ذلك لأن المستعلي لا يقابل شيئًا من أجزاء ما استعلى عليه، وإن أمكنه (١) خفض بصره إليه. وإبصاره حينئذٍ مع عدم المحاذاة لمعاني آخر ليس هذا كتاب ذكرها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف المالكية على قولين والشافعية على قولين: ما فرض الغائب عن مكة، ومطلوبه إذا اجتهد في استقبال القبلة؟ هل استقبال عينها وسمتها أو استقبال جهتها؟ فذهب الأبهري من أصحابنا إلى أن المطلوب الجهة وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب ابن القصار إلى أن المطلوب السمت والعين. وأشار إلى أنه لا يمتنع كثرة المسامتين مع البعد كما لم يمتنع (٢) ذلك في مسامتة النجوم. وهذا الذي قاله يفتقر إلى تحقيق. وذلك أن المتكلمين اختلفوا في الدائرة هل يحاذي مركزها جميع (٣) أجزاء المحيط أو إنما يحاذي من أجزاء المحيط مقدار ما ينطلق (٤) عليه ويماسه؟ فذهب النظام من المعتزلة إلى أن المركز يحاذي جميع (٥) أجزاء المحيط، واحتج في ذلك بأنك لو قصدت إلى جزء من أجزاء المحيط *وأخرجت منه خطًا لأتصل ذلك الخط بالمركز. ورد عليه مقالته هذه أئمتنا المتكلمون وقالوا بأن الخطوط من المركز إلى المحيط فإنها (٦) يضيق عن ابتدائها وينفرج عنوإنقطاعها. وما ذلك إلا أن مآل مساحة المركز يفتقر فيه إلى تفريج
стр. 480
الخط وتعويجه ليمكن الاتصال. وقالوا ولا يحاذي نقطة المركز من أجزاء المحيط* (١) إلا ما لو قدر منطبقًا عليها لماسها. فهذه المسألة التي ذكرها المتكلمون يجب أن يعتبر بها ما قاله ابن القصار، فيقال له إن أردت بتصحيح مسامتة الكثرة مع البعد، أنهم وإن كثروا فكلهم يحاذي بناء الكعبة، فليس كما توهمت. وقد أخبرناك إنكار أئمتنا على النظام هذا. وإن أردت أن الكعبة تقدر كأنها بمرأى منهم لو (٢) كانت بحيث ترى وإن الرائي يتوهم المقابلة والمحاذاة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة. فهذا نسلمه لك ويسلم تمثيلك فيه برؤية الكواكب فإن الأمر فيها على ذلك جرى. ولكن مع هذا لا يكون كل فصل محاذيًا مقابلًا، ولكنه مسامتًا ببصره، ولا يكون كل فصل مسامتًا بجسمه.
فهذا الذي يظهر لي في تحقيق ما قاله ابن القصار وكشف الغصطاء عنه. وقد قال الشيخ أبو الطيب عبد المنعم وهو أحد أشياخ شيخنا، وكان ممن لم تمنعه الإمامة في الفقه عن الإمامة في الهندسة: (من قال: إن الفرض استقبال الجهة لا العين فقد غلط لأن الله تعالى قال: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والشطر إن كان هو النحو أو القبالة أو القصد أو النصف فذلك غير الجهة. والوجه والجهة والمواجهة (٣) والوجاهة ما استقبل. والوجاه والتجاه استقبال الشيء. ولو كان المطلوب الجهة لكان من كان من الكعبة في الشمال (٤) مستحقًا (٥) لكان مخيرًا بين أن يصلي إلى المشرق أو إلى المغرب أو إلى الجنوب. لأنه يكون حينئذ مستقبلًا للكعبة إما بوجهه أو أحد خديه، وهذا الذي نصر به الشيخ أبو الطيب أبا الحسن ابن القصار لا يدفع ما قلناه في تحقيق القول في المسامتة والنظر فيه أيضًا يطول ويقطع عن غرض الكتاب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما المسايف المقاتل للعدو إذا لم
стр. 481
يمكنه استقبال القبلة فإنه يسقط عنه فرض التوجه إليها. وهل يسقط بسقوط ذلك فرض الصلاة حينئذ أم لا؟ فمذهبنا أن فرض الصلاة لا يسقط ويصلي إلى أي الجهات أمكنه. وسقوط هذا الركن من أركان الصلاة لا يسقطها، كما لا يسقطها سقوط فرض القيام لأجل المرض أو القراءة أو ستر العورة. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) قيل معناه: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. ومذهب أبي حنيفة أن الفرض يسقط عنه حينئذٍ. وحجته ترك النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق حتى خرج الوقت (٢). وأجيب عن هذا بأن صلاة الخوف لم تكن شرعت له ﷺ حينئذٍ. وعندي أن أبا حنيفة رأى أن استقبال القبلة شرط من شروط الصحة في الصلاة كطهارة الحدث، فأسقط الفرض حال العجز عن هذا الشرط، كما أسقطه (٣) بعض أصحابنا عن عادم الماء والتراب حال عدمه لهما، لما كانت الطهارة عنده من شروط الصحة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: تنفل المسافر على دابته (٤) جائز على الجملة ويوميء للركوع والسجود؛ لأن النبي ﷺ صلى على الحمار وهو متوجه إلى خيبر (٥). ويصلي عندنا على الدابة السنن لأن النبي ﷺ أوتر على راحلته. والوتر من آكد السنن. ولكن من شرط جواز التنفل عندنا على الدابة أن يكون ذلك في السفر لا في الحضر خلافًا للاصطخري وأبي يوسف في أحد قوليه في إجازتهما ذلك في الحضر. والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٦). وهذا على
