بالتمادي. وعلى هذا الأسلوب جرى الاختلاف في المأمومين إذا لم يذكر إمامهم الصلاة المنسية حتى فرغ. هل يعيدون الصلاة في الوقت لتحصل فضيلة الترتيب أو لا يعيدون؟ فإذا قلنا يسري من صلاة الإِمام إلى صلاتهم ها هنا بعض ما تلافوه أمروا بالإعادة. وإذا قلنا أنه لا يسري لم يؤمروا بالإعادة. وإذا أمر المصلي بالقطع وهو في أثناء الصلاة، فهل يقطع في الحال أو يؤمر بالتمادي؛ لأن كمال الصورة التي يسلم منها المصلي وهو العدد الشفع؟ لا تخلو الصلاة التي هو فيها من أن تكون فرضًا أو نفلًا. فإن كانت فرضًا لم يخل أن يذكر المنسية قبل أن يعقد ركعة، أو بعد أن عقد ركعة. فإن ذكرها بعد أن عقد ركعة فلا يخلو إما أن لا يكون عقد ركعة سواها أو عقد سواها. وإن عقد سواها فلا يخلو أن يكون على وتر أو شفع. فإن ذكرها قبل أن يعقد ركعة ففيه قولان.
أحدهما: وهو المشهور أنه يقطع والثاني أنه يكمل ركعتين.
فوجه القطع أن الصلاة التي لم يعقد منها ركعة ليست لها من الحرمة المتاكدة ما يحيى تأخير الصلاة الفائتة. فلا يحسن به التمادي، فيزيد الفائتة فواتًا. ووجه التمادي إلى إكمال ركعتين أن الفائتة إنما خوطب بها الناسي في الصلاة التي هو فيها، وقد أثرت بإحالتها من نية الفرض إلى نية النفل. فإذا حصل التأثير لم يحسن القطع قبل الصورة التي يسلم منها في الشرع. وتأخير الفائتة إنما يمنع لغير عذر. وهذا عذر.
وإن ذكرها بعد أن عقد ركعة فلا يخلو إما أن تكون الصلاة زائدة على الثنائية كالظهر والمغرب، أو ثنائية. فإن كانت زائدة عن الثنائية أضاف إلى ركعته أخرى لأن عقد الركعة يؤكد حرمة الصلاة. والخروج من الصلاة على ركعة واحدة لا يحسن. فأمر بالتمادي إلى صورة النفل. وهي ركعتان. والمنسية مع هذا لم تخل من تأثير كالتي هو فيها لأنها نقلتها من أربع إلى آثنتين. ومن نية الفرض إلى نية النفل.
وإن كانت الصلاة ثنائية كصلاة الصبح. فمقتضى إطلاق الروايات أنها كسائر الصلوات. وقال بعضصح مقتضى اختيار ابر الِقاسم في الرباعية أن
стр. 737
يقطع بعد ثلاث ليؤثر ذكر المنسية في منع الإكمال، أن يقطع في الصبح بعد ركعة ليؤثر ذكر المنسية أيضًا في منع الإكمال. وإن ذكر المنسية بعد أن زاد على عقد ركعة وهو على شفع فإن كان على أربع فقد كملت صلاته. وصار كالذاكر بعد الفراغ. وإن كان على ركعتين في صلاة الصبح فقد كملت صلاته أيضًا. وإن كان في الثانية من الرباعية سلم من شفعه. ولم يعتد بصلاته لعدم كمال عدد ركعاتها. وإن ذكر المنسية بعد أن زاد على ركعة وهو على وتر فإن كان في المغرب فقد كملت صلاته. وإن كان في الرباعية ففيه روايتان، إذا ذكرها بعد ثلاث. إحداهما الإكمال لحصول جل الصلاة. والثانية القطع ليحصل للمنسية تأثير في هذه التي هو فيها. لأنه إن تمادى للإكمال لم يكن للمنسية تأثير.
وإن كانت الصلاة التي هو فيها نفلًا فلا يخلو من قسمين. أحدهما أن يذكر ذلك قبل أن يعقد ركعة أو بعد أن عقد ركعة. فإن ذكر ذلك قبل أن يعقد ركعة قطع لأنه لا كبير حرمة لما هو فيها. ولو أمر بالتمادي إلى إكمال ركعتين لم يكن للمنسية تأثير لا في نقص عدد ولا في نقل نية. وإن ذكر بعد أن عقد ركعة فعنه روايتان. إحداهما الإكمال لتاكد حرمة ما هو فيه بعقد الركعة. والثانية القطع لأن الإكمال يمنع من كون المنسية لها تأثير. فركعة من النافلة كثلاث من الفريضة. واختلف قول مالك في المسألتين جميعًا. ولكن اختلف اختيار ابن القاسم فيها. فاختار من قوله في النفل أن يكمل ومن قوله في الفرض أن يقطع.
فإن قيل ما وجه اختلاف اختياره؟ قيل إنما اختلف اختياره فيهما لأن المنسية إنما يجب أن يكون لها (١) تأثير عنده في صلاة أوجبت الشريعة الترتيب بينها وبينها. والشريعة إنما جاءت بالترتيب بين صلاتي فرض لا بين صلاتي فرض ونفل. فلما لم يكن بين الفرض والنفل ترتيب في أصل الشرع لم يقتض عنده ذكر الفرض في النفل تأثيرًا. ولما جاء الشرع بالترتيب بين الفرضين أثرت المنسية في التي هو فيها لاستحقاقها رتبة السبق عليها، فاقتضى ذلك القطع.
وهذا معنى يروق لولا ما يعترض عليه بأن مقتضاه يوجب أن لا يؤثر الفرض في النفل وإن لم يعقد ركعة من النفل. وابن القاسم يرى أن ذكر الفرض يؤثر في
стр. 738
النفل إذا لم يعقد من النفل ركعة، ويأمر بقطع النافلة. قد ينفصل عنه بأن يقال إنما افترق الحكم عنده في النفل بين أن يعقد ركعة أو لا يعقدها لأنه إذا عقد ركعة صارت لصلاته حرمة استحقت بها الوقت. ألا تراه ﷺ يقول: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). وإذا استحقت النافلة الوقت لم تقطع لغيرها، وإذا لم يعقد منها ركعة لم تكن لها حرمة تستحق بها الوقت، فوجب قطعها للمنسية التي استحقت الوقت لقوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها" (١) وفي رواية أخرى: فإن ذلك وقتها.
فهذا وجه اختلاف اختيار ابن القاسم. والانفصال عما قد يعترض به على التوجيه. وأما إذا كانت الصلاة المنسية لم يذهب وقتها، فهل يستحب لبعض المصلين إلاّ يقطع كما يستحب له ذلك في الفائتة أم لا؟ في ذلك قولان: أحدهما أنه يستحب للمأموم أن يتمادى. قاله في المدونة فيمن نسي الظهر فذكرها وهو مع إمام في العصر أو مغرب ليلته. وقال ابن حبيب: يقطع المأموم إذا ذكر ظهر يومه وهو في عصره أو مغرب ليلته وهو في عشائها. ويقطع وإن كان على وتر لأنه في خيار من وقت الأولى. وهي فرض والتي هو فيها لا تجزيه، فمبادرته للأولى أولى. فأما ابن حبيب فقد وجه قوله. وأما وجه القول الآخر فإنه رأى أنه إنما استحب التمادي إذا ذكر ما فات وقته مع استحقاقه الوقت بالذكر فأحرى أن يستحب التمادي إذا ذكر صلاة لم يذهب وقتها ذهابًا كليًا كما ذهب في الفائتة.
وأما الفذ الذي لا يستحب له التمادي بل يؤمر بالقطع فإن حكمه حكم من نسي سجود السهو الذي يبطل تركه الصلاة. وقد ذكرنا حكمه مبسوطًا في باب السهو.
وإن ذكر قبل أن يعقد ركعة وهو في فريضة قطع وفي النافلة يتمادى فإن ذكر بعد أن عقد ركعة أضاف إليها أخرى كان في نفل أو فرض. قال بعض الأشياخ: لا يختلف قول مالك ها هنا في النفل بعد ركعة، ولا في الفرض بعد
стр. 739
ثلاث. كما اختلف قوله في ذاكر الفائتة، لاتساع الؤقت ها هنا وضيقه في التي فات وقتها. وقد ذكرنا في باب السهو أن ناسي السجود قبل السلام المبطل للصلاة إذا لم يطل ما مضى من الصلاة التي هو فيها فإنه يقطع ليرجع لإصلاح الأولى. وها هنا بعقد النفل يمضي عليه إذا لم تتقدم منه صلاة يجب أن يعود لإصلاحها، بل هو ناس للصلاة أصلًا. وإنما أحلناك على باب السهو إذا لم يجب العود للإصلاح.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف الناس في قضاء الفوائت المفروضة هل يجوز قضاؤها في سائر الأوقات أو يمتنع في بعض الأوقات؟ فذهب مالك والشافعي إلى إجازة ذلك في سائر الأوقات. ومنع أبو حنيفة من قضائها عند طلوع الشمس وعند استوائها وبعد اصفرارها. وأجاز أداء عصر يومه عند الغروب والاصفرار. ومنع من ذلك في صبح يومه حتى قال: لو صلى ركعة من الصبح فطلعت عليه الشمس فإن صلاته تبطل.
ودليلنا قوله ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها". الحديث (١). فجعل وقتها وقت الذكر ولم يفرق بين وقت ووقت. فاقتضى عمومه استيعاب سائر الأوقات. ويحتج أبو حنيفة بأخبار النهي. ويؤكد حجته بأن النهي إنما كان لمقارنة الشمس الشيطان على ما أشار إليه في الحديث. وهذا المعنى موجود في صلاة الفرض كوجوده في صلاة النفل. وهذه الأخبار متعارضة فيجب بناؤها فنقول نحن أخبار النهي محمولة على النوافل. ويقولون هم أخبار الأمر بقضاء المنسية محمول على ما سوى هذه الأوقات. وإذا أمكن أن يبنى حديثهم على حديثنا وحديثنا على حديثهم وجب النظر في الأرجح من التأويلين. والأولى من البناءين. فنرجح نحن بناءنا بأن قد أبقينا أحد الخبرين على عمومه وهو خبر الأمر بقضاء المنسية، وخصصنا أحاديث النهي فحملناها على النوافل.
وأبو حنيفة في بنائه يخصص كلا الخبرين، فيخصص من خبرنا الأوقات التي ذكر. ويخص من خبره عصر يومه. فإنه يبيح صلاته في الوقت الذي يقتضي عموم خبر النهي المنع منه. فإذا كان بناؤه فيه تخصيص كلا الخبرين وتخصيص
стр. 740
الخبر إزالة له عن ظاهره. وكان بناؤنا إنما فيه تخصيص أحد الخبرين كان بناؤنا الأولى. لأن إخراج خبر واحد عن ظاهره أخف من إخراج خبرين عن ظاهرهما. ويرجح أبو حنيفة بناءه بان خبره معلل بعلة يستوي فيها الفرض والنفل. فكان البناء الذي يصح طرد التعليل معه أولى من الذي لا يطرد التعليل معه. وأجيب عن هذا بان الكفرة إنما كانت تصلي حين مقارنة الشمس قرن الشيطان صلاة ليست عليها وإنما بقصد السجود للشمس. فحقيقة التعليل إنما يطرد فينا إذا صلينا صلاة ليست علينا. وأيضًا فإنا نرجح بأن تفريقنا بين الفرض والنفل، يظهر للفرقان بينهما وجه. وتفرقته بين عصر يومه وصبحه لا وجه لها.
فإن قيل بل له وجه لأن الفراغ من العصر يكون في وقت تجوز فيه الصلاة والفراغ من الصبح يكون وقت نهي عن الصلاة فيه. قيل لو عكس هذا فأجيزت الصبح ومنعت العصر لكان أولى. لأن الابتداء بالعصر يكون في وقت النهي، والابتداء بالصبح ليس في وقت النهي. فمراعاة حال الابتداء أولى. لأن المؤثر في التمادي أولى أن يؤثر في الابتداء. وقد يؤثر النهي في الابتداء ولا يؤثر في التمادي. وقد وافقنا أبو حنيفة على جواز قضاء الفوائت بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر إذا لم تطلع الشمس ولم تصفر، وإن كانت النوافل عنده وعندنا حينئذٍ لا تجوز. فلم يطرد النهي في هذا. ولا ساوى بين الفرض والنفل. بل فرق بينهما. وكون النهي في هذا لأجل الفعل وهو صلاة الصبح والعصر.
