بحفظها وتدبرها والنظر فيها. ولهذا كانت معجزتهم فصاحة بهرت عقولهم حتى انقادوا للإيمان بها مذعنين. وأما من جهة الشريعة فلكون القرآن أصل هدايتهم وينبوع أحكامهم. وحفظه وتلاوته عبادة من أجل عباداتهم وقربهم. وإذا كان هذا هكذا وجب القطع على أن ما كان من القرآن شاع فيهم وظهر ونقلوه إلينا نقل أمثاله. ولما لم ينقلوا كون البسملة قرآنًا كما نقلوا غيرها ولا ظهر ذلك فيهم كما ظهر في غيرها من الآي وجب القطع على أنها ليست من القرآن. وهذا دليل معتمد به نرد نحن والشافعي ما زاده الروافض وأمثالهم في القرآن. ونقطع على بطلان ما قالوه. فهذه عمدة مالك وأبي حنيفة.
وأما عمدة الشافعي فإنه لما رأى تحفظ السلف لما كتبوا القرآن حتى كانوا يقولون جردوا القرآن. ويكرهون النقط والتفاسير. وكانوا إنما كتبوه حسمًا لمواد الزيادة والنقصان فيه. وجب أن يكون ما اشتمل عليه قرآن. وقد اشتمل على بسم الله الرحمن الرحيم. والانفصال عن هذا أنا لم نفهم عنهم حين تسليم المصاحف إلينا أن البسملة من القرآن كما فهمنا ذلك عنهم في غيرها من الآي. وكما لم نفهم ذلك عنهم ولا فهمه الشافعي في فواتح السور *ونحن الآن نقول إن البسملة ليست من القرآن في افتتاح السور* (١) ونحن مع هذا نشير إلى المصحف فنقول هذا القرآن ونطلق هذا الإطلاق في عصرنا هذا وفي غيره من الإعصار. مع العلم بأننا ننكر كون البسملة من القرآن. فإذا صح إطلاقنا هذا مع اعتقادنا ما قلناه، صح إطلاق الأولين مع كونهم معتقدين ما اعتقدناه مع أنها في المصاحف القديمة مكتوبة بخط على حدة غير متصلة بالسور. وإفرادها بخط على حدة كالإشعار بأنها ليست من السورة. وأيضًا فإن بعض المصاحف المبعوثة إلى البصرة والكوفة ليست فيها البسملة. ولأجل هذا قرأ أبو عمرو وحمزة بترك الفصل ببسم الله الرحمن الرحيم. فإن قالوا: فإن المصاحف اختلفت في قوله ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ في سورة الحديد، ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في سورة براءة وغير ذلك. ثم لم يدل حذف الزيادة من بعض المصاحف على أنها ليست بقرآن. فكذلك حذف البسملة من بعض المصاحف. قلنا حذف
стр. 562
تلك الأحرف من تلك المصاحف لم يحدث اختلافا على أنها من القرآن، بل هي قرآن عند من كانت في مصحفه. ومن لم تكن عنده. والبسملة ينكر كونها قرآنا جمهور من كانت في مصحفه فضلًا عمن لم تكن في مصحفه. وأما الأخبار الواردة في هذا فقد اختلفت وحاولت كل فرقة تأويل أحاديث الفرقة الأخرى.
فاحتج أصحابنا بقول أنس أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين. وهذا إن تأولوه على أن المراد به السورة من أولها. وأولها البسملة منعهم من ذلك ما أخرجه مسلم عن أنس قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول القراءة ولا في آخرها (١). وهذا إن تأولوه على أنه كان يخفيها. فإن ظاهره خلاف ذلك لأنه نفى الذكر على الإطلاق. واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. يقول العبد الحمد لله رب العالمين (٢) -. والمراد بقوله قسمت الصلاة الفاتحة لأنه قد فسر المقسوم. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٣). أي بالقرآن في صلاتك. وقد تضمن الحديث ما يبتدىء به المصلي. فلو كان بسم الله آية منها (٤) لبدأ بها. وأجابوا عن هذا بأنه إنما حذفها لأن الثناء الذي في البسملة يتكرر في قوله الرحمن الرحيم. وأجيب عن هذا بأنه لو كان الحذف للاختصار لحذف الثاني خاصة حتى تكون البداية بالتي أنزلت بداية. وأيضًا فإنما تكرر بعض البسملة. ودليل آخر من هذا الحديث وهو أن البسملة لو كانت آية لما صح كون الفاتحة نصفين بين العبد (٥) وربه كما ورد به الحديث. وأجيب عن
стр. 563
هذا بأن المراد: نصفان من جهة العدد لا من جهة المعنى. فالمعنى أن افتتاحها لله واختتامها للعبد. ووسطها مشترك. وهذا غير مسلم لأن ذكر القسمة والتنصيف وعد الآي يقتضي أن المراد بالحديث خلاف ما قالوه. ولا وجه لحمل القسمة والتنصيف على غير ما يقتضيه اللفظ في اللغة إلا بدليل. واستدل أصحابنا بقوله ﵇ لأبي بن كعب أني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى أعلمك سورة (١) -الحديث- وفيه أنه سأله كيف تقرأ في الصلاة؟ قال فقلت الحمد لله رب العالمين إلى آخرها. فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين قرأ الفاتحة. فلو كانت البسملة منها لأنكر عليه تركها حين قرأ جملة الحمد لله دونها.
وأما المخالفون فلا يجدون خبرًا صحيحا ولا سقيما يثبتون به كونها آية في سائر القرآن. بل اتفاق القراء على أن سورة الملك ثلاثون آية والكوثر ثلاث آيات. والإخلاص أربع آيات، دليل على أنها ليست من كل السور. إذ لو كانت من هذه السور لزاد عدد هذه السور على ما قلناه. ولم يقل بالزيادة على ذلك أحد. وأيضًا فإنها لو كانت من كل السور لم يحسن إثباتها بين سورة الفيل والتي بعدها. لأن قوله تعالى: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ (٢) كالتعليل: ﴿لإيلاف قريش﴾ (٣). ولا يحسن الفصل بين العلة والمعلول بكلام غير مناسب لهما بل كالقاطع للربط بينهما. ولكن ذكروا أخبارًا تعلقوا بها في كونها من أم القرآن.
منها أنه قرأ البسملة وعدها آية (٤). ومنها أنه من ترك (٥) بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله (٦). وقد عد علي فيما عد من أم الكتاب ومنها أنه ﵇ كان يقطع قراءته لبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب
стр. 564
العالمين (١). ومنها إذا قرأتم القرآن فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وأن بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها (٢).
ونسلك في الجواب عن أحاديثهم هذه ثلاثة طرق: أحدها أنها أخبار آحاد والقرآن لا يثبت بإخبار الآحاد. وقد مر لنا من ذلك كفاية. وهذا جواب كاف عن جميع الأحاديث.
والجواب الثاني: مبني على طريقة من قال من أصحاب أبي حنيفة أنها آية أنزلت للفصل بين السور ولم تنزل آية من أم القرآن. وطريقة هؤلاء في الجواب عن الأحاديث أن يقولوا الأخبار النافية مبنية على أنها ليست من نفس السورة والأخبار المثبتة محمولة على أنها أنزلت للفصل إلا ما وقع من بعض ألفاظ في بعض الأحاديث تمنع من هذا البناء. فإنهم ينكرون صحتها أو يتطلبون لها تأويلًا.
والطريقة الثالثة النظر في عين كل حديث فقوله: عدها آية معناه في الأجر والثواب، أو عدها آية على أنها من سورة النمل. فأخذ كونها آية من هناك وبنى عليه العدد. وقوله: يقطع قراءته ليس فيه تصريح بكونها من القرآن وإنما القصد به ضرب من الحكاية. وقوله: إنها أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني ظاهره أن البسملة هي السبع المثاني، وقد علم أن البسملة ليست هي السبع المثاني، مع أن الحديث ضعيف. وقوله فقد ترك آية من كتاب الله قد يتأول عندي على أن المراد به أنها آية من سورة النمل أو كالآية في الأجر والثواب، أو آية (٣) أنزلت للفصل، لو قلنا كما قال أصحاب أبي حنيفة. ولم يذكر في ماذا عُدت عليه فيكون نصًا في كونها من القرآن. وهذه التأويلات وإن خرج في بعضها عن مقتضى ظاهر اللفظ فإن ذلك مما لا يضطر إلى الرجوع إليها والتعويل عليها لما قدمناه من أن أخبار الآحاد لا مدخل لها في هذا الباب. وهو (٤) الذي أغنانا أن
стр. 565
أذكر (١) لك صحتها أو سقمها ونكشف لك عن رواتها.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قال القاضي أبو محمَّد سرًّا أو جهرا تنبيها على اختلاف الناس في ذلك فقد قال الشافعي السنة أن يجهر بالبسملة. وروي ذلك (٢) عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة. وقال مالك في المبسوط إن جهر بها في المكتوبة فلا حرج. وقال الثوري وأبو حنيفة وأحمد لا يجهر بها. وروي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار. وقال ابن أبي ليلى إن شاء جهر وإن شاء خافت.
فحجة من قال بالجهر قول نعيم بن عبد الله المجمر: صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قبل أم القرآن وقبل السورة. وكبر في الخفض والرفع وقال أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (٣). وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ فعلمني الصلاة وقام فصلى بأصحابه وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" (٤). وحجة من لم يقل بالجهر ما ذكر أنس أنه صلى خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وعمر ﵄ وكانوا لا يجهرون بها (٥).
