← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بمكة إلا بمكة" (١). وهذا يخصص ما تقدم من النواهي المطلقة والزيادة مقبولة. وبقوله ﷺ : "ي ابن ي عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئًا فلا يمنعنّ أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهارًا" (٢). وهكذا لم يفرق أصحابنا بين يوم الجمعة ولا اغيرها. فإذا قلنا بالنهي عن الصلاة نصف النهار نهي عن ذلك يوم الجمعة أيضًا. وبه قال أبو حنيفة. وأجاز الشافعي وأبو يوسف التطوع في نصف نهار يوم الجمعة. فلنا عموم النهي. وله قول الخدري: نهى ﵊ عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (٣). ولأن الناس يوم الجمعة ينتظرون الصلاة فيغلبهم النوم فأبيحت لهم الصلاة ليشتغلوا بها عن النوم. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في الركوع تحية المسجد حال خطبة الإِمام يوم الجمعة، فمنعه مالك وأبو حنيفة وأجازه الشافعي، ورأى أن حكم تحية المسجد في هذا الحال باق على أصله. فاحتج أيضًا بقوله ﵊: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب أنصت فقد لغوت (٤). فإذا نهي عن التشاغل بقول: أنصت وكان الركوع أشد شغلًا فهو أولى بالنهي. ولقوله ﵊: إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة له ولا كلام حتى يفرغ (٥). وهذا نفي لجميع الصلوات حيئنذٍ إلا ما خرج بدليل، ويقوله ﵊ لرجل دخل المسجد وهو يخطب: اجلس فقد آنيت وآذيت ولم يأمره بالركوع (٦). وهكذا صنع عمر ابن الخطاب ﵁ لما دخل عثمان وهو

стр. 807

يخطب وجرى بينهما ما جرى ولم يأمره بالركوع (١). وأما أصحاب الشافعي فإنهم يحتجون بعموم الأمر بتحية المسجد وبأن رجلًا جماء والشعبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال لا. قال: قم فاركع (٢). وبغير ذلك مما سنبسطه إذا أعدنا الكلام على المسألة في باب صلاة الجمعة، وحينئذٍ نتكلم على تأويل كل طائفة أحاديث الطائفة الأخرى. وأما قوله عطفًا على الركوع في الخطبة وحال شروعه في الصلاة فقد تقدم الكلام عليه لما ذكرنا حكم من أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد فصلى النافلة. وبالجملة فإن التنفل والإمام يصلي داخل في عموم النهي عن صلاتين معًا. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما قوله وغير ذلك فإنه إشارة إلى أحوال أخر سنبسط الكلام عليها في مواضعها كالآتي مُصلّى العيد فإنه لا يركع قبل صلاة العيد ولو كانت صلاة العيد في الجامع. فعن مالك في إجازة تحية الجامع روايتان. وكذلك التنفل بعد صلاة الجمعة سنتكلم عليه في موضعه. وقد تقدم الكلام على أن من عليه صلاة منسية فإنه لا يشتغل عن قضائها بالتنفل. فإلى هذه المعاني أشار القاضي أبو محمَّد ﵀ بقوله وغير ذلك. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف الناس في عدد التنفل فعندنا أنه مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين سواء كان التنفل، ليلًا أو نهارًا. وقالت الشافعية بما قلنا إلا أنها أجازت ما سواه كالتنفل بركعة وبثلاث وبأربع وبما زاد على ذلك وترًا كان أو شفعًا معدودًا كان أو غير معدود، يخرج عن جميع ذلك كله بتسليمة واحدة. وذهب أبو حنيفة إلى التفرقة بين نافلة الليل والنهار فقال في نافلة النهار: الأفضل أربع والجائز ركعتان، وفي نافلة الليل الأفضل أربع والجائز ركعتان وست وثمان ولا يزيد على ذلك. ومن الناس من ذهب إلى أن

стр. 808

صلاة الليل مثنى مثنى وصلاة النهار أربع. وقد اختلفت الأحاديث في هذا الباب فروي عنه ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى (١). وروي عنه حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة فحكى أنه صلى ركعتين ثم ركعتين (٢). الحديث. وروي عنه حديث عائشة أنه كان يقوم من الليل: فيصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثًا (٣). وروي عنها أيضًا أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة يوتر من ذلك بخمس ولا يجلس في شيء إلا في آخرها (٤). وروي عنها أيضًا أنه كان يصلي تسع ركعات لا يجلس منها إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم ويصلي التاسِعة. فلما أسن ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع (٥). وروي أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء (٦). فأما مالك فعول على قوله ﵊: صلاة الليل مثنى مثنى (٧). وحديث ابن عباس، ورجحهما لأن الفرائض أكثرها ضعف أقلها فلتكن النوافل كذلك. فلما كان أقل النوافل ركعة وجب أن يكون أكثرها ركعتين. وبأن التسليم في كل ركعتين فيه زيادة في الأذكار والقُرب وأحوط لسلامة ما خرج منه إذ العمل المتصل يفسد أوله بفساد آخره. وأما من خالفه فيحتج بما أوردناه من الأحاديث المخالفة لهذا. وقد قال بعض أصحابنا: قول عائشة ﵂: كان يصلي أربعًا، لا دلالة فيه. لأنها لم تذكر هل صلى الأربع بتسليمة أو بتسليمتين. وأما أحاديث أربع قبل الظهر لا يُسلّم فيهن، فقال بعض الناس رواية عبيدة بن مغيث قال يحيى بن سعيد لو حدثت عن ابن مغيث بشيء لحدثت بهذا الحديث. وقد ذكر

стр. 809

عنه أيضًا أنه قيل له الذي ترويه كله عن إبراهيم سمعته منه؟ فقال منه ما سمعته ومنه ما أقيس عليه. وهذا يوجب عدم الثقة بحديثه. ويرجح المخالفون أيضًا حديثهم بأن السلام مُخرج من العبادة. ومن خرج منها فلا يعود إليها. فكان ترك اشتراطه في كلل ركعتين أولى. ولأن البقاء على الصلاة أشق من التحلل. فكان بزيادة المشقة فيه أولى. وقد احتج على الشافعية في إجازتهم الاقتصار على ركعة واحدة بما كنا قدمناه في غير هذا الموضع، من أنه ﷺ نهى عن البتيراء. وبأن ما لا يجزئ في الفرض لا يجزئ في النفل كالسجدة. وأجابوا عن الخبر بأنه مرسل أرسله محمَّد بن كعب. وأيضًا فإن ابن عمر فسر البتيراء بان يقوم الرجل فيصلي ركعة يقرأ فيها ويتم ركوعها وسجودها ثم يقوم إلى الثانية فلا يقرأ فيها ولا يتم ركوعها ولا سجودها. وأجابوا عن القياس على السجدة بأنها لا تجمع أفعال الصلاة بخلاف الركعة. على أن النفل لا يقاس عليه الفرض. واستقبال القبلة يسقط في النفل ولا يسقط في الفرض. على أنه قد يعكس القياس المذكور على الفرض بان يقال: أول الشفع صلاة فرض فيجب أن يكون (١) الوتر صلاةَ نفل. هذا المعنى من القياس وإن لم يكن. نصَّ عليه أصحاب مالك والشافعي فهو مقتضب مما نصوا عليه. والجواب عن السؤال السابع: أن بقال: أما الجهر والإسرار في النافلة فجائز. واستحب ابن حبيب الجهر في نافلة الليل واختار مالك رفع الصوت فيها. وكان الناس يتواعدون بالمدينة لقيام القُرَّاء بالليل. وأما نافلة النهار فقال مالك في المبسوط: يخافت فيها بالقراءة. قال الشيخ أبو محمَّد يستحب فيها الإسرار. وذكر القاضي أبو محمَّد أن في الإجهار فيها قولين: الجواز والكراهة. وقد كنا قدمنا ذكر الخلاف في هذه المسألة. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: القيام ركن من أركان الصلاة وشرط في صحة صلاة الفرض مع القدرة عليه. لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ

стр. 810

قَانِتِينَ﴾ (١). وخص من هذه الآية العاجز عن القيام في الفرض. لقول عمران بن حصين ﵁ كانت به بواصير فسالت النبي ﷺ فقال: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جَنْب" (٢). وخص بهذا الحديث أيضًا من لا يستطيع القيام في النافلة إذا قلنا أن الآية واردة في الفرض والنفل. وأما من يستطيع القيام في النافلة فإن له تركه والصلاة جالسًا *ويخص هذا بما روي من صلاته ﷺ النافلة جالسًا* (٣) ولقوله ﵊ لعمران بن حصين وقد سأله عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: إن صلى قائمًا فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله أجر نصف القائم ومن صلى نائمًا فله أجر نصف القاعد (٤). وقد اختلف الأئمة في تنصيف الأجر على ماذا يحمل؟ فحمله ابن الماجشون على من صلى قاعدًا مع القدرة على القيام. ورأى أن من أقعده المرض في المكتوبة أو النافلة فإن أجره في القعود كاجره في القيام. ورأى بعض المتأخرين أن التنصيف في صلاة الفرض جالسًا مع العجز عن القيام أو في صلاة النافلة جالسًا مع القدرة على القيام أو العجز عنه. وذكر إسماعيل القاضي أن الحديث ورد في النوافل. قال لأن الإتيان بها غير واجب. فإذا أتى بها جالسًا كان له نصف أجر القائم على رأي من قدمنا ذكره من المتأخرين. وتخصيص الحديث بالنوافل يفتقر إلى دليل وكان بعض أشياخي يميل إلى طريقة ابن الماجشون ويحتج لها بإخبار النبي ﷺ عمن كان له حزب من الليل فغلب بالنوم عليه أن له أجره ونومه صدقة عليه (٥). فإذا كانت الغلبة المانعة من فعل الصلاة يكتب معها أجر جميع الصلاة فالغلبة عن بعض الصلاة يكتب له أجر ذلك البعض. وهذا الذي قاله شيخنا يروق ولكن يلزم على طرده أن يكتب للحائض أجر الصلاة أيام حيضها لما كانت مغلوبة على تركها. فإن التزم هذا فقد طرد أصله. وبالجملة فإن التحقيق أن القياس الشرعي

стр. 811

لا يستعمل في مقادير الثواب إلا أن يرد من الرسول ﷺ لفظ يقوم مقام العموم حتى يشتمل على ما يتنازع فيه من ذلك. ويستعمل القياس فيه في العمليات لتقدم بعضها على بعض في العمل. وهذه إشارة يَفهم منها ما وراءها من خاض في علم الأصول وعلم أحكام القياس وحيث يجوز. وإذا ثبت أن له أن يصلي النافلة جالسًا فله أن يقوم ليأتي بالركوع على إكماله وله أن يومئ به جالسًا. فاما قيامه ليركع فلما روي أنه ﷺ قام بعد جلوسه فقرأ وركع (١). وأما ركوعه جالسًا فلأنا لو منعناه منه لكنّا أوجبنا القيام في النافلة وقدمنا أنه لا وإذا ثبت أن له الجلوس فإنما يكون ذلك إذا افتتح النافلة عليه. فأما لو افتتحها قائمًا ثم أحب أن يجلس ففيه قولان: أجازه ابن القاسم ومنعه أشهب. وكان بعض أشياخي يرى أن الاختلاف إنما يحسن فيمن افتتح قائما ونوى القيام في جميعها غير ملتزم له. فأما من التزمه فإنه لا يختلف في أنه لا يجلس. كما لا يُختلف فيمن افتتحها قائمًا ونيته أن يجلس، أن الجلوس يجوز له. وأما من افتتحها جالسًا فلا شك أن له أن يقوم لأنه ينتقل إلى ما هو أفضل. وقد صلى ﷺ جالسًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية (٢). فإن قيل ظاهر هذا حجة لابن القاسم في إجازته القعود بعد القيام لكون هذا الخبر مبنيًا (٣) على أنه يرجع إلى القعود بعد أن قام. قيل: قال بعض المتأخرين يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان ينوي ذلك عند افتتاح نافلته. وقد قدمت قول بعض أشياخي إن الخلاف لا يتصور فيمن نوى عند الافتتاح الجلوس بعد القيام. والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما الإيماء في النافلة فقال ابن القاسم لا يومئ الجالس للسجود إلا من علة. فإن أومأ من غير علة في

