على هذا أن يجعل إعادة المغرب آخر وقت العشاء المختار.
قال القاضي ﵀: وأما (١) أركان الصلاة التي هي منها فتسعة وهي:
١ - التحريم.
قال الإِمام رضي الله تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - هل تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة وجزء منها، أو شرط فيها؟
٢ - وهل هي واجبة أم لا؟.
٣ - وهل تتعين بلفظ التكبير (٢) أم لا؟.
٤ - وما حكم من لا يحسن التكبير؟.
٥ - وإذا وجبت هل تجب على المأموم أم لا؟.
٦ - وهل من شرطها أن توقع في القيام أم لا؟.
٧ - وهل يصح أن ينوي بها الإحرام والركوع أم لا؟.
٨ - وهل تنوب عنها تكبيرة الركوع أم لا؟.
٩ - وإذا أمر المأموم الناسي لها بالتمادي، هل ذلك في كل الصلوات أم لا؟.
١٠ - وهل طمعه بإدراك الركعة مع الإِمام إذا قطع يبيح له القطع أم لا؟.
١١ - وهل يفتقر في قطعه إلى سلام أم لا؟.
١٢ - وهل الشك في تكبيرة الإحرام كاليقين بتركها أم لا؟.
١٣ - وإذا كملت الصلاة على الشك ثم تيقن الإحرام هل تجزئه أم لا؟.
١٤ - وهل يجوز الإحرام قبل الإِمام؟.
١٥ - وما حكمه إن فعل (٣)؟.
١٦ - وما حكمه إن فعله معًا (٤)؟.
١٧ - وما معنى تقييده بقوله منها؟.
стр. 492
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في الإحرام للصلاة، والإحرام بالحج هل هما ركنان فيهما (١) وجزءان منهما أو ليستا (٢) منهما وإنما هما شرطان فيهما؟ فمذهب الشافعي أنهما جزءان منهما وركنان فيهما. ومذهب أصحاب أبي حنيفة أنهما شرطان فيهما. والذي حكاه بعض أصحابنا البغداديين أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة. وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد ﵀ يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون من أن الناظر إلى عورة إمامه في صلاته تعمدًا، أن صلاته تبطل. فإذا قيل إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في حين إحرامه. وإن قيل ليست من نفس الصلاة لم تبطل صلاته. والذي عندي أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على وقت العبادة. فمن رأى الإحرام من نفس العبادة اشترط في صحة إيقاعه الوقت كما يشترطه في سائر أجزاء العبادة. ولهذا منع الشافعي من الإحرام بالحج قبل أشهر الحج لما كان يرى الإحرام من نفس الحج. ونحن، وإن كان مذهبنا صحة الإحرام بالحج قبل أشهره فإنا عذرنا عن ذلك سنورده في كتاب الحج إن شاء الله. ومن رأى الإحرام شرطًا وليس ركنًا ولا جزءًا صح عنده الإحرام قبل الوقت؛ لأن شرط العبادة المؤقتة لا يشترط في إيقاعه وقتها، كالطهارة لما اتفق على أنها شرط في الصلاة لم يشترط فيها وقت الصلاة، بل صح إيقاعها قبل الصلاة. فكذلك الإحرام بالصلاة والحج. ودليلنا على أن الإحرام للصلاة من نفس الصلاة حديث الإعرابي لما أمره ﵇ بإعادة صلاته فقال يا رسول الله علمني. فعلمه الصلاة وأمره فيما علمه بالتكبير (٣) ومراده بقوله علمني الصلاة. فكل ما علمه فهو محسوب منها ومعدود من أجزائها إلا أن يخرجه عن ذلك دليل. وأيضًا فإن شرط العبادة يصح انفصاله منها حتى لا يكون بينهما اتصال. ألا ترى أن الطهارة، لما كانت شرطًا، صح انفصالها عن الصلاة وعدم اتصالها بها. فلو كان الإحرام شرطًا
стр. 493
لصح انفصاله من الصلاة. واحتج من قال إنه شرط في الصلاة، وليس بجزء منها بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١). ومقتضى هذا أن الصلاة غير الذكر لورودها بعده بفاء التعقيب. والإحرام ذكر. فوجب أن يكون غير الصلاة.
وأجيبوا عن هذا بأنه يمكن أن يكون المراد بالذكر ها هنا النية، والقصد. وذلك أمر يتقدم الصلاة، وليس بجزء منها. واحتجوا أيضًا بقوله ﵇: تحريم الصلاة التكبير (٢). فلو كان التكبير من نفس الصلاة لصار تقدير الكلام تحريم التكبير، التكبير. وأجيبوا عن هذا بأن الإضافة لا تجري على مجرى واحد بل تتنوع. وقد يضاف البعض إلى كله فيقال رأس الإنسان. والإنسان تسمية لجملة منها الرأس. وإذا أمكن إضافة البعض إلى الكل لم يكن في الحديث حجة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشهور من مذاهب العلماء بأسرهم وجوب تكبيرة الإحرام على الجملة. وحكى ابن المنذر عن ابن شهاب أنه قال في رجل نوى الصلاة ورفع يديه ولم يحرم أن صلاته تجزيه. والدليل على الوجوب حديث الأعرابي لما علمه النبي ﷺ الصلاة فأمره بالتكبير (٣). وظاهر الأمران كل ما علمه لا تجزي الصلاة دونه إلا أن يدل على ذلك دليل. وإذا لم تجز الصلاة دونه دل ذلك على وجوبه. ولأن النبي ﷺ لما صلى أحرم. وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (٤). وظاهر هذا يقتضي الوجوب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في لفظ التكبير في
افتتاح الصلاة هل يتعين أم لا؟ فمذهبنا أنه يتعين حتى لا يجزئ إلا القول = الله
أكبر = وعند الشافعي أن التكبير يتعين لكنه يجزئ فيه = الله أكبر = والله أكبر =
стр. 494
وقال أبو يوسف يجزئ = الله الكبير = وقال أبو حنيفة يجزئ كل لفظ فيه فيه التعظيم كالقول = الله أعظم = والله أجل = والرحمان أقدر = ووافقنا على أن ما كان بصيغة الأدعية لا يجزئ. وكذلك البسملة لا تجزيء عنده.
ونكتة المسألة راجعة إلى أن الصلاة عبادة غير معقول معناها. ولا تبلغ أفهام البشر مدارك وجوه اختصاصاتها. وإذا كان الأمر كذلك وجب التسليم فيها والاتباع. وقد علم قطعًا من عادة الرسول ﷺ وأصحابه وسائر المسلمين افتتاح الصلاة بالتكبير فوجب اتباعهم على ذلك وألا يخرج عنهم بالقياس، كما لو حاول محاول أن يبدل الركوع بالسجود ويقول: القصد بالركوع الخنوع والخضوع. والساجد أشد خنوعًا وخضوعًا فيجب أن يكون له إبدال الركوع بالسجود. وهذا لو قاله قائل لخرج عن مذاهب المسلمين فكذلك التكبير. وإن كان القصد به الثناء والتمجيد، فلا يسامح بإبداله بثناء وتمجيد آخر كما صنع أبو حنيفة. وهذا لازم لا بد من القول به. ولا تظن بنا أننا نهينا عن شيء وأتينا مثله فتقول: أنكرتم على أبي حنيفة قياس الله أعظم على الله أكبر. وقستم أنتم في منع الإبدال التكبير على الركوع والسجود؛ لأنا لم نورد هذا قياسًا وإنما ضربنا لك به أمثالًا (١) ليتضح عندك منع القياس في هذا الباب. ويناقض أبو حنيفة أيضًا: بأن يلزم جواز افتتاح الصلاة بما منع (٢) منه مما حكيناه عنه. ويناقض الشافعي في مذهبه وأبو يوسف في مذهبه بأن يقال لهما: إن لزمتما الاتباع، فقدلا بما قاله (٣) مالك من التحجير وألا تخرج عن الاتباع بحرف واحد. وإن سامحتما باستعمال القياس فهلا وسعتما الأمر كما وسعه أبو حنيفة؟ فليس إلا القياس كما قال أو الاتباع كما قلنا. فإن اعتذرا بأنه تكبير كله على اختلاف صيغه، قيل لهما هو على كل حال خروج (٤) عن الاتباع لكنكما أقرب إلى الاتباع من أبي حنيفة.
ومالك ألزمكم للاتباع (٥) فلا يوجد سبيل إلى مناقضته.
стр. 495
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما من لا يحسن أن ينطق بالتكبير فإنه ليس عليه نطق آخر سواه يفتتح به الصلاة عوضًا من التكبير. إلى هذا ذهب الشيخ أبو بكر الأبهري وهو صحيح على أصلنا لأنا قدمنا أن لفظ التكبير متعين، وأن استعمال القياس فيه بالإبدال لا يصح. ولم يأت الشرع بإيجاب بدل منه عند العجز عنه، كما أتى بإبد الذي غيره من العبادات، والأصل براءة الذمة فلا توجب عبادة إلا بدليل. وقد قال أبو الفرج يدخل بالحرف الذي دخل به الإِسلام. وحكى القاضي أبو محمَّد عن بعض أشياخه أنه يدخل الصلاة بلسانه، ويحتمل أن يكون هذا القائل أباح للأعجمي الذي لا يحسن العربية أن يفتتح الصلاة بلسانه. لأنه ثبت عنده بالنقل صحة معنى ما يفتتح به.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد قدمنا وجوب تكبيرة الإحرام على الجملة ومخالفة ابن شهاب في إيجابها على الإطلاق. وقد قال بعض الناس أن ابن شهاب وابن المسيب يريانها سنة. وأنكر بعض الناس هذا. وأشار إلى أنهما إنما يريان ذلك سنة في إحرام المأموم خاصة، وإلى ذلك أشار ابن المواز. لأنه ذكر أنه لم يختلف في الفذ والإمام، وإنما اختلف في المأموم. فإذا ثبت وجوب ذلك على الإِمام والفذ، فقد اختلف المذهب في إحرام المأموم هل يحمله عنه الإِمام أم لا؟ فعن مالك روايتان: المشهور منهما أنه لا يحمله قياسًا على الركوع والسجود. والرواية الأخرى أنه يحمله قياسًا على القراءة. فإن قلنا إنه لا يحمله فلا يخلو المأموم من قسمين: أحدهما أن يذكر ذلك قبل أن يركع.
والثاني أن يذكره بعد أن ركع. فإن ذكر ذلك قبل أن يركع أحرم واستأنف القراءة وإن ذكر ذلك بعد أن ركع فلا يخلو من أن يكون كبر حال ركوعه أو لم يكبر.