والنهي عند الطلوع والاصفرار لأجل الوقت لا يدرأ ما قلناه من ضعف بنائه واضطراب أصله فيه.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: مذهبنا أن الفوائت تقضى على حسب ما توجه الخطاب بها حين الأداء. فمن فاتته صلاة يسر بقراءتها في وقتها فإنه يسر قراءتها في وقت قضائها. وإن فاتته صلاة يجهر بقراءتها حين أدائها جهر بقراءتها حين قضائها. خلافًا للشافعي في مراعاة حكم زمن القضاء.
فقال من فاتته صلاة بالليل فإن قضاها بالنهار أسر. وإن قضاها بالليل جهر.
ووافقه الأوزاعي إلا أنه جعله بالخيار إذا قضاها بالليل بين أن يجهر أو يسر.
ووافقنا الشافعي على أنه إن فاتته صلاة نهارية فإنه يسر القراءة. وإن قضاها بالليل جهر اعتبارًا بحال الأداء. والفزق على أصله هو صلاة النهار وصلاة الليل. أن
стр. 741
صلاة النهار يجب أن يعتبر فيها حالة الأداء لأنه إذا قضاها بالليل وجهر بالقراءة صارت حالة القضاء أكمل من حالة الأداء (١). وإذا فاتته صلاة الليل فقضاها بالنهار أسر لأنه لا ينكر أن يكون القضاء أقل كمالًا من الأداء. والجهر صفة معلقة بالوقت فتسقط بفوات الوقت. كتكبيرات أيام التشريق. ولنا أن الصلاة إذا فاتت فقد ترتبت في ذمته ووجب قضاؤها. والقضاء يجب أن يكون مماثلًا للمقضي.
والأصل في القضاء الأمثال (٢)، فوجب اعتبار حالة الأداء لتحقق المماثلة، لا سيما على القول إن القضاء إنما يلزم بمجرد القول الأول. ولهذا قلنا وقال جمهور الفقهاء إن من نسي صلاة في الحضر فذكرها في السفر أنه يقضيها حضرية كما وجبت عليه خلافًا لداود والمزني وإحدى الروايتين عن الحسن في مسيرهم إلى أنها تقضى سفرية اعتبارًا لحالة الفعل لا بحالة الترك. ولا حجة لهم في أنه ﵇ جعل وقت الذكر وقتًا للمنسية، فيجب أن يعتبر وقت الذكر. لأنه ﵇ قال: فليصلها. وهذه إشارة إلى حالة الصلاة المتروكة. ولا حجة لهم بمن فاتته صلاة في حال الصحة فذكرها في حال المرض أنه يصليها على مقتضى حالته من المرض؛ لأن المريض لا يمكنه فعلها على الوجه الذي وجبت عليه.
وفي تأخيرها إلى زمن الصحة تفويت. والمسافر يمكنه فعلها في الحال تامة على حسب ما وجبت عليه.
ومن شرط توجه الأمر الإمكان. فتوجه على المسافر الإتمام لإمكانه وسقط عن المريض القيام لعدم إمكانه. وأما لو نسي صلاة في السفر فذكرها في الحضر فإنه يقضيها على حسب ما كان يؤديها عندنا وعند أبي حنيفة. فعلى قولنا (٣) أن القصر فرض، يتعين عليه القصر في القضاء.
وعلى قولنا أنه سنة يسر أيضًا في القضاء. ومن ذهب إلى التخيير خير أيضًا في القضاء. فذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه يقضيها تامة. وكمن فاتته صلاة حكمه أن يتيمم لها فإنه يقضيها بطهارة الماء إذا وجد الماء وكالمريض إذا فاتته صلاة حكمه أن يصليها جالسًا فإنه يقضيها إذا صح قائمًا. ودليلنا على ما قدمناه من وجوب اعتبار حالة الوجوب وأن الثابت في الذمة لا يجب الزيادة عليه لا
стр. 742
سيما على القول إن القضاء يجب بمجرد الأمر الأول. فإنما يقضى بحسب ما توجه عليه الأمر الأول. فاما ما ذكروه من صلاة الجمعة فلا حجة فيه لأن الأصل الظهر، والجمعة بدل منها. فإذا استحال فعل الجمعة رجع إلى الأصل وهو الظهر. وهكذا ما ذكروه في التيمم فإن الأصل طهارة الماء والتيمم بدل عنها بشرط. فإذا لم يوجد الشرط رجع إلى الأصل. وكذلك المريض الأصل فرض القيام عليه. وإنما رخص له في القعود بشرط. فإذا لم يوجد الشرط الذي هو العجز عن القيام وهو سبب الرخصة رجع إلى الأصل وهو القيام.
وقد فرق بعض أصحابنا أن قال: القيام والقعود من الهيئات والهيئات يعتبر فيها حال الأداء كمريض لم يصل في مرضه، فإنه إذا صح صلى قائمًا. أو صحيح لم يصل في صحته فإنه إذا مرض قضى الصلاة قاعدًا. وأما العبد فإنه يعتبر فيه حالة الوجوب كحاضر سافر فإنه يقضي تامة، ومسافر حضر فإنه يقضي مقصورة. ولو نسي صلاة سفر فقضاها في سفر آخر فإنه يقضيها مقصورة خلافًا لأحد قولي الشافعي في أنه يقضيها تامة لزوال سبب الترخيص عندهم الذي هو السفر المبيح لقصرها حال الخطاب بها وما قدمناه من مراعاة حال الوجوب يرد قولهم في هذا.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما الشك في ترتيب المتروكات،
فإن الناس قد أكثروا في التفريع منه ومدار جميع ما فرعوه على اعتبار تحصيل
اليقين ببراءة الذمة. والنظر في تحصيل عدد الأحوال المشكوك فيها، فيوقع من
الصلوات أعدادًا على ترتيب ما يحيط بجميع حالات الشكوك. هذا هو الأصل الذي يشمل جميع هذه المسائل، وما نذكره من الفروع يوضح وجه العمل فيه.
فمن ذلك أن من نسي صلاة لا يدري أي الصلوات الخمس هي؛ فإنه يصلي الصلوات الخمس *لأن كل صلاة من الخمس يمكن أن تكون هي المنسية يصلي على عدد حالات الشك خمسًا* (١) لتستوفي جميع أحوال الشك. وأما إن علم عين الصلاة وجهل يومها فإنه يصليها غير ملتفت لعدد الأيام. لأن الصلاة الواحدة لا تختلف باختلاف الأيام. وإذا كان اليوم المنسي منه تلك
стр. 743
الصلاة مجهولًا فصلى تلك الصلاة، ينوي بها يومها الذي تركت منه فقد برئت ذمته. ولا قدرة له على أكثر من ذلك. لأنه وإن كرر فعل تلك الصلاة فلا يحمل في نيته إلا على يوم مجهول. فإذا كان لا بد من الإحالة على جهالة فلا فائدة في التكرار. وقد كما قدمنا ما ذكره ابن القصار من قولنا: إن من نسي ظهرًا أو عصرًا ما يدري أيتهما قبل صاحبتها فإنه يصلي ظهرًا بين عصرين أو عصرًا بين ظهرين مراعاة لحال الترتيب لما اختلفت الصلوات. وأنا لم نقل ذلك فيمن نسي ظهرين من يومين لا يدري أي اليومين قبل صاحبه. وإنما ذلك لسقوط مراعاة الترتيب، للتماثل (١) بين الصلوات. وهذا الذي قدمناه يقدح في قوله هذا لأنا لو أمرناه أن يصلي الظهر ثلاثة أيام مجهولات كما أمرنا ناسي الظهر والعصر ها هنا أن يصلي ثلاث صلوات لم يفده التكرير؛ لأنه وإن كرر الظهر لم يحمل في نيته إلا على يوم مجهول. وهكذا نرى (٢) في اليومين الأولين فلا فائدة في تكرير ثالث مجهول. لكن لو علم هذا الشاك أعيان الأيام وجهل رتبتها لكان المذهب على قولين: فمنه إذا نسي ظهرًا لا يدري أمِنَ السبت هي أو من الأحد؟ ففي كتاب ابن حبيب أنه يصلي ظهر السبت وظهر الأحد. وفي كتاب ابن سحنون أنه يصلي ظهرأواحدة. وهكذا ذاكر صلاة يوم واحدة لا يدري سفرًا أو حضرًا أنه يصلي صلاة يوميَن يوم للسفر ويوم للحضر سوى المغرب والصبح فإنه لا يكررهما لأنهما لا يقصران. هذا مذهب ابن القاسم. وحكى ابن سحنون عن بعض أصحابنا أنه يكررهما وهذا مراعاة للاختلاف في الأيام. ومنه أيضًا إذا نسي ظهرًا أو عصرًا لا يدري الظهر للسبت والعصر للأحد أو العصر للسبت والظهر للأحد فإنه يصلي ظهرًا للسبت ثم عصرًا للأحد ثم عصرًا للسبت ثم ظهرًا للأحد. وهذا على مراعاة اختلاف الأيام. وأما على القول بترك مراعاتها فإنه يصلي ظهرًا بين عصرين أو عصرًا بين ظهرين. وقد قال ابن المواز إن ذكر ظهرًا أو عصرًا من يومين لا يدري أيهما قبل. فليصل ظهرًا بين عصرين أو عصرًا بين ظهرين. قال الشيخ أبو محمَّد: لم يذكر ابن المواز وسحنون تفرقة بين يوم معروف أو غير
стр. 744
معروف. وهذه إشارة من الشيخ أبي محمَّد إلى ما قلناه من تصور الخلاف في الأيام المعينة المجهول ترتيبها. وقد كنا قدمنا نحن الاختلاف في إعادة المغرب والصبح في مسألة الشاك في اليوم المنشيءل هو سفر أو حضر؟ ولعل اختلاف هذا اليوم بالسفر والحضر يلحقه بالأيام المعينة. وأما الأيام المجهولة فيبعد الخلاف فيها. ولو روعيت الأيام المجهولة على من نسي ظهرًا لا يدري يومها من غيره أن يكررها بعدد ما مضى له من أيام عمره في زمن البلوغ. وحضرت شيخنا أبا محمَّد عبد الحميد ﵀ فأتاه بعض الخواص عنده ممن كان يقرأ معنا عليه ممن اشتهر بالوسوسة فقال: لقد كنت أصلحك الله البارحة أصلي صلاة المغرب بمسجد فلان فأتى هذا لمفتى وأشار إلى الموسوس فصلى إلى جانبي وسمعته عند الإحرام يقول صلاة المغرب ليلة كذا. فأنكرت نفسي تسميته الليلة. ثم خشيت أن يكون ما قاله إنما هو لما يسمع منك. فجئت أسألك. فأظهر شيخنا النكير على صاحبنا. واعتذر للسائل عنه بما اشتهر من وسوسته. فلما انصرف السائل أقبل علينا حملة أهل الميعاد فقال هل يتخرج من المذهب اعتبار ذكر (١) القلب يوم الصلاة عند النية فلم يظهر لنا شيء. فأشار ﵀ إلى نحو ما نحن فيه من هذا الباب من اضطراب الأصحاب في مراعاة اختلاف الأيام وذكر ما قيل في إمامة من نسي صلاة في يوم لمن نسيها من يوم آخر. وهذا الذي قاله ﵀ يفتقر إلى بسط طويل وإنما ذكرناه عنه لتعلقه بما نحن فيه ولكونه منبهًا على ما قد يؤمر به المصلي عند عقد النية. وتحقيق القول في ذلك لا يمكن بسطه ها هنا.
ومن فروع هذا الباب: أن من نسي ظهرًا ولا يدري هل هي سفرية أو حضرية فإنه يصلي ظهرًا تامة وظهرًا مقصورة ليستوعب الصلاتين حال الشكين. ولو نسي ظهرًا أو عصرًا ولا يدري أيتهما قبل صاحبتها فإنه يصلي ظهرًا بين عصرين أو عصرًا بين ظهرين كما قدمناه. لأن بهذا العدد وهذه الرتبة يحاط بجميع حالات الشكوك. فإذا صلى الصلاتين أعاد ما بدأ به منهما. فإن كانت المعادة هي الأولى كانت المعادة لغ وَا واكتفي بما تقدم. وإن كانت هي الآخرة كانت البداية بها ملغاة وحصلت الرتبة بالإعادة. ولوانضاف إلى هذا
стр. 745
الشك في هاتين الصلاتين شك آخر وهو أن يشك بعد علمه أن إحداهما من سفر والأخرى من حضر في السفرية منهما حتى صار الشك في حالتين. إحداهما: هل الظهر قبل العصر أو بعدها وهل الظهر هي سفرية أو العصر؛ فإن في ذلك اختلافًا. ذكره ابن س القاسم في العتبية: أنه يصلي ست صلوات ظهرًا أو عصرًا تامتين ثم مقصورتين ثم تامتين فإن شاء بدأ بهما مقصورتين وختم بما بدأ به على حسب ما قلناه فيمن نسي ظهرًا أو عصرًا لا يدري أيتهما قبل صاحبتها.