стр. 812

النوافل أجزأه. وقال عيسى لا يومئ من غير علة في نافلة ولا غيرها. قال بعض المتأخرين ظاهر قول ابن القاسم الكراهة. وظاهر قول عيسى المنع. وقال ابن حبيب له ذلك في النافلة كما له ترك القيام مع القدرة. وأما تنفل المضطجع اختيارًا فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل يُمنع الصحيح والمريض. ويجوز لهما عند الأبهري. ويجوز للمريض خاصة عند ابن الجلاب، وهو ظاهر المدونة. وقد احتج الأبهري للجواز على الإطلاق بما قدمناه من حديث عمران بن حصين وقد ذكر فيه: ومن صلى نائمًا مثل نصف أجر القاعد. وظاهر الحديث أنه في المختار كما قدمناه. والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما النافلة فليس له أن يقطعها قبل إكمالها لأنها عمل متصل شرعًا، فالشروع في أوله التزام لآخره. وقال الشافعي وابن حنبل له قطعها متى شاء. وكأنهما رأيا أنها لما لم تكن واجبة في أصل الشرع وإنما هي موقوفة على اختيار المكلف اقتضى ذلك بان يكون بالخيار بين الفعل والترك متى شاء. والاختلاف في هذه المسألة كالاختلاف في جواز قطع صوم التطوع وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى ونذكر ما تعلق به الشافعي من الأحاديث الدالة عنده في الصوم على ما قال. وسنتكلم أيضًا في كتاب الحج على قطع حج التطوع والصد عنه وفواته بما يكون الوقوف عليه يكشف الغطاء عن الاختلاف في هذه المسألة. وأما لو قطعت النافلة غلبة كما لو أحدث مغلوبًا فإنه لا قضاء عليه لمّا كان الفعل في أصله غير واجب. ولم يكن القطع باختياره فيعَدّ قاطعًا لما التزم. ولو كانت النافلة منذورة لقضاها وإن قطعت. لأنها بالنذر والإحالة على الذمة تُشبه الصلوات الفرائض المحالة على الذمة. لكن لو كان النذر في الصلاة نذرًا معينًا، كالناذر تنفل ساعة بعينها فَغُلِب على ترك الصلاة فيها فإن هذا يتخرج على القولين في ناذر صوم يوم بعينه فغُلب على إفطاره. فإن أصحابنا اختلفوا في قضائه.

стр. 813

فصل الأماكن التي نكره فيها الصلاة قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وتكره الصلاة في معاطن الإبل وفي البِيَع والكنائس، والفرض داخل البيت عند مالك وعلى ظهره، وتجوز الصلاة في مراح البقر والغنم. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة. منها أن يقال: ١ - لِمَ نهي (١) عن الصلاة في معاطن الإبل ولم ينْه عنها في مراح البقر والغنم؟. ٢ - وما حكم الصلاة في المقبرة والحمّام؟. ٣ - ولم كرهت الصلاة في البيع والكنائس؟. ٤ - وما حكم المصلي إذا صلى على نجاسة أو حملها أو استقبلها؟. وبقية هذا الفصل وهو الصلاة على الكعبة وداخلًا فيها (٢)، قد تقدم الكلام عليه مبسوطًا مفصلًا فيه المسائل المتعلقة به؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما معاطن الإبل فهي مباركها عند الماء. وأما مراح الغنم فهو مجْتَمعها من آخر النهار. وقد روى ابن وهب أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق وظهر بيت الله ومعاطن الإبل. وخرج الترمذي أن النبي ﷺ ينهى عن الصلاة في سبع مواطن: في المجزرة والمزبلة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمّام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام (٣). فاستفيد من هذا الحديث والذي قبله النهي

стр. 814

عن الصلاة في معاطن الإبل، ولم يختلف العلماء في كراهة الصلاة في معاطن الإبل واختلفوا في تعليل النهي عن الصلاة فيها. فقال بعض أصحابنا إنما نُهي عن ذلك لأنها يستتر بها للبول والغائط فلا تكاد تسلم مباركها من نجاسة. وقال غير هؤلاء من أصحابنا بل لأنها خلقت من الشياطين، ويحتج هؤلاء بأنه ﵊ سئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: " توضؤوا منها. وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة" (١). وقال غير هؤلاء من أصحابنا إنما نهي عن ذلك لنِفَارها فإن نفارها يمنع من إتمام الصلاة. وقالت طائفة إنما نهي عن ذلك لزفورتها وثقل رائحتها. والشرع قد سن الصلاة للنظافة (٢) والمساجد تُطيّب لأجل الصلاة. وقد جمع القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا بين جميع هذه التعاليل: فقال كرهت الصلاة في معاطن الإبل لمعان منها ما روي أنها جنّ خلقت من جنّ فلا ينبغي أن يصلي بحيث الشياطين. ومنها أنه يستتر بها عند البراز، ومنها أن نفورها خلاف نفور البقر والغنم، ومنها أن الأغلب عليها الوسخ والزفورة والغنم والبقر بخلافها. ولما جمع القاضي أبو محمَّد بين هذه التعاليل وذكر التعليل بالنفار أشار إلى أن البقر بخلافها كما حكيناه عنه. وقد قال غيره من المتأخرين إذا علل بالنفار وجب أن تجري البقر مجراها لأن نفارها أيضًا لا يُؤمن منه. وتختلف أحكام التفريع ها هنا لاختلاف (٣) هذه التعاليل. فإذا أمِن من النجاسة لتيقن طهارة مباركها أو بُسِط فيها ثوب يصلى عليه فإن في ذلك قولين: قال ابن القاسم تأويل النهي لما يخالطها من مذاهب الناس ولو سلم من ذلك فلا بأس بالصلاة فيها. وروي عن مالك أنه لا يصلى فيها وإن لم يجد غيرها ولو بسط عليها (٤) ثوبًا. فإذا عللنا بالنجاسة كان الأمر كما قاله ابن القاسم وكما علل به. وإن عللنا بكونها من

стр. 815

الشياطين مخلوقة نهي عن الصلاة ولو بسط عليها ثوبًا كما قاله مالك. وإن عللنا بالنفار لم يصل في مباركها ما دامت فيها، وأن تُيقن طهارتها ويصلي فيها بعد أن تزول عنها. وهذا تنبيه على طرد التفريع على ما بقي من التعليل. وحكى ابن مُزيَنْ أن الإبل المؤبلة (١) لا بأس بالصلاة في مواضعها. قال الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب إنما النهي عن المعاطن التي اعتادت الإبل أن تغدو منها وتروح إليها. وأما لو باتت إبل سُفّار في بعض المناهل لجازت الصلاة فيها. لأن النبي ﷺ صلي إلى بعيره في السفر فإن صلى فيها فصل وهو منهي عن الصلاة فيها فاختلف فيها فقال أصبغ يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب إن كان عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا، كمن صلى على موضع نجس. فكأن ابن حبيب رأى أن الظن بحصول النجاسة كاليقين بحصولها. فإذا كان الغالب نجاسة المبارك كانت الصلاة فيها كالصلاة في موضع تحقق نجاسته. وكان أصبغ رأى اختلاف التعليل (٢) في ذلك وأن التعليل بأحدها، وهو كون المبارك تخالطها النجاسة أمر غير محقق، ولا مقطوع به. فكان حكمه الاستظهار بإعادة الصلاة في الوقت، وإعادتها بعد الوقت إنما يكون مع عدم الإجزاء. ولا دليل ها هنا يمنع الإجزاء. وأما الصلاة في مراح الغنم فإنها جائزة لسلامتها من سائر العلل المذكررة، ولأنه ﵊ كان يصلي في مرابض الغنم. ولم ينقل في ذلك خلاف عن أحد من أهل العلم. وعلى هذا الأصل مضى ابن حبيب فيما ذكره (٣) في الأحاديث المتقدمة من النهي عن الصلاة في المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق لما كان الغالب نجاسة هذه المواضع. فاجرى الصلاة في هذه المواضع (٤) مجرى من صلى في موضع يتحقق نجاسته. فإن كان عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا وإن كان ساهيًا أعاد في الوقت، وهذا إذا صلى في الطريق

стр. 816

اختيارًا. وأما من (١) صلى فيه اضطرارًا لضيق المسجد فإن الصلاة حينئذٍ جائزة. ورأيت فيما عُلّق على ابن الكاتب وابن مناس من صلى على قارعة الطريق لم يُعد إلا أن تكون النجاسة فيها عينًا قائمة. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصلاة في المقبرة، فالمشهور من مذهبنا إجازتها وإن كان القبر بين يديه. وروى أبو مصعب عن مالك أنه كره الصلاة فيها. وتال القاضي أبو محمَّد تكره الصلاة في المقبرة الجديدة في الجملة. وإن كانت قديمة وفيها نبش فلا يجوز إلا أن يجعل فيها حصيرًا تحول بينه وبينها. وتكره في مقابر المشركين جملة من غير تفصيل. ووافقنا أبو حنيفة والشافعي على الجواز. هكذا حكى بعض أصحابنا. وفي كتب أصحاب الشافعي أن الصلاة لا تجوز إذا تكرر نبشها وتجوز إذا لم تنبش إلا أنه يكره، ولا فرق بين (٢) أن يصلي فيها أو إليها. قالوا وإن جهل حالها هل تكرر نبشها أم لا؟ قولان: أحدهما الجواز لأن الأصل الطهارة. والثاني لا يجوز لأن الظاهر تكرار النبش لكون المقبرة مدفنًا قديمًا. وقال بعض أهل الظاهر لا تجوز الصلاة في المقبرة. فدليلنا على الجواز قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا" (٣). ولأنه ﵊ صلى على السوداء في قبرها بعد دفنها (٤). وقد قال نافع صلينا على عائشة ﵂ وأم سلمة ﵂ وسط البقيع والإمام يومئذٍ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر ﵃. وأما وجه النهي عن ذلك فلأنه ﷺ نهى أن تتخذ القبور مساجد (٥). وخرج مسلم أن النبي ﷺ قال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها (٦). وقد أخذ