وعن ابن مسعود ماجهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة قط بالبسملة (٦). وعن عبد الله بن المغفل أنه سمع ابنه يجهر بالبسملة (٧) فقال: أي بني إياك والحدث في الإِسلام فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر فكانوا لا يجهرون بالبسملة (٧). وإذا أردت القراءة فقل الحمد لله رب
стр. 566
العالمين (١). وأيضًا فإن التسمية مذكررة على سبيل الثناء. وسبيل الثناء المخافتة به على ما مر ذكره في التأمين.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في التعوذ فقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ. ويتعوذ من قرأ في غير صلاة إن شاء. وقال الشافعي يستحب التعوذ بعد دعاء الاستفتاح وقبل القراءة. واحتج أصحاب الشافعي بقول الخدري أن النبي ﵇ كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢). وحجة أصحابنا ما تقدم من أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. وقال بعض أصحابنا في صفة التعوذ أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العلم. واختار الشافعية (٣) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. واختاره الثوري (٤) وأضاف إليه إن الله هو السميع العلم. وقال الحسن بن صالح وابن سيرين أعوذ بالسميع العلم من الشيطان الرجيم. واختاره ابن حنبل. وأضاف إليه إنه هو السميع العلم.
وحجة من أثبت هذه الزيادة قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥). وحجة الشافعية ما تقدم من حديث الخدري.
وقال بعض أشياخي إنما لم يتعوذ في الصلاة لأن افتتاحها بالتبكير يكون مطردة للشيطان. كما أخبر في الحديث إن المؤذن إذا أذن أدبر الشيطان (٦).
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما قوله لا عند قراءة أم القرآن ولا في التي بعدها، فإنا قد قدمنا أن البسملة ليست من أم القرآن ولا في شيء
стр. 567
من السور التي تقرأ بعدها. وأن الشافعي اختلف قوله في كونها من السور التي
تقرأ بعد أم القرآن ولم يختلف قوله في أنها من أم القرآن. وأما التعوذ فعند
الشافعي أن محله بعد دعاء الاستفتاح (١) وقبل القراءة. ولمالك فيمن قرأ في
الصلاة أنه يتعوذ بعد أم القرآن. وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي التعوذ بعد
القراءة. واحتج ابن سيرين بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢). وأجيب عن هذا بأن المراد إذا أردت قراءة القرآن. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. أي إذا أردتم القيام إليها. والتعوذ يختص بالركعة الأولى عند أبي حنيفة، والشافعي. وقال ابن سيرين بل يتعوذ في كل ركعة. وقيل إن هذا قول آخر للشافعي. فمن قال بتكرره رآه كالتأمين لما كان من توابع القراءة، ككون التأمين من توابعها. واحتجت الشافعية بأنه كدعاء الافتتاح فوجب أن لا يتكرر. وفُرق بينهما بأن دعاء الافتتاح يراد لافتتاح الصلاة وذلك لا يتكرر. والتعوذ يراد للقراءة. والقراءة تتكرر.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: البسملة لا تقرأ في الفرائض (٣).
ويجوز قراءتها في النوافل. وقال ابن نافع لا يدعها في فرض ولا نفل. وهذا المذهب إنما يليق بمذهب الشافعي الذي قدمناه.
واختلف المذهب فيمن قرأ السورتين بعد أم القرآن. فروى ابن وهب عن مالك أنه يفصل بينهما بالبسملة. وقال أشهب لا يؤمر بذلك. وإلى هذا المذهب أشار القاضي أبو محمَّد هنا بقوله إن شاء فصل بين السور. والذي عندي في هذه المسألة أن إطلاق القول فيها لا يحسن حتى يعلم لمن يقرأ (٤) القارئ. فإن القراء السبعة مختلفون في الفصل بين السور بالبسملة. فمنهم من أثبتها، ومنهم من نفاها. فإذا قرأ القارئ برجل من السبعة فينبغي أن يقرأ له على حسب ما روي عنه من الفصل أو تركه.
стр. 568
قال القاضي رحمه الله تعالى: والمختار من قدر القراءة في الصلاة مختلف لاختلاف أعيانها. وهو على ثلاثة أضرب: إطالة وقصر وبينهما. فالإطالة في الصبح والظهر. ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل أو ما زاد عليه بقدر ما يحتمله التغليس ولا يبلغ به الأسفار. والظهر تليها في ذلك وتقاربها (١).
ويستحب التخفيف في العصر والمغرب. ويستحب في العشاء الآخرة بين القراءتين. والصلوات في الجهر والإسرار على ثلاثة أضرب منها: ما يجهر في جميعها وهي الفجر والجمعة. ومنها ما يسر في جميعها وهي الظهر والعصر.
ومنها ما يجمع الأمرين وهو المغرب والعشاء. وهذا (٢) حكم الفرائض. فأما (٣) النوافل فتذكر فيما بعد.
قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة ما قال؟.
٢ - وهل تقدر الإطالة والقصر والتوسط؟.
٣ - وهل الظهر كالصبح؟.
٤ - وهل العصر كالمغرب؟.
٥ - وهل الركعة الأولى مثل الثانية أم لا؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على صحة ما قاله في هذا الفصل نقل الخلف له عن السلف وظهور العمل به في سائر الأعصار (٤). وما نقل هذا النقل فينبغي اتباعه كما عولنا في عدد الركوع والسجود على النقل المستفيض.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قدر أصحابنا القراءة في الصبح
стр. 569
بطول المفصل. وقالت الشافعية باستحباب طوال المفصل مثل: ق والذاريات ونحوهما. وقال أبو حنيفة يقرأ في الأولى من ثلاثين إلى ستين. وفي الثانية من عشرين إلى ثلاثين. وقد استدل من اختار طوال المفصل مما روي أنه قرأ في الصبح والنخل باسقات. وقرأ في صبح يوم الجمعة ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان. وأما العشاء الآخرة فتقدر القراءة فيها بإذا الشمس كورت ونحوها (١).
وعند الشافعية بأوساط المفصل كالجمعة والمنافقين ونحوهما. وقال أبو حنيفة يقرأ في الأوليين في كل ركعة بعشرين آية غير فاتحة الكتاب. وقال ابن حنبل خمس عشرة آية. واحتجت الشافعية بأنه روي أنه ﵇ قرأ في العشاء الآخرة بالجمعة والمنافقين (٢). والحجة لنا فيما آخترناه قوله ﵇ لمعاذ لما شُكيت إليه إطالته في صلاة العشاء أفتّان أنت يا معاذ؟ وذكر أنه قال له اقرأ بسورة كذا وكذا قال بسورة والسماء ذات البروج والليل إذا يغشى والسماء والطارق وهل أتاك حديث الغاشية (٣).
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف أصحابنا في الصبح والظهر فقال أشهب الظهر نحو الصبح. وقال يحيى الصبح أطول.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: العصر والمغرب عندنا متساويتان يخفف فيهما. وتقدر القراءة بإحدى السور التي من والضحى إلى آخر القرآن.
ويستحب أن يقرأ الإِمام بأطول ذلك في العصر. وعند الشافعية أن العصر كالعشاء. وكذلك عند أبي حنيفة. وقد ذكرنا ما قدروه في القراءة في العشاء فالعصر عنده مثل ذلك (٤).
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قال في المختصر لا بأس أن
стр. 570
يقرأ في الثانية بأطول من قراءته في الأولى. وقال في الواضحة: الصبح والظهر نظيران في طول القراءة. ويستحب أن تكون الركعة الأولى أطول ..
وظاهر (١) هذا أن المذهب على قولين. وكذلك اختلفت الشافعية على قولين.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يستحب أن تفضل الأولى على الثانية في صلاة الصبح خاصة. وقال الثوري ومحمد يستحب ذلك في جميع الصلوات. فحجة من قال بالمساواة قول الخدري حزرنا قيام النبي ﷺ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر (٢) ثلاثين آية (٣) *ولأن الأخريين تساويًا في القراءة* (٤) فكذلك الأوليان. وحجة من قال بالتفصيل قول أبي قتادة أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية (٥). وقد تأولت الشافعية هذا الحديث على أن المراد به إطالة الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ. وقد تقدم ذكر مذهبهم في دعاء الافتتاح. وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة فيما قرأ به. منها قراءته في المغرب بأطول الطوليين (٦). وأيضًا بالطور. وأيضًا بالمرسلات. وفي الصبح بالمؤمنين حتى أخذته سعلة قبل إكمالها (٧). وقرأ الصديق في الصبح بالبقرة (٨).
ولم يفسر الناقل هل قسمها بين الركعتين أو كررها فيهما؟ والظاهر أنه لو كررها لخرج الوقت، بل ربما أن قسمتها إلى أن لا يفرغ منها حتى يسفر. وقرأ عمر في الصبح بيوسف والحج (٩). وكان عثمان يقرأ فيها بيوسف (١٠). وعن
стр. 571
النبي ﷺ أحاديث أخر تقتضي التخفيف. وقد أوعبنا الكلام على جميعها وذكرنا صفة البناء فيها وما تأولت عليه فيما أمليناه على البخاري. فمن أحب الوقوف عليه فليلتمسه هناك.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والمصلون ثلاثة: إمام ومأموم ومنفرد.
وهم في أداء الصلاة على ثلاثة أضرب: أحدها يشتركون في الخطاب لفعله، والآخر يختص به الإِمام والمنفرد، والآخر يختص به المأموم دونهما. وليس في ذلك ما يختص به الإِمام دون المنفرد إلا مواضع لا يتصور مقصودها على (١) الانفراد على ما نبينه. فمما يخاطب به الجميع: النية والإحرام والركوع والسجود، والفصل بينهما والجلوس والتسليم المفروض، وجميع الهيئات.
والذي ينفرد به الإِمام والمنفرد وجوب القراءة والجهر بها، وسجود السهو.