والتعليل فيهما واحد. لكن بالجملة الأولى فيها شك واحد وهي الرتبة. فاكتفى فيها بثلاث. وهذه زاد فيها شك آخر وهو القصر والتمام. فضوعف العدد لتضاعف الشك. فصارت الثلاث ستًا. وذكر ابن سحنون عن بعض أصحابنا أنه رتب هذه الست على خلاف هذه الرتبة فيصلي ظهرًا تامة ثم عصرًا مقصورة ثم يعيد العصر تامة ثم الظهر مقصورة ثم يعيد الظهر تامة ثم الظهر مقصورة ثم العصر تامة.
ونقل ابن حارث هذا السؤ الذي كتابه فجعل شكه في الظهر والعصر هل هما سفريتان أو حضريتان؟ ونقل جواب ابن القاسم من المستخرجة الذي بدأ بذكره. وليس الأمر كما نقل عن المستخرجة. بل ذكر في المستخرجة أنه يعلم أن إحداهما سفرية وا لأخرى حضرية ولا يدري السفرية من الحضرية. ونقل عن ابن سحنون ما حكاه عن بعض أصحابنا لكنه جعل الأخيرتين عصرًا ثم ظهرًا خلاف ما نقله الشيخ أبو محمَّد أنه ظهر ثم عصر ولكنه مضى في نقله عن ابن سحنون على أن صورة السؤال أنه حكى عن أبيه قولين آخرين في السؤال الذي صوره: أحدهما أنه يصلي أربع صلوات ظهرًا حضرية وعصرًا سفرية ثم يعيد الظهر سفرية والعصر حضرية. قال ابن سحنون وهذا كله جوابه. ثم رجع عنه. فقال يصلي ست صلوات: ظهرًا تامة ثم يعيدها مقصورة ثم عصرًا تامة ثم يعيدها مقصورة. ثم ظهرًا تامة ثم يعيدها مقصورة. فصار في الجملة أربعة أقوال على ما نقل ابن حارث. ولكن هذا الذي حكي من القول الآخر المرجوع إليه ذكره ابن حبيب عن أصبغ في السؤال الذي نقلناه نحن عن المستخرجة أنه أجاب فيه بما نقلناه عن ابن القاسم من المستخرجة. وظاهر نقل ابن حبيب عن أصبغ أنه يشير إلى أن تصور السؤال على الصورتين مخالف بين الجوابين عنه. فأول ما يجب أن يعلم في هذا أن الجواب الذي حكاه سحنون أنه رجع إليه. ونقل ابن حبيب مثله عن أصبغ هذا الجواب الصحيح الذي أرى
стр. 746
أن يعتمد عليه. وهو جواب يصح على النقلين جميعًا على نقلنا ونقل ابن حارث (١)، وعليه يعول أئمة الحساب. ونحن نذكر أهل الحساب في هذا.
فإذا فرغنا منه تعقبنا ما سواه من الأجوبة. فالذي أصله الحساب في هذا أن من نسي ظهرًا وعصرًا لا يدري أيتهما قبل، فإنك تأخذ عدد المنسيات وهما اثنان فتضربهما في أقل منهما بواحد وذلك واحد في اثنين باثنين وتزيد على هذا العدد الصلاة الأولى فتكون ثلاث صلوات عصر أبي ن ظهرين على حسب ما قدمناه لك. ولو كان مع ذلك لا يدري سفريات ولا حضريات ولا إحداهما سفرية والأخرى حضرية فإن وجه العمل واحد، تأخذ هذه الثلاث صلوات الحضرية التي أدى إليها هذا الحساب فتعيد عند فراغك من كل حضرية تلك الصلاة بعينها سفرية ولو كان الذي نسي ثلاث صلوات حضريات صبحًا وظهرًا وعصرًا من ثلاثة أيام لا يدري أيتهما قبل. فإنك تضرب أيضًا العدد ثلاثة في أقل منها بواحد وهو اثنان فثلاثة في اثنين بستة. ثم يزيد الصلاة الأولى فيصير سبع صلوات فتبدأ بالصبح. فإذا كملت الثلاث أعدتها ثم أعدت ما بدأت به وهو الصبح. وإن كانت الثلاث صلوات لا يدري هل هي حضريات أجمع أو سفريات أجمع أو منهن حضريات ومنهن سفريات. فكل صلاة تقضى صلاة حضر وصلاة سفر.
وإذا صليت الظهر أولًا حضرية أعدتها سفرية. وكذلك العصر ثم يعيدها كذلك بتكريرهما فتبلغ عدد الصلوات إحدى عشرة صلاة الصبح ثم الظهر تامة ومقصورة ثم العصر كذلك ثم تعيد ما بدأت به وهو الصبح. فإن كان الذي نسي أربع صلوات صبحًا وظهرًا وعصرًا ومغربًا فتضرب أيضًا الأربعة في أقل منها بواحد وتزيد الصلاة الأولى فإذا ضربت ثلاثًا في أربع وزدت الصلاة الأولى بلغت ثلاث عشرة صلاة. هذا إذا كان يوقن أنها كلها حضرية فإن شك في السفر والحضر على حسب ما قلناه فيزيد مع كل صلاة حضرية تقضى صلاة سفرية فتبلغ سبع عشرة صلاة فيصلي صبحًا ثم ظهرًا تامة ومقصورة ثم عصرًا كذلك إلى المغرب ثم الصبح. فإذا كانت الصلوات المنسية المجهول رتبتها خمسًا فيكون عليه إحدى وعشرون صلاة لأنه تضرب الخمس في أقل منها بواحد. وذلك
стр. 747
خمس في أربع بعشرين. وتزيد الصلاة التي بدأت بها فيكون الجميع إحدى وعشرين صلاة. فإن كان مع ذلك شك في السفر والحضر على حسب ما قدمناه فيزيد مع كل صلاة تقصر صلاة سفر. ويكون التكرير في هذا على حسب ما تقتضيه الرتبة التي بيناها. وهذا على القول بأن ما لا يقصر لا يعاد إذا شك في يومه هل هو من السفر أو الحضر. وقد قدمنا في ذلك اختلافًا في المذهب. فإن قلنا بإعادته زاد تعداد الصلوات على ما رسمناه ولم يقصر الإعادة على ما تقصر خاصة.
وهذا إذا تدبروا حكم تصوره في الذهن، لم يصعب، وفرعت عليه ما شئت من المسائل بعد الآن إلى تعقب الأجوبة المتقدمة. فأما ما حكاه ابن حارث في السؤال الذي يصوره أنه يصلي أربع صلوات ظهرًا وعصرًا سفرية ثم ظهرًا سفرية ثم عصرًا حضرية فإنه ينحل من وجهين: أحدهما أنه يمكن أن يكونا جميعًا سفريتين. فالظهر مقدمة ولا يوجد في هذه الرتبة ظهر سفرية سابقة لعصر سفرية. والثاني أنه يمكن أن يكونا حضريتين والعصر مقدمة ولا يوجد في هذه الرتبة عصر حضرية سابقة لظهر سفرية. وأما من قال يصلي ست صلوات ظهرًا وعصرًا حضريتين ثم يصليهما سفريتين ثم يعيدهما كما بدأهما حضريتين وإن شاء بدأ بالسفر وختم به فإنه جواب صحيح على ما نقلناه نحن من المستخرجة.
وعلى ما يستقيم على ما نقله ابن الحارث عنها. لأنه إن بدأ بهما حضريتين وختم بمثل ذلك انحل عليه وجود عصر سفرية بعدها ظهر سفرية. وإن بدأ بهما سفريتين وختم بمثل ذلك، انحل عليه عصر حضرية بعدها ظهر سفرية. فكأنه إن بدأ بشيء انحل عليه وجود عكسه مع عكس الصلاتين في الحالين. وأما من قال يصلي ست صلوات ظهرًا حضرية ثم عصرًا سفرية ثم ظهرًا حضرية ثم عصرًا سفرية، فإنه صحيح على نقل الشيخ أبي محمَّد وتصويره السؤال على أنه إنما شك في عين أي الصلاتين صلاة سفر. وأما على ما صوره ابن الحرث من السؤال أنه شك هل هما جميعًا سفريتان أو حضريتان ونقله أنه يختم بالعصر سفرية. ثم الظهر حضرية، فإنه ينحل لعدم وجود ظهر سفرية بعدها عصر سفرية. وإن بنينا نقل ابن حرث السؤال على نقل الشيخ أبي محمَّد للجواب وهو عدم ظهر سفرية بعدها عصر سفرية. ومن هذا الباب لو أنه نسي صلاة
стр. 748
وتاليتها ولا يدري ما هما، فإنه يصلي الخمس صلوات على رتبتها في الشريعة. ويبدأ بالصبح ثم يعيدها إذا فرغ من الخمس صلوات التي تليها خاصة في هذه الرتبة، كيفما قدرت، وبإعادة الصبح يتحقق إتيانه بما نسي. لأنا نجوز أن تكون المنسية العتمة ثم الصبح. فلو لم يعد الصبح لم يتحقق براءة الذمة. ولو كان نسي صلاة وتاليتها ولا يدريهما أيضًا، فإنه يصلي ست صلوات يبدأ بالصبح ثم يمر بثالثيها وهي العصر. ثم الثالثة من هذه الثالثة وهي العشاء. ثم الثالثة من هذه الثالثة وهي الظهر. ثم الثانية من هذه الثالثة وهي المغرب. ثم يعيد الصبح. وإعادة الصبح ها هنا لما قلناه من جواز أن تكون المنسية، المغرب وثالثتها الصبح. فلولا الإعادة لم تتحقق براءة الذمة. ولو كان نسي صلاة ورابعتها فإن ما عليه ست صلوات أيضًا. الصبح ثم رابعتها وهي المغرب ثم رابعة الرابعة وهي الظهر. ثم رابعة رابعة هذه الرابعة وهي العشاء ثم رابعة هذه الرابعة وهي العصر ثم يعيد الصبح للمعنى الذي ذكرناه، لجواز أن تكون المنسية العصر. فلولا إعادة الصبح لم تتحقق براءة الذمة أيضًا. ولو كان نسي صلاة وخامستها فإنه يصلي أيضًا ست صلوات وليس عليه أكثر من هذا العدد ويعيد ما بدأ به فيصلي الصبح وخامستها وهي العشاء ثم خامسة هذه الخامسة وهي المغرب ثم خامسة هذه الخامسة وهي العصر ثم خامسة هذه الخامسة وهي الظهر. ثم يعيد الصبح للعلة التي ذكرناها. وهي لجواز أن تكون المنسية العشاء وخامستها الصبح فلولا الإعادة للصبح لم تتحقق براءة الذمة. ولو كان نسي صلاة وسادستها وحادية عشرها وسادسة عشرها على هذه السنة وهي أن تكون الصلاة الثانية بعد حصول الخمس فإنه يصلي عشر صلوات يصلي كل (١) * واحدة من الخمس ويعيدها فيصلي صبحين وظهرين وعصرين ومغربين وعشاءين. وإنما كان هذا كذلك لأنه إذا كانت الثانية بعد عدد له خمس كالسادسة والحادية عشر، والسادسة عشر فإن الصلاة الأولى مثل الثانية سواء.
والسادسة من الصبح صبح والسادسة من الظهر ظهر وكذلك الحادية عشر من الصبح صبح، ومن الظهر ظهر. فصار محصول السؤال أنه نسي صلاتين
стр. 749
متماثلتين من يومين لا يدري عين الصلاة فإن عليه صلاة يومين. فإن نسي صلاة واحدة من يوم واحد عليه الصلوات الخمس. فإذا علم أنه نسي مثل تلك الصلاة من يوم آخر صار عليه صلاة يومين. وهذا واضح. وإنما ذكرنا هذه المسائل ليكد الطالب فيها فهمه فيكتسب من كده بفهمه فيها انتباهًا وتيقظًا فيما سواها من المعاني الفقهية وغيرها مما يطالعه. وفيما أوردناه منها كفاية.
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ومن فاته بعض الصلاة (١) قضى أولها كما فعل الإِمام.
قال الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن المأموم يقضي كما فعل الإِمام؟.
٢ - وهل الفذ يكون فيما بطل من صلاته قاضيًا كالمأموم أم لا؟.
٣ - وما حكم المأموم إذا فاته شيء من صلاة الإِمام بعد دخونه فيها وهو بصقة من تُفكِنه الصلاة كالناعس والغافل؟.