стр. 817

الليث بظاهر هذا الحديث فكره الصلاة في القبور والجلوس عليها والاتكاء إليها، ورأى للميت حرمة تمنع من القعود والاتكاء عليه. وقال بعض أصحابنا مجيبًا عن خبر النهي عن الصلاة في المقبرة فحمل النهي على مقبرة المشركين. لأن الصلاة رحمة ولأن الغالب عليهم النجاسة فلا يتحفظون أن تصيب قبورهم. وهذا الذي ذكره من حمل النهي على مقبرة المشركين قد نص الشيخ أبو محمَّد على المنع من الصلاة في مقبرة المشركين، وعلل بعض أصحابنا ذلك بأنها بقعة خصت بأهل العذاب فشرع اجتنابها كما شرع تحري مواضع الصالحين. وهكذا حمل ابن حبيب خبر النهي عن الصلاة في المقبرة في الحديث الذي قدمناه المذكور فيه تعديد ما نهى عنه من المواطن تأويله أنه في مقبرة المشركين لأنها حفرة من حفر النار. وأما مقبرة المسلمين فلا، عامرة كانت أو داثرة. قال بعضهم يريد إلا أن تكون مبعثرة، فلا يصلَّى فيها. قال ابن حبيب فيمن صلى في مقبرة المشركين وهي عامرة أعاد أبدًا في العمد والجهل. وإذا كانت دارسة لم يعد، وقد أخطأ. وهذا الذي حكيناه عن بعضهم من تقييده كلامَ ابن حبيب بأن لا تكون مبعثرة فيه نظر. فإن مالكًا ق الذيها لا بأس به وإن كانت دارسة. قال بعض المتأخرين هذا بناءً أن المؤمن لا ينجس بالموت. وقال وقول القاضي أبي محمَّد لا يصلي في المقابر التي يكون فيها النبش، مبني على أن المؤمن (١) ينجس بالموت. وأما الصلاة في الحمام فأنجازها مالك في المدونة. وقال القاضي أبو محمَّد *تكره الصلاة داخل الحمّام. وبالكراهة قالت الشافعية. وبالمنع قال ابن حنبل فلا تصح الصلاة عنده فيه لحديث النهي عن ذلك. ومحمل النهي عن ذلك على الكراهة إذا أثبتناها كما أثبتها القاضي أبو محمَّد* (٢) وإن احتج أحمد بقوله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام " (٣). تأولناه كما

стр. 818

تأولنا الذي قبله. وتأولنا استثناءه *المقبرة* (١) على ما تقدم من اختلاف الطرق والمذاهب. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما كرهت الصلاة في البيع والكنائس لنجاسة الموضع وللصور التي فيها. وقد كره مالك أن يصلى إلى قبلة فيها تماثيل. لأنه يصير كالساجد للصورة. وأيضًا فإن النظر إليها يلهيه. وقد جاء الشرع باجتناب ما يلهيه عن الصلاة. وقد قال مالك في الخاتم فيه تماثيل لا يلبس ولا يصلى به. وأيضًا فإنها مواضع أسست على غير التقوى. وقد كره مالك النزول بالكنائس إذا وجد عنها مندوحة، فإن اضطر إليها المسافر لبَرْد وشبْهِه بسط فيها ثوبًا طاهرًا إذا أحب الصلاة. وقد قال مالك لا يصلى على بساط فيه صورة إلا من ضرورة. فأباح الصلاق على ما فيه صورة للضرورة. فإن صلى مُصَلّ في الكنيسة جرت إعادته على القولين اللذين أشار إليهما في معاطن الإبل. وقد قال سحنون أحب إليّ أن يعيد من صلى في الكنيسة لضرورة أو غير ضرورة في الوقت. وقد قال ابن حبيب من صلى بثوب نصراني أو في بيت مسلم لا يتنزه عن النجاسة أعاد أبدًا. وقد قدمنا أصله في هذا في معاطن الإبل. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: تقدم الكلام على اختلاف المذهب في إزالة النجاسة هل هي فرض وشرط في صحة الصلاة مع الذكر والنسيان كطهارة الحدث أو ليست بشرط مع النسيان لقا كانت من قبيل التروك كالأكل في الصوم والكلام في الصلاة؟ وبسطنا القول في ذلك وذكرنا اختلاف عبارة الأصحاب عنه، ونبهنا على وجه التحقيق فيها. وكذلك قدمنا الكلام على نجاسة الموضع إذا جفت، وذكرنا ما قال الناس في ذلك فلا معنى لإعادته. وحكم الموضع عندنا إذا كان نجسًا كحكم الثوب إذا كان نجسًا. وقال

стр. 819

أبو حنيفة إذا كان موضع قدميه طاهرًا صحت صلاته ولو كان موضع يديه وركبتيه نجسًا. وفي الجبهة روايتان واعتمد في هذا على أن الركبتين واليدين لا يجب السجود عليها فصار وضعها كَلَا وضع. ويجاب عن هذا بالنظر في وجوب السجود عليها. وقد قدمنا ما قال الناس فيه في موضعه. ويناقض بالثوب الزائد على ستر العورة فإنه لا يجب لباسه، وإذا كان نجسًا أثر في الصلاة، ولم (١) يلحقه عدم وجوب لباسه بان يكون لباسه كَلَا لباس. وإنما تشترط طهارة البقعة التي يصلى عليها. فلو كانت البقعة الطاهرة متصلة ببقعة نجسة كحصير أحد طرفيه طاهر والآخر نجس، فإن الصلاة على الطرف الطاهر تصح. قال بعض المتأخرين ولو تحرك الموضع النجس. بخلاف العمامة يكون بطرفها المنسدل نجاسة، فهاهنا يراعى التحرك، فإنْ تحرك الموضع النجس أثر في الصلاة وكان كمصل بنجاسة. ومذهب الشافعية أن من صلى بثوب، الطاهر منه عليه، والنجس على الأرض، لم تصح صلاته لاتصال ما عليه بالنجاسة. وقال أبو ثور تصح صلاته. وقال أبو حنيفة إن لم يتحرك بتحركه صحت صلاته. وأجاز مالك للمريض أن يصلي على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبًا كثيفًا طاهرًا. واختلف الأشياخ في الصحيح هل هو في هذا كالمريض أو بخلافه؟ فقال بعضهم هو كالمريض لأن مصلاه طاهر. فنجاسة ما تحته كنجاسة طرف الحصير الآخر الذي ذكرنا أنه لا يؤثر في الصلاة ولو تحرك. وقال بعضهم لا يباح ذلك للصحيح. لأنه بصلاته يكون محركًا للنجاسة. وقد قدمنا فيما مضى الكلام على النجاسات الضرورية. ووسعنا القول في فروعها بما يغني عن إعادته. ومما أغفلنا ذكره هناك ويناسب ما نحن فيه اختلاف المذهب فيما تداوى به الجراح من النجاسة. فقال مالك في المرتك الذي يصنع من عظام الميتة إذا جعل في القرحة لا يصلى به حتى يغسل. ورخص ابن الماجشون في ترك غسله

стр. 820

وأجاز الصلاة به. فكان مالكًا أبقى هذه النجاسة على أصلها. وكأن ابن الماجشون أخرجها عن أصلها للضرورة. إما لحدوث الألم والضرر بنزعها، أو بغسلها. وقد اختلف الناس فيمن جبر عظمه بعظم نجس. فقال أبو حنيفة لا يجب قلعه إذا التحم. وقالت الشافعية يجب قلعه وإن التحبم إذا لم يؤد إلى التلف أو تلف ذلدق العضو. ومن الشافعية من أوجب قلعه وإن أدى إلى التلف. فحجة أبي حنيفة أن العظم إذا التحم صارت النجاسة باطنة فلم تجب إزالتها كالخمر إذا شربها. وأجابت الشافعية عن هذا بأن الخمر تجب إزالتها بأن يتقيا. فلم يسلم أصل القياس. قالوا: ولو سُفم أنه لا يلزم إزالة الخمر، فإنما ذلك لأنه أوصلها إلى معدن النجاسة. والعظم بخلاف ذلك. ورأت الشافعية أنها نجاسة باقية على أصلها تجب إزالتها ما لم يمنع من ذلك مانع وهو تلف العضو. ورأى بعضهم أن تلفه ليس بعذر يسقط الإزالة. وقد قدمنا مذهبهم فيمن خاف باستعمال الماء التلف هل له أن يتيمم؟. وأما الصلاة مستقبلًا النجاسة فقال ابن حبيب من تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد، إلا أن تكون بعيدة جدًا. وقال مالك في المدونة فيمن صلى وأمامه جدار مرحاض فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرًا. قال بعض أشياخي لو ظهرت النجاسة في هذا الجدار ببلل، ونحوه لم يُصل إليه. فصل الجمع بين الصلاتين قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ويجوز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت أيتهما شاء إذا جد به السير، والاستحباب في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية. وذلك في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء ولا يتنفل بينهما. قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الأسباب المبيحة للجمع؟. ٢ - وهل يجوز لغير سبب؟.

стр. 821

٣ - وما الدليل على جواز الجمع في السفر؟. ٤ - وما صفة السفر المبيح للجمع؟. ٥ - وما وقت الجمع؟. ٦ - ولِمَ قال لا يتنفل بينهما؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الأسباب التي تكلم أهل العلم على كونها مؤثرة في جواز الجمع أربعة. أحدها السفر. والثاني المطر. والثالث المرض. والرابع الخوف. وقد تكلم القاضي أبو محمَّد ها هنا على سببين منها وهما السفر والمطر. وسنلحق نحن الكلام على السببين الآخرين في أثناء كلامنا على ما تكلم عليه وإنما انحصرت الأسباب في هذه الأقسام لأنه لا يتصور عذر في غالب الأمر يشق معه أداء الصلاة على الفرض الأصلي سوى هذه الأسباب. ولهذا انحصر الأمر فيها. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الجمع لِغير سبب فإنه مأخوذ مما قدمنا الكلام عليه في أول كتاب الصلاة لما ذكرنا اشتراك الظهر والعصر في الوقت. وذكرنا الخلاف في ذلك، وسبب الخلاف. وأشرنا إلى أن من ذهب إلى الاشتراك يستدل بجمع عرفة والمزدلفة. وإن الجمع بعرفة ترك فيه الوقت لفضل الوقوف. فلو كان الوقت فرضًا لما ترك لما ليس بفرض وكذلك تأخير المغرب في المزدلفة لأجل الإفاضة. فلو كان الوقت فرضًا ما ترك للإفاضة، وما ورد من الأحاديث في جمعه ﵊ في السفر. وأن من نفى الاشتراك يحتج بحديث الأوقات، ويرى أن سبب وجوب الصلاة: الوقت. فلو كان الوقت واحدًا لم يفتقر إلى التمييز بين الصلاتين في النية كما لم يحتج إلى التمييز في سائر أيام رمضان لاستواء أيامه في سبب الوجوب، وكونها من رمضان. فلما افتقر إلى التمييز في الصلاتين علم أن السبب مختلف، وأن الأوقات متميزة، وهذا الذي أحلنا عليه إنما يفيد النظر في الإجزاء إذا خولف في الأوقات حكم الاختيار. وإلا فالجامع لغير عذر منهي عنه عندنا. وقد قال القاضي إسماعيل في المبسوط لما نص على القول بالاشتراك واحتج له إنما هذا عند الضرورة كما فعله الأئمة. وأما من فعله لغير ضرورة فإنه

