← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

إباحة التعجيل للثانية. وقد تقدم من الكلام في جمع المسافر ما يعلم منه وجه الاختلاف في هذا المعنى فمن تدبر ما قلناه هناك علم سبب هذا الاضطراب. والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما الجمع لأجل الخوف من العدو فقال ابن القاسم في العتبية لم أسمعه ولو فعله لم أر به بأسًا. وقد قال قبل ذلك لا يجمع بينهما فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١). فوجه إجازة الجمع بأن الجمع إنما شرع للارتفاق على ما قدمنا والحاجة إلى الارتفاق به في خوف العدو أمسّ فكان جواز الجمع أولى. ووجه المنع ما اعتل به لِما مُنع لأن الله سبحانه لما قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، اقتضى ذلك الاقتصار على الارتفاق بتحويل الصلاة عن هيئتها وشكلها لا بتحويلها عن وقتها. وتحويلها عن وقتها زيادة على ما وقع في القرآن. فلا يثبت إلا بدليل. فإذا قلنا بجواز الجمع فمتى وقته؟ أشار بعض المتأخرين إلى أنه يجري على حكم ما قدمناه في المريض من مراعاة شاهد الحال. فإن كان خوف العدو يتوقع منه تأخير الصلاة عن وقتها جمع في أول الوقت كما يجمع المريض في أوله إذا خاف تأخير الصلاة عن وقتها بذهاب عقله، وإن كان الخوف لا يبلغ إلى ذلك ولكن يمنع من الإقبال عليها والانفراد بها كما يجب، جمع في وقتها المختار. فصل الرعاف في الصلاة قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ومن رعف في صلاته فإن كان يسيرًا قتله وتمادى. وإن كان كثيرًا نظر فإن كان قبل تمام ركعة بسجدتيها قطع ومضى وغسل (٢) الدم واستأنف. وإن كان بعد عقد (٣) ركعة بسجدتيها فهو غير إن شاء

стр. 842

قطع وإن شاء مضى فغسل الدم في أقرب المواضع وبنى. وهذا للمأموم. واختلف في المنفرد. قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة. منها أن يقال: ١ - لِمَ بنى الراعف؟. ٢ - وما حكم الدم الذي يخرج له في الصلاة؟. ٣ - وما حكمه إذا تكلم في طريقه؟. ٤ - وفي أي موضع يبني؟. ٥ - ولِمَ لم يبن إذا لم يعقد ركعة؟. ٦ - وهل يلغي بعض ما عمله إذا بني؟. ٧ - ولمَ اختلف في المنفرد دون المأموم؟. ٨ - وما صفة بنائه؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الراعف فقد يتعلق في بنائه برواية ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوض وليبن على صلاته ما لم يتكلم" (١). وقد قدمنا نحن الكلام على هذا الحديث لما رددنا على أبي حنيفة قوله إن الحدث عن غلبة يبنى معه على الصلاة إذا توضأ. وذكرنا ما قيل في هذا الحديث. وإن ابن أبي مليكة لم يلق عائشة. وإن كان أصحاب أبي حنيفة قالوا: قد لقيها. لأنه قال سمعتها تقرأ إذ تلِقّونه بألسنتكم بكسر اللام وتخفيفها. وإن كان إسماعيل بن عياش أسند هذا الحديث فإن الشافعي قال إسماعيل سيء الحفظ فيما يرويه عن غير الشاميين. وابن أبي مليكة ليس شاميًا. وقد روى أصحاب أبي حنيفة مثل هذا الحديث من طرق غير طريق عائشة ﵂. وقد قال ابن عباس كان ﵊ إذا رعف في صلاته توضأ قيل معناه غسل الدم. وما تقدم من الكلام على هذه الأحاديث يغني عن إعادته. وقد روي

стр. 843

عن ابن عباس وابن عمر وأنس ﵃ أن الرعاف لا يمنع البناء. قال القاضي أبو محمَّد ولا مخالف لهم. وأشار إلى أنها صارت كمسألة إجماع من الصحابة. وإذا جاز البناء فإنه رخصة. والأفضل عند مالك أن يقطع ويستأنف، ولمالك في المجموعة: "ولولا ما قالت العلماء يبنى في الرعاف لرأيت أن يتكلم ويبتدىء. ولكن الشأن ما مضوا عليه. قيل فإن اختار الراعف أن يتكلم ويبتدىء. قال فلا بأس بذلك. وظاهر هذه الرواية أن القطع ليس بأفضل فإن اختار القطع وتكلم قبل أن يبتدىء الصلاة صحت صلاته. وإن ابتدأ من غير أن يتكلم فقال ابن القاسم يعيد الصلاة. قال ابن حبيب: كمن زاد في صلاته تعمدًا" (١). وكأنه رأى أن التمادي، لما كان جائزًا له ولم يحصل منه مما يضاد الصلاة ما يكون قاطعًا لها، وإنما حصل منه مجرد النية للقطع، لم يعدّ قاطعًا، وصار فيما يفعله كزائد في الصلاة تعمدًا. وقد كنا تكلمنا على تحويل النية في الصلاة عند ذكر القاضي أبي محمَّد في مفسدات الصلاة قطع النية عنها. فمن أحب تحقيق القول في هذا فليقف عليه هناك. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدم القاطر من أنف المصلي لا يخلو أن يكون لا يرجو انقطاعه إذا انصرف لغسله أو يرجو ذلك. فإن كان لا يرجو انقطاعه إذا انصرف لعادة علمها من نفسه، فإنه لا ينصرف. ويكفه ما استطاع ويمضي على صلاته. وقد قال ابن المسيب فيمن رعف فلم ينقطع عنه الدم أتم صلاته إيماء. وقاله مالك أيضًا. قال ابن مسلمة إنما أومأ لأنه إن سجد أضر به ذلك وكثر عليه الدم، فجاز الإيماء للضرورة كمن برأسه صداع يمنعه من السجود. وقال ابن حبيب ليس عليه أن يركع ويسجد ويقوم ويقعد فيتلطخ بالدم. فأشار ابن مسلمة إلى أن العلة ضرورة المرض وما في معناه. وأشار ابن حبيب إلى أن العلة صيانة الثوب والبدن عن التلطخ بالدم فيمكن أن يكون ابن حبيب رأى أنه إذا ركع وسجد تلطخ بالدم، فصار حاملًا للنجاسة. وإذا لم يفعل

стр. 844

أمِن من التلطخ (١) وحمل النجاسة، فيكون أباح الإيماء للصون من النجاسة. ويمكن أن يكون رأى ذلك للتأذي بالتلطخ (١) فيكون ذلك كما حكاه ابن حبيب أيضًا في مسافر حضرته الصلاة والأرض كلها طين، فإنه يومئ للسجود عند ذلك عند مالك وأصحابه (٢) إلا ابن عبد الحكم فإنه قال يجلس ويسجد على الطين. ولمالك في العتيبة أنه يجلس ويسجد على الطين بقدر طاقته. واختلاف قول مالك في هذا مبني على تقابل أمرين فينظر في أيهما أولى والأولى ترك السجود صيانة للثوب والبدن من الطين، أو تقدمة حق الله تعالى في السجود. وإن تأذى بالطين، فقد تقدم اختلاف كثير في فروع مبنية على مثل هذا الأصل. وقد قيل ينبغي أن يؤخر هذا الراعف الصلاة إلى آخر الوقت المفروض رجاء أن ينقطع الدم عنه حينئذٍ. وكان هذا نحا به ناحية الراجي وجود الماء. وإن كان هذا الراعف يرجو انقطاع الدم، فإن (٣) كان يسيرًا يزيله بحكّه بين أصابعه فإن يفتله بين أصابعه (٤) ويتمادى على صلاته. وإن كان كثيرًا ويذهبه الفتل لثخانته فاختلف فيه: هل يفتله ويمضي على صلاته أو يخرج لغسله؟ فقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون يصيبه الرعاف في الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب فيغمس أصابعه في حصباء المسجد ويردها ثم يمضي على صلاته. وفي المدونة ينصرف من الرعاف في الصلاة إذا سأل أو قطر، قل ذلك أو كثر فيغسله ويبني على صلاته. وإن كان غير قاطر ولا سائل قتله بأصابعه وتمادي. وكان أبو هريرة وابن المسيب وسالم ﵃ تتخضب أصابعهم دمًا من أنوفهم فيفتلونه ولا ينصرفون. وقال مالك في المبسوط *إذا خرج من أنف المصلي دم ففتله* (٥) فإن كان يسيرًا فلا بأس به. وإن كان كثيرًا فلا أحب

стр. 845

ذلك حتى يغسل أثر الدم. وفي المجموعة قيل لمالك إن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة، ويقدر أن يفتله؟ قال لا شيء (١) عليه. قيل له إن امتلأت الأربعة إلى الأنملة الوسطى قال هذا كثير. ورأى أن يعيد صلاته. قال بعضهم معنى قوله: إن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة أي كلما امتلأت أنملة فتلها. وإنما قال في امتلاء الأصابع إلى الوسطى ما قال لأنه امتلأ له أكثر من الدرهم فصار حامل نجاسة. فلهذا قال يقطع. وأما لو سأل ولم يصل إلى بدنه أو ثيابه فإنه ينصرف ويغسل الدم ويبني. وقد أشار بعضهم فيما حكيناه عن ابن المسيب ومن معه إلى أن ظاهره اختضاب الأصابع كلها وهذا في حيز الكثير. ولعل المراد الأنامل العليا. وسبب الاختلاف في هذا القسم ما كنا قدمناه من الاختلاف هل يراعى موضع النجاسة أو قدرها. فراعى عبد الملك قدر النجاسة وراعى في المبسوط موضعها لأنها حلت في محل كثير، وإن أذهبها الفتل. وقد تقدمت الإشارة إلى أن المذهب على قولين في هذا الأصل. وإن كان هذا الكثير لا يذهبه الفتل ويرجو انقطاعه متى غسله فهذا ينصرف لغسله في أقرب المواضع إلى ثم يعود إلى صلاته. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا تكلم الراعف في صلاته محمدًا بطلت صلاته. واختلف المذهب في كلامه سهوًا، فقال ابن حبيب إن تكلم في انصرافه أبطل صلاته وإن تكلم في رجوعه لم تبطل صلاته. وفي كتاب ابن سحنون أن الإِمام يحمل ذلك عن الراعف إذا كان قد عقد معه ركعة. وفي المدونة إن رعف الإِمام (٢) فلما خرج تكلم بطلت صلاته. قال ابن الماجشون: إن تكلم (٣) سهوًا أو عمدًا. وفي كتاب ابن سحنون إن تكلم سهوًا. والمستخلف في الصلاة حمل ذلك عنه. فوجه الإبطال مع العمد للكلام قصده بفعل ما يضاد