فإن لم يكبر فحكمه حكم من لم يركع، في أنه يحرم ويستأنف الصلاة. وإن كان كبر لركوعه ثم ذكر أنه نسي الإحرام، فإن كان لم يرفع رأسه من ركوعه ويمكنه أن يرفع رأسه فيحرم ويعود إلى ركوعه فيدرك الإِمام راكعًا، فإن في ذلك قولين. وإن لم يذكر ذلك حتى رفع رأسه فإنه يتمادى على صلاته. فإذا فرغ منها أعادها. ورأى مالك ﵁ هذا احتياطًا، واعتل بأنه يأمره بالتمادي لكون الصلاة تجزئه عند ابن المسيب وبالإعادة لكونها لا تجزئه عند ربيعة.
стр. 496
واختلف الأشياخ المتأخرون في هذه الإعادة: هل تكون مقصورة على الوقت أو تكون في الوقت وبعده؟ فمن قصرها على الوقت حمل على (١) مالك أن التمادي على الصلاة هو الأصل عنده، والإعادة هي التي احتاط بها. ومن أمر بها في الوقت وبعده رأى أن الأصل عنده الإعادة، وإنما احتاط بالتمادي على الصلاة.
وقد ذكر أبو مصعب أنه غير بين التمادي والقطع. وهذا يقتضي كون الإعادة هي الأصل. إذ لو كان التمادي هو الأصل لما ساغ القطع.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف المذهب في تكبيرة الإحرام هل شرطها القيام أم لا؟ فذهب ابن المواز إلى أن ذلك من شرطها.
وقال فيمن أحرم راكعًا أنه يقضي ركعته التي أحرم فيها. وكذلك لو أحرم حال انحطاطه للسجود أو حال رفعه منه لاعتد ببقية صلاته وقضى الركعة التي لم يحرم فيها قبل ركوعها. وكأنه قدر أن ما يحدث من القيام بعد تكبيرة الإحرام يوجب الاعتداد ببقية الصلاة لحصول ذلك بعد إحرام وقيام، بخلاف الركعة التي أحرم في ركوعها. وكذلك قال فيمن كبر لسجود الأولى وركع (٢) للثانية ناسيًا لتكبيرة الركوع فيها، أن يتمادى ويعيد. وقد رأى أن تكبيرة السجود السابق كأنه مقارن للركوع. وقد قال بعض المتأخرين إنما قضى هذه الركعة واعتد بما سواها ولم يأمره بالتمادي والإعادة لأنه تعمد ترك القيام للإحرام. وابن المسيب الذي راعى مالك خلافه حتى أمر بالتمادي إنما يقول بإجزاء الصلاة فيمن لم يتعمد ترك القيام للإحرام. وقد (٣) كان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد ﵀ يحكي عن بعض الناس وأظنه (٤) ابن أبي صفرة أنه كان يقول: في أثناء المدونة ما هو كالنص على أن تكبيرة الإحرام ليس من شرطها القيام في حق المأموم. لأنه قال في المدونة: ولا ينبغي لرجل أن يفتتح الصلاة بالركوع قبل القيام وذلك يجزئ من كان خلف الإِمام. فقد نص على إجزاء صلاة المأموم المفتتح صلاته بالركوع. فإن قيل فلم فرق في المدونة بين المأموم ومن سواه في هذا؟ قيل: أشار بعض المتأخرين من أصحاب مالك إلى أن المأموم إخلاله بالقراءة لا يفسد
стр. 497
صلاته لحمل الإِمام ذلك عنه. فلهذا صح افتتاحه الصلاة (١) بالركوع. والفذ مخاطب بقراءة أم القرآن في كل ركعة. فلهذا لم يصح له افتتاح الصلاة بالركوع. وكأنه يشير إلى أن من يرى أنه ليس من شرط صحة كل ركعة قراءة أم القرآن فيها لا يفرق بين الفذ والمأموم في هذا. وأشار بعضهم إلى أنه لا تصح صلاته، وإن لم يوجب القراءة في كل ركعة لأنه كالتارك سنة متعمدًا. وتعمد ترك السنن يفسد الصلاة. وعندي أنه متى قيل إن الإِمام يحمل تكبيرة الإحرام عن المأموم فلا ريب في سقوط فرض القيام عنه. لأن القيام إنما يراد للتكبير فإذا أسقط التكبير سقط ما يراد له. وإن قيل إنه لا يحمل تكبيرة الإحرام عنه فقد يستخف حمل القيام عنه لكونه غير مقصود في نفسه. وقد أتى المأموم بالمقصود منه. فهذا مما يمكن أن يقال في وجه تفريقه في المدونة بين المأموم والفذ.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: لو أسقط المأموم تكبيرة الركوع واقتصر على تكبيرة الإحرام لصحت صلاته. فإذا أحرم عند الركوع ومزج في نيته للإحرام قصد الركوع، فقال بعض الأشياخ تصح صلاته كمن نوى بغسله الجنابة والجمعة. وبهذا قال الحسن والثوري وجماعة غيرهما. وقالت الشافعية لا يصح وقد قدمنا ما عندنا من التعقب عليهم في مزج نية الوجوب بنية النفل.
وقد مضى مبسوطًا فلا معنى لإعادته.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: قد قدمنا اختلاف ربيعة وابن المسيب فيمن كبر للركوع ناسيًا لتكبيرة الإحرام هل تجزيه صلاته أم لا؟ وتردد قول (٢) مالك بين مذهبيهما، وتشككه في نيابة تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام فلا معنى لإعادته. وقد قال بعض الأشياخ إنما يؤمر بالتمادي والإعادة إذا كبر لركوعه (٣) وهو قائم. وهذا لا معنى له عندي؛ لأن التكبير للركوع لا يشترط فيه القيام والإحرام لم يحصل، فيشترط له القيام. فالتمادي يحسن على أصله وإن لم يكبر للركوع حال القيام.
стр. 498
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال. حكم سائر الصلوات عندنا فيما
قلناه حكم واحد الأصلاة الجمعة فإن فيها (١) قولين فيمن نسي تكبيرة الإحرام
وكبر للركوع. فقيل يتمادى ويعيد بعد فراغه ظهرًا أربعًا كسائر الصلوات. وقيل
بل يقطع ويستأنف الجمعة مع الإِمام بخلاف غيرها من الصلوات، وهذا عندي
ينظر إلى ما قدمناه من الاختلاف في كتاب الطهارة، فيمن خاف إن تشاغل بالماء فاتته صلاة (٢) الجمعة. وسبب الاختلاف في ذلك أن من قدر أن الجمعة لا تفوت لوجود بدل منها وهو الظهر إذ (٣) يمكن فعله، والوقت باق، لم يبح لهذا القطع، ولا لذلك التيمم. ومن قدر أن الجمعة لا بدل منها وأنه لا يمكن قضاؤها بعد الإِمام أمر هذا بالقطع ليدرك مع الإِمام صلاة لا يمكنه أن يأتي ببدل منها. وأمر ذلك بالتيمم لأجل هذا. وقد ذكر عن ابن حبيب أنه فرق بين الركعات في الصلوات الخمس فأمر بالتمادي والإعادة من أدرك الإِمام في أول صلاته. وأمر من فاتته بعض صلاة الإِمام بالقطع متى ما (٤) ذكر. وأنكر بعض المتأخرين هذه التفرقة ولم ير لها وجهًا ولا يمكن عندي أن يوجد لها وجه إلا أن يقال إن الفذ إذا نسي تكبيرة الإحرام لم يصح أن يؤمر بالتمادي على صلاة نسي الإحرام فيها، والمأموم بخلافه يؤمر بالتمادي. فإذا كان ناسي تكبيرة الإحرام قد فاتته بعض صلاة الإِمام فإنه لا بد أن يقضي ما فاته بعد فراغ الإِمام ويكون فيما يقضيه كالفذ. والفذ لا يتمادى على صلاة نسي إحرامها. فلهذا أمر من فاتته بعض الصلاة بالقطع ولم يؤمر بذلك من لم يفته شيء منها. هذا أقصى ما يمكن أن يتخيل عندي في ذلك.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: قد قدمنا الاختلاف فيمن نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع هل يباح له القطع إذا طمع بإدراك الإِمام في الركعة بعد قطعه.
وسبب الاختلاف في هذا، الاختلاف في عقد الركعة هل هو تمام الانحناء أو
стр. 499
رفع الرأس منه؛ فإن قلنا إنه تمام الانحناء لم يقطع هذا الذي ذكر وهو رافع لكونه قد حصل ركعة. وإن قلنا هو رفع الرأس قطع هذا لكونه لم تحصل له ركعة.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: فيمن قدر أنه إذا قطع أدرك الإِمام في الركعة بعد القطع هل يقطع بسلام أم لا؟ وسبب هذا الاختلاف مرعاة الخلاف. فمن لم يراعه قطع بغير سلام. ومن راعاه افتقر إلى القطع بالسلام لئلا يكون المصلي قد زاد ركعة في صلاته عند من قال بصحتها. وقد قال ابن حبيب فيمن ذكر بعد ركعته أنه نسي تكبيرة الإحرام فجهل أن يتمادى فأحرم مستأنفُ اللصلاة فإن صلاته باطلة، ولا يخرج مما كان فيه بالنية والإحرام، دون سلام أو كلام. وكذلك من رأى نجاسة بثوبه فنزعه وأحرم فلا تصح صلاته دون القطع بسلام أو كلام.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إذا شك الفذ هل أحرم أم لا (١) أو توضأ أم لا فهل يقطع أو يتمادى ويعيد؟ فيه قولان: أحدهما: القطع إذ لا يلزمه التمادي على صلاة لا تجزيه فيصير كمن وجبت عليه صلاتان. وإنما عليه واحدة. وقيل يتمادى لجواز أن تكون هذه الصلاة في الباطن صحيحة.
وقطع الصلاة الصحيحة لا يجوز. ويعيد لجواز ألا تكون صحيحة. وقد ينفصل هؤلاء عندي عما قاله الأولون من أنا لا نوجب عليه صلاتين بأن من نسي صلاة لا يعرف عينها، يؤمر بأن يصلي خمس صلوات حتى يحصل له اليقين لبراءة ذمته. فإذا لم يبعد إيجاب خمس صلوات والواجب صلاة واحدة، لم يبعد إيجاب الصلاتين والواجب واحدة. وإن كان إمامًا شك في تكبيرة الإحرام فقد قال سحنون يتمادى فإذا فرغ سألهم. ويتخرج القطع على القول الآخر. قال سحنون وإن شك في وضوئه استخلف ثم وقف عن (٢) الاستخلاف لجواز أن يكون على وضوء، فيكون قطع صلاة صحيحة. وفرق في الاستخلاف بين تكبيرة الإحرام وبين الطهارة لأن نسيانه الطهارة لا تبطل صلاة المأمومين ونسيانه الإحرام يبطل صلاتهم. ورأى الشيخ أبو الحسن اللخمي أن المسألتين سواء.