стр. 822

ينهى (١) عن ذلك ويُؤدب عليه. وفي التأديب هنا نظر لأن القاضي إسماعيل إذا سلم القول بالاشتراك لم يكن الجامع للصلاتين مخالفًا لوقت مفروض إلا أن يقصر الاشتراك على حال الضرورة والعذر وينفيه مع حال الاختيار. فيصح التأديب حينئذٍ. أو يكون أثبت الاشتراك في حال الاختيار وحال الضرورة. لكنه أدب من جمع اختيارًا لتاكد النهي عنده عن ذلك. وإلحاقه بالسنن المؤكدة، فيكون التأديب في ذلك جاريًا على قول من تقدم من أصحابنا أن تارك الوتر يؤدب. وقد قدمنا الاعتذار عن هذا القول وذكرنا ما تأول عليه. فإن جمع جامع اختيارًا فهل تصح الصلاة أم لا؟ في المجموعة قولان. ذكر عن ابن القاسم فيمن جمع بين العشاءين في الحضر من غير مرض أنه يعيد الثانية أبدًا. قال أبو محمَّد يريد أنه صلاها قبل مغيب الشفق. وذكر عن أشهب فيمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل مغيب الشفق أرجو أن تكون صلاته صلاة. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الجمع في السفر بين الصلاتين المتفق على أنه لا شركة بينهما في الوقت كالظهر مع الصبح والمغرب مع العصر فإنه لا خلاف في منع الجمع بينهما ولو تكاثرت الأعذار. وأما ما يشترك وقته كالظهر مع العصر والعشاء مع المغرب فإن الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا جائز باتفاق فقهاء الأمصار. وذلك بأنْ يُصلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها فيكون المصلي جمع بينهما فعلأولم ينقل إحداهما إلى وقت الأخرى. وقال أشهب في كتبه: يجوز مع الاختيار للحاضر والمسافر أن يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها. والعصر أول وقتها. قال وذلك أن ينقضي الظهر وقد صار ظل كل الشيء مثله أو يبتدىء صلاتها حينئذ فإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العصر. أو تنقضي المغرب إذا غاب الشفق أو يبتدىء صلاتها حينئذٍ فإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العشاء. وأما الجمع بينهما بنقل الوقت على الجملة فإنه يجوز عندنا وعند

стр. 823

الشافعي، ومنع أبو حنيفة من الجمع إلا بعرفة والمزدلفة. وقد وقع في المذهب عندنا الكراهية. فقال مالك في العتبية: أكره جمع الصلاتين في السفر. قال بعض المتأخرين: محمله على جهة إيثار الأفضل لئلا يتسهل فيه من لا يشق عليه. وقال أيضًا إذا ارتحل المسافرون عند الزوال فلا يجمعون. قيل معناه إذا كان نزولهم عند الغروب. وقال في كتاب ابن شعبان يكره الجمع في السفر للرجال ويرخص فيه للنساء. وسبب الاختلاف في هذا أن أحاديث الأوقات وبيانها ثابت مشتهر (١)، وفي بعضها ألفاظ تدل على الحصر على ما ذكر ونفي ما سواه من الوقت. كقوله وقت الظهر ما لم تحضر العصر إلى غير ذلك مما قدمنا ذكره من الأحاديث وهذا ينفي الجمع. وقد تواتر الجمع بعرفة والمزدلفة منقولًا بالعمل في سائر الأعصار ووردت أحاديث بجمعه ﵊ في السفر سنذكر نصوصها فيما بعد. وهذا يبيح الجمع. فايّ الأمرين أولى أن يؤخذ به؟ فرأى مالك والشافعي أن أحاديث الأوقات عمومات خص منها السفر بما ذكرناه من جمعه ﵊ في السفر. وأفاد هذا التخصيص الاشتراك في الحضر أو (٢) لم يفده على الاختلاف في ذلك ورأيا أن جمع الحجيج معلل في عرفة بمشقة الشغل الملهي عن الصلاة لأنهم في حط رحال وإقبال على دعوات وابتهال فصار ذلك عذرًا أباح الجمع. فقيس عليه المسافر فإنه ربما كانت حاجته للجمع أشد، وأيضًا الجمع بالمزدلفة لمشقة الاشتغال بالإفاضة إلى غير ذلك من المشاق المذكررة في هذا. فصار ذلك عذرًا أيضًا أباح الجمع. ورأى أبو حنيفة أن أحاديث الأوقات أولى أن تتبع لاشتهارها وكثرتها وكونها أقوالًا وأفعالًا، وجمع الحجيج لا يراه معللًا. لاذا لم يكن لم يقس عليه. وأخبار جمعه ﵊ يتأولها على أنه جمع بينهما فعلًا لا وقتًا. وهو يحيى الجمع فعلًا كما قدمناه عنه. ويؤكد هذا بأنه روي عن أنس أنه جمع بينهما فعلًا. ثم قال هكذا فعل رسول الله ﷺ وبقول ابن مسعود ما صلى ﵊ صلاة قبل ميقاتها الإ صلاتين صلاة العصر بعرفة وصلاة الفجر بالمزدلفة، فإنه قد

стр. 824

غلس بها (١). وإن ورد من الأخبار ما لا يمكن حمله على الجمع فعلًا، جوّز أن يكون ذلك من غلط الراوي في التقدير. وإن كان حمل الغلط على الرواة بعيدًا. فهذا سبب اختلاف فقهاء الأمصار في هذه المسألة. وأما ما وقع عندنا من الكراهة فقد ذكرنا ما تأول عليه. ويمكن أن يتأول فيه الاحتياط من الاختلاف الذي ذكرناه عن أبي حنيفة. والتفرقة في الكراهة بين الرجال والنساء يمكن أن يكون لشدة حاجة النساء إلى الصون عن الحط والترحال بخلاف الرجال. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: يجوز الجمع في السفر وإن كان سفرًا لا تقصر في مثله الصلاة خلافًا لأحد قولي الشافعي في أنه لا يجوز إلا في سفر القصر. ودليلنا جمع أهل مكة بين الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بالمزدلفة. قال القاضي أبو محمَّد ﵀ في غير كتابه هذا: ولأنه سفر مباح فأشبه ما يقصر فيه. وتقييده ها هنا بالإباحة إشارة إلى أنه لا يجمع في سفر المعصية. وسنتكلم على الاختلاف في تعلق الرخص بسفر المعصية إن شاء الله تعالى. وأما الشافعي فإنه يحتج في منع الجمع بالقياس على الفطر فلما كان الفطر لا يجوز في قصير السفر فكذلك الجمع. ولا يكون مجرد السفر الطويل مبيحًا للجمع عندنا دون أن يضامه وصف آخر. واختلف في الوصف المشترط فيه. فقال مالك في المدونة: لا يجمع المسافر في حج أو غيره حتى يجدّ به السير ويخاف ذوات أمر فليجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر في آخر وقتها ثم العصر في أول وقتها إلا أن يرتحل عند الزو الذيجمع حينئذٍ في المنهل. ويجمع بين العشائين بمقدار ما يكون المغرب في آخر وقتها قبل مغيب الشفق والعشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق. فأشار مالك ها هنا إلى اشتراط الجدّ في السير وخوف ذوات أمر. وهكذا اعتبر أشهب مبادرة ما يخاف فواته والإسراع إلى ما يهمه. واعتبر ابن الماجشون وابن حبيب وأصبغ قطع السفر بمجرده. فاباحوا للمسافر الجمع إذا كان القصد بالجد في السير قطع المسافة ولم يعتبروا خوف ذوات أمر لما روي أنه ﵊ كان إذا أعجل به

стр. 825

السير جمع بين المغرب والعشاء (١) فلم يذكر الراوي ها هنا سوى العجلة في السير. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما وقت الجمع فقد وردت في ذلك عن النبي ﷺ أحاديث فروى أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى آخر وقت العصر ثم نزل فجمع وإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر وركب (٢). وروى أنس أيضًا في كتاب مسلم كان النبي ﷺ إذا عجل به السير أخّر الظهر إلى آخر وقت العصر فيجمع ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق (٣). وروى معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها مع العصر وإذا ارتحل بعد أن ترتفع الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا. وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب (٤) وجمعه ﷺ بعرفة مشهور. وهو من هذا المعنى. لأنه قدم العصر. لأنهم يركبون للوقوف ولا يرفعون حتى تغيب الشمس. وكذلك جمعه بالمزدلفة وتأخيره المغرب، لأن الوقت يدخل عليهم وهم ركبان فلا ينزلون إلا بالمزدلفة. واعلم بأنا قدمنا في أول كتاب الصلاة من الكلام على الوقت الاختياري والضروري ما هو أصل لهذه المسألة. فإذا علمت من هناك جميع ما قلناه في تحديد الوقت الاختياري ووقت الاضطرار فالجمع ها هنا لا يخلو من ثلاثة أقسام. أحدها أن تصلي الصلاتان في وقت اختيار لهما جميعًا. والثاني أن يصليهما في وقت اختيار لإحداهما ضرورة للثانية (٥). والثالث أن يصليهما في وقت ضرورة لهما جميعًا. فأما الجمع بينهما في وقت اختيار لهما جميعًا فلا

стр. 826

يتصور إلا بان تقع أولى الصلاتين في آخر وقتها وأخرى الصلاتين في أول وقتها. وقد عُد هذا القسم في المدونة من قبيل ما لا يرخص فيه للمسافر إلا بأن يجدّ به السير ويخاف ذوات أمر. وقد حكينا قوله في المدونة في هذا لما قال لا يجمع المسافر إلا عند جذ السير وخوف ذوات أمر. فيصلي الظهر آخر وقتها والعصر أول وقتها. وهذا الذي في المدونة لا وجه لعدّه من قبيل الرخص، لأنه لم يختلف في أن تأخير الظهر إلى آخر وقتها اختيارًا جائز. وقد قدمنا ما قوله أشهب في كتابه من إجازة ذلك للمسافر اختيارًا وللحاضر أيضًا. وذكرنا قوله وإجازته ذلك بان تنقضي الظهر وقد صار ظل كل شيء مثله، أو يبتدؤها حينئذٍ. وقد تقدم نص قوله في هذا لكنه يمكن عندي أن يكون مالك ﵁ لما رأى أن وقت الاختيار أفضله أوله، وكان مؤخر الظهر إلى آخر وقتها، قد أحل بتحصيل هذا الفضل ألحق التأخير لأجل عذر السفر بأبواب الرخص. وصار فوته الفضل ها هنا لَمّا دعت إليه ضرورة السفر كفوت جملة وقت الاختيار أصلًا الذي لا يلحق منه تقصير لضرورة السفر. وقد أشار أشهب إلى هذا المعنى فقال في المجموعة لا أحب الجمع بين الظهر والعصر إلا بعرفة أول الزوال وهي السنة. قال: وللمسافر وإن لم يجدّ به السير من الرخصة في جمعهما ما ليس للمقيم. وله في جدّ السير أكثر مما له إذا لم يجدّ في ذلك، وللمقيم في ذلك أيضًا رخصة، لأنه يصلي في آخر (١) الوقتين الذي وفت جبريل ﵇. فإذا فاء الفيء قامة كان للظهر آخر وقت وللعصر أول وقته وأول الوقت فيهما أحبّ إلينا وإذا ساغ للحاضر جاز للمسافر وإن لم يجد به السير، وكذلك في المغرب والعشاء، ويكون مغيب الشفق وقتًا لهما يشتركان فيه. مع ما روي من جمع المسافر ولم يذكر جدّ السير. وأما جدّ السير فمجتمع عليه. وقد جمع النبي ﷺ في آخر وقت هذه وأول وقت هذه وذلك أن تنقضي المغرب وقد غاب الشفق أو يبتدىء بها حينئذٍ ثم يقيم فيصلي العشاء بعدها. وهذا في الظهر والعصر أجوز منه في المغرب والعشاء لأن المغرب إنما ذكر لها وقت واحد في الحديث. فأنت ترى أشهب لما ذكر الجمع في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية سماه