وفعل التسليم واحدة والذي ينفرد به المأموم سقوط فرض القراءة وسجود السهو وفعل التسليمة الثانية. ونحن نذكر صفة أداء الصلوات كلها على سياقه (٢) وإن طال ليتضح به ما ذكرناه.
قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدليل على ما قال؟.
٢ - وما معنى قوله إن الإِمام لا يختص دون المنفرد إلا فيما يتصور مقصودها في الانفراد؟.
٣ - وما معنى عده سجود السهو فيما يختص بالإمام والمنفرد؟.
٤ - ولم لم يكتف بوجوب القراءة عند ذكر الجهر بها؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: يستدل على صحة ما قاله بما أوردناه في عين كل مسألة أشار إليها وبما نورده فيما بعد. وقد ذكرنا الدلالة على جميع ما عدده فيما يخاطب به الجميع فيما تقدم. فلا معنى لإعادته.
стр. 572
وذكرنا الدلالة على سقوط فرض القراءة عن المأموم وذكرنا حكم تسليمته الثانية. وإنما يصح عند القاضي أبي محمَّد التسليمة الثانية فيما ينفرد به المأموم، على أحد القولين عندنا: أن الإِمام والمنفرد يسلمان واحدة. وأما على القول الذي قدمناه: أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين، فلا تعد التسليمة الثانية فيما ينفرد به المأموم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما إشارة القاضي أبي محمَّد إلى مواضع لا يتصور مقصودها في الانفراد فإنها حمل الإِمام القراءة وسجود السهو عن المأموم، فإن هذا العمل يختص به الإِمام ولا يتصور في المنفرد. إذ المحمول عنه معدوم عند المنفرد. فتصور العمل من غير محمول لا يمكن.
وكذلك أيضًا اعتقاد الإِمام الإمامة في الجمعة، وصلاة الخوف ينفرد به الإِمام دون المنفرد لأن المنفرد عبارة عمن ليس معه أحد يأتم به. ومن لا أحد معه لا يتصور منه اعتقاد الإمامة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: معنى قول القاضي أبي محمَّد أن المأموم يسقط عنه فرض القراءة وسجود السهو أن الإِمام يحمل عنه نسيان بعض أفعال الصلاة فلا يلزمه لأجل نسيانه سجود ولو كان منفردًا للزمه ذلك. فإن قيل إن المأموم يسجد مع الإِمام إذا سجد للسهو ويخاطب المأموم بذلك. فتراه لم يسقط عن المأموم. قيل إنما يسجد لمتابعة الإِمام لأن سجوده عوض عما ترك بدليل أنه يسجد مع الإِمام للسهو وإن لم يسه هو بنفسه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما لم يكتف القاضي أبو محمَّد فيما عده من خصائص الإِمام بقوله وجوب القراءة عن قوله والجهر بها. لأن وجوبها يسقط وقد يبقى مع سقوطها الندب إليها على قول من قال من أصحابنا إن المأموم يقرأ في صلاة السر دون صلاة الجهر فقد اختص الجهر بالسقوط دون السر في هذا الموضع وإن كان وجوب القراءة ساقطًا عن المأموم في السر والجهر.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: فنقول والله الموفق أن وجوب استقبال
стр. 573
القبلة واعتقاد نية الفريضة يستوي فيه (١) الصلوات كلها والمصلون كلهم. وينفرد المأموم باعتقاد (٢) الائتمام ولا يلزم الإِمام أن ينوي الإمامة إلا في الجمعة وصلاة الخوف. ولا يجوز للمأموم أن يخالف الإِمام في اعتقاد نيته في الفرض (٣) ولا في النفل ولا في غير الصلاة التي يأتم به فيها إلا أن يكون المأموم متنفلًا فله أن يأتم بمفترض.
قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال:
١ - هل قوله في استقبال القبلة أن الصلوات كلها تستوي فيه على إطلاقه (٤) أم لا؟.
٢ - وما الدليل على أن المأموم يلزمه اعتقاوإلائتمام؟.
٣ - وما الدليل على أن الإِمام لا تلزمه نية الإمامة؟.
٤ - ولم استثنى من ذلك الجمعة وصلاة الخوف؟.
٥ - وما الدليل على أن المأموم لا يجوز له أن يخالف الإِمام في النية؟.
٦ - ولِمَ استثنى من ذلك اقتداء المتنفل بالمفترض؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: مراده بقوله تستوي فيه الصلوات كلها والمصلون كلهم صلاة الفرض. لأن النفل على الدابة في السفر لغير القبلة يجوز على ما قدمنا (٥). وقد ذكر مع وجوب استقبال القبلة اعتقاد نية الفريضة؟ واعتقاد نية الفريضة لا تمكن في النوافل. فدل على أن مراده ما قلناه. وكذلك قوله والمصلون كلهم إنما يريد به مع إمكان استقبال القبلة لأن المسايف الذي لا يمكنه الاستقبال يسقط فرض القبلة عنه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: لما كان معنى الائتمام القصد
стр. 574
لمتابعة الإِمام وجب على المأموم أن ينوي ذلك. لأنه إما أن يقال لا يتابعه في الركوع والسجود فهذا، مَن فعله ولم يتابع الإِمام على شيء، فهذا إنما صلى منفردًا. ونحن كلامنا فيمن صلى مؤتمًا. وإن اتفق مقارنة أفعاله لأفعال الإِمام من غير قصد فهذا غير مؤتم أيضًا ولا مقتد. على أنه يبعد في العادة أن تتقارن سائر أفعال الصلاة اتفاقًا. وإن قارنت الأفعال الأفعال بقصد لذلك. وتعمد له، فهذا معنى النية. ولا بد من افتتاح الصلاة بها لئلا يمضي جزء من الصلاة لم يقصد (١) فيه المتابعة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الإِمام هل عليه أن ينوي الإمامة؟ فقال مالك ليس ذلك عليه. وقال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق يجب ذلك عليه. ومتى لم يفعل لم تصح صلاة المأموم. وقال أبو حنيفة يلزمه ذلك إذا أم النساء ولا يلزمه إذا أم الرجال. فحجة من لم يشترط: حديث ابن عباس. والظاهر فيه أن ابن عباس دخل معه في الصلاة بعد أن أحرم. وظاهر هذا أنه ﵇ لم يفتتح الصلاة بنية الجماعة. وقول أنس كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه فجاء رجل إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كنا رهطًا. فلما أحس رسول الله ﷺ أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة. الحديث. وحجة من أوجب نية الإمامة قوله ﵇: الإِمام ضامن (٢). وإنما يكون الضمان بعد العلم. ولأنه يحمل القراءة فوجب أن يقصد الإمامة ليصح العمل. وأجيب عن هذا بأن الضمان ها هنا لا يشترط فيه العلم، وإنما يضمن ما يتحمله وهو القراءة (٣) والسهو. وحمل هذا لا يفتقر إلى نية. ألا ترى أنه لو نوى الإمامة ونوى أن لا يحمل القراءة (٣) لم تؤثر نيته هذه في صحة العمل. وأما تفرقة أبي حنيفة بين الإمامة للنساء والإمامة للرجال، فإنه إنما يعتمد في ذلك على أن صلاة المرأة إلى جانب الإِمام يفسد صلاتها، وصلاة الإِمام. وهذا يقتضي أن على الإِمام تأخيرها
стр. 575
عنه (١) لتصح صلاته. وهذه زيادة فرض عليه لا يلزمه إلا بالقصد للإمامة. فلو أجزنا إمامته لها من غير قصد لأثبتنا عليه فرضًا لم يلتزمه (٢). ولم يقصد إليه وليس هو ثابتًا في الأصل. وهذا الذي بني عليه أبو حنيفة لا نسلمه له.
وسنتكلم على قوله بفساد الصلاة لأجل مقام المرأة هذا المقام. وإذا أوضحنا فساد الأصل فسد ما بني عليه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما استثنى صلاة الجمعة والخوف لأن صلاة الجمعة من شرطها الجماعة ولا تصح إلا بها فلما كانت الجماعة من شرط الصحة افتقر إلى القصد إلى ما هو شرط الصحة. ووجبت النية فيه. وأما صلاة الخوف فإنما أوجبوا فيها ذلك، عندي؛ لأن الإِمام يقيم الصلاة بين الطائفتين وينتظر الطائفة الأخرى (٣)، وهذا لا يكون إلا مع العلم والقصد. هذا وجه ما قالوه في ذلك. ويلحق بهاتين المسألتين الاستخلاف. فإن الإِمام الذي أحدث فاستخلف افتقر إلى قبول المستخلف للاستخلاف وقبوله لذلك (٤) يتضمن نية الإمامة أيضًا في تحصيل فضيلة الجماعة. لأن الإِمام إنما يكتب له فضل الجماعة إذا نواها.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: عندنا أن من شرط صحة صلاة المقتدي أن يوافق الإِمام في النية إلا فيما استثناه من جواز اقتداء المتنفل بالمفترض. وقال الشافعي ليس ذلك بشرط في الصحة. وقد خرج بعض شيوخنا مثل هذا، من القول عندنا بجواز إمامة الصبي في الفرائض. وخالفه غيره من الأشياخ وتردد فيه لاعتقاد الصبي نية الفرض. وقد قال بعض أصحابنا فيمن افتتح الصلاة ورأى من هو في خامسة ساهيًا أن صلاته لا تصح. قال ولو قلنا بصحة صلاته لم نناقض بذلك لأن الإِمام صلاه بنية الوجوب. وهذا الذي قاله فيه إشارة إلى الذي تردد فيه بعض الأشياخ. ودليلنا قوله إنما جعل الإِمام
стр. 576
ليؤتم به فلا تختلفوا عليه (١). واختلاف النيات ضرب من ضروب المخالفات.
