← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بعض الناس: أنه يجزيه. وهو أحد قولي الشافعي. وقد قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في الإِمام المُنكر للسلام لا يجزيه. وقال ابن شبلون يجزيه. فمن منع الإجزاء اعتمد على أنه هو المنقول عن النبي ﷺ . وبه مضى العمل. فالاتباع فيه واجب على حسب ما قلناه في تكبيرة الإحرام. وقال ابن شعبان الأولى أن يقال: السلام عليكم لأن السلام هو الله سبحانه. وأما من نكّر فكأنه رأى المعنى متقاربًا. فوجب لتقاربه أن يقع الاعتداد به. وهذا يبعد على أصولنا التي قدمناها في وجوب تعيين لفظ التكبير. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما الإِمام والفذ فيسلمان تسليمة واحدة في المشهور من المذهب. وروي عن مالك أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإِمام منهما. وبإثبات تسليمتين فيهما، قال أبو حنيفة والشافعي والحسن بن صالح وابن حنبل. واختلف هؤلاء في التسليمة الثانية هل هي واجبة أو مندوب إليها؟ فقال الحسن بن صالح وابن حنبل بوجوبها. وقال من قدمنا ذكره من مثبتيها بالندب إليها. وسبب الاختلاف في ثبوتها اختلاف الأحاديث. ففي بعضها أنه سلم واحدة (١). قال بعض المحدثين ولا يثبت ذلك. وفي بعضها أنه سلم تسليمتين (٢) إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله. ودليلنا على نفي الوجوب أن التحليل، يحصل بالتسليمة الأولى ولا يجب تكرارها كما لم (٣) يجب تكرار التحريم. وأما المأموم فيسلم تسليمتين إحداهما للتحليل من الصلاة والثانية يرد بها على الإِمام. وهل يسلم ثالثة أم لا يرد بها (٤) على من كان على يساره. المشهور إثباتها. قال القاضي أبو محمَّد: في غير كتابه هذا: ذلك مختلف فيه. فإن أثبتناه

стр. 527

فلأن الإِمام ينفرد بحكم عن المأمومين (١) *فأفرد بسلام يختص به دونهم، كما انفردت تسليمة الرد عليه عن تسليمة التحليل لما اختلف حكماهما. وإن نفيناه فلأنه كما جاز أن يجمع جماعة من المأمومين* (٢) في الرد عليهم. جاز أن يجمع الإِمام معهم ولا يلزمه إفراده كما لا يلزمه إفراد كل مأموم بسلام. فإن قلنا بالمشهور الذي حكيناه من إثبات تسليمة ثالثة. فبأي سلامي الرد يبدأ؟ قيل بالإمام لأنه السابق بالسلام فكان أولى أن يقدم في الرد وقيل لمن على اليسار. وحكى القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا التخيير بينهم. فكأن هذا المخيِّر لم يلُح له ترجيح بينهما فخير فيهما. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: روي عن مالك أن المأموم يجهر بتسليمة التحليل جهرًا يسمع نفسه ومن يليه ويخفي تسليمة الرد على من على يساره. قال لئلا يقتدى به في ذلك. قال بعضهم بالتسليمة الأولى يستدعي الرد. واستدعاء الرد يفتقر إلى الجهر. وتسليمة الرد لا يستدعى بها رد. فلم يفتقر إلى الجهر. والإمام والفذ يسلمان قبالة وجوههما ويتيامنان قليلًا وأما المأموم فقال الشيخ أبو محمَّد يسلم عن يمينه. وهكذا ظاهر رواية ابن القاسم لأنه قال فيه (٣) يتيامن ولم يقل قبالة وجهه. وأما من فاته بعض الصلاة فقام لقضائه فهل يخاطب بتسليمة الرد أم لا؟ اختلف فيه قول مالك وعلل بعض المتأخرين ثبوته بأن حكم الإِمام باق عليه في حكم قضائه. فكان الإِمام لم يفرغ بعد من صلاته. وعلل نفيه بأن من سنة الروإلاتصال بسلام الابتداء. فإذا عدم الاتصال لم يثبت الرد. وهذا اعتلال يقتضي تصور الاختلاف في الرد، وإن كان من يرد عليه حاضرًا لم يذهب. وأشار بعض أشياخي إلى أن الاختلاف (٤) لا يتصور مع حضور من يرد عليه وإنما يتصور مع غيبته. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وقد بينا وجوب النية واستقبال القبلة.

стр. 528

والواجب المعتد به من النية (١) ما قارن تكبيرة الإحرام سواء ابتديتا (٢) في حال أو تقدمت النية واستصحبت ذكرًا إلى التكبير. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سؤالان. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أن المعتد به في النية ما قارن الإحرام؟ ٢ - وما معنى قوله واستصحب ذكرًا؟ الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في زمان النية. فالمشهور عندنا ما ذكره القاضي أبو محمَّد من قصر الوجوب على حالة الإحرام. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة يجوز تقديمها على الإحرام بالزمن اليسير. وبعض أشياخي يشير إلى تخريج الخلاف (٣) عندنا في هذا. وقد قدمنا الكلام على أن تخريج الخلاف في ذلك من الاختلاف في تقدم (٤) نية الطهارة عليها بالزمن اليسير. وقد ينفصل عنه بأن النية في الصلاة آكد، للإجماع على وجوبها. وأن الطهارة لما اختلف في إيجاب (٥) النية فيها أمكن أن يتساهل في جواز التقدمة للنية بالزمن اليسير. وذهب داود إلى أن من شرط النية تقدمها على تكبير الإحرام وأن لا يكونا معًا، تخيلا منه أن إباحة المقارنة تؤدي إلى أن يقع جزء من التكبير عاريًا من النية. وهذا لا يسلم له لأنا اشترطنا وقوعهما معًا. وذلك غير مستحيل. وما لا يستحيل لا يمتنع وجوده. وأما أبو حنيفة فإنا نرد عليه بأن النية عرض والعرض لا يبقى. وإذا تقدمت وعدمت، وقع الفعل عاريا من النية. فلا يفيد إذن قرب المتقدم. ولا فرق بين القرب والبعد لأن الغرض بالنية تخصيص الفعل بأحد الأنحاء التي (٦) يمكن

стр. 529

وقوعها عليها. وإذا وقع عاريا لم يتخصص بذلك. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما قيد بقوله ذكرًا لأن النية قد تستصحب حكمًا كمن افتتح الصلاة بنية ثم ذهل عن النية في بعض أثناء الركعات، فإن صلاته صحيحة لأن النية مستصحبة فيما ذهل عنه من جهة الحكم والشرع. فلما كان الاستصحاب قد يكون حكمًا كما مثلناه وهو لا ينفع قبل الدخول في الصلاة لما بيناه، قيد بقوله ذكرًا تحرزًا من هذا. وهو إذا استصحبها ذكرًا (١) فكأنه مجدد للنية حين الإحرام. فعاد الأمر لما قلناه من وجوب المقارنة للنية بتكبيرة الإحرام. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ولفظ التكبير متعين وهو أن يقول الله أكبر لا يجزي غيره من قوله الله الأكبر أو أجل أو أعظم (٢). والواجب من القراءة متعين وهو فاتحة الكتاب لا يجوز (٣) غيرها في كل ركعة. هذا هو الصحيح من المذهب *وقول آخر الاكتفاء بأكثر الصلاة أو نصفها أو بعضها وهي ضعيفة في المذهب* (٤) والاعتد الذي الركوع والسجود واجب. ويجزي منه أدنى لبث ولم نعده فرضًا زائدًا على الركوع والسجود. لأن اسمهما قد تضمنه. ويسجد على جبهته وأنفه. فإن ترك الجبهة فلا يجزيه وإن اقتصر عليها أجزاه. والاعتد الذي القيام للفصل بينهما مختلف فيه والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب. وكذلك في الجلسة بين السجدتين. والواجب من التسليم مرة ولفظه متعين. وهو أن يقول السلام عليكم لا يجزي غيره. وقدر القيام الواجب ما يكبر فيه للإحرام ويقرأ أم الكتاب. وما زاد على ذلك مسنون. ومن الجلوس قدر ما يعتدل ويسلم وما زاد على ذلك مسنون. قال الفقيه الإِمام ﵁: جميع ما في هذا الأصل قد فرغنا نحن من الكلام عليه في مواضعه المتقدمة. ورأينا أن ذلك أقرب تناولًا لمن أحب

стр. 530

المطالعة وأسل للحفظ (١). فلما ذكرنا التحريم استوفينا جميع المسائل المتعلقة به التي منها ما ذكر في هذا الفصل من وجوب التعيين. وكذا صنعنا في القراءة ليكلون له الأخذ في النظر في مسألة قد استوعب جميع فروعها قبل أن ينتقل إلى غيرها. ولكن ننبهك هنا على رموز القاضي أبي محمَّد في هذا الفصل لتستدل بذلك على سعة علمه. فمن ذلك أنه لما ذكر وجوب التعيين في الإحرام *مثل فيما يمنع* (٢) مما خالف التعيين بقوله: الله أكبر أو أجل أو أعظم ليشعر بذلك مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة جميعًا؛ لأن الشافعي لا يجيز أجل وأعظم ويجيزها أبو حنيفة. وأما أكبر فيجيزانه جميعًا كما قدمنا. ومن ذلك قوله في القراءة إن الواجب منها متعين وهو فاتحة الكتاب. هذا أيضًا إشارة إلى ما قدمناه من أن أبا حنيفة، يرى حصول الإجزاء بجميع آي القرآن. ومن ذلك قوله: في كل ركعة. هذا هو الصحيح من المذهب. فهذا أيضًا إشارة إلى ما قدمناه من الاختلاف الكثير في المذهب. ومن ذلك قوله والاعتد الذي الركوع والسجود واجب ويجزي منه أدنى لبث. ومراده بالاعتدال هنا الطمأنينة. وفي قوله أدنى لبث، تنبيه على ما كنا قدمناه من الكلام على مقدار الواجب من الطمأنينة. ومن ذلك قوله الواجب من التسليم -مرة- فيه إشارة إلى مذهب ابن حنبل الموجب تسليمتين كما قدمناه. وفي قوله ولفظه معين وهو أن يقول السلام عليكم مرة، فيه إشارة إلى ما قدمناه من الاختلاف في السلام المُنكر. وفي قوله لا يجزئ غيرها، إشارة إلى ما قدمناه من مذهب أبي حنيفة من صحة التحلل بكل ما يضاد الصلاة. وما ذكره من أن الواجب من القيام قدر الإحرام وقراءة أم القرآن. قد قدمنا الكلام على وجوب القيام للإحرام، والقيام لقراءة الفاتحة مبني على القول بوجوبها. وقد تكلمنا على وجوب القيام على من لا يحسنها (٣). فجميع ما اشتمل عليه الفصل الذي ذكرناه عنه قد مضى الكلام عليه موعبًا. فمن شاء معرفته فليطالعه هناك في مواضعه.

