أبو حنيفة: هي زيادة على النص والزيادة على النص نسخ. والنسخ لا يكون بأخبار الآحاد. وقال مالك هي متاولة بدليل قوله: صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده (١) الحديث. فإن قيل بل حديثكم متاول بدليل أحاديثنا، ومحمول على أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ إذا قطعه عن الجماعة مرض أو عذر. قيل هذا تأويل فيه استكراه وتعسف. ولا يحمل خطاب النبي ﷺ الخارج مخرج التعميم في كل فذ، المقصود به: تحضيض (٢) ذوي القدرة على الجماعة وترغيبهم فيها لئلا يزهدوا فيها، على مريض أو من كان في معناه ممن لا يمكنه حضور الجماعة. ولو رغب فيها ما نفع ترغيبه لعجزه عنها. مع أن المرض والعجز نادر شاذ لا يلبق أن يحمل مثل هذا الكلام عليه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الأحاديث الواردة في فضل الجماعة فروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا" (٣). وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٤). وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفُ ا. وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء فخرج إلى مسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط بها عنه خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه فلا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" (٥). وقد أكثر الناس الأجوبة عن اختلاف
стр. 702
الرواة في مقدار الفضل فقد ذكر أبو هريرة مع الخمسة والعشرين لفظ الجزء.
وذكر ابن عمر مع السبع والعشرين لفظ الدرجة فيحمل (١) على أن الجزء أكثر من الدرجة بمقدار ما. فإذا قسمت الأجزاء على مقادير الدرج صارت سبعًا وعشرين. وهذا تعسف شديد. وليست الدرجة ولا الجزء تسمية لمقادير محدودة حتى تختلف التسميات لاختلاف المقادير، وإنما المراد ها هنا أن ما حصل في صلاة الفذ من الفضل يضاعف بمثله لمن صلى في جماعة أضعافًا تنتهي إلى عدد ما. وهذا يستحيل معه اختلاف لفظ الدرجة والجزء. وقيل يمكن أن يكون أحد الحديثين أشير به إلى أقوام بأعيانهم، وخوطب به قوم مخصوصون. والآخر خطاب لمن سواهم. فيبنى الحديثان على صنفين كما يبنى العمومان إذا تعارضا. وقيل يمكن أن يبنى الحديثان على نوعين من الصلوات كم ابن ي هؤلاء على نوعين من الناس فيكون التضعيف في بعض الصلوات بخمسة وعشرين (٢). وفي بعضها بسبع وعشرين. ويعتضد أصحاب هذا التأويل بما في حديث عثمان أن صلاة العتمة في جماعة تعدل قيام نصف ليلة. وصلاة الصبح في جماعة تعدل قيام ليلة (٣). وقيل يبنى الحديثان على حالين فالسبع والعشرون في الجماعة الكثيرة والإمام الفاضل، والتزام شروط الكم الذي حكم الإمامة والصلاة. والخمسة والعشرون فبما قصر عن ذلك. وقيل الخمسة وعشرون فيمن صلى فذًا في المسجد فتفضله الجماعة في المسجد بخمسة وعشرين جزءًا. والسبع والعشرون فيمن صلى وحده في بيته فتفضله الجماعة في وجه المسجد بسبع وعشرين. وإنما اختلف الفضل عند هؤلاء ما بين المسجد والبيت لأن من صلى في البيت لم يكتب له ثواب السعي للمساجد والخطى إليها. وقد نبه في حديث أبي صالح على معنى فضل صلاة الجماعة. وأشار إلى التعليل
стр. 703
بالخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة. ومن صلى في بيته قد أقصر عن درجة من صلى في المسجد فذًا. لعدم خطوه إلى المساجد. فلهذا زاد التضعيف عليه بسبع وعشرين. وعلى هذا قال هؤلا يمكن أن يحمل حديث أبي صالح على أن صلاة الجماعة في المسجد تفضل صلاة الرجل في بيته وسوقه. فإن صلاحها في بيته أو سوقه جماعة فما ذكر من التضعيف ... (١) الصلاة في البيت ما نبه عليه أبو صالح في حديثه جميع هذه التأويلات أشار أصحابنا إلى إمكان حمل الحديثين عليها وعندي أنه قد يستغنى عن ذلك كله إذا قيل بأن حصر هذا الخطاب بعدد لا يدل على نفي ما زاد بل تكون الزيادة لا حكم لها في الخطاب وأن الله تعالى أوحى إلى رسوله ﷺ بأنه يفضل بعدد من الثواب ثم أوحى إليه بأنه زاد فيه إذا كان حديث الخمسة وعشرين سابقًا. وإذا أمكن هذا لم تكن هذه التأويلات مضطرًا إليها ولكن من لم يسلك هذه الطريقة فلا بد أن يركب أحد هذه التأويلات.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهبنا أن من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة أخرى خلافًا لأحمد وإسحاق. والظاهر من مذهب الشافعي أنه يصلي في جماعة أخرى. ومن أصحابه من قال: لا يصلي. ودليلنا قول ابن يسار رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط والناس يصلون، فقلت: يا أبا عبد الرحمن مالك لا تصلي؟ فقال: إني قد صليت. إني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تعاد الصلاة في يوم مرتين (٢). وقد استثنى مالك ﵁ الثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة ومسجد إيليا. ووجه استثنائه لهذه الثلاثة المساجد فضل الصلاة فيها على غيرها فتعاد الصلاة فيها طلبًا للفضل.
كما يعيد الفذ صلاته في جماعة طلبًا للفضل.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: من صلى وحده فله أن يعيد في جماعة لقوله ﷺ لمحجن: "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت في
стр. 704
أهلك" (١). فإن كان أمره بإعادة الصلاة، وإن كان قد صلاها في أهله جماعة، فأمره بذلك إذا كان قد صلاها في أهله وحده أولى. ولقوله ﷺ لرجلين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم" (٢).
الحديث. ولأن صلاة الجماعة أفضل فكان لمن صلى فذًا طلب الأفضل. فإذا ثبت أن له أن يعيد فلا تلزمه الإعادة وله أن يخرج من المسجد ما لم تقم الصلاة وهو فيه. وكذلك لو رأى الناس يصلون وهو مار فإنه لا تلزمه إعادة الصلاة معهم.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما من صلى في جماعة فلا خفاء في أنه لا يعيدها وحده ولا ينتقل عن الأعلى للأدنى. والإعادة إنما يطلب بها الإكمال فلا يطلب هذا الأنقص. لكن بعض أشياخي قال: يلزم على قول مالك: أن من صلى في جماعة له أن يعيد في المساجد الثلاثة، أن يعيد من صلى في جماعة فذا في هذه المساجد طلبًا لزيادة الفضل على صلاته في جماعة (٣). وقد قال مالك فيمن أتى المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵇ وقد صلى في أهله وهو يطمع أن يدرك الجماعة في غيره أنه يصليها فيه فذالأولا يخرج للجماعة في غيرها. قال لأن الصلاة فيها فذا أفضل (٤) من الجماعة في غيرها وهذا يؤكد ما قلناه. ومحمل الحديث في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة على تساوي فضل البقاع المصلى فيها. ولو اختلفت البقاع وتساوت الصلاة في الانفراد أو الجماعة لكانت الصلاة في مسجده ﷺ تفضل على غيرها من البقاع بألف صلاة إلا ما استثني في الحديث الوارد بذلك. ولو اختلفت البقاع والصلاة لكانت الصلاة في مسجده ﵇ جماعة تفضل الصلاة فذا في غيره من البقاع المشار إليها سبع وعشرين ألفُ ا.
стр. 705
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا وجد المصلي فذا رجلين سواه أعاد الصلاة معهما لأنه إنما يعيد طلبًا لفضل الجماعة وأقل الجماعة اثنان.
فاما إن وجد رجلًا واحدًا فإنه لا يعيد معه قاله الشيخ أبو الحسن قال الشيخ أبو عمران إلا أن يكون هذا الواحد إمامًا راتبًا فهو كالجماعة. ألا ترى أنه إذا صلى الإِمام الراتب وحده فإنه لا يعيد في جماعة لأنه وحده كالجماعة.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: من صلى معه رجل بالغ فإنه لا يعيد الصلاة. فإن كان غير بالغ فاختلف الأشياخ فيه إذا كان الصبي يعقل الصلاة فقال بعضهم لا يمنع ذلك الإعادة لأن صلاة الصبي نافلة، فلا تمنع الإعادة. وإنما يمنعها الاجتماع على الفرض. وقال بعضهم لا يعيد تلك الصلاة في جماعة وكأنه رأى أن الصبي دخل بنية الفرض فلا يضره سقوطه في الباطن عنه. وقد كنا قدمنا إلزام بعض أشياخنا لأبي مصعب على قوله بصحة الائتمام بالصبي في الفرائض أن يجيز صلاة المفترض خلف المتنفل. وذكرنا أن غيره من الأشياخ تردد في هذا الإلزام لأجل ما أشرنا إليه من كون الصبي معتقدًا للفرض.
ولو صلى في بيته مع امرأته أو مع أخته فهل يعيد في جماعة؟ قال الشيخ أبو الحسن اختلف فيه أصحابنا في أيام الشيخ أبي محمَّد، والذي أذهب إليه أنه لا يعيد. لأنه هو والمرأة جماعة. وإلى هذا نحا الشيخ أبو عمران. ولو ائتم رجل بآخر لم يعلم أنه غير متطهر فقد قال أبو إسحاق لا يعيد المأموم في جماعة. واحتج بإمام الجمعة يصلي ناسيًا للطهارة فإن الجمعة تجزي من خلفه وإن كانت الجماعة من شرط الجمعة. فعدم العلم بطهارة الإِمام في مسألتنا لا تمنع من حصول حكم الجماعة. قال وانظر لو كان المأموم هو الذاكر أنه على غير وضوء هل يمنع الإِمام من إعادة الصلاة في جماعة، وهذا الذي تردد فيه أبو إسحاق في المأموم لا يتضح وجه تردده فيه مع إمضائه القول في الإِمام لأن اعتقاد الجماعة قد حصل فيما تردد فيه. وحصل مع هذا الاعتقاد فعل الجماعة ظاهرًا. فوجب أن يمنع من الإعادة في الجماعة كما لو كان الإِمام هو الناسي
стр. 706
لوضوئه. وقد منع في المدونة إمامًا راتبًا صلى وحده لتأخر الناس عنه أن يعيد في جماعة أخرى ولم يحصل له سوى اعتقاد الجمع فكيف بهذا الذي حصل له اعتقاده وفعله.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: من صلى وحده فلا يصح أن يؤتم به لأنه لا يدري أيتهما صلاته، فالمؤتم به يقتدي بمن لا يتحقق أنه في فرض يعتد به. قال بعض أشياخي: ولو نوى رفض الأولى لجرى صحة الائتمام به على القولين في صحة الرفض. فمن صححه صحح الائتمام به لبطلان الأولى.
ومن لم يصححه لم يصحح الائتمام به للتردد في فرضه كما قدمنا. ولو نوى بصلاته الثانية النافلة لجرت صلاة من ائتم به على القولين في صحة الائتمام بالصبي. وقد كنا نحن قدمنا الكلام على ائتمام المفترض بالمتنفل. وذكرنا تردد بعض الأشياخ في تخريج ذلك على إمامة الصبي لكون الصبي معتقدًا الفرض. وما قدمناه يغني عن إعادته ها هنا.
فإن أم من صلى وحده فإن صلاة المأموم لا تجزيه. قال سحنون يعيد المأموم وإن خرج الوقت ما لم يطل لاختلاف الصحابة في ذلك. قال ابن حبيب يعيد المؤتمون أفذاذًا لأجل صحة صلاتهم عند آخرين فراعى ابن حبيب خلاف هؤلاء القائلين بصحة الصلاة خلفه. والصلاة إذا صحت لا تعاد في جماعة عندنا. ومن لم يراع خلاف ما ذكرناه فيما تقدم من الذاهبين إلى أن الصلاة ولو صحت جازت إعادتها في جماعة وإن صليت في جماعة. وعندي أنه إنما سلك هذا المسلك لأنا إذا راعينا صحة الصلاة على قول غيرنا ترتيبًا على هذا، منع إعادتها في جماعة على مذهبنا. وإجازة ذلك على مذهب غيرنا. ومراعاة مذهبنا أولى من مراعاة مذهب غيرنا.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: مذهبنا أن المسجد إذا كان له إمام راتب فصلى فيه فإنه ينهى عن أن يصلي فيه جماعة بعده، وبه قالت الشافعية.