ولأن الاقتداء يقتضي المشاركة حتى تصير الصلاتان في معنى الصلاة الواحدة ولا يمكن ذلك إلا بأن يمكن (٢) الإِمام على تحريمته صلاة المأموم. والإمام إذا أحرم بالنفل لا يمكنه أن يبني على هذه التحريمة صلاة الفرض التي يفعلها المأموم. ولما لم يمكن ذلك واستحالت المشاركة والاتحاد، وجب المنع من اختلاف النيات. ويحتج الشافعي بحديث معاذ وقد ذكر فيه أنه كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يصليها بقومه (٣). وأجيب عن هذا بأنه لم ينقل أن النبي ﵊ علم (٤) بذلك فأقره. ولو علم به فأقره لأمكن أن يكون معاذ صلى خلف النبي ﷺ بنية النفل وصلى بقومه بنية الفرض. وقد ردوا هذا بأنه قد قال في بعض طرقه: فكانت له نافلة وكانت لهم فريضة. وأجيبوا عن هذا بأنه تأويل من الراوي وقد يغلط فيما تأول على معاذ. ويحتج أيضًا بما روي أنه ﷺ صلى صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين (٥). والظاهر أن الثانية كانت نفلًا. وأجيبوا عن هذا بأن يمكن أن يكون صلى صلاة الخوف حضرا أو كان مسافرًا فنوى الإقامة حتى تكون الأربع هي فرضه. ويحتج أيضًا بإمامة عمرو بالناس وه وابن سبع سنين (٦). وأجيبوا عن هذا بأنه لم يذكر أنه ﵇ علم به فأقره. ولعله كان في مبدإ الإِسلام قبل وجوب القراءة. وتعلق صلاة المأموم بصلاة الإِمام، أو لعله كان في النفل. وتعلقوا أيضًا بما روي عن عمر ﵁ أنه صلى بالناس صلاة الفجر فسمع صوتًا حدث من خلفه، فلما فرغ قال عزمت على من أحدث أن يتوضأ ويعيد. فلم يقم أحد فقال جرير بن عبد الله البجلي: رأيت يا أمير إن توضأنا كلنا وأعدنا الصلاة. فقال عمر لم تزل مد كنت سيدا في الجاهلية
стр. 577
فقيهًا في الإِسلام. ففعلوا كذلك. وأجيبوا عن هذا بأنه لم يذكر أن عمر أمّ بهم ثانية. بل الظاهر أنه لم يفعل لأنه كان لا يرى بعد صلاة الفجر التنفل حتى تطلع الشمس. مع أنه يعارض بقول كثير بن أفلح قدمت المدينة ولم أكن صليت الظهر فدخلت المسجد وهم يصلون فصليت معهم الظهر. فلما فرغوا علمت أنهم كانوا في العصر، فقمت فصليت الظهر ثم صليت العصر ثم سألت عن ذلك أصحاب النبي ﷺ وكلهم أفتوا بما صنعت. واحتجوا من جهة المعنى بأن صلاة الجماعة إنما شرعت للبعد عن الغفلة والسهو بما يلتزم من مراقبة فعل الإِمام، والسهو بعيد عن الجماعة مع ما في الاجتماع والتكاثر على الفعل من تعظيمه في النفوس وإثارة الخشية والخضوع فيها. وهذا إنما يحصل بالمطابقة على الأفعال الظاهرة. وأما النيات فلا يطلع عليها إلا الله فيقدر المتابعة فيها مع أن النية تكون عند الإحرام. والمتابعة والاقتداء أمر يحدث بعد ذلك. فلم يكن للنية فيه مدخل. وأجيبوا عن هذا بأن صفة الصلاة لا تتميز عن الصلاة. فإذا وجبت المشاركة في الأصل وتقدير الاتحاد فيه وجب ذلك في صفته (١) التي لا تتميز عنه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما استثنى صلاة المتنفل خلف المفترض لما كنا أشرنا إليه من أن الاقتداء إنما يحصل متى أمكن الإِمام أن يبني على إحرامه صلاة المأموم. ومن أحرم بالظهر لا يمكن أن يبني على إحرامه صلاة العصر. ومن أحرم بالنفل لا يمكن أن يبني على إحرامه صلاة الفرض.
فأما من أحرم بالفرض فيمكنه أن يبني عليه صلاة النفل كمن أحرم بظهر فرض ثم علم أنه صلاها فإنه يفعل الذي يفعل من هذه الصلاة بعد ذكره بنية النفل. فلما أمكن ن يبني فعل النفل على إحرام الفرض صحت إمامة المتنفل بالمفترض. ولما لم يكن أن يبني فعل الفرض على إحرام النفل لم تصح صلاة المفترض خلف المتنفل. وقد تردد (٢) بعض أصحابنا في جواز صلاة ناذر ركعتين
стр. 578
خلف متنفل بهمالك ون النذر أخفض رتبة من الفرض وللنظر فيما قال مجال.
قال القاضي ﵀: ومن أحرم بصلاة الصبح رفع (١) يديه حذو منكبيه. والإمام (٢) والمنفرد يعقبان التكبير بقراءة أم القرآن وسورة من الطوال جهرا على ما قدمناه في كلتي الركعتين. والمأموم (٣) سنته بعد التكبير الإنصاف والاستماع. ومن لا يحسن أم الكتاب صلى خلف من يحسنها. فإن لم يقدر كبر واعتدل وسبح إن أحسن ثم ركع، ولا يجوز (٤) أن يؤم من يحسنها وعليه أن يأتم به. إلا أن لا يصلح للإمامة. ويجوز أن يؤم مثله. ومن فرغ منهم من قراءة أم القرآن أمّن المنفرد والمأموم. والأفضل للإمام الاجتزاء بتأمين المأموم، والاختيار إخفاء التأمين. وإذا فرغ من القراءة كبروا للركوع (٥) واعتدلوا فيه ورفع جميعهم منه.
قال الفقيه الإِمام ﵁: جميع ما اشتمل هذا الفصل عليه قد مضى القول فيه مستوعبًا في مواضعه؛ لأنا قدمنا الكلام على رفع اليدين وجميع ما يتعلق به ونفينا التوجه الفاصل بين التكبير والقراءة. وذكرنا مقدار القراءة، وذكرنا حكم الأمي وحكم التأمين. وقول القاضي أبي محمَّد ها هنا في الأمي: ولا يجزيه أن يؤم من يحسنها قدمنا الكلام عليه لما ذكرنا اضطراب المذهب في صحة صلاة الأمي مع وجود القارئ. فمن اختار أن يقف على قولنا في هذه الفصول فله طلبه في مواضعه المتقدمة يجد فيه قولًا شافيا.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: فأما الإِمام فيقول (٦): إذا رفع رأسه سمع الله لمن حمده ولا يقول ربنا ولك الحمد. والمأموم لا يقول سمع
стр. 579
الله لمن حمده ويقول اللهم ربنا ولك الحمد. والمنفرد يجمع الأمرين ثم يكبر للسجود ويجلس منه، ثم يسجد الثانية. وإذا أهوى (١) للسجود فإن شاء وضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إلا أن وضع اليدين ابتداء أحسن. وينهض من السجود قائمًا لا يقعد. ثم يقوم إلا أن يضطر إلى (٢) ذلك، لمرض أو ضعف.
ويفعل في الثانية من القراءة مثل ما فعل (٣) في الأولى. إلا أنه يقنت إن شاء قبل الركوع، وإن شاء بعده. واختاره مالك ﵀ قبله من غير تضييق.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما معنى سمع الله لمن حمده؟.
٢ - وهل يقتصر الإِمام عليه أم لا؟.
٣ - وهل يقتصر المأموم على ربنا ولك الحمد أم لا؟.
٤ - وما المختار من لفظ المأموم عندنا؟.
٥ - ولمَ جمع اللفظتين المنفرد؟.
٦ - ولمَ اختار في السجود البداية بوضع اليدين؟.
٧ - ولمَ نهي القائم من السجود عن القعود؟.
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف في معنى قول المصلي سمع الله لمن حمده. قال بعض أصحابنا معناه الدعاء. وكأن هذا القائل يشير إلى أن المراد به الدعاء بقبول التحميد. وقال بعض الأشياخ المراد به الحث على التحميد وإليه مال بعض الحذاق من غير أصحابنا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المشهور من المذهب عندنا اقتصار الإِمام على القول: سمع الله لمن حمده. وقال ابن نافع وعيسى ابن دينار بل يضيف إليه ما يقول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد، وبه قال الشافعي. فحجة القول المشهور عندنا قوله ﵇ في الإِمام وإذا قال سمع
стр. 580
الله لمن حمده فقدلوا ربنا ولك الحمد (١). وهذا يقتضي اقتصار الإِمام على القول: سمع الله لمن حمده. لأنه خص كل واحد من الإِمام والمأموم بقول ما.
فلو كان كل واحد منهما يقول ما يقوله صاحبه لم يكن لهذا التخصيص فائدة. وهذا نحو ما قلناه في نفي التأمين من أن قوله إذا قال: ولا الضالين فقدلوا آمين، يقتضي اقتصار الإِمام على ذلك، وأنه لا يؤمّن. وقد قدمنا ما قيل في ذلك. ولأن معنى سمع الله لمن حمده: الحث على التحميد، فيجب أن يكون الإِمام مختصًا بالحث على ذلك والمأموم مختصًا بالمجاوبة له (٢) عما حث عليه بأن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد. ويكونان في ذلك كالداعي والمؤمّن. ووجه القول من أن الإِمام يجمعهما ما روي أنه ﷺ : كان يقولهما (٣) وانفصل عن هذا بأنه يحتمل أن يكون ذلك كان في صلاة انفرد بها ﷺ .