стр. 500
وأن صلاتهم مع نسيانه الإحرام تصح لهم دونه كما تصح في نسيانه الطهارة.
والذي قاله الشيخ أبو الحسن من التسوية بينهما قد أنكره سحنون على ما قلناه.
والذي قاله سحنون هو مقتضى المذهب على ما أشار إليه بعض الأئمة. وذلك أن الطهارة لا يحملها الإِمام عن المأموم إجماعًا. فلم يكن نسيانه لها ساريًا حكمه إليهم. وتكبيرة الإحرام يحملها عنهم في أحد قولي مالك فكان نسيانه لها ساريًا حكمه إليهم. ويكون تركه لها كالترك لهم وإن كانوا فعلوا. لكن إن قلنا إن الإِمام لا يحملها عنهم تعذر الفرق ويضطر للرجوع إلى ما قاله الشيخ أبو الحسن، إلا أن يفرق مفرق بمراعاة الخلاف في حمل تكبيرة الإحرام وعدم الخلاف في حمل الطهارة.
والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: اختلف المذهب فيمن افتتح الصلاة على الوجه الواجب ثم طرأ عليه شك فتمادى عليه حتى أكمل الصلاة فتبين له بعد إكمالها أنه أصاب في التمادي. وأنه هو الواجب عليه. أو زاد في الصلاة شيئًا تعمدًا أو سهوًا *ثم تبين له أنه هو الواجب عليه هل تجزئه عن الواجب أم لا؟ فمن ذلك الاختلاف فيمن سلم وهو شاك في إكمال الصلاة* (١)
ثم تبين له أنه أكملها. فقيل تجزئه صلاته وقيل لا تجزئه. ومن شك هل أحرم أم لا؛ ثم تبين له بعد الفراغ أنه أحرم. فقيل تجزئه صلاته، وقيل لا تجزئه.
وكذلك من شك في طهارته ثم تبين له أنه متطهر. فوجه الإجزاء أن اعتقاد الصحة والوجوب عند الشروع في الصلاة ينسحب حكمه على سائر أجزاء العبادة فلا يضره التشكك لانسحاب حكم النية عنوإلافتتاح على سائر أجزاء العبادة.
ووجه القول بأنه لا تجزئه، إن التشكك يرفع حكم انسحاب النية حتى تصير الأجزاء المفعولة مع التشكك واقعة بغير نية، ولا اعتقاد وجوب لا ذكرًا ولا حكمًا. وذلك يمنع من الإجزاء. وأشار بعض أشياخي إلى أن من أحرم بالظهر ثم تشكك هل كان إحرامه للظهر أو للعصر فتمادى على صلاته ثم تحقق أنه للظهر أحرم، أن صلاته تجزيه من غير اختلاف. لأجل أنه إنما تشكك بين صلاتين واجبتين. فالفعل لم يخرج عن كونه واجبًا وليس عليه بعد عقد النية
стр. 501
تجديد ذكرها عند كل جزء من أجزاء الصلاة. فلم يكن لشكه حكم. لأنه لم يمنع من انسحاب (١) حكم اعتقاد الوجوب. بخلاف من شك في الصحة والفساد.
ومثال ما اختلف فيه: من فعل شيئًا سهوًا أو عمدًا ثم انكشف الغيب أنه هو الواجب عليه: من زاد في صلاته ركعة خامسة عمدًا أو سهوًا ثم تبين له أن الركعة الأولى فسدت حتى صارت هذه رابعة. فقيل تصح صلاته وتجزيه هذه عن الرابعة. وقيل لا تجزيه عن الرابعة. وتبطل صلاة المتعمد للزيادة. وتوجيه هذا الخلاف نحو ما قدمناه. وكذلك اختلف فيمن سلم من اثنتين ظنًا أنه سلم من أربع ثم تنفل بركعتين هل تجزئه هاتان الركعتان عن بقية فرضه أم لا؟ والإجزاء ها هنا وفيمن زاد في صلاته ركعة متعمدًا غير صحيح. لأن حدوث (٢) نية مضادة للنية الأولى يمنع انسحاب حكمها لأنه إذا ضادها و (٣) ناقضها وجودًا، فأحرى أن يضادها (٤) حكمًا واستصحابًا. وكذلك اختلف فيمن أحرم للظهر ثم أكمله ابن ية العصر هل تجزئه عن الظهر أم لا؛ وهذا قد يظن منه أن المسألة التي قدمنا أن بعض أشياخنا أشار إلى ارتفاع الاختلاف فيها يتصور الخلاف فيها. لأن هذا تبدل اعتقاده إلى تصميم. ولكن لم يخرج الاعتقادان عن الوجوب. وذلك تبدل اعتقاده إلى تشكك ولم يخرج بتشككه عن الوجوب.
والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: لا يجوز الإحرام قبل الإِمام عندنا. وعند أبي حنيفة خلافًا للشافعي في أحد قوليه في إجازة ذلك. ودليلنا قوله ﷺ : "فإذا كبر فكبروا" (٥). فمن كبر قبله خالف الأمر. وقياسًا على السلام لما اتفقنا على (٦) أنه لا يجوز قبله. فإن قال أصحاب الشافعي لما جاز للمأموم أن يقضي بعض صلاة الإِمام بعد فراغ الإِمام جاز له أن يسبقه ببعضها وهو التكبير. قيل لهم: إنما يقضي بعده صلاة أحرم بها معه. فكأنه باق معه وهو لم
стр. 502
يتأخر عنه. وإذا سبق الإِمام بالإحرام فإنه لا يقدر فيه متابعة الإِمام فيما سبقه (١) به لا حسًا ولا حكمًا فافترقا. فلم يصح قياس هذا على هذا.
والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: إذا سبق الإِمام بالإحرام فإنه يقطع الصلاة ثم (٢) يستأنفها معه. واختلف هل يفتقر قطعه إلى سلام أم لا؟ وسبب هذا الاختلاف مراعاة الخلاف. وقد قدمنا مثله. فإن لم يقطع وأكمل صلاته -بحكم نفسه- (٣) على (٤) إحرامه السابق فهل تصح صلاته أم لا؟ قال سحنون لا تصح صلاته. وقال بعض أشياخي كان الأولى بمذهب سحنون صحة صلاته. لأنه لما أمره بالقطع أمره أن يقطع بسلام. وإنما ينبغي أن يقول (٥) بأن صلاته لا تصح مالك الذي يقول يقطع بغير سلام. ولقد قال أشهب فيمن أحرم وهو يظن أن الإِمام لم يكمل صلاته فإذا هو قد أكملها أنه يبني على إحرامه. فكأن شيخنا هذا رأى أن قول سحنون إن القطع يفتقر إلى سلام، يشير إلى صحة الإحرام. وإذا أمكنت صحة الإحرام صح البناء عليه. ولم يمنع من ذلك فقد الجماعة التي قصدها. كما لم يمنع ذلك في المسألة التي ذكر أشهب.
وفي هذا الذي قاله نظر. لأن القطع بسلام لا يقتضي كون الإحرام صحيحًا عنده. وإنما هو استظهار للتخلص من عهدة الخلاف. ومسألة أشهب لم يوجد فيها إمام يؤمر بمتابعته. ومسألتنا الإِمام فيها موجود. والمتابعة ممكنة. فلا يلزم سحنون أن يقول ما ظُن به أنه يلزمه أن يقوله.
والجواب عن السؤال السادس عشر: أن يقال: اختلف في المأموم إذا أحرم مع الإِمام معًا أو سلم معه معًا. فقيل لا تجزيه صلاته وقيل بل تجزيه وقال محمَّد بن عبد الحكم إن لم يسبقه الإِمام بحرف من حروف التكبير لم تجزه صلاته فكأنه يشير إلى أنه إن سبقه بحرف من التكبير صحت الصلاة. فمن قال
стр. 503
لا تصح الصلاة حمل قوله فإذا كبر فكبروا على أن المراد به إذا فعل التكبير وفرغ منه. ومن قال بصحة الصلاة لم يسلم أن المراد ذلك، وأمكن عنده أن يحمل الحديث على أنه يراد به إذا شرع فأشرعوا وإذا أمكن ذلك لم تكن فيه حجة على إبطال الصلاة.
والجواب عن السؤال السابع عشر: أن يقال: إنما تحرز بقوله التي هي منها لأن من فروض الصلاة ما هو خارج عنها (١) كالنية واستقبال القبلة وجميع ما عدده من ذلك فأشعرك بهذا التقييد أنه إنما ميز هذه التسع عن تلك لكون هذه منها وتلك خارجة عنها.
قال القاضي ﵀: والقراءة (٢) والركوع.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال:
١ - هل القراءة واجبة في الصلاة أم لا؟.
٢ - وإذا وجبت هل هي متعينة أم لا؟.
٣ - وإذا تعينت هل تجب مرة واحدة أو تتكرر؟.
٤ - وهل المصلون حكمهم في ذلك واحد أو مختلف؟.
٥ - وهل على من لا يحسن القراءة تعويضها أم لا؟.
٦ - وهل يجب عليه قدر القيام لها أم لا (٣)؟.
٧ - وما حكمه لو حدث له العلم بها في أثناء الصلاة؟.
٨ - وكيف يتلافى إصلاح ما تركت القراءة فيه؟.
٩ - وما الحكم في تقديم السورة على أم القرآن؟.
١٠ - وما حكم من أسرها ثم جهر بها؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في وجوب القراءة على الجملة في الصلاة. ففقهاء الأمصار وجمهور العلماء على إيجابها على
стр. 504
الجملة. وحكي عن قوم من العلماء سقوط وجوبها. وذكر عن الشيخ أبي القاسم ابن شبلون أنه قال: قراءة أم القرآن ليست بفرض. قال لأن الإِمام يحملها عن المأموم. والإمام لا يحمل الفرض. وهذا منه مصير إلى هذا المذهب الشاذ المخالف لمذهب فقهاء الأمصار لأن الإِمام يحمل جميع القراءة على الإطلاق. فمقتضى اعتلاله سقوط فرض جميعها. وهذا الذي اعتل به الشيخ أبو القاسم بن شبلون، به احتج هؤلاء المسقطون للإيجاب. فقالوا: قد أجمع على أن المأموم إذا أدرك مع الإِمام الركوع دون القراءة فإنه يعتد بالركعة.
فلولا أن القراءة غير واجبة لما صح اعتداده بالركعة ولا صح حمل الإِمام عنه.