стр. 846

الصلاة. ووجه الإبطال مع السهو قوله ﷺ : "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضا وليس على صلاته ما لم يتكلم" (١) فعم أنواع الكلام سهوه وعمده، وكون الراعف فذًا أو مأمومًا. وقد أشار ابن الماجشون إلى هذا بقوله إذا تكلم الراعف في ذهابه لغسل الدم عنه ابتدأ صلاته. وذلك لأن السنة إنما جاءت في بناء الراعف ما لم يتكلم. لكن قوله إذا تكلم في ذهابه لغسل الدم، إن أراد سائرًا أو راجعًا فإنه لا يتحقق له وجه. لأن عموم الحديث يقتضي المساواة بين السير والرجوع. وكذلك قوله في المدونة فلما خرج تكلم، إن كان أراد أيضًا بذكر الخروج والتقييد به، الإشارة إلى التفرقة بين السير والرجوع، فهذا خلاف مقتضى العموم أيضًا. وإن كان أراد بما في المدونة وبما قال ابن الماجشون المساواة بين السير والرجوع ولم يقع ما ذكرناه عنهما تقييدًا، فهو مقتضى العموم (٢). وأما ابن سحنون فإنه رأى أن الإِمام يحمل ذلك عنه كما يحمله عنه لو كان خلفه ولم يرعف. وكذلك المستخلف يحمل عن من استخلفه لأنه صار كإمام له. لكن تقييد ابن سحنون بعقد الركعة إن كان أراد به أن من لم يعقد ركعة فلا يبني فهذا لا فائدة لإيراده ها هنا؛ لأنه إذا كان من لم يعقد ركعة لا يبني وإن لم يتكلم فلا شك أنه إذا تكلم أحرى أنه لا يبني. وإن كان أراد به: يبني وإن لم يعقد ركعة لكن الإِمام لا يحمل عنه الكلام إذا لم يعقد ركعة. فهذا غير واضح. لأنه إذا كان في حكم الإِمام استوى عقد الركعة وترك عقدها كما يستوي ذلك فيمن لم يرعف، وقد تكلم قبل عند الركعة أو بعد عقدها. وقول ابن سحنون إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة لم يحمل عنه الإِمام السهو: ظاهره عندي أنه أراد أنه لا يحمله وإن بني. لأن من لم يبن لا شك في أنه ليس في صلاة فيحمل عنه فيها ما يحمل. وإن اختلف المذهب في الإِمام إذا أبطل صلاته هل يسري ذلك إلى إبطال صلاة الراعف؟ ففي كتاب ابن سحنون أن صلاة الراعف تبطل وهو طرد قوله إن الإِمام يحمل عنه سهو الكلام. وفي المجموعة عن سحنون لا تبطل صلاة

стр. 847

الراعف. وكأنه رأى أن بخروجه لغسل الدم صار كمن خرج عن حكم الإِمام. واختلف في الراعف إذا مشى في ذهابه على قشب يابس فقال ابن سحنون تبطل صلاته وقال ابن عبدوس لا تبطل. قال بعضهم هو كالصلاة في طريق المسجد وفيها أرواث الدواب وأبوالها. وقد فُرّق بينهما بأن الراعف ليس بمضطر إلى المشي على القشب اليابس بخلاف طريق المسجد بحصول الضرورة فيها. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: لا يخلو الراعف إذا خرج لغسل الدم أن يرجو إذا عاد إلى مُصلاّه إدراك بعض صلاة الإِمام أو لا يرجو إلى إدراك شيء من صلاته. فإن رجا إدراك بعض صلاة الإِمام فلا يخلو إما أن يرجو إدراك. ركعة فأكثر أو إدراك أقل من ركعة. فإن رجا إدراك ركعة فأكثر فلا بد من عودته لاتباع الإِمام في بقية صلاته. لأنا إنما أبحنا له مفارقته للضرورة فإذا ارتفعت الضرورة فلا يصح أن يصلي منفردًا *ما يمكنه فيه اتباع إمامه* (١) وإن كان لا يدرك إلا أقل من ركعة فالمشهور من المذهب أن يعود لاتباع إمامه في بقية صلاته ولو لم يبق منها إلا التشهد. وقال ابن شعبان يصلي مكانه. فوجه المشهور أنه لا يسوغ له مفارقة الإِمام فيما قل أو جل إذا لم يرعف، فكذلك إذا رعف وزال حكم الرعاف. ووجه قول ابن شعبان أن ما دون الركعة لا تتاكد حرمته تأكيدًا يباح له المشي في الصلاة وفعل ما يضادها من مشي واستدبار قبلة مما تدعو الضرورة إليه. وإذا لم يكن له هذا التاكد في الحرمة جاز مفارقة الإِمام لصيانة الصلاة من فعل يضادها. وقد منع المذهب في أحد القولين من بناء الراعف على ما دون الركعة، لما لم يكن لما دون الركعة من التأكد حرمة تمنع من إبطاله عند الضرورة. ولو رجع لرجاء الإدراك، فتبين أنه أخطأ في تقديره ووجد الإِمام قد أكمل صلاته أتم هذا صلاته ولم تبطل لرجوعه حيث لا يجب عليه الرجوع في الباطن. لأنه رجع رجوعًا مأمورًا به. إلى هذا ذهب ابن القاسم في المبسوط. وإن كان لا يرجو إدراك شيء من صلاة الإِمام فلا يخلو إما أن يكون في صلاة الجمعة أو في غيرها من الصلوات. فإن كان في صلاة الجمعة فإنه يرجع

стр. 848

إلى الجامع لكون الجامع شرطًا في صلاة الجمعة. وهل الرجوع ها هنا شرط في صحة الصلاة أم لا؟ المذهب على قولين: المشهور منه والظاهر من قول مالك أنه شرط في الصحة. وإن إكمال الصلاة لا يجزي إلا فيه. وقد قال ابن المواز فيمن ذكر سجدتي السهو قبل السلام من الجمعة فلا يسجدهما إلا في المسجد، فإن سجدهما في غير المسجد لم يجزه. وقال المغيرة في الراعف إن حال بينه وبين الرجوع واد فليضف لركعته ركعة أخرى ثم يصلي أربعًا. فلم ير إكمال الصلاة جائزًا في غير المسجد، وإن كان قد منع من المسجد. هذا إذا كان الفرض عنده الأربع التي يأتي بها بعد إكمال الجمعة. والقول الثاني إن الرجوع إلى الجامع ليس بشرط في الصحة. قال ابن شعبان: يرجع إلى أدنى موضع يصلي فيه بصلاة الإِمام فيُتم هناك لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد. فإن أتم في موضعه لم أرَ عليه إعادة. فأشار ها هنا إلى أن الرجوع إلى الجامع من فضيلة ما بقي عليه من فضيلة صلاته لا من شرط صحتها. وكأن الجامع إنما يجب عند تكامل شروط الجمعة. فهذا إذا سقط عنه اعتبار الجماعة فيما بقي من صلاته سقط عنه اعتبار الجامع في شروط الصحة. وقوله يكمل في أدنى موضع يصلي فيه بصلاة الإِمام. إنما اعتبر أدنى ما يصلى فيه بصلاة الإِمام لأن ما زاد على ذلك مستغنى عنه. فإن قيل فإذا كانت الصلاة عنده جائزة بموضعه فالرجوع إلى أدنى موضع مستغنى عنه فيجب ألا يؤمر به. قيل قد رآه الجمهور شرطًا في الصحة. فكأن أقل المراتب فيه عند ابن شعبان أن يراه فضيلة فيأمر به للخروج من الخلاف وتحصيل هذه الفضيلة. وإن كان في غير صلاة الجمعة أكمل في موضعه. هذا هو المعروف من المذهب. وفي المدونة عن مالك يرجع إلى إتمام الصلاة في مسجدي الحرمين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ . وكأنه رأى أن فضيلة المكانين تقتضي الرجوع وإن لم يكن المكانان شرطًا في صحة الصلاة. وهذا كمسلك ابن شعبان في أمره بالرجوع إلى صلاة الجمعة إلى حيث تصلى فيه الجمعة وإن لم يكن الرجوع عنده شرطًا في الصحة. فإن ظن هذا المصلي أنه لا يدرك فصلى مكانه

стр. 849

ثم تبين له أنه أخطأ وأنه لو رجع أدرك، فإن صلاته تجزيه. وقد قدمنا قول ابن القاسم في المبسوط في هذا المعنى. ولو كان الراعف في صلاة الجنازة ففي الموازية يرجع إذا غسل الدم إلى الموضع الذي صلى فيه فيتم بقية التكبير. وكذلك صلاة العيدين. ولو أتم صلاة العيدين في بيته أجزأه. وقال أشهب إن خاف ذوات الجنازة أو العيدين فليمض على صلاته ولا ينصرف. وكذلك إن رأى في ثوبه نجاسة وليس معه غيره ويخاف الفوات في انصرافه. وليس كمن كان على غير وضوء فأراد التيمم للإدراك لأن التيمم لا يكون إلا في سفر أو مرض. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف قول مالك فيمن رعف قبل أن يعقد ركعة بسجدتيها هل يبني أم لا؟ فوجه البناء المراعاة لحرمة إبطال الصلاة. ووجه القطع والاستئناف أنه لم يمض من الصلاة ما له من تأكد الحرمة ما يباح معه فعل ما يضاد الصلاة من مشي وغيره. وقال بعض المتأخرين هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في الفذ هل يبني أم لا؟ فمن جوزه جوزه ها هنا. ومن منعه للفذ منعه ها هنا. ولذلك فرق ابن حبيب بين الجمعة وغيرها لأن الجمعة لا تكون إلا بإمام ولا يحصل للمأموم حكم صلاة الإِمام إلا بأن يصلي ركعة بسجدتيها. وعلى طريق (١) من قال لا يبني على أقل من ركعة لضعف حرمتها على ما أشرنا إليه جرى الأمر في مسألة المدونة فيمن رعف بعد سلام الإِمام أنه يسلم وتصح صلاته. ورأى أن إيقاع السلام بالنجاسة مع قلة مقداره والاختلاف في كونه فرضًا أولى من فعل ما يضاد الصلاة من مشي وغيره. لكنه قال في المدونة إذا رعف قبل الإِمام خرج لغسل الدم. وكان طرد ما قلناه من التعليل يقتضي أنه ينصرف، لكن حمل المسألة بعض الأشياخ علي أن المراد بها أن الإِمام لم يسلم بالحضرة. فأما لو سلم عقيب رُعافه فإنه لا ينصرف بل يسلم وتصح صلاته. وهذا الاعتذار صحيح يسلم من المناقضة فيما قلناه لأنه إذا لم يسلم بالحضرة والمأموم يجوز تطويل اللبث فإطالة اللبث بالنجاسة لا يحسن.

стр. 850

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما الراعف فقد اختلف المذهب فيه إذا رعف، وقد عمل بعض أجزاء الركعة. إما القراءة خاصة أو القراءة والركوع أو القراءة والركوع وسجدة واحدة؟ هل يعتد لما عَمِله من ذلك ويبني عليه أو يلغيه ويستأنف جملة عمله (١) إذا عاد؟ فمذهب مالك في المدونة الإلغاء. ومذهب ابن الماجشون وابن حبيب الاعتداد بما عمل والبناء عليه. وقد روى ابن وهب أيضًا عن مالك الجنوح إلى هذا الذي حكيناه عن عبد الملك، وأنه لو فعله الراعف لأجزأه. وسبب هذا الاختلاف ما كنا قدمنا الإشارة إليه في مواضع من تقابل أمرين تجب الموازنة بينهما أيها أخف فيرتكب؟ وذلك أن تكرير العمل في الصلاة خارج عن أصل ما شرع. وتفرقة أجزاء الركعة بعضها عن بعض خارج أيضًا عن أصل ما شرع فيها. فأي هذين الخروجين أخف فيرتكب؟ وفيه وقع الخلاف. والأولى ترك الإعادة والبناء على ما مضى إذا قيل بصحة البناء في الرعاف. لأن الراعف قد دخلت التفرقة في صلاته. فلا فرق بين أن تدخل بين ركعاتها أو بين أجزاء ركعاتها. وتكرير العمل لم يدخل صلاته. فإحداث أمر لم يكن مراعاة لأمر قد كان لا معنى له. فإذا قلنا أنه يبني على ما مضى فإنه يرجع إلى الحالة التي عليها قطع. فإن لم يكن فرغ من القراءة قرأ من حيث انتهى. وإن كان فرغ من القراءة ركع إذا رجع. وإن رعف في مبتدأ جلسته قبل أن يتشهد رجع إلى الجلوس والتشهد. وإذا قلنا أنه لا يبني وأصابه الرعاف في أول ركعة وألغى ما عمل، فهل يلغي الإحرام أو يبني عليه؟ اختلف فيه فقال ابن القاسم وأشهب يبتدىء الإحرام. وقال سحنون لا يبتديه. وقد كنا قدمنا الاختلاف في صحة البناء فيمن لم يعقد من الصلاة ركعة. وذلك اختلاف وتوجيهه عائد ها هنا. وقد قال بعض المتأخرين إن الإحرام ركن قائم بنفسه كالركعة التامة فصح البناء عليه بخلاف بعض الوكعة. فأشار بهذا إلى التفرقة بين إلغاء ما لم يكمل من أجزاء الركعة الأولى وترك إلغاء الإحرام منها. وإن أجزاء ما عمل منها إنما اختلفت في