стр. 531

قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وسنن الصلاة اثنتا عشرة. وهي قراءة سورة مع أم الكتاب (١) والجهر بالقراءة في موضع الجهر، والإسرار بها في موضع الإسرار والاعتد الذي الفصل بين الأركان. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أن قراءة سورة مع أم القرآن سنة؟. ٢ - وهل تسن في الصلاة كلها أو في بعضها؟. ٣ - وهل تنوب بعض السورة عن السورة؟. ٤ - وهل تزاد مع السورة سورة أخرى؟. ٥ - وهل تكون السورة السابقة للركعة السابقة؟. ٦ - وما الدليل على أن الجهر والإسرار سنتان؟. ٧ - وما مواضع الجهر والإسرار؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في حكم السورة التي مع أم القرآن. فذكر عن عمر ﵁ وغيره (٢) إيجاب قراءة زائدة على أم القرآن. ويحدها (٣) عمر ﵁ بثلاث آيات. والغير بما تيسر. وقد حاول الشيخ أبو الحسن اللخمي أن يخرج من المذهب قولًا بالإيجاب بقراءة السورة. واعتمد على قول عيسى: من ترك السورة (٤) عامدًا أو جاهلًا أعاد الصلاة. وأظنه إنما اعتمد على هذه الرواية لما ذكر فيها ترك القراءة جهلًا. لأن القول بالإعادة مع العمد قد يحمل على طريقة القائلين بالإعادة لترك السنن عمدًا. وفي هذا التخريج نظر لأن المذهب اختلف في الجاهل هل هو كالعامد أو لا؟ فإذا قيل إنه كالعامد وكان تعمد (٥) ترك السنن يوجب الإعادة لم يسلم له هذا التخريج. فإذا ثبت أن المعروف من المذهب أنها ليست بواجبة فقد اختلف

стр. 532

المذهب هل هي سنة أو فضيلة؟ فالمشهور أن من تركها سهوًا سجد (١). وهذ ابن اء على أنها سنة. وروي عن مالك لا سجود عليه. وهذ ابن اء على أنها فضيلة. ودليلنا على سقوط الوجوب قوله لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب (٢). وهذا يقتضي جواز الاقتصار عليها. وأما الدليل على كونها مشروعة فما روي أنه ﷺ كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة (٣). وقوله لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا (٤). وتأكدت دلالة هذه الظواهر حتى ألحقت (٥) بالسنن ولم تبلغ دلالتها على القول الآخر إلى إلحاقها بالسنن فعدت من الفضائل. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: مذهبنا أنها إنما تكون سنة في ركعتين لا في أكثر خلافًا للشافعي في أحد قوليه إنها سنة في الأربع. وقد قال محمَّد بن عبد الحكم: من قرأها في الأخريين فقد أحسن. فلنا قوله كان يقرأ في الظهر والركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وفي الأخريين بأم القرآن. وللشافعي وابن عبد الحكم قوله حزرنا قيامه في الركعتين الأوليين ثلاثين آية (٦)، وفي الأخريين على النصف من ذلك وحزرنا قيامه في العصر في الركعتين الأوليين على قدر الأخريين من الظهر والأخريين من العصر على قدر ذلك. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف المذهب في الاقتصار

стр. 533

على بعض السورة التي مع أم القرآن. فقيل مكروه، وقيل جائز أن يقرأ أم القرآن وآية طويلة كآية الدين. فوجه الكراهة مضي العمل بقراءة سورة كاملة. وهذا ينقله الناس قوم بعد قوم. ومخالفة مثل هذا يكره. ووجه الجواز أنه ﷺ صلى الصبح بسورة المؤمنين. فلما جاء لذكر موسى وهارون أخذته سعلة. فركع (١). فلو كان مكروها لما ركع عليه. وهذا عندي قد تبين عذره ﷺ فيه. فلا يحتج به على جواز فعل المختار. لكن قوله ﷺ : "لا تجزيء صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فصاعدًا" (٢). ولم يحد هذا الصاعد. فيه إشارة إلى جواز الاقتصار على بعض السورة. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: يجوز أن يقرأ مع أم القرآن سورتين وأكثر. ولكن الأفضل الاقتصار على *واحدة* (٣). فأما الجواز فلقول ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهما وذكر عشرين سورة (٤). وإنما اخترنا الاقتصار على واحدة لأن السورة تبع لأم القرآن. فكان الأحسن أن تكون واحدة *كما كانت أم القرآن واحدة* (٥). ولكن العمل مضى به والأحسن متابعة العمل. وحديث ابن مسعود محمول على النوافل. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: يجوز أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة وفي الركعة الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصاحف. لأن المشروع قراءة السورة مع أم القرآن. وهذا قد قرأ فيهما كذلك. ولكن المختار أن يقرأ سورة بعدها ليجري في رتبة الصلاة حذو رتبة المصاحف.

стр. 534

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الدليل على أن الجهر والإسرار سنتان ما نقل من صلاة النبي ﷺ وتنوعها إلى إجهار وإسرار. ومضى عمل المسلمين على ذلك. فإن لم يدل ذلك على الوجوب لمعنى صرف عنه فأقل المراتب أن يدل على أن ذلك سنة كما قلناه. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما مواضع الإجهار، فصلاة الصبح وصلاة الجمعة والأوليان من المغرب والعشاء والعيدان والاستسقاء والوتر ما لم يمنع من الجهر مانع على ما سنبينه في مواضعه. وقد تكلمنا على الاعتد الذي الفصل بين الأركان فلا معنى لإعادته. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والتشهد الأول والجلوس له والتشهد الثاني والمختار من ألفاظ التشهد: تشهد عمر ﵁. ولفظه: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله (١)، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله *وحده لا شريك له* (٢) وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فأما الجلوس فالواجب منه قدر ما يسلم فيه وما يوقع فيه التشهد المسنون. وكذلك القيام الذي يقرأ فيه الزيادة على أم القرآن مسنون غير مفروض. والتكبير في كل خفض ورفع. وقوله سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع. والصلاة على النبي ﷺ . ولم نذكر سجود السهو لأنه يتنوع إلى واجب وسنة على ما نبينه. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أن التشهد الأول والجلوس له سنتان؟. ٢ - وهل يزاد على التشهد الأول؟. ٣ - وما الدليل على أن التشهد الثاني والجلوس له سنتان؟. ٤ - ولم اختار تشهد عمر ﵁؟. ٥ - وما معنى التحيات الزاكيات الطيبات؟.

стр. 535

٦ - وما الدليل على أن التكبير مسنون؟. ٧ - وما الدليل على أن الصلاة على النبي ﷺ مسنونة؟. ٨ - وإلى ماذا أشار في قوله في سجود السهو أنه يتنوع على ما نبينه؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في التشهد والجلوس له. فقال فقهاء الأمصار هما سنتان. فذهب الليث وأبو ثور وأحمد بن حنبل وداود إلى أنهما واجبتان. وقال أبو الحسن اللخمي اختلف في الجلوس الأول. فقيل سنة وقيل فرض ويجزيء منه سجود السهو. وأشار إلى أن هذا الاختلاف الذي ذكره إنما هو مقصور على الجلوس خاصة. فإن كان أراد أن (١) *الاختلاف وقع في المذهب فإني لم أقف عليه. وإن كان أراد اختلاف الناس فإن اختلافهم إنما وقع في الجلوس والتشهد جميعًا على حسب ما حكيناه. ودليلنا على سقوط الوجوب فيهما أنه ﷺ قام من اثنتين ولم يرجع إلى الجلوس والتشهد (٢). ولو وجبا أو أحدهما لرجع إليه. فإن قيل فلعله إنما لم يرجع إليه لأنه لم يذكره. فقيل قد ذكر الترمذي أنهم سبحوا به (٣). وهذا يقتضي أنه علم بسهوه لما سبحوا له. وإذا ثبت علمه به ولم يرجع إليه دل على سقوط وجوبه. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: التشهد الأول. روى ابن زياد عن مالك ﵁ أنه ليس بعد التشهد الأول موضع للدعاء. وروى ابن نافع أن له أن يدعو بما شاء. وقال الشعبي من زاد على التشهد سجد سجدتي السهو. وكأن الشعبي غلظ القول فيه حتى ألحق الاقتصار على التشهد بالسنن.