ذلك. كما لم يصح أن يحمل عنه الركوع والسجود لما كان فرضًا. وسننفصل عن هذا الذي احتجوا به فيما بعد. وإن عولوا على ما روي عن عمر ﵁ من أنه ترك القراءة في الصلاة فقيل له في ذلك. فقال كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا حسن. قال فلا بأس إذن (١). قيل لهم يحتمل أن يكون عمر ترك الجهر ولم يترك القراءة أصلًا. وإذا احتمل ذلك لم تكن فيه حجة في أنه ترك القراءة ودليلنا على وجوبها على الجملة قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢) والمراد بهذا القراءة في الصلاة. وفي الصحيح قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا" (٣). وقد كنا قدمنا الكلام على مثل هذا اللفظ وذكرنا اختلاف أهل الأحوال فيه. وأن منهم من ادعى حمله على العموم في نفي الإجزاء والكمال، ومنهم من جعله محتملًا لهما، وإن الأظهر من المحتملين نفي الإجزاء. فعلى هذين المذهبين يكون الحديث حجة على وجوب القراءة.
وإن لم نقل بهذين المذهبين وتوقفنا في المراد بمثل هذا اللفظ اعتمدنا على الآية المذكورة وعضدناها بأن النبي ﷺ لما صلى قرأ. وقد قال: صلوا كما رأيتموني
стр. 505
أصلي (١). فوجب اتباعه فيما أيقنا من أفعال الصلاة، وأقوالها إلا ما دل دليل على نفي وجوبه. وقد قال بعض أصحاب المعاني: إن الله سبحانه حرم الكلام في الصلاة، فلولا أنه أوجب على اللسان عملًا من الأعمال لما حرم اشتغاله بالكلام كما لم يحرم اشتغال العين بالنظر لما لم يوجب عليها الحركة والنظر.
وهذا وإن كان لا يستقل دليلًا فقد يصلح أن يكون ترجيحًا. وقال أيضًا: إن الله سبحانه استخدم الرجل بالقيام والظهر بالركوع والرأس بالسجود فليستخدم اللسان بالقراءة لأنه عضو مقصود في مثل هذه المعاني. وهذا عندنا مثل (٢) الأول. بل ربما كان أخفض رتبة في طرق الترجيح.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في ذلك. فمذهب مالك والشافعي تعين الواجب من القراءة وهو أم القرآن ومذهب أبي حنيفة أنها لا تتعين وإنما تجب قراءة على الجملة. وقدرها بالآية. وقدرها أبو يوسف بثلاث آيات قصار أو آية طويلة. ودليلنا على التعيين ما قدمناه من قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا (٣) وهذا نص على التعيين كما قلناه. فإن قالوا قد روي إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، قيل: يحتمل أن يكون من شك الراوي فلا تترك رواية البخاري ومسلم لمثل هذه الزيادة التي فيها هذا الاحتمال. فإن قالوا قد روي أيضًا لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب (٤).
قيل معناه ولو بالاقتصار عليها. لأنه قد شرع قراءة زائدة عليها. فأشار إلى أن أقل ما شرع فاتحة الكتاب. فإن قالوا قد قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٥). وأمر الأعرابي الذي علمه أن يقرأ بما تيسر معه من القرآن (٦). قيل الآية محمولة على صلاة الليل نافلة. وإن سلمنا عمومها أثبتنا التعيين بالحديث الذي قدمناه على أن قراءة أم القرآن وأكثر منها مما يتيسر (٧) فتجب قراءتها
стр. 506
ويسقط ما زاد عليها (١) مما تيسر بدليل. ولا يسلم لهم حملها على أن المراد بها أي شيء يتيسر. بل نقول يمكن حملها على أن المراد بها قراءة كل الذي يتيسر (٢). وأما حديث الأعرابي فالكلام عليه كنحو الكلام على الآية إما أن نقول أمر بقراءة كل ما تيسر معه كما قلناه في الآية أو نقول لعله لم يكن يحسن قراءة أم القرآن. وأما استعمال القياس ها هنا وإثبات بعض القرآن بدلًا من بعض فنحن نمنعه لما بيناه في وجوب تعيين التكبير وقد تقدم مبسوطًا.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اتفق المذهب على وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة على الجملة. وإن الإخلال بها في جميع الصلاة يمنع الإجزاء إلا رواية شاذة رواها الواقدي. وهذه الرواية الشاذة أما (٣) إن حملت على سقوط وجوب القراءة أصلًا فقد قدمنا إفساد هذه المقالة. وإن حملت على أن القراءة تجب ولكن لا يتعين وجوب قراءة أم القرآن أصلًا كما قال أبو حنيفة فقد قدمنا أيضًا الرد على هذه المقالة. واختلف المذهب بعد الاتفاق على وجوب قراءتها كما حكيناه. هل تجب مرة واحدة أو متكررة؟ فقال المغيرة بإيجابها مرة واحدة. وقال الجمهور بتكريرها. واختلف المكررون لها. فروي عن مالك إيجاب تكريرها بتكرر الركعات. وهو مذهب الشافعي. وروي أيضًا عنه العفو عن إيجاب تكريرها في أقل الركعات واختلف في الأقل على هذا المذهب ما هو؟ فقيل هو الأقل على الإطلاق وقيل هو الأقل بالإضافة. ومعنى الأقل على الإطلاق العفو عنها. في ركعة واحدة، وإن كانت الصلاة صبحًا أو جمعة أو ظهرًا لمسافر. ومعنى الأقل بالإضافة أن تكون الركعة من صلاة الرباعية كالظهر أو ثلاثية كالمغرب. وأما إن كانت واحدة كركعة من الصبح أو الجمعة أو ظهرًا لمسافر فلا يعفى عنها. فأما رواية الواقدي فالحجة فيها قوله ﷺ : "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي
стр. 507
خداج ثلاثًا غير تمام (١) ومعنى خداج أي ناقصة. يقال خدجت الناقة إذا ولدت قبل أوان الولادة. ووصف الصلاة بالنقص يشعر بحصول الإجزاء. وقوإنفصل عن هذا بأن النقص قد يعبر به عن نقص بعض الأجزاء. والصلاة إذا ذهب بعض أجزائها التي هي من أركانها لم تصح ولم يقع الاعتداد بها. وقد أشار ابن نافع وعيسى ابن دينار إلى حمل التشبيه ها هنا (٢) على المشابهة لولد غير تام. فإن صح ما قالاه ووقع التشبيه بولد ناقص فلا دلالة في الحديث على الإجزاء لدخول النقص في أجزاء الصلاة وأركانها. وأما المغيرة فإنه يعتمد في أجزاء الصلاة إذا قرئت أم القرآن في ركعة واحدة منها على قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا". فإذا قرأ فاتحة الكتاب مرة واحدة اقتضى ظاهر هذا الحديث عنده صحة الصلاة. لأنه لم يشترط في كونها صلاة تكرير القراءة. وينفصل عن هذا بأن يقال قد تسمى الركعة الواحدة صلاة. وإذا سميت صلاة لم تصح كل ركعة إلا بقراءة الفاتحة على ظاهر الحديث. وأما الموجبون التكرير فإن من اشترط منهم التكرير في كل ركعة، فحجته قوله: كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام. وهذا يقتضي إثبات التكرار في كل ركعة. وأما المكررون الذين عفوا عن الأقل فلا يتحرر لهم متمسك من جملة هذه الظواهر كلها. كما تحرر لهؤلاء الذين ذكرنا قبلهم. ولعلهم يتمسكون بشواهد بعض الأصول المعفو فيها عن القليل. وإذا ثبت لهم العفو عن القليل رأى بعضهم أن الركعة قليلة حيثما كانت. ورأى بعضهم أنها إنما تكون قليلة بالإضافة. فهي في الرباعية والثلاثية قليلة لكونها الثلث أو الربع. والثلث أو الربع قليل. وفي الثنائية ليست بقليلة أنها نصف والنصف ليس بقليل. وقد رأى بعض الأشياخ أن الركعة من الثلاثية ليست بقليلة. وكأنهم قدّروا الثلث كثيرًا. وفي الحديث "الثلث
стр. 508
والثلث كثير" (١). ولكنه رجع عن هذا الرأي إلى موافقة الجماعة. وأما أبو حنيفة فإنه يشترط التكرير. ولكنه يقتصر على التكرير في ركعتين. وحجتنا عليه قوله: كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام (٢). وهذا يوجب تساوي حكم الركعات الأربع. وكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا. فإن كل ركعة تسمى صلاة على ما قدمنا الإشارة إليه. ولأنه لَمَّا علم الأعرابي الصلاة وأمره بالقراءة قال له افعل ذلك في صلاتك كلها. ولأن الصلاة إنما تتم بتكرار الركعة الأولى. فيجب أن تتكرر بجميع أركانها من قيام وقراءة وركوع وسجود وقد قرأ ﵇ في الأربع وقال صلوا كما رأيتموني أصلي (٣). وهذا يوجب تساوي الركعات الأربع في وجوب القراءة.
واستدل أصحاب أبي حنيفة بقوله ﵇ القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين. قال وقد قال علي وابن مسعود في الأخريين إن شاء قرأ وإن شاء سبح. ولأنه قول يخافت به فكان مسنونًا كالتسبيحات. ولأن مخالفة الأخريين للأوليين في الجهر والاقتصار على سورة واحدة يشعر بالمخالفة في الوجوب. قالوا والتكرار بحسب الركعة الأولى يجب كما قلتموه. ولكن فيما كان أصليًا في الصلاة كالركعة الثانية. وأما الثالثة والرابعة فمزيدتان في الفرض ويسقطان عن المسافر. فلهذا لم يتكرر الأمر فيهما كما تكرر في الثانية.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في وجوب القراءة هل تجب وجوبًا عامًا أو وجوبًا خاصًا فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها تجب وجوبًا خاصًا فيختص الوجوب عندهما بالإمام والفذ ويسقط عن المأموم. وقال الشافعي بل (٤) تجب وجوبًا عامًا. فيلزم الفذ والإمام والمأموم.
стр. 509
ودليلنا ما خرجه مسلم من قوله ﷺ : "فإذا قرأ فأنصتوا" (١) فعم قراءته أم القرآن وغيرها. وقوله كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام (٢).
وأيضًا فقد اتفق على أن من أدرك مع الإِمام الركوع دون القراءة أنه يعتد بركعته. فلو كانت القراءة واجبة على المأموم لم يعتد بركعته ولا حملها الإِمام عنه.
وأما الشافعي فإنه يحتج بقوله ﵇ لمن خلفه: (فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها) (٣). وهذا نص في إثباتها في حق المأموم وأيضًا قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدًا" (٤). فعم المأموم وغيره. وقد اعتذر بعض أصحاب الشافعي في اعتداد المأموم بالركعة التي فاتته قراءتها بأن ذلك رخصة لا يعقل لها معنى محرر. وقد حمل الإِمام القيام وهو فرض ولم يدل حمله إياه على سقوط فرضه. قالوا وإنما اقتصر المأموم على قرأءة أم القرآن ولم يقرأ السورة مع الإِمام لأن قراءة أم القرآن فرض والاستماع للإمام سنة.