واشترطت إذا لم يكن المسجد على قارعة الطريق، وكان في المحلة (١). وذكر
стр. 707
ابن مزين عن أصبغ أنه دخل مع أشهب المسجد وقد صلى إمامه. فأمر أصبغ أن يأتم به. وظاهر هذا أنه يجيز الجمع. وحكاه عنه ابن حارث. وأضاف إليه إجازة الجمع. وقال عطاء والحسن والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق بجواز ذلك. وروي ذلك أيضًا عن أنس وابن مسعود. وروي عن أحمد رواية أخرى أنه قال لا يصلي في المسجد الحرام ولا في مسجد المدينة ويصلي فيما سوى ذلك من المساجد. فأما من أجاز ذلك فإنه يتعلق بعموم قوله ﵇: "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده" (١). الحديث. ونحن إن سلمنا العموم في مثل هذا خصصناه بضرب من الاستدلال: وهو ما ذكره القاضي إسماعيل من أنه يؤدي إلى العداوة والبغضاء وتفرق الكلمة. لأن الإِمام الراتب يقع في نفسه أن المنفردين بجماعة أخرى تأخروا عنه واتخذوا إمامًا لأنفسهم، لاعتقادهم أن الإِمام الراتب ليس بأهل للإمامة، فتقع الشحناء والعداوة بين الأئمة. ويؤدي إلى افتراق الكلمة. وقد علل أيضًا ذلك بتعليل آخر وهو أن في الأذن فيه تطريقًا لأهل البدع لأن يتخذوا لأنفسهم إمامًا يصلون خلفه. وأيضًا فقد كانت الصحابة ﵃ إذا دخلوا المسجد وقد صلى فيه إمامه صلوا أفذاذًا. وكذلك السفينة عندنا لا يجمع فيها مرتين. لأن ما عللناه في المساجد يوجد مثله في السفن. ولو كان المسجد له إمام راتب في بعض الصلوات خاصة فإنه يمنع الجمع في تلك الصلوات. وأما ما سواها من الصلوات التي ليس فيها إمام راتب فهل يمنع فيها من الجمع إذا تقدمت جماعة أم لا؟ اختلف في ذلك قول مالك. والأظهر (٢) على أصلنا في إجازة الجمع في المساجد، التي لا إمام لها راتبًا، الجواز. لأن المتقدمين بالجمع لم يكن لإمامهم حق في المتقدم في تلك الصلاة، فيقدر من أتى بعده، كالمنازع له في حقه. إذا ثبت أن المعنى الذي من أجله وقع المنع مراعاة حقوق الأئمة، فإن ذلك يطرد في كل ما فيه حق لهم. فلو حاول قوم أن يجمعوا قبل الإِمام الراتب لنهوا عن ذلك. لأن فيه من أذي أذى قلب الإِمام ما فيه إذا جمعوا بعده، وكذلك لو استخلف الإِمام الراتب لم
стр. 708
يكن له أن يجمع بعد من استخلفه. وقال مالك إن صلى المؤذن فلم يأته أحد.
ثم أتى إمام المسجد والناس. فإن كان المؤذن ممن يؤمهم إذا غاب إمامهم فهو كالإمام صلاته وحده كصلاة (١) جماعة لا يجوز لهم أن يجمعوا بعده تلك الصلاة. وإن كان ممن لا يصلي إذا غاب الإِمام فهو كرجل من الناس. ويحمل هذا الذي قاله مالك على أن المؤذن صلى في وقت لا يؤمر فيه بانتظار الإِمام.
وأما لو صلى في وقت صلاة الإِمام المعتاد أو بعد ذلك بيسير لكان من حق الإِمام أن يعيد تلك الصلاة لأن من أم قبله كالمتعدي في الإمامة لمسابقة الإِمام في الإمامة. وإنما يكون للناس إسقاط حق الإِمام إذا طال تأخره حتى أضر بهم، فإنهم يكون لهم حينذٍ أن يقدموا من يصلي بهم. وعلى طرد التعليل الذي قلناه يمنع الفذ أن يصلي والإمام يصلي، سواء أحب الفذ أن يصلي فرضًا أو نفلًا.
ويمنع أيضًا أن يجلس والإمام يصلي وأن يخرج بعد أن تقام الصلاة.
وقد قال في المدونة فيمن صلى في جماعة فليخرج من المسجد إذا أقيمت تلك الصلاة. فمنع الجمع قبله أو بعده ومنع الصلاة في حين صلاته أو الجلوس في حال صلاته تأخرًا عن الصلاة معه أو الخروج بعد إقامة الصلاة، كل ذلك معلل بما قلناه من إيذاء قلب الإِمام. ولو تعمد الفذ التأخير عن الإِمام فيأتي المسجد ويصلي وحده لمنع من ذلك لما فيه من إيذاء الإِمام. وإنما يجوز للفذ أن يتقدم بالصلاة أو يتأخر مع عدم القصد لما يؤدي قلب الإِمام.
وصحن المسجد حكمه حكم المسجد في جميع ما قدمناه. وما قدمناه من حديث الأسود فيه إشارة إلى بعض ما في هذا الباب.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة في المسجد فلا تخلو الصلاة التي هو فيها من ثلاثة أحوال (٢) أحدها أن تكون هي تلك الصلاة التي أقيمت. والثاني أن تكون صلاة نفل. والثالث أن تكون صلاة فرض آخر.
стр. 709
فأما إن كانت تلك الصلاة التي أقيمت فلا تخلو من ثلاثة أقسام إما أن تكون إقيمت عليه الصلاة قبل أن يعقد ركعة أو بعد عقدها أو بعد أن عقد ركعتين. فإن أقيمت عليه ولم يعقد ركعة فظاهر المذهب على قولين: أحدهما وهو المشهور أنه يقطع. وذكر أشهب أنه يتم ركعتين ما لم يخف ذوات الركعة مع الإِمام فيقطع. وعن ابن القاسم في كتاب ابن سحنون فيمن أقيمت عليه الصلاة وهو في المغرب لم يعقد ركعة أنه يكمل ركعتق ويسلم. ولم يشترط ألا تفوته الركعة مع الإِمام وهذا إن أخذ على ظاهره كان قولًا ثالثًا.
وإن أقيمت عليه وقد عقد ركعة فلا يخلو: إما أن تكون الصلاة التي هو فيها وأقيمت عليه ما سوى المغرب. أو المغرب فإن كانت ما سوى المغرب فإنه يضيف إليها ثانية. هكذا (١) مطلق الروايات. وحملها بعض الأشياخ على أن ذلك إذا لم يخف ذوات ركعة مع الإِمام. واحتج برواية أشهب عن مالك قال:
قيل لمالك: فإن علم أن الإِمام سيسبقه ببعض صلاته ويدرك بعضها. قال: لا ينبغي له أن يصلي والإمام يصلي إلا أن يفرغ هو قبل أن يرفع الإِمام رأسه من الركعة الأولى.
وإن كانت الصلاة هي المغرب فاختلف قول ابن القاسم. فقال يضيف إليها أخرى كسائر الصلوات. وقال: في المدونة يقطع. ورآها بخلاف غيرها من الصلوات لما كانت المغرب لا تنفل (٢) قبلها. فلو أمره بإكمال ركعتين لأمرد بالتنفل قبل المغرب. وأشار بعضهم إلى أنه إنما رآها بخلاف غيرها من الصلوات لأجل أن نية الوتر ينافي نية الشفع. فلو شفع الركعة لفعل ما ينافي نية الوتر التي دخل عليها. وتشفيعه ركعة الظهر لا ينافي ما دخل فيه لأنه على نية الشفع دخل.
وإن أقيمت عليه وقد صلى ركعتين فلا يخلو أيضًا: إما أن يكون سوى المغرب أو المغرب فإن كانت سوى المغرب فإنه يسلم من ركعتين. وإن كانت
стр. 710
المغرب فاختلف في ذلك قول ابن القاسم أيضًا. فقال في المجموعة: يسلم من اثنتين كسائر الصلوات وذكر ابن حارث أنها رواية ابن غافق في المدونة. وقال في المشهور من رواية المدونة: يكملها ثلاثًا ويخرج. وأجرى أشهب المغرب مجرى سائر الصلوات فقال إن صلى منها ركعة أضاف إليها ثانية. وإن صلى اثنتين سلم منهما كأحد قولي ابن القاسم.
ولو كان هذا الذي ذكرنا أنه عقد ركعتين لم تقم عليه الصلاة حتى عقد الثالثة فإنه يكمل صلاته بالرابعة بنية الفرض ثم يعيدها مع الإِمام على أن ذلك إلى الله تعالى على ما نذكره في إعادة الفذ. وأشار بعض الشيوخ إلى أن محمل ذلك على أنه لم يخف ذوات ركعة مع الإِمام. وأما لو خاف لقطع بسلام.
واحتج في هذا بما احتج به فيما قبل من رواية أشهب. وفيه نظر عندي. لأن هذا مأمور بالإكمال بنية الفرض وقد يكون عند الله تعالى هو المحسوب فرضه والقطع فيه مع إكماله بنية الفرض لخوف ذوات ركعة مع الإِمام أثقل منه إذا قطع من ركعة مخافة أن تفوته ركعة مع الإِمام. لأن هذا لم يفسد بقطعه فرضًا. بل فرضه قد فسد. وإنما امتنع من إكمال صورة الفعل. وقد يكون إدراك ركعة مع الإِمام أولى من إكمال صورة الفعل بنية النفل.
وسبب الاختلاف فيما اختلف فيه من ذلك: الموازنة بين المنهيات ليعلم أيها أخف فيركب. فقطع العمل أو تغير النية فيه منهي عنه. وصلاتان معًا منهي عنه أيضًا وتحصيل ركعة مع الإِمام مأمور به. فالمواضع التي أمر فيها بالقطع من أمر به رأى أنه أخف من صلاتين معًا. وأخف من فوت ركعة مع الإِمام.
والتمادي إنما أمر به من أمر لأنه رآه أخف من قطع الصلاة والتمادي إلى صورة النفل (١) تخفيفُ القبح القطع فهذا السر الذي دار عليه جميع ما تقدم في مسائل هذا الباب.
وأما إن كانت صلاة نفل ففي المدونة فيمن كان في نافلة ولم يركع حتى أقيمت عليه الصلاة: أنه إن كان ممن يخف عليه الركعتان أن يقرأ فيهما بأم القرآن وحدها ويدرك الإِمام قبل أن يركع فلا يقطع نافلته. فإن قيل لم فرق
стр. 711
في المدونة بين من كان في فرض أو نافلة فأقيمت عليه الصلاة قبل أن يعقد ركعة فأمره في النافلة بالإكمال على الشرط الذي ذكرتموه وأمره في الفريضة بالقطع؟ قيل فعل ذلك لثلاث علل: إحداها أنه إذا قطع الفريضة عاد إليها.
وإذا قطع النافلة لم يعد إليها. لأنه لم (١) يتعمد قطعها. فعوده إلى العبادة يسهل (٢) قطعها عند سبب يقتضيه. وما لم يعد إليه يثقل القطع فيه. والثانية أن الفريضة لو أمرناه بالتمادي لم يتماد لإكمال صورة الفرض؛ لأن ذلك لا يصح.
وإنما يتمادى ليكمل صورة النفل. واقتصاره على صورة النفل بعد أن أحرم على صورة الفرض قطع للفرض (٣). فلما كان الفرض لا يخلو من قطع استخف قطعه قبل إكمال صورة النفل. والثالثة أنه لما *أمره بإكمال النفل لم يأمره بتغيير النية التي أحرم عليها وإذا أمره بالتمادي في الفرض إلى صورة النفل* (٤) أمره بتغيير نيته واعتقاد نية النفل بعد أن أحرم على نية الفرض. وتغيير النية يثقل فاستخف القطع لأجله.