стр. 827

رخصة. وعقبه بقوله وأول الوقت فيهما أححت إلينا، ليشعر أن عدّه رخصة إنما كان لفوت فضيلة أول الوقت على حسب ما تأولناه على المدونة. وما ذكره أشهب في المغرب والعشاء إنما ذلك على القول بان للمغرب وقتين، وأشار إلى كونهما أخفض رتبة من الظهر والعصر لأجل الاختلاف في وقت المغرب. وأما الجمع في وقت اختيار لإحداهما ضرورة في الأخرى فيتصور بأن تقع الأولى في أول وقتها، والثانية في وقت لها ضروري ليس باختياري لأن من جمع بين الظهر والعصر عند الزوال فإن الظهر واقعة في وقتها المختار والعصر في وقت اضطرار. ويتصور أيضًا بان تؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر فيجمع بينهما. وأما كونهما يوقعان في وقت ضروري لهما فيتصور بأن يجمع بينهما قبل الغروب. فإذا وضح لك أن الخروج عن وقت الاختيار إنما يسوغ عند العذر والاضطرار فيجب أن يراعى حال المسافر. فإن كان زالت عليه الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه متى رحل لا ينزل إلا بعد الغروب، فإنه ها هنا يجمع بين الظهر والعصر عند الزوال إذا كان رحيله حينئذٍ، لأنا إن منعناه من الجمع فلا بد أن نكلفه النزول ليصلي المعصر قبل خروج وقتها، وفي النزول اضرار به. وإن لم نكلفه النزول صلى العصر بعد الغروب، وتأخير الصلاة عن جميع وقتها محظور. فلما تقابل الإضرار به في تكليف النزول، والتقصير في العصر بأن توقع في وقتها الضروري، رأى لك ﵀ أن مراعاة الضرورة آكد من مراعاة الاختيار في الوقت. ورأى المخالف أن مراعاة الاختيار في الوقت أولى من مراعاة الضرورة. وقد تقدمت الحجة لمالك في هذا. وقد ذكر في المدونة جمع المسافر في المنهل إذا كان رحيله عند الزوال ولم يذكر إباحة الجمع بين العشاءين إذا كان (١) رحيله عقيب الغروب. وذهب سحنون إلى جواز ذلك في العشاءين كجوازه في الظهر والعصر. وأشار بعض المتأخرين إلى أن مذهب المدونة خلاف ما قال سحنون. ووُجَّه ظاهر المدونة عنده بأن ما بعد الغروب

стр. 828

ليس بوقت للرحيل في العادة، فإذا وقع نادرًا لم تتعلق به الرخصة كما تعلقت (١) بالرحيل عند الزوال. لأن الرخص لا تتعلق بالشواذ (٢). وأما سحنون فإنه يحتج بالقياس على الظهر والعصر. وإذا كانت الإباحة عند الزوال لعذر الرحيل عنده. فلو زال العذر بان نزل بعد الزوال فجمع بينهما حينئذٍ لا لعذر استئناف الرحيل حينئذٍ فإنه يعيد العصر ما دام في الوقت. رواه زياد عن مالك. قال بعض المتأخرين وكذلك يجب أن يكون حكم من جمع بين الصلاتين ولم يجد به السير عند من شرط في الجمع أن يجد به السير. وفي هذا نظر عندي لأن اشتراط الجد في السير لا يبلغ مبلغ مخالفة وقت الاختيار في الحرمة. وإذا أمكن أن لا يبلغ الجدّ في السير عند من اشترطه مبلغ وقت الاختيار في الحرمة والتاكد، لم يصح إلزامه أن يقول بالإعادة في الوقت فيمن جمع ولم يجدّ به السير. وإن كان المسافر الراحل عقيب الزوال من المنهل يعلم أنه ينزل قبل تصرم وقت الصلاة الثانية لم يجمع، بل يصلي الظهر قبل رحيله والعصر إذا نزل قبل الاصفرار. وكذلك المغرب عند الغروب والعشاء قبل ثلث الليل أو نصفه. لأن إيقاع كل صلاة ها هنا في وقتها المختار يمكنه على حسب ما يمكن الحاضر، فلا معنى للجمع. وإن كان المسافر، زالت الشمس أو غربت (٣) وهو على ظهر، ويعلم أنه ينزل قبل الاصفرار وقبل ذهاب ثلث الليل أو نصفه على الاختلاف في آخر وقت العشاء جمع في آخر وقت الصلاة الثانية ويكون هذا كالراحل عند الزوال من المنهل، وإن كان هذا أخر الأولى فاوقعها في وقت الضرورة والثانية في وقت الاختيار، والراحل من المنهل عند الزوال بالعكس من ذلك. لأنه قدم الثانية فاوقعها في وقت الضرورة وأوقع الأولى في وقت الاختيار. لكنهما يستويان في إزاحة (٤) صلاة واحدة عن وقتها المختار. وإنما اتفق نفي الضرر فيهما على هذا الأسلوب من التقديم والتأخير. وإن كان هذا

стр. 829

المسافر الذي أخذه الزوال أو الغروب وهو على ظهر لا ينزل في، النهار إلا بعد الغروب أو في الليل إلا بعد طلوع الفجر جمع الصلاتين في وقتهما المختار فيصلي الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها لأن الشرع لم يسوغ له تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها الضروري. فإذا كان ذلك لا يسوغ له ولا بد له من النزول فنزول تتفق فيه الصلاتان في وقتهما المختار أولى من نزول يقعان فيه جميعًا أو إحداهما في وقت ضروري. ولو كان المسافر زالت عليه الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه إذا رحل نزل بعد الاصفرار فهذا لا بد له من إيقاع الصلاة الثانية في غير وقتها المختار. فإن أبحنا له التعجيل والجمع أوقع العصر مقدمة على وقتها المختار. لان نهيناه عن الجمع أوقعها مؤخرة عن وقتها المختار. فهذا فيه إشكال. وطريقة النظر فيه الموازنة بين التقديم على الوقت أو التأخير عنه أيهما أخف فيركب؟ وقد أشار بعض أشياخنا إلى تخيير المسافر في ذلك. ورأى مع هذا أن تأخير العصر أولى لأنها توقع في وقت يخصها. وهذا الذي قاله ومال إليه من التأخير يظهر وجهه إذا قيل إن مؤخر العصر اختيارًا إلى الاصفرار ليس يأثم ولكنه مقضر. وأما إن قلنا بتأثيمه إذا أوقع العصر بعد الاصفرار على ما ذكره ابن سحنون عن مالك فإن ترجيح التأخير يحتاج نظرًا آخر. ولو كان المسافر زالت عليه الشمس وهو على ظهر ولا ينزل إلا بعد الاصفرار فإن ابن مسلمة أشار إلى جواز التأخير ليجمع الصلاتين إذا نزل. فقال فيمن خرج وأجمع السير يومه كله إلى الغروب يجمع إن شاء. وكذلك جمع أهل عرفة حين راحوا. قال: ولا أرى إلا أن وقتهما للضرورة من الزوال إلى الغروب. وهذا أيضًا يتّضح وجهه على القول بان المؤخّر إلى بعد الإصفرار لا يأثم. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما لم يتنفل بين الصلاتين المجموعتين في السفر لأن الجمع إنما أباحه ضرورة الجد في السير، فسقط مراعاة وقت الاختيار لضرورة الاستعجال والتنفل يشعر بالطمأنينة والاستقرار. فلما نافى التنفل ما وضع الجمع له لم يكن لإدخاله في الجمع معنى. ولهذا اجتنب من اجتنب التنفل في السفر لأنه إنما رأى أنه ينافي ما وضع للمسافر من وضع شطر الصلاة.

стр. 830

قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ويجوز في الحضر لعذر المطر في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر. قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة. منها أن يقال: ١ - ما الدليل على جواز الجمع في المطر؟. ٢ - وما المساجد التي يجمع فيها؟. ٣ - وما الصلوات التي يجمع بينهما (١) فيه؟. ٤ - وهل الجمع سنة أم لا؟. ٥ - وهل يكون الطين عذرًا كالمطر؟. ٦ - وما وقت الجمع؟. ٧ - وهل يتنفل بين صلاتي الجمع؟. ٨ - ومن الذي يباح له الجمع؟. ٩ - وما حكم الجمع في المرض؟. ١٠ - وما حكمه في الخوف؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في جواز الجمع لأجل المطر فأجازه مالك والشافعي ومنعه أبو حنيفة والمزَني. وقد قال ابن القاسم في المجموعة من جمع بين المغرب والعشاء في الحضر لغير مرض أعاد العشاء أبدًا. قال بعض المتأخرين هذا يقرب من قول أبي حنيفة. وكأن هذا لما رأى ابن القاسم استثنى المرضى خاصة استلوح من ذلك أنه لا يرى المطر عذرًا كالمرض. وأنه لو رآه عذرًا لذكره كما ذكر المرض. وهذه المسألة مبنية على القول بالاشتراك في الوقت، فإذا قيل بنفيه لم يكن للجمع وجه وإذا قيل بإثباته فقد تقابل فضيلتان، إحداهما فضيلة وقت الاختيار، والثانية فضيلة الجماعة، فتجب الموازنة بينهما. فمن رجح فضيلة الوقت لم يجمع ورأى أن صلاة العشاء فذًا بعد مغيب الشفق أولى منها جماعة قبل مغيبه. ومن رجح فضيلة الجماعة ورأى أن صلاة العشاء جماعة قبل مغيب الشفق أولى منها فذًا

стр. 831

بعد مغيبه جمع. وقد روي أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (١). قال مالك أراه في المطر. وهذا الحديث دليل على جواز الجمع على الجملة على تأويل مالك. وسنتكلم على باقي هذا الحديث بعد هذا إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد قدمنا أن مذهبنا جواز الجمع لأجل المطر فإذا كان جائزًا فسائر المساجد في ذلك سواء. وروى ابن شعبان عن مالك أنه لا يجمع إلا في مسجد النبي ﷺ . وهذا الاختلاف راجع إلى ما تقدم من الموازنة بين الفضيلتين. فكانه رأى في المشهور أن فضيلة الجماعة في سائر المساجد تربي على فضيلة وقت الاختيار. وروى في هذه الرواية الشاذة عنه أنها لا تربي إلا إذا كانت في مسجد النبي ﷺ لِعظَم فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد، وأصل الجمع إنما وقع في مسجده ﷺ . ويمكن أن يكون إنما فعل ذلك فيه لاختصاصه بالفضل، فلا يقاس غيره عليه. وعلى هذه الطريقة قال مالك ﵁ فيمن أتى المسجد وقد جمع الناس فلا يصلي العشاء وحده قبل الشفق إلا في مسجد الحرمين. لأجل أن فضيلة المسجدين تربي على الفضيلة التي أحل بها. وهذا الذي ذكرناه عن مالك يقتضي جواز الجمع في المسجد الحرام. وقد اختلف أي المسجدين أفضل؟ ولو قيل إن مسجد المدينة أفضل لأمكن أن يستخف الجمع في المسجد الحرام لأجل الخلاف فيه. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الصلوات التي لا اشتراك بينهما في الوقت كالعصر والمغرب، والعشاء والصبح، أو الصبح والظهر فلا خفاء في منع الجمع بينهما. وأما التي بينهما الاشتراك كالظهر والعصر، أو المغرب والعشاء فعندنا أن الجمع لعذر المطر مختص بصلاتي الليل المغرب والعشاء دون صلاتي النهار: الظهر والعصر. خلافًا للشافعي في إجازته ذلك بين الظهر والعصر كما يجيزه في المغرب والعشاء. وسبب هذا الاختلاف أن