стр. 536

وقد يحتج له بقول ابن مسعود كان النبي ﷺ يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف (١). وكأن مالكًا قاسه في أحد قوليه على التشهد الثاني وأجاز فيه الدعاء. وقد فرق بينهما بأن الجلوس الثاني قد كملت فيه الصلاة فيجلس (٢) جلسة مطمئن يحسن فيه الدعاء. وهو في الجلسة الأولى غير مطمئن؛ لأنه متشوف للإتيان بما بقي عليه فلم يحسن الدعاء. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في التشهد الآخر والجلوس له. فقال مالك ليس بواجبين. وروي ذلك عن علي ﵁. وقال الشافعي هما واجبان وروي ذلك عن عمر وابنه ﵄. وقد روى أبو مصعب عن مالك إيجاب التشهد الآخر. فالجلوس على هذا يجب كما قال الشافعي. وقال أبو حنيفة الجلوس بقدر التشهد واجب والتشهد في نفسه غير واجب. فأما مالك وأبو حنيفة فيحتجان على سقوط وجوب التشهد لأن النبي ﷺ لم يعلمه للأعرابي. ولو كان واجبًا لعلمه إياه. ولأن الأذكار المفعولة في الأركان كالركوع والسجود واجبة. فكذلك الذكر المفعول في التشهد. وقوإنفصل عن هذا القياس بأن القعود (٣) لما كان يقع عادة وعبادة، فميز بين العادة والعبادة بإيجاب الذكر فيه. ألا ترى أن القيام لما كان عادة وعبادة ميزت العبادة عن العادة بإيجاب الذكر وهو القرآن. والركوع والسجود لا يقعان عادة. فلهذا لم يجب الذكر فيهما. فإذا سقط وجوب التشهد بما احتججنا به لمالك وأبي حنيفة. اعتبر مالك الجلوس بالتشهد لأنه إنما يراد له. فإذا سقط وجوب التشهد المراد سقط وجوب الجلوس الذي إنما يراد له. ولم يعتبر أبو حنيفة الجلوس بالتشهد كما قال مالك: بل قال بوجوبه خاصة لفعل النبي ﷺ له. ولم يقم دليل على سقوط وجوبه كما قيل في التشهد. ويعتمد أيضًا على قوله لعبد الله بن مسعود: فإذا رفعت رأسك من السجود وقعدت قدر

стр. 537

التشهد فقد تمت صلاتك (١). وهذا يقتضي مراعاة قدر التشهد. وإن الصلاة تتم دون التشهد وأما الشافعي فإنه يعتمد على فعل النبي ﷺ للتشهد. وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. وعلى قول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده (٢). الحديث. فقد أخبر ابن مسعود بكونه مفروضًا. وقوإنفصل عن هذا بأن -يفرض- بمعنى يقدر. ويحتج أيضًا بقوله قولوا التحيات لله. والأمر على الوجوب. وهذا لا يسلمه له من قال إن الأمر على الندب. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في المختار من لفظ التشهد. فاختار مالك رضي الله هـ تعالى عنه تشهد عمر بن الخطاب وهو التحيات لله. الزاكيات لله. الطيبات الصلوات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله. واختار الشافعي تشهد ابن عباس وهو التحيات المباركة، الصلوات الطيبات لله. سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله. واختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود وهو التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن (٣) محمدًا عبده ورسوله. ووافق أبا حنيفة الثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق وكل واحد من هؤلاء الفقهاء الثلاثة قد اعتمد فيما اختاره على حديث مشهور. ولكن اختلفت طرق الترجيح بهم. فرجح مالك ﵁ ما اختاره بأن عمر بن الخطاب ﵁ علمه الناس على المنبر. وما اشتهر هذا الاشتهار حتى قرأه عمر ﵁ على المنبر بمحضر الصحابة ﵃ ولم ينكره أحد منهم، كان أولى أن يختار وأحق أن يتبع. ورجح الشافعي اختياره بأن رواية ابن عباس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد

стр. 538

كما يعلمنا السورة من القرآن (١) وهو متأخر لأن النبي ﷺ مات وهو حدث السنن. فالأظهر أن الذي سمعه هو آخر الأمرين والأخير من فعل النبي ﷺ أحق أن يتبع. ولأن فيه زيادة المباركات ولأن السلام فيه منكر وهو أكثر سلام القرآن. قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢) ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ (٣) ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة﴾ (٤) إلى غير ذلك مما يكثر. ورجح أبو حنيفة ما اختاره بأن رواية ابن مسعود ﵁ قال: أخذ النبي ﷺ بيدي فعلمني التشهد (٥). وقال ﵇ أخذ جبريل بيدي فعلمني التشهد. وهذا يقتضي العناية بنقله والضبط. وقد جرى التعليم عندهم على هذا الأسلوب. فقال محمَّد بن الحسن أخذ بيدي أبو يوسف فعلمني هذا التشهد. وقال أخذ بيدي أبو حنيفة فعلمنيه. وقال أبو حنيفة أخذ بيدي حماد فعلمنيه. وقال حماد أخذ بيدي إبراهيم فعلمنيه. وقال إبراهيم أخذ بيدي علقمة فعلمنيه. وقال علقمة أخذ بيدي ابن مسعود فعلمنيه. وأخذ بيد ابن مسعود النبي ﷺ . وبيد النبي ﷺ جبريل ﵇ كما قدمناه. ولأنه جاء بحرف الواو وهي قد تفيد معنى لا يفيده حذفها فكانت زيادتها أولى. وقد اختلفت إشارات أصحابنا إلى حقيقة اختيار مالك لتشهد عمر ﵁. فأشار بعض البغداديين إلى تأكد هذا الاختيار حتى كأنه يرى ما سواه ليس بمشروع. وأشار الداودي إلى أنه على جهة الاستحسان وإيثار هذا التشهد. وقد روي عن مالك أنه استحسن أن يعاد من هذا التشهد عند التسليم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ويكون السلام من الصلاة بعقب ذلك. وقال ابن مسلمة إنما اختار هذا: لما روي عن ابن عمر وعائشة ﵄ من فعل ذلك. وليس من المسنون عندنا التسمية في افتتاح التشهد. واستحبها بعض أصحاب الشافعي فقال بسم الله التحيات لله. وقد روي ذلك عن علي

стр. 539

رضي الله عنه (١) كان إذا تشهد قال بسم الله خير الأسماء (٢). ودليلنا قوله ﷺ فليكن من أول قول أحدكم التحيات لله (٣). وسمع ابن عباس رجلًا يقول بسم الله التحيات لله فانتهره. وقال ابن المنذر: ليس في الإخبار الثابتة عن النبي ﷺ ذكر التسمية. فإن تعلق من أمر بذلك بقول جابر: كان النبي ﷺ يقول ذلك (٤). قلنا قد قيل بعض رواته فيه ضعف. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: التحيات جمع تحية. والتحية الملك. وينشد لعمرو بن معدي كرب: أسير بها إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بخير أي على ملكه. قال النحاس الذي اعتمد عليه أهل اللغة: أن التحيات لله معناه الملك لله. وحياك الله ملكك الله. وأصل هذا أن الملك كان يحيَّى فيقال له: أبيت اللعن -ولا يحيَّى غيره. ثم سمى الملك تحية. إذ كانت التحية لا تكون إلا من الملوك. وقال غيره التحيات لله، البقاء لله. وقال زهير الكلبي: من كل ما نال الفتى قد ... نلته إلا التحية أي البقاء. وقال قوم التحيات السلام قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ (٥). وقال الكميت ألا حييت عنا يا ردينا (٦). ومعنى الزاكيات. أي الصالحات من الأعمال. ومعنى الطيبات أي الطيبات من القول. معنى الصلوات لله أي يراد بها وجه الله. وقيل معناها الرحمة. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: التكبير عندنا مشروع في كل

стр. 540

خفض ورفع. وقال عمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم وسعيد بن جبير لا يكبر إلا عنوإلافتتاح. ويذكر مثل هذا عن عكرمة. وليس هذا المذهب مما يعول عليه. وقد أجمع المسلمون في سائر الأمصار على مرور الأعصار على التكبير في كل خفض ورفع. وما نقل هذا النقل فلا وجه لإنكار كونه مشروعًا (١). وقد صلى أبو هريرة ﵁ فكبر كلما خفض ورفع. فلما انصرف قال والله إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ (٢). فإذا ثبت أنه مشروع فقد قال بعض أصحابنا: ما سوى تكبيرة الإحرام من التكبير ليس بواجب. وقال بعض المتأخرين لعل المراد بهذا أنه ليس بشرط في صحة الصلاة. وإلا فرواية أصحابنا تقتضي وجوبه. وهذا الذي قاله من اقتضاء الرواية الوجوب قد يسلم له إذا قلنا فيمن ترك التكبير سهوًا أو سها أن يسجد عنه حتى طال، إن صلاته تنتقض. وأما إذا قلنا بقول أشهب في مدونته إن السجود من تركه لا يجب كما لا يجب في ترك التسبيح في الركوع والسجود. ويستحب أن يسجد بعد السلام. فإن هذا المذهب يقتضي أنه ليس بواجب على ما قال بعض أصحابنا الذين قدمنا قولهم. ويقتضي أيضًا أنه ليس بسنة. لأنه لم ير السجود منه واجبًا. وقد قال بوجوبه ووجوب التسبيح في الركوع والسجود أحمد وإسحاق وداود. وإن ترك شيء من ذلك يبطل الصلاة، إلا داود فإنه لا يرى إبطالها بذلك على حال. ودليلنا على سقوط الوجوب أنه ﵇ علم الأعرابي الصلاة ولم يعلمه التكبير والتسبيح. ولو كان واجبًا لعلمه إياه كما علمه ما سواه. وأما القول سمع الله لمن حمده فداخل فيما ذكرناه من التكبير. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الآخر. فعندنا أنه مسنون. وعند الشافعي أنه واجب. وبه قال ابن المواز. فدليلنا على أنه ليس بواجب أن النبي ﷺ علم ابن مسعود التشهد وقال له: إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتك (٣). فأشار إلى