والفرض أولى أن يقدم. والسورة التي مع أم القرآن سنة والاستماع سنة فصح أن يقدم سنة على سنة. ولنا نحن أن نتأول أحاديثهم على استحباب قراءتها حتى نضطرهم إلى إثبات دليل آخر على الوجوب. وقد قال مالك في الإِمام إذا كان
стр. 510
يسكت قبل القراءة فإن المأموم يقرأ أم القرآن واعتل بعض المتأخرين لهذه الرواية بأنه إنما رأى ذلك لأجل أن اشتغاله بالقراءة يقطعه عن الوسواس ويحميه من الفكرة التي تعتور الصامت. ولهم أيضًا أن يتأولوا أحاديثنا. ولكن النظر في ترجيح التأويلات بعضها على بعض يفتقر إلى خوض في فنون من أصول الفقه ليس هذا موضعه (١) فإذا ثبت سقوط وجوبها عن المأموم فلا يقرأ في صلاة الجهر. وفي قراءته في صلاة السر قولان: استحبابها وهو المشهور، وسقوطها وبه قال أبو حنيفة. فأما سقوطها في الجهر فلقوله ﵇ في صلاة جهر فيها لما انصرف منها (ما لي أنازع القرآن) (٢). قال أبو هريرة فانتهى الناس عن القراءة مع النبي ﷺ في ماجهر فيه. وأما ثبوتها في صلاة السر فلأجل أن ظاهر قول أبي هريرة هذا يقتضي بقاؤهم عليها في صلاة السر. وأما سقوطها فلأنه ﷺ صلى صلاة سر فلما انصرف قال: "أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى".
فقال بعض القوم أنا ولم أرد إلا الخير. فقال قد عرفت أن بعضكم
خالجنيها (٣). وانفصل عن هذا بأن الظاهر (٤) أنه جهر حتى سمعه النبي ﷺ .
وهذا ممنوع. وقد كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام. وعن علي ﵁ أنه قال: من قرأ خلف الإِمام مليء فوه ترابًا (٥).
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قال بعض أهل العلم يجب على المصلي الذي لا يحسن القرآن أن يقف قدر قراءة أم القرآن ويذكر اسم الله سبحانه: وقال أشهب لو قرأ شيئًا من التوراة أو الإنجيل أو الزبور لم تصح صلاته لأنه لا يعلم أن ذلك من الكتاب المنسوب إليه. وإنما عليه أن يذكر الله
стр. 511
سبحانه. ولو قرأ شعرًا فيه ذكر وتمجيد لم تصح صلاته. وقال ابن سحنون أن يذكر الله. وظاهر كلام أشهب وابن سحنون أن تعويض الذكر يجب في محل القراءة. وقال القاضي أبو محمَّد لا يجب. ويستحب أن يقف وقوفُ اما. فإن لم يفعل أجزاه وفي المبسوط أنه ينبغي له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة ويذكر الله. قال كالمصلي على الجنازة يقوم بين كل تكبيرتين قدر أم القرآن وسورة يدعو في ذلك. وقد كنا قدمنا أن الأبهري لم يوجب على من لم يحسن النطق بتكبيرة الإحرام تعويضًا منها لما كانت متعينة. فمقتضى قوله عندي: إنه لا يجب أيضًا على من لا يحسن قراءة أم القرآن تعويض خلافًا لمن أوجبه ممن حكينا قوله. ولعل من أوجبه تعلق بما ذكر في بعض الطرق، في حديث الأعرابي الذي علمه من قوله إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فأحمد الله وكبره وهلله (١). وهذه الزيادة لم تأت من طريق ثابتة. فلهذا لم يتفق على الوجوب.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: قد ذكرنا في هذا السؤال الذي فرغنا منه أمر طائفة من أهل العلم لمن لا يحسن القرآن بالقيام. وإن في المبسوط استحبابه. وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد. ولكن الذي وقع في المبسوط حد فيه قدر المستحب. والمستحب (٢) بمقدار القراءة. والقاضي أبو محمَّد لم يعتبر مقدار القراءة وإنما استحب أن يفصل بين الإحرام والركوع بوقوف ما، يكون فاصلًا بين هذين الركنين. والذي يظهر في هذا أن القيام إن لم يكن مقصودًا في نفسه ولا ورد الشرع به *لأجله وإنما ورد به* (٣) لأجل القراءة وليكون محلًا لها. فإذا سقطت القراءة للعجز عنها ولم يجب عوض منها فلا فائدة للأمر به. كما لا تؤمر الحائض بالطهارة لما كانت الصلاة ساقطة عنها، والطهارة إنما تراد لأجل الصلاة. وإن قلنا إن القيام عبادة مقصودة في نفسها لا تراد للقراءة ولا شرعت لأجلها، بدليل أنها تجب على المأموم وإن كانت القراءة ساقطة عنه. ولا يتخيل أنها إنما وجبت على المأموم لأجل وجوب المتابعة
стр. 512
والاقتداء بالإمام. لأن الإِمام إذا صلى جالسًا لعذر وأبحنا الصلاة وراءه فإن القيام يجب على المأمومين (١)، وإن كانت المتابعة إنما تكون بالجلوس. وهذا يشعر بأنه وجب لا لأجل المتابعة، ولا لأجل القراءة. وإذا وجب لنفسه لا لغيره لم يسقط عن القادر عليه لأجل عجزه عن غيره. ولعل أصحابنا إنما استحبوا القيام ولم يوجبوه لأجل الإشك الذي القصد بوجوبه عندهم.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إذا قلنا بالمشهور من أن القراءة واجبة فعلى الإنسان تعلمها ليتوصل بذلك إلى إقامة الصلاة الواجبة عليه. فإن لم يسعه وقت الصلاة للتعليم صلى وراء من يقرأ ليحمل هذا الفرض عنه. فإن ترك الائتمام به وصلى فذا اختيارًا فقال بعض أصحاب مالك صلاته باطلة.
وكان هذا رأى أن تعمده لترك حمل القراءة عنه كتعمده لتركها مع القدرة عليها وهو وحده. وقال بعض أصحاب مالك فيمن كان أميًا فصلى بمن يقرأ: أن صلاة الإِمام تصح والمأموم تبطل. وقال بعض أشياخي هذا قول آخر بصحة الصلاة لأن الإِمام وجد من يقرأ وهو المأموم. وقال بعض *الأشياخ إن لم يعلم يكون المأموم قارئًا صحت صلاته. وإن علم لم تصح. وقال غيره من الأشياخ اختلف* (٢) أصحابنا في صحة صلاة الأمي إذا أم قارئًا ووجه القول بالصحة أن صلاة الجماعة ليست بفرض ولم يقم دليل على وجوب طلب الأمي إمامًا. وَوُجّه القول الآخر بنحو ما ذكرنا (٣) فيه. فإذا ثبت وجوب التعلم فشرع في الصلاة قبل إمكان التعلم ولم يجد من يتحمل عنه القراءة فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة. وهذا يتصور بأن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع *فهذا لا أعرف فيه في المذهب نصًا* (٤). ومذهب الشافعي صحة ما مضى من صلاته بغير قراءة. ومذهب أبي حنيفة إبطال ما مضى من صلاته ووجوب استئناف الصلاة. ووقفت في كتاب ابن سحنون على
стр. 513
حكايته عن أبيه وغيره من أصحابنا أنه لا يستأنف الصلاة. وذكر مذهب المخالف ورد عليه: بأنه إذا ما مضى على حسب (١) ما أمر به فلا وجه لإبطاله. واحتج أيضًا بأن الإجماع على أن الجالس إذا صح يعتد بما مضى من أجزاء الصلاة يقتضي أن يعتد الأمي بما مضى. وليس الأمر كما (٢) حكاه من الإجماع. فإن محمَّد بن الحسن التزم أن الجالس لا يعتد بما مضى. وإنما يكون ما ذكره ابن سحنون مناقضة لأبي حنيفة. فإنه يرى أن الجالس يعتد بما مضى. فإن كان أراد الإجماع منا ومنه (٣) فصحيح ما قال. وقد قال بعض الأشياخ لو طرأ على الأمي قارئ لم يلزمه أن يقطع ليأتم به.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: من ترك قراءة أم القرآن في ركعة واحدة هي أقل صلاته. فإن قلنا إنها لا تجب في الركعة التي تركت فيها القراءة فحكمه أن يسجد لسهوه وتصح صلاته. فأما صحة صلاته، فلأنه لم يخل بفرض. وأما سجوده لسهوه فلتركه قراءة أقل مراتبها أن تكون سنة. ويختلف إن فعل ذلك متعمدًا هل تبطل صلاته أو تصح تخريجًا من الاختلاف في ترك السنن تعمدًا؟ وإن قلنا إنها تجب في الركعة التي ترك القراءة فيها وجوبًا محققًا لا إشك الذي، فحكمه أن يلغي تلك الركعة ويعتد بما سواها. ويكون ما سواها هو الذي حصل له من الصلاة. فإن ذكر تركه القراءة وقد أكمل ركعته الأولى وهو قائم في الثانية جعل الثانية أولى (٤) صلاته. حتى كأنه لم يصل غيرها. وسجد بعد سلامه لزيادة ما ألغيناه من الأفع الذي أول صلاته. وكذلك إن ذكر وهو قائم في ثالثته جعلها ثانيته وقرأ مع أم القرآن سورة أخرى وسجد بعد السلام.
وإن لم يذكر إلا وهو في رابعته سجد قبل السلام بعد قضاء الركعة التي ترك قراءتها. وإنما سجد قبل السلام ها هنا لأنه أحل بالجلوس فيما قدره ثالثة وهي
стр. 514
ثانية، وبقراءة (١) السورة المسنونة في ذلك. وزاد ما ألغيناه من الأعمال.
والنقص والزيادة إذا اجتمعا سجد لهما قبل السلام. وإن قلنا بالتشكك بين المذهبين الأولين هل القراءة فرض في تلك (٢) الركعة على أحد قولي مالك أو سنة على قوله الآخر؛ فإن الحكم: *في هذا الذي ترك قراءة أم القرآن من ركعة* (٣) إذا لم يذكر إلا عند آخر صلاته. أن يسجد لسهوه ويعتد (٤). وقد صار مالك إلى هذا مرة أخرى وكأنه ترجح (٥) بين المذهبين الأولين. وإن ذكر في أثناء صلاته فهل يتمادى لجواز أن تكون صلاته صحيحة فلا يسوغ له قطعها أو يقطع لئلا يوجب عليه صلاتين؟ وعندي إن هذا يتخرج على القولين اللذين قدمناهما فيمن شك في تكبيرة الإحرام أو في الوضوء على ما قدمناه في ناسي تكبيرة الإحرام المكبر للركوع. وقد (٦) قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز إن ذكر ترك القراءة قبل إكمال الركعة الأولى رجع فاستأنف القراءة.