стр. 482
عمومه إلا أن يرد ما يخصصه. وقد ورد في السفر الحديث الذي ذكرناه فعدلنا به عن الظاهر وخصصناه. فإن قاسا الحضر على السفر منعناهما من القياس، لاختصاص السفر من الرخص بما لا يختص به الحضر، ولو لم يسلم القياس لقدم العموم عليه. وإن تعلق بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (١). فقد أشبعنا الكلام على معنى الآية. وإذا ثبت اختصاص الجواز بالسفر فإن ذلك يختص بالراكب دون الراجل خلافًا للشافعي في إجازته ذلك للراجل بشرط أن يحرم ويركع ويسجد إلى القبلة. ودليلنا عليه أن علة الجواز المشقة. ولا مشقة تدرك الراجل في صلاته للقبلة، والراكب بخلافه؛ لأن الدابة قد تحركه إلى غير قصده وتنحرف به عن وجهته فاختصت المسامحة بها لوجود هذا العذر فيها دون غيرها. وكأن الشافعي رأى أن علة الجواز حسم الأسباب المقللة للنافلة.
والراجل قد تكون أسفاره إلى غير جهة القبلة فلو ألزمناه التوجه لقلت نوافله فكان كالراكب. والفرق عندنا بين الراكب والراجل أن الراكب كالمتنفل جالسًا فإنما عفي له عن القبلة خاصة. والراجل الماشي يعمل المشي الكثير وهو مضاد للصلاة فلا يعفى له عنه فيكون قد عفي له عن أمرين منافيين للصلاة. وإذا ثبت أن من شرطه أن يكون مسافرًا راكبًا فإن من شرط السفر أن يكون سفرًا تقصر في (٢) مثله الصلاة خلافًا للشافعي في إجازته ذلك في السفر الطويل والقصير.
ونحن لما اعتبرنا المشقة قصرنا ذلك على سفر القصر لاختصاصه بالرخص المعللة بالمشقة كالقصر والفطر. وكأن الشافعي لما رأى أن العلة حسم الأسباب المقللة للنافلة استوى عنده طويل السفر وقصيره. وقد حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب أن الجمع بين الصلاتين في السفر يجوز في طويل السفر وقصيره *وقد يقع في النفس أنه يلزمه على هذا أن يجيز التنفل على الدابة في طويل السفر وقصيره* (٣) وأقصى ما يمكن أن يفرق به بين المسألتين عندي أن يقال إن أعظم مراتب السفر القصير أن يكون في حكم الحضر. والجمع بين الصلاتين قد
стр. 483
يباح في الحضر للمشقة كالجمع في المطر. وترك استقبال القبلة لا يباح مع الإمكان في الحضر على حال من الأحوال. فلما كان للحضر مدخل في جواز الجمع أبيح الجمع في السفر القصير لأن أقصى مراتبه أن يكون كالحضر. ولما كان ترك استقبال القبلة مع الإمكان لا مدخل للحضر فيه لم يكن للسفر القصير فيه مدخل مع أن الجمع بين الصلاتين لا يوقع في فعل الصلاة في غير وقتها الذي هـ واجب اعتباره. فسومح به في السفر القصير. ولما كانت المسامحة بالصلاة على الدابة في السفر القصير توقع في تر استقبال القبلة الذي يجب اعتباره لم تصح المسامحة به.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما التنفل في السفينة حيث ما توجهت به ففيه قولان: الجواز قياسًا على الدابة. والمنع. لأن التوجه إلى القبلة يمكن لكون الراكب فيها يحكم نفسه. والدابة لا يمكنه ذلك فيها. فعفي له عن ذلك في الدابة لتعذر الإمكان، ولم يعف له في السفينة لوجود الإمكان.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في الصلاة في الكعبة. فذهب الشافعي إلى الجواز على الإطلاق. وذهب الطبري إلى المنع على الإطلاق. وفصل مالك فمنع الفرائض والسنن وأجاز النوافل. فللشافعي ما روي أنه ﷺ صلى في الكعبة (١) وهو ﷺ وإن كان متنفلًا فلا فرق بين الفرض والنافل في وجوب استقبال القبلة للحاضر. وللطبري قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) وشطره إن كان بمعنى قصده ونحوه وقبالته، فمن صلى داخل الكعبة لم يصل نحو الكعبة وقصدها وقبالتها. وأيضًا فقد صلى النبي (٣) ﵇ خارج الكعبة وقال هذه القبلة (٤). وأيضًا فإن التكليف إنما يتصور إذا كان فيه معنى الابتلاء بأن يؤثر المكلف رضا الله سبحانه على اختياره وهواه.