стр. 541

تمامها دون الصلاة عليه ﷺ . وأما من أوجبها فإنه تعلق بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). وهذا محمول على الصلاة. إذ لا تجب الصلاة عليه في غير الصلاة. ويتعلق أيضًا بقوله: لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي (٢). والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: لما أشار القاضي أبو محمَّد إلى تنوع سجود السهو ووعد أنه سيبينه، فإنه إنما ذكر في باب السهو السجود الذي تبطل الصلاة بتركه والذي لا تبطل. فكأنه يشير إلى أن ما بطلت الصلاة بتركه هو الواجب، وما لا تبطل بتركه هو السنة. وسنوعب الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وفضائلها سبع وهي رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام إلى المنكبين لا إلى الأذنين. وعنه في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها *أن يقال: ١ - هل ترفع اليدان (٣) في الصلاة أم لا؟. ٢ - وإن رفعت في كم موضع ترفع؟. ٣ - وما منتهى الرفع؟. ٤ - وما صفته؟. ٥ - وما معناه؟. الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المشهور عند العلماء وعن

стр. 542

مالك (١) ﵁ إثبات الرفع على الجملة. وروى ابن شعبان عن ابن القاسم عن مالك النهي عن الرفع أصلًا. وتأوله بعض أصحابنا على المدونة لما ذكر الرفع وضعفه. والدليل على ثبوته على الجملة ما ورد في الحديث الصحيح من رفعه (٢) ﷺ . ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فكأنه من حكمه أن يقترن به عمل كالسلام. وقد يتعلق في النهي عن الرفع على الإطلاق بقول جابر بن سمرة كنا نرفع أيدينا في الصلاة ومر بنا رسول الله ﷺ فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس أسكنوا أيديكم في الصلاة" (٣). وهذا على عمومه. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك في ذلك. فروى ابن القاسم عنه الاقتصار في الرفع على تكبيرة الإحرام. وروى ابن عبد الحكم عنه زيادة الرفع عند الرفع من الركوع. وروى ابن وهب عنه زيادة على هذين الرفع عند الركوع. وقال ابن وهب بزيادة الرفع عند القيام إلى الثالثة. وبرواية ابن القاسم عنه قال أبو حنيفة وبرواية ابن وهب عنه قال الشافعي. فوجه الاقتصار في الرفع على تكبيرة الإحرام ما رواه علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في أول الصلاة ثم لا يعيد (٤). وأجيب عن هذا بأن الصحيح بأنه موقوف على علي ﵁. وروى البراء أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب أذنيه ثم لا يعود (٥). وأجيب عن هذا بأن عيينة قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد ولم يذكر فيه: ثم لا يعود. وقال الحميدي وغيره يزيد بن أبي زياد ساء حفظه في آخر عمره واختلط. وقال ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في افتتاح الصلاة، ثم لا

стр. 543

يعود (١). وروي عن ابن عمر وابن عباس موقوفًا عليهما ومرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الأعياد وتكبيرة القنوت وذكر أربعة في الحج (٢). وعن ابن عباس أن العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة. ولأنه تكبير للانتقال من حال إلى حال فلم ترفع فيه اليدان كالانتقال من الجلوس إلى السجود. ووجه رواية ابن وهب الحديث الثابت في الموطإ والبخاري ومسلم أن ابن عمر قال: رأيت النبي ﷺ يرفع يديه إذا قام إلى الصلاة حتى يكونا حذو منكبيه (٣). وكان يفعل ذلك حين يركع وحين يرفع من الركوع. ولأن الرفع شرع في تكبيرة القيام ولم يشرع للتكبير الذي ليس في حال القيام كتكبير السجود. والرافع من الركوع قائم. والرافع في حكم القائم. ألا ترى أن مدرك (٤) الركوع مع الإِمام يكون كمدرك القيام. وإذا ثبت للركوع والرفع منه حالة القيام شرع التكبير فيه. ووجه رواية ابن عبد الحكم أن حديث ابن عمر الذي ذكرناه اختلفت رواة الموطإ فيه. فبعضهم لم يذكر رفع اليدين عنوإلانحناء للركوع، وإنما قال إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه. وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود. فلما اختلف في إثبات الرفع عنوإلانحناء، الرواة، فأسقطه يبيح وأبو مصعب والقعنبي وأثبته ابن القاسم وابن المبارك وابن مهدي وغيرهم. ولم تثبت الحجة لما اختلف فيه الرواة هذا الاختلاف كما ثبت بما اتفقدا عليه. ولعله أيضًا قدر أن المنحني للركوع ليس بقائم على الحقيقة

стр. 544

والرفع إنما شرع في تكبيرة القيام. ووجه ما ذهب إليه ابن وهب رواية البخاري عن ابن عمر أنه كان يرفع إذا قام من ائنتين (١). ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. وقد ذكر في الرفع في تكبيرة السجود أحاديث. قال بعض الحذاق إنها لا تثبت. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في منتهى الرفع، فقيل حذو الصدر وقيل حذو المنكبين وقيل حذو الأذنين. والمشهور عن مالك حذو المنكبين. وبه قال الشافعي. وروى أشهب عن مالك حذو الصدر. وبحذو الأذنين قال أبو حنيفة. واختلفت الأحاديث على حسب اختلاف هذه الروايات. فقال بعض المحدثين هو بالخيار بين أن يرفع حذو منكبيه أو حذو أذنيه. وقال بعض أشياخي: يحمل اختلاف الأحاديث على التوسعة يفعل أي ذلك أحب. فروى ابن عمر الحديث المتقدم في الصحيح وفيه حذو المنكبين. وروى أبو حميد في عشرة من الصحابة أحدهم أبو قتادة أن النبي ﷺ كان إذا قام اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه (٢). وروى مالك بن الحويرث ووائل بن حجر أن النبي ﷺ رفع يديه حذو أذنيه (٣). وقد استعمل بعض المتأخرين من أصحابنا هذا الاختلاف بين الأحاديث فقال كان يحاذي بكفيه منكبيه، وبأطراف أصابعه أذنيه فيكون مراد أحدهما بالمحاذاة غير مراد الآخر. وإن استعملنا الترجيح من قبل الإسناد قلنا: ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أصح من قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث. وقال بعضهم اختلفت الرواية عن مالك ووائل فروي عنهما أيضًا حذو منكبيه. فإما أن تتعارض الروايتان وتسقطان. وتبقى الرواية التي لا اختلاف فيها ولا معارض. وترجيح إحدى الروايتين المختلفتين بالموافق لها من الرواية التي لا اختلاف فيها. وهذا فيه اختلاف بين أهل الأصول وكلا القولين يؤديان إلى مطلوبنا.

стр. 545

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما صفة الرفع فالذي عليه العراقيون من أصحابنا اختيار كون اليدين قائمتين يحاذي بكفيه منكبيه وبأصابعه أذنيه لأن بهذا الشكل يتمكن من بناء الأحاديث المختلفة كما قدمناه، وهو الذي رأيت أشياخي يفعلونه. ولو لم يكن في اختياره إلا البعد عن التكلف لكان معنى يقتضي إيثاره ويحسّن اختياره. واختار سحنون كونهما مبسوطتين وبطونهما إلى جهة الأرض. وحكى عن بعض المتأخرين اختيار إقامة الكف مع ضم الأصابع لأنه زعم أن هذا الشكل فيه معنى حال الرهبة، وهو ما اختار سحنون. وفيه معنى من حال الرغبة وهي الإشارة بالكف نحو السماء والأمر في هذا قريب وإلى ما اختار أشياخي أميل. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما إبداء معنى معقول في الرفع فلا يلزم. ولم يشتغل بذلك مشاهير الأئمة. ولكن قال بعض أشياخي: القصد به إشعار النفس استعظام ما تدخل فيه. وكثيرًا ما يجري من الناس عند مفاجأة أمر يستعظم رفع اليدين كالفزع منه والمستهيل له. وقال بعض الخراسانيين إن رفع اليدين للمسؤول إنما يكون إذا اختلف مكان السائل من المسؤول وتباين مستقراهما. والباري سبحانه لا مكان له ولا مستقر. فكأن (١) هذه الحركة عنوإلافتتاح تسكين لوحشة النفس من سؤال من ليس في مكان (٢)، وبسطًا لها للتضرع والسؤال إذا تحرك البدن بالحركات التي تألفها النفس عند سؤال من ارتفع قدره وعظم شأنه. هذا معنى ما فهمته من كلامه. وذكر عن بعض المتصوفة أن القصد بذلك إشعار النفس بنبذ أمور الدنيا وراء ظهره لتستقبل النفس طلب ما عند الله. وهذا الذي قاله هذا المتصوف إنما يناسبه من الأشكال المتقدمة ما اخترناه في حال الرفع لأن ذلك الشكل هو شكل النابذ للشيء وراء ظهره. وهذه الثلاثة أجوبة دائرة كلها على أن القصد إشعار النفس بأمر ما وهي معان تروق الذهن. وإن صحت وثبت أن قصد الشريعة ذلك، فذكرها ها هنا غرضنا به التنبيه على محاسن الشرع وعنايته بأن يمهد للنفس