стр. 832

الشافعي رأى أن قاعدة جواز الجمع اشتراك الأوقات. والاشتراك ثابت بين الظهر والعصر كثبوته بين المغرب والعشاء، والمطر موجود في حق الجميع فوجب أن لا يفترق الحكم في ذلك. ورأى مالك أن مجرد الاشتراك لا يحيى الجمع دون تحقق العذر. والعذر إنما يتحقق في صلاة الليل دون صلاة النهار، لأن المطر لا يقطع الناس عن التصرف في أمور (١) دنياهم في النهار فإذا كانوا غير منقطعين عن التصرف فتكليفهم التصرف إلى المساجد لا يضر بهم. وهم في الليل لا يتصرفون. فتكليفهم التصرف إلى المساجد مع المطر إضرار بهم. فلما اختلفت مواقع العذرين، اختلفت مواقع الأحكام. وقد يحتج للشافعي بما قدمناه من حديث ابن عباس أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (٢). قال مالك أرى ذلك كان في المطر. وقد تأول مالك الحديث على المطر وفي تأويله لذلك تسليم لاحتجاج الشافعي به. ولكنه خالف ما تأول الحديث عليه في الظهر والعصر لما قدمنا ذكره من اعتباره (٣) مواقع الضرورة. وقد قال بعض البغداديين من أصحابنا يمكن أن يكون قول مالك: "أراه في المطر" أي في مطر غالب منع من تقديم الظهر فأخرها إلى آخر وقتها. وقد تؤول الحديث على غير تأويل مالك فقيل إنما فعل ذلك ليري اشتراك الوقت. وقد سئل ابن عباس على المراد بذلك فقال: أراد أن لا يحرج أمته. ويمكن أن يكون فعل ذلك لأجل مرض. ويمكن أن يكون إنما جمع بأن صلاهما في وقتهما المختار فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها الذي كرهه (٤) مالك في الظهر والعصر. وقد قال بعض أصحابنا البغداديين لعله فعل ذلك لعذر أوجبه من حشد أو غيره. وقيل يمكن أن يكون هذا مختصًا بمسجد النبي ﷺ لأجل ما اختص به من الفضيلة على ما قدمناه. فيجوز فيه الجمع بين صلاتي النهار وصلاتي الليل ولا يجوز في غيره

стр. 833

من المساجد أصلًا على ما قدمناه من حكايته ابن شعبان عن مالك. وقد اختلفت الرواة عن ابن عباس كما اختلفت التأويلات فروي عنه في غير خوف ولا سفر كما قدمنا، وروي عنه في غير خوف ولا مطر. وهذا يرد تأويل مالك. وروي عنه أنه قال كان ذلك في سفرة سافرها. ويحتمل أن تكون هذه الروايات حكايات عن أوقات متغايرة. وخزج مالك في الموطإ أنه ﵊ عام تبوك كان يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا. ثم دخل ثم خرج فصاى المغرب والعشاء جميعًا (١). وهذا الحديث ذكر فيه الجمع بين الظهر والعصر جميعًا. ولكن على وجه تأخير الظهر لا على وجه تقديم العصر. ومالك إنما يكره الجمع بين الظهر والعصر في المطر بأن يقدم العصر عن وقتها المختار كما يفعل في العشاء. وليس في الحديث ما يقتضي ذلك. وقوله ها هنا في هذا الحديث ثم دخل ثم خرج، ظاهره أنه مقيم لا راحل سائر، لأن الدخول والخروج إنما يستعمل غالبًا في الدخول في المنزل أو الخباء لا في الخروج عن الطريق للصلاة. ثم الدخول إليها للمسير. وإذا كان ظاهره أنه ليس على ظهر الرحيل فلعله فعل ذلك لضرورة مطر. قال أبو الوليد الباجي يتعلق أشهب بظاهر هذا اللفظ. وقال: إن للمقيم رخصة في الجمع بين الصلاتين لغير عذر مطر ولا مرض. وهو قول ابن سيرين، فأطلق النقل ها هنا عن أشهب في جمع الحاضر بين الصلاتين. وقد قدمنا نحن نص قوله وإشارته إلى أن يكون ذلك في وقتهما المختار. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الجمع بين الصلاتين لأجل المطر رخصة. وقد أطلق مالك في المختصر القول بأنه سنة. قال بعض الأشياخ معناه أنه مما عُمل به. وسُن لنا أن نترخص بعمله، وإنما الجمع رخصة. وفي الموازية الجمع في السفر توسعة ورخصة لمن احتاج إليه وليس ذلك بسنة لازمة. وهكذا ينبغي أن يتأول قول مالك في المجموعة: سنة الجمع ليلة المطر أن ينادى للمغرب. على معنى أن من أخذ برخصة الجمع فسنة الجمع وطريقته كذا وكذا. وقد قال ابن قسيط في المدونة الجمع ليلة المطر سنة وقد صلاها

стр. 834

أبو بكر وعمر ﵃ على ذلك. وهذا يمكن أن يتأول أيضًا كما تأولنا قول مالك. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد ذكرنا أن المطر عذر يحيى الجمع. فإن لم يكن مطر ولكن كان طين وظلمة، فإن الجمع جائز أيضًا لأن الضرر بالتصرف في الطين في الليلة الظلماء كالضرر بالتصرف في الليلة المطيرة. فإن كان الطين والليلة مقمرة فظاهر المذهب منع الجمع لأن ضياء القمر يقوم مقام ضياء الشمس فلا يشق التصرف في الطين في الليلة المقمرة إلا كما لا يشق التصرف فيه بالنهار. والجمع معتبر بالمشقة. وقد قيل لمالك ﵁ في العتبية ربما ينجلي المطر ويبقى الطين أيجمعون؟ قال نعم. قال بعض أشياخي ظاهر هذا إجازة الجمع بمجرد الطين وإن لم تكن ظلمة. قال وكذلك قوله: "إذا كان الطين والوحل الكثير أرجو أن يكون له سعة في أن يصلي في بيته" يقتضي جواز الجمع لعذر (١) الوحل. وفي هذا الذي قاله نظر لأنه إنما أباح له التأخر عن الجماعة لأجل الوحل. وقد لا يحيى تقدمة الصلاة قبل الوقت لأجل الوحل لكون التقدمة قبل الوقت آكد من ترك الجماعة. فإذا أمكن أن يكون هذا المعنى قصد، فلا وجه لإلزامه ما قال. وقد ورد في الحديث إباحة التأخر عن الجماعة لأجل العذر. وفي الحديث الثابت إذا كانت ليلة باردة. وفي بعض الروايات ليلة ذات برد وريح أمر ﵊ المؤذن أن يقول: "ألا صلوا في الرحال" (٢). وقد خرج من محصول ما قدمناه أن الأسباب التي لها مدخل في الجمع ثلاثة: مطر، وطين، وظلمة. فإن اجتمعت جاز الجمع. وكذلك إن اجتمع منها اثنان ما كانا. وإذا انفرد منها واحد فكان المطر جاز الجمع. لان كان الظلام لم يجز وإن كان الطين فقدلان: المنع على ظاهر المذهب والجواز على ظاهر المستخرجة. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما وقت الجمع، فإن ابن حبيب حكى عن مالك أنه ينادي للمغرب أول الوقت، وإنما نودي لها حينئذٍ ليعلم

стр. 835

بالوقت من لا يجمع معهم. ويعلن بالأذان في المنار. وأما الأذان للعشاء فقال مالك يؤذن لها في داخل المسجد في مقدَّمه. وقال ابن حبيب يؤذن لها في صحن المسجد أذانًا ليس بالعالي. وقد قدمنا في باب الأذان الاختلاف في تكريره في صلاتي الجمع بما يغني عن إعادته ها هنا. فإذا أذن للمغرب في الوقت المذكور فهل يؤخر فعلها أم لا؟ اختلف قول مالك في ذلك. فالمشهور عنه تأخيرها قليلًا. وروي عنه أيضًا تصلّى بإثر الأذان لها من غير تأخير، وبه قال ابن وهب. ورواه البرقي عن أشهب. فوجه القول بتأخيرها مراعاة التقرب من الوقت المختار للعشاء. ووجه نفي التأخير أن الجمع للرفق والانصراف قبل الظلمة. وهذا إنما يتحصل مع التعجيل. وأيضًا فإن إيقاع المغرب أول وقتها أفضل. وقد قال بعض أشياخنا شأن الناس اليوم تأخير المغرب. فمن صلى المغرب في أول وقتها المعتاد فقد أخر التأخير المراد. وإنما أشار مالك إلى التأخير عن الوقت الذي كان النبي ﷺ يصليها فيه. وقد قال رافع بن خَديج كنا ننصرف من الصلاة وإن أحدنا ليرى مواقع نبله. وأشار شيخنا هذا إلى أن الأولى عنده التخيير في صلاة المغرب بين أن تقدم عند الغروب لأنه الوقت الأفضل فيها، ولم تدع ضرورة إلى تأخيرها. أو تؤخر وتجمع مع العشاء. وأما العشاء فيختار فيها ما قاله في المدونة أن ينصرف الناس وعليهم إسفار (١). لأن تقدمتها عن هذا لم تدع إليه ضرورة وتاخيرها عنه يوقع في الضرر. وفي الذي قاله نظر، لأن التخيير في أن يصلي المغرب أول الوقت ثم يؤخر العشاء إلى أن ينصرف الناس وعليهم إسفار، فيه إيقاع العشاء قبل وقتها غير مجموعة لما قبلها. وإنما جاءت التقدمة مع الجمع. والتقدمة مع التفرقة لم تنقل. ولم يصحبها عمل. ألا ترى أن التنفل بينهما منهي عنه علي أحد القولين، لأن في فعله إحالة لمعنى الجمع. وقد كنا قدمنا ذكر ما في ذلك من إحالة معنى الجمع. فإذا قلنا بالتأخير على القول المشهور فما مقداره؟ قال في المدونة يؤخرون المغرب شيئًا ثم يصلونها ثم يصلون العشاء وينصرف الناس وعليهم

стр. 836

إسفار قليل. وقال أشهب في مدونته: إذا كان المطر، تؤخر المغرب إلى غيبوبة الشفق ثم يجمع. قال مالك في مختصر ابن عبد الحكم تؤخر المغرب ثم تصلى ثم يؤذن للعشاء ويطولون حتى يغيب الشفق أو معه ثم تصلى، وهذا الذي قاله في المختصر وذهب إليه أشهب يكاد أن يُخرج الجمع عن معناه. لأن معناه الرفق بالناس ورفع ما يدركهم من المشي في المطر والطين عند شدة الظلمة والتأخير إلى غيبوبة الشفق أو ما قرب من غيبوبته قربًا كثيرًا يوقع في الضرر الذي كان الجمع لرفعه وإزاحته. وإذا كانوا يصلون العشاء بعد أن غاب الشفق فلا معنى لتأخير المغرب عن وقتها المختار. ولا فائدة في ذلك وهو قد قال في المختصر تؤخر المغرب مع قوله يطول أذان العشاء حتى يغيب الشفق أو معه. وهذا فيه نظر كما قررناه (١). والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما التنفل بين العشاءين إذا جمع فاختلف المذهب فيه. فقال مالك لا يتنفل بينهما. وكل صلاتين يجمع بينهما فليس بينهما نافلة. ووجه هذا قد تقدم. وذكرنا أن التنفل بين المجموعتين يحيل معنى الجمع. وإذا كان محيلًا له ونافيًا لمعناه لم يحسن كما لم يحسن التنفل في السفر لكونه منافيًا (٢) لمعنى التخفيف بوضع شطر الصلاة عند من ذهب إلى ذلك. وأجاز ابن حبيب التنفل بينهما وكأنه رأى أن تَنَفل من في المسجد ما دام المؤذن يؤذن للعشاء الآخرة لا يحيل معنى الجمع، لأن الناس ينتظرون المؤذن حتى يفرغ. وقد قال بعض المتأخرين ما قاله مالك مبني على تقدمة العشاء لما في ذلك من الرفق. وما قاله ابن حبيب مبني على جواز التأخير بعد الأذان ليتنفل من يريد. وأشار إلى تخريج الخلاف في التنفل على التقديم والتأخير، وهذا حكم التنفل بينهما. وأما التنفل بعدهما فقد قال مالك في المستخرجة لا يتنفل بعد العشاء في المسجد. وقال أيضًا لا يُوترون في المسجد ولكن في منازلهم بعد مغيب الشفق. فأما التنفل بعد العشاء فيمكن أن يكون نهي عنه لأنه إنما أبيح الجمع