وإن لم يذكر حتى أكمل الركعة الأولى صيرها نافلة بأن يكمل عليها ركعة أخرى ويسلم منها. وإن ذكر بعد أن ركع الثالثة أكمل صلاته وأعاد. وقال بعض المتأخرين قول ابن القاسم ها هنا بالقطع بناءً منه على هذه الطريقة التي ترجح (٧) مالك فيها. وقد ذكر مالك في المجموعة أنه إن ذكر وهو راكع رجع فاستأنف القراءة. وإن كان بعد أن رفع رأسه تمادى وأعاد احتياطًا. وهذا الفرقال في في المجموعة هو القول الذي أشرف إليه أنه يتخرج من الأصل الذي ذكرته. وإنما لم يأمره بالتمادي وقد حصل راكعًا لأنه رأى أن عقد الركعة رفع الرأس لا تمام الانحناء.
وإن ترك القراءة من ركعتين فقيل يلغيهما ويعتد بما سواهما. وقيل
стр. 515
يتمادى على صلاته ويسجد ثم يعيد. وهذا يحتمل عندي أن يكون بناه على التشكك في وجوبها مرة واحدة أو متكررة. فلهذا أتم وأعاد. ويحتمل أن يكون لكثرة السهو فيها، جانبَ طريقة من قال بالإلغاء وأمر بالتمادي والإعادة.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: اختلف فيمن قدم على أم القرآن السورة التي تقرأ معها. هل يعيد قراءة السورة بعد أم القرآن أم لا؟ وهل يسجد لهذا السهو أم لا؟ وسبب الاختلاف النظر في هذا الترتيب هل هو متأكد حتى يؤمر بتلافيه ويخاطب بسجود السهو فيه أو غير متأكد فلا يؤمر بذلك؟ وسنتكلم على أحكام السهو في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف فيمن أسر قراءة أم القرآن في صلاة الجهر، ثم ذكر فعاد فجهر بها هل يسجد للسهو أم لا؟ فقيل لا سجود عليه لتلافيه ما أحل به. وقيل يسجد بعد السلام. واختاره بعض الأشياخ لأن من أحل ببعض أركان الفرض يقضيه. ومع هذا لا يسقط سجود السهو *عنه. فمن أمره بسجود المسهو رأى أنه خوطب به بالفراغ منها فلا يسقط ما خوطب به من ذلك العود (١) إلى قراءتها. ومن لم يأمره بذلك رأى أنه قادر على تلافي ما قصر فيه ولم يمنعه من ذلك مانع. فإذا تلافاه لم يلزم بالسجود. وعندي أن من أمره بالسجود لا يأمره بالعود إلى إعادة القراءة.
ومن لم يأمره بذلك أمره بالعود إليها. وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى* (٢).
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والركوع والرفع منه والسجود (٣) والفصل بين السجدتين.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال:
стр. 516
١ - ما الركوع وما السجود؟.
٢ - وما الدليل على وجوبهما؟.
٣ - وهل يجب فيهما الطمأنينة؟.
٤ - وإن وجبت ما مقدار الواجب منها؟.
٥ - وهل يجب رفع الرأس من الركوع (١)؟.
٦ - وما حكم الاعتدال عند الرفع من الركوع؟.
٧ - وهل يجب الفصل بين السجدتين؟.
٨ - وإن وجب ما القدر (٢) الواجب منه؟.
٩ - وهل يجزئ الاقتصار على بعض الوجه؟.
١٠ - وهل يجب السجود على اليدين والركبتين والقدمين؟.
١١ - وهل تكشف اليدان في سجودهما أو تستران؟.
١٢ - وهل يشترط مباشرة الوجه للأرض أم لا؟ وما يسجد عليه؟.
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الركوع فانحناء الظهر وانعطافه متطاطئًا. قال الشاعر:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم عصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع
وأما السجود فهو التطامن والميل إلى الأرض والانخفاض. تقول العرب سجدت الدابة وأسجدت إذا خفضت رأسها لتركب. وسجدت النخلة إذا مالت.
قال زيد الخيل:
بجيش تظل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدليل على وجوب الركوع والسجود قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣). ولأن
стр. 517
النبي ﷺ لما صلى ركع وسجد وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (١).
وأجمعت الأمة على وجوبهما.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في إيجاب الطمأنينة في الكروع والسجود. فأثبت الشافعي وجوبها ونفاه أبو حنيفة.
والمذهب على قولين عندنا. أحدهما إيجابها، والثاني إثباتها فضيلة. فأما نفاة الإيجاب (٢) فيعتمدون على قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣). فيقصر الواجب (٤) على ما يسمى ركوعًا وسجودًا. والركوع والسجود العاريان من الطمأنينة يسميان ركوعًا وسجودًا. وأما الموجبون فيعتمدون على قوله ﷺ للأعرابي الذي علمه الصلاة: ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا (٥). فمن قال إن الأمر على الوجوب استدل بمجرد هذه الأوامر. ومن وقف فيه أو حمل الأمر فيه (٦) على الندب استدل على الوجوب بسياق الحديث. فإنه لما صلى قال له ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل". وتكرر منه هذا إلى أن قال: علمني فعلمه ما ذكرناه. فلو خلط له (٧) الوجوب بالندب لم يستبن المعنى الذي يكون بتركه غير فصل. وهذا على أن معنى قوله لم تصل: أي صلاة جازية. وقد ذم ﷺ صلاة المنافقين وقال في الحديث: قام أحدهم فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا (٨). وظاهر هذا ذم الاقتصار على النقر. ومن لم يطمئن فإنه في حكم من
стр. 518
نقر. فأما نفاة الإيجاب من أصحاب أبي حنيفة فإنهم ينفصلون عن هذا بأن القرآن اقتضى الاقتصار على ما يسمى ركوعًا وسجودًا. فإذا جاء خبر واحد بزيادة عليه كان نسخًا. والنسخ لا يكون بخبر الواحد. وأما نفاة الإيجاب من أصحاب مالك فقد يقولون يمكن أن يكون الأعرابي قد أحل بالطمأنينة فأمره (١) النبي ﷺ بالإعادة على جهة التغليظ حتى لا يتعود ترك أمر مشروع وليأتي بصلاة كاملة. وعلمه صفة الصلاة الكاملة. ويعتضدون في هذا التأويل بأن يقولوا لو كان ما أحل به مفسدًا للصلاة لأمره بالقطع ولم يتركه يتمادى على صلاة فاسدة وهو يراه وكرر فعلها بحضرته. فلما أقره على التمادي أشعر ذلك بأنه لم يفسد صلاته بما تركه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الواجب من الطمأنينة أدنى لبث، كما ذكره القاضي أبو محمَّد ها هنا. فإن زاد على أدنى لبث. فذكر ابن شعبان أن من الناس من يقول بوجوبه وكأنه يرى (٢) الطمأنينة وجبت وجوبا موسعا. ومنهم من يقول إن الزائد نافلة. وكان هؤلاء وصفوه بهذا لما جاز تركه إلى غير بدل.
وسنبسط الكلام على هذا في قصر المسافر إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في رفع الرأس من الركوع. فذهب الشافعي إلى إيجابه. وذهب أبو حنيفة إلى سقوط وجوبه.
وصحح صلاة من خر راكعًا إلى سجدته. والمذهب عندنا على قولين: أحدهما أنه فرض. والثاني أنه سنة. فروى ابن القاسم عن مالك أنه يتمادى ويعيد.
فكأنه رأى (٣) التمادي مراعاة للخلاف. وروى عنه ابن زياد أنه لا يعيد فكأنه رآه لم (٤) يخل بفرض. فلهذا تصح صلاته. فحجة الوجوب قوله: في حديث
стр. 519
الأعرابي ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا. فأمره بالرفع من الركوع وعلمه إياه.
والظاهر إيجاب كل (١) ما علمه لما بيناه. ولأنه ﵇ ركع ورفع. وظاهر فعله يقتضي الوجوب ها هنا. وأما نفاة الإيجاب فلا أعلم لهم ظاهرًا يتمسكون به. ولعلمهم لما سمعوا الله يقول: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢).
وكأن الركوع في اللغة هو الانحناء على ما بيناه لم يثبتوا في الركوع زيادة على ما ورد به ظاهر الآية.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: قد قدمنا اختلاف المذهب في إيجاب الرفع من الركوع فإن لم نقل بإيجابه وهو مذهب أبي حنيفة لم نوجب الاعتدال الذي هو فرع عنه. وإن قلنا بإيجابه وهو مذهب الشافعي، فهل يجب الاعتدال أم لا؟ ذكر القاضي أبو محمَّد في كتابه هذا: أن الاعتد الذي القيام للفصل مختلف فيه. قال والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب.
وقد ذكر ابن القصار عن بعض أصحابنا إيجاب ما كان إلى القيام أقرب على حسب ما اختاره القاضي أبو محمَّد. ولابن القاسم فيمن رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل، أن صلاته تجزيه ويستغفر الله ولا يعود. ولأشهب أن صلاته غير صحيحة. فمن أوجب الاعتدال يعتمد على قوله ﷺ : "لا تصح صلاة لا يقيم فيها صلبه من الركوع والسجود" (٣). وأما من نفى الإيجاب فعندي أنه رأى أن القصد بالرفع من الركوع الفصل بينه وبين السجود. والفصل في ذلك يحصل بالرفع وإن لم يعتدل. فإذا حصل الغرض المقصود لم يكن معنى لزيادة أمر آخر عليه في الوجوب. وكأن القاضي أبا محمَّد رأى أن ما قارب الشيء فحكمه حكمه. فإذا رفع رفعا هو إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام لمقاربته (٤) إياه وإن كان إلى الركوع أقرب كان كحكم الراكع الذي لم يرفع،
стр. 520
ولم يوجد منه فصل بين الركوع والسجود.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما الفصل بين السجدتين فواجب باتفاق. فإن قيل لم اتفق على وجوبه واختلف في وجوب الفصل بين الركوع والسجود؟ قيل لاختلاف شكل الركوع وشكل السجود. لأن الركوع انحناء الظهر والسجود إلصاق الوجه بالأرض. فالفصل بينهما حاصل إذا ركع وإن لم يرفع رأسه. والسجدة الواحدة وإن طالت لا تتصور سجدتين فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى تكونا اثنتين لا واحدة. هذا وجه الاتفاق على وجوب الفصل بين السجدتين والاختلاف في إيجاب الفصل بين الركوع والسجود.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما أبو حنيفة فإنه يوجب الفصل بين السجدتين بأن يرفع وجهه من الأرض ولو بمقدار حد السيف. وأما القاضي أبو محمَّد فإنه أشار في كتابه هذا إلى اختيار إيجاب ما كان إلى الجلوس أقرب.