стр. 546

تسهيل سبل الخير وليعلم المصلي معنى أفعاله وما يقصد به. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وإطالة القراءة في الصبح على ما سنذكره والتأمين بعد أم الكتاب. والتسبيح في الركوع والسجود. قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما معنى التأمين؟. ٢ - وهل يخاطب به المصلون عمومًا أو خصوصًا؟. ٣ - وهل يخفى أو يجهر؟. ٤ - وهل يؤمّن من لا يسمع قراءة الإِمام؟. ٥ - وما الدليل على أن التسبيح في الركوع والسجود مشروع؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف في معنى هذه اللفظة. فقيل معناها معنى الدعاء وتقديره اللهم استجيب لي. وقيل تقديره فعل الله ذلك. وهي عبرانية عربتها العرب وبنت نونها على الفتح. وقيل بل هي من أحد أسماء الله سبحانه. وحذف حرف النداء. قال بعض هؤلاء فَنُونُها مضمومة. وقال بعضهم بل حركت بالفتح. واختلف في شدها وتخفيفها. فالمشهور التخفيف. وحكى الداودي التشديد للميم، وأنكر هذه اللغة ثعلب. وعلى القول بالتخفيف وهو المشهور المعروف اختلف في قصرها ومدها وينشد في القصر: تباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وضعف ابن درستويه القصر وتأول أن هذا الشاعر قصر الممدود للضرورة إن ثبت رواية البيت على هذا النظم. وينشد في المد: ويرحم الله عبدًا قال آمينا (١) والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك، فروي

стр. 547

عنه أن التأمين مشروع لسائر المصلين عمومًا. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وروي عنه استثناء الإِمام في صلاة الجهر خاصة. وذهب ابن بكير: إلى تخيير الإِمام بين التأمين وإسقاطه في صلاته الجهر. وسبب هذا الاختلاف اختلاف الأحاديث. ففي بعضها إذا أمّن الإِمام فأمّنوا (١) وأيضًا قول ابن شهاب وكان رسول الله ﷺ يقول آمين (٢). وحديث ابن شهاب هذا وإن كان مرسلًا على المعروف والمشهور فقد أسنده بعضهم. وفي بعض الأحاديث إذا قال الإِمام ولا الضالين فقدلوا آمين (٣). وظاهر هذا أنه لا يقول آمين. لأنه لو كان يقولها لم يقل هذا اللفظ الدال على اقتصاره على -ولا الضالين- وقد تأولت كل طائفة الحديث الذي تعلقت به الأخرى. فمن أنكر تأمين الإِمام قال: معنى قوله: إذا أمَّن: أي بلَغ موضع التأمين أو يكون المعنى أن دعاءه بما في خاتمة أم القرآن يسمى تأمينًا. وغير بعيد أن يسمى الداعي مؤمنًا كما يسمى المؤمن داعيًا وقد قال تعالى في موسى وأخيه: "قد أجيبت دعوتكما" (٤) وأحدهما داع والآخر مؤمّن. وأما حديث ابن شهاب فمرسل. وإن وجب العمل به حمل على صلاته ﷺ وحده. أو على إمامته في صلاة السر. ومن أثبت تأمين الإِمام تأول قوله إذا قال ولا الضالين. على أن المراد: أنها علم على تأمينه. فإذا لم يسمع المأموم التأمين لأن الإِمام يخفيه جعل له علم عليه. وهو قول الإِمام: ولا الضالين. ولما رأى ابن بكير اختلاف هذه الأحاديث وإمكان رد كل طائفة حديث مخالفها إلى حديثها صار إلى التخيير الذي حكيناه. وقد أنكر الحذاق قول من حكينا عنه أن الداعي يسمى مؤمنًا لأنه إثبات لغة بالقياس. وتسمية التأمين دعاء قد علم وجهه واتضح معناه. وتسمية الدعاء تأمينا لا وجه له. وأشار بعض المتأخرين إلى أن قوله: إذا أمّن الإِمام لا يستقل بنفسه دليلًا لجواز أن يكون تأمينه مُباحًا

стр. 548

فيجعل (١) هذا الفعل المباح علمًا على خطاب المأموم بالتأمين إلا أن يعضد بأن يقال: لم يصر أحد إلى الإباحة فانتفت لعدم قائل بها. وبطل قول من قال بالكراهة. فلم يبق إلا قول من قال بالندب، فيستقل حينئذ الاستدلال بالحديث. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أن يقال اختلف الناس في التأمين هل يخفى أو يجهر؟ فذهب أبو حنيفة إلى إخفائه وذهب الشافعي إلى الإجهار به. ومذهبنا أن المأموم يخفيه. وأما الإِمام فإن قلنا بتأمينه فإنه يخفيه. واختار بعض أشياخي أن يجهر به ليتقدى به. وأشار بعض المتأخرين من أصحابنا إلى تخييره بين الجهر والإخفاء. فحجة من أظهره قوله: إذا أمّن الإِمام فأمّنوا (٢). فلو لم يكن مسموعًا لم يقل إذا أن الإِمام فأمنوا. وقد ذكر أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يؤمنون حتى يسمع لتأمينهم رجة (٣). واعتمد من أخفى التأمين على أن قوله إذا قال ولا الضالين فقدلوا آمين يقتضي إخفاء التأمين. لأنه لو كان يجهر به لم يحتَجْ علمًا عليه. ولا يمكن من قال بالتأمين أن يتأول هذا الحديث إلا على هذا على حسب ما قلناه. وتنازعت الطائفتان أيضًا جهة المعنى فقال من أثبت الجهر ينبغي أن يكون تابعًا لقراءة أم القرآن فإذا جهر بها جهر به، كما جرى الأمر في السورة التابعة لأم القرآن. وقال من أمر بالإخفاء. قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤). وقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٥). والخائف لا يتكلم إلا همسًا. ولهذا جرى الأمر في مخاطب ملوك الزمن أنه يخفض صوته إشعارًا لهم بالهيبة والخوف. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (٦). وقال في زكرياء: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً

стр. 549

خَفِيًّا﴾ (١). وأثنى على الصدقة الخفية لبعدها من الرياء. وإنما شرع رفع الإِمام صوته بالتكبير لكون تكبيراته إعلامًا. ولهذا لم يشرع ذلك في تكبير المأموم. وهذا كله يقتضي إثبات الإخفاء. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: قال مالك في العتبية وعيسى ابن دينار في كتاب ابن مزين فيمن لا يسمع قراءة الإِمام أنه لا يؤمّن. وحكاه ابن حارث عن ابن نافع. وحكى عن ابن عبدوس أنه يتحرى فيؤمّن. وأن لقمان ابن يوسف شبهة بتحري المريض رمي الجمار عنه فيكبر. وإن يحيى ابن عمر أنكر هذا التشبيه لأجل أن التأمين لا يكون إلا في مواضعه. ووجه الذي قاله مالك أنه قد يصادف تأمينه ما هو أولى على الجملة بأن يستعاذ بالله منه، من أن يؤمّن فيه كآي الوعيد. وإذا أمكن ذلك لم يحسن التأمين. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: الدليل على أن التسبيح في الركوع والسجود مشروعان (٢) قول عقبة ابن عامر: كان النبي ﷺ إذا ركع قال سبحانه ربي العظيم ثلاث مرات. وإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات (٣). وليس بواجب لأنه لم يعلمه للأعرابي. وقد تقدم حكايتنا عن أحمد وإسحاق وداود إيجابه وبطلان الصلاة بتركه إلا داود فإنه لا يبطلها. وإذا كان مستحبًا فإن مالكًا لم يحد فيه حدًا. وأنكر في المدونة قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى. وقال لا أعرفه ولا أجد فيه حدا. والشافعية (٤) تستحسن هذا اللفظ وتحده بثلاث. وأشار الثوري إلى التحديد بخمس في الإِمام ليتمكن المأموم من أن يقول ثلاثًا. وقال الحسن: التام من السجود سبع والمجزي ثلاث. وأشارت الشافعية إلى استحسان زيادة

стр. 550

القول -وبحمده- لوقوعه في بعض الآثار ولما فيه من زيادة التحميد. قال القاضي ﵀: والقنوت في الفجر وقول المأموم ربنا ولك الحمد وسجود التلاوة. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما معنى القنوت؟. ٢ - وما حكمه؟. ٣ - وما محله من الصلوات؟. ٤ - وما محله من الصلاة؟. الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: القنوت ينطلق على أربعة معاني. أحدها الدعاء يقال فيه قنت وأقنت. والثاني الطاعة ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (١). والثالث السكوت، ومنه قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٢). والرابع القيام. وقد اختلف في قوله ﵇ لما قيل له: أي الصلاة أفضل؟ فقال طول القنوت (٣). فقال بعض الناس معناه طول القيام. وقال بعض البغداديين من أصحابنا: القنوت هو الدعاء وهو المراد بهذا الحديث. والقنوت الذي أخذنا في الكلام عليه قد حصلت فيه هذه المعاني الأربعة بأنه طاعة ودعاء والدعاء محله القيام وفيه السكوت مقدرًا. لأن الآخذ في دعاء القنوت ساكت عن القراءة في محلها. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في القنوت. فقال أبو حنيفة ليس بمشروع وبه قال الثوري. وذهب إلى هذا يحيى بن يحيى من أصحاب مالك. لكن أبا حنيفة يراه في الوتر في جميع السنة. وقال مالك والشافعي هو مشروع في صلاة الصبح. فعند الشافعي أنه مسنون. والمشهور عن مالك وأصحابه أنه ليس بمسنون ولكنه مستحب. وقال ابن سحنون هو