стр. 837

لينصرف الناس إلى منازلهم قبل الظلمة الشديدة، وفي التأخير للتنفل وقوع فيها. وأما الوتر فإنها سنة مؤكدة لم تدع الضرورة إلى تقدمتها قبل وقتها كما دعت في العشاء فلهذا أخرت إلى مغيب الشفق. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: لا يمنع قرب الدار من المسجد من الجمع. قال مالك يجمع الناس وإن كان فيهم قريب الدار إذا خرج منها دخل المسجد من ساعته. وقال يحيى بن عمر وغيره يجمع معهم المعتكف في المسجد. قال أبو محمَّد عبد الحق لو كان المعتكف إمامهم لم يكن له عندي أن يجمع بهم، ولكن يستخلف من يصلي بهم ويصلي هو معهم. لأن المعتكف إذا كان مأمومًا جمع معهم لكونه تبعًا للجماعة. فإذا كان المعتكف إمامًا لم يجمع بهم لأنه لا يكون حينئذٍ تبعًا لأحد. وتنازع الأشياخ في المرأة تجاور المسجد وتصلي أبدًا مع الناس وهي في منزلها هل لها أن تجمع مع أهل المسجد إذا جمعوا؟ فمنع أبو عمران من جَمْعها لكون المطر غير مانع لها من الصلاة بالمكان الذي اعتادت أن تصلي فيه مع الجماعة. فصارت كمن حاول الجمع لغير عذر. وهذا التعليل وإن طرد في المعتكف والبائت في المسجد لغربته فإنهم يجمعون لمعنى آخر غير موجود في المرأة. إذ من كان في المسجد لا يقدر على مخالفة الإِمام بأن يجلس ولا يصلي معه. وخالفه غيره من الأشياخ ورأى أن هذه المرأة تجمع كما يجمع المعتكف. لأن الجمع وتقدمة الصلاة عن وقتها الاختياري إنما جاز لتحصيل فضل الجماعة. وهذا المعنى يحيى الجمع للمرأة كما أباحه للمعتكف. وهل يباح الجمع إذا حدث العذر بعد صلاة المغرب؟ في ذلك قولان. روى أصبغ عن ابن القاسم في القوم يصلون المغرب فهم يتنفلون لها إذ وقع المطر. فقال لا ينبغي أن يعجلوا العشاء إذا فرغوا من المغرب قبل أن يقع المطر. قال ابن أبي زيد وأعرف فيها قولًا آخر لا أعرف قائله. قال ابن أبي زمنين. قال أصبغ إن فعلوا ذلك فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى. قال بعض المتأخرين من ذهب إلى أن الجمع يكون أول الوقت أجاز الجمع ها هنا إذا

стр. 838

وقع المطر بعد صلاة المغرب. وفي الذي قاله نظر لأنه وإن قال بتقدمة الصلاتين أول الوقت فإنه قد ينهى هاهنا عن الجمع لأنهم لم يصلوا المغرب بنية الجمع. وقد اختلف المذهب فيمن صلى المغرب في بيته ثم أتى المسجد وصلى الجامعون فيه المغرب هل يصلي معهم العشاء أم لا؟ فقال بعض المتأخرين محتجًا لما في المدونة من الجواز: إن المغرب تؤدى في وقتها ولا تأثير لها في جواز تقديم العشاء، وإنما تقدم العشاء للتخفيف ولتحصيل فضل الجماعة. وهذا يحتاج إليه من صلى المغرب في بيته كما يحتاج إليه من صلاها في المسجد. قال ووجه الرواية الثانية: إن تقديم العشاء إنما أبيح لحكم الجمع ولذلك وصف به. ولو لم يكن للجمع فيه تأثير لوصف بتقديم العشاء خاصة. فإذا فات معنى الجمع امتنع تقديم العشاء، فإن صلاّها معهم على القول بالنهي فقد أساء ولا يعيد لأنه مما اختلف فيه. وكان النهي على معنى الاستحباب لما في الوقت من الاشتراك. وبنفي الإعادة قال ابن عبد الحكم وأصبغ. والتعليل في هذه المسألة بأن معنى الجمع إذا فات امتنع تقديم العشاء، يشير إلى ضعف التخريج الذي حكيناه عن بعض المتأخرين في مسألة وقوع المطر بعد صلاة المغرب. وقد ذكرنا الاختلاف في المطر لو وقع بعد صلاتهم المغرب. فلو كان ارتفع بعد صلاتهم المغرب وقد صلوها بنية الجمع. قال أبو محمَّد عبد الحق لا يمنع من الجمع إذ لا يُؤمن من عودة المطر. والأوْلى عندي مراعاة شاهد الحال. فإن كف المطر كفًا ظهر معه من الصحو ما يؤمن معه من عودة المطر فإنهم لا يجمعون، وكثيرًا ما يقلع المطر إقلاعًا يغلب على الظن معه أنه لا يعود عن قرب. ووقع في العتبية إذا كان المطر لا ينقطع وليس لتعجيلهم منفعة لدوامه، فلا بأس أن يجمعوا. وكذلك ذكر فيها أيضًا إذا كانوا في رمضان لا ينصرفون حتى يقنتوا، إن الأحب ألا يجمعوا فإن جمعوا ثم قنتوا فهم في سعة. وحكى ابن أبي زيد عن أبي بكر أنهم إذا جمعوا ثم قنتوا فعليهم إعادة العشاء. قال أبو محمَّد إنما لم ير مالك الإعادة لأنه لا بد أن ينصرف بعضهم، وأحب إلى أن يكون للأقل حكم الأكثر. فأنت ترى هذا الاضطراب في إجازة الجمع بمجرد المطر دون أن يصحبه ارتفاق بالجمع. وما قاله أبو بكر بن

стр. 839

اللباد من تأكد النهي عن الجمع هو أولى، لأنه قد عقل معنى الجمع في الشرع، وأنه حيث ما وقع إنما وقع للارتفاق به كما ذكرناه في جمع الحجيج بعرفة والمزدلفة، والجمع في السفر. وكذلك الجمع في المطر إذا لم يحصل به ارتفاق فلا معنى له. ولما استشعر أبو محمَّد صحة هذا الذي قلناه اعتذر عن مالك بأنه إنما وسع فيه إذا وقع مراعاة لحق من يريد الانصراف، ثم أشار إلى مراعاة عدد من يحب الانصراف هل هم الأكثر فيغلب حقهم في الجمع أم لا؟ وهذا الذي قاله من اعتبار حكم أكثر له أصل في الشرع وطريقة في النظر. والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: اختلف الناس في جواز الجمع لأجل المرض فاجازه مالك *﵁ على الجملة* (١). ومنعه الشافعي ﵀ وابن نافع من أصحابنا. وحكى ابن مزين عن ابن نافع أنه لا يجمع قبل الوقت ورأى أنه يصلي كل صلاة لوقتها. فمن أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يكن عليه قضاؤه. فاحتجت الشافعية بان الجمع لأجل الارتفاق في جمع الحجيج وجمع المسافر معلوم. ولا ارتفاق في جمع المريض بل إيقاعه الصلاتين مفترقتين أسهل عليه وأرفق به. ورأى أصحابنا أن لجمعه معنى. إما تحصيل الصلاة في وقتها الضروري إذا خاف أن يغمى عليه في وقتها الاختياري حتى يفوت. صاما لأن تحريكه (٢) مرة لصلاة واحدة أسهل عليه وأرفق به من أن يتحرك لها مرتين، أو يفتقر إلى وضوء ثان للصلاة الثانية إن لم يجمعهما. وإذا ثبت العذر والارتفاق جاز الجمع كجمع الحجيج وجمع المسافر. لا سيما وقد ذهب ابن سيرين وابن المنذر إلى إجازة الجمع للحاضر من غير عذر لما روي أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر من غير خوف ولا سفر (٣). وروي من غير خوف ولا مطر. وقد كنا قدمنا أن بعض المتأخرين حكى عن أشهب أنه قال: إن للمقيم رخصة في المجمع بين الصلاتين غير عذر مطر ولا مرض. وأشار إلى أن أشهب يوافق ابن سيرين وقلو قدمنا نص ما وقع لأشهب في هذا. فإذا كان هؤلاء

стр. 840

ذهبوا إلى إجازة جمع الحاضر من غير مرض. فكيف بالحاضر إذا كان مريضًا وله ارتفاق في الجمع؟ وإنما ذكرنا مذهب هؤلاء ها هنا لنشعرك بأن مراعاة الاشتراك قد قوي عند طائفة حتى أجازت الجمع لغير عذر. فإذا ثبت جواز الجمع فمتى وقته؟ اختلف المذهب في ذلك. فقال في المدونة، إن كان الجمع خوف الغلبة على العقل جمع بين الظهر والعصر عند الزوال وبين المغرب والعشاء عند الغروب. وإن كان للارتفاق جمع في صلاتي النهار وسط وقت الظهر وفي صلاتي الليل عند غيبوبة الشفق. واختلف على هذه الطريقة في وسط وقت الظهر فقال ابن حبيب: إذا كان الفيء ذراعًا وقال بعض الأشياخ بل نصف القامة. ومعنى قوله عند غيبوبة الشفق إذا فرغ منها غاب الشفق حينئذٍ. وهذا الاختلاف ها هنا في وسط الوقت كنحو الاختلاف في قوله في المدونة في المريض، والخائف، والمسافر، أنهم يتيممون وسط الوقت. فقال ابن أبي زمنين: وسط وقت الظهر نصف القامة. وهذا نحو ما حكيناه ها هنا عن بعض الأشياخ. وقال أبو عبد الله محمَّد بن سفيان المُقرىء ينبغي أن يكون وسط الوقت على ضرب من التقريب عند ثلث القامة لأن الشمس عند زوالها تبطىء حركاتها وكلما مالت أسرعت. فعلى قوله هذا يجمع المريض عند ثلث القامة. وفي مختصر ابن عبد الحكم أن وقت الجمع يستوي فيه الخائف على عقله والمرتفق بالجمع، فيجمعان بان تؤخر الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء. وفي مختصر ابن شعبان أنهما يستويان أيضًا ولكن يكون وقت الجمع أول وقت الظهر وأول وقت المغرب. وذهب أشهب وسحنون وابن حبيب إلى أنه إذا جمع للارتفاق جمع بينهما في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. ورأى بعض الأشياخ أن المريض الخائف على عقله غير في إيقاع الظهر عند الزوال أو عند آخر القامة. لأن تعجيل الصلاة أول الوقت غير واجب. فإن اختار تعجيل الظهر خير في العصر بين أن يجمعها مع الظهر أو يؤخرها. فإذا قلنا بأن الخائف على عقله يجمع أول الوقت فإن فعل ثم لم يغب عقله فقد قال عيسى يعيد الآخرة. وكأنه رأى أن الجمع أول الوقت احتياطًا للصلاة من أن يخرج وقتها ولم تصلّ لذهاب العقل. فإذا علم أن العقل لم يذهب فقد ارتفع شرط