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: يقتصر المأموم في المشهور من المذهب عندنا على القول: اللهم ربنا ولك الحمد. وقال ابن نافع وعيسى بل يجمع بين ذلك وبين القول: سمع الله لمن حمده. وبه قال الشافعي. وقال الثوري وأحمد ومحمد وأبو يوسف يجمع بينهما الإِمام ولا يجمع بينهما المأموم. فخرج من مجموع ذلك: أن الشافعي يرى أنهما يجمعان بينهما.
ومالك وأبو حنيفة لا يريان لهما الجمع بينهما. والثوري ومن ذكرنا معه يرون الجمع بينهما للإمام دون المأموم. ودليلنا ما قدمناه من الحديث والمعنى. فلا معنى للإعادة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك. فروي عنه أن المختار أن يقول المأموم اللهم ربنا ولك الحمد. فكأنه اختار هذا لأنه كان أعم فائدة. وتنزل تنزيل كلمتين تقديرهما اللهم استجيب لنا ولك الحمد.
وروي (٤) عنه: اللهم ربنا لك الحمد بحذف الواو. وقد اختلفت الأحاديث
стр. 581
ففي بعضها اللهم ربنا ولك الحمد وفي بعضها اللهم ربنا لك الحمد.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المنفرد فيجمع بين اللفظتين: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ورأيت بعض أصحاب أبي حنيفة ذكر أنه قد روي عن أبي حنيفة أن المنفرد لا يجمع بينهما، وكأنه قدر أن القول: سمع الله لمن حمده حث على التحميد، والحاث على ذلك لا يؤمر بأن يجاوب نفسه. ونحن لما رأينا أن المنفرد لا مجاوب له أمرناه بأن يجاوب (١) نفسه. ولهذا المعنى جمع المنفرد بين اللفظتين بخلاف المأموم.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في المختار لمن أهوى بالسجود هل يبدأ بوضع يديه أولًا أو ركبتيه؟ فروي عن مالك أنه لم يحد في ذلك حدًا. وروي عنه أن المختار أن يبدأ بوضع يديه. وعند أبي حنيفة والشافعي المختار البداية بركبتيه. فدليلنا حديث أبي هريرة لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه (٢). واستدل المخالف بحديث أبي وائل أنه ﵇ كان إذا أهوى للسجود وضع ركبتيه قبل يديه فإذا نهض رفع ركبتيه قبل يديه (٣). ويقول سعد كنا نضع أيدينا قبل ركبنا (٤) فنهينا عن ذلك وأمرنا أن نضع ركبنا قبل.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في رافع رأسه في سجود ركعة وتر. فقال مالك وأبو حنيفة لا يؤمر بجلوس قبل قيامه. بل يستوي قائمًا من غير جلوس. وقال الشافعي بل يجلس جلسة خفيفة. ودليلنا حديث وائل بن حجر أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه من السجود يستوي قائمًا (٥).
стр. 582
ولأنه لو كان الجلوس مسنونًا لسن فيه ذكر كالتشهد في الجلستين. ولا ينقض هذا بالجلسة بين السجدتين؛ لأنها ليست بمسنونة على القول الذي قدمناه عندنا. ولا نسلم أن التكبير ذكر شرع لهذه الجلسة التي قالوها. واستدل الشافعي بوصف أبي حميد لصلاة النبي ﷺ وقد ذكر أنه كان يجلس (١).
وأجيب عن هذة بأنه يحتمل أنه يكون ذلك عندما أسن ﷺ وثقل عليه القيام من غير جلوس. أو فعل ذلك في بعض الصلوات لمرض أصابه.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ودعاء القنوت على نحو ما ورد في الحديث: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونخضع لك ونخنع (٢)، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك لا يذل من واليت ولا يعز ما عاديته تباركت وتعاليت". هذه الألفاظ وما يقاربها، وإن كان في نفسمعاجة دعا الله تعالى بها وكل ذلك سر.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:
١ - هل للقنوت دعاء مخصوص معين أم لا؟.
٢ - وما تصير الألفاظ الغريبة التي وقعت في المستعمل منه؟.
٣ - وهل يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء على الإطلاق؟.
٤ - وما محل الدعاء من الصلاة؟.
٥ - ولمَ اختار إخفاءه؟.
стр. 583
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: ليس عندنا في القنوت دعاء معين ولا نوقت فيه قولًا ولا مقدارًا من الوقوف. وقد اختلف الناس فيما يختار منه.
فذكر القاضي أبو محمَّد ما في كتابه هذا. وقد روي أن جبريل (١) ﵇ علم النبي ﷺ هذا القنوت، وهو: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق". وقالت الشافعية الدعاء المسنون في القنوت: "اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فمين توليت وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا (٢) شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت" (٣) فما زاد على ذلك فهو حسن. واحتجوا بقول الحسن بن علي ﵁ كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ ادعو بهن في القنوت: "اللهم اهدنا فيمن هديت وذكر ما قلناه" (٤).
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قوله نخنع أي نخضع ومعنى قوله نخلع أي نخلع الشركاء والأنداد. ومعنى نحفد أي نبادر وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع فيه. يقال حفد الحادي وراء الإبل إذا أسرع، ودارك خطوه.
ومنه قيل للعبيد والإماء حَفَدة لأنهم يسرعون إذا مشوا للخدمة. قاله ابن قتيبة.
стр. 584
وقال غيره معناه نخدم. يقال حفد العبد يحفد حفدًا إذا خدم. وقال أبو عبيد يقال حفد وأحفد بمعنى. وقال طاووس في قوله تعالى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (١) أن الحفدة الخدم. وإن كان قد خولف في ذلك. وقال ابن مسعود هم الأَخْتَانُ.
وقال عكرمة هم بنو الرجل، من نفعه منهم. وقال الضحاك هم بنو المرأة من زوجها الأول. ومعنى الجد بكسر الجيم الحق. ومعنى ملحق أي لاحق. يقال ألحقت القوم بمعنى لحقتهم. قال ابن قتيبة هكذا يروى هذا الحرف. ومن قال ملحق بفتح الحاء أراد أن الله يُلحقه إياهم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهب مالك والشافعي جواز الدعاء في الصلاة بما في القرآن من الأدعية وبما ليس فيه منها، خلافًا لأبي حنيفة من قصره الإجازة على ما ورد في القرآن، والأدعية المأثورة. وإن من أصحابه من قال إن دعا بما لا يطلب إلا من الله جاز. وإن دعا بما يطلب من الآدميين بطلت صلاته. وروي ذلك عن الحسن. وروي عنه أيضًا أنه أباح الدعاء في التطوع وكرهه في المكتوبة. وقال عطاء والنخعي يكره أن يسمي من يدعو له باسمه في صلاته. ولنا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) فهذا على عمومه. وقد دعا النبي ﷺ في الصلاة بما ليس في القرآن كقوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" (٣). وقوإنفصلوا عن هذا بأنه يشبه أدعية القرآن إذ ليس فيه تسمية أحد، فيقال لهم قد سمى ناسًا في دعاء آخر. منهم الوليد بن هشام وعياش بن أبي ربيعة. وقد تعلق المخالف بقوله في حديث معاوية بن الحكم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين (٤). وأجاب بعض أصحابنا عن هذا بأن محمله على الكلام المعهود في المخاطبة. وهو وإن كان إنما قال يرحمك الله فإنا لا نجيز مثل هذا لأنه مخاطبة لإنسان. وقال بعض
стр. 585
أصحابنا إن قال يا فلان يرحمك الله فإنه كالمتكلم لما افتتح دعاءه بالنداء لإنسان.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الدعاء في الصلاة جائز إلا في ثلاثة مواضع: عَقِيب الإحرام قبل أن يقرأ. وعقيب الجلوس قبل أن يتشهد.
وفي الركوع. وقد قدمنا أن ابن شعبان حكى عن مالك الفصل بين الإحرام والقراءة بالتسبيح الذي حكيناه. قال بعض أشياخي ويتخرج عليه جواز الدعاء.
ومال إليه لقول أبي هريرة ﵁ يا رسول الله ما تقول في إسكاتتك هذه. فذكر له الدعاء الذي يقوله حينئذ (١). وقال أيضًا شيخنا هذا: لا يكون الدعاء في الركوع ممنوعًا لما روي عن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم اغفر لي يتأول القرآن (٢). ووقفت لأبي مصعب على جواز الدعاء في الركوع. واستحبت الشافعية أن يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وارفعني واجبرني وارزقني واهدني للسبيل الأقوم وعافني.
وليس عندنا ولا عند أبي حنيفة فيه ذكر مسنون. واحتجت الشافعية بما روى ابن عباس أنه كان ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من السجود: اللهم اغفر لي وذكر الحديث إلى قوله واهدني. وزادت أم سلمة للسبيل الأقوم وعافني (٣). قالوا ولأنه جلوس يشرع فيه الاستقرار فشُرع فيه ذكر مسنون كجلوس التشهد. ولا يلزم أن يكون الذكر تشهدًا كما لم يلزم أن يكون الذكر المشروع في قيام القنوت قرآنًا.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما استحب السر في الدعاء في القنوت وما أضاف إليه لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤) وقد
стр. 586
أثنى الله تعالى على زكرياء فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (١). ولأن الخفوت وضعف الصوت يدل على استيلاء الهيبة على النفس فكان أولى أن يستعمل في طلب الحاجات من الله سبحانه. وقد تقدم هذا المعنى فيما سلف.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ثم يركع ويسجد ويجلس على ما بيناه، فإذا (٢) فرغ من تشهده سلم الإِمام والمنفرد واحدة، والمأموم اثنتين، ينوي بالأولى التحليل وبالثانية الرد على الإِمام. وإن كان على يساره من سلم (٣) عليه نوى الرد عليه. فأما الظهر فليست تفارق الصبح في الأداء إلا في الأسرار.