٤ - وما حكمه إن كان بصفة من لا تمكنه الصلاة كالراعف؟.
٥ - وما حكمه إذا سبق إمامه بالفعل؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف قول مالك فيما أدركه المسبوق من صلاة الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ فروي عنه أنه أولها.
وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن. وروي عنه أنه آخرها وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. قال القاضي أبو محمَّد في إشرافه وهو المشهور عن مالك.
وفائدة هذا الاختلاف النظر في الصفة التي يفعل المأموم، هل يفعل كما يفعل إمامه في أقواله وأفعاله، أو في القول الذي هو القراءة دون ما سواها من الأفعال التي هي قيام وقعود. أو يفعل على حكم نفسه غير ملتفت لفعل إمامه؟ فتنازع المتأخرون في تأويل هذا الاختلاف. فذهب جمهورهم: إلى أن المذهب لم يختلف في حكم قيام المأموم وقعوده أنه يفعله على مقتضى صلاة نفسه لو كان منفردًا لا على مقتضى ما فعله إمامه. وذهب بعض أشياخي إلى أن المذهب
стр. 750
يختلف في حكم قيامه وقعوده، هل يعمل فيه على حكم نفسه لو كان منفردًا أو على فعل إمامه؟ فأما الجمهور فإنهم يستدلون بأجوبة المتقدمين من أصحاب مالك في آحاد مسائل سنذكرها في قضاء الراعف. وهي مشتملة على أنه وإن اعتبر في القراءة حكم إمامه، فإنه يعتبر في القيام والقعود حكم نفسه. ومن آكد ما يستدلون به من هذه المسائل قول مالك في المدونة: فيمن أدرك ركعة من الظهر أنه يأتي في أول قضائه بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويجلس؛ لأنها وسط صلاته. ثم بركعة أخرى يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم منها ولا يجلس لأنها ثالثته. فأنت ترى مالكًا كيف فرق في هذه الركعة الثالثة بين القراءة وبين القيام والقعود. فجعله في القراءة قاضيًا لأنها ثانية. وفي القيام بانيًا لأنها ثالثة المصلي. وقد قال الشيخ أبو محمَّد: لا خلاف بين مالك وأصحابه أن القاضي إنما يفترق من الباني في القراءة فقط لا في قيام أو جلوس. وإن كل مأموم فقاض. وكل فذ أو إمام فبان. وأما شيخنا هذا الذي ذهب إلى إجراء (١) القولين في القيام والقعود فإنه يحتج بعموم إطلاق ما نقل من الخلاف عن مالك، ولم يفصل الناقلون عنه القراءة من (٢) القيام والقعود. ويحتج أيضًا بقول القاضي أبي محمَّد ها هنا أنه يقضي كما فعل الإِمام. وبقوله في موضع آخر: إن مقتضى القول إن الفائت هو أول الصلاة، أن يقضي من فاتته ركعتان من المغرب ركعتين لا جلوس بينهما. وينفصل عما تعلق به الآخرون من مسألة المدونة بأنه إنما أمره بان يقرأ في الثالثة بسورة مع أم القرآن وإن كان عنده بانيًا على حكم نفسه احتياطًا لأجل الاختلاف في ذلك. والذي قاله الأولون هو الصحيح. ومن تتبع أقاويل سلف المذهب ومسائلهم في هذا الباب علم أنهم لا يختلفون في القيام والقعود. ولم يرد ما رتب (٣) عليه من ذلك بإطلاق القاضي أبي محمَّد ها هنا. وليس إطلاقه بأعظم من إطلاق مالك رحمه الله تعالى. وقد حمله بعض أصحابه على ما ذكرناه عنهم. وكذلك يجب أن يحمل إطلاق
стр. 751
أبي محمَّد ها هنا. وأما ما أشار إليه في صلاة المغرب فلا معتصم لشيخنا هذا فيه. لأنا لو سلمنا أن طريقة القاضي أبي محمَّد كطريقته، لكان ما أشرنا إليه من الروايات يرد عليه. فكيف ومن الممكن أن يكون القاضي أبو محمَّد إنما أراد بهذا مناقضة لمن ركب أحد القولين وتصحيحأ للقول بالبناء. وإن المُدرَك هو أول الصلاة، لا على أن ذلك قولًا قيل في المغرب. كيف وقد قيل (١) يجهر بالقراءة فيهما مع كونه يجلس بينهما ففرّق بين القراءة والجلوس. وتأويل مسألة المدونة بأنه فعل ذلك احتياطًا لا معنى له. لأنه قد يغلب عليه. فيقال ولعل الذي قاله في القراءة هو الأصل وإنما جلس في أول قضائه احتياطًا. وبالجملة فلا معني إخراجه الرواية عن ظاهرها بغير دليل يلجئ إلى ذلك وعلي هذا يعتمد فيها. لأنه قد يصح الاحتياط بزيادة سورة فلا يصح الاحتياط بالجلوس في غير موضعه. لأن الزيادة في القراءة لا تفسد الصلاة .. والجلوس تعمدًا في غير موضعه قد يفسد الصلاة. فإن قيل إذا صححتم طريقة من قال إن المذهب لا يختلف في القيام والقعود، فعلى ماذا تحملون الخلاف المنقول عن مالك. قيل المشهور من مذاهب الأشياخ أنه يحمل على حالين. فما روي عنه أن المدرك هو أول الصلاة فمحمول على اعتبار القيام والقعود على حكم نفسه.
وأما ما روي عنه أنه آخرها فمحمول على اعتبار القراءة على ما كان الإِمام يقرأ.
وأما مذهب شيخنا الذي قدمناه فإن الاختلاف عنده محمول على ظاهره في القيام والقعود وفي القراءة. وأظن أن بعض الأشياخ كان يميل إلى حمل الخلاف على القراءة خاصة دون القيام والقعود. فأما من يقول إن المدرك هو أول الصلاة، فإنه يحتج بقوله ﵇: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٢). والتمام إنما يكون بعد حصول الأول. وأما من يقول إن المدرك هو آخر الصلاة، فإنه يحتج بقوله: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" (٣). وهذا
стр. 752
يقتضي أن المدرك هو آخر الصلاة. لأنه جعل الفائت يقضى. والقضاء يحل محل الأداء. ولو لم يفت وأدى لكان أولًا بإجماع. فإذا فات وعبر عنه بالقضاء، دل على أنه يفعل على أنه أول. ويؤكد هذا وصفه بالفوات. وذلك (١) يشير إلى أن الأول فات، فيؤدى على حسب ما فات. وقد تأولت كل طائفة خبر الأخرى. فمن تعلق بقوله: "وما فاتكم فأتموا" يحمل على قوله: "وما فاتكم فاقضوا". على أن المراد به فأدوا. وقد يكون القضاء بمعنى الأداء بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٢). ومعنى القضاء ها هنا الأداء لا خَلفُ ما فات. ويدفع عن هذا التأويل بأن الظاهر في الخبر أن يحمل القضاء على خلف ما فات. لأن ذكر الفوات قبل القضاء يشعر أن المراد به ما قلناه. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ ليست هناك صلاة فائتة. فلهذا لم تحمل الآية على خَلَف ما فات. وأيضًا فإن قوله: "فما أدركتم فاقضوا" أمر بالأداء. وقد قابله بقوله: "وما فاتكم فاقضوا". وهذه مقابلة تقتضي أن يكون القضاء ها هنا بخلاف الأداء. ومن تعلق بقوله: "وما فاتكم فاقضوا" يحمل على قوله: ﴿فَأَتِمُّوا﴾. على أن المراد به الإكمال (٣) الذي هو ضد النقصان. والإكمال (٣) لا يقتضي أولأولا آخرًا. وقد يبتدأ الشيء من آخره فيكمل بأوله. ويبتدأ من أوله فيكمل من آخره. وتنازعت أيضًا الطائفتان طرق الاعتبار، فيحتج من يقول المدرك أول الصلاة، بأن التحريم أول الصلاة فيجب أن يكون الذي يليه أولها أيضًا. وجتج من يقول إنه آخرها بأن المدرك لو كان أول الصلاة لكانت نية المأموم ونية الإِمام يختلفان. لاعتقاد الإِمام أن ركعته آخر الصلاة. واعتقاد المأموم أنها أول الصلاة. وقد قال ﵇: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" (٤).
стр. 753
وقال: (فلا تختلفوا عليه). واختلاف هذين في هذا الاعتقاد ركوب لهذا النهي.
ولأن المدرك لسجدة يسجدها مع الإِمام ولا يعتد بها. فلو كان بانيًا على حكم تحريم نفسه لما صح أن يسجد ما لا يعتد به. وإنما سجد ما لا يعتد به لأنه بأن على حكم الإِمام.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الفذ فإذا بطلت إحدى ركعات صلاته، مثل أن يذكر في آخر صلاته أنه نسي سجدة من الأولى. فإن المذهب على قولين. هل يكون في الركعة التي يأتي بها عوضًا عما بطل قاضيًا أو بانيًا؟ فقال ابن القاسم وغيره يكون بانيًا بخلاف المأموم. وقال أشهب وغيره يكون قاضيًا كالمأموم. فوجه ما ذهب إليه ابن القاسم أن الفذ لو كان قاضيًا فيما بطل حتى يجب أن يقرأ فيما يأتي به عوضًا عن الأولى بأم القرآن وسورة لأذى ذلك إلى عكس الترتيب. وأن يكون المفعول آخرًا هو المعتقد أولًا. وأن يكون المقروء في آخر الصلاة أم القرآن وسورة. وذلك خلاف للترتيب. وما أدى إلى خلاف الترتيب (١) فمعدول عنه. وإنما استخف في المأموم مخالفة هذه الرتبة مراعاة لرتبة أشد منها وهي المخالفة على الإِمام. فلو لم يعتقد فيما أدركه أنه آخر صلاته، والمفعول آخرًا أولهلالخالفت نيته نية الإِمام. ومخالفة الإِمام قد نهي عنها. ولما كان الفذ لا يتوقع في مخالفته الرتبة الوقوع في مخالفة في (٢) رتبة أشد منها، بقي على الأصل الذي قلناه.
ووجه ما ذهب إليه أشهب أن الفذ لو كان بانيًا لأدّي أيضًا إلى فساد الرتبة من ناحية النية. بأن (٣) تصير الركعة التي فعله ابن ية كونها ثانية أولى، وتصير الثالثة ثانية. وتبدّل نيات الركعات يؤثر في الاعتداد بها. ألا ترى قوله في المدونة في ناسي سجود الأولى وسجد للثانية ولم يركع لها إنه لا يجزيه ذلك عن سجود الأولى. لأنه إنما سجد بنية الثانية. فرأى أن نية الأركان قض من تبدلها.
стр. 754
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا غُلب المأموم عن أن يفعل ركنًا من أركان الصلاة كالركوع والسجود، فهل يفعله بعد فراغ الإِمام منه أم لا؟ لا يخلو هذا الركن من أحد قسمين. إما أن يكون ركوعًا أو سجودًا. فإن كان ركوعًا وغلب على فعله قبل أن يشرع الإِمام نيه حتى فرغ منه الإِمام وفعله ورفع رأسه من ركوعه، فعنه في ذلك ثلاث رواييات. إحداها أنه يقضي ما فاته.
والثانية أنه لا يقضيه ويلغي تلك الركعة. والثالثة التفرقة بين أن يكون عقد ركعة أو لم يعقدها. فإن كانت هذه الغلبة في أول ركعة ألغاها. وإن كانت في ركعة ثانية (١) مما بعدها قضى ما فاته. فوجه القضاء أنه قد حصل مؤتمًا بالإمام وواجب عليه الاقتداء به. فإذا منع من الائتمام به، عاد إليه بعد زوال المانع. ولا يكون هذا ممنوعًا كما يمنع من قضاء ما فاته قبل الدخول حتى يفرغ من الصلاة. لأن هذا فاته ما لزمه أن يقتدي بإمامه فيه والآخر فاته ما لم يتوجه عليه الاقتداء به فيه. ووجه نفي القضاء فيه قياسًا على ما فات قبل دخوله في الصلاة. ووجه التفرقة بين الركعة الأولى وما بعدها أن من عقد ركعة حصل بها مدركًا للصلاة.
ومن أدرك الصلاة قضى ما فاته مع الإِمام وهو في الصلاة. ومن لم يدرك ركعة فدم يحصل له ما يبيح له القضاء قبل فراغ الإِمام (٢). بل صار كمن فاته شيء قبل الدخول في الصلاة. وإذا وجب القضاء فإنه إنما يجب بشرط أن لا يفوته أن يفعل مع الإِمام ما هو آكد من تشاغله بالقضاء. واختلف في هذا الذي هو آكد، فقيل هو سجود الركعة التي غلب على ركوعها. وقيل بل هو عقد الركعة التي تليها. فوجه القول باعتبار السجود وهو المشهور أن السجود مجمع على كونه فرضًا وهو ركن من أركان الصلاة. فلا وجه لأن يتشاغل بقضاء ركن فات، حتى يفوته ركن آخر هو حال.