وأما إن كانت الصلاة التي هو فيها صلاة فرض آخر غير الذي أقيمت عليه كمن كان في الظهر فأقيمت عليه العصر فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فأجرى ابن القاسم هذه المسألة مجرى ما لو أقيمت عليه الصلاة بنفسها فقال إن كان ركع ركعه أتم ركعتين إلا أن يخاف ذوات ركعة مع الإِمام فليقطع. ومراعاته ها هنا فوت ركعة الإِمام يؤكد تأويل الذي قدمنا ذكره عن بعض الأشياخ. وقال مالك إن كان يطمع أن يفرغ من صلاته ويدرك الصلاة مع الإِمام فعل. وإلا قطع ودخل مع الإِمام ثم استأنف الصلاتين. وحمل بعض المتأخرين هذه الرواية على أنه إنما أذن له في الإكمال ما لم يخف ذوات ركعة. فإن قيل فما الفرق على هذه الرواية ما بين إقامة صلاة أخرى عليه وبين إقامة تلك الصلاة بعينها؟ قيل: قد قال بعض المتأخرين من أصحابنا: يحتمل أنه يساوي مالك بينهما ويرى إذا
стр. 712
أقيمت عليه الصلاة التي هو فيها وطمع بإكمالها قبل ركوع الإِمام أكملها وإليه نحا في رواية أشهب. ولا فرق بين أن تقام الصلاة التي هو فيها *أو صلاة أخرى. لأنه إنما أمر بالقطع في الجميع لئلا يقع في صلاتين معًا. وقد يفرق بينهما بأن من أقيمت عليه الصلاة التي هو فيها* (١) إذا قطع وصلى مع الإِمام اعتد بصلاته معه، وحصل له فضل الجماعة. والذي اْقيمت عليه صلاة أخرى إذا قطع لم تحصل له الصلاتان جميعًا. أما الأولى فلإبطاله إياها وأما التي مع الإِمام فلأنه صلاها وعليه صلاة. وإذا أمر بالتمادي والإكمال ثم الصلاة بعد ذلك مع الإِمام حصلت له الصلاتان جميعًا فأمر بالتمادي لأن فيه تحصيل (٢) الصلاتين، وفي القطع إبطالهما فحسن القرق بينهما. وقال محمَّد بن عبد الحكم يتم صلاته التي هو فيها ويخففها. فإن أدرك مع الإِمام شيئًا صلى وإن لم يدرك صلى لنفسه. وإن لم يكن دخل في الصلاة خرج من المسجد فأمره بالإكمال لنفسه كما أمره مالك ولكنه لم يشترط ما اشترطه مالك من مراعاة فوت صلاة الإِمام. وإنما لم يشترط ذلك لأنه رأى أن في قطع صلاة الظهر (٣) التي هو فيها زيادة في فواتها. ومراعاة ذوات الوقت عنده أولى من مراعاة حق الإِمام.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: مذهب مالك ﵁ إعادة الصلوات كلها سوى المغرب هكذا ذكر عنه مطلقًا. وذكر مالك في العتبية أنه لا يعيد أيضًا العشاء إذا أوتر. وقال المغيرة من أصحابه يعيد الصلوات كلها وبه قال الشافعي. وروي عن ابن عمر وابن مسعود وأبي موسى ﵃ أنه يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والصبح. وبه قال النخعي والأوزاعي. وقال الحسن وأبو ثور وابن حنبل وبعض أصحاب الشافعي يعيد الصلوات كلها إلا الصبح والعصر، إلا ابن حنبل قال يصليها مع إمام الحي دون غيره.
وأما أبو حنيفة فاختلفت النقلة عنه فنقل ابن القصار من أصحابنا عنه مثل مذهب الحسن أنه يستثني الصبح والعصر. ونقل غيره من أصحابنا وأصحاب
стр. 713
الشافعي قصر جواز الإعادة على الظهر والعصر خاصة.
وإذا قلنا بمنع إعادة العشاء إذا أوتر فمتى أعادها أعاد الوتر عند سحنون ولم يعد (١) عند يحيى بن عمر. وإذا قلنا بمنع إعادة المغرب فمتى أعادها اختلف قول مالك فيه. فروي عنه ابن القاسم *أنه يضيف إليها ركعة ليشفع صلاته بها. وروي عنه ابن وهب أنه يعيدها ثانية* (٢). ودليلنا علي إعادة الصلوات كلها حديث محجن لما قال له النبي ﷺ : "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت" (٣). ولم يفرق فيه بين سائر الصلوات. وقال الأسود شهدت الصبح مع النبي ﷺ في حجته بمسجد الخيف فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا معه. فقال: علي بهما. فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا قد صلينا في رحالنا. فقال لا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة (٤). فعم سائر الصلوات وخرج الحديث على سبب وهو صلاة الصبح فصار كالنص على إعادتها وردًا على من منعه. فإن قيل في مقابلة هذا العموم عموم آخر وهو قوله ﷺ : "لا تُصَلَّى صلاة واحدة في يوم مرتين". قيل معناه لا تُصَلَّى مرتين على جهة الوجوب بدليل ما قدمناه من حديثنا. وأما المستثنون للصبح والعصر فإنهم يحتجون بقوله ﷺ لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (٥).
وجوابهم عن هذا أن المراد ما سوى الصلاة المعادة لأجل الجماعة بدليل حديثنا. وقد ذكرنا أنه خرج على سبب وهو صلاة الصبح.
وأما مالك فإنه إنما استثنى المغرب لأنها وتر صلاة النهار فإذا أعادها
стр. 714
صارت شفعًا. ولأنه لا بد أن تكون إحدى صلاتيه نافلة (١). والتنفل بثلاث لا يجوز. ولا تكون صلاة الوتر حجة على جواز التنفل بالثلاث لأن الوتر صلاة مسنونة فاتبع في عددها ما سن فيها.
وأشار بعض الناس إلى أن ابن عمر إنما أضاف إلى صلاة المغرب صلاة الصبح لأنه رآها صلاة أقرت (٢) على الفريضة الأولى. فأشبهت صلاة السفر وكان لا يتنفل في السفر إلا من جوف الليل حرصًا على أن يلتزم رخصة التخفيف. وإعادة الصبح كالإخراج لها عما شرع فيها من بقائها على الأصل.
وأما منع مالك إعادة العشاء إذا أوتر فإنما ذلك عندي لأنه لا يوتر في ليلة واحدة مرتين، ومن شأن العتمة أن يوتر بعدها. فلو كانت إعادتها مشروعة لأعيدت على حسب ما شرعت أولًا، وذلك يقتضي إعادة الوتر وإعادة الوتر لا تجوز.
وأما اختلاف أصحابنا في إعادة الوتر فيحتمل أن يكون مبنيًا على الاختلاف في كيفية نية الإعادة. فمن ذهب إلى الإعادة بنية النفل لم يعد الوتر إذا سلك طريقة من قال: من تنفل بعد وتره فلا يعيد الوتر على ما سنذكره في باب الوتر إن شاء الله تعالى. ومن ذهب إلى الإعادة بنية الفرض أعاد الوتر لأنه لا يدري أي صلاتيه هي الفرض؟ فإذا أمكن أن تكون الثانية هي الفرض ومن شأن الفرض في هذه الصلاة أن يوتر بعده فيؤمر بالإعادة للوتر.
وأما اختلاف قول مالك في إعادة صلاة المغرب ثالثة فإنه إنما أمر به في أحد قوليه لأنه يرى أن منع إعادة المغرب لأجل أنها وتر النهار فإذا صلاها ثانية فقد شفعها فيؤمر بإعادتها ثالثة ليزيل ما أفسد من موضوعهلالا سيما إن قيل إن للوتر مدخلًا في النفل بدليل الوتر في صلاة الليل. وإنما أمر في قوله الثاني أن يشفعها بركعة لأنه كانه يرى أن منع الإعادة لأجل أن النافلة مطلقة لم يشرع فيها وتر. فإذا فعل تدارك ذلك بإشفاعه ما لم يفت لا سيما إن قيل إن نية الشفع لا
стр. 715
تنافي نية الوتر على طريقة من رأى ذلك.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك ﵁ في الصلاة المعادة. فروي عنه أن الأولى فرضه، والثانية نفل.
وروي عنه أن ذلك إلى الله تعالى يجعل أيتهما شاء فرضه. وإليه ذهب ابن عمر ﵁. وهذا يقتضي أن يصلي الثانية بنية الفرض. هكذا قال بعض أصحابنا البغداديين، يؤمر المعيد أن ينوي بها فرضًا، وروي عن الشعبي والأوزاعي أنهما قالا أنهما فرضاه، فإن أرادا فرضيه بمعنى التردد بينهما فهو كقولنا هذا. واختلف قول الشافعي أيضًا على حسب ما اختلف عليه قول مالك.
وأما أبو حنيفة فذهب إلى أن الثانية نفل. وروي ذلك عن علي رضوان الله عليه
والثوري وأحمد وإسحاق. واختلف عن ابن المسيب وعطاء، فروي عنهما أن
الأمر في ذلك إلى الله تعالى كأحد قولينا. وروي عنهما أن الثانية فرضه. وقال بعض أشياخي: إذا اتفق مالك وأصحابه على جواز إعادة الصبح والعصر اقتضى ذلك أن الأخيرة (١) ليست بنافلة. ولو قيل إنها نافلة للزمهم أن يمنعوا إعادة الصبح والعصر. وأشار بعض الأشياخ أن القولين مبنيان على صحة الرفض. فإن منعناه كانت الأولى فرضه لأنها لا ترفض. وإن جوزناه صح أن يكون فرضه مترددًا. وقد احتج من قال إن الثانية نفل بقوله في الحديث الذي قدمناه قبل هذا فإنها لكم نافلة. وأجيبوا عن هذا بجوابين أحدهما: أن الضمير محتمل على ماذا يعود، على الصلاة الأولى أو الثانية؟ وإن احتمل *أن يكون أراد بقوله: نافلة الصلاة الأولى لم تكن فيه حجة على أن الثانية نفل. والثاني أن النفل -الزيادة- فيحتمل أن يريد أنها* (٢) زيادة على الواجب الأول. واحتجوا أيضًا بأن الذمة قد برئت بالصلاة الأولى فإذا تيقنا براءتها فلا وجه إلا جزم القول بان الثانية نفل. وأجيبوا عن هذا بأن تأدية الفرض تقع على وجهين: وجه نقص. ووجه كمال. وإن المكلف إذا أوقعها على وجه النقص كان له إعادتها على صفة الكمال بنية الفرض. فيقبل الله منه أي الصلاتين شاء. وقد يمكن أن يقال إن
стр. 716
الذمة موقوفة فإن لم يعد تحققنا براءتها. وإفي أعاد كان الأمر إلى الله تعالى.
واحتج من قال بأنه يعيد بنية الفرض أن الإعادة إنما أذن فيها إذا كانت في جماعة، فلو كانت الثانية نفلًا لما شرط في الأذن الجماعة. وأجيب عن هذا أنه إنما شرط ذلك لأن الجماعة سبب هذا النفل، فعلق فعل هذا التنفل عليه. كما علقت السنن بأسبابها. واحتجوا أيضًا بأنها لو كانت نفلًا لم يشترط في الإذن في الإعادة أن يكون صلى الأولى فذالأولجازت الإعادة في جماعة بعد جماعة إلى غير حد. لأن النفل لا يقف على عدد. وهذا أيضًا قد يجاب عنه فيقال سبب هذا النفل الجماعة فإذا حصلت لم يتكرر بتكررها (١) لأن ما في الثاني من الفضل نحوٌ مما في الأول فلا معنى للتكرير.
والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: إذا صلى فذًا ثم أعاد في جماعة فذكر بعد إعادته أن الأولى كانت على غير طهارة فهل يكتفي بصلاته الثانية أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم تجزيه الثانية. وقال ابن الماجشون لا تجزيه لأنه صلى الثانية على جهة السنة" على جهة أداء الفريضة (٢). ومراد ابن عمر في قوله في الصلاتين هما إلى الله أي في التقبل لا في الاعتداد. وقال أشهب إن كان حين دخوله في الثانية ذاكرًا للأولى فلا تجزيه هذه، وإن لم يكن ذاكرًا أجزأته.
وهكذا اختلف أيضًا إذا صلى مع الإِمام لفضل الجماعة معتقدًا أنه صلى في بيته ثم ذكر أنه لم يصل فقال ابن القاسم تجزيه. وقال أشهب لا تجزيه.