стр. 551

سنة. والقياس أن فيه السجود. وفي السليمانية أنه يسجد إذا سها عنه. وقال ابن زياد تعمد تركه يفسد الصلاة. وبالغ (١) بعض أصحابنا في إنكار كونه سنة حتى جعل تعمد السجود لتركه يبطل الصلاة. فدليلنا على أنه مشروع قول أنس أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الصبح إلى أن فارق الدنيا (٢). وحجة أبي حنيفة قول أم سلمة نهى النبي ﷺ عن القنوت في الفجر (٣). وقد تأول أصحاب أبي حنيفة حديثنا على أن المراد به أنه طول القيام في الصبح حتى فارق الدنيا. وتأول أصحابنا حديث أبي حنيفة على أن المراد به النهي عن لعن قوم بأسمائهم، أو المراد به النهي عن الجهر به. وقد قال بعض الناس: حديث أم سلمة يرويه محمَّد بن يعلى عن عنبسة بن عبد الرحمان عن عبد الله بن نافع عن نافع وكلهم ضعاف إلا نافع. ونافع لم يلق أم سلمة. وقد روي عن بعض الصحابة تركه وعن الخلفاء الأربعة فعله. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: محله من الصلوات عندنا (٤) صلاة الصبح. وعنه في كون الوتر في النصف الآخر من شهر رمضان محلًا له روايتان: الجواز والمنع. وحكي عن ابن حنبل أنه لا بأس به. وروي عنه أنه مقصور على إمام الجيش بدار الحرب يدعو للجيش أو للسلطان الأعظم. وقال إسحاق: القنوت للأئمة عند حوادث تحدث. وما قدمناه من حديث أنس يدل على صحة ما قلناه من الاقتصار على الصبح. إذ لو قنت في غيرها من الصلوات لم يخصها بالذكر. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما محله من صلاة الصبح فاختلف الناس فيه. فقال مالك: الأفضل أن يكون قبل الركوع من الركعة الثانية (٥).

стр. 552

ويجوز أن يكون بعد الركوع. وقال الشافعي وابن حبيب من أصحابنا: المختار أن يكون بعد رفع الرأس من الركوع. وقد ذكر عن بعض الصحابة ﵃ فعل ما اختاره مالك. وعن بعضهم فعل ما اختاره الشافعي. فالحجة لمالك فيما اختاره قول عاصم لأنس: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال قبله. قال عاصم قلت حدثني فلان عنك أنك قلت بعده. قال كذب فلان. إنما قنت النبي ﷺ بعد الركوع شهرًا أراه بعث قومًا وذكر حديث البراء (١) وهذا يقتضي كون *القنوت قبل الركوع* (٢) ولأن في كونه قبل الركوع زيادة بمقدار ما تدرك به الصلاة. فمن تأخر أدرك صلاة من قنت قبل الركوع وفاتته صلاة من قنت بعده. والشافعي يحتج لاختياره: بأنه مذهب أبي بكر وعمر وعثمان فكان عنده أولى. وما ذكره القاضي أبو محمَّد في بقية الفصل من سجود التلاوة قد قدمنا الكلام عليه. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وصفة الجلوس كله صفة واحدة. وهو أن يفضي إلى الأرض بأيسر وركيه (٣) ويضع رجله اليسرى تحت يمنى ساقيه ويضع كفيه على فخذيه ويقبض يمناهما ويشير بسبابته منها ويبسط يسراهما. والسنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل وقد بينا جُمَلها. ونحن نبين تفصيلها في تضاعيف ما نورده من المسائل إن شاء الله. قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على اختيار هذه الجلسة؟. ٢ - وما معنى الإشارة بالسبابة؟. ٣ - وما معنى قوله أن السنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل؟.

стр. 553

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الجلوس يقع مفترشًا. ومعناه: - أن يفترش رجله فيجلس عليها. ويقع متوركًا ومعناه: - أن يخرج رجله إلى جانب وركه الأخرى، ويضع أليتيه على الأرض. - ويقع مقعيًا واختلف في تفسيره، فقال أبو عبيدة هو أن ينصب رجليه ويجلس على أليتيه. قال وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون: الإقعاء أن ينصب رجليه ويجلس على عقبيه. وقيل هو أن يفترش رجليه ويجلس على عقبيه. فذهب مالك ﵁ إلى أن جلوس الصلاة كله في التشهدين وبين السجدتين توركًا (١). وهو أن يثني رجله اليسرى ويخرجها من جهة وركه الأيمن وينصب رجله اليمنى ويجعل باطن إبهامه إلى الأرض ولا يجعل جنبها ولا ظاهرها. وعند أبي حنيفة أن السنة فيه أن يفترش رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب اليمنى ويوجه أصابعه نحو القبلة. وقال الشافعي بالافتراش بين السجدتين وفي التشهد الأول وهو أن يفترش اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى كما قال أبو حنيفة. وقال في الجلسة الأخيرة بما قال مالك. وقال طاوس في الجلوس بين السجدتين رأيت العبادلة. ابن عمر. وابن عباس (٢). وابن مسعود. وابن الزبير. يُقْعُونَ بين السجدتين. وقال أحمد أهل مكة يفعلونه. وقال ابن عباس من السنة أن تمس عقبيك أليتيك. فيحتج لمالك ﵁ بقول ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركًا (٣). ويحتج لأبي حنيفة بأن عائشة ذكرت أنه ﵇ كان يقعد في صلاته. ووصفت الصفة التي ذهب إليها

стр. 554

أبو حنيفة (١). ويحتج للشافعي بحديث أبي حميد الساعدي (٢) *وقد ذكر في التفرقة بين الجلستين ذكره الشافعي من التفرقة بينهما* (٣). وحديث أبي حميد الساعدي رد على العبادلة لأنه وصف صلاة رسول الله ﷺ بمحضر عشرة من الصحابة صدقوه. فقال فيه: أهوى إلى الأرض ساجدًا. وقال الله أكبر ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ثم أهوى ساجدًا (٤). وقد أنكرت تفرقة الشافعي بأن أركان الصلاة المتكررة متساوية الشكل كالقيام والركوع والسجود. فيجب أن يكون الجلوس كذلك. واعتذر أصحاب أبي حنيفة عن حديث أبي حميد بأن النبي ﷺ كان أسن فلعله جلس في الآخرة تلك الجلسة لطولها ولا يمكنه مع الطول إلا تلك الجلسة. ويرجح أصحاب الشافعي مذهبهم بأن الجلسة الأولى هو مستوفز فيها إلى القيام فوجب ألا يجلس فيها جلسة مطمئن بخلاف الآخرة. وبأن المصلي قد يشك في جلسته هل هي الأولى أو الأخرى؟ فينتبه لذكر ما هو فيه بشكل الجلسة وبأن التفرقة تشعر من جاء لإدراك الصلاة، يكون الصلاة قوإنقضت. فينصرف لطلب جماعة أخرى، أو لم تنقض فيدخل مع الجماعة. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: ذكر ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع كله اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده إلا التي تلي الإبهام (٥). وقال بعض المتأخرين: هذا، يقتضي إطلاقه أن هذا الفعل كان في جميع الجلوس. ولو اختلف حكم الجلوس لفصله ابن عمر. وقال غيره: إنما يختار هذا في جلوس التشهد. وأما الجلوس بين السجدتين فإنه يبسط كفيه على فخذيه. وقد اختلف المذهب في الأصبع إذا بسطت، هل تحرك أم لا؟ فقال ابن القاسم رأيت مالكًا يحركها في التشهد ملحًا. وقيل لا يحركها بل يجعل جانبها الأيسر مما يلي السماء. واختلف في تعليل كون هذه الأصبع

стр. 555

مخالفة لشكل الأصابع. فقيل مَقْمعةً للشيطان. وقال الداودي ليذكر أنه في الصلاة. وقيل إشعارًا بالتوحيد. وقال بعض أصحاب مالك من علل بالمقمعة أو نفي السهو حركها. ومن علل باستشعار التوحيد لم يحركها. وذكر عن يحيى ابن عمر أنه كان يحركها عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وعندي أن ابن عمر إنما حركها عند هذا الموضع لأنها حركة تستعمل في تقرير الأمر وثبوته. ألا ترى أن الإنسان إذا حادث صاحبه حرك إصبعه كالمقرر بها والمحقق حديثه. فلما افتتح المصلي الشهادتين رأى ابن عمر أن ذلك مما يحتاج إلى التقرير. فكأنه قرر (١) على نفسه وحقق عندها صحة ما أخذ فيه. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما قول القاضي أبو محمَّد ها هنا أن السنن والفضائل كثيرًا ما تتداخل، فإن هذا اللفظ إذا أخذ على مقتضاه في عرف إطلاق العلماء عسر تصور معناه. لأنهم إنما يطلقون التداخل بسقوط اعتبار شيء عند إضافته إلى آخر. مثل قولهم الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر. بمعنى أن الوضوء الواجب على البول يسقط بالغسل الواجب على الجنابة. وهذا المعنى لا يتصور في السنن والفضائل. ولكن يتصور فيهما (٢) معنى مأخوذ مما قدمناه. حيث قلنا إن السنن والفضائل عبارتان قد تنوب إحداهما عن الأخرى. وتستعمل هذه مكان هذه على مقتضى اللغة. ولكن قَصرَهُما العُرف على ما كان مندوبًا إليه. فمتى قوي الندب وعظم الأجر سمينا الفعل سنة، ومتى ضعف سميناه فضيلة. فكأن السنة فيها معنى الفضيلة وزادت (٣) عليها. فصارت الفضيلة كالداخلة في السنة. ولكن هذا المعنى وإن كان صحيحا فلم يرده القاضي أبو محمَّد لأنه معنى يشتمل على جميع الفضائل وجميع السنن. والقاضي أبو محمَّد قيد قوله بأن قال: كثيرًا ما يتداخل. فأشار إلى أنها قد لا تتداخل في بعض الأحيان. فإن كان أراد أن الفضيلة ربما كانت