والاختيار للمأموم أن يقرأ إذا أسر إمامه ويؤمّن الإِمام فيما يسر فيه ويكبر القائم من اثنتين بعد اعتداله في القيام بخلاف التكبير في (٤) سائر أفعال الصلاة التي يأتي بها مع الشروع في الفعل. وسنة الجهر في المغرب والعشاء في الركعتين الأوليين منهما *وكل صلاة تزيد على ركعتين فالسنة فيها قراءة سورة مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين منها* (٥) والاقتصار على أم الكتاب في الأخيرتين.
وعورة الرجل المخاطب بسترها في الصلاة من سرته إلى ركبتيه. وكذلك الأمة. وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين. وتجزيء الصلاة في ثوب واحد. إلا أنه يكره أن يعري كتفيه من رداء، أو ما يقوم مقامه في الجماعة. وله أن يتقي بثوبه الحرَّ والبرد وأذى الأرض. وليس له كفت ثوبه ولا شعره عند الصلاة إلا أن يكون في صنعة صادفته الصلاة عليها فلا يكره له. ويكره له التلثم والاقناع وزيادة الانحناء عن التعديل في الركوع.
قال الشيخ ﵀ وقدس روحه: قد تقدم الكلام على ما في هذا
стр. 587
الفصل من أحكام السلام وما يقرأ في الركعتين الأوليين والأخريين.
وأحكام العورة مبسوطًا موعبًا في مواضعه. فمن أحب مطالعته فليقف عليه فيما قدمناه. وقد ذكر في هذا الفصل أن الاختيار للمأموم أن يقرأ إذا أسر إمامه. وهذا مما اختلف الناس فيه. والمختار عندنا أن للمأموم أن يقرأ فيما أسر فيه الإِمام. وقال ابن وهب وأشهب لا يقرأ المأموم أصلًا. وبه قال أبو حنيفة.
ودليلنا قول أبي هريرة فانتهى الناس عن القراءة في ماجهر فيه رسول الله ﷺ (١). وهذا يدل على أنهم لم ينتهوا عن القراءة في السر.
ودليل من نفى القراءة في السر قوله ﵇ في الإِمام: وإذا قرأ فأنصتوا (٢) فعم قراءة السر والجهر. وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام، وقال علي ﵁ من قرأ خلف الإِمام مليء فوه ترابًا. وذكر ابن حبيب عن سبعة من الصحابة ﵃ نفي القراءة في صلاة السر.
وذكر في هذا الفصل أيضًا أن التكبير في القيام من اثنتين يكون بيع الاعتدال. وهذه مسألة اختلف الناس فيها أيضًا. فمذهبنا ما ذكره. وقال الشافعي بل يكون التكبير عند ابتداء القيام قياسًا على تكبير الخفض والرفع *وقد حكى الطبري عن مالك مثل هذا أنه يكبر في حال القيام* (٣) وفي الخبر أنه كبر كلما خفض ورفع (٤). وهذا يشير لكون التكبير مصاحبًا للفعل.
واحتج لمذهبنا بأن التكبير ينبغي أن يكون في مسألتنا عند كمال الانتصاب قياسًا على تكبيرة الإحرام؛ لأن التكبيرة السابقة للجلسة الأولى إنما كانت لرفع
стр. 588
الرأس من السجدة والتكبير بعد الجلسة إنما هو للثانية. فيجب أن يكون في مبدإ الثانية، وهي حالة اعتداله وانتصابه. وأكد هذا بعضهم بأن عائشة ﵂ أخبرت أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر (١). وهذا يشير إلى كون الركعتين الأخريين كصلاة أخرى مزيدة. فينبغي أن يكون الإحرام لها عند تمام الاعتدال وكمال الانتصاب.
وذكر في هذا الفصل أن له أن يتقي بثوبه الحر والبرد وأذى الأرض. وهذا كما قال: لأنه ﵊ كان يتقي بثوبه حر الأرض وبردها (٢).
ولكن قال ابن مسلمة من أصحابنا يكره له أن يسجد على ثوبه الذي هو لابسه لأنه يصير كالساجد على الأرض بغير وجهه. وإنما أبيح السجود على الثوب عندنا لضرورة إتقائه أذى الأرض به. وأما مع الاختيار فيكره السجود على ثياب القطن والكتان. وأجازه ابن مسلمة. ووجه الكراهة ما فيه من الترفه (٣).
والصلاة مبناها على التواضع والتذلل لله سبحانه. فقصد الترفه فيها ينافي موضوعها. هذا وقد قال ﷺ : يا رباح عفر وجهك في الأرض (٤). وهذه إشارة منه ﷺ إلى التذلل والخشوع لله سبحانه. وأما ما تنبته الأرض كالحصر فلا كراهة في السجود عليه لأنه خارج عن أبواب الترفه. ولكن كان بعض أشياخي يكره السجود على حصر السامان كما يفعله المترفهون (٥). لأن الصلاة عليها المقصود بها الترفه والتعظيم فنهي عنه لذلك.
وذكر في الفصل أنه ليس له كفت ثوبه ولا شعره عند الصلاة وهذا كما قال لنهيه ﷺ المصلي عن فعل ذلك. واستثنى منه ها هنا من كان في صنعة صادفته
стр. 589
الصلاة عليها. واختار بعض المتأخرين من الأشياخ لهذا أن يزيل تشميره ليأتي بالصلاة على الهيئة الفاضلة.
وكره له في الفصل التلثم والاقناع، وزيادة الانحناء على التعديل في الركوع. وهذا كما قال. وقد روي عن النبي ﷺ في صفة ركوعه أنه لو صب على ظهره ماء لاستقر (١). وهذا يشير إلى الاعتدال. والاقناع يكره لخروجه عن الاعتدال. وقد كره ابن عمر تغطية اللحية ورآها من الوجه.
تم كتاب الصلاة الأول
стр. 590
باب السهو وما يفسد الصلاة وما يتصل بذلك
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: السهو يقع على وجهين: بنقصان وبزيادة (١). وله سجدتان كثر أم قل (٢) كان من أحد الوجهين أو من كليهما.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة تقسيمه للسهو؟.
٢ - وما الدليل على الاكتفاء بسجدتين عن جميعه؟.
٣ - وما معنى تقييده بقوله كان من أحد الوجهين أو من كليهما؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد جاء الشرع يكون الصلاة على مقادير محدودة فمن أوقع جميع مقاديرها، على ما هي عليه في الشرع، فلا شك في كونه ممتثلا وفي كونه غير مخاطب بسجود أصلًا، إلا أن يسهو عن النية أو عن بعض الأفعال سهوا، بمنع من الاعتداد بالصلاة، فذلك غير مخاطب بالسجود ولا هو مراد بهذا التقسيم. ومن شك في عدد الركعات التي صلى فإنه، وإن خوطب بالسجود فلتقدير (٣) نقص أو زيادة على ما نبينه. وذلك لا يخرج عن هذا التقسيم. وإذا ثبت أن الموقع للصلاة على مقاديرها الشرعية غير مخاطب بسجود سهو لم يبق إلا أن يخاطب به من لم يوقعها على هذه المقادير.
وخروجه عنها لا يكون إلا بزيادة فيها أو نقص منها. وهذا يدل على صحة
стр. 591
تقسيمه. وقد ذكر عن علقمة (١) والأسود أنه لا سجود في سهو الزيادة ويرد عليهما أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا فسجد (٢).
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: مذهب فقهاء الأمصار الاكتفاء بسجدتين عن جميع ما يسهى عنه وإن كثر مما فيه السجود. وقالت طائفة لكل سهو سجدتان. وقال الأوزاعي إن كان من جنس واحد تداخل. وإن كان من جنسين لم يتداخل. وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي مسلمة إن كان أحدهما محله قبل السلام والآخر بعد السلام سجد قبل السلام لما يختص بما قبل السلام، وبعد السلام لما يختص بما بعد السلام. فدليلنا على تداخله أنه ﷺ سلَّم من اثنتين ثم مشى ثم تكلم (٣). وهذا سهو في ثلاثة مواضع مختلفة الأجناس، ومع هذا فإنما سجد سجدتين. وأيضًا فإن سجود السهو إنما أخر عن سببه إلى آخر الصلاة ليكتفى عن جميعه بسجدتين. ولو لم يُكتف بذلك عن جميعه لجُعِل السجود عقيب سببه. وهذا لم يقله أحد. ويستدل *نفاة التداخل بقوله ﷺ : "لكل سهو سجدتان" (٤) وأجيبوا عن هذا بأن الخبر لم يثبت. ولو ثبت لحمل على أن المراد به* (٥) لكل سهو انفرد سجدتان.