وأما إذا كانت الأولى على طهارة وأحدث في أثناء الثانية فهل عليه قضاؤها أم لا؟ في ذلك أربعة أقوال: روى المصريون عن مالك: ليس عليه أن يعيد الثانية. قال أشهب ولو قصد بصلاته مع الإِمام رفض الأولى لم تلزمه الإعادة. وروي عن مالك أنه يعيدها وبه قال ابن كنانة وسحنون، واختلفا في التعليل. فقال ابن كنانة لأنه لا يدري أيتهما صلاته وقال سحنون لأنها وجبت
стр. 717
عليه بدخوله فيها. وفائدة اختلافهما في التعليل عندي أن الحدث إذا كان عن
غلبة فمقتضى قول سحنون أن الإعادة لا تلزم. لأنه علل الإعادة بالتزام المعيد
إياها، والنافلة إذا حدث فيها عن غلبة لم يعدها. ومقتضى قول ابن كنانه أنه
يعيد لأنه علل الإعادة بما يشير إلى أن الأولى قد ارتفضت. وإذا جاز رفضها وجاز أن تكون الثانية هي الفرض، فالفرض من أفسده عن غلبة قضاه. وقد أشار ابن مسلمة في المبسوط إلى هذا الذي ظهر لي إشارة عن بعد. فقال يعيد الثانية سواء كان حدثه عن غلبة أو عمد. فتنبيهه عن الغلبة إشارة لما خرجته على التعليل. وقال عبد الملك إن أحدث بعد عقد ركعة أعاد الثانية لأنه أدرك صلاة الإِمام. وإن كان قبل أن يعقد ركعة لم تلزمه إعادتها. وحكى هذا المذهب ابن سحنون عن أبيه. وقال مالك في كتاب ابن سحنون إن كان أراد بصلاته مع الإِمام أن يجعلها فرضه والتي صلى وحده نافلة، أو كان أراد أن يكون الأمر إلى الله تعالى في صلاتيه فليعد الثانية. وسبب هذا الاختلاف في إجزاء الثانية عن الأولى الاختلاف في كيفية النية للثانية. فان كانت الثانية صليت بنية النفل فلا شك أنها لا تجزيء عن الأولى إذ لا تجزئ صلاة نفل عن صلاة فرض.
وإن صليت بنية الفرض أجزأت الثانية عن الأولى، وإن صليت بنية أن الأمر لله سبحانه أجزأت أيضًا، وفيه نظر عندي. لأن النية للثانية وقع فيها تردد فقد لا تنوب عن نية الجزم. وأشار بعض أشياخي إلى أنه لو ذكر الثانية خاصة على غير طهارة اعتد بالأولى إن صلى الثانية بنية التردد. وإن صلاه ابن ية الفرض جرى اعتداده بالأولى على اختلاف في صحة رفضها.
وأما الاختلاف في قضاء الثانية إذا أحدث فيها فإنه يجري أيضًا على اعتبار كيفية النية للثانية، هل نوى بها النافلة أو الفرض، فإن نوى النفل فإنه يلزمه لدخوله فيه على ما أشرنا إليه. وإن نوى الفرض نظر هل ارتفضت الأولى به أم لا، فإن ارتفضت فلا شك في الإعادة لأنه لم تحصل له الأولى ولا الثانية. وإن لم ترتفض الأولى نظر هل تجري الصلاة الثانية مجرى الواجب الأصلي فتقضى وإن أحدث فيها عن غلبة أم لا؟ على هذا يدور الخلاف المتقدم، سوى القول الذي فرق فيه بين أن يعقد ركعة أو لا يعقدها، فإنه لا وجه له سوى ما أشار إليه
стр. 718
من التعليل من أنه إنما يدرك صلاة الجماعة بعقد ركعة مع الإِمام. فكانه يرى أنه إنما التزم وقصد فضل الجماعة فلا تلزمه الصلاة إلا بالدخول في ذلك والدخول في ذلك لا يكون إلا بعقد ركعة وهو توجيه ليس بالواضح. وقد وقع في أحد هذه الأقوال الأربعة قول مالك إن كان أراد بصلاته مع الإِمام أن يجعلها فرضه والتي صلى وحده نافلة، أو أراد أن يكون الأمر إلى الله. وهذا إشارة منه إلى صحة كون النية جازمة. وصحة كونها مترددة على ما كنا أشرنا إليه. وهكذا قول مالك في المبسوط فيمن صلى في بيته ثم أتى المسجد فوجد الإِمام جالسًا آخر صلاته فكبر وجلس معه، أنه إن كانت نيته حين دخل مع الإِمام، أن يجعلها فرضًا (١) وصلاته في بيته نافلة، فعليه أن يتمها وقد أجزت عنه صلاته في بيته.
فأشار ها هنا إلى صحة الدخول بنية الفرض الجازم وجعل عليه الإتمام لأجل الالتزام وإن كان لم يعقد ركعة مع الإِمام.
والجواب عن السؤال الرابع عشر: أن يقال: إذا حضر العِشاء والعَشاء فقال ابن حبيب إنما يؤمر بتقدمة الطعام إن كان جائعًا قد اشتهاه حتى يشغله ذلك عن الصلاة. ونحوه قالت الشافعية يبدأ بالصلاة أيضًا إن كانت نفسه لا شوق إلى الطعام، فإن كانت تتوق إليه أكل منه ما يسكن نفسه. وقال الثوري وأحمد وإسحاق يبدأ بالطعام بكل حال، وروي ذلك عن عمر وابنه ﵄، وقال بذلك داود. ورأي: أنه إن بدأ بالصلاة بطلت صلاته. وقد تعلق من قال يبدأ بالطعام بقوله ﷺ : "وإذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء" (٢).
ورأى داود إن مخالفة هذا وركوب النهي في تقدمة الصلاة يفسدها: فحمل ابن حبيب والشافعية على كون النفس تتوق إلى الطعام لأن ذلك يمنع من استيفاء الصلاة والقيام بسائر حقوقها كما نهي الحاقن عن الصلاة لاستعجال الحقنة له عن استيفاء حقوق الصلاة.
والجواب عن السؤال الخامس عشر: أن يقال: أجاز مالك الإسراع في
стр. 719
المشي إلى الصلاة إذا أقيمت ما لم يسع (١) أو يحث وكره الإسراع الذي يبتهر فيه، وسئل عمن خرج إلى الحرمين فسمع مؤذن المغرب في الحرس فحرك فرسه ليدرك الصلاة فقال لا بأس به، وقالت الشافعية المستحب أن يمشي على سجية نفسه وعليه السكينة، وإن خاف فوت الجماعة. وروي ذلك عن زيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي ذر. وروي عن ابن عمر أنه أسرع المشي إلى المسجد لما سمع الإقامة، وعن ابن مسعود أنه اشتد إلى الصلاة وقال: أبادر حد الصلاة: يعني التكبيرة الأولى، وكان الأسود بن يزيد يهرول إذا ذهب إلى الصلاة. والدليل على النهي عن السعي المنافي للخشوع والسكينة قوله ﵇: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا (٢). ولأن السعي الشديد يتعبه فيبقى أثره في الصلاة فيمنعه من الخشوع واستيفاء حقوق الصلاة. فصل قضاء الفوائت قال القاض أبو محمَّد ﵀: والترتيب في الفوائت واجب بالذكر في الخمس فدون. وهي أولى عند ضيق الوقت من الحاضرة ويقضيها على صفة أدائها.
قال الشيخ الأمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على وجوب القضاء على الجملة؟.
٢ - وهل يقضي الساهي ما كثر من الصلوات؟.
٣ - وهل يقضي العامد ما ترك من الصلوات؟.
٤ - وهل يجب ترتيب الفوائت (٣).
стр. 720
٥ - وهل يجب ترتيبُ الفوائت مع الحاضرة في سعة الوقت؟.
٦ - وهل يجب في ضيق الوقت؟.
٧ - وإذا وجب ترتيب القليل فما حده؟.
٨ - وهل يجب (١) الترتيب بعد فعل الحاضرة؟.
٩ - وما حكم من ذكر صلاة في صلاة (٢)؟.
١٠ - وهل تقضى الفوائت بعد الصبح وبعد العصر؟.
١١ - وما الدليل على أنها تقضى على حسب الأداء؟.
١٢ - وما حكم الشك في ترتيب المتروكات.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف أهل الأصول في العبادة المؤقتة بوقت هل يجب قضاؤها بالأمر المقيد بالوقت أو إنما يجب القضاء بأمر ثان؛ فإن قلنا يجب القضاء بالأمر الأول لم يفتقر إلى دليل يوجب القضاء. وإن قلنا إنما يجب القضاء بأمر مجدد وهو الأصح لم نوجب القضاء على الحائض والمجنون لفقد الأمر بذلك. على أنه قد قام الدليل على سقوطه عنهما.
وأوجبنا القضاء على الناسي والمتعمد والنائم لقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٣). فهذا أمر بالقضاء بعد ذوات الوقت؛ لأنه ﷺ أورده لما نام عن الصلاة حتى خرج وقتها. وقد تقرر الإجماع على وجوب القضاء على الجملة وإنما اختلف في تفاصيله.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اتفق العلماء بأسرهم إلا من شذ على أنه تقضى المنسيات وإن زادت على الخمس صلوات، والدليل عليه الحديث المشهور أنه ﷺ لما عرّس ليلة بطريق مكة ووكل بلالًا أن يوقظهم للصلاة فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس (٤)
стр. 721
فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم النبي ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي وقال: إن هذا واد به شيطان. الحديث. إلى قوله فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها. وفي بعض طرقه من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فقوله من نسي الصلاة أو إذا رقد أحدكم عن الصلاة فعم الصلوات وإن كانت أكثر من خمس عند من قال بالعموم في مثل هذا. وقد وقع في بعض الطرق: لا كفارة لها إلا ذلك. فأشار إلى كون القضاء مكفرًا وهذا يستوي فيه القليل من الصلوات والكثير. فإن قيل أنتم توجبون القضاء على الفور ولا تبيحون التأخير في قضاء الصلاة، بخلاف الصوم إلا أن تكثر كثرة يشق قضاؤها على الفور متوالية فيباح التأخير بقدر زوال المشقة. والشعبي ﷺ في الحديث المذكور أخر الصلاة عن وقت الذكر وأمرهم بالاقتداء (١) فقد صار الحديث متروك الظاهر عندكم. فأجاب الناس عن هذا التأخير بأجوبة منها: إن ابن وهب وابن دينار قالا: إن التأخير منسوخ. وهذا وإن قال بالنسخ في التأخير خاصة فلا يلزمهما على هذا أن يجعلا الأمر بالصلاة منسوخًا. ولكن لا بد من بيان الناسخ حتى ينظر فيه. فقال ابن دينار هو قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢). وقوله من نام عن صلاة. الحديث. وهذا الذي قاله غير صحيح. أما الآية فلا يصح أن تكون ناسخة لأنها مكية وهذه القصة كانت بعد الهجرة إلى المدينة بأعوام.
فالآية متقدمة على القصة ولا يتقدم الناسخ على المنسوخ لأن الحقيقة نسخ الأول بالآخر لا نسخ الآخر بالأول. وأما الحديث فلم تدع ضرورة إلى جعله ناسخًا لأن النسخ إنما يكون مع التنافي الذي لا يمكن أن يحمل قوله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها على ما إذا ذكرها في كل مكان سوى هذا الوادي. وإذا أمكن ذلك لم يمكن القطع على النسخ على أنه ﷺ لما قال: هذا الذي قال تلا الآية عقيب قوله. وأجرى تلاوتها (٣) مجرى التعليل لِمَا قال.
стр. 722
وصار هذا كالإشارة إلى أخذه الحكم من الآية، وإذا صار الحكم مأخوذًا من الآية لم تكن الآية ناسخة لما قدمناه من كونها سابقة للقصة. ومن أصحابنا من أجاب عن ذلك بجواب آخر فقال: إنما أخر الصلاة ليكمل اجتماع الناس إليه لكون الرحيل سببًا ليقظة جميعهم وانتباههم وهذا ضعيف. لأن من لم ينتبه لا لوم عليه في التأخير ومن انتبه لا يسوغ له التأخير. فكيف يقدر فعل ما لا يسوغ في أصل الشرع طلبًا لتحصيل فعل من مكلف آخر لا لوم عليه إن لم يفعل؟ ولو استيقظ أحدهم عند طلوع الشمس ولم يصل الصبح فقد لا يسوغ له أن يشتغل بتنبيه آخر ليصلي معه تشاغلًا تفوته معه الصلاة إذا كان معه جماعة (١) سواه.