وينصرف عن معصية الله إلى تمكنه إلى طاعته. ومن كان خارج الكعبة فهذا
стр. 484
المعنى حاصل فيه لأنه يمكنه أن يستدبرها ويركب في ذلك هواه فيكلف طلب رضا الله سبحانه باستقبالها. ومن كان داخل الكعبة لا يمكنه الاستدبار *لأنه حيث ما دار مواجه لها فلا يكلف من لا يمكنه الخروج عما كلفه لأنه يصير في معنى تكليف الأمر الضروري* (١). ولما رأى مالك ﵁ دلالة القرآن على المنع ودلالة السنة على جواز النافلة خص عموم القرآن بالسنة. ولم يقس الفرض على النفل لأن القياس يدفعه العموم، فلم يصح المصير إليه.
فلهذا فرق بين الفرض والنفل. فإن صلى أحد في "خل الكعبة صلاة الفرض فهل يعيد أم لا؟ اختلف فيه. فقيل لا إعادة عليه. قاله أشهب لجواز صلاة الفرض داخل الكعبة (٢). لكنه مع هذا استحب (٣) أن لا يصلي داخلها صلاة الفرض. وقال القاضي أبو محمَّد: مذهب مالك أنه مكروه وقيل يعيد في الوقت ليأتي بصلاة متفق على كمالها. وقال أصبغ يعيد أبدًا، ولكنه ذكر ذلك في متعمد الصلاة فيها. وقال بعض المتأخرين ظاهر قوله إنه لو كان ناسيًا لأعاد في الوقت لأن الناسي للقبلة إنما يعيد في الوقت. واستشهد بقوله في المدونة: أنه يعيد في الوقت كمن صلى إلى غير القبلة. وإنما يصح هذا التشبيه فيمن صلى إلى غير القبلة ناسيًا.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: اختلف الناس (٤) في الصلاة على ظهر الكعبة. فالمشهور عندنا المنع. والمنع في ذلك آكد من المنع في الصلاة في بطنها. لأن من صلى في بطنها إنما يعيد في الوقت. ومن صلى على ظهرها فقال مالك: يعيد أبدًا. والنفل أيضًا يجوز في بطن الكعبة. ومنعه ابن حبيب فوق ظهرها. ومذهب أشهب إجزاء الصلاة فوق ظهرها على حسب ما حكيناه عنه في الصلاة في بطنها. ومذهب أبي حنيفة إجازة الصلاة فوق ظهرها إذا كان بين يدي المصلي قطعة من سطحها. وقد قدمنا قول القاضي عبد الوهاب إنه
стр. 485
إذا كان عليها سترة كانت الصلاة عليها حينئذ كالصلاة في بطنها. وإنه لم يكن عليها سترة تخرج ذلك على الخلاف، هل الواجب السمت أم العين؟ وذكرنا مذهب محمَّد بن عبد الحكم وإجازته لذلك واستشهاده بالصلاة على أبي قبيس. ومذهب الشافعي إجازة ذلك إذا كان عليها سترة. كما تجوز عنده الصلاة في بطنها. وقد يستدل عن المنع بما روي من نهيه ﷺ عن الصلاة في سبع مواطن وذكر منها بيت الله الحرام. وجميع ما قدمنا من الكلام في وجوب طلب السمت أو العين، والكلام على الصلاة في بطنها، يصرف في هذه المسألة فلا معنى لإعادته. وكان أبا حنيفة رأى أن من صلى وبين يديه قطعة من سطحها فإنه فصل إلى الكعبة، ومن صلى وليس بين يديه ذلك فلا يقال إنه فصل إليها.
فلهذا لا يجوز له ذلك.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: الصلاة في الحجر كالصلاة في بطن الكعبة. وقد تقدم الكلام على ذلك. لكن قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز أن (١) من ركع ركعتي الطواف الواجب في الحجر ثم (٢) رجع إلى بلده فإنه يركعهما ويبعث بهدي فأجراه مجرى من لم يركعهما. وقد تعقب ذلك عليه بأن المصلي في بطن الكعبة تجزيه صلاته عندنا. وإنما يعيد (٣) ليأتي بما هو أكمل. فكان الواجب على هذا أن يعتد هذا بهاتين الركعتين إذا وصل إلى بلده ويكون ذلك كفوت وقت الصلاة. وقد ذهب بعض الناس إلى أن الحجر بخلاف البيت. فإن البيت يصلى إليه (٤) والحجر لا يصلى إليه. إذ لا يقطع بكونه من البيت. قال بعض أشياخي وهذا لا وجه له لأن مقدار ستة أذرع منه من البيت.