стр. 556

بعض أوصاف السنة ومقدرة كالجزء منها كالسورة التي مع أم القرآن فإنها سنة وتطويلها أو تقصيرها فضيلة. والطول والقصر وصف من أوصاف السورة (١). وقد تطلق العبارة بأن السورة المعتاد قراءتها في صلاة الصبح سنة. وإن كان المسنون أصلها لا وصفها بالإطالة أو بالقصر. وكذلك القول فيما ضاهى هذه المسألة فإن أراد هذا فهو معنى صحيح. وإن أراد بالتداخل ما وقع من الاختلاف من عد بعض السنن فضائل وعد بعض الفضائل سننًا. فصارت تدخل بعضها في بعض على هذا المعنى. ويكون المراد أنها تتداخل على مذهب دون مذهب. فيدخل بعض ما عده من السنن في قسم الفضيلة على قول ومذهب. ويدخل ما عده من الفضائل في قسم السنة على قول ومذهب. فهذا معنى صحيح. وقد يراد بالتداخل اختلاف حال المصلين. فإن من السنن ما يخاطب به المنفرد. فإذا صار مأمومًا سقط كونه سنة. وربما عد في الفضائل كالقراءة. فمنها ما يكون سنة في حق المنفرد. وربما عاد فضيلة في حق المأموم. فيكون معنى التداخل دخول الحكمين في جنس من الأفعال على نوع من هذا التفصيل. وهذه المعاني (٢) هي التي يمكن أن تراد. وإن كان بعضها يقرب من لفظه وبعضها يبعد. ولم يرد الإطالة بتمييز بعضها من بعض، وإيعاب القول في كل قسم منها؛ لأن جدوى ذلك وقوف على حقيقة مراده. وإلا فحقائق السنن والفضائل جملة وتفصيلا، تفريعًا وتأصيلًا قد أتينا على جمهوره. ونأتي بالبقية منه في مواضعها (٣) إن شاء الله تعالى. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والمختار له بعد تكبيرة الإحرام أن يعقبها بقراءة أم القرآن من غير أن يفصل بينهما بتسبيح أو توجيه أو قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سرًّا أو جهرًا أو استعاذة. لا عند قراءة أم القرآن (٤) ولا في

стр. 557

التي (١) بعدها. إلا الذي يصلي التراويح أو يقوم الليل أو يعرض القرآن. فإن شاء فصل بين السور بالبسملة (٢). قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أنه لا يفصل بين القراءة والتكبير بشيء؟. ٢ - وما معنى قوله تسبيح أو توجيه؟. ٣ - وما معنى قوله: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟. ٤ - وما معنى قوله سرا أو جهرًا؟. ٥ - ولمَ لم يتعوذ القارئ في الصلاة المكتوبة؟. ٦ - وما معنى قوله عند قراءة أم القرآن أو في التي بعدها؟. ٧ - ولمَ قال في الذي يقوم الليل ويعرض القرآن إن شاء فصل ببسم الله الرحمن الرحيم؟. الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في الفصل بين القراءة والإحرام. فالمشهور عن مالك المنع منه. وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق: المستحب أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وحكى ابن شعبان في مختصره عن مالك أنه كان يقول ذلك بعد إحرامه. ورأيت في كتب المخالفين إثبات الواو في وتبارك. وذكر عن الشافعي أنه كان يقول الله أكبر كبيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا. ويقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين. ورأيت في كتب بعض أصحاب الشافعي: أن المستحب أن يقول بعد التكبير وقبل التعوذ: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفُ اوما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا (٣) واهدني

стр. 558

لأحسن الأخلاق لا يهدي (١) لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئهلالا يصرف سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير بيديك والشر ليس إليك. والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجأ منك إلا إليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك. وذكر أن المستحب عنده أن يجمع بينه وبين ما حكيناه عن أبي حنيفة. فإنه (٢) مذهب أبي يوسف. وقد حاول الشيخ أبو الحسن اللخمي أن يخرج قولًا عندنا بجواز الفصل بالدعاء. وأشار إلى ما حكيناه عن ابن شعبان. واستحسن الجواز. واحتج بقول أبي هريرة في الصحيحين يا رسول الله إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد (٣). فأما أصحاب أبي حنيفة فيحتجون بقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٤). قالوا (٥) ولا تسبيح مشروعًا إلا ما قلناه. واحتجوا بما روت عائشة وأبو سعيد الخدري ﵄ أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك. وقد خرج مسلم عن عمر ﵁ أنه كان يجهر بذلك في للصلاة (٦). وأما أصحاب الشافعي فيحتجون بما روي عن علي بن أبي طالب أنه ﵇ كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ -الآية- إلى أن يقول: وأنا من المسلمين (٧).

стр. 559

والحجة لمالك قول أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين (١). وقد انفصل عن هذا بأن المراد به يفتتح القراءة. وقد يعبر على القراءة بالصلاة كما في الحديث الآخر: قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي (٢). وهذا لا يسلم لهم بغير دليل *وليس إذا دل الدليل على حمل الصلاة على القراءة في حديث وجب مثل ذلك في حديث آخر بغير دليل* (٣). *والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: هذا اللفظ الواقع من القاضي أبي محمَّد تنبيه منه على المذاهب التي حكيناها؛ لأنا حكينا أن أبا حنيفة يفتتح بالتسبيح. وعن الشافعية بالتوجيه. فنظم ﵀ المذهبين جميعًا بهذه الإشارة لما لم يمكنه بسطه (٤) في هذا الكتاب لأنه لم يوضع لذلك* (٥). والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما بسم الله الرحمن الرحيم فإن القول فيها هل هي قرآن أم لا؟ يتسع. ولكن نقتصر لك علي اللباب ونبوح لك بالأسرار. فنقول: أول ما يجب أن يقدم: الاهتمام بالنظر في الانفصال عن معارضة قد تلتبس (٦) هنا على من لا يستبحر في الحقائق: بأن يقول قائل من الطاعنين في الشرع: القرآن معجزته ﵇ وقاعدة الإِسلام، فكيف اختلف الأئمة المقتدى بهم في أمصار المسلمين في كون البسملة قرآنًا؟ وإذا كانت عند الشافعي قرءانا فهلا كفر مالكًا وأبا حنيفة في مخالفتهما له في ذلك كما يكفر هو وغيره من خالف في كون الحمد لله رب العالمين من القرآن؟ قيل لم يثبتها

стр. 560

الشافعي قرآنًا على حسب ما أثبت غيرها. وإنما أثبتها حكمًا وعملًا لا دلالة اقتضت ذلك عنده سنوردها عليك. فإثبات الشيء قرآنًا قطعًا ويقينًا حتى يُكفر من خالفه إنما يحصل بالنقل المتواتر الموجب للعلم الضروري الذي لا يمكن فيه اختلاف ولا امتراء. ككون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن في أثناء سورة النمل. وأما إثبات تعلق الأحكام بما اقتضاه مضمون ما نقل منه آحادًا كقراءة من قرأ في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات ففيه اضطراب بين أهل الأصول (١)، هل يجب التتابع ويكون هذا كخبر واحد ورد بإيجابه أو لا يجب؛ وهذا يستقصى في كتب الأصول. وأما إثبات مرتبة ثالثة تنخفض عن الأولى القطعية المُكفّر مخالفها، وترتفع عن هذا القسم الآخر الذي هو العمل بالمظنون بأن يثبت الوارد قرآنًا ويحكم -بكونه كذلك فيكتب في المصاحف ويُقرأ في المحارب عملًا بذلك كله- حكمًا (٢) لا قطعًا ويقينا، يجب تكفير مخالفه، فهو (٣) ما نحن فيه. وقد اختلف الناس في بسم الله الرحمن الرحيم، فأثبتها الشافعي آية من أم القرآن. واختلف قوله في إثباتها آية في غيرها من السور ولم يحك عن أحد من السلف إثباتها فيما سوى أم القرآن. ويتبين من عندهم الآي سوى الشافعي وابن المبارك. وذهب مالك وأبو حنيفة وداود إلى أنها ليست من القرآن في افتتاح شيء من السور أم القرآن أو غيرها. وذكر عن أصحاب أبي حنيفة أن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور والتبرك بها للابتداء. وإن هذا قول عدل من الأقوال. واعلم أن ها هنا معان قد تتعارض في الظاهر فمنها ينشأ الخلاف. أحدها أن القرآن معلوم قطعًا اعتنى الصحابة بنقله من جهة الطبيعة ومن جهة الشريعة. فأما من جهة الطبيعة فإن في طباعهم الاعتناء بالبلاغات والاهتزاز لها والاهتمام