واستدلوا بأن الدم في الحج لا يتداخل مع تعدد أسبابه. فكذلك سجود السهو. وأجاب ابن القصار عن هذا بأن القياس أن يكون الحج كالصلاة في اتحاد الدم. على أنه يفرق بينهما. بأن الدم يجب في الحج عقيب السبب ولا يجب السجود في الصلاة عقيب السبب بل أخر فيها (٦) لجواز أن يتكرر فيكتفي عن جميعه بسجود واحد.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما نبه القاضي أبو محمَّد بقوله
стр. 592
كان من أحد الوجهين أو من كليهما على ما ذكرناه من الخلاف عن ابن أبي حازم وعبد العزيز ومصيرهما إلى أن يختص كل سهو بسجوده إذا تباين محله. فأشار القاضي أبو محمَّد ﵀ إلى اختلاف الأجناس أو المحال لا تمنع من تداخله (١) على حسب ما بيناه. فلما كان التداخل فيما تماثل جنسه ومحله أوضح منه في ما اختلف جنسه ومحله نبه عليه حتى يشتمل كلامه على الغامض والواضح.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ويؤخر سجوده (٢) إلى آخر الصلاة فيؤتى به (٣) في النقصان قبل السلام، وفي الزيادة بعده، وفي اجتماعهما يُغلِّب النقصان فيسجد قبل السلام ويكبر لهما في ابتدائهما والرفع منهما ويتشهد للتين بعد السلام ويسلم. وأما اللتان قبل السلام فإن السلام من الصلاة يكفي منهما. وفي التشهد لهما روايتان.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما وجه تأخير سجود السهو إلى آخر الصلاة؟؟
٢ - وما الدليل على افتراق حكم النقص والزيادة فيه؟.
٣ - وما الدليل على التكبير والتشهد فيه؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تأخير سجود السهو إلى آخر الصلاة فمعلل بعلتين: إحداهما: أنه إنما أخر لجواز أن يتكرر السهو فيكتفي فيه وإن كثر بسجدتين ولو أوقع عند سببه لوجب أن يسجد بسهو آخر ويفعل ذلك في ثان وثالث. وهذا لم يصر إليه أحد. والثانية أن الأصل أن يعوض ما سهى عنه بمثله ويفعل عند الذكر له. وحالة الذكر إذا كانت في أثناء الصلاة لا يصح أن يفعل فيها ما ترك سهوًا، أو يفعل العوض منه؛ لأن ذلك المكان قد استحق فعلًا آخر من أفعال الصلاة بأصل الشرع. فإذا تزاحم هو والمتروك على
стр. 593
المحل (١) كان أحق به لاستحقاقه إياه في أصل الشرع. فمن رأى أن سجود السهو بعد السلام لم يعترض في تعليله بهذا. ومن رآه قبل السلام قد يعترض بأنه يفعل في محل قد استحق فعلًا آخر من الصلاة. والانفصال عند هؤلاء عن هذا الاعتراض بأن أفعال الصلاة قد تصرمت ولم يبق منها إلا التسليم. والتسليم لا يتعين وقته بل له تأخيره. فصار إيقاع سجود السهو في محل لا يستحق فعلًا آخر يزاحمه سجود السهو عليه. فافترق حال ما قبل السلام من حال ما سواه من أثناء الصلاة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في محل سجود السهو.
فذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعمار ابن ياسر وأنس بن مالك وابن عباس وابن الزبير إلى أنه بعد السلام. وبه قال من الفقهاء الحسن البصري وابن صالح والنخعي وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة. وذهب أبو هريرة وأبو سعيد الخدري إلى أنه قيل السلام. وبه قال الشافعي والزهري وربيعة والأوزاعي والليث بن سعد. وذهب مالك ﵁ إلى أنه إن كان عوضًا عن نقص كان قبل السلام وإن كان لأجل زياده كان بعد السلام. وبه قال إسحاق وأبو ثور والشافعي في القديم. وذهب ابن حنبل وغيره إلى اتباع ظواهر الآثار. وما لم يرد فيه أثر فالسجود فيه قبل السلام. فالسجود عنده في ترك الجلسة الأولى قبل السلام على حديث ابن بجينة (٢) وإذا شك فرجع إلى اليقين فالسجود قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري (٣) فإذا شك فكان ممن يرجع إلى التحري.
فالسجود بعد السلام على حديث ابن مسعود (٤). وإذا سلم من اثنتين فالسجود بعد السلام على حديث أبي هريرة (٥). وذهب داود إلى اتباع الآثار على حسب ما ورد. ومن أصله نفي القياس، فنفى السجود فيما سوى ما وردت به الآثار.
стр. 594
وأشار بعض العلماء إلى التخيير في محله. وقد قال مالك ﵁: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد. وكان ذلك عندهم سهلًا. ومدار هذه المذاهب على اختلاف الطرق في بناء الأحاديث المختلفة الظواهر الواردة في السهو. فقد خرج الصحيحان في حديث ابن بجينة لما قام النبي ﷺ من اثنتين أنه سجد قبل السلام. وخرجا في حديث ذي اليدين لما سلم من اثنتين أنه صلى ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتين. وخرجا في حديث ابن مسعود أنه ﵇ لما صلى الظهر خمسًا سجد سجدتين بعد السلام. فهذه أفعال النبي ﷺ قد اختلفت كما ترى. وقد اختلفت ظواهر أقواله ﷺ في حديث الشك وسنوردها عليك إن شاء الله فيما بعد. فأما داود فلما كان من نفاة القياس أخذ بكل حديث على ما وقع فيه وأنكر ما خرج عنه ولم يستعمل البناء في الأحاديث لجواز ورود التعبد بحسب ما وردت فيه من الاختلاف. وأما ابن حنبل. فلم يستعمل البناء فيها لأجل ما اعتللنا به لداود ولكنه استعمل القياس فيما سواها.
وتمسك فيه بالمعنى. وصار إلى كونه قبل السلام لما سنورده عليك في احتجاج القائلين بأن السجود كله قبل السلام. وأما من أشار إلى التخيير فإنه قد تعذر البناء عليه ولم يجد سبيلًا إلى طرح جميع الأحاديث فاستعملها على جهة التخيير. وأما من قال: السجود كله قبل السلام فإنه يتأول ما ورد من الأحاديث بأنه بعد السلام على ثلاثة أوجه: أحدها أن يقدر أن المراد بالسلام، السلام على النبي ﷺ : السلام (١) المذكور عند التشهد. أو يحمل ما وقع من سجوده ﵇ بعد السلام على أنه نسي أن يوقعه قبل السلام فأوقعه بعده. أو يحمله على أنه كان ثم نسخ. ويعضده بقول ابن شهاب كان آخر الأمرين السجود قبل السلام. وهذا إشارة إلى أنه كان بعد ثم نسخ. وأما من قال السجود كله بعد السلام فإنه يتأول ما وقع من الأحاديث بأنه قبل السلام على أحد وجهين. إما أن يريد أن السجود قبل التسليمة الثانية وإما أن يريد السجود قبل التسليم منه. وأشار بعضهم إلى تأويل ثالث وهو أن المراد بالسجدتين السجدتان اللتان من نفس
стр. 595
الصلاة. فهذه جملة تأويلات هؤلاء، وهؤلاء (١).
وإنما يبقى النظر في أحد أمرين هل البناء غير واجب فيكون الأمر كما قاله من أَتبع الأحاديث على حسب ما وقعت. أو البناء واجب، فينظر في تأويل الفئتين فترجح طريقة من كان أقرب منهم استمساكًا بالظواهر. وقد دافعت كل طائفة الأخرى عن تأويلها. فقيل أما التسليمة الثانية فلا يسلمها، وإذا لم يسلمها لم يصح البناء عليها. وأيضًا فإن في بعض طرق ابن بجينة فانتظرنا تسليمه (٢).
والتسليمة الثانية لا تنتظر. وكذلك حمل القول بأنه سجد قبل السلام على أن المراد به قبل التسليم من سجود السهو، فيه بُعْد عن مقتضى اللفظ وخروج به عما يفهم عنه. وكذلك تأويل السجدتين على اللتين من نفس الصلاة تأويل بعيد وتعسف شديد. وكذلك تأويل السلام على السلام على النبي ﷺ خروج عن الظاهر. وأيضًا فإنه قال تشهد. ثم سلم. والتشهد بعد السلام على النبي ﷺ .
وتقدير سهوه ﵊ عن إيقاع السجود للسهو قَبْلُ بعيد؛ لأن السهو منه نادر. ولما استشعر مالك ﵁ بعد هذه التأويلات وبناء الفريقين وكون كل واحدة من الطائفتين ترد مذهمه ظواهر ألفاظ أحاديث الطائفة الأخرى، استعمل في البناء طريقة ثالثة لا يردها ظاهر لفظ. فأثبت سجود السهو قبل السلام تارة لأن حديث ابن بُجينة تضمن نقصًا فجعل سجود النقص قبل السلام. ورأى حديث ابن مسعود في زيادة الخامسة تضمن زيادة فأثبت سجود الزيادة بعد السلام. وأما مذهبه في سجود الشاك فسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. وقد تمسك فقهاء الأمصار بطريقة المعنى فيقول من رأى السجود قبل السلام أن الأصل أن يوقع عقيب سببه. وإنما أخر لما قلناه من العلل. والعلل التي ذكرناها ترتفع قبل السلام، فوجب أن تفعل عنده ولا تؤخر عنه. وتمسك
стр. 596
من قال: بأنه بعد السلام بأنه زيادة على المقادير المقدرة في الصلاة فرسمه (١) أن يفعل عنده ولا تؤخر عنه و"تمسك" (٢) ويكون خارجًا عنها صيانة للصلاة عن الزيادة في مقاديرها. وتمسك من فرق بين النقص والزيادة بأن سجود النقصان جبر. وجبران الشيء لا يكون إلا في نفسه وقبل تقضيه. وسجود الزيادة ترغيم وليس بجبران (٣) الناقص. فوجب أن يكون بعده. هذه النكت التي دارت عليها جملة المذاهب لفظا ومعنى.