وقد تواترت الأخبار بأن الحجر من البيت.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف الناس في المجتهد في القبلة إذا صلى إلى غيرها غلطًا. فالمشهور عندنا أن الصلاة تجزيه وإنما يعيد
стр. 486
في الوقت احتياطًا. وقال المغيرة وابن سحنون لا تجزيه الصلاة ويعيد أبدًا وهو أحد قولي الشافعي وحجتنا على الإجزاء ما ذكره جابر أنهم صلوا في الليل إلى غير القبلة غلطًا فلما أصبحوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: أحسنتم. ولم يأمرهم بالإعادة (١). وأيضًا بما رواه عامر من أنهم صلوا إلى غير القبلة غلطًا (٢) فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٣). وأيضًا فإن المصلي باجتهاده فعل أقصى ما في وسعه. إذ لا سبيل له إلى اليقين فوجب أن يعذر في غلطه كالمسائف إذا صلى إلى غير القبلة. واحتج ابن سحنون على منع الأجزاء بأنه قد تبين غلطه فأشبه من اجتهد في الوقت وصلى قبله غلطًا أو الأسير إذا اجتهد في رمضان فصام قبله غلطًا. واحتج غيره بأن غلطه إنما سببه التقصير في الاجتهاد. ولو وفي النظر في الإمارات حقه لأصاب القبلة. وإذا انكشف تقصيره وجب ألا تجزيه صلاته. وقد انفصل من قال بالإجزاء عن مسألتي الغالط في رمضان وفي الوقت بأنه مأمور في هاتين المسألتين بطلب اليقين إذا أمكنه فصار كالمتعدي في اجتهاده. والغالط في القبلة غير متعد في اجتهاده إذ لو انتظر واستظهر لما تيقن القبلة. ومن كان متعديًا في اجتهاده ومقتصرًا على الظن مع القدرة على اليقين لم يعذر بغلطه. ومن كان غير متعد في اجتهاده ولا قادر على اليقين عذر في اجتهاده. أشار إلى هذه الطريقة من الانفصال أبو الحسن ابن القصار وبعض أصحاب الشافعي. ولو قدرنا المجتهد في الوقت وفي رمضان بحيث لا يمكنه اليقين كالمحبوس في مطبق لكان كالمجتهد في القبلة يغلط فيعذر في غلطه أشار إليه بعض أصحاب الشافعي.
وقد حاولت (٤) طائفة أخرى الانفصال بغير هذه الطريقة فقالوا إذا كان القضاء يؤمن فيه من الخطأ وجبت الإعادة، وإذا كان لا يؤمن في القضاء من
стр. 487
الخطأ مثل ما كان في الأداء فلا معنى لإيجاب الإعادة. فلما كان المجتهد في القبلة يجوز أن يكون في القضاء مخطئًا أيضًا لم تجب الإعادة. ولما كان المخطيء في الوقت يتيقن الإصابة في القضاء وجبت الإعادة. وهذا الانفصال لا يعم جميع مواضع الإشكال. لأن المصلي إلى مغرب الشمس عندنا أو مطلعها صيفًا يقطع أنه فصل إلى غير الكعبة. فإذا صلى إلى إحدى هاتين الجهتين غلطًا فإن خطاه مقطوع به ويأمن في القضاء من مثل الخطأ المقطوع به فصار بأمانة من ذلك. كالغالط في الوقت. أشار إلى هذا التعقب على هذا الانفصال بعض أشياخي، ولي فيما قاله نظر يطول إيراده. وقد قال بعض أهل العلم بناءً على هذه الطريقة أن المصلي إلى غير القبلة غلطًا إذا كان بمكة أو بالمدينة أعاد الصلاة أبدًا لتيقنه الإصابة في القضاء. وقبلة المدينة مقطوع بها؛ لأن جبريل هو أقامها للنبي ﷺ . وقد أشار ابن سريج من أصحاب الشافعي إلى أن المجتهد في إناءين أحدهما نجس متى توضأ بأحدهما وصلى ثم تبدل اجتهاده عند الصلاة الثانية إلى أن الثاني هو الطاهر، إن الصلاة الأولى تجزئه. وسلك في هذا مسلك هذه الطائفة أنه متى كان الانتقال من اجتهاد إلى اجتهاد فإن الإعادة لا تجب.
وقد قال بعضهم إن المخطئين في يوم عرفة تجزئهم حجتهم (١) لمشقة القضاء.