ووجه القول باعتبار عقد الركعة التي تليها أن الركعة وإن كانت مركبة من أجزاء مختلفة، فهي في حكم الشيء الواحد الذي لا يتعدد. فركوعها وسجودها كالشيء الواحد. فإذا دخل الفوات في بعضها لم يعتبر ذوات البعض الآخر
стр. 755
ها هنا. وإذا لم يعتبر فلا ركن بعد ذلك إلا الركعة التي تليها. والركعة التي تليها تشتمل على قراءة وركوع. والقراعة لا تجب على المأموم. فوجب اعتبار عقد الركعة. فإن قلنا باعتبار السجود، فهل تعتبر السجدتان جميعًا أم الأولى منهما؟ في ذلك قولان. المشهور منهما اعتبار السجدتين جميعًا لأن بهما تفرغ الركعة.
والثاني اعتبار السجدة الأولى لأنها ركن وفرض مجمع عليه، فوجبت مراعاتها ومحاذرة فواتها. وهذا القول ذكره ابن أبي زمنين عن بعض أشياخه (١). فقال معنى القول إنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجودها: معناه السجدة الثانية. وقد سألت عنها أحمد بن عبد الله اللؤلئي ففسره لي كذلك. وذلك أن بعض أصحابنا خالفني فيها وقال يعني (٢) السجدة الأولى.
وإذا قلنا باعتبار الركعة فما عَقْدُها ها هنا؟ المنصوص رفع الرأس منها.
ويتخرج على القول الآخر تمام الانحناء فيها. ومن شرط إجازة القضاء لمن غلب على الركعة (٣) أن يمكنه بعد إحرامه فعلها مع الإِمام. فأما لو أحرم والإمام راكع فلم يمكنه الركوع حتى رفع الإِمام لأن الزمن الذي بين إحرامه ورفع الإِمام لا يحمل الركوع، فإنه لا يقضي هذا الركوع. وقد فاتته الركعة من غير خلاف في المذهب. ومن شرط الركعة الحائلة أيضًا بينه وبين قضاء ما فاته أن يكون فيها متمكنًا من متابعة الإِمام تصح مخاطبته بذلك.
وأما لو نعس عن ركوع الإِمام وتمادى نعاسه إلى أن عقد ركعة أخرى، فإنه لا يمنعه ذلك من إصلاح أول ما نعس فيه من الركعات. لأنه غير مخاطب حال نعاسه في الركعة الثانية بمتابعة الإِمام فيها. وإن كان هذا الركن المغلوب عليه سجودًا فإنه يتبع الإِمام ما لم يعقد الركعة التي تليها بأن يرفع رأسه منها.
قاله في المدونة في المزاحم في صلاة الجمعة عن سجود الأولى أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من التي تليها وعلى القول بان عَقْد الركعة تمام الانحناء يتبعه ما لم يتم انحناؤه ويُكمل ركوعه. ولو اعترته هذه الغلبة وهو في ركوعه لم يرفع رأسه
стр. 756
فإنه يؤخذ حكمه مما قدمناه. فإن قلنا أن عقد الركعة رفع الرأس منها، صار هذا كالمغلوب قبل أن يركع الإِمام. وقد تقدم حكمه. وإن قلنا أن الركعة تنعقد بتمام الانحناء فهو كالمغلوب بعد رفع الإِمام رأسه يتبع الإِمام ما لم يعقد التي تليها. والغلبة المعتبرة في هذا: النعاس والغفلة.
وأما المزاحمة ففيها قولان. أحدهما: وهو مذهب ابن القاسم أنها بخلافهما لا يباح معها قضاء ما فات من الركوع. لأن الزحام فعل آدمي يمكن التحرز منه. فعد المزاحَم عن الركوع مقصرًا، فيلغي تلك الركعة. والناعس والغافل مغلوبان بفعل الله تعالى لا صنع للخلق فيه فعذرا. والثاني وهو مذهب أشهب وابن وهب وعبد الملك أنها مثلهما يباح معها قضاء ما فات. قال عبد الملك المزاحم أعذر لأنه مغلوب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الراعف إذا رعف بعد أن عقد مع الإِمام ركعة فخرج لغسل الدم ثم رجع فوجد الإِمام قد صلى بعده ركعة، فإنه لا يتشاغل بقضائها. بل يدخل مع الإِمام بما هو فيه. فإذا فرغ من صلاة الإِمام قضى ما فاته معه. وقد يقع في النفس أن منع مالك ﵀ للراعف أن يقضي ما فاته قبل فراغ صلاة الإِمام يشير إلى خلاف ما كنا قدناه من أن الناعس إذا تمادى نعاسمعتى عقدت عليه ركعة ثانية، فإنها لا تحول بينه وبين إصلاح ما نعس فيه أولًا لما كان غير مخاطب باتباع الإِمام في حال نعاسه. وهذا الذي قلناه في الناعس مما اختاره بعض أشياخي. وقد يفرق بين الناعس والراعف، أن الراعف خرج من الصلاة وفارق الإِمام. وإنما رخص له في العودة إلى الصلاة *بعد الخروج منهالأمر سنذكره في موضعه. فصار ما فعله الإِمام وهو مفارق له خارجًا عن صلاته، كما فعله* (١) قبل أن يدخل معه في الصلاة. فلما كان لا يقضي المسبوق ما فاته قبل دخوله في الصلاة، فكذلك الراعف لا يقضي ما فاته بعد خروجه من الصلاة. لأن الإِمام فعل ما فعل والمسبوق والراعف خارجان عن صلاته. والناعس لم يخرج عن صلاته ولا معه ما يمنعه من متابعة الإِمام من ناحية الشرع. والراعف لو حاول متابعة الإِمام قبل غسل الدم لمنع من
стр. 757
ذلك من ناحية الشرع. مع أن الراعف، الغالب عليه أن تفوته أركان كثيرة من الصلاة لا يمكن قضاؤها وإدراك الإِمام. والغالب في الناعس أنه إنما تفوته أركان يسيرة يمكنه فعلها وإدراك الإِمام. إذ لو نام نومًا طويلًا لانتقضت طهارته. فهذا أقصى ما يمكن أن يفرق به بين الناعس والراعف فيما قبناه. وهذا الراعف إذا قضى ما فاته، فإنه (١) يقرأ فيه بما كان الإِمام يقرأ فيه. وقد يجتمع على الراعف خطاب بقضاء وبناء، بان يفوته شيء قبل الدخول في الصلاة فيوصف فعله فيه بأنه قضاء، وبعد دخوله فيها فيوصف فعله فيها بأنه بناء، فاختلف بأيهما يبدأ: فقيل بالبناء وإليه ذهب ابن القاسم وقيل بالقضاء وإليه ذهب سحنون. ومئال ذلك أن يصلي الراعف الركعة الثانية لا أكثر، أو الثالثة لا أكثر، أو إياهما جميعًا لا أكثر. فإن قلنا بتقدمة البناء قرأ في أول ما يأتي به بأم القرآن لا أكثر حتى يفرغ مما عليه من أفعال البناء. لأنه إنما يتصور البناء ها هنا في الركعتين الأخيرتين من الصلاة أو إحداهما. وإن قلنا بتقدمة القضاء قرأ على حسب قراءة الإِمام فيما سبقه به ثم يعود بعده إلى البناء. واختلف القائلون بالبناء إذا فرغ منه وصادف فراغه منه موضع قيام على عدد ركعاته هل يقوم مراعاة لمقتضى صلاته لو انفرد أو يجلس لأن القضاء لا يقام إليه إلا من جلوس؟ فقال ابن حبيب لا يجلس. وكأنه رأى أنه إنما جلس من عليه قضاء مع الإِمام لئلا يخالفه. فإذا لم يكن إمام يحاذر مخالفته بني في القيام والقعود على حكم نفسه على ما ذكرنا أنه أصل المذهب. وقال ابن القاسم بل يجلس وكأنه رأى أنه لما كانت رتبة القضاء ألا يقام إليه إلا من جلوس، أمر هذا بالجلوس، وإن لم يكن في موضعه مراعاة لهذه الرتبة. وهكذا اختلف المذهب فيمن ليس عليه بناء وقام إلى القضاء وكان قيامه من جلوس لم يقع في موضعه لو كان فذا كمدرك ركعة أو ثلاث. فالمشهور أنه يقوم بغير تكبير؛ لأن جلوسه مع الإِمام إنما كان محاذرة للمخالفة. فهو كالعدم فقدرت تكبيرته عند رفع رأسه من السجود كأنها مقارنة لقيامه للقضاء. وقيل يقوم بتكبير. وكأن هذا قدر أن
стр. 758
الجلوس فاصل بين تكبيره وقيامه، فلا بد أن يأتي بتكبير لافتتاح القيام. وقدّر أن التكبير في الوتر من الركعات لرفع الرأس من السجود لا للقيام، وقد فعله.
ولو كان جلوسه في موضع الجلوس لاتفق على أنه يقوم بتكبير. وما ذكرناه من اختلاف القائلين بالبناء في الجلوس يتصور فيمن أدرك الثانية والثالثة لا أكثر، ثم أتى بعد غسل الدم بالرابعة. فهي رابعة إمامه فيجلس فيها عند ابن القاسم ليقوم للقضاء من جلوس. ولا يجلس عند ابن حبيب؛ لأنها ثالثته (١). وكذلك لو أدرك الثانية لا أكثر، كان بانيًا في ركعتين يجلس في الأولى منهما لأنها ثانيته، ويختلف في الثالثة منهما على ما تقدم. ولو كان مدركًا للثالثة لا أكثر لارتفع الخلاف ها هنا إذا أتى بالرابعة؛ لأنها موضع جلوس لإمامه وله لو انفرد.
فوجه البداية بالبناء أن المسبوق لو لم يرعف لأتى ببقية الصلاة قبل قضاء ما سُبق به. فإذا رعف في بقية الصلاة بقيت هذه الرتبة في استحقاق النية المتقدمة على ما فات على حاله لا تتغير. ووجه القول بتقدمة القضاء، أن الأصل تقدمته لأنه أول الصلاة. وإنما آخره المسبوق إلى الفراغ لئلا يخالف الإِمام ويقع في صلاتين معًا ويكون شغله بقضاء ما سُبق يمنعه من فعل ما لحق. فإذا زالت هذه العلل عادت الرتبة لأصلها. وقد أشار (٢) إلى هذا سحنون فقال: إنما كان يبني أولًا قبل القضاء اتباعًالإمامه. وهذا الذي صورناه في اجتماع (٣) القضاء والبناء في الراعف يتصور في حاضر أدرك من صلاة مسافر ركعة فإنه ما فاته يعد قضاء وما يكمله من صلاة الحاضرة يعد بناءً. وقد كنا قدمنا أن في مسائل الراعف ما يشير إلى صحة ما قاله الجمهور من الأشياخ أن القيام والقعود لا يختلف المذهب فيهما. فمن ذلك قول ابن القاسم فيمن أدرك الثانية من الظهر بسجدتيها ثم رعف فخرج لغسل الدم، فإذا الإِمام قد فرغ، أنه يبني ثم يقضي يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانيته ثم يأتي بأخرى بأم القرآن ويجلس كما كان يفعل إمامه ثم يأتي بركعة القضاء بأم القرآن وسورة. وهكذا فرع مسائل الراعف من
стр. 759
قدمنا قوله من الأشياخ أن المذهب يختلف في القيام والقعود وجرى في تعريفه على أن القيام والقعود يراعى فيه حكم نفسه غير معرج على إشارة للخلاف فيه.
فهذا الراعف *المدرك للثانية من الظهر، جعله يجلس في ثانيتها وإن كان الإِمام لا يجلس في ثانيتها، فلم يعتبر فعل الإِمام. وقد لا يتضح الفرقان بين نفي اعتباره ها هنا واعتبار فعله مما (١) سواه من ليس براعف. وقد يتعلق ها هنا بأمر ابن القاسم له* (٢) بالجلوس في رابعة الإِمام وإن كانت ليست بموضع جلوس.