وإن كان ابن القصار قد أجاز لمن فاتته الصلاة أن ينتظر آخر حتى يتوضأ ويصليا جماعة (٢). وفيما قاله من جواز الانتظار مجال للنظر. والشعبي ﷺ ، الظاهر أنه استيقظ معه جماعة، ففضل الجماعة حاصل. وقد ذكر مالك أنه لم يبلغه أن النبي ﷺ ركع حيئذٍ للفجر. وقال لا يركع النائم حتى يبدو حاجب الشمس للفجر، وإن كانت ركعتا الفجرُ من سنن هذه الصلاة. فأنت ترى مالكًا كيف نهى عن ركوعهما خوفًا من زيادة الفوات. وإن كان قد قال أشهب بلغني أن النبي ﷺ ركع. قال ابن زياد: وقاله غير مالك. وهو أحب إليّ أن يركع. وقد قال سحنون فيمن ذكر صلاة منسية بعد أن ركع الفجر: أنه يعيد ركعتي الفجر إذا صلى المنسية. كما يعيد الصبح إذا صلاها. فأعطى ركعتي الفجر حكم صلاة الصبح في الأمر بالترتيب لما كانت متعلقة بها، وكأنها جزء من أجزائها. وقد يكون في هذا إشارة إلى ما اختار ابن زياد. ومن أصحابنا من أجاب عن هذا التأخير بأنه إنما كان لكون الوادي به الشيطان. وهذا هو الحق ولا معنى للنظر في معنى آخر سواه. ومتى سلم أن قوله ﷺ إن هذا الوادي به شيطان، خرج مخرج التعليل للتأخير، لم يحسن للفقيه أن يشتغل بالنظر في تعليل آخر إلا أن ينظر في علة أخرى تكون مؤكدة لما علل به النبي ﷺ ، أو يقصد به رد الأصول
стр. 723
بعضها لبعض. وقد ذهب أبو حنيفة إلى تعليل التأخير بمعنى آخر فقال إنما كان ذلك كذلك لأنه استيقظ حين طلوع الشمس وذلك الزمن لا يصلح فيه قضاء الفوائت. وهذا الذي قاله فاسد من ثلاثة أوجه: أحدها على مقتضى أصلنا فإنا نخالفه في منعه قضاء الفوائت عند طلوع الشمس ونجيز قضاءها في كل وقت.
والثاني على مقتضى أصله لأنه وإن منع قضاء الفوائت في هذا الوقت فهو يجيز صلاة صبح يومه في هذا الوقت وهو ﷺ إنما صلى يوم الوادي صبح يومه.
هكذا حكى بعض أصحابنا عن مذهبه. ومذهبه خلاف ما قال. وسنتكلم عليه في قضاء الفوائت. والثالث على مقتضى *الحديث، ومقتضى الحديث يرد عليه من وجهين لفظًا ومعنى* (١) فأما اللفظ فقوله - لم يستيقظوا حتى ضربتهم الشمس وفي بعض طرقه فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس. وهذا لا يكون إلا بعد ارتفاع الشمس وتمكنها في الطلوع. وأما المعنى فإنه علل يكون الوادي به شيطان ولم يعلل يكون الشمس طالعة. فالعدول عن تعليله ﷺ لا يصح على حسب ما بيناه. فإن قيل فلو علمنا ذلك الوادي، هل تجوز فيه الصلاة أم لا؟ قيل تعليل النبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: تعليل يعلم وجوده حساُ وتعليل لا يعلم وجوده إلا من جهته ﷺ . فما كان يعلم حسًا أو في معنى الحس لزم طرده والجري معه حيث جرى. وما كان غيبًا لا يعلم إلا بوحي كتعليله ترك الصلاة على قتلى أحد بالحالة التي يبعثون عليها. وترك تخمير رأس المحرم بالحالة التي يبعث عليها. وتعليله ترك الصلاة في هذا الوادي بان به شيطانًا على ما أشار إليه في الحديث لا يلزم طرده إلا حيث تتحقق العلة. وتحقق العلة موقوف على الوحي بالغيب. وهذا الوادي وإن علم السامعون منه ﷺ حينئذٍ قطع أن به شيطانًا وظنناه نحن ظنًا إن لم يتواتر الخبر عندنا. فإنا نجوز أن يكون الشيطان ذهب منه الآن. فهل يكون هذا التجويز يحيى الصلاة فيه أم لا؟ ذهب الداودي إلى أنه لا يبيحه (٢) وأشار بعض المتأخرين إلى أنه يمكن القول بالإباحة لأجل هذا التجويز. والأصل القضاء على الفور فلا يزال عنه بالشك.
فإن قيل فما معنى تلاوته ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وإشارته إلى
стр. 724
أخذ الحكم من الآية. والآية خطاب لموسى ﷺ . وهو غير مخاطب بأن يخاطبنا بشريعة من قبله. قيل هذا مما اختلف فيه أهل الأصول. فمن قال إنا مخاطبون بشريعة من كان قبلنا فلا يلزمه على هذا جواب. ومن قال لسنا مخاطبين بها كان جوابه أن يقول أوحي إليه ﷺ أن يعمل بهذه الآية. فلم يعمل بها بمجرد كونها خطابًا لموسى ﵇ بل للوحي إليه أن يعمل بها. وتلاوته ﷺ لهذه الآية عند هذه القصة يشهد بصحة قول بعض المفسرين لها القائلين إن معناها أقمها حين تذكرها. والمراد بالذكر ذكر الصلاة. وإن كان قد قال غير هؤلاء المفسرين فيها أقوالًا أُخر. منهم من قال معنى لذكري أي لأذكرك بالمدح. وقيل معناه لتذكرني فيها، وقيل معناه إذا ذكرتني. وقد قرئ في الشاذ للذكر قيل معناه لتذكرني فيها.
وقرىء لذكرَى أبدلوا من الياء ألفا كما قالوا يا غلامًا وقرىء للذكرى.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اتفق جماعة الفقهاء على أن المتعمد لترك الصلاة، عليه قضاؤها. خلافًا لداود وأبي عبد الرحمن الشافعي وكأنهما رأيا أن قوله ﷺ من نام عن صلاة أو نسيها يقتضي دليل الخطاب فيه أن العامد ليس عليه أن يصليها. ورأى جمهور الفقهاء أن في ذكر النائم والناسي تنبيهًا على العامد؛ لأن النائم والناسي لا إثم عليهما ولا لوم في ترك الصلاة.
والعامد مأثوم ملوم فهو أحق بالتكفير من الناسي. لأنه المذنب حقًا، والنائم لا ذنب له. على أنه قد قيل: إنه يمكن أن يحمل قوله ﵇ أو نسيها على التارك لها محمدًا؛ لأن الناسي يسمى تاركًا. فيكون الحديث انتظم القسمين، ذكر فيه النائم، وفي ذكره تنبيه على الناسي. وعبر على التارك محمدًا بالناسي.
وقد اختلف عندنا في الحربي إذا أسلم ببلد الحرب وترك الصلاة جهلًا بوجوبها هل تلزمه إذا علم بوجوب القضاء لأنه مُخاطَبٌ تَرَك الصلاة محمدًا، أو لا يلزمه لأنه بموضع لا يمكنه تعلم الشريعة فيه فصار كالمغلوب على الترك بإغماء أو غيره؟ فقال سحنون عليه القضاء. وقال محمَّد بن عبد الحكم لا قضاء عليه. وهذا كله إنما يحتاج إليه إذا قيل إن قضاء ما فات يفتقر لأمر ثان. وأما إذا قيل يلزم قضاؤه بالأمر الأول كان الاقتصار على مجرد الأمر بالصلاة كافيًا في إيجاب القضاء على العامد والناسي.
стр. 725
والجواب عن السؤاله الرابع: أن يقال: أما الفوائت فيجب ترتيب بعضها على بعض مع الذكر لجميعها. فمن نسي صبح يوم وظهره وذكر ذلك فإنه يصلي الصبح ثم الظهر. ولا يجوز له أن يصلي الظهر قبل الصبح. ولما قضى رسول الله ﷺ ما ترك من الصلوات التي حبسه المشركون عن فعلها بدأ بالأول فالأول (١). فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء. وهذا يدل على صحة ما قلناه من وجوب ترتيب الفوائت.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إذا فاتت إنسانًالأصلواتٌ وأمكنه قضاؤها وإيقاع الصلاة الحاضرة قبل تصرم وقتها كان الحكم البداية بالفوائت لما قدمناه من وجوب الترتيب. ولكن متى هذا الوقت الذي إذا أمكن فعل الحاضرة فيه وجب أن تقدم الفوائت؟ فيه قولان: أحدهما، أنه الوقت المختار قاله أشهب وابن حبيب. وقد روي عن مالك أنه يؤخر الظهر والعصر لأجل الفوائت إلى اصفرار الشمس. وهذه الرواية تحتمل عندي أن تكون جنوحًا منه إلى أن الوقت المختار يمتد في الظهر إلى الاصفرار. والثاني أن المراعى في ذلك وقت الاضطرار. وروى أشهب (٢) عن مالك أيضًا أن المراعى في ذلك إلى غروب الشمس، فمتى أدرك فعل الحاضرة قبل الغروب اشتغل بالمنسيات وإن كان متى اشتغل بالمنسيات فاته الوقت الذي أشرنا إليه. فإن كانت المنسيات قليلة فسيرد حكمها. وإن كانت كثيرة فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يبدأ بالمنسيات إلا أن يخشى ذوات الحاضرةَ فيصليها ثم يعود لقضاء ما بقي عليه، وهو مذهب محمَّد بن عبد الحكم. والثاني أنه يبدأ بالمنسيات، وإن خرج وقت الحاضرة إذا كان يصلي جميعها من غير تأخير
لبعضها عن بعض. وهو مذهب محمَّد بن مسلمة. والثالث مذهب ابن حبيب
стр. 726
وهو جواز البداية بالحاضرة لأنه قال: إن كان أخر الظهر إلى وقت يجوز لغيره تأخيرها إليه أتى بما ذكر. وبدأ به (١) وإن كثر. وإن كان إن بدأ به خرج الوقت، بدأ بالظهر إلا أن تكون المنسيات خمس صلوات فأقل. وأما الاختلاف في تحديد الوقت الذي بإدراكه يجب تقديم المنسيات، فسببه الاضطراب فيما بين الاصفرار إلى الغروب. هل يقع التاثيم بتأخير صلاة الظهر والعصر إليه أم لا؟ فمن أثم لم يبلغ بالتحديد إليه. لأن تأخير الحاضرة إليه يصير في معنى تأخيرها إلى بعد الغروب. ومن لم يؤثم بالتاخير إليه أباح تأخير الحاضرة إليه لعدم الإثم. وقد أشار ابن حبيب إلى هذا بقوله فيما حكيناه عنه إذا أخر الظهر إلى وقت يجوز لغيره تأخيرها إليه. فأشار إلى جواز التأخير. وقد حكينا (٢) عنه وعن أشهب أنهما يراعيان الوقت المختار، فإن وسعا فيه إلى الاصفرار في الظهر فهو مبني على ما قلناه. لان لم يوسعا في الظهر إلا إلى القامة فهذا لا وجه له، إلا أن ينظر في تأخير الظهر عن القامة هل هو مما يجوز أم لا، وهذا مضى مستقصى في الكلام في الأوقات. أو يسلك في ذلك مسلك من رأى أن الترتيب مستحب وليس بواجب أصلًا على ما سنذكره، ويعتقد أن استحباب (٣) فعل الصلاة في الوقت المختار آكد من استحباب الترتيب. وأما الاختلاف فيها إذا كثرت كثرة لا يمكن الإتيان بجميعها إلا بفوات الحاضرة فإن ابن عبد الحكم رأى أن قضاء المنسيات على الفور. فما دام وقت الحاضرة واسعًا فلا رافع لهذا الوجوب. فإذا ضاق وقت الحاضرة ارتفع الوجوب بوجوب آكد منه عنده. فإذا ارتفع هذا المانع بفعل الحاضرة عاد الوجوب على ما كان عليه أول مرة. وإن ابن مسلمة رأى أن المنسيات، إذا وفي بجميعها دفعة واحدة قدمت ولو فاتت الحاضرة لوجوب الترتيب، وتقدمة الأسبق. وإذا كان لا يوفي بجميعها دفعة واحدة فلا فائدة في تأخير الحاضرة عن وقتها؛ لأنه إذا لم يقدم جميع المنسيات فلا بد أن يصلي الحاضرة. فترك صلاتها من غير شغل بالقضاء لا يصح كما لا
стр. 727