وما يلحق فيه من مفارقة الأهل والوطن. ورأى أن هذا معنى تختص به هذه المسألة وسنبسط القول فيها في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: الأعمى والبصير الذي لا يعرف القبلة ولا يمكنه تعلم طرق الاجتهاد فيها حكمه أن يرجع فيها إلى تقليد غيره. هذا هو الواجب عندي عليه. وهو كالعامي، لما لم يمكنه طرق الاجتهاد في الفقه كان فرضه أن يقلد العلماء. وقال داود يصلي إلى أي جهة شاء. وهذا غلط. ويلزمه عليه عندي أن يأخذ العامي في المسائل ما شاء من خواطره فإن تعلق بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٢) فقد ذكرنا معنى الآية وما قيل فيها ولا معنى لإعادته. فإن لم يجد هذا من يقلده فقال ابن عبد الحكم يصلي إلى
стр. 488
أي جهة شاء. قال ولو صلى أربع صلوات لكان مذهبًا. ويتخرج ما أشار إليه من صلاته أربع صلوات على قول من قال من أصحابنا: إن الشاك في نجاسة أحد الإناءين يتوضأ بهما. والناذر صوم يوم نسيه يصوم الجمعة كلها، وناسي صلاة لا يعرفها يصلي الخمس صلوات. وكل هذا طلب لليقين. وقد رأيت بعض أصحاب الشافعي مال إلى أنه يصلي إلى الجهة التي تقع في نفسه أن القبلة فيها، ويعيد صلاته. وعندي أنه نحا في ذلك نحو من قال من أصحابنا أن من لم يجد ماء ولا ترابًا فإنه يصلي ويعيد في (١) الوقت إذا وجد ما يتطهر به. قوال أبو يوسف من صلى بغير اجتهاد فصادف القبلة فإنه لا يعيد. كمن توضأ بأحد إناءين فصادف الطاهر منهما. وقال أصحاب الشافعي بل يعيد صلاته. ويعيد الصلاة المتوضيء بأحد الإناءين إذا شرع في الصلاة قبل أن يعلم إصابته للطاهر *لأنه يكون داخلًا في الصلاة وهو على شك. بخلاف أن يعلم إصابته الطاهر* (٢) قبل دخوله في الصلاة (٣) فإن هذا تصح صلاته. وهذا الذي قاله عندي خروج عن أصلهم إلى أصل أبي حنيفة لأنهم وإيانا نوجب النية في الوضوء وأبو حنيفة لا يوجبها. فإذا كانت العلة عنده في فساد الصلاة كونه داخلًا فيها مع الشك في صحتها وذلك يمنع من صحة النية فيها. فكذلك المتوضيء في إناء يشك في طهارته فإن شكه في ذلك يمنع من اعتقاد صحة طهارته. وامتناع اعتقاد صحة طهارته (٤) يمنع من صحة النية.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إذا اختلف اجتهاد رجلين في القبلة فلا يجوز أن يأتم أحدهما بصاحبه (٥)، لاعتقاده أن صلاته في الباطن غير صحيحة خلافًا لأبي ثور في إجازته ذلك قياسًا منه على صلاة الدائرين بالكعبة بإمام وهذا غير صحيح. لأن كل من حول الكعبة يقطع بأنه إلى القبلة صلى. والمأمومون حولها يقطعون بإصابة إمامهم. وفي مسألتنا المأمومون
стр. 489
يعتقدون (١) خطأ إمامهم. وأنه صلى إلى غير القبلة فلا يجوز لهم أن يأتموا بمن يعتقدون خطأه. فإن فعل هؤلاء وصلوا مؤتمين بمن يعتقدون خطأه فقد قال أشهب في قوم صلوا ببيت مظلم فأصاب الإِمام القبلة وأخطأوها فإنهم يعيدون دون إمامهم. وإن أصابوها وأخطأ الإِمام أعادوا أجمعون، ولم تسقط عنهم الإعادة كما سقطت عمن كان إمامه على غير وضوء ناسيًا؛ لأن هؤلاء قصدوا مخالفة إمامهم. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي إعادتهم الصلاة تجري على اختلاف في هذا الأصل. وذكر قول أشهب فيمن صلى وراء من لا يتوضأ من مس الذكر فإنه لا يعيد. ومن صلى وراء من لا يتوضأ من القُبلة فإنه يعيد أبدًا. لأن القبلة من اللماس. وقال سحنون بل يعيد فيهما بحدثان ذلك. فإن طال لم يعد. فخرج الشيخ أبو الحسن على هذا صلاة المالكي خلف الشافعي، والشافعي خلف المالكي. ورأى أنها يختلف فيها. وإجراء الخلاف في ذلك على الإطلاق عندي لا يصح. وقد حكى حذاق أهل الأصول إجماع الأمة على إجزاء صلاة الأئمة المختلفين في الفقه بعضهم وراء بعض. لأن كل واحد منهم يعتقد أن صاحبه مصيب إن كان يرى أن كل مجتهد في مسائل الفروع مصيب.
وإن كان ممن يرى الحق في واحد فإنه لا يقطع بأنه وافقه دون صاحبه الذي خالفه، فلهذا صحت صلاة بعضهم وراء بعض. والذي أشار إليه أشهب من الإعادة في القبلة أبدًا فإنما ذلك لأنه اعتقد أن المسألة من الوضوح بحيث يكاد يبلغ مسائل القطع التي يقطع فيها بخطأ المخالف. وهذا معنى قوله إن القبلة من اللماس يعني بذلك أنها إذا كانت من اللماس وكان القرآن قد جاء بإيجاب الوضوء من اللماس صار ذلك يكاد يلحق بالمقطوع به لمَّا كان مما جاء به القرآن.