стр. 851

الإلغاء للفرق الذي ذكرناه. وقد اختلف المذهب في الراعف في الأولى من صلاة الجمعة قبل إكمالها، ثم أتى وقد فرغ الإِمام. ففي المدونة يبتدىء الظهر أربعًا. و (١) قال سحنون يبني على إحرامه. وروي عن مالك أيضًا أنه يقطع ويبتدىء بإقامة. وقال أشهب: أستحب أن يتكلم ويبتدىء، وإن بني على إحرامه أجزأه. وإن كان قد سجد سجدة فسجد أخرى وصلى ثلاثًا أجزأه فاباح له البناء على الركوع وإحدى السجدتين. وإن كان ذلك إنما وقع بنية الجمعة فأكمل عليه صلاته ينوي بها الظهر. ولو أكمل هذا على هذه السجدة صلاة الجمعة لتخرج عند شيخنا أبي الحسن اللخمي صحة الصلاة من قول أشهب في الموازية: في من أدرك الثانية من الجمعة ثم ذكر بعد سلام الإِمام سجدة، فإنه يسجدها ويأتي بركعة وتجزيه الجمعة. وهذا التخريج للنظر فيه مجال. وقد يفرق بين المسألتين بان ناسي إحدى السجدتين من الثانية حتى سلم الإِمام لم يحل بينه وبين إصلاحها حائل على أحد القولين عندنا، وإذا لم يحل بينه وبين إصلاحها حائل وكان مأمورًا بفعلها قدّر كانه فعلها مع الإِمام وتابعه فيها. ومن تابع الإِمام في صلاة الجمعة في ركعة بسجدتيها بني عليها جمعة من غير خلاف عندنا. والذي رعف في الأولى بعد أن ركع وسجد سجدة قد فعل الإِمام في حال تشاغله بغسل الدم جميع الركعة الثانية. وعَقد الإِمام ركعة كاملة يمنع من العود لإصلاح ما فات في حق الغافل. وإذا منع من العود لإصلاح ما فات، فقد صارت السجدة التي يفعلها بعد سلام الإِمام غير مقدر فيها متابعة الإِمام. وإذا لم يُقدّر فيها متابعة الإِمام لم يدرك من الجمعة ركعة كاملة. ومن لم يدرك من الجمعة (٢) ركعة كاملة فلا جمعة له من غير خلاف عندنا. وجملة الأمر مسألة أشهب في الموازية إنما بناها على أن السلام لا يحول بين المصلي والإصلاح. وهو قول مشهور عندنا. وأما إن كانت ركعة كاملة فإنها تمنع الغافل من العود للإصلاح من غير خلاف عندنا أعلمه على ما مضى بسط القول في باب الناعس. ومن تدبر هذا تبين أن تخريجه ﵀ فيه

стр. 852

نظر. فإن قيل أنتم بنيتم القدح في تخريجه على أن السلام لا يمنع الناعس من الإصلاح ويمنعه عقد الركعة من الإصلاح. والراعف بخلاف الناعس لأن الراعف إذا جاء وقد عقد الإِمام بعده ركعة فإن له أن يفعل بعض أجزاء الركعة التي رعف فيها، وإن عقد الإِمام بعده ركعة، ما لم يكن التشاغل بفعل ما بقي عليه من أجزاء الصلاة يفوته الركعة التي أصاب الإِمام فيها. وأبو الحسن إنما خرج من قول أشهب في الغافل عن السجدة الآخرة من الجمعة مسألة الراعف قبل إكمال السجدة من الركعة الأولى. والراعف يحول بينه وبين الإصلاح والبناء ما فعله الإِمام بعده سواء كان السلام أو عقد ركعة. وإذا استوى في حق الراعف السلام وعقد ركعة كان التخريج صحيحًا. قلنا الغرض مما قلناه أن صلاة الجمعة من شرطها الجماعة في ركعة كاملة من غير خلاف في المذهب. ومسالة أشهب في الغافل عن السجدة الأخيرة حتى سلم الإِمام. قدّر أشهب أن المأموم إذا سجد بعد سلام الإِمام فكأنه سجد معه وتابعه، وصار كرجل تأخر بعد سجود الإِمام قليلًا. وإذا قدّر هذه الركعة كأنها كلها مفعولة مع الإِمام صح بناء الجمعة عليها. والسجدة الأخيرة من الركعة الأولى قد لا يقدّر أشهب كونها مفعولة مع الإِمام لكثرة ما فعل الإِمام بعدها من الأفعال التي تمنع من الإصلاح في بعض الأعذار، بخلاف السلام الذي لا يمنع من الإصلاح في عذر من الأعذار على أحد القولين. وإذا كان ما فعل الإِمام بعد السجدة الأولى أشد حرمة ها هنا لكونه مانعًا من الإصلاح في حق الغافل دون الراعف من السلام الذي لا يمنع أحدًا من الإصلاح، وأمكن أن تقدّر السجدة المفعولة من بقية الصلاة (١) مضافة إلى الركعة الثانية فيصير الجميع كأنه لم ينسحب عليه حكم الجماعة. إذ إنما ينسحب حكم الجماعة على من صحت له ركعة مع الإِمام، لم يتضح هذا الإلزام. ولو فعل هذا الراعف بعد رعافه فعلًا من أفعال الصلاة هل يعتد به ويبني عليه أم لا؟ ذهب ابن حبيب إلى أنه يعتد بثلاثة أشياء رفع رأسه من الركوع وهو راعف أو من السجود أو قيامه إلى الثالثة بعد فراغ تشهده. وكأنه وأى إذا حصل له الركوع والسجود ولا رعاف به ثم عرض له الرعاف فرفع منهما

стр. 853

فإن الرفع منهما يجزيه ولا يعيده إذا عاد إلى البناء. لأن المقصود من الركعة والسجدة قد حصل فإذا حصل المقصود سالمًا من موانع الصلاة عُدّ ما تعلق به وكان تابعًا له في حكم السالم، وإن كان به رعاف حينئذٍ. وقد كنا قدمنا اضطراب القول بني الرفع من الركوع هل هو فرض في نفسه أم لا؟ وذكرنا ما قاله الناس في الرفع من السجود وأشرنا إلى الاضطراب أيضًا في الحركة إلى الأركان. وهل القيام إلى الثانية مراد في نفسه أو المراد حصول المصلي قائمًا؟ وإذا لم تكن هذه الأمور مرادة في نفسها كان قول ابن حبيب أوضح منه إذا بني على القول بأنها مرادة في نفسها. وإذا قلنا بأن الراعف يعتد بأجزاء الركعة ويبني عليه، فإنه متى عاد فعل الأجزاء الباقية من الركعة ما لم يكن تشاغله بفعلها يفيته مع الإِمام عقد الركعة التي صادفه فيها ولا يمنعه من البناء وإكمال ما بقي عليه من الركعة صلاة الإِمام ركعة في غيبته، بخلاف الناعس لأن الناعس إذا زال عذره والإمام لم يعقد ركعة كان اتباع الإِمام أولى به من تشاغله بقضاء ما فات. لأنه إن تشاغل بقضاء ما فات زاد في الفوات. والراعف في حال غسله الدم غير مأمور باتباع الإِمام فيما عقده بعده. ولا يمكنه ذلك، فلهذا لم يمنعه ذلك من الإصلاح. ولكنه إذا صادف الإِمام في حال يكون تشاغله بإصلاح ما رعف فيه يفيته الركعة مع الإِمام منع ذلك وصار كالناعس. وكذلك الناعس لو تمادى به النعاس حتى عقد الإِمام ركعة أخرى لم يمنعه ذلك من الإصلاح لما كان في حال نعاسه غير مخاطب بالاتباع كالراعف إذا تشاغل بغسل الدم (١)، فالراعف والناعس جاريان على أصل واحد. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف المذهب في الراعف إذا كان فذًا هل يبني أم لا؟ فأجاز مالك له البناء. ومنعه ابن حبيب، فكأن مالكًا رأى أن الظواهر والآثار عن الصحابة المقتضية للبناء لا تخص مصليًا دون فصل فحملها على إطلاقها. وكان البناء في الراعف لحرمة قطع الصلاة، واحيتاطًا من إبطال العمل بمانع وقع عن غلبة، ولم يؤثر في نقض الطهارة. وهذا حاصل في الفذ كما هو حاصل فيمن كان في جماعة. وكان ابن حبيب رأى أن البناء في

стр. 854

الرعاف لحرمة الجماعة وفضلها. ألا ترى أن المصلي يقطع في بعض الأعذار إذا كان فذًا. ولا يقطع إذا كان في جماعة لحرمتها. ولا يبني إذا كان فذًا لفقد حرمة الجماعة التي هي سبب البناء. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما صفة بناء الراعف فقد تقدم القول فيه مبسوطًا لما تكلمنا على القضاء والبناء. وهل يكون المأموم إذا فاته شيء قاضيًا فيه أو بانيًا؟ وهل يكون الفذ أيضًا قاضيًا أو بانيًا؟ وهل القضاء والبناء إنما يفترتان في القراءة خاصة دون القيام والقعود أو يفترقان في جميع ذلك؟ وإذا اجتمع القضاء والبناء أيهما يقدم؟ وذكرنا ما في هذا كله من الاختلاف، وسبب الاختلاف فيه، فلا معنى لإعادته. وفي الموازية أن الإِمام إذا سجد سجدة التلاوة بعد خروج الراعف أن الراعف إذا عاد لإصلاح ما فاته سجدها قبل إكمال صلاته، ليقْفوَ أثرَ إمامه ويفعل على حسب ما كان يفعل. وهذا هو المعتمد في هذا الباب إكمال الصلاة على ما بقي من ترتيبها سوى ما أشرنا إليه من الاختلاف في الفصول التي قدمناها فمن أحب بسط فروع هذا الباب، طالع هذا الموضع الذي أحلناك عليه. فصل صلاة المريض قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وصلاة المريض بحسب إمكانه ولا يسقط عنه ما يقدر عليه لعجزه عن غيره. ويختار له أن يجلس متربعًا ويثني رجليه للسجود (١). فإن لم يقدر على السجود أومأ. وجعله أخفض من الركوع. وإن عجز عن الجلوس اضطجع على جنبه (٢) الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يتمكن من ذلك فعلى ظهره. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة. منها أن يقال:

стр. 855

١ - ما حكم المريض إذا عجز عن ركن دون ركن؟. ٢ - وما حكمه إذا عجز عن الإيماء برأسه؟. ٣ - وما حكمه إذا عجز عن الجلوس وصلى مضطجعًا؟. ٤ - وما صفة الإيماء؟. ٥ - وفي أي موضع يجوز الإيماء؟. ٦ - وما صفة الجلوس؟. ٧ - وما الأعذار المبيحة لترك القيام؟. ٨ - وما حكم العجز إذا تغير في الصلاة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الأصل عندنا أن يصلي المريض بحسب طاقته بن غير لحوق مشقة له. فإن عجز عن القيام فأمكنه أن يفعله متكئًا صلى متكئًا. فإن لم يقدر على القيام ولا التوكؤ صلى جالسًا. فإن لم يقدر على الجلوس إلا مستندًا. ولكنه لا يستند إلى جُنُب ولا إلى حائض. فإن فعل أعاد في الوقت. واختلف المتأخرون في علة الكراهة في الاستناد إليهما. فقال ابن أبي زيد وغيره إنما ذلك لنجاسة ثيابهما وأبدانهما. فلو تحققت الطهارة لجاز ذلك. وقال القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا إنما كره ذلك لأن مسند المريض إليه يجب أن يكون حكمه حكم المصلي. لأن إمساك المصلي معاونة له على فعل الصلاة فيجب أن يكون متوليه على أكمل أحواله. ولذلك أُمِر من حمل الجنازة أن يتوضأ لها، صلى عليها أو لم يصل. قال بعض المآخرين هذا الحكم يختص بالمستند إليه لا بالمصلي. وقول ابن القاسم يعيد في الوقت إشارة إلى رجوع التعليل إلى المصلي. وطرد ما قال القاضي أبو محمَّد، يقتضي أيضًا أَلَاّ يستند لغير متوض. وقال بعض أشياخي إنما كره ذلك لأنهما في حكم النجس. ولذلك مُنعتا (١) دخول المسجد. ولهذا أعيدت الصلاة في الوقت. ويتخرج جواز ذلك على قول ابن مسلمة بجواز دخولهما المسجد لأنهما في حكم الطاهر. وقد قال ﵊: المؤمن لا ينجس (٢). وفي