يصح تعمد تركها لمن لا صلاة عليه. وإن ابن حبيب على ظاهر كلامه، لما رأى أنه لا بد من فعل الحاضرة وعليه بقية من الصلوات المنسيات، أجاز البداية بالحاضرة في سعة الوقت، إذ لا يمكن إيقاع الحاضرة ولا صلاة عليه. وإذا لم يمكن إيقاعها ولا صلاة عليه فلا فرق بين كثرة الصلاة وقلتها إذا خرجت عن العدد الخمس الذي يقدم على الحاضرة.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما المنسيات إذا كثرت فقد فرغنا الآن من حكمها وذكرنا الواجب على القول بمراعاة الترتيب. ويتضح مذهب من لا يوجب الترتيب عند ذكرنا مذاهبهم في هذا السؤال. وأما المنسيات إذا قلت فاختلف في المقدم عند ضيق الوقت هل تقدم الصلاة الحاضرة أو المنسية؟ على ثلاثة أقوال: فالمشهور عندنا تقديم المنسية. وقال ابن وهب تقدم الحاضرة وخير أشهب بينهما. وهذا الاختلاف مبني على وجوب الترتيب أو استحبابه. فالشافعي يراه مستحبًا. فمن صلى الحاضرة عنده وعليه صلاة أجزأته صلاته. ولكنه خالف الاختيار إذا كان وقت الحاضرة واسعًا. فإن ضاق فالاختيار تقديم الحاضرة. وعندنا أن الترتيب واجب فمن صلى الحاضرة وعليه صلاة خالف الواجب. ويختلف عندنا في اعتداده بما صلى وهو ذاكر لصلاة عليه. فإن قلنا أن الترتيب واجب وهو شرط في صحة الصلاة لم يعتد بما صلاه. وإن قلنا أنه واجب وليس بشرط في صحة الصلاة. أو قلنا بما حكيناه عن المخالف أنه مستحب اعتد بالصلاة التي صلى. والتخريج على هذا الأصل مطرد في ضيق الوقت وسعته. لكن المصلي الحاضرة في ضيق وقتها وعليه صلاة ذاكر لها فيه إشكال عندي: هل يطرد هذا فيه قول من قال من أصحابنا إن الترتيب شرط في صحة الصلاة، وقال بتقدمة الفائتة أو لا يطرد هذا فيه لأجل اختلاف أهل المذهب في الفائتة والتي ضاق وقتها أيهما يقدم؟ وظاهر كلام ابن القصار طرد الخلاف فيه ولكنه ذهب إلى سقوط الترتيب فيما تماثل من الصلوات الفوائت كظهرين فاتتا من يومين ماضيين *واستدل بتساويهما في الصورة والهيئة ووقت الذكر فلا معنى لاعتبار الترتيب مع هذا التساوي. وإنما يعتبر فيما اختلف من الصلوات
стр. 728
واقتضب هذا من قوله* (١) إن من نسي ظهرًا أو عصرًا لا يدري السابقة منهما إنه يصليهما ويعيد ما بدأبه منهما. وإنما لم نقل ذلك في ناسي ظهرين من يومين لا يدري أيتهما قبل صاحبتها لتماثلهما. ولو وجب الترتيب مع التماثل لأعاد ظهر اليوم الثالث. وهذا الذي زعم إنا لا نقول به، فيتخرج عندنا (٢) فيه اختلاف إذا عين اليومين ولم يدر أيتهما قبل صاحبتها على ما سنشير إليه في موضعه. ولكنه مع هذا كله راعى الترتيب في ظهر يومه مع ظهر فائتة لاختلاف معنى وقتيهما بخلاف الفائتتين. وأشار إلى تردد فيه فقال: ولو قيل بسقوط الترتيب فيه لم يبعد.
وأما أبو حنيفة فاختلف قوله فقال مرة بما حكيناه عن الشافعي. وقال مرة أخرى بوجوب الترتيب مع الذكر إذا كانت الصلوات المنسية خمسًا فأقل، كما حكيناه عن مذهبنا. ولكنه يُسقط الترتيب مع ضيق الوقت وتُقدم الحاضرة كما حكيناه عن ابن وهب. وإذا وجب الترتيب عنده بتقدمة المنسية كان شرطًا في صحة الصلاة. فلا صلاة عنده مع سعة الوقت لمن عليه صلوات.
وحكي عن الزهري وربيعة وغيرهما إيجاب الترتيب على الإطلاق.
وأضيف إلى ابن حنبل اعتباره شرطًا في صحة الصلاة مع عدم الذكر. وأن من نسي صلاة في شبابه ولم يذكرها إلا في شيخه أنه يعيد سائر الصلوات التي بين زمن تركه وذكره. وسبب الاختلاف في الترتيب على الجملة أنه روي (٣) في ذلك أربعة أحاديث. أحدها قوله ﵇: إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسيها (٤). وظاهر هذا سقوط الترتيب؛ لأنه أمر بالبداية التي هو فيها ولم يأمر بإعادتها بعد قضاء
стр. 729
المنسية. وروي عنه ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن عليه صلاقه" (١). وهذا اللفظ يخمل أن يكون المراد به لا صلاة كاملة فيكون مطابقًا لمذهب من لم يوجب الترتيب وغير مناقض للحديث المتقدم. ويحتمل أن يراد به لا صلاة مجزية فيكون مطابقًا لقول من أوجب الترتيب ورآه شرطًا في الصحة. وإذا احتمل الوجهين حمل عليهما جميعًا أخذًا بالعموم عند قوم من أهل الأصول. وامتنع حمله على العموم عند قوم آخرين، فيجب الوقف فيه. فيعضد حمله على نفي الإجزاء بقوله ﷺ : "من نسي صلاة فذكرها مع الإِمام مضى على صلاته مع الإِمام فإذا سلم قضى التي فاتته ثم أعاد التي صلى مع الإِمام" (٢). فالأمر بالإعادة إن حمل على الإيجاب كان دلالة على كون الترتيب شرطًا في الصحة. وروي عنه ﵇ أنه لما فاتته أربع صلوات يوم الخندق قضاهن على الترتيب (٣). فمن زعم أن فعله على الوجوب بمجرده أو لكونه ها هنا كالبيان استدل به في وجوب الترتيب. ومن لم يره كالبيان وحمل مجرد فعله على الاستحباب استحب الترتيب ولم يوجبه. فمن أنكر وجوب الترتيب حمل قوله لا صلاة لمن عليه صلاة على نفي الكمال أو على أن المراد به لا صلاة نافلة لمن عليه صلاة أو منع الاستدلال به بان يغلب الدليل فيه فيقال: الحاضرة إذا ضاق وقتها فهي صلاة عليه فلا يصلي الفائتة، وهذه حاضرة عليه. ويحمل أمره بإعادة التي صلى مع الإِمام على الاستحباب. ومن خالفه يحمل النفي على الإجزاء بما قدمناه، ويمنع من حمل قوله لا صلاة على النفل، لحق (٤) العموم. وينكر كون اللفظ محمولًا على أن المراد به: إن التي عليه هي الصلاة الحاضرة لأن المفهوم منه صلاة ترتبت في الذمة متى صارت عليه. والحاضرة لم تترتب في الذمة. ويمكن حمل إعادة ما صلى خلف الإِمام على الاستحباب لاعتقاده أن الأمر على الوجوب.
стр. 730
هذا سبب الخلاف من ناحية الآثار. وأما من ناحية الاعتبار فيستدل من أوجب الترتيب بان الحاضرة، الزمن الذي هو فيه وقت لها في الأصل، والفائتة هو وقت لها لقوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها. وروي فذلك وقتها لا وقت لها إلا ذلك" (١). وإذا كان الوقت لهما جميعًا قدمت الفائتة لكونها أسبق. ولأنها في الشريعة هكذا رتبت مقدمة. ولأن الجمع بين صلاتي عرفة والمزدلفة لما وقع قدمت فيه الظهر على العصر لكونها أسبق، وإن كان الوقت قد حول في ذلك اليوم وتغير فلم يكن تغييره وتحويله يحيى سقوط الترتيب. وينفصل عن هذا من خالف فيه. بأن السبق لا تأثير له. لأن الحاضرة أحق بالوقت لكونه وقتًا لها بالأصل، وبأن الجمع بين صلاتي عرفة والمزدلفة إنما لم تقدم العصر لأجل أن وقتها لم يدخل بعد، وإنما يدخل وقتها ذلك اليوم بعد فراغ الظهر. وغلا بعضهم في هذا الانفصال حتى ركب أن الجمع في السفر وبعرفة والمزدلفة لو كان بعد في خول وقت الثانية، لصح صلاة من قدم الثانية على الأولى وأنه غير بين أن يقدم الثانية أو الأولى. واشتد نكير ابن القصار على راكب هذا. وقال ما ظننت أحدًا يقوله ويركبه. ويرى أن تقدمة العصر يوم عرفة إنما لم يجز لحق الرتبة لا لحق الوقت لأن الوقت مشترك. ولعل ابن القصار إنما استبعد تخييره البداية بأي الصلاتين شاء *وأما صحة الصلاة إذا وقعت* (٢) فقد أشار بعض المتأخرين إلى تخريج الخلاف عندنا في كون الترتيب ليس بشرط في صحة الصلاة من رواية ابن زياد عن مالك في ذاكر الظهر والعصر من يومه في وقت العصر فبدأ بالعصر جهلًا أو سهوًا فليعدهما، وإن لم يذكر حتى ذهب يومه لم يعد شيئًا. فقد ذكر ها هنا في هذه الرواية أن ترك الترتيب في صلاتي اليوم جهلًا بعد دخول وقت الثانية لا يمنع من الإجزاء. واستدل من أسقط وجوب الترتيب بأنه لو كان واجبًا وشرطًا في الصحة لاستوى نسيانه وعمده، والترتيب مع النسيان ساقط. وأيضًا فإن الكثير من الصلوات لا يقدم على الحاضرة لضيق وقتها. فلو كان الترتيب واجبًا لِحَقّ السبق لاستوى قليل الصلوات وكثيرها.
стр. 731
ويجاب عن هذا بأنه لا يبعد كون الشيء واجبًا مع الذكر دون النسيان. ويسقط كونه شرطًا في الصحة في حق الناسي دون الذاكر كستر العورة وغسل النجاسة في إحدى الطريقتين. وأجاب ابن القصار بأن الإجماع حصل على الصلوات الكثيرة فلهذا لم يقدمها. وأشار إلى أن العلة أن الصلوات إذا زادت على مقدار الخمس المختلفة وقع فيها التكرير، والتكرير يسقط الترتيب على حسب ما كنا قدمنا مذهبه فيه.
وأما سبب الاختلاف من ناحية الاعتبار في كون الترتيب شرطًا في الصحة كما اختاره القاضي أبو محمَّد أو ليس بشرط في صحتها. فإن من رآه شرطًا رأى أنه معنى لا يتصور انفصاله عن الصلاة فوجب أن يكون شرطًا في صحتها كتكبيرة الإحرام. ومن لم يره شرطًا يرى أن تقديم الصلاة التي هو في وقتها ليس فيها أكثر من تأخير الأخرى عن وقتها فلا يمنع ذلك صحة صلاة الوقت؛ لأنه لا يقال أنه أوقعها فيما ليس بوقت لها.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في مقدار القليل من الصلوات التي تقدم على ما ضاق وقته. فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه ست صلوات. والمشهور من مذهب مالك أنه خمس صلوات. وذهب بعض أصحابه إلى أنه أربع صلوات. فأما قول بعض أصحاب أبي حنيفة فيرد من ناحية أنه عدد دخل فيه التكرير على نحو ما كنا قدمناه عن ابن القصار. وأما المشهور من مذهبنا فالحجة له أنه عدد لا تكرير فيه لأن الخمس صلوات مختلفات. فإذا زادت سادسة كانت السادسة كإحدى الخمس والترتيب يسقط مع التكرير ويثبت مع عدمه. ولا يعدم إلا في الخمس فأقل. فوجب التحديد بها.
وأما وجه من حد بأربع فلأن النبي ﷺ يوم الخندق إنما رتب أربع صلوات، ولم ينقل عنه ترتيب فوائت زائدة على هذا العدد. فوجب الاقتصار عليه. ولأن الترتيب في الصلوات يقاس علي الترتيب في الركعات، وأكثر الركعات أربع فوجب أن يكون أكثر الصلوات المرتبة أربعًا. وإذا راعينا العدد القليل في وجوب الترتيب لم يفترق الحكم فيه في أن يكون هو جملة العدد الذي لم يكمل عليه سواه. أو كان بقية بقيت عليه من فوائت قضاها. قاله بعض الأشياخ.