وأدل دليل على صحة ما تأولناه تفرقته بين مس الذكر والقبلة في إيجابه الإعادة.
فلو كان جميع ما اختلف فيه يجري مجرى واحدًا لما صحت تفرقته. وأيضًا فقد نص بعض أصحاب مالك على نقض أحكام القضاة في مسائل اختلف فيها، وإمضاء أحكامهم في مسائل أخر. وأشاروا إلى ما تأولته عليهم. وإن ما (٢) كان
стр. 490
من المسائل التي وردت فيها الأحاديث الثابتة التي لا تأويل في إسقاطها فإن حكم الحاكم ينقض إذا خالفها. وقد ذكر ابن حبيب هذه المسائل وسنذكرها نحن في مواضعها إن شاء الله تعالى. وهذا واضح لا مراء فيه فلا وجه لإطلاق القول لإجراء الخلاف في هذه الصلاة في كل مسائل الخلاف.
والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: اختلف في منتهى الوقت الذي يعيد الصلاة فيه من صلى إلى غير القبلة غالطًا أو بالنجاسة ناسيًا. فقيل في الظهر والعصر منتهى ذلك غروب الشمس. وقيل منتهاه إصفرارها. وقال بعض أشياخي هذا يتخرج على القول بتأثيم مؤخر الصلاة إلى الإصفرار. فمن أثمه جعله (١) منتهى الإعادة. ومن لم يؤثمه جعل منتهاها الغروب. وقال غيره إنما تعاد الصلاة في الوقت ليتلافى نقصها. والنقص الذي يلحقها بإيقاعها في وقت
الضرورة عند من منع الإعادة فيه أشد من نقصها الذي تعاد بسببه. ألا ترى أنهم أباحوا التيمم أول الوقت إذا كان لا يجد الماء إلا في وقت الضرورة مع كون الماء شرطًا في صحة الصلاة. وهذا يدل على شدة نقص وقت الضرورة. ومن أمر الإعادة للغروب فإنه (٢) رأى أن النقص الحاصل في الصلاة أشد من وقت الضرورة. وقد قال ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣). وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن الفرق في أحد القولين بين صلاتي الليل وصلاتي النهار أن التنفل بعد الإصفرار منهي عنه والصلاة المعادة كالنافلة. فلهذا لم يعد بعد الإصفرار. وصلاة المغرب والعشاء تعاد إلى الفجر لما كانت من النافلة في سائر الليل سائغة. ولم يسلم بعض أشياخي كون الإعادة في معنى النافلة المحضة فلم ير هذا فرقًا صحيحًا. وأشار هو وغيره من الأشياخ إلى أنه إذا روعي الوقت المختار كانت إعادة الظهر إلى القامة والعتمة إلى ثلث الليل أو نصفه. لكن قال بعض هؤلاء لما كانت الظهر تشارك العصر في الوقت جعل وقتها في الإعادة وقت العصر المختار. ولكن يلزم
стр. 491
على هذا أن يجعل إعادة المغرب آخر وقت العشاء المختار.
قال القاضي ﵀: وأما (١) أركان الصلاة التي هي منها فتسعة وهي:
١ - التحريم.
قال الإِمام رضي الله تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - هل تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة وجزء منها، أو شرط فيها؟
٢ - وهل هي واجبة أم لا؟.
٣ - وهل تتعين بلفظ التكبير (٢) أم لا؟.
٤ - وما حكم من لا يحسن التكبير؟.
٥ - وإذا وجبت هل تجب على المأموم أم لا؟.
٦ - وهل من شرطها أن توقع في القيام أم لا؟.
٧ - وهل يصح أن ينوي بها الإحرام والركوع أم لا؟.
٨ - وهل تنوب عنها تكبيرة الركوع أم لا؟.
٩ - وإذا أمر المأموم الناسي لها بالتمادي، هل ذلك في كل الصلوات أم لا؟.
١٠ - وهل طمعه بإدراك الركعة مع الإِمام إذا قطع يبيح له القطع أم لا؟.
١١ - وهل يفتقر في قطعه إلى سلام أم لا؟.
١٢ - وهل الشك في تكبيرة الإحرام كاليقين بتركها أم لا؟.
١٣ - وإذا كملت الصلاة على الشك ثم تيقن الإحرام هل تجزئه أم لا؟.
١٤ - وهل يجوز الإحرام قبل الإِمام؟.
١٥ - وما حكمه إن فعل (٣)؟.
١٦ - وما حكمه إن فعله معًا (٤)؟.
١٧ - وما معنى تقييده بقوله منها؟.