وإذا اجتمع النقص والزيادة غلّب مالك حكم النقص إذ السجود بعد السلام ترغيم للشيطان ولا يرغم الشيطان بصلاة ناقصة. وقد قدمنا مذهب عبد العزيز في هذا.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف قول مالك في الإحرام لسجود السهود *الذي بعد السلام* (٤) فنفاه مرة وأثبته أخرى. واختلف قوله في التشهد لما قبل السلام من سجود السهو فأثبته مرة لأن من سنة السلام أن لا يقع إلا بعد تشهد. ونفاه مرة أخرى لئلا يتشهد في الرابعة مرتين. وقد اختلف الناس في التشهد والسلام في سجود السهو الذي محله بعد السلام من الصلاة. فمذهبنا إثباتهما. وذهب الحسن إلى نفيهما. وروي ذلك عن أنس بن مالك ﵁. وذهب النخعي إلى إثبات التشهد دون السلام.
وذهب عطاء إلى التخيير في ذلك إن شاء فعل التشهد والسلام وإن شاء لم يفعلهما. وفي المدونة لابن القاسم إذا انتقض وضوؤه قبل أن يسلم منهما إن لم يعدهما اكتفى بهما. وقيل لا يكتفي بهما.
واختلف القول عندنا في الإحرام لهما إذ لم يوقعهما بعد السلام وأوقعهما بعد أن طال انفصاله من الصلاة. ولو كانتا قبل السلام فنسيهما لأحرم لهما إذ لا يرجع لإصلاح ما انتقض من الصلاة إلا بإحرام. وقد اختلف الرواة في حديث
стр. 597
ذي اليدين: فبعضهم ذكر السلام وبعضهم لم يذكره (١). وهذا سبب اضطراب الناس. وكذلك لم يذكر في حديث ابن بجينة التشهد لهما.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وإن سها عنهما سجد للتين بعد السلام متى ما ذكر (٢). وأما اللتان قبله فيسجدهما ما لم يطل أو ينتقض وضؤوه فإن (٣) كان ذلك أعاد الصلاة.
قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:
١ - هل سجود السهو واجب أو سنة؟.
٢ - وما حكم من أخر سجود السهو الذي قبل السلام؟.
٣ - وأين يسجده (٤) إذا ذكره؟.
٤ - وما حكمه إذا ذكره وهو في الصلاة؟.
٥ - وما حكم من قدم ما بعد السلام (٥) إلى ما قبل السلام؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في سجود السهو، فذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب وذهب الشافعي إلى أنه سنة، وقد قدمنا قول القاضي أبي محمَّد في هذا الكتاب أنه يتنوع إلى واجب، وسنة. ومعنى ما أشار إليه من هذا التنوع أن ما كان منه بعد السلام فهو سنة وما كان قبله (٦) فهو واجب على قولنا: إن تأخير ما قبل السلام إلى ما بعد الصلاة تأخيرًا طويلًا يفسد الصلاة. وسنتكلم في جواب السؤال الثاني على اختلاف المذهب في هذا *عندنا. وثبوت الوجوب أو سقوطه مخرج على ما نذكره من الخلاف في هذا* (٧)
стр. 598
فحجة الوجوب قوله ﵇ في حديث ابن مسعود فليتحر به الصواب وليتم ما عليه وليسجد سجدتين (١). وهذا أمر والأمر على الوجوب عند جماعة من أهل الأصول. واستدل بعض الموجبين بجبران الحج. وأجيبوا عنه بأن جبران الحج عوض عن واجب وسجود السهو عوض عن غير واجب. بهذا انفصل بعض أصحاب الشافعي عن القياس على الحج. ولعلنا نحن إن شاء الله نحقق القول في كتاب الحج على هذا الموضع. وحجة من أنكر الوجوب قوله في حديث أبي سعيد كانت الركعة نافلة له والسجدتان (٢). فقد صرح بكونهما نافلة. وقال أيضًا والسجدتان ترغمان الشيطان (٢). وترغيم الشيطان ليس بواجب. أصله الحوقلة. ولأن الجبران يجب أن يكون بحسب المجبور وحكمه حكمه. لأنه كالتابع له. فلما كان سجود السهو إنما يفعل عوضًا عن ترك سنة لا عن ترك واجب وجب أن يكون السجود في نفسه سنة لا واجبًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد تقرر من مذهبنا أن سجود السهو إذا كان بعد السلام فإن الصلاة تصح، وإن طال الفصل بينه وبين الصلاة.
فأما الذي قبل السلام فاختلف المذهب إذا آخره عن الصلاة حتى طال الفصل بينهما. فروي عن مالك أن الصلاة تفسد من غير اعتبار بالمتروك الذي كان السجود عوضًا عنه. وروي عنه أن الصلاة إنما تفسد إذا كانت عوضًا عن بعض الأفعال. ولم يعتبر الأفعال على الإطلاق ولا اعتبر شيئًا من الأقوال. وقال في المختصر إنما تبطل الصلاة إذا كانت عوضًا عن الجلسة الأولى أو أم القرآن من ركعة. وما سوى هذين فلا يؤثر في بطلانها. وأوجب ابن القاسم الإعادة في أحد قوليه إذا كانت عوضًا عن ثلاث تكبيرات. أو عن القول سمع الله لمن حمده ثلاث مرات. وقال محمَّد بن عبد الحكم لا إعادة، وإن كانت عوضًا عن الجلسة الأولى، أو ترك القراءة في ركعة. وهذا القول حكم بصحة الصلاة مع المتروك على الإطلاق بعكس القول الأول الذي ذكرنا فيه بطلان الصلاة على الإطلاق من غير اعتبار بالمتروك. ولم أقف على خلاف في المذهب.
стр. 599
أما ما كان منها قبل السلام فأوقعه بعد (١) السلام، إن الصلاة لا تبطل.
وقال أبو حنيفة إن تكلم عامدًا قبل أن يسجد لسهوه بطلت صلاته. وأصله أن سجود السهو كله بعد السلام كما قدمناه. وقد اختلف هو وصاحبه محمَّد بن الحسن في تسليم الصلاة الذي يؤمر المصلي بعده بسجود السهو هل يخرج هذا التسليم من الصلاة أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج من الصلاة ويحلل منها حكمًا، وينفصل منها المصلي ثم ينفصل بعد ذلك بالسجود؛ لأن السجود جبران. وجبران الشيء بعد إكماله، ويعود في حكم المتصل به. وقال محمَّد بن الحسن لا يخرج التسليم من الصلاة ولا يحلل منها لأن تسليم التحليل لا يؤمر بعده بصلاة هي من الأولى. وعندي أن بطلان الصلاة بالكلام على أصل محمَّد بن الحسن أوضح. وقال الحسن وابن سيرين إذا صرف وجهه لم يسجد.
وقال الحكم وابن شبرمة إذا خرج من المسجد أعاد الصلاة. وقال أبو ثور إن كانتا (٢) للنقصان فتعمد وسلم وهما عليه أعاد الصلاة. وإن كانتا للزيادة سلم (٣) وسجد سجدتي السهو. وقال أحمد ما كان منه من الصلاة إن تركه عامدًا بطلت صلاته. وإن كان ساهيا أتى به ما لم يتطاول الفصل. فإن تطاول الفصل لم يأت به. وإن لم يذكر سجود السهو قبل السلام ولم يقل بإبطال الصلاة مع طول الانفصال. فظاهر مذهب من قال بذلك من أصحابنا عندي أن يسجد متى ما ذكر. واختلف قول الشافعي. فقال مرة إنه يسجد وإن طال الفصل كجبران الحج فإنه يوقع وإن طال الفصل *وقال مرة أخرى لا سجود عليه إذا طال الفصل* (٤) لأن سجود السهو مبني على الصلاة. ومقدر كالجزء منها. ومع الطول يمتنع البناء. وجبران الحج ليس مبنيًا عليه فيفتقر للاتصال. وسبب ما قدمناه من الاضطراب في مذهبنا في تأخير سجود السهو الذي قبل السلام: أن
стр. 600
من اعتبره بحال ما هو (١) عوض عنه لم يبطل الصلاة لأنه عوض عن متروك ليس بواجب. وإلى هذا كان يميل (٢) بعض أشياخي المحققين.
ومن أبطل الصلاة به على الإطلاق إذا تطاول الفصل، فإنه ينزله بخلاف منزلة ما هو عوض عنه. ولا يستبعد أن يكون ترك مندوب إليه علمًا على وجوب فعل آخر.
ومن فصل اعتبر تأكيد المتروك وخفته (٣). فقد تستخف الأقوال وتنحط رتبتها عن الأفعال لأجل مجيء الشرع يحمل الإِمام بعضها وهي القراءة. وهي من أركان الصلاة. ولم يرد الشرع بحمله فعلًا من الأفعال. ومن قصر الإبطال على ترك الجلسة الأولى وقراءة أم القرآن من ركعة واحدة، قصر التأكيد على هذين خاصة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: من ذكر سجود السهو الذي قبل (٤) السلام فإنه يسجد حيث ما ذكره إلا أن يكون عوضًا عن متروك من صلاة الجمعة. فإن ابن المواز قال لا يجزيه إلا أن يكون في الجامع. وكأنه رأى أن الجمعة من شرطها الجامع على الجملة. فكان شرطًا في أجزائها (٥). وقد قال ابن شعبان إن الراعف (٦) في صلاة الجمعة يتم حيث غسل الدم. فعلى هذا يسجد ذاكر السجود حيث ما ذكر. وكان هذا رأى أن السعي أشد من اعتبار الجامع أو غير ذلك مما سيبسط في باب الرعاف إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا ذكر سجود السهو الذي قبل السلام وهو في صلاة أخرى فإن ذلك معتبر ومبني على المذاهب التي قدمناها.
فمن رأى أنه لا يبطل الصلاة تأخر الفصل لم يؤثر ذكره في هذه الصلاة، ولكنه يوقعه بعد فراغها. وقد قال ابن القاسم فيمن ذكره (٧) من نافلة وهو في نافلة