стр. 732
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا صلى صلاة لوقتها غير ذاكر لصلاة عليه ثم ذكرها فلا يخلو إما أن يذكر بعد خروج وقت التي صلى أو قبل خروج وقتها. فإن ذكر بعد خروج وقتها فلم يختلف المذهب أَلَّا قضاءً عليه.
وكذلك لو قضى منسية ناسيًا للأخرى قبلها فلا إعادة عليه. لأنها بالفراغ منها تلتحق بما خرج وقته. وروي عن مالك فيمن ذكر ظهر أمسه وعصره بعد غروب الشمس فبدأ بالعصر ثم الظهر فإن علم مكانه أعادها. وإن طال فلا شيء عليه.
قال الشيخ أبو محمَّد أراه يعني بقوله يعيدها العصر؛ لأنه صلاها ذاكرًا لصلاة عليه. فأما تأويل الشيخ أبي محمَّد فتعسف على اللفظ. وإن كان صحيحًا من جهة المعنى. لأنه إذا صلى العصر ثم الظهر اعتد بالظهر وجعلها أولى وألغى ما قبلها وأعاد بعد صلاتها صلاة العصر. فيحصل الترتيب. فلا معنى لإعادة الظهر كما قال. وهذا كما نقول فيمن نكس وضوعه حتى ختم بوجهه، أنه يبني على غسل وجهه. لأنه ببنائه عليه يحصل الترتيب. وأما حمله الرواية على أنه صلى العصر ذاكرًا لصلاة عليه فليس في لفظها ما يقتضي ذلك. بل نقلها متصلة بالرواية التي قدمنا حكايتها عن ابن زياد فيمن بدأ بعصر يومه قبل الظهر جهلًا أو سهوًا. فإن حملت الرواية على ما ذكرت عقيبه فقد يصح حملها على السهو أيضًا. وأيضًا فإن من صلى عصر أمسه ذاكرًا لظهر أمسه، فقد خالف الترتيب الواجب. وقد قدمنا اختلاف المذهب على قولين في صحة الاعتداد لما خولف فيه الترتيب محمدًا. فمنهم من يعتد بالصلاة. ومنهم من لا يعتد بها، ويقول تعاد الصلاة أبدًا. وهذه الرواية قد فُرِّقَ فيها بين قرب الزمن وبعده. فإن كان قدر أن قرب الفراغ من الصلاة المنسية يقدر كأنه وقت دها لجواز أن يمتد الفعل إليه، فتكون الإعادة حينئذ لها طريقة. لأن من اعتد بالصلاة المخالف ترتيبها يؤمر بالإعادة في وقتها ليحصل الترتيب. ولكن هذه الرواية تقتضي أنه لا يكون الفراغ *من فعل المنسية تصرمًا لوقتها* (١) وأن المصلي يعيدها إذا ذكر في مكانه لإخلاله بالترتيب. وأما إن ذكر من صلى الصلاة الحاضرة صلاة منسية قبل أن يخرج وقت التي صلاها، فإنه يؤمر بالإعادة لها ليحصل الترتيب المشروع.
стр. 733
وقال أبو بكر الوقار إنما يؤمر بالإعادة في الوقت إذا كانت المنسيات خمسًا فأقل. فإن كانت أكثر من ذلك فلا يؤمر بالإعادة في الوقت. وكأنه رأى أن الترتيب غير معتبر إذا كثرت المنسيات. فإن كان غير معتبر فلا معنى لإعادة الصلاة ولا لاعتبار الوقت في تلافي الترتيب. واختلف في تحديد الوقت الذي بالذكر فيه يؤمر بالإعادة. فقيل وقت الضرورة. وقيل من صلى العص رنا سيًا للظهر فإنه يعيد العصر ما لم تصفر الشمس. وهذا يراعي وقت الاختيار.
والتوجيه للقولين قد تقدم أسلوبه قبل هذا. وهو الموازنة بين فضيلة الترتيب وكراهة (١) الصلاة بعوإلاصفرار. فلا معنى لبسطه ها هنا.
ولو أن هذا المأمور بالإعادة في الوقت لما ذكر الصلاة المنسية في الوقت نسي أن يعيدها في الوقت (٢) حتى ذهب. فهل يعيدها بعد الوقت أم لا؟ في ذلك قولان: بنفي الإعادة لأن الإجزاء قد حصل. والإعادة طلب للكمال. ولا يطلب الكمال بعد تصرم الوقت. وإثبات الإعادة لأنه بالذكر خوطب بالإعادة. فصارت كالصلاة الأصلية إذا نسيها حتى خرج وقتها. ولو كانت الصلاة المنسية ذكرها بعد أن فرغ من صلاة الجمعة، فإنه إذا قضى المنسية لم يعد الحاضرة. عند أشهب، لخروج وقت صلاة الجمعة بالفراغ منها. وأعادها عند مالك ظهرًا لبقاء وقت الظهر.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: من ذكر صلاة وهو في صلاة فلا تخلو الصلاة المنسية من أن تكون قد ذهب وقتها أو لم يذهب. فإن كان قد ذهب وقتها فاختلف في ذكرها هل يفسد الصلاة الحاضرة التي هو فيها أم لا يفسدها؛ وهذا الاختلاف قد سبق ذكره وتوجيهه لما ذكرنا الاختلاف في الترتيب، هل هو شرط في الصحة أم لا؛ فإن قلنا لا يفسدها استحب له القطع على الجملة إن كان فذًا أو إمامًا. وإن كان مامومًا لم يستحب له القطع، بل يؤمر بالتمادي إلا أن يكون في صلاة المغرب أو الجمعة ففيها قولان (٣). فأما
стр. 734
المغرب فمذهب المدونة أن المأموم يتمادى فيها كسائر الصلوات. ومذهب ابن حبيب أنه لا يتمادى فيها بخلاف غيرها من الصلوات بل يقطع المغرب عنده المأموم والفذ. وإن كان صلى واحدة شفعها بثانية وإن كان صلى ثالثة شفعها برابعة. وكل بني على أصله. لأن مذهب المدونة أن من صلى صلاة ذاكرًا لأخرى لا تفسد صلاته بل يعتد بها. وإنما يعيدها في الوقت استحبابًا ليحصل الترتيب. ومذهب ابن حبيب أن ذكره صلاة فائتة (١) وهو في صلاة أخرى يفسدها ويعيد ما هو فيه في الوقت وبعده. ويرى أن التمادي فيه ابن ية النافلة.
فإذا كان هذا أصله أمر بقطع المغرب لئلا يكون متنفلًا قبل صلاة المغرب. لكن أشار بعض الأشياخ إلى أنه يلزمه قطع المأموم في سائر الصلوات، إذا كان ذكره لصلاة منسية يفسد ما هو فيه؛ لأن صلاته إذا فسدت فلا معنى لمراعاة فضل الجماعة في صلاة فاسدة. ويلزم أن يكون القطع واجبًا لا مستحبًا في حق سائر المصلين فذًا كان أو مأمومًا. لأن الصلاة إذا فسدت وجب قطعها ولم يجز التمادي على إكماله ابن ية الفرض. وأما الجمعة فقال أشهب إن علم أنه إذا قطع وصلى المنسية أدرك ركعة من الجمعة فليقطع. وإن أيقن أنه لا يدرك تمادى.
فإذا فرغ صلى المنسية ولم يعد ظهرًا لخروج الوقت. وإن أعادها ظهرًا فحسنٌ.
وقال الشيخ أبو الحسن مذهب مالك اتباع الإِمام. فإذا فرغ صلى المنسية وأعاد الجمعة ظهرًا. وكان بعض أشياخي يرى أن الأولى في النظر أن يستوي سائر المصلين في التمادي على صلاتهم لعقدهم الإحرام فيها ناسيًا (٢) لصلاة أخرى. لأنهم أحرموا بوجه جائز فلا يؤثر في صلاتهم ما طرأ عليها في أثنائها مما لا يجوز الابتداء عليه مع الذكر، كطريان الماء على المتيمم وهو في الصلاة. وإذا أُمِر الإِمام الناسي لصلاة فائتة بالقطع، فهل يسري ذلك لصلاة المأمومين أم لا؟ عن مالك في ذلك روايتان: إحداهما القطع والأخرى الاستخلاف. فوجه القطع أن الترتيب ليس بمعنى منفصل عن الصلاة فيسري فساد صلاة الإِمام فيه إلى صلاة
стр. 735
المأمومين كنسيانه تكبيرة الإحرام. وقد أشار ابن حبيب محتجًا للاستخلاف إلى أن نسيان تكبير الإحرام بخلاف نسيان صلاة فائتة. فقال إنما يقطع المأمومون إذا ذكر إمامهم أنه صلى تلك الصلاة التي صلى بهم أو دخل من نافلة في فريضة بغير سلام. أو نسي الإحرام وشبه ذلك، فهؤلاء يقطعون. وإن لم يعلموا حتى فرغوا أعادوا. غير أن من كان إمامهم قد صلى ما صلى بهم فلا يعيدون جماعة لأجل الاختلاف في إجزاء صلاتهم. ولم يذكر فرقًا بين هؤلاء وبين ناسي صلاة فائتة. وقد اعتل بعضهم لقطع المأمومين بأن قال إن القطع لا يتعين على الإِمام ولا هو متفق على وجوبه. بل لو تمادى على صلاته لأجزأته. فإذا قطع والحالة هذه صار كقاطع صلاته محمدًا لغير سبب. وذلك يفسد صلاة المأمومين. فلما ضارع (١) هذا الإِمام الناسي *قاطع الصلاة لغير سبب* (٢) "احتيط للمأمومين بأن أمروا بابتداء الصلاة. وهذا الذي أشار إليه بعضهم من أن قطعه غير واجب، وأن تماديه يجزيه، وإن استحب الإعادة للترتيب. وقد قال خلافه أبو العباس الإبياني: إن الإِمام إذا جهل وتمادى بهم لزمتهم الإعادة في الوقت وبعده. وهذا الذي قاله الإبياني إنما يتضح عندي على القول: بأن ذكر صلاة في صلاة يفسدها. وأما على القول الآخر بأنه لا يفسدها. فالذي قاله الآخرون: من صحة اعتداده بالصلاة أظهر.
ووجه القول بالاستخلاف قياسًا على الحدث. وإذا قلنا بالاستخلاف فالمعروف ثبوته في سائر أجزاء الصلاة.
وقال ابن كنانة في كتابه: إن كان لم يعقد الإِمام بالقوم ركعة استخلف وإن كان قد عقد بهم ركعة أتم ثم أعاد صلاته. ونقل عنه ابن حبيب وغيره الاستخلاف مطلقًا لكنه في كتابه فصله كما قلناه. ولا وجه له إلا أن يكون رأى أن لا حرمة لصلاته قبل أن يعقد ركعة فحسن عنده قطعه واستخلافه. فإذا عقد منها ركعة قبح القطع لحصول حرمة الصلاة. ............ (٣) فأمره
стр. 736
بالتمادي. وعلى هذا الأسلوب جرى الاختلاف في المأمومين إذا لم يذكر إمامهم الصلاة المنسية حتى فرغ. هل يعيدون الصلاة في الوقت لتحصل فضيلة الترتيب أو لا يعيدون؟ فإذا قلنا يسري من صلاة الإِمام إلى صلاتهم ها هنا بعض ما تلافوه أمروا بالإعادة. وإذا قلنا أنه لا يسري لم يؤمروا بالإعادة. وإذا أمر المصلي بالقطع وهو في أثناء الصلاة، فهل يقطع في الحال أو يؤمر بالتمادي؛ لأن كمال الصورة التي يسلم منها المصلي وهو العدد الشفع؟ لا تخلو الصلاة التي هو فيها من أن تكون فرضًا أو نفلًا. فإن كانت فرضًا لم يخل أن يذكر المنسية قبل أن يعقد ركعة، أو بعد أن عقد ركعة. فإن ذكرها بعد أن عقد ركعة فلا يخلو إما أن لا يكون عقد ركعة سواها أو عقد سواها. وإن عقد سواها فلا يخلو أن يكون على وتر أو شفع. فإن ذكرها قبل أن يعقد ركعة ففيه قولان.