стр. 492
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في الإحرام للصلاة، والإحرام بالحج هل هما ركنان فيهما (١) وجزءان منهما أو ليستا (٢) منهما وإنما هما شرطان فيهما؟ فمذهب الشافعي أنهما جزءان منهما وركنان فيهما. ومذهب أصحاب أبي حنيفة أنهما شرطان فيهما. والذي حكاه بعض أصحابنا البغداديين أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة. وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد ﵀ يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون من أن الناظر إلى عورة إمامه في صلاته تعمدًا، أن صلاته تبطل. فإذا قيل إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في حين إحرامه. وإن قيل ليست من نفس الصلاة لم تبطل صلاته. والذي عندي أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة. فمن رأى الإحرام من نفس العبادة اشترط في صحة إيقاعه الوقت كما يشترطه في سائر أجزاء العبادة. ولهذا منع الشافعي من الإحرام بالحج قبل أشهر الحج لما كان يرى الإحرام من نفس الحج. ونحن، وإن كان مذهبنا صحة الإحرام بالحج قبل أشهره فإنا عذرنا عن ذلك سنورده في كتاب الحج إن شاء الله. ومن رأى الإحرام شرطًا وليس ركنًا ولا جزءًا صح عنده الإحرام قبل الوقت؛ لأن شرط العبادة المؤقتة لا يشترط في إيقاعه وقتها، كالطهارة لما اتفق على أنها شرط في الصلاة لم يشترط فيها وقت الصلاة، بل صح إيقاعها قبل الصلاة. فكذلك الإحرام بالصلاة والحج. ودليلنا على أن الإحرام للصلاة من نفس الصلاة حديث الإعرابي لما أمره ﵇ بإعادة صلاته فقال يا رسول الله علمني. فعلمه الصلاة وأمره فيما علمه بالتكبير (٣) ومراده بقوله علمني الصلاة. فكل ما علمه فهو محسوب منها ومعدود من أجزائها إلا أن يخرجه عن ذلك دليل. وأيضًا فإن شرط العبادة يصح انفصاله منها حتى لا يكون بينهما اتصال. ألا ترى أن الطهارة، لما كانت شرطًا، صح انفصالها عن الصلاة وعدم اتصالها بها. فلو كان الإحرام شرطًا
стр. 493
لصح انفصاله من الصلاة. واحتج من قال إنه شرط في الصلاة، وليس بجزء منها بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١). ومقتضى هذا أن الصلاة غير الذكر لورودها بعده بفاء التعقيب. والإحرام ذكر. فوجب أن يكون غير الصلاة.
وأجيبوا عن هذا بأنه يمكن أن يكون المراد بالذكر ها هنا النية، والقصد. وذلك أمر يتقدم الصلاة، وليس بجزء منها. واحتجوا أيضًا بقوله ﵇: تحريم الصلاة التكبير (٢). فلو كان التكبير من نفس الصلاة لصار تقدير الكلام تحريم التكبير، التكبير. وأجيبوا عن هذا بأن الإضافة لا تجري على مجرى واحد بل تتنوع. وقد يضاف البعض إلى كله فيقال رأس الإنسان. والإنسان تسمية لجملة منها الرأس. وإذا أمكن إضافة البعض إلى الكل لم يكن في الحديث حجة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشهور من مذاهب العلماء بأسرهم وجوب تكبيرة الإحرام على الجملة. وحكى ابن المنذر عن ابن شهاب أنه قال في رجل نوى الصلاة ورفع يديه ولم يحرم أن صلاته تجزيه. والدليل على الوجوب حديث الأعرابي لما علمه النبي ﷺ الصلاة فأمره بالتكبير (٣). وظاهر الأمران كل ما علمه لا تجزي الصلاة دونه إلا أن يدل على ذلك دليل. وإذا لم تجز الصلاة دونه دل ذلك على وجوبه. ولأن النبي ﷺ لما صلى أحرم. وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (٤). وظاهر هذا يقتضي الوجوب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في لفظ التكبير في
افتتاح الصلاة هل يتعين أم لا؟ فمذهبنا أنه يتعين حتى لا يجزئ إلا القول = الله
أكبر = وعند الشافعي أن التكبير يتعين لكنه يجزئ فيه = الله أكبر = والله أكبر =
стр. 494
وقال أبو يوسف يجزئ = الله الكبير = وقال أبو حنيفة يجزئ كل لفظ فيه فيه التعظيم كالقول = الله أعظم = والله أجل = والرحمان أقدر = ووافقنا على أن ما كان بصيغة الأدعية لا يجزئ. وكذلك البسملة لا تجزيء عنده.