стр. 841

إباحة التعجيل للثانية. وقد تقدم من الكلام في جمع المسافر ما يعلم منه وجه الاختلاف في هذا المعنى فمن تدبر ما قلناه هناك علم سبب هذا الاضطراب. والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما الجمع لأجل الخوف من العدو فقال ابن القاسم في العتبية لم أسمعه ولو فعله لم أر به بأسًا. وقد قال قبل ذلك لا يجمع بينهما فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١). فوجه إجازة الجمع بأن الجمع إنما شرع للارتفاق على ما قدمنا والحاجة إلى الارتفاق به في خوف العدو أمسّ فكان جواز الجمع أولى. ووجه المنع ما اعتل به لِما مُنع لأن الله سبحانه لما قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، اقتضى ذلك الاقتصار على الارتفاق بتحويل الصلاة عن هيئتها وشكلها لا بتحويلها عن وقتها. وتحويلها عن وقتها زيادة على ما وقع في القرآن. فلا يثبت إلا بدليل. فإذا قلنا بجواز الجمع فمتى وقته؟ أشار بعض المتأخرين إلى أنه يجري على حكم ما قدمناه في المريض من مراعاة شاهد الحال. فإن كان خوف العدو يتوقع منه تأخير الصلاة عن وقتها جمع في أول الوقت كما يجمع المريض في أوله إذا خاف تأخير الصلاة عن وقتها بذهاب عقله، وإن كان الخوف لا يبلغ إلى ذلك ولكن يمنع من الإقبال عليها والانفراد بها كما يجب، جمع في وقتها المختار. فصل الرعاف في الصلاة قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ومن رعف في صلاته فإن كان يسيرًا قتله وتمادى. وإن كان كثيرًا نظر فإن كان قبل تمام ركعة بسجدتيها قطع ومضى وغسل (٢) الدم واستأنف. وإن كان بعد عقد (٣) ركعة بسجدتيها فهو غير إن شاء

стр. 842

قطع وإن شاء مضى فغسل الدم في أقرب المواضع وبنى. وهذا للمأموم. واختلف في المنفرد. قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة. منها أن يقال: ١ - لِمَ بنى الراعف؟. ٢ - وما حكم الدم الذي يخرج له في الصلاة؟. ٣ - وما حكمه إذا تكلم في طريقه؟. ٤ - وفي أي موضع يبني؟. ٥ - ولِمَ لم يبن إذا لم يعقد ركعة؟. ٦ - وهل يلغي بعض ما عمله إذا بني؟. ٧ - ولمَ اختلف في المنفرد دون المأموم؟. ٨ - وما صفة بنائه؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الراعف فقد يتعلق في بنائه برواية ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوض وليبن على صلاته ما لم يتكلم" (١). وقد قدمنا نحن الكلام على هذا الحديث لما رددنا على أبي حنيفة قوله إن الحدث عن غلبة يبنى معه على الصلاة إذا توضأ. وذكرنا ما قيل في هذا الحديث. وإن ابن أبي مليكة لم يلق عائشة. وإن كان أصحاب أبي حنيفة قالوا: قد لقيها. لأنه قال سمعتها تقرأ إذ تلِقّونه بألسنتكم بكسر اللام وتخفيفها. وإن كان إسماعيل بن عياش أسند هذا الحديث فإن الشافعي قال إسماعيل سيء الحفظ فيما يرويه عن غير الشاميين. وابن أبي مليكة ليس شاميًا. وقد روى أصحاب أبي حنيفة مثل هذا الحديث من طرق غير طريق عائشة ﵂. وقد قال ابن عباس كان ﵊ إذا رعف في صلاته توضأ قيل معناه غسل الدم. وما تقدم من الكلام على هذه الأحاديث يغني عن إعادته. وقد روي

стр. 843

عن ابن عباس وابن عمر وأنس ﵃ أن الرعاف لا يمنع البناء. قال القاضي أبو محمَّد ولا مخالف لهم. وأشار إلى أنها صارت كمسألة إجماع من الصحابة. وإذا جاز البناء فإنه رخصة. والأفضل عند مالك أن يقطع ويستأنف، ولمالك في المجموعة: "ولولا ما قالت العلماء يبنى في الرعاف لرأيت أن يتكلم ويبتدىء. ولكن الشأن ما مضوا عليه. قيل فإن اختار الراعف أن يتكلم ويبتدىء. قال فلا بأس بذلك. وظاهر هذه الرواية أن القطع ليس بأفضل فإن اختار القطع وتكلم قبل أن يبتدىء الصلاة صحت صلاته. وإن ابتدأ من غير أن يتكلم فقال ابن القاسم يعيد الصلاة. قال ابن حبيب: كمن زاد في صلاته تعمدًا" (١). وكأنه رأى أن التمادي، لما كان جائزًا له ولم يحصل منه مما يضاد الصلاة ما يكون قاطعًا لها، وإنما حصل منه مجرد النية للقطع، لم يعدّ قاطعًا، وصار فيما يفعله كزائد في الصلاة تعمدًا. وقد كنا تكلمنا على تحويل النية في الصلاة عند ذكر القاضي أبي محمَّد في مفسدات الصلاة قطع النية عنها. فمن أحب تحقيق القول في هذا فليقف عليه هناك. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدم القاطر من أنف المصلي لا يخلو أن يكون لا يرجو انقطاعه إذا انصرف لغسله أو يرجو ذلك. فإن كان لا يرجو انقطاعه إذا انصرف لعادة علمها من نفسه، فإنه لا ينصرف. ويكفه ما استطاع ويمضي على صلاته. وقد قال ابن المسيب فيمن رعف فلم ينقطع عنه الدم أتم صلاته إيماء. وقاله مالك أيضًا. قال ابن مسلمة إنما أومأ لأنه إن سجد أضر به ذلك وكثر عليه الدم، فجاز الإيماء للضرورة كمن برأسه صداع يمنعه من السجود. وقال ابن حبيب ليس عليه أن يركع ويسجد ويقوم ويقعد فيتلطخ بالدم. فأشار ابن مسلمة إلى أن العلة ضرورة المرض وما في معناه. وأشار ابن حبيب إلى أن العلة صيانة الثوب والبدن عن التلطخ بالدم فيمكن أن يكون ابن حبيب رأى أنه إذا ركع وسجد تلطخ بالدم، فصار حاملًا للنجاسة. وإذا لم يفعل

стр. 844

أمِن من التلطخ (١) وحمل النجاسة، فيكون أباح الإيماء للصون من النجاسة. ويمكن أن يكون رأى ذلك للتأذي بالتلطخ (١) فيكون ذلك كما حكاه ابن حبيب أيضًا في مسافر حضرته الصلاة والأرض كلها طين، فإنه يومئ للسجود عند ذلك عند مالك وأصحابه (٢) إلا ابن عبد الحكم فإنه قال يجلس ويسجد على الطين. ولمالك في العتيبة أنه يجلس ويسجد على الطين بقدر طاقته. واختلاف قول مالك في هذا مبني على تقابل أمرين فينظر في أيهما أولى والأولى ترك السجود صيانة للثوب والبدن من الطين، أو تقدمة حق الله تعالى في السجود. وإن تأذى بالطين، فقد تقدم اختلاف كثير في فروع مبنية على مثل هذا الأصل. وقد قيل ينبغي أن يؤخر هذا الراعف الصلاة إلى آخر الوقت المفروض رجاء أن ينقطع الدم عنه حينئذٍ. وكان هذا نحا به ناحية الراجي وجود الماء. وإن كان هذا الراعف يرجو انقطاع الدم، فإن (٣) كان يسيرًا يزيله بحكّه بين أصابعه فإن يفتله بين أصابعه (٤) ويتمادى على صلاته. وإن كان كثيرًا ويذهبه الفتل لثخانته فاختلف فيه: هل يفتله ويمضي على صلاته أو يخرج لغسله؟ فقال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون يصيبه الرعاف في الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب فيغمس أصابعه في حصباء المسجد ويردها ثم يمضي على صلاته. وفي المدونة ينصرف من الرعاف في الصلاة إذا سأل أو قطر، قل ذلك أو كثر فيغسله ويبني على صلاته. وإن كان غير قاطر ولا سائل قتله بأصابعه وتمادي. وكان أبو هريرة وابن المسيب وسالم ﵃ تتخضب أصابعهم دمًا من أنوفهم فيفتلونه ولا ينصرفون. وقال مالك في المبسوط *إذا خرج من أنف المصلي دم ففتله* (٥) فإن كان يسيرًا فلا بأس به. وإن كان كثيرًا فلا أحب

стр. 845

ذلك حتى يغسل أثر الدم. وفي المجموعة قيل لمالك إن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة، ويقدر أن يفتله؟ قال لا شيء (١) عليه. قيل له إن امتلأت الأربعة إلى الأنملة الوسطى قال هذا كثير. ورأى أن يعيد صلاته. قال بعضهم معنى قوله: إن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة أي كلما امتلأت أنملة فتلها. وإنما قال في امتلاء الأصابع إلى الوسطى ما قال لأنه امتلأ له أكثر من الدرهم فصار حامل نجاسة. فلهذا قال يقطع. وأما لو سأل ولم يصل إلى بدنه أو ثيابه فإنه ينصرف ويغسل الدم ويبني. وقد أشار بعضهم فيما حكيناه عن ابن المسيب ومن معه إلى أن ظاهره اختضاب الأصابع كلها وهذا في حيز الكثير. ولعل المراد الأنامل العليا. وسبب الاختلاف في هذا القسم ما كنا قدمناه من الاختلاف هل يراعى موضع النجاسة أو قدرها. فراعى عبد الملك قدر النجاسة وراعى في المبسوط موضعها لأنها حلت في محل كثير، وإن أذهبها الفتل. وقد تقدمت الإشارة إلى أن المذهب على قولين في هذا الأصل. وإن كان هذا الكثير لا يذهبه الفتل ويرجو انقطاعه متى غسله فهذا ينصرف لغسله في أقرب المواضع إلى ثم يعود إلى صلاته. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا تكلم الراعف في صلاته محمدًا بطلت صلاته. واختلف المذهب في كلامه سهوًا، فقال ابن حبيب إن تكلم في انصرافه أبطل صلاته وإن تكلم في رجوعه لم تبطل صلاته. وفي كتاب ابن سحنون أن الإِمام يحمل ذلك عن الراعف إذا كان قد عقد معه ركعة. وفي المدونة إن رعف الإِمام (٢) فلما خرج تكلم بطلت صلاته. قال ابن الماجشون: إن تكلم (٣) سهوًا أو عمدًا. وفي كتاب ابن سحنون إن تكلم سهوًا. والمستخلف في الصلاة حمل ذلك عنه. فوجه الإبطال مع العمد للكلام قصده بفعل ما يضاد
следующие страницы →