وقد كنا قدمنا الاعتذار عن هذا. ووجهنا أمره بالجلوس. ولما كانت صلاة الظهر يستغرب الجلوس فيها إلا مرتين كثر في الأولى (٣) امتحان الخواطر. فإن قيل كيف يتصور صلاة ظهر يجلس في الأربع ركعات كلها. ومسألة ابن القاسم هذه فيها (٤) يجاوب عن ذلك؛ لأن مدرك الثانية من الظهر جلس فيها متابعة للإمام، فلما عاد بعد غسله الدم وقد فرغ الإِمام من الصلاة جلس في أول ما يقضيه لأنها ثانية، وفي الثاني مما يقضيه لأنها رابعة الإِمام ولا يقوم للقضاء إلا من جلوس. وجلس في ركعة القضاء لأنها آخر صلاته فقد صارت صلاة الظهر كلها جلوسًا.
والجواب عن السؤال الخاص: أن يقال: المأموم حكمه أن يتابع إمامه ويقتدي به في أفعاله لقوله ﷺ : " "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" (٥). والائتمام يقتضي أن تكون أفعال المأموم بعد أفعال الإِمام، إذ السابق له غير مؤتم به.
وقد قال ﵇: "أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالقيام ولا بالانصراف" (٦). وكذلك فاعل الفعل مع إمامه معًا، لا تحصل له حقيقة الائتمام لأن الفعلين إذا وجدا في زمن واحد فليس أحدهما بأن يقال فيه هو تبع للآخر أولى من الآخر بأن يقال ذلك فيه. فأما مسابقة الإِمام فلا شك في منعها.
стр. 760
فإن فعل وسبقه بأن يركع ويرفع ساهيًا قبل إمامه فذلك ملغى غير معتد به.
وعليه متابعة الإِمام فيما يفعله بعد ذلك من الركوع، وإن لم يرفع رأسه من ركوعه حتى حصل الإِمام راكعأولكنه رفع قبله فإنه إن كان (١) لم يتابع الإِمام في حال ركوعه بمقدار الفرض من الركوع فحكمه حكم من رفع قبل ركوع إمامه، فإن كان قد تابع الإِمام في حال ركوعه بمقدار الفرض فركوعه معتد به لحصول متابعة الإِمام بمقدار الفرض. فإذا حصل الركوع معتدًا به وخالف في الرفع قبل إمامه، فإن علم أنه يقدر على أن يعود للركوع ليتابع الإِمام في الرفع فعل ذلك.
لأن المتابعة مأمور بها ولم يفت محلها. فتركه العود للمتابعة مع القدرة عليها مخالفة على الإِمام. وإن علم إن عاد لا يدركه راكعأولا يقدر على متابعته في الرفع فهل عليه أن يعود أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يعود وإليه ذهب مالك وأشهب. والثاني أنه يعود وإليه ذهب سحنون، وأمره إذا عاد أن يبقى بعد الإِمام
بقدر ما انفرد الإِمام به بعده.
فوجه قول مالك إنه قد خالف الإِمام فيما انتقل عنه الإِمام فلا يتلافى هذه المخالفة بمخالفته فيما عليه الإِمام الآن. فلما كان تلافي المخالفة لا يمكن إلا بمخالفة لم يأمره مالك بذلك.
ووجه قول سحنون أنه يجب أن يعود للمتابعة وإن أدى ذلك إلى مخالفة في الحال كما فعل ذلك من فاته بعض الركعة مع الإِمام فإنه يفعله وإن خالف الإِمام في الحال، لا سيما إن (٢) قلنا بأن الرفع من الركوع فرض، ولكن ليس في هذا التوجيه ما يقتضي أمر المأموم بلبث ما انفرد الإِمام دونه. لأن الغرض تلافي ما خالف فيه الإِمام من المتابعة. وذلك يحصل بالعودة والرفع بعده من غير مراعاة لبث (٣).
ويمكن عندي أن يكون وجه اللبث أن مقدار ما انفرد به الإِمام بلبثه قد كان مما يؤمر المأموم فيه بمتابعة الإِمام. فالعودة وإن لم تكن لأجله فإنها إذا
стр. 761
وجبت وجب أن تعود المتابعة على حسب ما كانت. وقد كان مقدار ما انفرد الإِمام به مما تجب المتابعة فيه. وقد قال مالك فيمن ظن أن الإِمام قد رفع رأسه فرفع هو رأسه فإذا الإِمام لم يرفع، فإنه يرجع فيسجد ثم يرفع برفع الإِمام ولا يتخلف عنه إلا أن يكون لم يتم السجدة فليتمها. فأمره ها هنا بأن لا يتخلف ولم يعتبر مقدار ما فاته من سجود الإِمام حال تشاغله بالرفع فيامره أن يتخلف بقدره. ويمكن عندي أن يكون إنما لم يأمره ها هنا بالتخلف لأجل أن في التخلف مخالفة الإِمام في الرفع، والرفع فرض مقصود. فلا تصح مخالفة الإِمام فيه في الحال لزيادة لبث في هذه السجدة على مقدار الفرض وقد فات. فهذا حكم الرفع قبل الإِمام.
فأما الخفض قبله لركوع أو سجود فإنه إن قام بعد ركوع الإِمام راكعًا (١) أو بعد سجوده ساجدًا مقدار فرضه صحت صلاته. وإن كان قد أخطأ في سبقه الإِمام وإن لم يقم بعد ركوع الإِمام وسجوده مقدار فرضه لم يصح ركوعه ولا سجوده، وعليه أن يرجع لاتباع الإِمام بالركوع والسجود على حسب الواجب، وقد تقدم في تفاصيل الكلام بيانه. وقد روي عن مالك أنه قيل له فيمن سبق الإِمام بالسجود ثم سجد الإِمام وهو ساجد فهل يثبت على سجوده أم يرفع رأسه ثم يسجد؟ فقال يسجد كما هو إذا أدركه الإِمام بسجوده وهو ساجد. وقد اختلفت إشارات المتأخرين في هذا الأصل فأشار بعضهم إلى أنه لا يختلف في هذا الذي قاله مالك من بقائه ساجدًا ولا يرفع ليسجد بعد الإِمام. وذكر أنه لم يختلف المذهب في أن الخفض للركوع والسجود مقصود وإنما المقصود الركوع والسجود. وأشار إلى أن الإتفاق للمذهب على كونه غير مقصود يمنع من إجراء الخلاف في رفعه ليخفض بعد إمامه.
وأشار بعض أشياخي إلى أن إجراء الخلاف فيه مما ذكرناه من الرفع قبل الإِمام؛ لأن الغرض حصول المتابعة في الرفع فكذلك في الخفض. وقد قال مالك في الأعمى يخالف إمامه في فعله إن كان ركوعه وسجوده قبل الإِمام فليستأنف الصلاة دان كان بعد ركوع الإِمام وسجوده بقليل فلا بأس به.
стр. 762
ومحمل قوله إذا ركع قبل الإِمام أو سجد قبله على أنه فعل الركوع والرفع منه قبل أن يركع الإِمام أو السجود والرفع منه قبل أن يسجد الإِمام. فأما لو ركع قبله أو سجد قبله وبقي راكعًا أو ساجدًا حتى ركع الإِمام أو سجد لكان حكمه على التفصيل الذي قدمناه فيمن فعل ذلك سهوًا أو غلطًا. وأما قوله إن فعل ذلك بعد الإِمام بقليل فلا بأس به. فلا معنى لاشتراطه القرب. بل حكمه حكم الناعس والغافل يقضي ما فاته به الإِمام إذا ركع الإِمام ورفع قبل أن يركع، أو يسجد ورفع قبل أن يسجد ما لم يمنع من قضاء ما فات من ذلك مانع قد ذكرناه في مسألة الناعس، إلا أن يريد مالك أن الأعمى يمكنه التحرز من مخالفة الإِمام فيصير كتعمد الفوات فإن هذا يمنع من قضاء ما فات إذا بعد. فهذا صحيح فيما بعد. ولكنه يلزم عليه منع قضاء ما قرب إذا صار كالمتعمد لأن يفوته الركوع والرفع منه. وهذا حكم المسابقة في الأفعال.
وأما المسابقة في الأقوال فإن الأقوال على قسمين.: فضائل وفرائض. فأما الفضائل فإنه ينهى عن تقدم الإِمام فيها فإن تقدمه فيها لم تفسد الصلاة لأن تركها مما لا يفسد الصلاة، ففعلها قبل الإِمام كالترك لها. وأما الفرائض كالإحرام والسلام فإن تقدم الإِمام في أحدهما عمدًا لم يعتد بصلاته. وإن تقدمه سهوًا لم يعتد بها في الإحرام؛ لأنه عقد صلاته غير مؤتم. واعتد بها في السلام، وحمله عنه الإِمام كما يحمل عنه سهو الكلام. فهذا حكم مسابقة الإِمام في الأفعال والأقوال.
وأما تأخره عنه بأن يدخل في الفعل بعد خروج الإِمام عنه فإن تعمد هذا ممنوع. وأما فعله مع الإِمام معًا، فلا خلاف في الإحرام والسلام والقيام من اثنتين في أنه لا يفعل ذلك مع الإِمام معًا. وأما ما سوى ذلك من الركوع والسجود والتكبير ففيه قولان: أحدهما وهو الأظهر أنه لا يفعل ذلك إلا بعده، فلا يركع حتى يراه راكعًا ولا يسجد حتى يراه ساجدًا لقوله ﵇: "إذا ركع فاركعوا" (١). والفاء هنا للتعقيب والثاني أن له أن يفعل ذلك معه. وروي
стр. 763
ذلك عن مالك ولا وجه له فإن تقارن فعل الإِمام والمأموم فأَما الإحرام والسلام ففيهما قولان: أحدهما أنه يعيد الإحرام، فإن لم يفعله أجزأته صلاته *والثاني أنه لا يعتد بذلك الإحرام المفعول مع الإِمام ولا تجزيه صلاته ويعيدها أبدًا* (١). وقد قدمنا فيما سلف ذكر الخلاف في هذه المسألة. وقول محمَّد بن عبد الحكم إذا لم يسبق الإِمام بشيء من حروف التكبير لم تُجْز المأموم صلاته.
وأما الركوع والسجود فإن فعل الإِمام منه أكثر من مقدار الفرض صحت صلاة المأموم لأنه قد اتبع الإِمام في مقدار الفرض وفيما يقع عليه اسم ركوع وسجود، وهذا بخلاف تكبيرة الإحرام على القول بمنع الاعتداد بالصلاة. لأن الركوع والسجود يدوم ويتكرر منه مقدار الفرض، وما يقع عليه اسم ركوع.
وتكبيرة الإحرام لا تكرر فيها وهي فرض واحد لا يتبعض ولا يقع عليه اسم (٢) تكبير. وإن كان الإِمام لم يأت من الركوع إلا بمقدار الفرض فقد أجراه بعض المتأخرين على الاختلاف في تكبيرة الإحرام إذا وقعت مقارنة لإحرام الإِمام لما لم يحصل ها هنا من المأموم متابعة كما لم تحصل في تكبيرة الإحرام. وقد حصلت المتابعة لامام إذا زاد على مقدار الفرض والاقتداء به فيما يسمى ركوعًا وسجودًا فلهذا لم تجر على تكبيرة الإحرام.
стр. 764
النوافل
قال القاضي أبو محمَّد ﵀: والنوافل ضربان: منها ما له وقت مرتب وهو ما لا سبب (١) له سوى وقته، ومنها ما يتعلق بسبب فهو تابع له لا يتعلق (٢) بالوقت. ومنها مبتدأ لا سبب له. فالمتعلق بالأوقات منها صلاة العيدين والوتر وركعتا الفجر. والمتعلق (٣) بسبب: صلاة الكسوف والاستسقاء وسجود القرآن وتحية المسجد، والركوع عند الإحرام وركوع الطواف. ويلحق بالأول قيام شهر رمضان، وقيام الليل والركوع قبل العصر وبعد المغرب. فأما صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء فتذكر في مواضعها.