ونكتة المسألة راجعة إلى أن الصلاة عبادة غير معقول معناها. ولا تبلغ أفهام البشر مدارك وجوه اختصاصاتها. وإذا كان الأمر كذلك وجب التسليم فيها والاتباع. وقد علم قطعًا من عادة الرسول ﷺ وأصحابه وسائر المسلمين افتتاح الصلاة بالتكبير فوجب اتباعهم على ذلك وألا يخرج عنهم بالقياس، كما لو حاول محاول أن يبدل الركوع بالسجود ويقول: القصد بالركوع الخنوع والخضوع. والساجد أشد خنوعًا وخضوعًا فيجب أن يكون له إبدال الركوع بالسجود. وهذا لو قاله قائل لخرج عن مذاهب المسلمين فكذلك التكبير. وإن كان القصد به الثناء والتمجيد، فلا يسامح بإبداله بثناء وتمجيد آخر كما صنع أبو حنيفة. وهذا لازم لا بد من القول به. ولا تظن بنا أننا نهينا عن شيء وأتينا مثله فتقول: أنكرتم على أبي حنيفة قياس الله أعظم على الله أكبر. وقستم أنتم في منع الإبدال التكبير على الركوع والسجود؛ لأنا لم نورد هذا قياسًا وإنما ضربنا لك به أمثالًا (١) ليتضح عندك منع القياس في هذا الباب. ويناقض أبو حنيفة أيضًا: بأن يلزم جواز افتتاح الصلاة بما منع (٢) منه مما حكيناه عنه. ويناقض الشافعي في مذهبه وأبو يوسف في مذهبه بأن يقال لهما: إن لزمتما الاتباع، فقدلا بما قاله (٣) مالك من التحجير وألا تخرج عن الاتباع بحرف واحد. وإن سامحتما باستعمال القياس فهلا وسعتما الأمر كما وسعه أبو حنيفة؟ فليس إلا القياس كما قال أو الاتباع كما قلنا. فإن اعتذرا بأنه تكبير كله على اختلاف صيغه، قيل لهما هو على كل حال خروج (٤) عن الاتباع لكنكما أقرب إلى الاتباع من أبي حنيفة.
ومالك ألزمكم للاتباع (٥) فلا يوجد سبيل إلى مناقضته.
стр. 495
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما من لا يحسن أن ينطق بالتكبير فإنه ليس عليه نطق آخر سواه يفتتح به الصلاة عوضًا من التكبير. إلى هذا ذهب الشيخ أبو بكر الأبهري وهو صحيح على أصلنا لأنا قدمنا أن لفظ التكبير متعين، وأن استعمال القياس فيه بالإبدال لا يصح. ولم يأت الشرع بإيجاب بدل منه عند العجز عنه، كما أتى بإبد الذي غيره من العبادات، والأصل براءة الذمة فلا توجب عبادة إلا بدليل. وقد قال أبو الفرج يدخل بالحرف الذي دخل به الإِسلام. وحكى القاضي أبو محمَّد عن بعض أشياخه أنه يدخل الصلاة بلسانه، ويحتمل أن يكون هذا القائل أباح للأعجمي الذي لا يحسن العربية أن يفتتح الصلاة بلسانه. لأنه ثبت عنده بالنقل صحة معنى ما يفتتح به.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد قدمنا وجوب تكبيرة الإحرام على الجملة ومخالفة ابن شهاب في إيجابها على الإطلاق. وقد قال بعض الناس أن ابن شهاب وابن المسيب يريانها سنة. وأنكر بعض الناس هذا. وأشار إلى أنهما إنما يريان ذلك سنة في إحرام المأموم خاصة، وإلى ذلك أشار ابن المواز. لأنه ذكر أنه لم يختلف في الفذ والإمام، وإنما اختلف في المأموم. فإذا ثبت وجوب ذلك على الإِمام والفذ، فقد اختلف المذهب في إحرام المأموم هل يحمله عنه الإِمام أم لا؟ فعن مالك روايتان: المشهور منهما أنه لا يحمله قياسًا على الركوع والسجود. والرواية الأخرى أنه يحمله قياسًا على القراءة. فإن قلنا إنه لا يحمله فلا يخلو المأموم من قسمين: أحدهما أن يذكر ذلك قبل أن يركع.
والثاني أن يذكره بعد أن ركع. فإن ذكر ذلك قبل أن يركع أحرم واستأنف القراءة وإن ذكر ذلك بعد أن ركع فلا يخلو من أن يكون كبر حال ركوعه أو لم يكبر.
فإن لم يكبر فحكمه حكم من لم يركع، في أنه يحرم ويستأنف الصلاة. وإن كان كبر لركوعه ثم ذكر أنه نسي الإحرام، فإن كان لم يرفع رأسه من ركوعه ويمكنه أن يرفع رأسه فيحرم ويعود إلى ركوعه فيدرك الإِمام راكعًا، فإن في ذلك قولين. وإن لم يذكر ذلك حتى رفع رأسه فإنه يتمادى على صلاته. فإذا فرغ منها أعادها. ورأى مالك ﵁ هذا احتياطًا، واعتل بأنه يأمره بالتمادي لكون الصلاة تجزئه عند ابن المسيب وبالإعادة لكونها لا تجزئه عند ربيعة.