стр. 856

الصحيح أنه ﷺ كان يصلي وأن بعض ثوبه إذا سجد ليصيب زوجته ميمونة وهي حائض (١). فإن عجز عن الركوع وقدر على القيام لم يسقط عنه فرض القيام. وقال أبو حنيفة هو بالخيار إن شاء صلى قاعدًا وإن شاء صلى قائمًا. هكذا نقل هذه المسألة عن أبي حنيفة بعض أصحاب الشافعي. ونقلها بعض أصحابنا إذا عجز عن السجود دون القيام فقال أبو حنيفة صلاته كلها جلوس. ونقل بعض أصحاب أبي حنيفة إذا عجز عن الركوع والسجود دون القيام لم يلزمه القيام وإن شاء صلى قاعدًا يومئ إيماء. وبالجملة فإن مذهبنا أن فرض القيام لا يسقط بالعجز عن غيره. وقد قدمنا ما قيل في قيام العاجز عن القراءة. وإنما تكلمنا ها هنا على فرض القيام على الجملة في حق القادر على القراءة. والدليل على أن القيام لا يسقط بالعجز عن غيره أن الأصل فيما يسقط لعذر أن يتقدر بقدر عذره. فإن كان العجز هو العذر تعذر الساقط بمقدار العجز. لأن العجز كعلة في السقوط والحكم يتقدر بقدر علته. ألا ترى أن العاجز عن القيام خاصة لا يسقط عنه الركوع والسجود. وكذلك القراءة لا يسقطها العجز عن غيرها. والمريض (٢) إذا قدر على القعود لم يصل مضطجعًا. وقد قال ﷺ : "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب" (٣). فأمر بالقيام على الإطلاق بشرط الاستطاعة. وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بأن القيام تبع لهذه الأركان فإذا سقط المتبوع سقط التابع. وإذا كانِ القيام إنما أريد لها فإن لم تكن فلا معنى لإيجابه. ألا ترى أن النافلة لما سقط فيها الركوع سقط فيها القيام (٤). والقراءة لم تجب لأجل غيرها فتسقط بالعجز عن ذلك الغير. وأما القادر على الإيماء قاعدًا، فإنما

стр. 857

لم يصل مضطجعًا، لأن استقبال القبلة يجب. والتوجه إليها، إنما يكون بالقيام أو القعود. والمستلقي على قفاه لم يستقبل القبلة، وإنما استقبل السماء، ولو استقبل القبلة بالإيماء على جنبه لم يكن ذلك استقبالًا لأنه إنما يكون الإيماء إلى يسار القبلة لا إلى القبلة. فحقيقة الاستقبال حالة الإيماء غير حاصل. وعمدة أصحاب أبي حنيفة كون القيام تبعًا. وهذا لا يسلم لهم. ولا يسلم لهم ما قالوه في النافلة لأن القيام فيها ساقط في الأصل لا لأجل سقوط الركوع. وإذا ثبت أن القيام لا يسقط بالعجز عن غيره. فلا يخلو القائم: أن يقدر على الجلوس ليسجد أو لا يقدر على ذلك. فإن قدر على ذلك وعجز عن الركوع أيضًا صلى قائمًا وأومأ للركوع ثم جلس وأومأ للسجود فإن قدر على الركوع دون السجود ركع ثم جلس وأومأ للسجود وإن كان القادر على القيام لا يستطيع أن يجلس إذا قام ولا يقدر على الركوع والسجود صلى الصلاة كلها قائمًا موميًا للركوع والسجود. فلو كان المريض لا يعجز عن ركن إلا إذا تلبس بركن آخر مثل أن يكون إذا افتتح الصلاة قائمًا وجلس للسجود في الأولى فإنه لا يقدر على القيام في باقي صلاته. وإن لم يجلس قدر أن يصلي صلاته كلها قائمًا لكنه يومئ للسجود في الثلاث ركعات الأولى ثم يجلس في الرابعة فيسجد، فأي الأمرين أولى به، الاحتفاظ على قيام ثلاث ركعات مع الاقتصار على الإيماء بسجودها أو السجود في سائر الأربع ركعات مع الاقتصار على الجلوس في الثلاث الأواخر منها؟ هذا مما اضطرب فيه المتأخرون فمال أبو إسحاق ﵀ إلى إيثار السجود على القيام لأن السجود في الأولى يسبق فرضه فرض القيام في الثانية. ولا يترك فرض حضر وهو قادر عليه لفرض آخر لم يحضر. ولأن السجود مجمع على كونه فرضًا وهو من أعظم أركان الصلاة. وإلى هذا مال بعض أشياخي. واعتل بأن القيام مختلف في كونه فرضًا فما أجمع عليه أولى أن يراعى. وذهب بعضهم إلى أنه يصلي الثلاث الأول ركعات قائمًا يومئ فيها للسجود وأن ذلك أولى من صلاته الثلاث ركعات جالسًا ساجدًا. وكأن هذا رأى أن اعتبار القيام أولى. ولا يكاد يتحقق لهذا المذهب ترجيح إذا كان الجلوس بعض القيام. كما أن الإيماء للسجود بعض السجود.

стр. 858

هذا إذا كان تلبسه بركن مفروض يعجزه عن ركن مفروض آخر. وأما لو كان عجزه في ركن ليس بمفروض مثل أن يكون المريض لا يقدر إذا قام أن يقف إلا مقدار قراءة أم القرآن فإن صلّى قائمًا اقتصر عليها وإن صلّى جالسًا قرأ بأم القرآن وسورة فإنه يصلي قائمًا لأن القيام فرض وقراءة السورة التي مع أم القرآن ليست بفرض، فلا يترك فرضًا لما ليس بفرض. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا لم يستطع المريض أن يومئ برأسه للركوع والسجود فهل يومئ بطرْفه وحاجبه ويكون مصليًا بهذا الفعل مع النية للصلاة؟ مقتضى المذهب فيما يظهر لي أنه يؤمر بذلك ويكون مصليًا به، وبه قالت الشافعية وقال أبو حنيفة لا يصلي في هذا الحال وتسقط الصلاة. وقد قال ابن القاسم في العتبية إذا لم يقدر المريض على التكبير والقراءة بلسانه فلا يجزيه أن ينوي ذلك (١) بغير حركة اللسان بقدر ما يطيق. وهذا وإن كان فيه إشارة إلى أن النية لا تنفع فإن المراد به أن يأتي بحركة ما في اللسان (٢) إذ لا يعجز عنها مع أن العجز عن القراءة أصلًا لا يسقط فرض الصلاة. وكأن أبا حنيفة رأى أن هذا إثبات صلاة بقياس. ولا يثبت أصل الصلاة بالقياس. ولأنه لم يأت بالركوع والسجود ولا ببعض منه، وهما مقصودا الصلاة. والمومىء أتى ببعض ذلك. واحتج أصحابه بأن ابن عمر روى عن النبي ﷺ : فإن لم تستطع فعلى القفا تومىء إيماء فإن لم تستطع فالله أولى بقبول العذر (٣). واحتجت الشافعية بقوله ﷺ : يصلي المريض قائمًا فإن لم يستطع صلى جالسًا فإن لم يستطع صلّى على جنبه مستقبلًا القبلة فإن لم يستطع صلى مستلقيًا على قفاه ورجلاه في القبلة (٤) وأومأ بطرفه وحاجبه (٥). والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا لم يقدر المريض على

стр. 859

الجلوس وكان فرضه الاضطجاع فهل يصلي على جنبه أو ظهره؟ فيه قولان: أحدهما أنه يصلي على جنبه وهو المشهور. وبه قال عمر بن الخطاب ﵁ والشافعي. والثاني أنه يصلي على ظهره ورواه ابن حبيب عن ابن القاسم وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. وروي عن ابن عمر المذهبان. فوجه البداية بالجنب قوله ﷺ : صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنْب (١). وقد تنازع الناس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٢). فقال بعضهم المراد به المريض والخائف. فيكون ذكر الجنب على هذا التأويل حجة لهذا المذهب. وقيل المراد ذكر الله تعالى باللسان بعد انقضاء الصلاة، لأن أصحاب التأويل الأول يفتقرون إلى التَجوز يحمل فعل الماضي على المستقبل فيجعلون (٣) المراد: بقضيتم: أردتم أن تقضوا. وإلى التجوز أيضًا يحمل الذكر على الصلاة. وحقيقة الذي ما كان باللسان. واعلم أن التوجه إلى الكعبة مطلوب في الصلاة. فمن قال بالصلاة على الجنْب راعى التوجه بجميع البدن. ومن قال على الظهر راعى التوجه بالصلاة لأن المضطجع على ظهره لو أكمل ما أشار إليه من السجود لكان إلى الكعبة. والمضطجع على جنبه الأيمن لو أكمل مبدأ حركته لكان إلى يسار القبلة. وإذا قلنا يبتدىء بالجنب فالجانب الأيمن مُبدَّاٌ. فإن لم يقدر عليه فقال ابن المواز يصلي على الأيسر فإن لم يستطع فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة. وقال سحنون يصلي على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة كما يُجعل في لحده، فإن لم يقدر فعلى ظهره. ووقع في المدونة: يصلي على جنبه أو على ظهره ويجعل رجليه مما يلي القبلة. وتأول عليه أنه لم يُرد التخيير بين هذين. وإنما أراد البداية بالجنب. فإن لم يقدر فعلى الظهر. وكذلك قوله: يجعل رجليه مما يلي القبلة، معناه إذا صلّى على الظهر. وأما لو صلّى على جنبه فرجلاه تلي المشرق. ولو

стр. 860

بدأ هذا المصلي بجانب وحقه أن يبدأ بغيره لأجزأته صلاته. ولو صلى على جنب وهو قادر على أن يصلي قاعدًا (١) مستندًا، لأعاد. قاله بعض الأشياخ. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الإيماء يكون بالرأس والظهر جميعًا. قال مالك في المدونة إذا لم يقدر المريض أن يسجد على الأرض فليومىء بظهره ورأسه. والإيماء للسجود أخفض من الإيماء للركوع. وليس الإيماء على الحقيقة ببدل من الركوع والسجود لأن الإيماء للركوع بعض الركوع والإيماء للسجود بعض السجود، لأن الركوع الانحناء. والسجود إمساس الجبهة بالأرض. ولا يمكن ذلك إلا بحركة الرأس والظهر إلى مبلغ ما. فالعاجز عن ذلك المبلغ يفعل بعض الحركات التي يفعلها من لم يعجز. فهي مفعولة في الحالين مع القدرة ومع العجز. وهذا لا يكون بدلًا إذ لا يكون بدل الشيء بعضه، هذا هو التحقيق. ومتى أطلق المحقق على ذلك اسم البدل فتوسعٌ وتساهل في العبارة. وإذا ثبت هذا فإن المريض وإن أبيح له الإيماء والجلوس لأجل المرض، فالمأمور به أن يصلي إلى القبلة. قال في المدونة في المريض: لا يصلي إلا إلى القبلة. وإن عسر تحويله إليها احتيل فيه. فإن صلّى إلى غيرها أعاد في الوقت إليها. قال بعض المتأخرين الوقت المشار إليه غروب الشمس في الظهر والعصر. وإنما يعيد في الوقت من لم يقدر على استقبال القبلة. فأما المريض القادر على استقبالها فيعيد أبدًا كالصحيح. وهل على المومىء أن يبلغ نهاية ما في وسعه من الحركة إلى هذا المبلغ المشار إليه؟ ظاهر المدونة أنه ليس ذلك عليه لقوله في المصلي قائمًا يجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع. فأشار إلى جواز الاقتصار في الإيماء للركوع على دون المقدور عليه منه. وهكذا قوله في المدونة في القادر على السجود على الأنف دون الجبهة يومئ ولا يسجد على الأنف، فاْمره بترك زيادة مقدور عليها في الإيماء. وظاهر مختصر ابن شعبان أن عليه البلوغ إلى نهاية ما يقدر عليه من الإيماء؛ لأنه قال فيمن رفع إليه شيء يسجد (٢) عليه. إن كان أومأ إلى طاقته ثم