قال الإِمام ﵁: هذا الفصل نتكلم على ما يتعلق به عند تفصيل القاضي أبي محمَّد الكلام على ما أجمل فيه لكنه قد وقع في كلامه هذا ما يسبق إلى النفس إنكاره. وذلك أنه حصر التقسيم بعدد جعله كالجنس له، ثم نوعه وفسره بما هو أكثر من ذلك العدد. فقال: والنوافل ضربان: منها ما له وقت مرتب، ومنها ما يتعلق بسبب، ومنها مبتدأ لا سبب له فأتى بثلاثة بعد أن ذكر أنها اثنان ولعله ﵀ لما ذكر في تصير المتعلق بالأوقات العيدين والوتر مما قد يظن به أن له سببًا وهي (٤) صلاة العشاء أعاد في القسم الثالث ذى ما أشار إليه في الأول بلفظ مقابل للقسم الثاني مقابلة تضادد وعكس حتى ينبه على أن من النوافل ما ابتدىء ابتداء بغير سبب كالعيدين فإنها يعلم أنها شرعت غير
стр. 765
متعلقة بسبب يزول بزواله بخلاف صلاة الكسوف المتعلقة بسبب لا يثبت إلا عنده فكأن حرصه على البيان أوقعه في هذا الذي قد يستدرك عليه في هذا التقسيم. ولو أورده على غير هذه الرتبة لكان أشبه بعلو منصبه في تحقيق المعاني والبلاغة في إيرادها. وقد أورد هذا المعنى في أول كتاب الصلاة على غير هذه الرتبة فقال السنة على ضربين: سنة مبتدأة إما لأوقات وإما لأسباب تفعل عندها. وسنة مشترطة في عبادة غيرها. وفسر الأول بالوتر والعيدين والكسوف والاستسقاء وفسر الثاني بركوع الإحرام والطواف. فأنت تراه كيف جمع الوتر مع الكسوف وجمعها مع العيدين اللذين لا إشك الذي أنهما من غير سبب. وعد ها هنا أيضًا ركوع الطواف فيما هو مشترط في عبادة، وعده في الفصل الذي نتكلم عليه فيما يتعلق بسبب. والشيء قد يكون له وصفان، فيعد تارة بأحد وصفيه في نوع. ويعد تارة أخرى بوصفه الآخر في نوع آخر. ثم قال ها هنا ويلحق بالأول قيام رمضان وقيام الليل والركوع قبل العصر وبعد المغرب.
وكان من حق هذا المستلحق أن يعد غير ملحق لأنه نافلة معلقة بوقت. ولكنه لما قصر المندوب إليه عن رتبة ما مثل به القسم الأول لأنه لم يقل فيه أحد أنه سنة، جعله ملحقًا ليشعر بذلك انخفاض رتبته في النوافل عن رتبة ما قبله، وأنه غير معدود معها في الرتبة. وذكر قيام رمضان مع ذكره قيام الليل وإن كان قيام رمضان داخلًا في قيام الليل، والتداخل في التقسيم عيب. لينبه أيضًا على ارتفاع رتبة قيام ليل رمضان علي ليل ما سواه مما لم يرد الشرع بإلحاقه برمضان. وذكر الركوع قبل العصر وبعد المغرب ما لتأكدهما عنده علي غيرهما من النوافل. ولقد عد ابن الجلاب الركوع بعد المغرب من السنن وهذا لتاكده. وقد كنا أوردنا فيما سلف من الأحاديث ما يقتضي فضيلة الركوع قبل العصر.
وذكر القاضي أبو محمَّد في هذا الفصل ركعتي الفجر. وقد كنا قدمنا الكلام على الاختلاف فيهما، هل هما من الرغائب كما قال مالك أو من السنن كما قال أشهب؟ قال بعض المتأخرين رأى أشهب أن السنن كل ما قدّر ولم يكن للمكلف الزيادة فيه بحكم التسمية المختصة به. وركعتا الفجر من ذلك أنها (١) ما فعله ﵇
стр. 766
في الجماعات وتكرر. وركعتا الفجر ليستا من ذلك. ويستحب مالك الاقتصار فيهما على أم القرآن والإسرار لقول عائشة ﵄: إني لأقول أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ ولو سمعت ما قدرت (١). ولأنها مع صلاة الصبح في صورة الصلاة الرباعية وركعتان من الرباعية تسر قراءتهما ويقتصر فيهما على أم القرآن. ولمالك في مختصر ابن شعبان يقرأ فيهما بسورتين من قصار المفصل. وثبت أنه ﵇ قرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾. وروي أنه قرأ في الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٢) الآية. وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الآية.
ومن أتى المسجد بعد أن ركع الفجر في بيته (٣) فاختلف قول مالك هل يركع أم لا؟ فأشار ابن الحرث إلى أنه اختلاف قول في إعادتهما. وعقب نقله اختلاف قول مالك بقول سحنون ليس عليه أن يعيدهما. وإلى هذا مال بعض المتأخرين من أهل العصر. وأنكر ذلك بعض الأشياخ وحمل الاختلاف على الاختلاف في تحية المسجد وإليه ذهب أبو عمران. واعتل بان مالكًا عورض بقوله ﵇: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر (٤). فانفصلَ (٥) بحديث تحية المسجد. وهو أثبت مما عورض به.
ولو لم يركع الداخل المسجد للفجر في بيته فقال الشيخ أبو الحسن بن القابسي يركع للتحية ثم يركع للفجر وقال أبو عمران إذا ركعهما للفج رنا با له عن التحية كما تنوب صلاة الفريضة. وأشار إلى ضعف قول أبي الحسن. قال بعض أشياخي: أما على قول مالك فيمن ركع للفجر أنه لا يحيي المسجد فإن هذا يقتصر على ركعتي الفجر. وأما على قوله الآخر فهو بالخيار بالاقتصار على
стр. 767
ركعتي الفجر لكونهما تنوبان عن التحية أو يصلي التحية ثم ركعتي الفجر. قال وهذا يرجع إلى الخلاف في التنفل بعد الفجر. فمن أجازه ركع للتحية وتنفل بما أحب. وقد قال مالك لا بأس أن يصلي بعد الفجر ست ركعات وأجاز صلاة الحزب لمن فاته. وإنما كرهه ابتداءًا حماية. فللفذ أن يتنفل بما شاء إذا تأخرت إقامة الصلاة. ومن أقيمت عليه الصلاة وهو بالمسجد ولم يركع للفجر فليصل مع الإِمام ويترك ركعتي الفجر لقوله ﵇: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (١). وإنكاره ﵇ على المصلي (٢) عند إقامة الصلاة بقوله: أصلاتان معًا؟ (٣) فكان عمر ﵁ يضرب على الصلاة (٤) بعد الإقامة.
وخالف ابن مسعود فكان يصليهما والإمام يصلي. ودخل ابن عمر المسجد والناس في الصلاة فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم خرج. .. (٥) وقال ابن الجلاب يخرج من المسجد ويركعهما إذا كان الوقت واسعًا ولم يعتبر ما في الخروج من أذى الإِمام. وأما إن كان لم يدخل المسجد فإن قدر على صلاتهما خارجًا منه وإدراك ركعتي الفرض صلاهما. وإن كان إن تشاغل بهما فاته الركوع مع الإِمام فليتركهما. وروي عن مالك رواية أخرى أنه يصليهما ما لم يخف ذوات الصلاة. وبه قال أبو حنيفة. وراعى الأوزاعي وسعيد ابن عبد العزيز ذوات الركعة الآخرة أيضًا لكنهما قالا إذا لم يخش فواتها (٦) وكان في المسجد أنه يركعهما في ناحية من المسجد. ومن صلى الصبح ولم يركع للفج رنا سيًا فله أن يركعهما بعد طلوع الشمس. قال الأبهري يكونان تطوعًا لا ركعتي الفجر.
قال بعض المتأخرين إنما صلاهما بعد طلوع الشمس لأنه (٧) لم يحل بينه وبين فعلهما صلاة فرض. قال ومقتضى هذا أنه يصليهما ما لم يصل الظهر. وقال
стр. 768
الشافعي يمتد وقتهما إلى الزوال. وحكى بعض أصحابنا عن مالك أنه لا يصليهما بعد الزوال. وقال بعض أصحاب الشافعي يمتد وقتهما إلى طلوع الشمس. وقال أبو حنيفة إن أحب قضاهما عند ارتفاع الشمس. وقد كنا قدمنا في باب الصلاة المنسية حكم صلاتهما لمن نسي الصبح حتى طلعت الشمس وإنما أوردنا الكلام على ركعتي الفجر على خلاف رتبتنا في تعديل المسائل إجمالًا ثم الشروع في الجواب بعد ذكر جميعها لأن القاضي أبا محمَّد لم يقصد الكلام على حكمهما وإنما ذكرهما ها هنا متمثلًا بهما. فلهذا عدلنا عن الرتبة فيها.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وأما الوتر فسنة بعد العشاء الآخرة وهو ركعة بعد شفع منفصلة عنه.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة. منها أن يقال:
١ - هل الوتر واجب أم لا؟.
٢ - وما عدده واحدة، أو ثلاث؟.
٣ - وهل من شرطه أن يكون متصلًا بشفع أم لا؟.
٤ - وهل يعاد إذا أعيد التنفل أم لا؟.
٥ - وهل من شرطه أن ينوي عدده؟.
٦ - وما حكم السهو في عدده والشك فيه؟.
٧ - وما حكم مدرك ركعة مع الإِمام من الشفع؟
٨ - وما وقته؟.
٩ - وما قراءته؟.
١٠ - وما حكم ذكره في الصلاة؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا فيما سلف ذكر الاختلاف في وجوبه وما ذهب إليه أبو حنيفة فيه وقول سحنون يجرح تاركه. وأصبغ يُؤَدب تاركه. وما قاله بعض الأشياخ في طريقة هذين وذكرنا الأدلة في ذلك لنا وعلينا فمن أحب مطالعة ذلك فليقف عليه هناك.
стр. 769
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في عدد الوتر فقالت الشافعية أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة. يسلم في (١) كل ركعتين وإن صلاها بتسليمة واحدة جاز. وقال أبو حنيفة الوتر ثلاث لا يفصل بينهما بالسلام ولا ينقص منها ولا يزاد عليها. وبه قال علي وعمر وأبي وأنس وابن مسعود وابن عباس وأبو أمامة ﵃.
وأما مذهبنا فإنه اختلف القول فيه فقال مرة الوتر واحدة. وقال في كتاب الصوم يوتر. بثلاث. وفي الموازية فيمن ذكر سجدة لا يدري من الشفع أو الوتر أنه (٢) يسجد سجدة ثم يعيد الشفع والوتر. وقد ذهب بعض أشياخي إلى أن هذا يقتضي كون الوتر ثلاثًا وأن الاقتصار على واحدة لا يجزئ لأنه أمر ها هنا بإعادة الشفع ولا معنى لإعادته إلا أن يكون الوتر لا يصح إلا به. لأنه إذا سجد سجدة الإصلاح تيقن سلامة الوتر لأن السجدة إن كانت من الوتر فقد أصلحه. وإن كانت من الشفع فقد بطل الشفع وسلم الوتر، فلا معنى لإعادة الشفع إلا أن يكون شرطًا في صحة الوتر. وهذا عندي تأويل ضعيف. لأن المذهب لم يختلف عندنا في كراهة الاقتصار على ركعة واحدة في حق المقيم الحاضر الذي لا عذر له. وإنما اختلف المذهب في المسافر ففي المدونة لا يوتر بواحدة.
ولمالك في كتاب ابن سحنون إجازة وتره بواحدة، وأوتر سحنون في مرضه بواحدة ورآه عذرًا كالسفر. فإذا ثبت أن المذهب لم يختلف في نهي الحاضر عن الوتر بواحدة، صح أن يأمره ابن المواز بإعادة الشفع ليأتي بالوتر على الصفة الكاملة كما تعاد الفرائض في الوقت ليؤتى بها على الصفة الكاملة.
وقد اختلف المذهب في الموتر بواحدة، فقال سحنون إن كان بحضرة ذلك شفعها بركعة ثم أوتر. وإن تباعد أجزأه، فأمره سحنون بشفع الركعة بالحضرة يطابق قَول ابن المواز. لأن ابن المواز أمره بالإصلاح بالسجدة، ولا يصح الإصلاح بها إلا في القرب. لكن أشهب قال فيمن أوتر بواحدة أنه يعيد وتره
стр. 770
بإثر شفع ما لم يصل الصبح. وهكذا ذكر ابن سحنون أن ابن نافع ذكر في الموتر بواحدة يأتي بركعتين ثم بالوتر لأن النبي ﷺ قال: "يوتر له ما قد صلى" (١).
وهذا لم يصل شيئًا. فمقتضى قول أشهب وابن نافع منع الاعتداد بواحدة وأن الوتر ثلاث والتعويل عليهما في هذا المذهب أولى من التعويل على ما ذكره ابن المواز. وكان أشهب لما رأى الركعة موترة اقتضى ذلك أن يكون قبلها موترًا. ويجب أن يكون من جنسها. فإذا وقعت الركعة غير موترة (٢) خرجت عن حقيقتها. وإذا خرجت عن حقيقتها بطلت وإذا بطلت قضيت ما لم يخرج وقتها بصلاة الصبح. فإذا خرج وقتها لم تقض لأن النوافل لا تقضى بعد أوقاتها.