стр. 561

بحفظها وتدبرها والنظر فيها. ولهذا كانت معجزتهم فصاحة بهرت عقولهم حتى انقادوا للإيمان بها مذعنين. وأما من جهة الشريعة فلكون القرآن أصل هدايتهم وينبوع أحكامهم. وحفظه وتلاوته عبادة من أجل عباداتهم وقربهم. وإذا كان هذا هكذا وجب القطع على أن ما كان من القرآن شاع فيهم وظهر ونقلوه إلينا نقل أمثاله. ولما لم ينقلوا كون البسملة قرآنًا كما نقلوا غيرها ولا ظهر ذلك فيهم كما ظهر في غيرها من الآي وجب القطع على أنها ليست من القرآن. وهذا دليل معتمد به نرد نحن والشافعي ما زاده الروافض وأمثالهم في القرآن. ونقطع على بطلان ما قالوه. فهذه عمدة مالك وأبي حنيفة. وأما عمدة الشافعي فإنه لما رأى تحفظ السلف لما كتبوا القرآن حتى كانوا يقولون جردوا القرآن. ويكرهون النقط والتفاسير. وكانوا إنما كتبوه حسمًا لمواد الزيادة والنقصان فيه. وجب أن يكون ما اشتمل عليه قرآن. وقد اشتمل على بسم الله الرحمن الرحيم. والانفصال عن هذا أنا لم نفهم عنهم حين تسليم المصاحف إلينا أن البسملة من القرآن كما فهمنا ذلك عنهم في غيرها من الآي. وكما لم نفهم ذلك عنهم ولا فهمه الشافعي في فواتح السور *ونحن الآن نقول إن البسملة ليست من القرآن في افتتاح السور* (١) ونحن مع هذا نشير إلى المصحف فنقول هذا القرآن ونطلق هذا الإطلاق في عصرنا هذا وفي غيره من الإعصار. مع العلم بأننا ننكر كون البسملة من القرآن. فإذا صح إطلاقنا هذا مع اعتقادنا ما قلناه، صح إطلاق الأولين مع كونهم معتقدين ما اعتقدناه مع أنها في المصاحف القديمة مكتوبة بخط على حدة غير متصلة بالسور. وإفرادها بخط على حدة كالإشعار بأنها ليست من السورة. وأيضًا فإن بعض المصاحف المبعوثة إلى البصرة والكوفة ليست فيها البسملة. ولأجل هذا قرأ أبو عمرو وحمزة بترك الفصل ببسم الله الرحمن الرحيم. فإن قالوا: فإن المصاحف اختلفت في قوله ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ في سورة الحديد، ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في سورة براءة وغير ذلك. ثم لم يدل حذف الزيادة من بعض المصاحف على أنها ليست بقرآن. فكذلك حذف البسملة من بعض المصاحف. قلنا حذف

стр. 562

تلك الأحرف من تلك المصاحف لم يحدث اختلافا على أنها من القرآن، بل هي قرآن عند من كانت في مصحفه. ومن لم تكن عنده. والبسملة ينكر كونها قرآنا جمهور من كانت في مصحفه فضلًا عمن لم تكن في مصحفه. وأما الأخبار الواردة في هذا فقد اختلفت وحاولت كل فرقة تأويل أحاديث الفرقة الأخرى. فاحتج أصحابنا بقول أنس أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين. وهذا إن تأولوه على أن المراد به السورة من أولها. وأولها البسملة منعهم من ذلك ما أخرجه مسلم عن أنس قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول القراءة ولا في آخرها (١). وهذا إن تأولوه على أنه كان يخفيها. فإن ظاهره خلاف ذلك لأنه نفى الذكر على الإطلاق. واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل. يقول العبد الحمد لله رب العالمين (٢) -. والمراد بقوله قسمت الصلاة الفاتحة لأنه قد فسر المقسوم. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٣). أي بالقرآن في صلاتك. وقد تضمن الحديث ما يبتدىء به المصلي. فلو كان بسم الله آية منها (٤) لبدأ بها. وأجابوا عن هذا بأنه إنما حذفها لأن الثناء الذي في البسملة يتكرر في قوله الرحمن الرحيم. وأجيب عن هذا بأنه لو كان الحذف للاختصار لحذف الثاني خاصة حتى تكون البداية بالتي أنزلت بداية. وأيضًا فإنما تكرر بعض البسملة. ودليل آخر من هذا الحديث وهو أن البسملة لو كانت آية لما صح كون الفاتحة نصفين بين العبد (٥) وربه كما ورد به الحديث. وأجيب عن

стр. 563

هذا بأن المراد: نصفان من جهة العدد لا من جهة المعنى. فالمعنى أن افتتاحها لله واختتامها للعبد. ووسطها مشترك. وهذا غير مسلم لأن ذكر القسمة والتنصيف وعد الآي يقتضي أن المراد بالحديث خلاف ما قالوه. ولا وجه لحمل القسمة والتنصيف على غير ما يقتضيه اللفظ في اللغة إلا بدليل. واستدل أصحابنا بقوله ﵇ لأبي بن كعب أني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى أعلمك سورة (١) -الحديث- وفيه أنه سأله كيف تقرأ في الصلاة؟ قال فقلت الحمد لله رب العالمين إلى آخرها. فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين قرأ الفاتحة. فلو كانت البسملة منها لأنكر عليه تركها حين قرأ جملة الحمد لله دونها. وأما المخالفون فلا يجدون خبرًا صحيحا ولا سقيما يثبتون به كونها آية في سائر القرآن. بل اتفاق القراء على أن سورة الملك ثلاثون آية والكوثر ثلاث آيات. والإخلاص أربع آيات، دليل على أنها ليست من كل السور. إذ لو كانت من هذه السور لزاد عدد هذه السور على ما قلناه. ولم يقل بالزيادة على ذلك أحد. وأيضًا فإنها لو كانت من كل السور لم يحسن إثباتها بين سورة الفيل والتي بعدها. لأن قوله تعالى: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ (٢) كالتعليل: ﴿لإيلاف قريش﴾ (٣). ولا يحسن الفصل بين العلة والمعلول بكلام غير مناسب لهما بل كالقاطع للربط بينهما. ولكن ذكروا أخبارًا تعلقوا بها في كونها من أم القرآن. منها أنه قرأ البسملة وعدها آية (٤). ومنها أنه من ترك (٥) بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله (٦). وقد عد علي فيما عد من أم الكتاب ومنها أنه ﵇ كان يقطع قراءته لبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب

стр. 564

العالمين (١). ومنها إذا قرأتم القرآن فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وأن بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها (٢). ونسلك في الجواب عن أحاديثهم هذه ثلاثة طرق: أحدها أنها أخبار آحاد والقرآن لا يثبت بإخبار الآحاد. وقد مر لنا من ذلك كفاية. وهذا جواب كاف عن جميع الأحاديث. والجواب الثاني: مبني على طريقة من قال من أصحاب أبي حنيفة أنها آية أنزلت للفصل بين السور ولم تنزل آية من أم القرآن. وطريقة هؤلاء في الجواب عن الأحاديث أن يقولوا الأخبار النافية مبنية على أنها ليست من نفس السورة والأخبار المثبتة محمولة على أنها أنزلت للفصل إلا ما وقع من بعض ألفاظ في بعض الأحاديث تمنع من هذا البناء. فإنهم ينكرون صحتها أو يتطلبون لها تأويلًا. والطريقة الثالثة النظر في عين كل حديث فقوله: عدها آية معناه في الأجر والثواب، أو عدها آية على أنها من سورة النمل. فأخذ كونها آية من هناك وبنى عليه العدد. وقوله: يقطع قراءته ليس فيه تصريح بكونها من القرآن وإنما القصد به ضرب من الحكاية. وقوله: إنها أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني ظاهره أن البسملة هي السبع المثاني، وقد علم أن البسملة ليست هي السبع المثاني، مع أن الحديث ضعيف. وقوله فقد ترك آية من كتاب الله قد يتأول عندي على أن المراد به أنها آية من سورة النمل أو كالآية في الأجر والثواب، أو آية (٣) أنزلت للفصل، لو قلنا كما قال أصحاب أبي حنيفة. ولم يذكر في ماذا عُدت عليه فيكون نصًا في كونها من القرآن. وهذه التأويلات وإن خرج في بعضها عن مقتضى ظاهر اللفظ فإن ذلك مما لا يضطر إلى الرجوع إليها والتعويل عليها لما قدمناه من أن أخبار الآحاد لا مدخل لها في هذا الباب. وهو (٤) الذي أغنانا أن

стр. 565

أذكر (١) لك صحتها أو سقمها ونكشف لك عن رواتها. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قال القاضي أبو محمَّد سرًّا أو جهرا تنبيها على اختلاف الناس في ذلك فقد قال الشافعي السنة أن يجهر بالبسملة. وروي ذلك (٢) عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة. وقال مالك في المبسوط إن جهر بها في المكتوبة فلا حرج. وقال الثوري وأبو حنيفة وأحمد لا يجهر بها. وروي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار. وقال ابن أبي ليلى إن شاء جهر وإن شاء خافت. فحجة من قال بالجهر قول نعيم بن عبد الله المجمر: صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قبل أم القرآن وقبل السورة. وكبر في الخفض والرفع وقال أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (٣). وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ فعلمني الصلاة وقام فصلى بأصحابه وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" (٤). وحجة من لم يقل بالجهر ما ذكر أنس أنه صلى خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وعمر ﵄ وكانوا لا يجهرون بها (٥). وعن ابن مسعود ماجهر رسول الله ﷺ في صلاة مكتوبة قط بالبسملة (٦). وعن عبد الله بن المغفل أنه سمع ابنه يجهر بالبسملة (٧) فقال: أي بني إياك والحدث في الإِسلام فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر فكانوا لا يجهرون بالبسملة (٧). وإذا أردت القراءة فقل الحمد لله رب
следующие страницы →