стр. 861

سجد على ما رُفع إليه وهو يطيق من الانحطاط للإيماء أكثر من ذلك فسدت صلاته. فأشار بهذا إلى أن الواجب البلوغ إلى نهاية ما يقدر عليه من الإيماء. وسبب هذا الاختلاف ما كنا قدمنا الإشارة إليه من الاختلاف في الحركة إلى الأركان هل هي فرض مقصودة في نفسها، أو غير مقصودة في نفسها وإنما المقصود الركوع والسجود، فإن قيل هي مقصودة في نفسها حسن القول بان المأمور به نهاية ما يقدر عليه من الإيماء. لا سيما وقد بيّنا أن الإيماء ليس ببدل. وإنما السجود والحركة إليه كفرض واحد عجز عن بعضه وقدر على بعض، فيجب ألا يترك شيء من المقدور عليه لأجل المعجوز عنه. وإن قيل ليست بمقصودة حسن القول بأنه لا يؤمر بالبلوغ إلى نهاية ما يقدر عليه لا سيما إن قدرنا أن الإيماء كعبادة هي بدل من السجود. فإذا فعل منها ما ينطلق (١) عليه اسم إيماء أجزأه كما يجزئ فعل ما ينطلق عليه اسم ركوع. هذا حكم المومىء إذا قصر. فأما لو زاد على المبلغ المأمور به مثل من بجبهته قروح تمنعه من السجود عليها فإنه مأمور بأن يومئ ولا يسجد على أنفه. قال ابن القاسم في المدونة فإن فعل وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزيه لأنه زاد على الإيماء. واختلف المتأخرون في مقتضى قول ابن القاسم هل الأجزاء كما قال أشهب أم لا؟ فقال بعض الأشياخ وحكاه عن ابن القصار هو خلاف قول أشهب. لأن فرض هذا المصلي الإيماء فإذا سجد على أنفه فقد ترك فرضه وصار كمن سجد لركعته فإنه لا يعتد بذلك، وإن كان زاد على مبلغ الركعة. وقال غيره من الأشياخ بل ابن القاسم يوافق أشهب لأن الإيماء لا يحصر بحد ينتهي إليه، ولو قارب المومىء الأرض لأجزأه باتفاق فزيادة إمساس الأرض بالأنف (٢) لا يؤثر. مع أن الإيماء رخصة وتخفيف ومن ترك الرخصة وركب المشقة فإنه يعتد بما فعل. ولو ركب هذه المشقة وسجد على جبهته وأنفه لأجزأه، كمتيمم أُبيح له التيمم لعذر فتحمل المشقة واغتسل بالماء فإنه يجزيه. لاذا لم يقدر المريض على الركوع وصلّى قائمًا أومأ لركوعه ومد يديه إلى

стр. 862

ركبتيه في إيمائه. ولو صلّى جالساّ وهو قادر على الركوع فقد قال مالك فيمن تنفل في محمله يركع متربعًا ويضع يديه على ركبتيه، وإذا رفع رأسه من ركوعه رفعهما. وإن لم يعجز المريض إلا عن السجود فقد قال مالك في المدونة فيمن لم يقدر على السجود لرمد بعينيه، أو صدل يركع ويقعد ويثني رجليه ويومىء للسجود. قال أبو إسحاق ﵀ إن قدر أن يومئ للسجدة الأولى من انحطاطه إلى الركوع فعل، لأنه لا يجلس قبل السجدة الأولى. وإن تعذر ذلك عليه جلس ثم أومأ للسجود، ولو حاول هذا المريض أن يجمع بين إيماء وسجود فإنه ينهى عن ذلك. قال مالك في المدونة لا يرفع إلى جبهته أو ينصب بين يديه شيئًا يسجد عليه فإن جهل وفعل ذلك لم يُعِد. وقال أشهب إنما يجزيه إذا أومأ إلى ذلك الشيء برأسه حين يسجد عليه. وأما لو رفعه حتى أمسه جبهته وأنفه لأعاد صلاته أبدًا. وكان أشهب رأى أنه إذا لم يُومِ برأسه لم يحصل السجود ولا ما أُقيم مقامه وهو الإيماء. فإذا أوما فقد حصل المطلوب منه وهو الإيماء، ولا يضره مماسته جبهته لبعض الأشياء. وعلى مقتضى قول مالك في مختصر ابن شعبان يراعي أيضًا في إيمائه أن يبلغ نهاية الحركة المقدور عليها. واشترط بعض أشياخي أن يقصد بإيمائه الأرض لا الشيء المسجود عليه، لأن المراد بالإيماء عنده أني مطيع غير مستكبر عما دُعيت إليه من السجود على الأرض. وإذا لم تكن الإشارة إلى الأرض وإنما كانت للمسجود عليه لم يحصل الغرض المقصود فلا يعتد بهذا الإيماء. قال ألا ترى أن مالكًا أمره أن يحسر العمامة عن جبهته في حال إيمائه. فكانه استشعر من قول مالك هذا ما قاله: من أن القصد مضاهاة فعل الساجد في التذلل، وإنما حسر في عمامته حتى يستشعر حالة الساجد بالأرض. وإذا لم يقدر المريض إلا على الاضطجاع فليومىء برأسه ولا يدع الإيماء. وقد قال ﵊: من لم يستطع الركوع والسجود فليومىء برأسه إيماء (١).

стр. 863

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: من كان فرضه الإيماء فصلى في المحمل وهو عاجز عن القيام أيضًا حتى تكون صلاته في المحمل كصلاته في الأرض فإن المذهب ظاهره مختلف في ذلك. كره مالك في المدونة صلاته في المحمل وإن كان (١) لا يستطيع الجلوس. وروي عن مالك إجازة ذلك إذا تساوت الحال وأمْسكت به الدابة إمساكًا يكون به متوجهًا إلى القبلة. وروي عن مالك أيضًا أنه لا يجوز أن يصلي في المحمل راكبًا إلا إذا لم يقدر أن يصلي بالأرض جالسًا. وظاهر المدونة وإن كان مقتضاه النهي على الإطلاق، فقد تأوله أبو محمَّد على أن معناه أنه لا يصلي حيث ما توجهت به الدابة. وأما لو وقفت واستقبل القبلة لجاز. فالمنع على الإطلاق عنده ليس برواية إذا تُؤول ما في المدونة على موافقة الرواية الأخرى التي حكيناها. ولو كان المريض يقدر على السجود وعلى القيام لم يصل في المحمل لأنه لا ينتقل إلى الجلوس أو الإيماء مع القدرة على القيام والسجود. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما صفة الجلوس فيمن صلى جالساً فقد قال مالك في المدونة: من تنفل في محمله فقيامه توبع فإذا ركع ركع متربعًا. وقال محمَّد بن عبد الحكم: بلغني عن كبار أهل العلم وخيارهم أنهم إذا صلوْا جلوسًا فيركعون ويثنون أرجلهم على نحو الجلوس بين السجدتين. وذكر أن محمَّد بن المنكدر وابن أبي حازم وربيعة كانوا يفعلون ذلك إذا صلوا النفل. ومال بعض الأشياخ إلى اختيار هذه الجلسة لما كانت مشروعة في الصلاة كما أشار إليه ابن عبد الحكم. ولكونها أقرب للتواضع. واختلف قول الشافعي فقال مرة بالتربع وقال مرة بالافتراش. واختلف قول أبي حنيفة قال مرة بالتخيير بين هذين وقال مرة بالتربع. فإذا أراد أن يركع ثنى رجله. ووجه القول بالتربع قول عائشة ﵂: رأيت النبي ﷺ يصلي النفل متربعًا. ولأنه بدل عن القيام فخالف غيره في الهيئة كالقيام. ووجه ما صار إليه الشافعي من الافتراش ما أشرنا إليه من أن الجلوس

стр. 864

ينبغي أن يوافق هيئة الصلاة. وعنده أن التشهد الأول يجلس فيه مفترشًا. ولأن ابن مسعود أنكر التربع فقال: لأن أجلس على رضف أحب إقي من أن أصلي متربعًا. وهذا المحكي عن ابن مسعود يقابله من اختار التربع بما روي عن ابن عمر وابن عباس وأنس من اختيار التربع. ووجه قول أبي حنيفة بالتخيير أن القيام، لما سقط تخفيفًا، فالهيئة أولى أن تسقط. وإذا اضطر الجالس إلى مخالفة الهيئة المختارة فعل. وقد سئل مالك في المدونة عن من بركبتيه ما يمنعه من الجلوس والسجود عليهما فقال يفعل من ذلك ما استطاع وتيسر عليه فإن دين الله يسر. وقال مالك في المدونة فيمن تنفل في المحمل إذا أهوى للسجود ثنى رجليه وأومأ بالسجود فإن لم يقدر أن يثني رجليه أوما متربعًا. وقال ابن حبيب من شاء في تنفله قام في ركعة وقعد في ثانية أو قام بعد قعود أو قعد بعد قيام فقرأ ثم عاد للقيام، بدأ أول ذلك كيف شاء. وإن شاء سجد وإن شاء أوما من غير علة وله أن يمُد إحدى رجليه إذا عيي وكذلك في المحمل له أن يقعد بين التربع والاحتباء، فأنت تراه كيف أشار إلى جواز مد الرجل عند الإعياء وإن كان ذلك ليس من هيئة الصلاة. وقد قال في المدونة لا بأس بالاحتباء في النوافل للذي يصلي جالسًا بعقب تربعه. قال بعض الأشياخ معناه: مرة احتباء، ومرة تربعًا. يبدأ بالتربع ثم يعقبه احتباء. وقيل معناه يجعل العقب حذو العقب. ومن رواه بعقب تربعه بالباء التي هي حرف جر لم يصح هذا التأويل عنده. والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إذا عجز المريض عن القيام لم يخاطب به. فإن كان لا يعجز عنه، ولكنه تلحقه من القيام إذا تكلفه مشقة فادحة تُلحقه بحكم العاجز فإنه لا يخاطب بالقيام أيضًا. وقال محمَّد بن عبد الحكم إن خاف معاودة علة تضر به إن قام سقط عنه القيام. وكذلك عنده من لا يملك خروج الريح منه إذا قام. فإن القيام يسقط عنه ويصلي جالسًا. وكأنه رأى أن مراعاة فرض الطهارة التي هي شرط في صحة الصلاة أولى من مراعاة فرض القيام. هل يباح له ترك القيام لقدح الماء من عينيه؟ لا يخلو أن يترك القيام إلى الجلوس أو إلى الاضطجاع، فإن تركه إلى الجلوس وأمكنه أن يصلي جالسًا