وكان سحنونًا رأى أن هذه الركعة لما فصلت بالسلام مما قبلها اقتضى ذلك استقلاله ابن فسها. وأشعر بأن الشفع قبلها من شرط الفضيلة لا من شرط الصحة. إذ لو كان من نفس الوتر لم يُفصل فيه بسلام.
وأما الشافعية فاحتجت بأنه ﵇ قال: "إن الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" (٣). وبأن ابن عمر قال: الوتر ركعة. ويقول كان ذلك وتر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، قالوا وهو مذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ لا ينكر ذلك منهم أحد (٤). وقال أبو أيوب لمن شاء أن يوتر بسبع أو بخمس أو بثلاث أو بركعة. وقال ابن عباس إنما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك يوتر بما شاء. وروي عن سعد ابن أبي وقاص أن ثلاثًا أحب إليه
стр. 771
من واحدة وخمسًا أحب إليه من ثلاث وسبعًا أحب إليه من خمس. وروي مثله عن أبي موسى الأشعري.
وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بما روي عن عائشة ﵂ أنه ﷺ لم يسلم قبل الوتر (١). وبأنه ﷺ نهى عن الصلاة البتيراء (٢). وبقول ابن مسعود ما أجزت ركعة قط. وقياسًا على صلاة المغرب. وأجيبوا عن هذا بان حديث عائشة ﵂ إن ثبت فمحمول على الجواز والآخر أفضل لأنه أمر به، وهو أثبت منه وأصح. وأجيبوا عن نهيه عن الصلاة البتيراء. فإنه إن ثبت، وكان المراد به الوتر كما فسره الراوي، فمحمول على الاقتصار على ركعة لا شفع قبلها، هذا تأويل أصحابنا فيه. وأما تأويل الشافعية فيه فإن معناه عندهم الركعة الناقصة التي لا يكمل ركوعها ولا سجودها. وإنما حملوه على هذا لأنهم لا يمكنهم أن يتأولوه كتاويلنا لإجازتهم الاقتصار على ركعة واحدة. وأما قول ابن مسعود فمحمله على الفرائض لأنه قيل له: صلاة السفر ركعتان وصلاة الخوف ركعة. فقال ما أجزت ركعة قط. وأما القياس على المغرب فلا يسلم إلا بعد إبداء جامع بينهما. ثم الفرق أن المغرب وتر لشفع هو أربع. والوتر الذي نتكلم عليه إنما هو وتر لنافلة غير محصورة بعدد. وأما نحن فنحتج بقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" (٣). فأمر بالوتر بواحدة وذكر تقدم الشفع قبلها، وقال: الوتر ركعة من آخر الليل. وقال ابن عباس صلى النبي ﷺ ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ركعتين ثم أوتر فتلك ثلاثة عشرة ركعة. ولو أوتر بثلاث لكانت خمس عشرة ركعة. وإن أجابوا عن هذا بما ذكرناه عن عائشة ﵂ بأنه لم يسلم قبل الوتر فقد تقدم جوابه.
стр. 772
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في الوتر هل من شرطه أن يكون متصلًا بشفعه فروي عن مالك فيمن تنفل بعد العشاء ثم انصرف فلا ينبغي أن يوتر حتى يأتي بشفع. وروي عنه أيضًا إجازة ذلك. وبالأول أخذ ابن القاسم فقال فيمن صلى مع الإِمام أشفاعًا ثم انصرف ثم رجع فوجده في الوتر فدخل معه فقال لا يعتد بها، وأحب إليّ أن يشفعها بركعة ثم يوتر. قيل له فإن فعل قال: إن فعل فالوتر ليس بواحدة وفي رواية أخرى فالوتر ليس بواجب (١). وقد روي عن ابن القاسم فيمن أصبح ولم يوتر أنه إن كان تنفل بعد العتمة فليونر الآن بواحدة. وهذا لأنه ليس بوقت للنافلة إلا لضرورة، مع تقدم النفل المصحح للوتر على أحد القولين، وإن لم يقارنه. قال أصبغ فيه: إذا لم يتنفل بعد العتمة فإنه يشفع قبل وتره.
فوجه الأول الاتباع لفعله لفعله ﷺ والصحابة بعده، وأيضًا فإن الشفع مختص بالوتر، ألا تراه ينسب إليه ويسمى باسمه. وهذا يقتضي مقارنته له.
ووجه الثاني أنه قد وُجد من النافلة ما يكون هذا وترًا له فوجب (٢) صحة الوتر وإن لم يقارن ما كان وترًا له (٣). ألا ترى أن المغرب توتر صلاة النهار ووقتها مفارق لوقت صلاة النهار.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: المشهور من المذهب أن من تنفل، بعد وتره فإنه لا يعيد الوتر. وقال في المبسوط فيمن أوتر ثم ظن أنه لم يصل إلا ركعتين فأوتر بركعة ثم ذكر بعد أن فرغ أنه كان أوتر فإنه يضيف إليها أخرى (٤) ثم يستأنف الوتر. وظاهر هذا أن من شفع بعد وتره يعيد الوتر. هكذا جعله بعض أشياخي قولًا آخر. فوجه الأول قوله ﵇: لا وتران في ليلة (٥). ووجه القول الثاني قوله ﵇: "واجعلوا آخر صلاتكم بالليل
стр. 773
وترًا" (١). وقد ذهب بعض الناس إلى أن من كان له تهجد فالأولى أنه لا يوتر مع الإِمام وهذا ليكون وتره آخر تنفله علي مقتضي ظاهر قوله: واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا. واختار ابن المنذر أن يوتر مع الإِمام، وهذا لقوله ﷺ : "إن الرجل إذا قام مع الإِمام حتي ينصرف كتب له بقية ليلته " (٢). وقد ذهبت طائفة إلى أن من سلم من وتره ثم رأى أن عليه ليلًا فأراد التنفل أنه يشفع وتره بركعة أخرى. وروي ذلك عن عثمان وعلي وابن عمر وأنكره جماعة من الصحابة، وأكثر الفقهاء. لقوله ﷺ : "لا وتران في ليلة. ولأن السلام ينافي استدامة الصلاة ويمنع إضافة ما بعدها إليها (٣).
والجواب عن السؤال الخاص: أن يقال: اختلف المذهب فيمن أحرم بشفع ثم أحب أن يجعله وترًا. أو أحرم بوتر ثم أحب أن يجعله شفعًا فقال مالك في الموازية: ليس له ذلك في الأمرين جميعًا. وذكر الداودي عن (٤) أصحابنا أنه لا يجوز أن يوتر بركعة تفتتح بغير نية الوتر. واختلف إن أحرم فيهما على شيء ففعل خلافه فقال أصبغ يجزيه. وقال محمَّد لا يجزيه إذا أحرم بشفع ثم جعله وترًالأولعله يجزيه إذا أحرم بوتر فشفعه. فوجه الإجزاء فيهما قوله ﷺ : "فإذا خشي احدكم الصبح ركعة" (٥).وظاهر هذا أنه إذا خشي الصبح وهو في الشفع انصرف من ركعة لأنه لم يفرق بين من خشي الصبح وهو في صلاة أو في غير صلاة. وإذا ثبت بظاهر هذا الحديث صحة وتر من أحرم على شفع فقس عليه من أحرم على وتر فشفعه. وأيضًا فإن الوتر والشفع نفلان.
والقصد إلى العدد ليس بشرط في صحة الصلاة. وهذا قد نوى النفل فلا يينعه الإجزاء مخالفة القصد في العدد. ووجه تفرقة ابن المواز أن الوتر آكد من الشفع فإذا أحال الأضعف إلى الأقوى لم يجزه. لأن الأقوى يفتقر إلى زيادة نية لقوته
стр. 774
فلهذا لم يُجز من أحرم بشفع أن يجعله وترًا. وإذا أحرم (١) وأحال الأقوى إلى الأضعف أجزأه. فلهذا أجزأ من أحرم بوتر إذا شفعه. ومما يشهد بصحة هذا أن الفرض يصح أن يحال إلى النفل ولا يصح أن يحال النفل إلى الفرض. ومما خُرّج على هذا قول مالك فيمن افتتح الصلاة في المسجد فلما صلى منها ركعة أقيمت عليه الصلاة أنه يشفع ركعته. ولو كان في المغرب لقطع ولم يشفع. فلما كانت المغرب وترًا لم تحل إلى الشفع بخلاف غيرها من الصلوات التي ليس في إحالتها تحويل الأقوى إلى الأضعف. وقد كنا تكلمنا على علة التفرقة بين المغرب وغيرها في موضعه وعللناه بعلة أخرى سوى هذه العلة.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: من زاد في وتره ركعة ساهيًا فقال مالك يجزيه ويسجد لسهوه، وفي المبسوط يستأنف وتره وهذا مخرج على ما قدمناه من الاختلاف في كثرة السهو. وقد ذكرنا اختلاف الأصحاب في حد ما يفسد الصلاة منه. فتُرد هذه المسألة إليه. وكذلك إذا شك فلم يدر هل جلوسه في الأولى أو في الثانية أو في الوتر فإنه يبني على ما قدمناه من الشك في عدد الركعات. وأنه مأمور بان يبني على اليقين، واليقين ها هنا ركعة فليأت بأخرى ويسلم. ويسجد لسهوه ثم يوتر لواحدة. وهذا جار على ما أصلناه من البناء على اليقين لأنه لم يستيقن الأصلاة الشفع خاصة. وشك هل أوتر أم لا، فكان عليه أن يوتر كمن شك هل صلى أم لا؟.
فأما أمر ابن القاسم له في المدونة بالسجود فقد خالفه غيره وقال لا سجود عليه. واختلف المتأخرون في وجه أمر ابن القاسم له بالسجود بعد السلام. فصار الأبهري وبعض الأشياخ إلى أنه إنما أمره بذلك لجواز أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى ركعتي الشفع من غير سلام فيصير قد صلى الشفع ثلاثًا فيسجد بعد السلام لأجل الزيادة. وأنكر هذا بعض الأشياخ ورأى أن مقتضى هذا التعليل أن يكون السجود قبل السلام لركه السلام من الشفع. كقول أشهب فيمن لم يسلم من الشفع وصلى الوتر أنه يسجد. قال ابن المواز يريد قبل السلام. وذهب بعضهم إلى أن وجه ما قاله ابن القاسم أنه لما شك في الوتر
стр. 775
وكان من حقه أن يأتي به، شفع ما هو فيه بسجدتين لئلا يكون متنفلًا بركعة واحدة. واقتصر ها هنا على تشفيعها بسجدتين دون أن يشفع بركعة أخرى لئلا يكون لم يوتر فتقع له هذه الركعة مفردة. ثم بعدها ركعة الوتر. والإتيان بركعة مفردة ثم أخرى مفردة غير مشروع؛ لأن التنفل لا يكون بواحدة. وكذلك لو قدرنا أنه أوتر لكان فيه التكرير الممنوع. فلما كان الشفع بركعة يوقع في مكروه عدل عنه إلى الشفع بسجدتين. وقد جاء الشرع بكونهما شافعتين لقوله في حديث الشاك وإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها بهاتين السجدتين (١).
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: من أدرك ركعة من الشفع مع الإِمام فلا يسلم معه وليصل معه الوتر. فإذا سلم منه سلم معه ثم أوتر، إلا أن يكون الإِمام لا يسلم في شفعه. ففي سلام هذا مع الإِمام قولان: أحدهما أنه لا يسلم إذا سلم الإِمام من وتره لأنه شفع المأموم وقد كان إمامه لا يسلم من شفعه فيؤمر هذا بان يفعل كفعل إمامه. وهذا مذهب ابن القاسم. والثاني أنه يسلم لأن المأموم مأمور عندنا أن يسلم من الشفع. وإنما أمرنا من دخل مع الإِمام في أول شفعه بان لا يسلم من الشفع إذا كان الإِمام لا يسلم منه لئلا يخالف على الإِمام فيكون الإِمام يفعل فعلأويفعل هو خلافه. وهاهنا لا مخالفة على الإِمام بل صورة الحال موافقة للإمام في الظاهر. وإذا لم تكن فيه مخالفة أمران يفعل فيما ينفرد بفعله ما هو البخاري على مذهبه. وإلى هذا ذهب مطرت وابن الماجشون. وطريقة الشيخ أبي محمَّد في هذا حمل قولهم يصلي معه الوتر على أن المراد به محاذاة الإِمام في الركوع والسجود لا الائتمام به في ركعة الوتر؛ لأنه لو ائتم به لكان محرمًا قبل إمامه. وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر في مدرك الركعة الأخيرة من أحد أشفاع رمضان. فإنه إذا صلاها مع الإِمام لا يسلم بسلامه ولكنه إذا قام الإِمام إلى شفع ثان حاذي هذا في قضاء ركعته فعل