أحدهما: وهو المشهور أنه يقطع والثاني أنه يكمل ركعتين.
فوجه القطع أن الصلاة التي لم يعقد منها ركعة ليست لها من الحرمة المتاكدة ما يحيى تأخير الصلاة الفائتة. فلا يحسن به التمادي، فيزيد الفائتة فواتًا. ووجه التمادي إلى إكمال ركعتين أن الفائتة إنما خوطب بها الناسي في الصلاة التي هو فيها، وقد أثرت بإحالتها من نية الفرض إلى نية النفل. فإذا حصل التأثير لم يحسن القطع قبل الصورة التي يسلم منها في الشرع. وتأخير الفائتة إنما يمنع لغير عذر. وهذا عذر.
وإن ذكرها بعد أن عقد ركعة فلا يخلو إما أن تكون الصلاة زائدة على الثنائية كالظهر والمغرب، أو ثنائية. فإن كانت زائدة عن الثنائية أضاف إلى ركعته أخرى لأن عقد الركعة يؤكد حرمة الصلاة. والخروج من الصلاة على ركعة واحدة لا يحسن. فأمر بالتمادي إلى صورة النفل. وهي ركعتان. والمنسية مع هذا لم تخل من تأثير كالتي هو فيها لأنها نقلتها من أربع إلى آثنتين. ومن نية الفرض إلى نية النفل.
وإن كانت الصلاة ثنائية كصلاة الصبح. فمقتضى إطلاق الروايات أنها كسائر الصلوات. وقال بعضصح مقتضى اختيار ابر الِقاسم في الرباعية أن
стр. 737
يقطع بعد ثلاث ليؤثر ذكر المنسية في منع الإكمال، أن يقطع في الصبح بعد ركعة ليؤثر ذكر المنسية أيضًا في منع الإكمال. وإن ذكر المنسية بعد أن زاد على عقد ركعة وهو على شفع فإن كان على أربع فقد كملت صلاته. وصار كالذاكر بعد الفراغ. وإن كان على ركعتين في صلاة الصبح فقد كملت صلاته أيضًا. وإن كان في الثانية من الرباعية سلم من شفعه. ولم يعتد بصلاته لعدم كمال عدد ركعاتها. وإن ذكر المنسية بعد أن زاد على ركعة وهو على وتر فإن كان في المغرب فقد كملت صلاته. وإن كان في الرباعية ففيه روايتان، إذا ذكرها بعد ثلاث. إحداهما الإكمال لحصول جل الصلاة. والثانية القطع ليحصل للمنسية تأثير في هذه التي هو فيها. لأنه إن تمادى للإكمال لم يكن للمنسية تأثير.
وإن كانت الصلاة التي هو فيها نفلًا فلا يخلو من قسمين. أحدهما أن يذكر ذلك قبل أن يعقد ركعة أو بعد أن عقد ركعة. فإن ذكر ذلك قبل أن يعقد ركعة قطع لأنه لا كبير حرمة لما هو فيها. ولو أمر بالتمادي إلى إكمال ركعتين لم يكن للمنسية تأثير لا في نقص عدد ولا في نقل نية. وإن ذكر بعد أن عقد ركعة فعنه روايتان. إحداهما الإكمال لتاكد حرمة ما هو فيه بعقد الركعة. والثانية القطع لأن الإكمال يمنع من كون المنسية لها تأثير. فركعة من النافلة كثلاث من الفريضة. واختلف قول مالك في المسألتين جميعًا. ولكن اختلف اختيار ابن القاسم فيها. فاختار من قوله في النفل أن يكمل ومن قوله في الفرض أن يقطع.
فإن قيل ما وجه اختلاف اختياره؟ قيل إنما اختلف اختياره فيهما لأن المنسية إنما يجب أن يكون لها (١) تأثير عنده في صلاة أوجبت الشريعة الترتيب بينها وبينها. والشريعة إنما جاءت بالترتيب بين صلاتي فرض لا بين صلاتي فرض ونفل. فلما لم يكن بين الفرض والنفل ترتيب في أصل الشرع لم يقتض عنده ذكر الفرض في النفل تأثيرًا. ولما جاء الشرع بالترتيب بين الفرضين أثرت المنسية في التي هو فيها لاستحقاقها رتبة السبق عليها، فاقتضى ذلك القطع.
وهذا معنى يروق لولا ما يعترض عليه بأن مقتضاه يوجب أن لا يؤثر الفرض في النفل وإن لم يعقد ركعة من النفل. وابن القاسم يرى أن ذكر الفرض يؤثر في
стр. 738
النفل إذا لم يعقد من النفل ركعة، ويأمر بقطع النافلة. قد ينفصل عنه بأن يقال إنما افترق الحكم عنده في النفل بين أن يعقد ركعة أو لا يعقدها لأنه إذا عقد ركعة صارت لصلاته حرمة استحقت بها الوقت. ألا تراه ﷺ يقول: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). وإذا استحقت النافلة الوقت لم تقطع لغيرها، وإذا لم يعقد منها ركعة لم تكن لها حرمة تستحق بها الوقت، فوجب قطعها للمنسية التي استحقت الوقت لقوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها" (١) وفي رواية أخرى: فإن ذلك وقتها.
فهذا وجه اختلاف اختيار ابن القاسم. والانفصال عما قد يعترض به على التوجيه. وأما إذا كانت الصلاة المنسية لم يذهب وقتها، فهل يستحب لبعض المصلين إلاّ يقطع كما يستحب له ذلك في الفائتة أم لا؟ في ذلك قولان: أحدهما أنه يستحب للمأموم أن يتمادى. قاله في المدونة فيمن نسي الظهر فذكرها وهو مع إمام في العصر أو مغرب ليلته. وقال ابن حبيب: يقطع المأموم إذا ذكر ظهر يومه وهو في عصره أو مغرب ليلته وهو في عشائها. ويقطع وإن كان على وتر لأنه في خيار من وقت الأولى. وهي فرض والتي هو فيها لا تجزيه، فمبادرته للأولى أولى. فأما ابن حبيب فقد وجه قوله. وأما وجه القول الآخر فإنه رأى أنه إنما استحب التمادي إذا ذكر ما فات وقته مع استحقاقه الوقت بالذكر فأحرى أن يستحب التمادي إذا ذكر صلاة لم يذهب وقتها ذهابًا كليًا كما ذهب في الفائتة.
وأما الفذ الذي لا يستحب له التمادي بل يؤمر بالقطع فإن حكمه حكم من نسي سجود السهو الذي يبطل تركه الصلاة. وقد ذكرنا حكمه مبسوطًا في باب السهو.
وإن ذكر قبل أن يعقد ركعة وهو في فريضة قطع وفي النافلة يتمادى فإن ذكر بعد أن عقد ركعة أضاف إليها أخرى كان في نفل أو فرض. قال بعض الأشياخ: لا يختلف قول مالك ها هنا في النفل بعد ركعة، ولا في الفرض بعد
стр. 739
ثلاث. كما اختلف قوله في ذاكر الفائتة، لاتساع الؤقت ها هنا وضيقه في التي فات وقتها. وقد ذكرنا في باب السهو أن ناسي السجود قبل السلام المبطل للصلاة إذا لم يطل ما مضى من الصلاة التي هو فيها فإنه يقطع ليرجع لإصلاح الأولى. وها هنا بعقد النفل يمضي عليه إذا لم تتقدم منه صلاة يجب أن يعود لإصلاحها، بل هو ناس للصلاة أصلًا. وإنما أحلناك على باب السهو إذا لم يجب العود للإصلاح.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف الناس في قضاء الفوائت المفروضة هل يجوز قضاؤها في سائر الأوقات أو يمتنع في بعض الأوقات؟ فذهب مالك والشافعي إلى إجازة ذلك في سائر الأوقات. ومنع أبو حنيفة من قضائها عند طلوع الشمس وعند استوائها وبعد اصفرارها. وأجاز أداء عصر يومه عند الغروب والاصفرار. ومنع من ذلك في صبح يومه حتى قال: لو صلى ركعة من الصبح فطلعت عليه الشمس فإن صلاته تبطل.
ودليلنا قوله ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها". الحديث (١). فجعل وقتها وقت الذكر ولم يفرق بين وقت ووقت. فاقتضى عمومه استيعاب سائر الأوقات. ويحتج أبو حنيفة بأخبار النهي. ويؤكد حجته بأن النهي إنما كان لمقارنة الشمس الشيطان على ما أشار إليه في الحديث. وهذا المعنى موجود في صلاة الفرض كوجوده في صلاة النفل. وهذه الأخبار متعارضة فيجب بناؤها فنقول نحن أخبار النهي محمولة على النوافل. ويقولون هم أخبار الأمر بقضاء المنسية محمول على ما سوى هذه الأوقات. وإذا أمكن أن يبنى حديثهم على حديثنا وحديثنا على حديثهم وجب النظر في الأرجح من التأويلين. والأولى من البناءين. فنرجح نحن بناءنا بأن قد أبقينا أحد الخبرين على عمومه وهو خبر الأمر بقضاء المنسية، وخصصنا أحاديث النهي فحملناها على النوافل.
وأبو حنيفة في بنائه يخصص كلا الخبرين، فيخصص من خبرنا الأوقات التي ذكر. ويخص من خبره عصر يومه. فإنه يبيح صلاته في الوقت الذي يقتضي عموم خبر النهي المنع منه. فإذا كان بناؤه فيه تخصيص كلا الخبرين وتخصيص
стр. 740
الخبر إزالة له عن ظاهره. وكان بناؤنا إنما فيه تخصيص أحد الخبرين كان بناؤنا الأولى. لأن إخراج خبر واحد عن ظاهره أخف من إخراج خبرين عن ظاهرهما. ويرجح أبو حنيفة بناءه بان خبره معلل بعلة يستوي فيها الفرض والنفل. فكان البناء الذي يصح طرد التعليل معه أولى من الذي لا يطرد التعليل معه. وأجيب عن هذا بان الكفرة إنما كانت تصلي حين مقارنة الشمس قرن الشيطان صلاة ليست عليها وإنما بقصد السجود للشمس. فحقيقة التعليل إنما يطرد فينا إذا صلينا صلاة ليست علينا. وأيضًا فإنا نرجح بأن تفريقنا بين الفرض والنفل، يظهر للفرقان بينهما وجه. وتفرقته بين عصر يومه وصبحه لا وجه لها.
فإن قيل بل له وجه لأن الفراغ من العصر يكون في وقت تجوز فيه الصلاة والفراغ من الصبح يكون وقت نهي عن الصلاة فيه. قيل لو عكس هذا فأجيزت الصبح ومنعت العصر لكان أولى. لأن الابتداء بالعصر يكون في وقت النهي، والابتداء بالصبح ليس في وقت النهي. فمراعاة حال الابتداء أولى. لأن المؤثر في التمادي أولى أن يؤثر في الابتداء. وقد يؤثر النهي في الابتداء ولا يؤثر في التمادي. وقد وافقنا أبو حنيفة على جواز قضاء الفوائت بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر إذا لم تطلع الشمس ولم تصفر، وإن كانت النوافل عنده وعندنا حينئذٍ لا تجوز. فلم يطرد النهي في هذا. ولا ساوى بين الفرض والنفل. بل فرق بينهما. وكون النهي في هذا لأجل الفعل وهو صلاة الصبح والعصر.
والنهي عند الطلوع والاصفرار لأجل الوقت لا يدرأ ما قلناه من ضعف بنائه واضطراب أصله فيه.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: مذهبنا أن الفوائت تقضى على حسب ما توجه الخطاب بها حين الأداء. فمن فاتته صلاة يسر بقراءتها في وقتها فإنه يسر قراءتها في وقت قضائها. وإن فاتته صلاة يجهر بقراءتها حين أدائها جهر بقراءتها حين قضائها. خلافًا للشافعي في مراعاة حكم زمن القضاء.
فقال من فاتته صلاة بالليل فإن قضاها بالنهار أسر. وإن قضاها بالليل جهر.
ووافقه الأوزاعي إلا أنه جعله بالخيار إذا قضاها بالليل بين أن يجهر أو يسر.
ووافقنا الشافعي على أنه إن فاتته صلاة نهارية فإنه يسر القراءة. وإن قضاها بالليل جهر اعتبارًا بحال الأداء. والفزق على أصله هو صلاة النهار وصلاة الليل. أن