стр. 865

ويومىء برأسه جاز ذلك. وإن لم يمكنه الجلوس ولم تمكنه الصلاة إلا مستلقيًا فاختلف المذهب فيه، فمنعه في المدونة. وقال إن صلّى كذلك أعاد في الوقت وبعده، وأجازه أشهب وبه قال أبو حنيفة. وروي عن مالك التسهيل فيه. وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب في اليوم ونحوه. وكرهه فيما كثر من الأيام. وليس للشافعي فيه نص. قال أصحابه والذي يجيء على المذهب أنه لا يجوز. فوجه الجواز القياس على جواز السفر في شهر الصوم وإن كان ذلك سببًا في الفطر. والسفر في مواضع لا ماء فيها. وإن كان ذلك سببًا في التيمم. وعلى المسح على الجبائر. وهو انتقال عن فرض للضرورة. وقال أبو إسحاق ولأن التداوي جائز. وإذا كان جائزًا جاز أن ينتقل من القيام إلى الاضطجاع كما يجوز أن يتداوى بالفصد وينتقل إذا توضأ من غسل إلى مسح موضع العِرق وما يليه مما لا بد له من رباطه. ووجه المنع أن النُجْح بالقدح لم تجر عادة في النفع به حتى يتحقق المقدوح أو يظن غالبًا انتفاعه به. وما كان كذلك لا يباح ترك الفروض لأجله بخلاف الفطر والتيمم في السفر (١). لأن الانتفاع بالسفر في حكم المعلوم وبخلاف المسح على الجبيرة لأن الانتفاع باجتناب الماء معلوم. ويفرق هؤلاء (٢) بين المستلقي والجالس عند بعض أشياخي بأن الجالس يأتي بعوض من الركوع والسجود وهو الإيماء بالرأس، والمستلقي لا يأتي بعوض وإنما يأتي عند الركوع والسجود بنية من غير فعل. وقد روي أن ابن عباس لما كفّ بصره أتاه رجل فقال له إن صبرت على سبعة أيام أن تصلي مستلقيًا داويت عينيك ورجوت أن تبرأ. فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة ﵄ وغيرهما من الصحابة ﵃ في ذلك. فكل قال له إن من في هذه الأيام ما الذي تصنع بالصلاة؟ وأما تفرقة مالك بين ما قلّ من الأيام وما كثر منها فمراعاة لتأكد الحرم لأن الأيام إذا كثرت كثرت صلواتها وإذا قلت قلت صلواتها. والصلوات الكثيرة لها من الحرم أكثر مما للقليلة. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا تغيرت حالة المصلي إلى ما هو أكمل وأعلي بني علي صلاته وأدى بقية الصلاة على حسب ما انتقل إليه مثل

стр. 866

أن يصح المصلي جالسًا في أثناء صلاته، فإنه *يكمل الصلاة قائمًا. وإن انتقل إلى ما هو أدنى كالصحيح يصلي قائمًا ثم يعجز عن القيام في أثناء صلاته فإنه* (١) عندنا-، وعند الشافعي وأبي حنيفة يبني على صلاته أيضًا ويكملها جالسًا. وقال محمَّد بن عبد الحسن تبطل صلاته لما طرأت القدرة على فرض لم يكن. ولنا القياس على من انتقل إلى الحالة العليا لأن ما مضى وتقضى قد وقع على حسب ما أمر به في الحالين. ومن امتثل الأمر فلا معنى للقضاء بفساد فعله. وهكذا عندنا لو صلى مومئًا ثم انتقل إلى القدرة على الركوع وفعل الركن الذي يومئ إليه فإنه يبني على صلاته ويكملها بفعل ما هو أعلى. وقال أبو حنيفة يستأنف الصلاة وفرق بين هذا وبين الجالس إذا قدر على القيام وإن كانا جميعًا انتقلا إلى ما هو أعلى. فإن أصل القيام في الجالس موجود؛ لأن القيام باستواء النصفين حصلا جميعًا من الشخص والنصف الأعلى من القاعد مستو، وإذا حصل أصل القيام ووجد أصل هذا الركن وقد اشتملت النية على الركن فصح البناء عليه، لأنه إنما انعدم في أول الصلاة تمامه. وأما المومىء فلا ركوع في صلاته ولا سجود لأن الركوع حنوّ الظهر والسجود مماسة الجبين الأرض، والمومىء لم يوجد منه تحريك رأسه فإذا لم ينعقد هذا الركن في أول صلاته لم يصح إكمال الصلاة بما لم تنعقد عليه أولًا (٢). ودليلنا ما تقدم من اعتبار امتثال الأمر. وأن المؤدي فرضه على حسب ما أمر به، لا معنى للحكم بإبطال فعله. وهذه المسألة قد تقدمت الإشارة إلى طريقتها لما ذكرنا فيما سلف للأمي إذا تعلم القراءة في أثناء الصلاة والعريان إذا وجد السترة في أثناء الصلاة. وذكرنا هناك حكم هذه المسائل. وهكذا تقدم الكلام على الإِمام إذا عجز في أثناء الصلاة عن القيام فإنه يستخلف ويرجع إلى الصف فيصلي مأمومًا. وقد أوعبنا حكم إمامة الجالس للقُيّام. وكذلك أيضًا قدمنا ما حكاه ابن حرث من الاختلاف في المريض يصلي بالمرضى فيصح بعض من خلْفَه فمذهب سحنون أنه يخرج من صلاة الإِمام ويتم لنفسه، كما يجوز للأمام أن يصير مأمومًا لوجود عذر فكذلك المأموم يجوز أن يصير فذًا

стр. 867

لوجود عذر. ومذهب يحيى ابن عمر أنه يتمادى لأنه دخل بما يجوز له. قاط القاضي أبو محمَّد ﵀: ويقف المصلي خلف الصفوف وحده إذا لم يجد في الصف موضعًا ولا يجبذ إليه أحدًا من الصف ولا ينتظر الإمام من سمع حسه. ولا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي، ويستحب للمصلي في الفضاء أن يكون (١) بين يديه سترة تحول بينه وبين المارين. وقدرها عَظْم الذراع في غِلَظ الرمح. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة: منها أن يقال: ١ - لِمَ لمْ ينتظر الإِمام من سمع حسه؟. ٢ - وما الدليل على الأمر بالسترة بين يدي المصلي؟. ٣ - وما الدليل على أن المار لا يقطع الصلاة؟. ٤ - وما صفة السترة؟. ٥ - ومن يؤمر بها؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف المذهب إذا كان الإِمام راكعًا فأحس بداخل عليه هل يطيل ركوعه ليدرك الداخلُ معه الركعة أم لا؟ فقال ابن حبيب لا يفعل. وقد قال النخعي: من وراعه أعظم حقًا ممن يأتي. وقال سحنون ينتظره ولو طال ذلك. وذكرت الشافعية أن عندهم قولين في ذلك. أحدهما: كراهية الانتظار. والثاني استحبابه. وأنكر الإسفراييني أن يكون قيل عندهم بالاستحباب. قال: وإنما الخلاف هل يكره أم لا؟ وبالكراهة قال أبو حنيفة وداود وابن المنذر، وبنفي الكراهة. قال الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وأبو ثور. هكذا حكى بعضهم عن النخعي. وهو خلاف ما حكيناه عنه أولًا. فوجه الكراهة ما أشار إليه النخعي من مراعاة حق من خلفه. فإذا أكمل بهم الركن فلا يسقط حقهم في الشروع في غيره بمراعاة حق آخر. وقد اعتل لهذا القول بأنه متى انتظر، صلّى (٢) جزءًا من الصلاة لأجل آدمي. وهو قد أمر أن يخلص صلاته كلها لله. وهذا ضعيف، لأنه إذا اعتقد أنه مأمور بالانتظار، فقد

стр. 868

صار الانتظار طاعة لله ، ولم تخرج الصلاة كلها عن إخلاصها لله تعالى. ووجه القول بالانتظار ما فعله ﷺ من الانتظار في صلاة الخوف من انتظار الطائفة الثانية بمقدار قضاء الأولى وإتيان الثانية. وهذا أيضًا قد يقال فيها أنها صلاة خرجت عن الأصل لجواز خروج الطائفة الأولى من الإمامة. ولكن إن خرجت عن الأصل بخروج الطائفة الأولى، فلهؤلاء أن يقولوا الانتظار لا خروج فيه عن الأصل فاستدل بفعله ﵊. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدليل على أن السترة بين يدي المصلي مشروعة ما ثبت من أنه ﷺ إذا كان في سفر أو خرج إلى العيدين ركزت له الحربة أو العَنَزة فيصلي إليها وأنه كان يصلي إلى بعيره (١). وقال ﷺ يستر المصلي مثل مؤخرة الرَّحْل يجعله بين يديه (٢). وقوله ﷺ : إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن من سترته فإن الشيطان يمر بينه وبينها (٣). وقوله إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليَدْرَأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (٤). قيل يمكن أن يكون المراد بقوله فليقاتله أي فليلعنه. والمقاتلة قد تكون في اللغة والشرع بمعنى اللعن. قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (٥). معناه لعن الخراصون. وقال: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٦). قيل معناه لعنهم الله. وقد يكون المراد تأنيبه على ما فعل بعد تمام الصلاة. وقد قيل معناه فليدفعه دفعًا أشد من الدرء مُنكِرًا عليه ومغلظًا. ويسمى ذلك مقاتلة على سبيل المبالغة. وإنما احتيج إلى تأويل الحديث لأجل الإجماع على أنه لا يجوز له أن يقاتله المقاتلة المفسدة للصلاة. وقد قال مالك يمنعه بالمعروف. وقال أشهب إذا مر بين يديه شيء في بعد منه فليرده بالإشارة ولا يمش إليه. فإن فعل وإلا تركه. وإن قرب منه ولم يفعل فلا ينازعه. فإن ذلك المشي أشد من مرّهِ. فإن

стр. 869

مشى إليه ونازعه لم تفسد صلاته. وقد قال عثمان بن عفان ﵁ لرجل درأ رجلًا فكسّر أنفه: لو تركته كان أهون من هذا. وقال ابن شعبان إذا درأه فخرّ ميتًا فإن ديته على عاقلة الذي درأه، ولو لم يُذكر فيما حكيناه عن عثمان ﵁ أنه جعل في كسر الأنف شيئًا. وأجرى ذلك بعض المتأخرين على الاختلاف فيمن جبذ إصبعه من فم من عضه فقلع أسنانه. فقد قال مالك يضمن. وقال غيره لا ضمان عليه. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: عندنا أنه لا يقطع الصلاة مرور شيء. وقال الحسن يقطع. وقال قوم المرأة تقطعها والحمار والكلب الأسود. ودليلنا قوله ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء (١). واستدل المخالف بقوله ﷺ : يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قدر مؤخرة الرحْل، الحمار والكلب الأسود والمرأة. قال أبو ذر فسألت النبي ﷺ : فقلت ما بال الأسود من الأحمر من الأبيض؟ فقال: الكلب الأسود شيطان (٢). وأجيب عن هذا بأنه منسوخ بما قدمناه. وأنه يحمل على معنى اشتغال المصلي بهؤلاء بدليل حديث عائشة ﵂ وقولها فأنسَلُّ من قبل رجلي السرير (٣). الحديث. وإخبارها فيه بانها تنسل بين يدي النبي ﷺ -وهو يصلي، إشارة إلى أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة. وقد ذكرت المرأة في الحديث الذي استدل به. المخالف. وقال الأبياني فيمن مر بين يدي رجل فظن أن ذلك يقطع صلاته فابتدأ بإحرام جديد إن ذلك لا يضره لأنه إنما زاد تكبيرة وقراءة. ومراده من فعل ذلك في أول ركعة. ولهذا قال إنما زاد تكبيرة وقراءة. وأما لو كان بعد ركعة فإن إحرامه لا يقطع ما تقدم ويصير كمن زاد في صلاته جهلًا. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما السترة فقال مالك هي مثل عظْم الذراع في جلة (٤) الرمح وإنما جعل الارتفاع بمقدار عظم الذراع لقوله ﷺ : إذا