وأجرى حكم الفصل بين السجدتين مجرى حكم الفصل بين الركوع والسجود.
وقد قدمنا قبل هذا اختلاف ابن القاسم وأشهب فيمن رفع رأسه من الركوع ولم يعتدل، هل تصح صلاته أم لا؟ من غير تحديد منهما في مقدار الرفع. وذكرنا توجيه ذلك وما قدمناه من الكلام على ذلك فنحو منه. وإذا أوجبنا الاعتد الذي هذه الفواصل، فيختلف في الطمأنينة على حسب ما تقدم.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: اختلف الناس في مقدار الواجب من الوجه فقال بعض أصحابنا: من اقتصر على الأنف أو الجبهة صلاته باطلة.
وظاهر هذا إيجاب السجود عليهما. وحكى أبو الفرج أنه لا تجب إعادة الصلاة أبدًا في الاقتصار على أحدهما. وظاهر هذا تعلق الوجوب بأحدهما على البدل.
وقال أبو حنيفة إن الوجوب متعلق بأحدهما قال ابن المنذر: "لا أعلم أحدًا قال هذا القول قبله ولا بعده. والمشهور من مذهبنا وهو مذهب الشافعي تعلق الوجوب بالجبهة. وقد خالف أبو حنيفة صاحباه (١). وقالا بمثل قولنا هذا. فأما أبو حنيفة فتعلق بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. والمقتصر على الجبهة أو
стр. 521
الأنف (١) يسمى ساجدا. وهو ممن لا يقبل في الزيادة على الكتاب خبر الواحد.
لأنه يراه نسخًا. وأما الموجبون للجميع (٢) فيحتجون بقوله ﵇: لا صلاة لمن لم يصب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين (٣). وفي الحديث: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم. فذكر الجبهة وأشار إلى الأنف (٤) وهذا يشير إلى اشتراكهما في هذا الحكم. وأما من اقتصر في الوجوب على الجهبة فلقوله ﵊: ومكن جبهتك من الأرض (٥). وهذا يشعر بقصر الوجوب عليها في السجود.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما اليدان فقد قال سحنون اختلف أصحابنا في الساجد إذا لم يرفع يديه عند رفعه للسجدة الثانية. فمنهم من قال: لا تصح صلاته لما جاء أن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه (٦).
ومنهم من خفف ذلك. وقد اختلف قول الشافعي في إيجاب السجود على اليدين والركبتين والرجلين. وقال ابن القصار الذي يقوى في نفسي: أن السجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة في المذهب وهو مذهب أبي حنيفة. واحد قولي الشافعي.
فكأن الموجبين يحملون قوله ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وذكر اليدين والركبتين والرجلين والجبهة، على أن المراد به أوجب ذلك علي.
وهذا يقوى على طريقة من قال: المندوب إليه ليس بمأمور به. وكأن الآخرين
стр. 522
يرونه محتملًا للوجوب والندب. لأن المندوب إليه مأمور به عند بعض أهل الأصول، وإذا احتمل لم تكن فيه حجة على الوجوب. وإنما يثبتون وجوب السجود على الجبهة بدليل آخر.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: لا يجب كشف اليدين عندنا في السجود خلافًا للشافعي في أحد قوليه بإيجاب ذلك. ولنا عليه القياس على الركبتين والرجلين. فإنه لا يجب كشفهما. وقد ذكروا في الحديث لما ذكرت اليدان. ونحن وإن لم نوجب ذلك فإنا نستحسنه (١) ليخرج بكشفهما من الخلاف.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: اختلف الناس في السجود على كور العمامة فمنعه الشافعي. وأجازه أبو حنيفة ومالك. واشترط ابن حبيب أن يكون الكور قليل الطاقات. وهذا فيما شد على الجبهة لا فيما برز عنها.
حتى منع من لصوقها بالأرض. فللجواز ما روي أنه ﷺ سجد على كور العمامة (٢). وقياسًا على الركبتين والقدمين، فإن الستر فيهما جائز. وللمنع ما روي أنه نهى عن السجود على كور العمامة (٣). وتأول بعض أصحابنا هذا على الكراهة. أو على أنه كور منع من لصوق الأنف بالأرض. وتأول الآخرون حديث الجواز على أنه فعل ذلك لعلة وعذر.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والجلوس والتسليم.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال:
стр. 523
١ - ما الدليل على وجوب الجلوس؟
٢ - وما مقدار الواجب منه؟
٣ - وما الدليل على وجوب التسليم؟
٤ - وهل يتعين أم لا؟
٥ - وإن تعين فما صفة (١) لفظه؟
٦ - وهل يتكرر التسليم أم لا؟
٧ - وما صفة الهيئة (٢) التي يفعل عليها؟
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما وجوب الجلوس فلأنه ﷺ -جل س في آخر صلاته وقال: صلو كما رأيتموني أصلي (٣) .. وهذا يقتضي وجوبه. ولأن السلام واجب ولا بد له من محل ولا محل له إلا الجلوس. وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما مقدار الواجب منه، فقدر ما يوقع فيه السلام. وهكذا قال القاضي أبو محمَّد في كتابه هذا: أن الواجب منه قدر ما يعتدل فيه ويسلم. وإنما قلنا بوجوب هذا المقدار لما قدمناه من أن السلام واجب. ولا بد له من محل. ولا محل له إلا الجلوس. وهذا يقتضي وجوب هذا المقدار. وأما إيجاب ما زاد عليه فسنتكلم على سقوطه عند كلامنا على التشهد الثاني إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: الدليل على وجوب التسليم أنه ﷺ لما صلى، سلم من الصلاة (٤). وفعله ها هنا يقتضي الوجوب لما قدمناه. ولأن الصلاة تفتقر إلى تحليل يخرج به منها. كما افتقرت إلى تحريم يدخل به فيها. ولما كان التحريم واجبا كان التحليل واجبا.
стр. 524
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: مذهب مالك والشافعي أن التحليل من الصلاة يتعين بالتسليم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يتعين وأنه يتحلل من الصلاة بكل معنى يضادها كالحدث وما في معناه. وذكر عن ابن القاسم أن من أحدث في آخر صلاته في التشهد أن صلاته صحيحة. قال أبو الوليد الباجي وهذا يقرب من قول أبي حنيفة. وهذا الذي ذكر أبو الوليد أنه يقرب من قول أبي حنيفة إنما يصح تأويله فيه على أن ابن القاسم ذكر ذلك فيمن أحدث متعمدًا قاصدا بذلك الخروج (١) من الصلاة لأن أبا حنيفة إنما يقول ذلك فيما قصد به الخروج من الصلاة. وأما (٢) وقوع ما يضادها من غير قصد إليه فإنه لا يكون عنده تحليلًا.
وسبب الاختلاف في ذلك يقرب مما قدمناه من القول في تعين تكبيرة الإحرام. وإن من لزم الاتباع عَيَّنَ التحليل والتحريم ومن استعمل القياس لم يعين فيهما. وهكذا الاختلاف أيضًا في السلام. هل هو من نفس الصلاة أم لا؟ يقال فيه ما قلناه في تكبيرة الإحرام.
وقد استدل أصحابنا على التعيين بقوله وتحليلها التسليم (٣) وهذا يقتضي قصر التحليل على التسليم لأنه حصر التحليل في التسليم. واستدل المخالف على نفي التعيين بقوله ﷺ : "إذا رفع الإِمام رأسه من السجدة الأخيرة وقعد، ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته (٤). وهذا الحديث لم يسلم له ثبوته فلا يلزم تأويله واستدلوا أيضًا بما وقع في الحديث في الشاك كم صلى؟ واتفق إن وقعت زيادته على أكثر أن الركعة والسجدتين نافلة قالوا فلو كان لا بد من
стр. 525
السلام ولا يصح التحلل إلا به لكانت هذه الزيادة مفسدة. ولا يؤمر بإصلاح يؤدي إلى إفساد (١). وهذا الذي قالوه لا يلزم. لأن الزيادة غير متحقق كونها نافلة وباطلة. وإنما ذكر في الحديث كونها نافلة تقديرًا لا تحقيقًا. وبإزاء تركها مخافة أن تكون نافلة إيجاب فعلها مخافة أن تكون واجبة. ومن شك هل فعل؟ حكم بأنه لم يفعل. لأن الأصل عدم الفعل. ومن تحقق أنه لم يفعل الركعة الرابعة فيجب عليه فعلها إجماعا. فلا معنى لاستدلالهم بهذا الحديث.
واستدلوا أيضًا بأن المأموم يقضي ما فاته قبل السلام. فلو كان من الصلاة ولا يصح التحلل إلا به لوجب متابعة الإِمام فيه. وهذا لا يلزم. لأن ترك المتابعة إنما يسقط لما بقي على المأموم من الصلاة. والباقي عليه منها واجب اتصاله بما مضى. ولا يصح أن يفرق بينهما بقاطع محلل. فلهذا لم تلزم المتابعة للإمام في السلام، على الفور.