стр. 870

وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من يمر من وراء ذلك (١). فارتفاع مؤخرة الرحل نحو مما قاله مالك. وأما اعتباره غلظ الرمح فلأنه ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه (٢). وكان يفعل ذلك في السفر. وكره مالك السوط فإن فعل أجزأه. ومن صفة السترة أن تكون ظاهرة لا تشغل المصلي. وقال ابن القاسم لا يعجبني أن يصلي المصلي وأمامه مجنون مُطبق لا يعرف الوضوء ولا الغسل، ولا صبي ولا امرأة ولا كافر. وقد بلغني أن أبا سلمة بن عبد الأسود كره أن يصلي وأمامه رجل مأبون في دبره. وإن صلّى وهو أمامه لم أر عليه إعادة ناسيًا كان أو عامدًا وهو بمنزلة الذي يصلي وأمامه جدار مرحاض. وقال مالك لا يصلي إلى نائم وكأنه رأى أنه قد يحدث منه ما تنزه الصلاة عنه. وفي مسند ابن سنجر قال النبي ﷺ : إني نُهيت أن أصلي إلى النائم والمتحدثين (٣). وتجوز الصلاة إلى ظهر الرجل إذا رضي أن يثبت له حتى تنقضي صلاته ولا يصلي إلى وجهته ولا إلى جنبه لأن ذلك مما يشغله. واختلف في الصلاة إلى الحلقة فأُجيز لأن الذي يليه ظهر أحدهم وكره لأن وجه الآخر يقابله. ولو صلى أحد إلى سترة وراءها رجل جالس يستقبل المصلي بوجهه لاختلف فيه على طرد هذا التعليل الذي اعتللنا به فيمن صلّى إلى الحلقة. قال مالك له أن يصلي وراء المتحدثين. قال ابن حبيب إن لم يعلنوا حديثهم. *وخفف مالك أن يصلي إلى الطائفين. وكأنه رأى أنهم في معنى من هم في صلاة. ويجوز أن يصلي إلى البعير* (٤) لأن

стр. 871

أبوال الأنعام طاهرة وقد صلّى ﵊ إلى بعيره. وقال مالك لا يصلي إلى الخيل والحمير فإن أبوالها نجسة، وأبوال الإبل والبقر والغنم طاهرة. قال ابن القاسم كأنه لا يرى بأسًا بالسترة إلى البقرة والشاة. ويكره أن يصلي إلى الحجر الواحد ولا بأس بالحجارة يكومها ويصلي إليها. ولا يصلي إلى ظهر امرأة وإن كانت امرأته. واختار بعض أشياخي إذا صلى إلى مثل الرمح والحَرْبة أن يجعله على جانبه الأيمن لقوله ﵊ إذا قام أحدكم إلى عمود أو خشبة فلا يجعله نصب عينيه ولكن على جانبه الأيمن (١). وقال المقداد ما رأيت النبي ﷺ يصلي إلى عمود أو عود أو شجرة إلا جعله على جانبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمُده صمدًا (٢). ولا يكون الخط عندنا سترة. قال مالك: الخط باطل لا أعرفه. وذهب بعض الناس إلى جوازه. واختلفوا في صفته قال ابن حنبل يخط عرضًا. وقال مسدد يخط طولًا. قال ابن أبي زيد صورة الخط عند من يذهب إليه أن يخط خطًا من القبلة إلى الدبور عوضًا من السترة. ويؤمر المصلي بالدنوّ من سترته لقوله ﷺ : إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن إلى سترته. فإن الشيطان يمر بينه وبينها (٣). قال مالك ليس من الصواب أن يصلي بينه وبين سترته قدر صفين. واختلف في القدر الذي يكون بين المصلي وبين (٤) سترته. فقيل قدر شبر، وكان الشيخ أبو الطيب عبد المنعم إذا قام للصلاة دنا من الجدار قدر الشبر. وقيل قدر ثلاثة أذرع. وقال الداودي ذلك واسع. أكثره ثلاثة أذرع وأقله ممر شاة. واختلفت ظواهر الأحاديث فقال سهل بن سعد كان بين مصلَّى النبي ﷺ وبين الجدار قدر ممر الشاة (٥) وقدر ذلك شبر. وقال بلال ﵁: صلّى ﵊ في الكعبة وجعل بينه

стр. 872

وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع (١). وقد قيل معنى ممر الشاة إذا كان ساجدًا وثلاثة أذرع إذا كان قائمًا. ولو كان قدر ممر الشاة وهو قائم لاحتاج إلى أن يتأخر للسجود وذلك عمل في الصلاة مستغنى عنه. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المصلي الذي لا يأمن المرور بين يديه فإنه مأمور بالسترة. واختلف فيه إذا أمن من المرور بين يديه. فقال مالك لا بأس أن يصلي في السفر لغير سترة. وقد صلّى النبي ﷺ إلى الفضاء. وقال ابن القاسم في الحضر إذا أمن أن يمر بين يديه فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة. وحكى ابن حبيب عن مالك (٢) أنه قال: لا يصلي المصلي إلا إلى السترة في حضر أو سفر. أمن أن يمر بين يديه مارّ أو لم يأمن. وكأنه رأى أن السترة من سنة الصلاة لا لأجل المار خاصة. والسترة إنما يؤمر بها الإِمام أو الفذ. وأما المأموم فلا سترة عليه. وقد اختلف في وجه سقوط السترة عن المأمومين فقال مالك لا بأس أن يمر الرجل بين يدي الصفوف لأن الإِمام سترة لهم. وقال القاضي أبو محمَّد لأن سترة الإِمام سترة له ولمن خلفه. وهكذا قال البخاري أن سترة الإِمام سترة لمن خلفه (٣). ومن صلّى في مكان مشرف فقد قال مالك إن كان تغيب عنه رؤوس الناس وإلا جعل سترة. والسترة أحب إلى إلا أن لا يجد. وإذا سقطت السترة فقد قال مالك إذا استتر الإِمام برمح فسقط فليقمه إذا كان ذلك خفيفأوإن شغله فليدعْه. وأما التأثيم في المرور بين يدي المصلي فقال ابن حبيب بلغني عن بعض التابعين أنه من مر بين يدي من صلّى إلى غير سترة فإثم ذلك على المارّ. قال بعضهم إنما نُهي أن يمرّ بين يدي من صلى إلى سترة. واعلم أن التأثيم قد يتعلق

стр. 873

بالمارّ والمصلي وقد يسقط عنهما وقد يسقط عن المصلي دون المارّ أو المارّ دون المصلي. فإن صلى إلى غير سترة في موضع يغلب على ظنه المرور بين يديه أثم المصلي لما تعرض إليه. والمارّ لارتكابه المحظور. هكذا قال بعض المتأخرين. وقال بعضهم إن لم تكن للمارّ مندوحة عن السير بين يديه وكان صبره إلى أن يفرغ المصلي يشق عليه لم يكن على المار إثم وانفرد المصلي به. وأما سقوطه عنهما فبان يصلي إلى موضع يأمن المرور فيه فطرأ من اضطر إلى الجواز بين يديه وكان الصبر يشق عليه فها هنا يسقط الإثم عنهما. أما المصلي فلأنه لم يتعرض وأما المارّ فللضرورة. وأما سقوطه عن المصلي دون المارّ فبأن يصلي إلى سترة فإن المار ينفرد بالإثم لتعديه دون المصلي فإنه فعل ما يؤمر به، وبأن يصلي إلى غير سترة بموضع يأمن المرور فيطرأ عليه من يمرّ بين يديه ولا ضرورة به للمرور وله عنه مندوحة. وأما سقوطه عن المارّ دون المصلي فبأن يصلي إلى غير سترة في موضع لا يأمن المرور، وبالمارّ ضرورة إلى المرور لا يمكنه معها الصبر إلى أن يفرغ. ويُنهي المصلي عن أن يناول غيره شيئًا وكذلك يُنهى من على يمينه أن يناول من على شماله شيئًا. ومرور سائر الأشياء بين يدي المصلي كمرور الإنسان. وكره مالك أن يحدّث من على يمينه من على شماله. قال وحسن أن يتأخر عنهما. وكأنه رأى أن في المحادثة إشغالًا له كما في المرور، فلهذا نهى عنها. وقد تقدم الكلام على ما افتتح القاضي أبو محمَّد به في هذا الفصل من مقام المصلي وحده خلف الصفوف فيما سلف من كتابنا هذا ووسعنا القول فيه وفي فروعه بما أغنى عن إعادة الكلام عليه على هذا المقدار ها هنا.

стр. 874

باب في قصر الصلاة في السفر قال القاضي أبو محمَّد ﵀: القصر في الصلاة الرباعية أن المغرب لا تتنضّف. والفجر لو قصرت لكانت ركعة وذلك ممنوع. وأداؤها على صفة أداء (١) التامة إلا في الإتمام. قال الإمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: ١ - ما معني قوله لأن المغرب لا تتنصف؟. ٢ - وما معنى استحالة الفجر إلى ركعة؟. ٣ - وما معنى قوله على صفة أداء التامة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما قوله لأن المغرب لا تنصف فلأن التنصف إنما يكون في عدد الزوج. وأما عدد الفرد فإنه لا ينتصف إلا بتبعيض الواحد. ولم يقم دليل على جواز تبعيض الركعة الواحدة فتنصف. كيف وقد أشعر الشرع بأنها في حكم الجزء الواحد وإن كانت ذات أفعال مختلفة. فالجزء الواحد لا يصح تنصفه. وقد جاء الشرع يكون العبد على النصف من الحرّ في أحكام شتّى. ولما نُصف طلاق العبد جعل طلقتان لما لم يمكن تنصف الطلقة الواحدة. وكذلك عدة الأمة قَرْءان لما لم يمكن (٢) أن تنصف. ولو جعلت المغرب ركعتان وأكمل (٢) الواحدة المنكسرة لزادت على الشطر في الحقيقة (٣) وخرجت عن حد التخفيف المراد. وبالجملة فإن هذا مما لا يلزم

стр. 875

تعليله. والاتفاق عليه يغني عن بسط القول فيه. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما رده صلاة الفجر إلى ركعة فإن ذلك لا يستحيل عقلًا. كيف وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة في الخوف ترد إلى ركعة واحدة ولكن قد تقرر الإجماع أن الصلاة في حال الأمن لا يقتصر فيها على ركعة واحدة. وإلى هذا أشار القاضي أبو محمَّد بقوله: وذلك ممنوع. وكأن الصبح خففت عن الصلاة الرباعية والسفر جاء بالتخفيف والحذف من العدد. والتخفيف والحذف إذا دخل الأصل روعي أعلى مبالغه، وأعلى مبالغ الصلاة الرباعية. فإذا شُطرت صارت كالثنائية الأصحلية من الفروض. وصار التخفيف في العدد متناسبًا، وإن كان في الصبح أصليًا وفي الرباعية طارئًا. وقد أشارت عائشة ﵂ إلى طريقة أخرى فقالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين فلما أتى النبي ﷺ المدينة صلّى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب فإنها وتر وإلاصلاة الصبح لطول قراءتها (١). والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما قوله وأداؤها على صفة أداء التامة إلا في الإتمام. فإن التغيير دخل الصلاة في الشرع على ضروب شتّى فغيرت من القيام إلى الجلوس. ومن الركوع والسجود إلى الإيماء إليهما عند المرض. وغير حكم القبلة في التنفل على الدابة في السفر، وغيرت الهيئة في صلاة الخوف دون العدد. فلما اختلف التغيير هكذا أخبر القاضي أبو محمَّد أن التعْيير لم يدخل في هذه الصلاة إلا في حذف العدد خاصة دون ما سواه من قيام وركوع وسجود واستقبال القبلة ومراعاة ترتيب وهيئة. والتخفيف إذا جاء الشرع به في جهة واحدة فليس لنا أن نجعله في جهات غيرها إلا بدليل. ومع هذا فقد أشار مالك إلى أن السفر يؤثر في إجازة تخفيف القراءة فيما الأفضل فيه الإطالة. قال في المدونة: في صلاة الصبح واسع أن يقرأ فيها بسبح ونحوها في السفر. والأكرياء يُعْجِلون في صلاة الناس. وكذلك قال أيضًا في المدونة في صلاة المغرب: وأما المسافر فلا بأس أن يُمِدّ الميل ونحوه ثم ينزل ويصلي.

стр. 876

إشارة إلى أن للسفر تاثيرًا في إزاحتها عن وقتها المعتاد قليلًا. وقد كنا قدمنا الكلام في جمع الصلاتين في السفر، وإزاحتهما عن وقتيهما المختارين لهما، وإزاحة إحداهما. وذلك مما أثره السفر. ولكن القاضي أبا محمَّد لم يردْ هذا، لأن الجمع بين الصلاتين في معنى الرخص، وكذلك ما ذكرناه في مسألة المدونة كأنه لا حق بهذا الأسلوب. وهو إنما تعرض إلى الكلام على نفس أدائها لا على الرخصة الداخلة في أوقاتها، لأن ذلك أمر قد بينه عند كلامه على الأوقات. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وحَدُّ صلاة السفر (١) ثمانية وأربعون ميلًا وفي البحر يوم تام وليلة. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال: ١ - ما الدليل على اعتبار ما قال من المسافة؟. ٢ - وكيف تفسر هذه المسافة إن اختلفت جهات التصرف؟. والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في مقدار السفر المبيح للقصر. فمذهبنا ومذهب الشافعي أنه أربعة بُرُد. قال مالك يقصر في مسيرة يومين. وقال أيضًا يوم وليلة. قال الشيخ أبو محمَّد عبد الحق عن بعض الأشياخ أن المراد يوم وليلة يُسار فيهما. وإذا كان هذا هكذا كما قاله بعض الأشياخ فالقولان يرجعان إلى معنى واحد. لأن يومًا وليلة كيومين بلا ليل. وإن كان الزمان يختلف حتى يصير اليومان أقصر من يوم وليلة فإن المراد زمن يعتدل فيه ذلك أو يختلف اختلافًا لا يتحسس إليه في المسير. وقال مالك أيضًا يقصر في ثمانية وأربعين ميلًا. وهذا أيضًا موافق لما تقدم إن كان أراد بمسير اليومين مشي الإبل بالأحمال لأن سيرها متوسط أربعة وعشرين ميلًا كل يوم. وهكذا حكى القاضي أبو محمَّد عن بعض أصحابنا أن اليوم والليلة والأربعة بُرُد واحد. ومعنى قول ابن القاسم رجع عنه أن يترك (٢) التحديد باليوم والليلة. وقال مالك أيضًا رضي

стр. 877

الله عنه في العتبية يقصر في خمسة وأربعين ميلًا. وقال في المبسوط يقصر في أربعين ميلًا. وقال في المبسوط أيضًا في مسافر البحر لا يقصر حتى ينوي اليوم التام لأن الأميال والبُرُد لا تُعرف في البحر. وهذا الذي قاله في البحر كانه مخالف لما تقدم من التقدير. وقد اعتذر ها هنا بان الأميال لا تعرف في البحر. وهذا الاعتذار لا يخرج هذه الرواية عن مخالفة ما تقدم. لأن اليومين أو اليوم والليلة لا يختلف قدرهما في سفر البر أو البحر. ولو كان مراده بقوله فيما تقدم يومًا وليلة أن اليوم يسار فيه دون الليل لكان موافقًا لهذا الذي حكيناه عن المبسوط في تحديد سفر البحر باليوم التام. وقد قال الشيخ أبو محمَّد عبد الحق: قال بعض شيوخنا إنما قال في البحر يوم دون الليل لأن قطعه في البحر أكثر من قطعه في سير البر، قلت فلعل معنى قولهم في البر يوم وليلة إنما هو ليوم يبات فيه فعبر عنه بيوم وليلة فقال بل المعنى: يوم وليلة سيرًا. وهذا الاعتذار من بعض الأشياخ لسرعة حركة السفينة في البحر. وأنها تقطع في اليوم قطع سفر البر في يومين، يتضح معه تفرقته بين سفر البر والبحر. وبما قلناه من اعتبار مسيرة يومين، وهي ستة عشر فرسخًا. قال ابن عباس وابن عمر ﵄. وقال أبو حنيفة المعتبر في سفر القصر ثلاثة أيام وهي أربعة وعشرون فرسخًا. وبه قال ابن جبير والثوري والنخعي. وروي عن ابن مسعود ﵁. وقال الأوزاعي يقصر في مسيرة يوم. وروي ذلك عن أنس أيضًا أنه يقصر في خمسة فراسخ. وقال الزهري يقصر في يوم تام وهو ثلاثون ميلًا. وروي ذلك عن ابن عمر (١). وقال داود وأهل الظاهر يقصر في طويل السفر وقصيره. وسبب هذا الاختلاف اختلاف ظواهر منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢). وظاهر هذا يحيى القصر في قليل السفر وكثيره. كما قال داود وقال ﵇: لا تسافر المرأة يومًا وليلة إلا مع ذي محرم (٣). فاشعر هذا: أن هذا المقدار من الزمان سفر تتغير فيه

стр. 878

الأحوال. وما دونه في حكم الإقامة. وأيضًا قوله ﵊: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد من مكة إلى عُسْفان (١). ولأن مشقة الحمل والترحال والسير الذي يحصل مقدار يومين فجعل ذلك حدًا للقصر. فاقتضت هذه الظواهر ما قال مالك والشافعي وخصت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ على أن الضرب في الأرض فيه إشعار سفر مالًا ولا يقتضي أقل الضرب وأقصره. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن (٢). وهذا يقتضي مسح المسافر هذه المدة. ولا يمكن ذلك إلا إذا قدّر السفر بثلاثة أيام. وبقوله ﵊ في حديث آخر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها (٣). وهذا يشعر بتحديد الثلاثة أيام على حسب ما قلناه نحن في الحديث المروي فيه النهي عن سفرها يومًا وليلة. وبهذه الظواهر أخذ أبو حنيفة. وأما ما أضربنا عن توجيهه من الأقوال فمأخوذ من هذا الإسلوب لأن المفهوم أن القصر لأجل المشقة فكل من أولئك (٤) يُقدّر المشقة بالتقدير الذي حكينا عنه. وإذا ثبت ما قلناه بن اعتبار القصر بأربعة برد. فمن قصر في أقل منها فقال ابن القاسم في العتبية إنْ قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه. وقال يحيى بن عمر يعيد أبدًا. وقال عبد الله بن عبد الحكم يعيد في الوقت. وإن قصر في أقل منها فقد قال ابن القاسم من قصر دون ذلك أعاد أبدًا. لأنه غير مسافر ولم يعتبر اختلاف الناس في ذلك. وكان ما دون ذلك يتضح أن معاني السفر مفقودة (٥) فيه فلم يتعلق به حكم السفر. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المعتبر عندنا في مقدار السفر أن تكون الأربعة برد سيرًا محضًا ولا تلفق من سير ورجوع. فمن خرج لسفر نهايته

стр. 879

أربعة وعشرون ميلًا ونيته أن يعود من فوره (١) إلى وطنه لم يقصر. وقد سئل في المدونة عن السعاة. فقال ما أدري ما السعاة؟ وذكر أن مغ يدور في القرى وفي دورانه أربعة برد يقصر. وإنما امتنع عن الجواب في السعاة لأنهم قد يخرجون لأخذ الزكاة على غير وجهها فيكون سفرهم سفر معصية. وسفر المعصية لا يقصر فيه على أحد القولين. فلما في سفرهم من التفصيل عدل عنه إلى ذكر ما لاتفصيل فيه. وهذا الذي ذكره في الدائر في القرى، وليس بين منزله وأقصاها أربعة برد، محمول على أنه يلفق الأربعة برد من تطواف لا يَعُد منه ما كان (٢) رجوعًا إلى البلد. فإذا ضرب يمينًا وأمامًا وشمالًا احتسب ذلك كله. فإذا استدبر وجهته راجعًا في طريق بلده قاصدًا الرجوع إليها لم يحتسب بذلك في الأربعة برد. ولو كان سير المسافر في بر وبحر فقد قال عبد الملك من توجه إلى سفر فيه بر وبحر فإن كان في أقصاه باتصال البر مع البحر ما يقصر قصر. قال ابن المواز وإن كان ليس بينه وبين البحر ما يقصر فيه، وهو يجري في البحر بالريح وغير الريح فإنه يقصر. فإن كان لا يجري في البحر إلا بريح فلا يقصر حتى يبرز عن موضع إقلاعه. ولو كان في سفره طريقان أحدهما لا يبلغ مسافة القصر والآخر يبلغها، فان سلك الطريق الأقصر لم يقصر لقصورها عن مسافة القصر. وإن سلك الطريق الأبعد، فان كان لغرض فيها كالأمن أو السهولة أو حاجة لا بد منها فإنه يقصر. وإن كان لغير غرض ففي السليمانية لا ينبغي له أن يقصر. لأن تركه القاصرة وأخذه بغيرها لغير معنى عبث. ومن كان عابثًا لا يقصر. وهو أحد قولي الشافعية. والقول الثاني عندهم القصر. وبه قال أبو حنيفة. فوجه منع القصر ما علل به في السليمانية. قال بعض أصحاب الشافعي قياسًا على ما لو مشى في الطريق يمينًا وشمالًا حتى طال سفره. قال ووجه القول الآخر أنه سفر مباح، فجاز فيه القصر، كما لو سلك هذا الطريق لغرض. قالت طائفة منهم هذا ليس بصحيح لأنا لا نسلم أنه السفر المباح. لأن النبي ﵊ قال إن الله يبغض المشائين من غير إرب. يعني من غير حاجة.

стр. 880

ويراعى مقدار السفر من حيث يخاطب بالصلاة. ففي السليمانية في النصراني يقدم من مصر يريد القيروان فأسلم بقلشانه أنه يتم. قال لأن الباقي من سفره لا يقصر فيه. وإذا وجب عليه الإتمام من قلشانه فطرد هذا يقتضي أن يراعي مقدار السفر من حين البلوغ، في حق من بلغ في أثناء السفر. وكذلك يراعى في حق المجنون إذا عقل في أثناء السفر. قال بعض أشياخي في طهر الحائض في أثناء السفر نظر وعندي أنه لا يتضح فرق بينهما وبين ما تقدم لأنها غير مخاطبة بالصلاة أيام حيضتها إجماعًا، والكافر مخاطب بالصلاة وبغيرها من فروع الشريعة بشرط تقدمة الإيمان عند جماعة من أهل الأصول. وإذا لم يعتبر ما مضى من سفره مع الاختلاف في خطابه فالحائض أولى بذلك لكونها لم يختلف في سقوط الخطاب عنها إلا أن يقال إن الحائض كانت قبل حيضتها مخاطبة بالصلاة وإنما ارتفع الخطاب عنها لمانع والمانع يتوقع ارتفاعه في كل جزء من أجزاء السفر فخالفت بهذا من ذكر معها فهذا مما ينظر فيه. ومن شرط مقدار السفر أن يكون معزومًا عليه لا مترددًا فيه فمن خرج لبيع سلعة وهو شاك في مقدار مسافة بيعها فإنه لا يقصر الصلاة لأن الأصل الإتمام والقصر طارئ فلا يصار إليه إلا بعد تحقق السبب المبيح له. وكذلك قال مالك في المدونة فيمن خرج في طلب آبق أو حاجة فقيل له بين يديك على بريدين فمشى كذلك أيامًا ولا يدري غاية سفره فليتم في سيره ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر. وقال مالك في المدونة فيمن واعد قومًا للسفر يمر بهم، وبينه وبين موضعهم ما لا تقصرُ فيه الصلاة في مثله أو تقدمهم حتى يلحقوه فإن كان عازمًا على السفر خرج القوم أم لا فليقصر إذا برز عن قريته. وإن كان لا يخرج إلا بخروجهم فليتم حتى يبرز عن موضعهم أو عن الموضع الذي يلحقونه فيه. واختلف (١) قول مالك فيمن خرج من الفسطاط إلى بئر عميرة يقيم به اليومين كما يصنع الأكرياء حتى يجتمع الناس فقال أحب إلى أن يتموا إذا كان الاكرياء يحبسون الناس. وقال أيضًا يقصرون. وقال يحيي ولم ير
следующие страницы →