واستدلوا أيضًا بأن الصوم لما ضاده الأكل وخرج منه به، خرج منه بالليل وإن لم يقع أكل. وهذا غير صحيح لأن مناقضة الليل للصوم لا يشترط فيها القصد. وهم يشترطون في الحدث القصد. على أن الصوم يفتقر مبدؤه إلى تصرم الليل. فكذلك منتهاه ينقطع بدخوله. والصلاة لما افتقر مبدؤها إلى نطق، افتقر منتهاها إلى نطق. وقد قال بعض من اشترط التعيين أن الصلاة مبنية على الاحترام والتعظيم. وقصد الحدث ينافي التعظيم. ولا يليق بمحاسن الشرع أن يجعل محللًا من الصلاة. وقد أنكر القفال كون (٢) السلام مضادًا للصلاة. ولو قيل له فما باله ينقضها في أثنائها؟ لقال كما تنقضها الركعة والسجدة في غير موضعها. وإذا صح ما قاله القف الذي منع المضادة انسد باب القياس الذي حاولوه لفقد ما قالوه من معنى الأصل.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما السلام من الصلاة فلفظه متعين وصورته السلام عليكم. فإن نكر السلام ونونه فقال: = سلام عليكم = فذكر القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا أنه لا يجزيه. وذكر ابن شعبان عن
стр. 526
بعض الناس: أنه يجزيه. وهو أحد قولي الشافعي. وقد قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في الإِمام المُنكر للسلام لا يجزيه. وقال ابن شبلون يجزيه. فمن منع الإجزاء اعتمد على أنه هو المنقول عن النبي ﷺ . وبه مضى العمل. فالاتباع فيه واجب على حسب ما قلناه في تكبيرة الإحرام. وقال ابن شعبان الأولى أن يقال: السلام عليكم لأن السلام هو الله سبحانه. وأما من نكّر فكأنه رأى المعنى متقاربًا. فوجب لتقاربه أن يقع الاعتداد به. وهذا يبعد على أصولنا التي قدمناها في وجوب تعيين لفظ التكبير.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما الإِمام والفذ فيسلمان تسليمة واحدة في المشهور من المذهب. وروي عن مالك أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإِمام منهما. وبإثبات تسليمتين فيهما، قال أبو حنيفة والشافعي والحسن بن صالح وابن حنبل. واختلف هؤلاء في التسليمة الثانية هل هي واجبة أو مندوب إليها؟ فقال الحسن بن صالح وابن حنبل بوجوبها. وقال من قدمنا ذكره من مثبتيها بالندب إليها. وسبب الاختلاف في ثبوتها اختلاف الأحاديث. ففي بعضها أنه سلم واحدة (١). قال بعض المحدثين ولا يثبت ذلك. وفي بعضها أنه سلم تسليمتين (٢) إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله. ودليلنا على نفي الوجوب أن التحليل، يحصل بالتسليمة الأولى ولا يجب تكرارها كما لم (٣) يجب تكرار التحريم. وأما المأموم فيسلم تسليمتين إحداهما للتحليل من الصلاة والثانية يرد بها على الإِمام.
وهل يسلم ثالثة أم لا يرد بها (٤) على من كان على يساره. المشهور إثباتها.
قال القاضي أبو محمَّد: في غير كتابه هذا: ذلك مختلف فيه. فإن أثبتناه
стр. 527
فلأن الإِمام ينفرد بحكم عن المأمومين (١) *فأفرد بسلام يختص به دونهم، كما انفردت تسليمة الرد عليه عن تسليمة التحليل لما اختلف حكماهما. وإن نفيناه فلأنه كما جاز أن يجمع جماعة من المأمومين* (٢) في الرد عليهم. جاز أن يجمع الإِمام معهم ولا يلزمه إفراده كما لا يلزمه إفراد كل مأموم بسلام. فإن قلنا بالمشهور الذي حكيناه من إثبات تسليمة ثالثة. فبأي سلامي الرد يبدأ؟ قيل بالإمام لأنه السابق بالسلام فكان أولى أن يقدم في الرد وقيل لمن على اليسار.
وحكى القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا التخيير بينهم. فكأن هذا المخيِّر لم يلُح له ترجيح بينهما فخير فيهما.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: روي عن مالك أن المأموم يجهر بتسليمة التحليل جهرًا يسمع نفسه ومن يليه ويخفي تسليمة الرد على من على يساره. قال لئلا يقتدى به في ذلك. قال بعضهم بالتسليمة الأولى يستدعي الرد.
واستدعاء الرد يفتقر إلى الجهر. وتسليمة الرد لا يستدعى بها رد. فلم يفتقر إلى الجهر. والإمام والفذ يسلمان قبالة وجوههما ويتيامنان قليلًا وأما المأموم فقال الشيخ أبو محمَّد يسلم عن يمينه. وهكذا ظاهر رواية ابن القاسم لأنه قال فيه (٣) يتيامن ولم يقل قبالة وجهه. وأما من فاته بعض الصلاة فقام لقضائه فهل يخاطب بتسليمة الرد أم لا؟ اختلف فيه قول مالك وعلل بعض المتأخرين ثبوته بأن حكم الإِمام باق عليه في حكم قضائه. فكان الإِمام لم يفرغ بعد من صلاته.
وعلل نفيه بأن من سنة الروإلاتصال بسلام الابتداء. فإذا عدم الاتصال لم يثبت الرد. وهذا اعتلال يقتضي تصور الاختلاف في الرد، وإن كان من يرد عليه حاضرًا لم يذهب. وأشار بعض أشياخي إلى أن الاختلاف (٤) لا يتصور مع حضور من يرد عليه وإنما يتصور مع غيبته.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وقد بينا وجوب النية واستقبال القبلة.
стр. 528
والواجب المعتد به من النية (١) ما قارن تكبيرة الإحرام سواء ابتديتا (٢) في حال أو تقدمت النية واستصحبت ذكرًا إلى التكبير.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سؤالان. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن المعتد به في النية ما قارن الإحرام؟
٢ - وما معنى قوله واستصحب ذكرًا؟
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في زمان النية. فالمشهور عندنا ما ذكره القاضي أبو محمَّد من قصر الوجوب على حالة الإحرام. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة يجوز تقديمها على الإحرام بالزمن اليسير. وبعض أشياخي يشير إلى تخريج الخلاف (٣) عندنا في هذا. وقد قدمنا الكلام على أن تخريج الخلاف في ذلك من الاختلاف في تقدم (٤) نية الطهارة عليها بالزمن اليسير. وقد ينفصل عنه بأن النية في الصلاة آكد، للإجماع على وجوبها. وأن الطهارة لما اختلف في إيجاب (٥) النية فيها أمكن أن يتساهل في جواز التقدمة للنية بالزمن اليسير. وذهب داود إلى أن من شرط النية تقدمها على تكبير الإحرام وأن لا يكونا معًا، تخيلا منه أن إباحة المقارنة تؤدي إلى أن يقع جزء من التكبير عاريًا من النية. وهذا لا يسلم له لأنا اشترطنا وقوعهما معًا. وذلك غير مستحيل. وما لا يستحيل لا يمتنع وجوده.
وأما أبو حنيفة فإنا نرد عليه بأن النية عرض والعرض لا يبقى. وإذا تقدمت وعدمت، وقع الفعل عاريا من النية. فلا يفيد إذن قرب المتقدم. ولا فرق بين القرب والبعد لأن الغرض بالنية تخصيص الفعل بأحد الأنحاء التي (٦) يمكن
стр. 529
وقوعها عليها. وإذا وقع عاريا لم يتخصص بذلك.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما قيد بقوله ذكرًا لأن النية قد تستصحب حكمًا كمن افتتح الصلاة بنية ثم ذهل عن النية في بعض أثناء الركعات، فإن صلاته صحيحة لأن النية مستصحبة فيما ذهل عنه من جهة الحكم والشرع. فلما كان الاستصحاب قد يكون حكمًا كما مثلناه وهو لا ينفع قبل الدخول في الصلاة لما بيناه، قيد بقوله ذكرًا تحرزًا من هذا. وهو إذا استصحبها ذكرًا (١) فكأنه مجدد للنية حين الإحرام. فعاد الأمر لما قلناه من وجوب المقارنة للنية بتكبيرة الإحرام.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ولفظ التكبير متعين وهو أن يقول الله أكبر لا يجزي غيره من قوله الله الأكبر أو أجل أو أعظم (٢). والواجب من القراءة متعين وهو فاتحة الكتاب لا يجوز (٣) غيرها في كل ركعة. هذا هو الصحيح من المذهب *وقول آخر الاكتفاء بأكثر الصلاة أو نصفها أو بعضها وهي ضعيفة في المذهب* (٤) والاعتد الذي الركوع والسجود واجب. ويجزي منه أدنى لبث ولم نعده فرضًا زائدًا على الركوع والسجود. لأن اسمهما قد تضمنه. ويسجد على جبهته وأنفه. فإن ترك الجبهة فلا يجزيه وإن اقتصر عليها أجزاه. والاعتد الذي القيام للفصل بينهما مختلف فيه والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب. وكذلك في الجلسة بين السجدتين. والواجب من التسليم مرة ولفظه متعين. وهو أن يقول السلام عليكم لا يجزي غيره. وقدر القيام الواجب ما يكبر فيه للإحرام ويقرأ أم الكتاب. وما زاد على ذلك مسنون. ومن الجلوس قدر ما يعتدل ويسلم وما زاد على ذلك مسنون.
قال الفقيه الإِمام ﵁: جميع ما في هذا الأصل قد فرغنا نحن من الكلام عليه في مواضعه المتقدمة. ورأينا أن ذلك أقرب تناولًا لمن أحب
стр. 530
المطالعة وأسل للحفظ (١). فلما ذكرنا التحريم استوفينا جميع المسائل المتعلقة به التي منها ما ذكر في هذا الفصل من وجوب التعيين. وكذا صنعنا في القراءة ليكلون له الأخذ في النظر في مسألة قد استوعب جميع فروعها قبل أن ينتقل إلى غيرها. ولكن ننبهك هنا على رموز القاضي أبي محمَّد في هذا الفصل لتستدل بذلك على سعة علمه. فمن ذلك أنه لما ذكر وجوب التعيين في الإحرام *مثل فيما يمنع* (٢) مما خالف التعيين بقوله: الله أكبر أو أجل أو أعظم ليشعر بذلك مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة جميعًا؛ لأن الشافعي لا يجيز أجل وأعظم ويجيزها أبو حنيفة. وأما أكبر فيجيزانه جميعًا كما قدمنا. ومن ذلك قوله في القراءة إن الواجب منها متعين وهو فاتحة الكتاب. هذا أيضًا إشارة إلى ما قدمناه من أن أبا حنيفة، يرى حصول الإجزاء بجميع آي القرآن. ومن ذلك قوله: في كل ركعة. هذا هو الصحيح من المذهب. فهذا أيضًا إشارة إلى ما قدمناه من الاختلاف الكثير في المذهب. ومن ذلك قوله والاعتد الذي الركوع والسجود واجب ويجزي منه أدنى لبث. ومراده بالاعتدال هنا الطمأنينة. وفي قوله أدنى لبث، تنبيه على ما كنا قدمناه من الكلام على مقدار الواجب من الطمأنينة. ومن ذلك قوله الواجب من التسليم -مرة- فيه إشارة إلى مذهب ابن حنبل الموجب تسليمتين كما قدمناه. وفي قوله ولفظه معين وهو أن يقول السلام عليكم مرة، فيه إشارة إلى ما قدمناه من الاختلاف في السلام المُنكر. وفي قوله لا يجزئ غيرها، إشارة إلى ما قدمناه من مذهب أبي حنيفة من صحة التحلل بكل ما يضاد الصلاة. وما ذكره من أن الواجب من القيام قدر الإحرام وقراءة أم القرآن. قد قدمنا الكلام على وجوب القيام للإحرام، والقيام لقراءة الفاتحة مبني على القول بوجوبها. وقد تكلمنا على وجوب القيام على من لا يحسنها (٣). فجميع ما اشتمل عليه الفصل الذي ذكرناه عنه قد مضى الكلام عليه موعبًا. فمن شاء معرفته فليطالعه هناك في مواضعه.